العقد المحدد والعقد الاحتمالي

العقد المحدد والعقد الاحتمالي

61 – العقد المحدد : هو العقد الذي يستطيع فيه كل من المتعاقدين أن يحدد وقت تمام العقد القدر الذي أخذ والقدر الذي أعطى ، حتى لو كان القدران غير متعادلين . فبيع شيء معين بثمن معين عقد محدد ، سواء كان الثمن يعادل قيمة المبيع أو لا يعادله ما دامت قيمة المبيع ومقدار الثمن يمكن تحديدهما وقت البيع .

62 – العقد الاحتمالي : هو العقد الذي لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين أن يحدد وقت تمام العقد القدر الذي أخذ أو القدر الذي أعطى ، ولا يتحدد ذلك إلا في المستقبل تبعاً لحدوث أمر غير محقق الحصول أو غير معروف وقت حصوله . فالبيع بثمن هو إيراد مرتب مدى الحياة عقد احتمالي ، لأن البائع وإن كان يعرف وقت البيع القدر الذي أعطي لا يستطيع أن يعرف في ذلك الوقت القدر الذي أخذه ، إذ الثمن لا يتحدد إلا بموته والموت أمر لا يعرف وقت حصوله . والمشتري أيضاً كالبائع يباشر عقداً احتمالياً ، فهو يعرف القدر الذي أخذه ، ولكنه لا يعرف القدر الذي أعطي وهو الثمن الذي لا يمكن تحديده وقت البيع لما سبق بيانه . ومن العقود الاحتمالية الشائعة عقود التأمين وعقود الرهان والمقامرة ( [1] ) .

هذا وقد يظن لأول وهلة أن تقسيم العقد إلى محدد واحتمالي لا يكون إلا في عقود المعاوضة ، وليس في عقود التبرع إلا عقود محددة . ولكن الصحيح أن عقد التبرع قد يكون احتمالياً إذا كان الموهوب له لا يستطيع أن يحدد وقت تمام العقد القدر الذي يأخذ ، كما إذا وهب شخص لآخر إيراداً مرتباً طول حياته .

63 – أهمية هذا التقسيم : والتمييز بين العقد المحدد والعقد الاحتمالي له أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية . أما من الناحية القانونية فأهميته محدودة . ومن أهم نتائجه أمران :

 ( 1 ) أساس العقود الاحتمالية هو ذلك الاحتمال ( alea ) في المكسب أو الخسارة . فلو أتضح أن هذا الاحتمال غير موجود في الواقع ، وإن حسبه المتعاقدان موجوداً ، فالعقد باطل ، كما إذا باع شخص منزلا بإيراد يعطي لشخص ثالث طول حياته ، فإذا بهذا الشخص قد مات قبل وقوع البيع .

 ( 2 ) لا يؤثر الغبن عادة في العقود الاحتمالية ، لأن الأساس الذي بنيت عليه هذه العقود هو كما تقدم غبن احتمالي يتحمله أحد المتعاقدين ( [2] ) .

7 – العقد الفوري والعقد الزمني ( [3] )

64 – العقد الفوري : هو العقد الذي لا يكون الزمن عنصراً جوهرياً فيه ، فيكون تنفيذه فورياً ولو تراخي التنفيذ إلى أجل أو إلى آجال متتابعة .

فبيع شيء يسلم في الحال بثمن يدفع في الحال عقد فوري ، لأن عنصر الزمن هنا معدوم ، إذ أن كلا من المبيع والثمن يسلم في الحال ، فهو عقد فوري التنفيذ .

وقد يكون البيع بثمن مؤجل ويبقي مع ذلك فورياً . ذلك لأن الزمن إذا كان قد تدخل هنا فهو عنصر عرضي لا دخل له في تحديد الثمن ( [4] ) . فالبيع بثمن مؤجل عندما يحين وقت تنفيذه ، يكون فوري التنفيذ . وليس الأجل إلا موعداً يتحدد به وقت التنفيذ ، ولا يتحدد به مقدار الثمن .

وقد يكون البيع بثمن مقسط ويبقى مع ذلك فورياً . إذ الثمن الذي يدفع أقساطاً ليس إلا ثمناً مؤجلا إلى آجال متعددة . وليست هذه الآجال إلا عناصر عرضية في العقد لا يتحدد بها مقدار الثمن . ويكون العقد في هذه الحالة فوري التنفيذ ، جزءاً جزءاً ، عندما يحين وقت التنفيذ لكل جزء منه .

وقد يكون الأجل الذي يضرب للتنفيذ إجبارياً ، لا اختيارياً كما في الأمثلة المتقدمة ، ويبقي مع ذلك عنصراً عرضياً لا يتحدد به المحل المعقود عليه ، فيكون العقد في هذه الحالة فوري التنفيذ . مثل ذلك النجار يتفق مع العميل على أن يصنع له دولاباً . فصنع الدولاب لا بد أن يستغرق زمناً ، ولكن هذا الزمن – وهو أجل إجباري – لا يتحدد به محل العقد . والأجل الإجباري هنا كالأجل الاختياري هناك ، كلاهما عنصر عرضي لا يقاس به المعقود عليه . ويكون عقد الاستصناع في المثل الذي قدمناه فوري التنفيذ عند ما يحين وقت تنفيذه ، أي بعد أن يتم صنع الدولاب .

ويتبين مما تقدم أن العقد الفوري يتحدد محله مستقلا عن الزمن ، وأن الزمن إذا تدخل فيه فإنما يتدخل عنصراً عرضياً لا عنصراً جوهرياً ، لتحديد وقت التنفيذ لا لتحديد المحل المعقود عليه . ذلك أن محل العقد الفوري – أرضا كان أو بناء أو عرضواً أو نقداً أو غير ذلك – إنما يمتد في المكان لا في الزمان ، أي أن له جرماً إذا هو قيس فإنما يقاس يجيز مكاني لا بمقياس زماني ، أو هو – كما يقول الدكتور عبد الحي حجازي في رسالته المعروفة – حقيقة مكانية لا حقيقة زمانية . وإنما سمي بالعقد الفوري ، ولم يسم بالعقد المكاني ، لأن الظاهرة الجوهرية فيه ليست هي في إثبات المكان له ، بل في نفي الزمان عنه .

65 – العقد الزمني : هو العقد الذي يكون الزمن عنصراً جوهرياً فيه ، بحيث يكون هو المقياس الذي يقدر به محل العقد . ذلك أن هناك أشياء لا يمكن تصورها إلا مقترنة بالزمن . فالمنعة لا يمكن تقديرها إلا بمدة معينة . والعمل إذا نظر إليه في نتيجته ، أي إلى الشيء الذي ينتجه العمل ، كان حقيقية مكانية ، ولكن إذا نظر إليه في ذاته فلا يمكن تصوره إلا حقيقة زمانية ، مقترناً بمدة معينة .

ومن ثم فعقد الإيجار عقد زمني لأنه يقع على المنفعة ، والزمن عنصر جوهري فيه لأنه هو الذي يحدد مقدار المنعفة المعقود عليها . وعقد العمل لمدة معينة ، عقد زمني ، لأن الخدمات التي يؤديها العامل لا تقاس إلا بالزمن ، فالزمن عنصر جوهري فيه إذ هو الذي يحدد مقدار المحل المعقود عليه .

وهناك من الأشياء ما يتحدد في المكان فيكون حقيقة مكانية ، ولكن المتعاقدين يتفقان على تكرار أدائه مدة من الزمن لسد حاجة تتكرر . فهو في ذاته يقاس بالمكان ، ولكن المتعاقدين اتفقا على أن يقاس بالزمان . مثل ذلك عقد التوريد ، يلتزم به أحد المتعاقدين أن يورد للمتعاقد الآخر شيئاً معيناً يتكرر مدة من الزمن . فمحل ا لعقد هنا – وهو الشيء المعين الذي اتفق على توريده – يقاس في ذاته بالمكان ، ولكن المتعاقدين اتفقا على أن يتكرر مرات مدة من الزمن ، فجعلاه يقاس ، كالمنفعة والعمل ، بالزمان لا بالمكان . فالمعقود عليه في كل من عقد الإيجار وعقد التوريد هو الزمن ، أو هو شيء يقاس بالزمن . ولكن المعقود عليه في عقد الإيجار يقاس بالزمن طبيعة ، أما المعقود عليه في عقد التوريد فيقاس بالزمن اتفاقاً .

ومن ثم ينقسم العقد الزمني إلى عقد ذي تنفيذ مستمر ( contrat a exe cution continue ) كعقد الإيجار وعقد العمل لمدة معينة ، وعقد ذي تنفيذ دوري ( contrat a execution periodique ) كعقد التوريد وعقد الإيراد المؤبد أو الإيراد مدى الحياة .

66 – أهمية هذا التقسيم : ترجع خصائص العقد الزمني إلى فكرة جوهرية هي أن المعقود عليه في هو الزمن . والزمن إذا مضي لا يعود . فإذا نفذ العقد الزمني حيناً من الزمن ، وأريد لسبب أو لآخر الرجوع في العقد استحال ذلك ، فإن الفترة من الزمن الذي نفذ فيها العقد قد انقضت ، وما نفذ من العقد أصبح تنفيذه نهائياً لا يمكن الرجوع فيه . أما العقد الفوري فلا يقوم على الزمن ، وإذا نفذ في جزء منه جاز الرجوع فيما تم تنفيذه . ويترتب على هذا الفرق الجوهري فيما بين العقد الزمني والعقد الفوري نتائج هامة ، نذكر منها ما يأتي :

 ( 1 ) الفسخ في العقد الفوري ينسحب أثره على الماضي ، لأنه يجوز الرجوع فيه . أما الفسخ في العقد الزمني فلا ينسحب أثره على الماضي لأن ما نفذ منه لا يمكن إعادته .

 ( 2 ) إذا وقف تنفذ العقد الفوري ، فإن هذا الوقف لا يؤثر في التزامات المتعاقدين من حيث الحكم بل تبقى هذه الالتزامات كاملة كما كانت قبل الوقف . أما العقد الزمني فوقف تنفيذه يترتب عليه النقص في كمه وزوال جزء منه ، إذ تمحي آثاره في خلال المدة التي وقف تنفيذه فيها . لأن هذه المدة لا يمكن تعويضها بعد أن فاتت بل قد يترتب على وقف العقد الفوري انتهاؤه إذا كانت مدة الوقف تزيد على المدة المحددة للعقد أو تساويها .

 ( 3 ) العقد الزمني تتقابل فيه الالتزامات تقابلا تاما ًن لا في الوجود فحسب بل أيضاً في التنفيذ ، فما تم منها في جانب يتم ما يقابله في الجانب الآخر . ففي عقد الإيجار الأجرة تقابل الانتفاع ، فإذا انتفع المستأجر مدة معينة التزم بدفع الأجرة بقدر المدة التي انتفع فيها . أما في العقد الفوري فإن التقابل إذا كان تاماً في الوجود فهو غير تام في التنفيذ . ففي عقد البيع بثمن مقسط إذا تقابل المبيع والثمن من حيث الوجود ، فليس من الضروري أن يتقابلا من حيث التنفيذ ، ويجوز أن يدفع المشتري أقساطاً من الثمن لا يأخذ ما يقابلها من المبيع ، ويلجأ إلى فسخ البيع فيسترد ما دفعه من الثمن .

 ( 4 ) الإعذار شرط لاستحقاق التعويض في العقد الفوري في أكثر الأحوال . أما في العقد الزمني فالاعذار ليس بضروري إذا تاخر الملتزم عن تنفيذ التزامه الزمني ، لأن ما تأخر فيه لا يمكن تداركه لفوات الزمن ، فلا فائدة ترتجي من الإعذار .

 ( 5 ) العقد الزمني لا يمكن إلا أن يكون ممتداً مع الزمن ، وبقدر ما يمتد يكون تغير الظروف محتملا ، ومن ثم كانت العقود الزمنية هي المجال الطبيعي لنظرية الظروف الطارئة . أما العقود الفورية فلا يمكن أن تنطبق عليها هذه النظرية إلا إذا كان تنفيذها مؤجلا ( [5] ) .


 ( [1] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بان العقد الاحتمالي هو الذي لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين تحديد ما يحصل عليه من المنفعة وقت التعاقد . وهي لا تتحدد إلا فيما بعد تبعاً لوقوع أمر غير محقق كبيع الثمار قبل انعقادها والزرع قبل نباته بثمن جزاف . والبيع بسعر الوحدة ليس احتمالياً لأن كلا من البائع والمشتري يعلم وقت العقد ما أعطى كما يعلم ما أخذ ( 18 ابريل سنة 1948 المحاماة 31 رقم 135 ص 365 ) .

 ( [2] ) ومع ذلك أنظر المادة 214 من القانون اللبناني ، وقد جاء في الفقرة الأخيرة من هذه المادة أن العقود الاحتمالية ذاتها قد تكون قابلة للإبطال بسبب الغبن . ويمكن حمل ذلك على أن احتمال المكسب والخسارة في جانب أحد المتعاقدين بعيد عن أي تعادل مع هذا الاحتمال في جانب المتعاقد الآخر .

 ( [3] ) رجعنا في هذا الموضوع إلى رسالة قيمة للدكتور عبد الحي حجازي ، عنوانها ” نظرية عقد المدة – العقد المستمر والدوري التنفيذ ” . القاهرة سنة 1950 . وقد آثرنا أن نسمي ” العقد الزمني ” ما مسماه الدكتور عبد الحي حجازي ” عقد المدة ” . ولا يزال العقد الزمني في مستهل تطوره الفقهي . ومن الخير أن يترك للفقه حتى يستكمل تطوره ، فينتقل بعد ذلك إلى التقنين . وسنعود للإشارة إليه في أماكن أخرى متفرقة .

 ( [4] ) وإذا كان قد روعى في الثمن المؤجل أن تضاف إليه الفوائد عن المدة التي أجل فيها ، فإن الزمن في هذه الحالة لا يتدخل إلا في تحديد الفوائد ، وهي في العادة نسبة ضئيلة من الثمن . أما في الفوائد ذاتها ، فالزمن عنصر جوهري .

 ( [5] ) وهناك تقسيم للعقود ، من حيث طبيعتها ، إلى عقد ذاتي ( contrat subjectif ) واتفاق منظم ( convention institutionnelle ) . فالعقد الذاتي هو اتفاق بين شخصين لهما مصلحتان متعارضتان ، وتكون الرابطة بينهما رابطة ذاتية عرضية تقتصر عليهما ولا تجاوزهما إلى غيرهما . مثل ذلك عقد البيع ترى فيه تعارضاً بين مصلحة البائع ومصلحة المشتري . والرابطة بينهما ذاتية مقصورة عليهما ، وهي لا تلبث أن تزول في أهم مشتملاتها بانتقال ملكية المبيع إلى المشتري . أما الاتفاق المنظم فعلى النقيض من العقد الذاتي يوجد مركزاً قانونيناً منظماً ثابتاً ( statut, institution ) هو أقرب إلى القانون منه إلى العقد ، فيسري على الغير كما يسري على الطرفين . هذا إلى أن الطرفين في الاتفاق المنظم لا تناقض بين مصالحهما وليس فيهما دائن ومدين ، بل لهما غاية متحدة وغرض مشترك . مثل ذلك الشركة ، فإن الشركاء اتفقوا على أن يوجد بينهم هذا المركز المنظم الثابت لغرض مشترك هو الغرض الذي يسعون إليه من وراء اشتراكهم ، ولا تعارض فيما بين مصالح الشركاء يماثل التعارض بين مصلحة البائع ومصلحة المشتري في عقد البيع ، كما أن نظام الشركة لا يسري على الشركاء فحسب ، بل هو أيضاً يسري على الغير الذي يتعامل مع الشركة . ومثل ذلك أيضاً الاتفاق الجامع للعمل ( contrat collectif du travail ) وهو يرمي إلى تنظيم القواعد التي تسري على عقود العمل الفردية بين العامل ورب العمل ، فينظم بذلك حالة مستقرة ثابتة تسري على من اشترك في العقد وعلى من لم يشترك .

والواقع أن الفرق بين العقد الذاتي والاتفاق المنظم ليس على قدر كبير من الوضوح . فهناك من العقود الذاتية ما يوجد رابطة مستمرة غير وقتية كعقد الإيجار ، فإنه يخلق رابطة مستمرة بين المؤجر والمستاجر ، وهذه الرابطة قد يتعدى أثرها إلى غير المتعاقدين كالمشتري للعين المؤجرة . والوكالة وهي عقد ذاتي يتعدى أثرها هي أيضاً إلى الغير الذي يتعامل مع الوكيل . والشركاء في عقد الشركة ، التي هي اتفاق منظم ، لهم مصالح متعارضة ، إذ كل شريك يريد أن يعطي للشركة أقل حصة ممكنة ويفوز بأكبر ربح ممكن . ومن ثم تدرك السبب في أن تقسيم العقد إلى عقد ذاتي واتفاق منظم ، وهو قسيم ابتدعه الأستاذ ديجيه في افقه الإداري ، لم يسد في الفقه المدني .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد

العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد

54 – العقد الملزم للجانبين : هو العقد الذي ينشيء التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين ، كالبيع يلتزم البائع فيه بنقل ملكية المبيع في مقابل أن يلتزم المشتري بدفع الثمن . والظاهرة الجوهرية في العقد الملزم للجانبين هو هذا التقابل القائم ما بين التزامات أحد الطرفين والتزامات الطرف الآخر .

55 – العقد الملزم لجانب واحد : هو العقد الذي لا ينشيء التزامات إلا في جانب أحد المتعاقدين فيكون مدينا غير دائن ، ويكون المتعاقد الآخر دائناً غير مدين . مثل ذلك الوديعة غير المأجورة يلتزم بمقتضاها المودع عنده نحو المودع أن يتسلم الشيء المودع وأن يتولى حفظه وأن يرده عيناً ، دون أن يلتزم المودع بشيء نحو المودع عنده .

والعقد الملزم لجانب واحد ( contrat unilateral ) هو كسائر العقود لا يتم إلا بتوافق إرادتين . وهذا بخلاف العمل القانونين الصادر من جانب واحد ( acte juridique unilateral ) فإنه يتم بإرادة واحدة ويكون التعبير بلفظ ” جانب واحد ” ( unilateral ) إذا اقترن بالعقد يعتبر فيه اثر العقد لا تكوينه ، وإذا اقترن بالعمل القانونين يلحظ فيه تكوين العمل القانوني لا أثره .

56 – أهمية هذا التقسيم : ولهذا التقسيم أهمية كبيرة ترجع إلى أن العقد الملزم للجانبين ينشيء التزامات متقابلة ، وهذا التقابل ( interdependence ) يؤدى إلى نتائج هامة لا نراها في العقد الملزم لجانب واحد حيث لا وجود للتقابل . ونذكر من هذه النتائج ما يأتي :

 ( 1 ) في العقد الملزم للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ ما في ذمته من التزام كان للمتعاقد الآخر أن يفسخ العقد . وهذا ما يسمي عادة بالشرط الفاسخ الضمني ( condition resolutoire tacite , lex commissoria ) ، إذ هو شرط مفهوم في كل عقد ملزم للجانبين ( أنظر المادة 157 من القانون المدني الجديد ) أما في العقد الملزم لجانب واحد كالوديعة فلا محل لهذا الفسخ ، لأن المقصود منه هو أن يتحلل الطرف الآخر من التزامه ولا التزام عليه حتى يطلب التحلل منه ، فبقى أن يطلب تنفيذ الالتزام الثابت في ذمة الطرف الأول ( [1] ) .

 ( 2 ) في العقد الملزم للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ ما في ذمته من التزام كان للمتعاقد الآخر ، بدلا من أن يطلب فسخ العقد ، أن يمتنع عن تنفيذ التزامه . فإذا طولب بالتنفيذ دفع دفع بوقفه حتى يقوم الطرف الأول بتنفيذ التزامه هو ( أنظر المادة 161 من القانون المدني الجديد ) . وهذا ما يسمونه بالدفع بعدم تنفيذ العقد ( exception non adimpleti contractus ) . أما في العقد الملزم لجانب واحد فلا محل لهذا الدفع ، لأن المتعاقد الآخر لم يتعلق في ذمته التزام حتى يطلب وقف تنفيذه .

 ( 3 ) في العقد الملزم للجانبين يطبق المبدأ القاضي بأن تحمل التبعة ( risqué ) يكون على المتعاقد الذي استحال تنفيذ التزامه . ويتخلص هذا المبدأ في أنه إذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لسبب خارج عن إرادته فإن الالتزام ينقضي بسبب استحالة التنفيذ ، وينقضي مع الالتزام المقابل له ، فينفسخ العقد من تلقاء نفسه ( أنظر المادة 159 من القانون المدني الجديد ) . ويكون المتعاقد الذي استحال تنفيذ التزامه قد تحمل تبعة هذه الاستحالة . أما في العقد الملزم لجانب واحد فإن الذي يتحمل التبعة هو المتعاقد الآخر لا المتعاقد الذي استحال تنفيذه التزامه . ذلك لأن هذا المتعاقد ينقضي التزامه بسبب استحالة تنفيذه ، ولا يعوض المتعاقد الآخر عن ذلك شيئاً لأنه لم يتعلق في ذمته التزام مقابل يسقط بسقوط الالتزام الأول ، فيكون هو الذي تحمل التبعة .

 ( 4 ) في العقد الملزم للجانبين يعتبر التزام أحد المتعاقدين سبباً ( cause ) لالتزام المتعاقد الآخر وفقاً للنظرية التقليدية في السبب ، وذلك للتقابل القائم ما بين الالتزامين . أما في العقد الملزم لجانب واحد فلا يوجد التزام مقابل يمكن اعتباره سبباً .

57 – العقد الملزم للجانبين غير التام contrat synallagma tique imparfait ) وكان القانون الروماني يعرف نوعا من العقود هو وسط بين العقد الملزم للجانبين والعقد الملزم لجانب واحد ، وكان يسميه بالعقد الملزم للجانبين غير التام . وهو عقد ملزم في الأصل لجانب واحد ، ولكن الجانب الآخر يلتزم بعد نشوء العقد بسبب غير العقد ، وذلك كالوديعة إذا التزم المودع بتعويض ما أصاب المودع عنده من الضرر بسبب الشيء المودع أو برد المصروفات الضرورية التي أنفقت في حفظ الشيء من الهلاك .

والصحيح أن العقد الملزم للجانبين غير التام إنما هو عقد ملزم لجانب واحد . وما عسى أن ينشأ من التزام بعد ذلك في جانب الدائن لم ينشأ من العقد ، بل هو التزام مصدره سبب آخر : العمل غير المشروع في حالة التعويض عن الضرر ، والإثراء بلا سبب في حالة رد المصروفات الضرورية . ولقد كان هذا التقسيم مفهوماً في القانون الروماني لأن العقود الملزمة للجانبين ودها هي التي كانت تعتبر في هذا القانون عقوداً يجب توافر حسن النية في تنفيذها ( de bonne foi ) ، أما العقود الملزمة لجانب واحد فكانت تعتبر عقوداً حرفية التنفيذ ( de droit street ) . فكان من المفيد أن توصف العقود الملزمة لجانب واحد بأنها عقود ملزمة للجانبين ولو على نحو غير تام حتى يتيسر اشتراط حسن النية في التنفيذ . ولكن هذه الفكرة الرومانية لم تعد قائمة في القانون الحديث ، وأصبحت كل العقود – سواء كانت ملزمة للجانبين أو ملزمة لجانب واحد – يجب أن يتوافر في تنفيذها حسن النية . فلم تعد هناك فائدة في أن تتسم العقود الملزمة لجانب واحد بسمة العقود الملزمة للجانبين .


 ( [1] ) أصبح عقد القرض وعقد العارية وعقد رهن الحيازة ، في القانون المدني الجديد ، عقوداً ملزمة للجانبين بعد أن صارت عقوداً رضائية ، وكانت عينية في القانون القديم كما أسلفنا الذكر . فالتسليم لم يعد ركناً في هذه العقود ، بل هو التزام في ذمة المعير والمقرض والراهن . على أن هذه العقود ، حتى عندما كانت عينية في القانون القديم ، كانت في رأينا ملزمة للجانبين ( أنظر نظرية العقد للمؤلف ص 131 هامش رقم 1 ) ، إذ أن كلا من المعير والراهن كان – ولا يزال – ملتزماً بترك العين في يد المتعاقد الآخر إلى الوقت الذي ينتهي فيه العقد . وهذا الالتزام يقابله التزام المتعاقد الآخر بالمحافظة على العين . فإذا اخل هذا بالتزامه ، جاز للمتعاقد الأول فسخ العقد واسترداد العين . وفي عقد القرض يلتزم المقرض بعدم استرداد مثل ما اقرضه إلا عند نهاية العقد ، وهذا الالتزام يقابله التزام المقترض بدفع الفوائد المشترطة . فإذا اخل هذا بالتزامه جاز للمقرض فسخ القرض واسترداد ما اقرض . وهذا التحليل يفسر ما انعقد عليه الإجماع من أن قاعدة الفسخ تنطبق على هذه العقود . ثم لا نكون في حاجة إلى القول مع بعض الفقهاء بان قاعدة الفسخ تنطبق على العقود الملزمة لجانب واحد كما تنطبق على العقود الملزمة للجانبين ، ولا إلى مسايرة فقهاء آخرين في تسمية الفسخ في هذه العقود بالإسقاط ( decheance ) ، بل نبقى الفسخ على طبيعته ، وتقصره على العقود الملزمة للجانبين ، ونجعله في الوقت ذاته ينطبق على العقود التي نحن بصددها . وسنعود إلى هذه المسألة عند الكلام في الفسخ .

ونرى أن هذا التحليل لا يزال ضرورياً حتى بعد أن أصبح التسليم في هذه العقود الثلاثة التزاماً لا ركناً . وذلك لأن كلا من المقرض والمعير والراهن إذا فسخ العقد في حالة إخلال المتعاقد الآخر بالتزامه ، فإنه لا يتحلل بذلك من الالتزام بالتسليم ، بل من الالتزام بترك الشيء إلى نهاية العقد .

وقد اعترض بعض الفقهاء على هذا الرأي ( أنظر الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت ص 55 – ص 66 والدكتور عبد المعطي خيال هامش فقرة 52 ) . وتتحصل اعتراضاتهم فيما يأتي :

ا ) أن وصف الواجب السبي المفروض على المعير بترك المستعير ينتفع بالعين المعارة ، وعلى الراهن بترك المرتهن يستغل العين المرهونة ، بأنه التزام وصف غير صحيح ، إذ أن هذا الواجب مفروض على الكافة أيضاً .

وردنا على هذا الاعتراض هو أن الواجب السلبي المفروض على المعبر وعلى الراهن يختلف اختلافاً جوهرياً عن الواجب السلبي المفروض على الكافة . فإن الكافة لا تربطهم علاقة شخصية بالمستعير والمرتهن ، فواجبهم السلبي في احترام حقهما هو ذات واجبهم السلبي في احترام أي حق آخر . أما المعير والراهن فقد ربطتهما علاقة شخصية بالمستعير والمرتهن ، والتزاما نحوهما التزاماً شخصياً بعدم استرداد العين قبل نهاية العقد . والفرق واضح بين التزامهما الشخصي بعدم استرداد العين وواجبهما السلبي في احترام أي حق آخر لا تربطهما بصاحبه علاقة شخصية .

ب ) أن تسليم العين المعقود عليها يتضمن في الوقت ذاته الالتزام بعدم التعرض ، فإن هذا هو غاية التسليم . والتسليم وغايته شيء واحد ، فتجزئته إلى مجرد تسليم وإلى تعهد بعدم المطالبة أو عدم التعرض تجزئة لما لا يقبل التجزئة .

وردنا على هذا الاعتراض هو أن التمييز بين التسليم وعدم التعرض ( أو عدم المطالبة ) أمر مألوف ، نراه واضحاً في عقود هامة كالبيع والإيجار . ومن المعروف إلا فرق بين العارية والإيجار إلا في الأجرة ، وها نحن نرى المؤجر يلتزم بتسليم العين المؤجرة ويترك المستأجر ينتفع بها إلى نهاية الإيجار ( في القانون القديم ) . فلماذا لا يلتزم المعير بتسليم العين المعارة ويترك المستعير ينتفع بها إلى نهاية العارية !

ج ) إذا أمكن تصور الفسخ في هذه العقود ، ف لايمكن تصور الدفع بعدم التنفيذ وتحمل التبعة .

وردنا على هذا الاعتراض هو أن هذا إنما يرجع إلى أن الدفع بعدم التنفيذ وتحمل التبعة يفترضان أن التسليم لم يتم . أما هنا فالتسليم قد تم ، ولم يبق إلا التزام بترك العين إلى نهاية العقد ، يقابله التزام بالمحافظة عليها .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

العقد البسيط والعقد المختلط

العقد البسيط والعقد المختلط

52 – العقد البسيط : هو ما اقتصر على عقد واحد ولم يكن مزيجاً من عقود متعددة . وقد يكون العقد البسيط عقداً مسمى كالبيع والإيجار ، كما يكون عقدا غير مسمى كالعقد الذي توضع بمقتضاه أسرة تحت تصرف مدرسة طبية .

53 – العقد المختلط : هو ما كان مزيجا من عقود متعددة اختلطت جميعاً فأصبحت عقداً واحدا . مثل ذلك العقد بين صاحب الفندق والنازل في ( contrat d’hotellerie ) ، فهو مزيج من عقد إيجار بالنسبة إلى المسكن ، وبيع بالنسبة إلى المأكل ، وعمل بالنسبة إلى الخدمة ، ووديعة بالنسبة إلى الأمتعة .

وليس هناك من أهمية كبيرة في امتزاج عدة عقود في عقد مختلط . فإن هذا العقد إنما تطبق عليه أحكام العقود المختلفة التي يشتمل عليها . على أن قد يكون من المفيد في بعض الأحيان أن يؤخذ العقد المختلط كوحدة قائمة بذاتها ، وذلك إذا تنافرت الأحكام التي تطبق على كل عقد من العقود التي يتكون منها . ففي هذه الحالة يجب تغليب أحد هذه العقود باعتباره العنصر الأساسي ، كما في عقد التليفون ، وهو يدور بين عقد العمل والإيجار ، فغلب القضاء المصري فيه عنصر عقد العمل ورفض دعوى استرداد الحيازة التي رفعها مشترك قطعت عنه المواصلة التليفونية ( [1] ) ، وكما في العقد الموصوف بأنه إيجار ابتداء وبيع انتهاء ( location – vente ) ، وهو يدور بين البيع والإيجار ، فحسم القانون الجديد ( م 430 ) النزاع في شأنه وجعله بيعاً .


 ( [1] ) محكمة مصر الكلية الوطنية في 3 أكتوبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 260 ص 361 .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

العقد المسمى والعقد غير المسمى

العقد المسمى والعقد غير المسمى

50 – العقد المسمى : هو ما خصصه القانون باسم معين وتولى تنظيمه لشيوعه بين الناس في تعاملهم . والعقود المسماة في القانون الجديد إما أن تقع على الملكية ، وهي البيع والمقايضة والهبة والشركة والقرض والصلح ، وإما أن تقع على المنفعة وهي الإيجار وعارية الاستعمال . وإما أن تقع على العمل وهي المقاولة والتزام المرافق العامة وعقد العمل والوكالة والوديعة والحراسة . ويضاف إلى ذلك عقود الغرر وهي المقامرة والرهان والمرتب مدى الحياة وعقد التأمين ، ثم عقود التأمينات الشخصية والعينية وهي الكفالة والرهن الرسمي ورهن الحيازة .

ويلاحظ أن العقد المسمى ، في غير النصوص التفصيلية التي تولت تنظيمه ، يخضع للقواعد العامة التي يخضع لها سائر العقود .

51 – العقد غير المسمى : هو ما لم يخصه القانون باسم معين ولم يتولى تنظيمه ، فيخضع في تكوينه وفي الآثار التي تترتب عليه للقواعد العامة التي تقررت لجميع العقود ، شأنه في ذلك شأن العقد المسمى . ولكنه لما كان أقل شيوعاً لم يفصل المشرع أحكامه اكتفاء بتطبيق القواعد العامة ( [1] ) .

وتتفاوت التقنينات فيما تسميه من العقود وتفصل أحكامه . وقد كان القانون المدني القديم لا ينظم عقد التزام المراق العامة ولا المقامرة والرهان ولا عقد التأمين ، ويقتضب اقتضابا مخلا تنظيم عقود المقاولة والعمل والحراسة . فعالج القانون الجديد هذه الأمور . ولا زالت هناك عقود غير مسماة صالحة لأن تنظيم فتصبح عقوداً مسماة كعقد النشر وعقد التوريد وعقد الأشغال العامة وعقد النزول في الفندق .

ومن الأمثلة على العقود غير المسماة أن يتفق شخص مع آخر على أن يثبت له ميراثاً يستحقه وأن ينفق على هذا العمل في نظير جزء من هذا الميراث يأخذه إذا وفق في إثبات الإرث ( contrat de revelation de suecession ) ، وأن يتفق شخص مع آخر على أن يبيع الأول شيئاً مملوكاً للثاني وأن يعجل له مبلغاً معيناً وما زاد من الثمن على هذا المبلغ يحتفظ به لنفسه . والعقد بين مدير المسرح والممثلين ، وبينه وبين الظارة ، واتفاق إدارة إحدى المستشفيات مع مدرسة طبية على أن يضع المستشفى تحت تصرف المدرسة بعضاً من الأسرة تستخدم للتعليم الطبي ، واتفاق التاجر مع صاحب مصرف على أن يقدم له معلومات عن الحالة المالية لتاجر آخر ، والعقد بين المصور أو الرسام مع الشخص الذي يصوره أو يرسمه ، كل هذه عقود غير مسماة ( [2] ) .


 ( [1] ) وقد كان المشروع التمهيدي يشير إلى ذلك ، فينص في المادة 123 على ما يأتي : ” 1 –تسري على العقود ، المسماة منها وغير المسماة ، القواعد العامة التي يشتمل عليها هذا الفصل . 2 – أما القواعد التي ينفرد بها بعض العقود المدنية تقررها الأحكام الواردة في الفصول المعقودة لها ، وتقرر قوانين التجارة القواعد الخاصة بالعقود التجارية ” . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أخذ هذا النص عن المادة 9 من المشروع الفرنسي الإيطالي . وليس يقصد به إلى ترك يد الفقه والقضاء طليقة في تمييز أنواع أو أنماط مختلفة من العقود فحسب ، بل أريد به ، بوجه خاص ، تقرير المبدأ الأساسي الذي يقضي بان القواعد المتعلقة بالعقود بوجه عام تسري على العقود المسماة كالبيع والإجارة والشركة . وغني عن البيان أن بعض الأحكام الخاصة بهذه العقود قد ينطوي على استثناء من القواعد العامة . ولكن الأصل هو تطبيق القواعد العامة على العقود المسماة كالبيع والإجارة والشركة . وغني عن البيان أن بعض الأحكام الخاصة بهذه العقود قد ينطوي على استثناء من القواعد العامة . ولكن الأصل هو تطبيق القواعد العامة على العقود جميعاً ، دون تفريق بين العقود المسماة وغير المسماة ، ما لم يرد نص خاص بشان الاستثناء ” . وعندما تليت المادة 123 من المشروع التمهيدي في لجنة المراجعة اقترح حذفها لعدم الحاجة إليها ، فوافقت اللجنة على ذلك . ومن ثم اغفل المشروع النهائي هذا النص لأنه يقرر حكما ظاهراً لا حاجة فيه إلى نص . ( أنظر في كل ذلك مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 2 ص 11 في الهامش ) .

ها وقد كان للعقود غير المسماة في القانون الروماني شأن آخر . فقد كان هذا القانون لا يعترف – فيما خلا العقود الشكلية – إلا بعقود محصورة العدد ، بعضها رضائي ، وبعضها عيني ، وأخرى اتفاقات يجعل لها قوة العقود . ومن هذه الاتفاقات عقود اعترف بها تدرجاً وبعد تطور طويل ، وهي العقود غير المسماة . وكانت عقوداً لا تتم إلا إذا قام أحد الطرفين تنفيذ ما اتفق عليه من الطرف الآخر . وتنقسم إلى أقسام أربعة : 1 – عقود يقوم فيها الطرف الأول بنقل حق عيني فيتولد في جانب الطرف الآخر التزام بنقل حق عيني كذلك ( do ut des ) ، مثل ذلك المقايضة . 2 – عقود يقوم فيها أحد الطرفين بنقل حق عيني فيلتزم الطرف الآخر بعمل شيء ( do ut facias ) ، مثل ذلك الهبة بعوض . 3 – عقود يقوم فيها أحد الطرفين بعمل شيء فيلتزم الطرف الآخر بعمل شيء كذلك ( facio ut facias ) ، مثل ذلك أن يسلم شخص حيازة شيء لآخر فيلتزم الآخر برد هذه الحيازة عند أول طلب ( convention de precaire ) . 4 – عقود يقوم فيها أحد الطرفين بعمل شيء فيلتزم الطرف الآخر بنقل حق عيني ( facio ut des ) ، مثل ذلك عقد المحاسبة ( aestimatum ) يسلم فيه التاجر بضاعة لآخر فيلتزم الآخر إذا باعها أن يدفع ثمنها المتفق عليه وإلا رد البضاعة إلى صاحبها ، وهو عقد يدور بين البيع والعمل والوكالة .

 ( [2] ) أنظر والتون 1 ص 98 – ص 100 . وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن العقد الذي يعطي به شخص لأحد مجالس المديريات قطعة أرض نظير تعهد مجلس المديرية بإقامة مدرسة عليها في مدة معينة يعتبر عقداً غير مسمى ( 30 مايو سنة 1939 المحاماة 20 رقم 85 ص 232 ) . وقضت محكمة النقض بأنه إذا كان العقد مشتملا على التزامات متبادلة ، إذ التزم أحد الطرفين أن يملك الآخر ( مجلس مديرية المنيا ) قطعة أرض بشرط أن يقيم عليها مؤسسة خيرية ، فإنه لا يكون عقد تبرع ، كما أنه ليس ببيع ولا مقايضة ، وإنما هو عقد غير مسمى ، فلا تجب له الرسمية ، ولا يجوز الرجوع فيه ، وذلك على الرغم مما هو وارد ف يعقد الاتفاق من ألفاظ التنازل والهبة والتبرع ، فإن كل هذه الألفاظ إنما سيقت لبيان الباعث الذي حدا بصاحب الأرض إلى تمليك المجلس إياها ، فهي لا تؤثر بحال على كيان العقد وحقيقته ( نقض مدني 11 ابريل سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 49 ص 153 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

العقد الرضائي والعقد الشكلي والعقد العيني

العقد الرضائي والعقد الشكلي والعقد العيني

47 – العقد الرضائي : هو ما يكفي في انعقاده تراضي المتعاقدين ، أي اقتران الإيجاب بالقبول . فالتراضي وحده هو الذي يكون العقد . وأكثر العقود في القانون الحديث رضائية ، كالبيع والإيجار . وقد تقدم أن القانون لم يبلغ هذه القاعدة طفرة ، بل تطور إليها تدرجاً .

ولا يمنع العقد من أن يكون رضائياً أن يشترط في إثباته شكل مخصوص . إذ يجب التمييز بين وجود العقد وطريقة إثباته . فما دام يكفي في وجود العقد رضاء المتعاقدين فالعقد رضائي ، حتى لو اشترط القانون لإثباته كتابة أو نحوها . والفائدة العملية من هذا التمييز أن الكتابة إذا كانت لازمة لإثبات ( ad probatinum ) فإن العقد غير المكتوب يجوز إثباته بالإقرار أو اليمين . أما إذا كانت الكتابة ركناً شكلياً في العقد ( ad solennitatem ) فإن العقد غير المكتوب يكون غير موجود حتى مع الإقرار أو اليمين .

48 – العقد الشكلي : هو ما لا يتم بمجرد تراضي المتعاقدين ، بل يجب لتمامه فوق ذلك إتباع شكل مخصوص يعينه القانون . وأكثر ما يكون هذا . الشكل ورقة رسمية يدون فيها العقد . ولم يبق في القانون الحديث إلا عدد قليل من العقود الشكلية ، الغرض من استبقاء شكليتها هو في الغالب تنبيه المتعاقدين إلى خطر ما يقدمون عليه من تعاقد ، كما في الهبة والرهن ( [1] ) .

وقد تقدمت الإشارة إلى أن العقود بدأت تكون شكلية في القديم ، وتطورت بعد ذلك إلى أن صار أكثرها رضائياً والقليل هو الشكلي . وتختلف الشكلية الحديثة عن الشكلية القديمة في إنها أكثر مرونة . وتختلف عنها أيضاً ، وبوجه خاص ، في إنها لا تكفي وحدها في تكوين العقد . فالشكلية الحديثة ، إذا كانت لازمة ، فهي ليست بكافية ، بل لا بد أن تقترن بإرادة المتعاقدين . فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل . أما الشكلية القديمة فكانت وحدها هي التي تكون العقد ، لذلك كان لا يجوز الطعن فيها بالغلط أو التدليس أو الإكراه أو غير ذلك من الدفوع الموضوعية . فالشكلى إذن كان هو العقد لا الإرادة ( [2] ) .

49 – العقد العيني : هو عقد لا يتم بمجرد التراضي ، بل يجب لتمام العقد فوق ذلك تسليم العين محل التعاقد . ولا يكاد يوجد في القانون المدني الجديد مثل للعقد العيني إلا هبة المنقول ، فهذه قد تكون عقداً شكلياً إذا تمت بورقة رسمية ، وقد تكون عقداً عينياً إذا تمت بالقبض ( م 488 من القانون المدني الجديد ) . ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يتفق المتعاقدان على أن العقد لا يتم إلا إذا قام أحدهما بتنفيذ شطر من التزامه . ففي عقود التأمين يشترط أحياناً إلا يتم العقد إلا بعد أن يدفع المؤمن له القسط الأول ، والشرط صحيح في هذه الحالة ، ويكون العقد عينياً ولكن العينية هنا مصدرها الاتفاق لا القانون . أما القانون المدني القديم فكان يسير على نهج القانون الفرنسي ، ويجعل إلى جانب هبة المنقول عقوداً عينية أخرى أربعة : القرض والعارية والوديعة ورهن الحيازة . وكلا القانونين ورث عينية هذه العقود الأربعة عن القانون الروماني دون مبرر . فقد كانت هذه العينية مفهومة في القانون الروماني حيث كانت العقود في الأصل شكلية . ثم استغنى عن الشكل بالتسليم في بعض العقود ، وهذه هي العقود العينية . ولم يسلم بأن التراضي وحده كاف لانعقاد العقد إلا في عدد محصور من العقود سمي بالعقود الرضائية . أما اليوم فقد أصبح التراضي ، كقاعدة عامة ، كافياً لانعقاد العقد ، فلم يعد هناك مقتضى لإحلال التسليم محل الشكل . وقد قللت بعض التقنينات الحديثة عدد هذه العقود العينية ، فاستبقى القانون الألماني منها القرض ورهن الحيازة ، ولم يستبق قانون الالتزامات السويسري إلا رهن الحيازة وحده .


 ( [1] ) وقد يكون العقد رضائياً في أصله فيتفق المتعاقدان علىاني كون شكليا ، أي أن الشكلية تكون واجبة باتفاق المتعاقدين لا يحكم القانون . مثل ذلك أن يتفق المتعاقدان نبمقتضى عقد ابتدائي ، أن يكون التعاقد النهائي بالكتابة ، أو بمقتضى شرط في عقد الإيجار أن التنبيه بالاخلاء يكون بالكتابة . فتكون الكتابة في مثل هذه الحالات ركنا شكليا لا يتم العمل القانونين إلا باستبفائه . وقد يقصد المتعاقدان من اشتراط الكتابة أن تكون للاثبات لا لتكوين العمل القانونين . وإذا قام شك في تفسير قدص المتعاقدين هل الكتابة ركن شكلي أو هي الطريق للاثبات ، فالقضاء في مصر وفرنسا يتلمس من ظروف الواقع قرينة على ترجيح أحد الفرضين ، فإذا لم توجد قرينة مرجحة كان المفروض أن المتعاقدين اشترطا الكتابة للاثبات لا للانعقاد لأن الأصل في العقود أن تكون رضائية . أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف الوطنية في 21 فبراير سنة 1941 المجموعة الرسمية 15 رقم 105 – محكمة الاستئناف المختلطة في 18 مايو سنة 1933 م 45 ص 291 – ولكن القضاء المصري لم يستقر على هذا المبدأ وسيتبين ذلك فيما يلي – أنظر أيضاً في هذا المعنى محكمة النقض الفرنسية في 26 يونية سنة 1901 سيريه 1904 – 1 – 283 – وحكم آخر في 14 مايو سنة 1912 داللوز 1913 – 1 – 281 مع تعليق فاليرى Valery .

وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص في هذه المسألة يرجح أن تكون الكتابة للانعقاد لا للإثبات ، فكانت المادة 149 من هذا المشروع تنص على أنه ” إذا اتفق المتعاقدان على أن يستوفى العقد شرطا خاصا لم يشترطه القانون ، فالمفروض عند الشك إنهما لم يقصدا أن يلتزما إلا من الوقت الذي يستوفى فهي العقد الشكلي المتفق عليه ” . وقد جرى المشروع في ذلك على نهج كثير من التقنينات الحديثة ( القانون الألماني م 125 و م 154 فقرة 2 – قانون الالتزامات السويسري م 16 – القانون البولوني م 109 ) . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” إذا اتفق المتعاقدان على وجوب استيفاء شكل معين ، سواء أكان ذلك بمقتضى عقد تمهيدي أم كان بمقتضى شرط معين في عقد أصلي – كما هو الشأن في اشتراط الكتابة في التنبيه بالاخلاص في عقود الإيجار – فيفرض أن نيتهما قد انصرفت إلى ترتيب البطلان على عدم مراعاة هذا الشكل . وهذه هي دلالة القرينة التي تقيمها المادة 149 من المشروع . على أن الأمر لا يعدو مجرد قرينة بسيطة ، يجوز إسقاط حكمها بإثبات العكس ( التقنين الألماني تعليقات ج 1 ص 136 ) . وقد ذهب القضاء المصري إلى أنه إذا أريد تعديل عقد تم بالكتابة تعديلا ينطوي على تكليف جديد ، فيشترط أن يتفق ذوو الشأن على ذلك كتابة عن بينة منهم ( استئناف مختلط 23 ابريل سنة 1935 م 47 ص 263 ) . أما فيما يتعلق بالشكل الذي يتفق عليه المتعاقدان فلم يستقر القضاء على رأي بشأن دلالة الاتفاق عند الشك ، فهل يستتبع إغفال الشكل في هذه الحالة بطلان العقد ، أم يعتبر الشكل مشروطاً لتهيئة طريق للإثبات فحسب ؟ قضت محكمة الاستئناف المختلطة أنه لا يجوز لسمسار أن يتمسك بحصول الاتفاق بين المتعاقدين ليتأدى من ذلك إلى المطالبة بالسمسرة المتفق عليها إذا كان البيع قد علق على شروط عدة وأرجأ المتعاقدان ارتباطهما النهائي إلى وقت التوقيع على عقد يحرره محاموهما ما دام أن التوقيع لم يحصل ( 14 يناير سنة 1930 م 42 ص 182 ) . وعلى هذا النحو اعتبرت المحكمة أن إغفال الشكل الذي اتفق عليه يستتبع البطلان دون أن ينص صراحة علىذ لك . على أن هذه المحكمة نفسها قد حكمت في قضية أخرى بان العقود الرضائية تتم بمجرد التراضي ما لم يكن المتعاقدان قد اتفقا على التعاقد بعقد رسمي مع النص صراحة على انصراف نيتهما إلى تعليق الارتباط على اتمام العقد من طريق التوقيع عليه أمام موثق العقود ( 18 مايو سنة 1933 م 45 ص 291 ) . ويلوح أن المحكمة قد جنحت في هذا الحكم الأخير لاشتراط الاتفاق صراحة على أن إغفال الشكل المتفق عليه يستتبع البطلان . ومن المحقق أن النص الذي اختاره المشروع في المادة 149 من شأنه أن يضع حداً لتردد القضاء في هذا الصدد ” . ولكن المادة 149 من المشروع التمهيدي عندما تليت في لجنة المراجعة اقترح حذفها لامكان الاستغناء عنها ، فوافقت اللجنة على ذلك . ومن ثم حذف هذا النص في المشروع النهائي ( أنظر في كل ذلك مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 73 – ص 74 في الهامش ) . وقد كان من الخير إبقاء النص حتى يضع حداً لتردد القضاء على ما تقول المذكرة الإيضاحية . أما وقد حذف ، فلا مناص من الرجوع على القواعد العامة . ولما كان الأصل في العقد أن يكون رضائياً ، فالأولى عند الشك أن تكون الكتابة للإثبات لا للانعقاد . والراجح في القضاء المصري والفرنسي يؤيد هذا الرأي كما قدمنا .

 ( [2] ) ويلاحظ أن كل عقد شكلي يكون التوكيل في عمله شكلياً أيضاً ( م 700 من القانون المدني الجديد ) ، وكذلك الوعد بابرام عقد شكلي يكون شكليا ( م 101 فقرة 2 ) ، وإجازة العقود الشكلية تكون شكلية مثلها . ويستوفى اشلكل أيضاً فيما يدخل على العقد الشكلي من تعديل لا فيما يضاف إليه من شروط تكميلية أو تفصيلية لا تتعارض مع ما جاء فيه .

وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص يورد بعض هذه الأحكام ، فكانت المادة 148 من هذا المشروع تنص على ما يأتي :

 ” 1 – إذا فرض القانون شكلا معينا لعقد من العقود ، فلا يكون العقد صحيحاً إلا باستيفاء هذا الشكل ما لم يوجد نص يقضي بخلاف ذلك ” .

 ” 2 – إذا قرر القانون للعقد شكلا معينا ، فيجب استيفاء هذا الشكل أيضاً فيما يدخل على العقد من تعديل ، لا فيما يضاف إليه من شروط تكميلية أو تفصيلية لا تتعارض مع ما جاء فيه ” . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” يقضي التقنين الألماني ( المادة 125 ) والتقنين السويسري ( المادتان 11 ، 12 من قانون الالتزامات ) والتقنين البرازيلي ( المادة 130 ) بان عدم استيفاء عقد من العقود للشكل الذي يفرضه القانون له يستتبع البطلان أصلاً ، ما لم ينص على خلاف ذلك . وقد اثر المشروع إتباع هذا المذهب مخالفا مذهب التقنين البولوني ( المادة 110 ) في هذا الشأن . فإذا تطلب القانون شكلا خاصا وأطلق الحكم بغير تعقيب ، فمن الطبيعي أن يكون استيفاء هذا الشكل شرطا لوجود العقد . أما إذا كان الشكل قد فرض لتهيئة طريق الإثبات فحسب ، فمن واجب القانون أن ينص صراحة على ذلك . وكل تعديل يدخل على عقد لا يتم إلا بالكتابة يعتبر باطلا إذا لم يستوف فيه هذا الشرط ، إلا أن يكون القانون قد قضى بغير ذلك . ويلاحظ أن معنى التعديل يتحقق في الشروط التي تتعارض مع مضمون العقد الأول ، لا في الشروط التفصيلية أو التكميلية التي لا تنطوي على مثل هذا التعارض ، فالاتفاق على ترميم منزل بيع بمقتضى عقد تم بالكتابة ليس إلا شرطاً تفصيليا لا ضرورة للكتابة فيه . ويختلف عن ذلك حكم ما يضاف إلى التعاقد الأول من شروط أو نصوص جديدة ( فيك ومورلا : تعليقات على تقنين الالتزامات السويسري ج 1 المادة 12 نبذة 4 و 5 ) . . . وقد ذهب القضاء المصري إلى أنه إذا أريد تعديل عقد تم بالكتابة تعديلا ينطوي على تكليف جديد . فيشترط أن يتفق ذوو الشأن على ذلك كتابة عن بينة منهم ( استئناف مختلط 23 ابريل سنة 1935 م 45 ص 263 ) . ” وعندما تليت المادة 148 من المشروع التمهيدي في لجنة المراجعة ، رأت اللجنة بعد المناقشة حذفها ، استناداً إلى أنه في الحالة التي يصرح فيها المشرع بالمهمة التي يريدها للشكل الذي قرره للعقد لا تقوم أية صعوبة ، وفي الحالة التي لا يصرح فيها بذلك يترك الأمر لتقدير القاضي دون الأخذ بقرينة أخرى . ( أنظر في كل ذلك مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 72 – ص 74 في الهامش ) .

وهنا أيضاً كان من الخير إبقاء النص حتى لا يضطرب القضاء في تفسير نية المشرع في مسألة جوهرية كهذه المسألة . وقد كان النص المحذوف يتضمن قرينة قانونية على أن الشكل الذي يفرضه القانون يكون عند الشك للانعقاد لا للإثبات . وما دام النص قد حذف ، وزالت بحذفه هذه القرينة القانونية ، لم يبق إلا الرجوع إلى القواعد العامة في التفسير . وعندنا أنه إذا غم الأمر ولم يتبين القاضي – بعد أن يستنفد وسائل التفسير – ما إذا كان المشرع أراد الشكل للانعقاد أو للإثبات ، فالأولى أن يكون الشكل للانعقاد لا للإثبات . ولا يجوز هنا أن يقال – كما قيل في الشكل الذي يتفق عليه المتعاقدان – أن الأصل في العقد أن يكون رضائياً . فإن هذا الأصل إنما يصدق بالنسبة إلى المتعاقدين لا بالنسبة إلى المشرع . ولا يصح أن نسلم في يسر بأن المتعاقدين أرادوا خلق شكل لا يوجد العقد بدونه إلا إذا نصوا صراحة على ذلك . أما المشرع فسلطانه كامل في أن يخلق الشكل الذي يريد ، ومتى فرض شكلا ، ولم يقم دليل على أنه مقرر للإثبات ، فالمفروض أنه مقرر لانعقاد العقد .

هذا وقد جاء في المذكرة الإيضاحية مثل على الشروط التفصيلية والتكميلية التي لا تتعارض مع مضمون العقد المكتوب فلا تشترط فيها الكتابة . أما الشروط التي تدخل في العقد المكتوب تعديلا فتشترط الكتابة فيها ، فمثلها أن يتفق البائع والمشتري بعد كتابة عقد البيع على إنقاص الثمن أو على زيادته

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

تقسيم العقود

تقسيم العقود

46 – تقسيمات مختلفة : ذكر القانون المدني الفرنسي بعض تقسيمات للعقود في غير استقصاء . والتقسيم أقرب إلى عمل الفقيه منه إلى عمل المشرع . ؟؟ لم يعرض له القانون المدني المصري ، لا القديم ولا الجديد ( [1] ) . كذلك لم تعرض له التقنينات الحديثة كالتقنين الألماني والتقنين السويسري .

ويمكن تقسيم العقد عدة تقسيمات إذا نظر إليه من وجهات مختلفة .

فالعقد من حيث التكوين إما أن يكون عقداً رضائياً ( contrat cousensuel ) أو عتداً شكلياً ( ontrat solomel ) أو عقداً عينياً ( contrat reel ) .

وهو من حيث الموضوع إما أن يكون عقداً مسمي ( contrat nomme ) أو عقداً غير مسمي ( contrat innomme ) . وإما أن يكون عقداً بسيطاً ( contrat simple ) أو عقداً مختلطاً ( contrat mixte ) .

وهو من حيث الأثر إما أن يكون عقداً ملزماً للجانبين ( contrat synal lamgatique , bilateral ) أو عقداً ملزماً لجانب واحد ( contrat unilateral ) . وإما أن يكون عقد معاوضة ( contrat a titre onereux ) أو عقد تبرع ( contrat a titre gratuity ) .

وهو من حيث الطبيعة إما أن يكون عقداً محدداً ( contrat commutative ) أو عقداً احتمالياً ( contrat aleatoire ) . وإما أن يكون عقداً فورياً ( contrat instantane ) أو عقداً زمنياً ( contrat successif ) .


 ( [1] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وقد تعمد المشروع ؟؟؟ تقسيمات ؟؟ التي توجد في أكثر التقنينات اللاتينية النزعة ، لأن ؟؟؟؟؟ ولذلك رؤى من الاحوط أن تهمل في النصوص التشريعية ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 11 في الهامش )

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

مبدأ سلطان الإرادة

مبدأ سلطان الإرادة

41 – عرض عام للمبدأ : يذهب أنصار هذا المبدأ إلى أن الإرادة لها السلطان الأكبر في تكوين العقد وفي الآثار التي تترتب عليه ، بل وفي جميع الروابط القانونية ولو كانت غير تعاقدية .

وعندهم أن النظام الاجتماعي يرتكز على الفرد . فهو الغاية ، ولخدمته يسخر المجموع . والفرد لا يستكمل شخصيته إلا بالحرية ، بل إن مظهر هذه الشخصية هي الإرادة الحرة المستقلة . وكما أن رجال الفلسفة يجعلون التفكير أية الشخصية من الناحية الفلسفية ، فإن رجال القانون من أنصار هذا المبدأ يتخذون الإرادة أية الشخصية من الناحية القانونية . ولما كان الفرد يعيش في المجتمع ، ولما كانت الغاية الأولى هي احترام حريته وإرادته ، كان من الواجب أن تكون روابطه بغيره من أفراد المجتمع أساسها الإرادة الحرة . فلا يخضع لواجبات إلا إذا كان قد ارتضاها مختاراً . وكل التزام أساسه الرضاء والاختيار يتمشي مع القانون الطبيعي ، لأن هذا القانون إنما يقوم على الحرية الشخصية ووجوب احترامها . فالإرادة الحرة هيب إذن مبدأ القانون ، والغاية التي ينتهي إليها . وما المهمة التي يضطلع بها القانون إلا تحقيقي حرية كل فرد بحيث لا تتعارض هذه الحرية مع حريات الآخرين . هذا التوازن ما بين الحريات جميعاً هو ما يجب على المشرع أن يعني به . وليس عليه بعد ذلك أن يرى ما إذا كان النشاط الفردي الحر يتفق مع ما تقتضيه مبادئ الأخلاق ، ولا عليه أن يرى إلى أي حقد يتفق صالح المجموع مع صالح الفرد ، فالفرد لا المجموع هو الذي يحميه القانون .

هذا المبدأ كان له حظ كبير من الأثر في القانون الحديث بعد انتشار المذهب الفردي على اثر تطور النظم الاقتصادية . ولكن استمرار هذه النظم في التطور ، وظهور الصناعات الكبيرة ، واختلال التوازن بين القوى الاقتصادية ، مهد للمذاهب الاشتراكية سبيل الانتشار ، فقامت هذه المذاهب معارضة للمذاهب الفردية ، وكان من ذلك أن انتكص مبدأ سلطان الإرادة ، وجعل خصومه يمعنون في نقده ، حتى قام أخيراً فريق من المعتدلين يضعون الأمور في حدودها المعقولة .

فنحن نتبع في بحثنا هذه المراحل الأربع ، فنرى كيف نشأ هذا المذهب ، وما بلغ إليه من المدى عند بلوغه ذروته ، وكيف رجع القهقري بعد ذلك ، ثم كيف وضع الأمر في نصابه المعقول . ولا تزعم بذكر هذه المراحل إنها تحققت عملا في التاريخ ، وإلا فإن سلطان الإرادة الكامل لم يتحقق في أية مرحلة منها على النحو الذي يصفه أنصار المبدأ المتطرفون . وإنما نعني أن هناك تطوراً في منحي التفكير الاجتماعي نقسمه إلى مراحل توخياً للإيضاح في بسط هذه الآراء . ونحن في ذلك لا نؤرخ وقائع اجتماعية ، بل نتتبع تطور نظريات ومذاهب .

42 – كيف نشأ مذهب سلطان الإرادة : لم يعترف القانون الروماني في أي عصر من عصوره بمذهب سلطان الإرادة كاملا . بدأت العقود فيه تكون شكلية تحوطها أوضاع معينة من حركات وإشارات وألفاظ وكتابة . أما مجرد توافق إرادتين ( nudum pactum ) فلا يكون عقداً ولا يولد التزاماً . فكان المدين يلتزم لا لسبب سوى أنه استوفى الأشكال المرسومة ، ويكون التزامه صحيحاً حتى لو كان السبب الحقيقي الذي من اجله التزم لم يوجد أو لم يتحقق أو كان غير مشروع أو كان مخالفاً للآداب . فالعقد الشكلي كان عقداً مجرداً صحته تستمد من شكله لا من موضوعه . ولكن الحضارة الرومانية ما لبثت أن تطورت وتعقدت سبل الحياة . فكان من ذلك توزيع العمل ، والحاجة إلى كثرة التبادل ، ووجوب السرعة في المعاملات . واقترن هذا كله يتقدم في التفكير القانونين أدى إلى التمييز بين الشكل والإرادة ف يالعقد وإعطاء الإرادة قسطاً من الأثر القانوني . ودعا هذا إلى اعتبار الاتفاق موجوداً بمجرد توافق الإرادتين ، والشكل ليس إلا سبباً قانونياً ( causa civilis ) للالتزام قد توجد أسباب غيره . ومن ثم ظهر إلى جانب العقود الشكلية العقود العينية والعقود الرضائية والعقود غير المسماة . وانتصر مبدأ سلطان الإرادة في دائرة العقود الرضائية . وانتصر بعد ذلك في بعض عقود أخرى عرفت بالعقود البريطورية ( pactes pretoriens ) والعقود الشرعية ( pactes legitimes ) . ولكن القانون الروماني لم يقرر في أية مرحلة من مراحله مبدأ سلطان الإرادة في العقود بوجه عاز . بل ظلت الأوضاع بعد أن تهذبت هي التي تخلق العقد بقدر اختلف قوة وضعفاً بحسب تطور القانون واتساع نطاق التبادل والمعاملات . وبقى العقد اللفظي ( contrat verbal ) إلى آخر عهود القانون الروماني هو القالب الذي يصبون فيه ما تبدو الحاجة إليه من الاتفاقات غير المعروفة حتى تصبح ملزمة .

أما في العصور الوسطى فلم تنقطع الشكلية وتستقل الإرادة بتكوين العقد إلا تدرجاً . وقد استمرت الشكلية في أوضاعها السابقة الذكر إلى نهاية القرن الثاني عشر . ثم أخذت تتحور ، وكانت متجهة إلى التناقص . وأخذت الإرادة يقوى أثرها في تكوين العقد شيئاً فشيئاً . وساعد على هذا التطور عوامل أربعة :

1 – تأثير المبادئ الدينية وقانون الكنيسة : فكان المتعاقد إذا اقسم على احترام عقده ، ولو لم يفرغه في شكل مخصوص ، عد الحنث باليمين خطيئة يعاقب عليها . بل كان مجرد عدم الوفاء بالوعد خطيئة دينية . وسهل الانتقال من فكرة العقوبة إلى فكرة الإلزام المدني حتى أصبح مجرد الاتفاق يجوز تنفيذه بدعوى ( action ex nudo pacto ) أمام المحاكم الكنيسة .

2 – إحياء القانون الروماني والتأثر به : ونحن نعلم أن القانون الروماني كان قد وصل في تطوره من حيث استقلال الإرادة إلى حد كبير بمختلف عقوده الملزمة . وتوسعوا في تفسير تلك الروح ، وفهموا خطأ أن القانون الروماني يقرر مبدأ سلطان الإرادة . فساعد ذلك على قبول هذا المبدأ . وأصبحت القاعدة في القانون الفرنسي القديم هي ما كان استثناء في القانون الروماني .

3 – العوامل الاقتصادية : بعد أن زاد النشاط التجاري وقويت حركة التعامل اقتضى الأمر إزالة ما يعوق المبادلات التجارية من الأوضاع والأشكال . فكانت المحاكم التجارية الإيطالية في القرن الرابع عشر تقضي طبقاً لقواعد العدالة . والعدالة لا تميز بين العقد الشكلي ومجرد الاتفاق من حيث الإلزام .

4 – العوامل السياسية : وكان ذلك بطريق التدرج في بسط نفوذ الدولة ، وتدخلها شيئاً فشيئاً في الروابط القانونية بين الأفراد ، والأخذ في حماية العقود التي تتم بمجرد الاتفاق . وكان من شان ذلك أن هجرت الأوضاع القديمة ، وحل محلها أشكال أخرى أقل إغراقاً في الفطرية والسذاجة .

وما جاء القرن السابع عشر حتى أصبح مبدأ سلطان الإرادة ثابتاً مقرراً . وما كان اثر الدين يضعف حتى حل محله ما انتشر من نظريات اقتصادية وفلسفية وسياسية ، وكلها مشبعة بروح الفردية ، وقد بلغت أوجها في القرن الثامن عشر ، وهي تشيد بوجود قانون طبيعي مبنى على حرية الفرد ووجوب استقلال إرادته وتسيير هذه الإرادة لكل ما في الحياة من نظم اقتصادية واجتماعية . وقد قام الفزيوقراطيون ( physiocrates ) ينادون بالحرية الاقتصادية قانوناً طبيعياً ، ويذهبون إلى أنه لو تركت الناس أحراراً في نشاطهم الاقتصادي وفتحت أبواب المنافسة بينهم ، فلا تلبث الأمور أن تستقر ، وتتحدد الأسعار من طريق المنافسة والعرض والطلب ، لا من طريق تحكمي يمليه المشرع . ومعنى هذا أن الإرادة وحدها هي التي يجب أن تسيطر في الميدان الاقتصادي ، وأن العقود لا تخضع في تكوينها وفي الآثار التي تترتب عليها إلا الإرادة المتعاقدين . وصحب هذه النظريات الاقتصادية نظريات فلسفية وسياسية حمل لواءها روسو ( rousseau ) في كتابه المعروف بالعقد الاجتماعي ( contrat social ) ، فكانت حرية الفرد واستقلال إرادته هي المحور الذي يدور عليه تفكير ذلك العصر . وقد تلقت الثورة الفرنسية هذه النظريات وقامت عليها ، وسلمتها إلى المشرعين في أوائل القرن التاسع عشر ، فوضع قانون نابليون على أساس تقديس حرية الفرد والإمعان في احترام إرادته .

43 – مدى ما وصل إليه مبدأ سلطان الإرادة : استقر هذا المبدأ وصار دعامة تبنى عليها النظريات القانونية . وهو بعد أن تمشي فيه المنطق القانونين أصبح يشتمل على اصلين : ( أولاً ) كل الالتزامات ، بل كل النظم القانونية ، ترجع في مصدرها إلى الإرادة الحرة . ( ثانياً ) لا تقتصر الإرادة على أن تكون مصدر الالتزامات ، بل هي أيضاً المرجع الأعلى فيما يترتب على هذه الالتزامات من آثار .

فالإرادة الحرة هي التي تهيمن على جميع مصادر الالتزام . وهذه الإرادة تتجلى قوية في العقد . فالمتعاقدان لا يلتزمان إلا بارادتيهما . ولا يلتزم أحد بعقد لم يكن طرفاً فيه ، كما لا يكسب أحد حقاً من عقد لم يشترك فيه . أما نظرية الاشتراط لمصلحة الغير فتبدو ضيقة محدودة في قانون نابليون ، ولم يحصل التوسع فيها إلا في العهد الأخير . فالعقد إذن يرتكز على الإرادة ، بل هو يتمحض إرادة خالصة إذا قلنا أن إرادة المدين وحدها هي التي تلزمه . وسنرى ذلك عند الكلام في الإرادة المنفردة . وشبه العقد مبنى على إرادة مفروضة . والجريمة وشبه الجريمة مردهما إلى الإرادة الحرة . والقانون نفسه إذا رتب التزامات فإنما هو يفترض في ترتيبها أن الملتزم ارتضاها في ذمته التزاماً .

وليس سلطان الإرادة مقصوراً على توليد الالتزامات وحدها ، بل أيضاً يولد كل الحقوق الأخرى . فالملكية مبنية على حرية الإرادة ، بل هي الحرية في مظهرها الملموس المادي . وحقوق الأسرة مبنية على عقد الزواج أي على الإرادة . والميراث مبنى على وصية مفروضة . وطرق التنفيذ الإجباري ذاتها ترتكز على الإرادة الحرة ، فهي طرق وإن كانت إجبارية قد ارتضاها المدين وقت الاستدانة . بل العقوبة الجنائية لا مبرر لمشروعيتها إلا في الإرادة ، فالمجرم الذي خرج على المجتمع قد ارتضى مقدماً أن يناله الجزء . ذلك لأن القانون ما هو إلا وليد الإرادة ارتضاه الناس بأنفسهم أو بممثليهم واختاروا الخضوع لسلطانه ، والمجتمع البشري ذاته ، اليست دعامته هذا العقد الاجتماعي الذي نادى به روسو ومن قبله من الفلاسفة والمفكرين !

وكما أن منشأ الالتزامات يرجع للإرادة الحرة ، كذلك الأثر الذي يترتب على الالتزام ، فهو خاضع للإرادة أيضاً . ولهذا الأصل ناحيتان :

الناحية الأولى أن كل ما ارتضاه الملتزم ديناً في ذمته يكون صحيحاً وينتج أثره لأن التزامه إنما بنى على إرادته . فلا يصح أن نقيد من اثر العقد بدعوى أن هناك غبناً لحق أحد المتعاقدين ما دام قد ارتضى هذا الغبن . والعامل الذي يتعاقد مع رب العمل حراً مختاراً يجب عليه أن ينفذ ما التزم به ، ولا يحتج بان الشروط التي ارتضاها جائرة . وليس المهم في العقد أن يكون هناك تعادل بين الشيئين المتبادلين ، بل يكفي أن يكون التعادل بين الشخصين المتعاقدين وقد توفر كل منهما على حريته وإرادته المستقلة . والأصل في الإنسان الحرية واستقلال الإرادة ، ولا يكون الأمر غير ذلك إلا في حدود رسمها القانون ، كان يكون المتعاقد قاصراً في السن أو في العقل ، أو يكون ضحية غلط أو إكراه أو غش . أما في غير هذه الحدود فالإنسان حر مستقل في إرادته . فإذا التزم بشيء كان العدل أن يقوم بما التزم به . أما ما يقال عن التضامن الاجتماعي والتعسف في استعمال الحقوق وقواعد العدالة والنظام العام ، فهذه الأشياء لا ينبغي أن تغرق في التحديد من سلطان الإرادة . وإذا كانت قواعد العدالة والنظام العام تعني شيء ، فلا أحق بعنايتها من سلطان الإرادة والتسليم بأثره كاملا في تفسير العقد وترتيب نتائجه القانونية .

والناحية الثانية من هذا الأصل أن العقد ، وقد تم بتوافق إرادتين مستقلتين ، لا يجوز تعديله إلا بتوافق هاتين الإرادتين . فلا يستقل أحد من المتعاقدين بتعديله ، ولا يجوز للقاضي نفسه بدعوى إتباع قواعد العدالة أن يعدل فيه أو أن يضيف إليه ما ليس منه .

4 – انتكاص مبدأ سلطان الإرادة ( نقد المبدأ ) : إذا ارجعنا انتصار مبدأ سلطان الإرادة إلى عوامل اقتصادية ، وهي العوامل التي أدت إلى انتشار روح الفردية ف يالقرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، فهذه العوامل ذاتها بعد أن تطورت ، وقامت الصناعات الكبيرة ، وتاسست الشركات الضخمة ، ونظمت طوائف العمال على اثر اختلال التوازن بين القوات الاقتصادية ، مما أدى إلى انتشار روح الاشتراكة وقيامها في وجه المذاهب الفردية ، هذه العوامل كما قلنا كان من شانها أن تنقص من سلطان الإرادة . فيكون هذا المبدأ قد قام على أساس اقتصادي ، وانتكص متأثراً بعوامل اقتصادية .

ويتولى خصوم المبدأ تفنيد النتائج التي وصل إليها أنصاره . فيقولون إن جعل الإرادة مصدراً لكل الحقوق فيه إغراق في نواح ووهم في نواح أخرى . فالالتزامات التعاقدية ذاتها وهي مبنية على توافق إرادتين لا تستند إلى محض الإرادة الداخلية ، والمتعاقد لا يتقيد بتعاقده لأنه أراد ذلك فحسب ، بل هناك اعتبارات اجتماعية ترجع للثبات والاستقرار الواجب توافرها في المعاملات والثقة التي يولدها التعاقد في نفوس المتعاقدين ، وهي التي تستند إليها قوة الإلزام في العقود . وقد لا يتم اتحاد حقيقي بين الإرادتين عند التعاقد ، ومع ذلك فاتحادهما حكما يكفي ما دام التعاقد قد ولد ثقة مشروعة يترتب على الإخلال بها ضرر . وما العقد إلا نظام من النظم الاجتماعية يراد به تحقيق التضامن الاجتماعي وتوجيه الإرادة في هذا السبيل ، وليس الغرض منه تحقيق ما للإرادة من سلطان . وهناك نظرية ألمانية لا تحفل بالإرادة الباطنة ولا تجعل لها سلطاناً ، بل تنظر إلى الإرادة الظاهرة لأنها وحدها الشيء المحسوس كحقيقة اجتماعية ، وهي التي يؤبه لها لأنها تولد الثقة المشروعة .

أما إسناد مصادر الالتزام الأخرى إلى الإرادة فالحجة فيه أوهي . وقد تبين أن ما يسمى بشبه العقد لا يشبه العقد في شيء من حيث استناده إلى الإرادة كما أن الجريمة وشبه الجريمة إنما يتولد الالتزام فيهما من القانون ، وهو التزام يترتب على عكس مقتضى إرادة من صدر منه العمل غير المشروع ، فإن هذا لم يرد أن يلتزم بعمله ، بل أراد النقيض من ذلك ، فيلزمه القانون رغماً عن إرادته ، فأين نحن هنا من سلطان الإرادة ! ولقد كانت نظرية سلطان الإرادة عائقاً يحول دون الأخذ بمسئولية المجنون والطفل والأخذ بالمسئولية المادية وهذه مذاهب تطورت إليها الشرائع الحديثة ، وفي الأخذ بها إلى مدى معين إرضاء للعدالة ، ومطاوعة لأسباب الاستقرار ، وسير في طريق التقدم .

وإذا تركنا الالتزامات جانباً ونظرنا إلى الحقوق الأخرى التي يزعمون أن مصدرها الإرادة ، رأينا أن وهم القائلين بهذا الرأي هنا أيضاً يتجسم . فالملكية ليست إرادة المالك ، بل إن هذه الإرادة يرد عليها قيود متعددة ترجع إلى التضامن الاجتماعي ، وبخاصة ما يتصل منه بمراعاة حسن الجوار . وليس الميراث مبنياً على وصية مفترضة ، بل الواقع من الأمر أن الميراث سبق الوصية في التطور التاريخي ، وأساسه اشتراك الأسرة في ملكية الأموال . أرأيت لو كان المورث طفلا أو مجنوناً أكان يصح الزعم بان ميراثه وصية مفترضة وهو لا يستطيع أن يترك وصية صريحة ! كذلك روابط الأسرة لم ينظمها عقد الزواج ، فإن هذا العقد إنما وضع الزوجين في مركز قانونين نظمه المشرع نفسه طبقاً لصالح المجتمع وصالح الأسرة ، ولا دخل لإرادة الزوجين في ذلك . أما القول بان المجرم قد ارتضي توقيع العقوبة عليه فهو قول أقرب إلى التهكم منه إلى الحقيقية ، وإلا فأي مجرم رأى في العقوبة جزاء ارتضاه لنفسه ! إنما العقوبة ترجع في مشروعيتها إلى اعتبارات اجتماعية لا دخل لإرادة المجرم فيها .

45 – وضع الأمور في نصابها – إلى أي حد تسيطر الإرادة على العقود : تبين من نقد مبدأ سلطان الإرادة أن الخطأ الذي وقع فيه أنصار هذا المبدأ هو اتخاذه مبدأ مطلقاً في كل نواحي القانون . وهذه المبالغة كانت سبباً في مبالغة تعارضها ، وقام خصوم المبدأ هم أيضاً يقولون بنبذه مرة واحدة . وبين الامعان في إطلاق المبدأ إلى أوسع مدى والمبالغة في رده إلى أضيق الحدود ، وجد المعتدلون مجالا لوضع الأمور في نصابها الصحيح .

ونحن إذا توخينا الاعتدال وجانبنا التطرف ، تبينا أن الإرادة لا سلطان لها في دائرة القانون العام . فالروابط الاجتماعية التي تخضع لهذا القانون إنما تحددها المصلحة العامة لا إرادة الفرد . أما العقد الاجتماعي المزعوم فقد أصبح نظرية عتيقة مهجورة .

وإذا انتقلنا إلى دائرة القانون الخاص ، فما يتعلق منها بالأسرة لا مجال للإرادة فيه إلا بقدر محدود . فعقد الزواج ، وهو الأساس الذي ترتكز عليه الأسرة ، مصدره إرادة المتعاقدين ، ولكن الآثار التي تترتب على العقد ليست خاضعة للإرادة ، بل ينظمها القانون طبقاً لمصلحة الأسرة والمجتمع . وكذلك بقية روابط الأسرة لا شأن للإرادة فيها .

وما يتعلق من دائرة القانون الخاص بالأموال نرى الإرادة تنشط فيها تدرجاً . وهي في الحقوق العينية اضعف نشاطاً منها في الحقوق الشخصية . فإن الحقوق العينية ، وإن كانت الإرادة مصدراً لكثير منها ، حقوق محصورة لا تستطيع الإرادة أن تخلق شيئاً جديداً فيها . ثم إن آثار هذه الحقوق لا تخضع لإرادة الأفراد إلا نادراً ، بل إن القانون هو الذي يتولى في الغالب تحديد مداها .

ولكن الإرادة في الحقوق الشخصية لها مجال واسع ، فهي مصدر لكثير من هذه الحقوق ، وهي التي ترتب آثارها . ومع ذلك لا نريد أن نبالغ في أهمية الإرادة حتى في الحقوق الشخصية . فإنها إذا كانت من أهم المصادر لهذه الحقوق نف ذلك لا يمنع من أن يوجد بجانبها مصادر أخرى قد تعدلها في الأهمية كالعمل غير المشروع ، أو تقرب منها كالإثراء بلا سبب .

وإذا خلصنا إلى الالتزامات التعاقدية وجدنا الإرادة تجول في هذا الميدان أوسع ما تكون خطي وابعد ما تكون مدى . ولكن حتى في هذا الميدان ، إذا نظرنا إلى الإرادة من حيث إنها ترتب أحكام الالتزامات التعاقدية ، وجدنا إنها محدودة في ذلك بقيود النظام العام والآداب . بل إن إرادة الفرد – حتى في داخل هذه القيود – يضعف أثرها في بعض العقود التي تضع نظاماً ثابتة للطوائف والجماعات ، كما في الجمعيات والشركات والنقابات ، فهذه تنظيمها الجماعة التي تنتمي إليها ولا تعتد في تنظيمها بإرادة كل فرد من أفرادها . وهناك عقود الجماعة ( contrats collectfs ) ، كعقد العمل الجامع ( contrat collecolf du travail ) ، وصلح أغلبية الدائنين مع المفلس ، نرى فيها الأقلية تخضع لإرادة الأغلبية . كذلك توجد قيود على حرية الإرادة ترجع لاختلال التوازن بين القوى الاقتصادية وأنصار القانون للجانب الضعيف ، كما نرى في تشريع العمال وفي عقود الإذعان وفي نظرية الاستغلال وهي نظرية تتوسع تدرجاً في القوانين الحديثة حتى تتناول كل العقود ثم إن الإرادة وهي في دائرة كل هذه القيود لا تزال خاضعة أيضاً لشكلية تتطلبها بعض العقود حماية للمتعاقد الذي يقدم على أمر خطير كما في الهبة والرهن الرسمي . وهي تخضع كذلك لقواعد الشهر حماية للغير حسن النية . وتخضع أخيراً لقواعد الإثبات وهي قواعد من شانها أن تقيد سلطان الإرادة من الناحية العملية .

هذه هي الحدود التي يرسمها القانون في الوقت الحاضر ميداناً لسلطان الإرادة . فهو يعترف بهذا السلطان ، ولكن يحصره في دائرة معقولة ، تتوازن فيها الإرادة مع العدالة والصالح العام

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

تعريف العقد

تعريف العقد

36 – الاتفاق والعقد : يميز بعض الفقهاء بين الاتفاق والعقد .

فالاتفاق ( convention ) هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه . فالاتفاق على إنشاء التزام مثله عقد البيع ، ينشيء التزامات في جانب كل من البائع والمشتري . والاتفاق على نقل التزام مثله الحوالة ، تنقل الحق أو الدين من دائن لدائن آخر أو من مدين لمدين آخر . والاتفاق على تعديل التزام مثله الاتفاق على اقتران أجل بالالتزام أو إضافة شرط له . والاتفاق على إنهاء التزام مثله الوفاء ينتهي به الدين .

والعقد ( contrat ) اخص من الاتفاق ، فهو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو على نقله . ومن ذلك يتضح أن كل عقد يكون اتفاقاً . أما الاتفاق فلا يكون عقداً إلا إذا كان منشئاً لالتزام أو ناقلا له . فإذا كان يعدل الالتزام أو ينهيه فهو ليس بعقد .

وقد نقل القانون المدين الفرنسي هذا التفريق بين العقد والاتفاق عن بوتييه ودوما ، إذ عرف العقد في المادة 1101 بأنه اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله . فالعقد إذن بمقتضى هذا التعريف اتفاق ينشيء التزاماً ، فهو نوع ( espece ) والاتفاق جنس ( genre ) له . ويلاحظ أن التعريف الذي أورده القانون الفرنسي يجمع بين تعريف العقد وتعريف الالتزام ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

37 – لا أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد : ولا نرى أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد . ونتفق في هذا مع أكثر الفقهاء . وإذا كان الفقهاء الذين يقولون بالتمييز يرون أهمية له من حيث الأهلية ، فهي تختلف في العقد عنها في الاتفاق ، فإنه يلاحظ على هذا الرأي أن الأهلية تختلف باختلاف العقود ذاتها ، فهي في عقود التبرع مثلا غيرها في عقود المعاوضة ، ومع ذلك لم يقل أحد إن هناك فرقاً ما بين الهبة والبيع من حيث أن كلا منهما عقد لمجرد أن الأهلية تختلف في أحدهما عنها في الآخر .

وكان المشروع التمهيدي يورد تعريفاً للعقد لا يميز فيه بينه وبين الاتفاق . فنصت المادة 122 من هذا المشروع على أن ” العقد اتفاق ما بين شخصين أو أكثر على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها ” . وهذا هو تعريف المشروع الفرنسي الإيطالي في المادة الأولى منه . وقد قصد من إيراد هذا التعريف في المشروع نفي كل تفرقة بين العقد والاتفاق وجعلهما شيئاً واحد كما صرحت بذلك المذكرة الإيضاحية ( [1] ) . وإذا كان هذا التعريف قد حذف في المشروع النهائي فإن هذا الحذف لا يعني عدولا عن عدم التمييز بين الاتفاق والعقد ، بل كان الحذف مجاراة لسياسة تشريعية هي تجنب الإكثار من التعريفات الفقهية ( [2] ) .

لذلك نرى أن يعرف العقد بأنه توافق إرادتين على إحداث اثر قانونين سواء كان هذا لااثر هو إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه .

38 – وجوب الاتفاق على إحداث اثر قانونين : والمهم في العقد أن يكون هناك اتفاق على إحداث اثر قانوني . فإذا لم يكن المراد إحداث هذا الأثر فليس هناك عقد بالمعنى القانونين المقصود من هذه الكلمة . ويتبين ذلك من الظروف والملابسات .

فقد يدعو شخص آخر إلى وليمة ، في نطاق المجاملات الاجتماعية ، فيقبل المدعو ، ولا يقصد الطرفان من هذا الاتفاق أن ينشئا التزاماً قانونياً فيما بينهما . فإذا تخلف المدعو أو عدل الداعي لم تترتب على ذلك مسئولية في جانب من اخل منهما بوعده . ولكن قد يكون تقديم الطعام التزاماً قانونيناً إذا قصد المتعاقدان ذلك . ويتبين قصدهما من الظروف . فإذا اتفقت شركة مع مستخدم عندها على أن تقدم له الغذاء أثناء عمله في جهة نائية ، أو تعهد صاحب الفندق أن يقدم الطعام للنزيل ، فهذا التعهد ذو اثر قانوني وهو ملزم للمتعهد .

وقد يتبرع صديق لصديقه بتقديم خدمة مجانية دون أن يقصد الالتزام قانوناً بتقديم هذه الخدمة . فإذا وعد مزارع جاره أن يقدم له المعونة دون مقابل في حصاد زرعه ، أو تقدم طبيب لمعالجة صديق له دون اجر ، أو عرض شخص على صديقه أن يستصحبه في سيارته ، فلا تنطوي هذه الاتفاقات على معنى الإلزام . وإنما يكون الإلزام إذا قصد إليه الطرفان . فالطبيب الذي تعهد أن يعالج فقيراً دون اجر يلتزم قانوناً بذلك .

وقد تقوم اتفاقات بين أعضاء الأسرة لا يقصد بها عقد التزامات قانونية . فالولد الذي يعمل مع أبيه في صناعته ، والزوجة التي تعين زوجها في تجارته ، والأب الذي يعد ابنه بجائزة إذا نجح في الامتحان ، لا يقصد أي منهم أن يرتبط ارتباطاً ملزماً . ولكن إذا قام هذا القصد ترتب على قيامه الارتباط القانوني . فقد يعمل الولد أجيراً عند أبيه ، وقد تشارك الزوجة زوجها في تجارته ، وقد يعد شخص بجائزة من يقدم خير تصميم لمبنى يريد إقامته فيفوز ابنه المهندس بالجائزة .

39 – تحديد منطقة العقد : وليس كل اتفاق يراد به إحداث اثر قانونين يكون عقداً . بل يجب أن يكون هذا الاتفاق واقعاً في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية .

فالمعاهدة اتفاق بين دولة ودولة ، والنيابة اتفاق بين النائب وناخبيه ، وتولية الوظيفة العامة اتفاق بين الحكومة والموظف . ولكن هذه الاتفاقات ليست عقوداً إذ هي تقع في نطاق القانون العام : الدولي والدستوري والإداري .

والزواج اتفاق بين الزوجين ، والتبني في الشرائع التي تجيزه اتفاق بين الوالد المتبني والولد المتبني . ولكن يجر إلا تدعي هذه الاتفاقات عقوداً وإن وقعت في نطاق القانون الخاص ، لأنها تخرج عن دائرة المعاملات المالية .

فإذا وقع اتفاق في نطاق القانون الخاص وفي دائرة المعاملات المالية فهو قعد . تستوي في ذلك العقود التي يقف فيها المتعاقدان على قدم المساواة وتلك التي يذعن فهيا أحد المتعاقدين للأخر ، والعقود التي توفق ما بين مصالح متعارضة وتلك التي تجمع ما بين مصالح متوافقة ، والعقود الذاتية ( actes subjectifs ) وتلك التي تنظم أوضاعاً مستقرة ( actes – regle, actes – condition ) وكان بعض فقهاء القانون العام يريدون إخراج عقود الإذعان ( contrats d’adhesion ) والعقود التي تجمع ما بين المصالح المتوافقة كعقد الشركة ، والعقود التي تنظم اوضاعاً مستقرة كالعقود الجماعية ( contrats collectives ) ، من منطقة العقد . ولكن هذا الرأي لم يسد في القانون المدني .

40 – المذهبان الشخص والمادي في العقد : سبق أن أشرنا إلى مذهبين في الالتزام ، أحدهما شخصي ينظر إلى الالتزام كرابطة شخصية ، والآخر مادي ينظر إليه كقيمة مالية . هذان المذهبان نراهما أيضاً في العقد . فالمذهب الشخصي يرى العقد وليد الإرادة الباطنة أو الإرادة النفسية . والمذهب المادي يراه وليد الإرادة الظاهرة أو الإرادة المادية .

والقوانين اللاتينية ، هنا أيضاً ، هي التي تذهب مذهباً شخصياً في العقد ، وتأخذ بنظرية الإرادة الباطنة ( volonte interne ) ، وعندها أن العبرة بإرادة المتعاقدين التي يكنانها في الضمير ، وما التعبير المادي عن هذه الإرادة إلا مجرد دليل يكشف عنها . فإن اتفق هذا التعبير مع الإرادة الحقيقية أخذ به ، وإلا فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني .

أما القوانين الجرمانية فتأخذ في كثير من الأحوال بالإرادة الظاهرة ( volonte externe, declaration de volonte ) ، وتقف عند التعبير عن الإرادة ، ولا شأن لها بالإرادة الحقيقية ، فالتعبير المادي عن الإرادة ليس مجرد لدليل عليها ، بل هو الإرادة ذاتها : الإرادة في ثوبها الاجتماعي حيث يمكن التعرف عليها . وهذا المظهر المادي هو المظهر الذي يجب الوقوف عنده ، ما دام العقد ينشيء روابط اجتماعية . ولا عبرة بالإرادة التي تنطوي عليها النفس ، فهي من الظواهر النفسية ، لا يعبأ القانون بها وهو ينظم الروابط الاجتماعية . وسنعود إلى هذا الموضوع ببيان أو في فيما يلي .


 ( [1] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 10 في الهامش .

 ( [2] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 11 في الهامش وص 9 في الهامش

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

ترتيب مصادر الالتزام

ترتيب مصادر الالتزام

21 – تعريف مصدر الالتزام : المقصود بمصدر الالتزام هنا هو السبب القانونين الذي أنشأ الالتزام . فالتزام المشتري بدفع الثمن مصدره عقد البيع . والتزام المتسبب في ضرر بتعويضه مصدره العمل غير المشروع . والتزام الأب بالنفقة على عياله مصدره نص في القانون .

22 – الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام : تذكر القوانين اللاتينية عادة أن مصادر الالتزام خمسة : العقد ( contrat ) ، وشهب العقد ( quasi – contrat ) ، والجريمة ( delit ) ، وشبه الجريمة ( quasi – delit ) ، والقانون ( loi ) .

فالعقد هو توافق ارادتين على إنشاء التزام ، كعقد البيع يتفق بمقتضاه البائع والمشتري على إنشاء التزامات ، منها ما هو في جانب البائع كالالتزام بنقل الملكية والالتزام بضمان التعرض ، ومنها ما هو في جانب المشتري كالالتزام بدفع الثمن .

وشبه العقد هو عمل اختياري مشروع ينشأ عنه التزام نحو الغير ، وقد ينشأ عنه أيضاً التزام مقابل في جانب لك الغير ( أنظر المادة 1371 من القانون المدني الفرنسي ) . مثل ذلك الفضولي ، فهو يقوم مختاراً بعمل يريد به مصلحة الغير دون أن يتعاقد معه على ذلك ، فيلتزم بان يستمر في العمل الذي بدأه وبأن يقدم حساباً عنه ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل الاختياري المشروع الذي قام به . وقد ينشأ عن هذا العمل التزام آخر من جانب رب العمل ، فيلتزم هذا في حالة ما إذا أحسن الفضولي القيام بالعمل الذي أخذه على عاتقه بان يراد ما أنفقه الفضولي من مصروفات ضرورية ونافعة ، وبأن ينفذ ما عقده الفضولي من التزامات في سبيل القيام بمهمته ( أنظر المادة 1375 من القانون المدني الفرنسي ) .

والجريمة هي عمل ضار يأتيه فاعله متعمدا الأضرار بالغير ، كما إذا اتلف شخص عمداً مالا مملوكاً لغيره ، فينشأ عن هذا العمل الضار التزام في جانب فاعله بان يعوض عن المال الذي أتلفه .

وشبه الجريمة عمل يصيب الغير بالضرر كالجريمة ، ولكنه يختلف عنها في أنه غير مصحوب بنية الأضرار بالغير ، بل يأتيه فاعله عن إهمال وعدم احتياط ، فيلتزم بتعويض الضرر كما في الجريمة . فإذا قاد شخص سيارة بسرعة غير معتادة ، وتسبب عن ذلك أن دهس شخصاً في الطريق ، فإنه يلتزم بتعويض المصاب أو ورثته عن الضرر الذي أحدثه .

والقانون قد يكون أخيراً مصدراً للالتزام فينشئه في حالات معينة ، كما في التزامات أفراد الأسرة بعضها لبعض من نفقة ورضاع وحضانة ووصاية وقوامة إلى غير ذلك ، وكما في التزامات الجار نحو جاره .

هذه هي مصادر الالتزام ، وتذكر عادة على الترتيب المتقدم . وقد اتفق علماء الفقه الحديث على انتقاد هذا الترتيب ، ولكنهم اختلفوا في الترتيب الذي يجب الأخذ به ، ثم استقرت جمهرتهم على ترتيب معين .

وحتى تستوب هذه المسألة الهامة نبحث أولاً من أين اتي هذا الترتيب الذي قدمناه ، ثم تبين وجوه النقد فيه ، وتخلص من ذلك إلى الترتيب الحديث لمصادر الالتزام .

1 – من أين الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام

23 – القانون الروماني : لم يرد هذا الترتيب في القانون الروماني في عهده المدرسي ، فقد كان هذا القانون يرجع الالتزامات إلى نوعين من المصادر : الجريمة ( delicta ) وتنحصر في جرائم محددة ، والعقد ( contractus ) ويشتمل على عقود معينة على سبيل الحصر ، ثم إلى مصادر أخرى للالتزامات التي لا تنشأ من الجريمة ولا من العقد ، وهي مصادر مختلفة متفرقة لم يحاول القانون الروماني ترتيبها ، واسمها ” الأسباب المختلفة ” ( variae causarum figurae ) .

هذا هو ترتيب القانون الروماني لمصادر الالتزام في عهده المدرسي . ولم يكن فيه شيء عن شبه العقد ولا عن شبه الجريمة . ولكن جاييس Gaius ، أحد فقهاء الرومان المعروفين ، رأى أن يضع الالتزامات التي تنشا من أعمال غير مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشا من أعمال غير مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشأ من الجرائم المحددة المعروفة ، بجامعة أن كلا من النوعين ينشأ من عمل غير مشروع ( [1] ) . والذي كان جاييس يعنيه هو اعتبار هذه الالتزامات كأنها تنشأ من جريمة ، لا من حيث مصدرها ، لأنها لا تنشأ من جريمة في الواقع من الأمر ، بل من حيث أثرها ، إذ هي في حكمها كالالتزامات التي تنشأ من الجرائم ، فلا تنتقل إلى ورثة المدين ويصح أن تجاوز حد الضرر الذي أحدثه العمل . والفرق واضح بين المعنيين ، إذ أن الشبه في المعنى الأول يقع على المصدر ، ويقع في المعنى الثاني على الأثر . وكان جاييس يقول عن هذه الالتزامات أن المدين فيه يلتزم كما لو كان يلتزم بجريمة ( quasi ex delicto tenetur ) . ورأى جاييس أيضاً أن يضع الالتزامات التي تنشأ من أعمال مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشأ من العقود المعينة المعروفة ( [2] ) ، ويقصد المعنى الذي قصد إليه في الأعمال غير المشروعة ، فهي التزامات يلتزم بها المدين كما لو كان يلتزم بعقد ، فليست إذن في مصدرها تنشأ من شبه العقد ، بل هي التزامات كتلك التي تنشأ من العقد من ناحية الأثر . وإلا فالفرق كبير بين العقد وما يسمي يشبه العقد ، فالأول توافق إرادتين ، والثاني لا وجود لهذا التوافق فيه ، بل قد لا توجد الإرادة فيه أصلاً ، وكان يقول عن هذه الالتزامات إن المدين فيها يلتزم كما لو كان يلتزم بعقد ( quasi ex contractu tenetur ) .

ولم يلبث الفرق الدقيق بين المعنيين أن زاد دقة وغموضاً ، حتى ورد فيما كتبه جاييس نفسه ونقله عنه جستنيان ( justinien ) شيء من الخلط بينهما .

على أنه يلاحظ أن كلا من جاييس وجستنيان لم يستعمل لفظي ” شبه العقد ” و ” شبه الجريمة ” اللذين استعملهما بوتييه ( Pothier ) والقانون الفرنسي من بعده . وقد أخذ هذان اللفظان مدلولا آخر غير الي كان يعنيه جاييس من اللفظين المقابلين لهما في ترتيبه . وسنبين ذلك فيما يلي .

24 – القانون الفرنسي القديم : أما ترتيب مصادر الالتزام في القانون الفرنسي القديم فتاريخه تحوير مستمر للنظيرة الرومانية حتى خرجت عن معناها الصحيح . ولم يلبث التعبير الروماني ( quasi ex delicto ) و ( quasi ex contractu ) أن انقلب فأصبح ( ex quasi delicto ) و ( ex quasi contractu ) . ولكن المعنى في أول الأمر لم يتغير واقتصر التحوير على اللفظ ، وإن كان ” شبه العقد ” اتسع نطاقه فأصبح يشمل مسائل أخرى كالقوامة والميراث .

وفي عهد أصحاب الحواشي ( glossateurs ) صارت مصادر الالتزام العقد وملحق العقد والجريمة وملحق الجريمة ومصادر أخرى متفرقة ( variae causarum figurae ) . فاستبقى ” المحشون ” المصادر الأربعة التي عرفت عند جاييس وجستنيان ، وزادوا عليها هذه المصادر المتفرقة التي جعلوها مستقلة عن ملحق العقد وملحق الجريمة حتى ينسبوا إليها الالتزامات التي لا يمكن ارجاعها إلى مصدر من المصادر الأربعة الأولى كما في دعوى الاسترداد بسبب السرقة ( condictio furtive ) .

أما المدرسة البارتولية فقد حملها روح التحليل المنطقي التي اشتهرت بها على بحث الأساس الذي بنيت عليه الالتزامات الناشئة من ” ملحق العقد ” . وكان رأي بارتول ( Bartole ) أن ملحق العقد هذا ليس مبنيا على إرادة حقيقية أو مفترضة ، بل هو مبنى على إرادة وهمية خلقها القانون . وهذه هي الخطوة الأولى في تقريب ” ملحق العقد ” من العقد واخراج هذا التعبير الأول عن المعنى الذي قصد إليه الرومان .

ثم تلى ذلك الخطوة الثانية ، وأصبح ” ملحق العقد ” يتضمن إرادة مفترضة تقربه من العقد الذي يتضمن إرادة حقيقية . وهكذا ابتعدنا عن النظرية الرومانية وانفرجت مسافة الخلف بين النظريتين . فالنظرية الرومانية كانت ترى ” ملحق العقد ” هو العمل المشروع الذي ليس بعقد ، أي أن الفركة الأساسية فيه هي أن تنتفي عنه صفة العقد . أما الآن ” فالملحق بالعقد ” هو عمل مشروع يقرب من العقد في أن كلا منهما ليس عملا مشروعاً فحسب ، بل هو أيضاً مبنى على إرادة : حقيقية في العقد ومفترضة في ملحق العقد . ومن ثم لصقت صفة العقد بملحق العقد ، وأصبح هذا ” شبه عقد ” .

ثم أتي فوتييه فجعل مصادر الالتزام خمسة : العقد وشبه العقد والجريمة وشبه الجريمة والقانون .

25 – قانون نابليون : وانتقل الترتيب الذي أتى به بوتييه إلى قانون نابليون على علاته . فجعل هذا القانون مصادر الالتزام خمسة هي المصادر ذاتها التي قال بها بوتييه .

وسلم كثير من فقهاء القانون المدني الفرنسي في أول الأمر بهذا الترتيب ، ولم يعرضوا له بنقد ، بل جعلوه أساساً لتعليقاتهم وشروحهم .

2 – نقد الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام

26 – نقد الأستاذ بلانيول ( [3] ) : يرى الأستاذ بلانيول ( Planiol ) أن تقسيم العمل غير المشروع باعتباره مصدراً للالتزام إلى جريمة وشبه جريمة ، بحسب وجود نية التعمد أو انعدامها ، لا أهمية له ، لا من حيث نشوء الالتزام ولا من حيث ما يترتب عليه من الأثر . فشبه الجريمة ينشيء التزاماً كالجريمة سواء بسواء ، والتعويض يدفع كاملا في الحالتين .

أما شبه العقد فهو في نظر الأستاذ بلانيول تعبير مضلل . ذلك أن أصحاب الترتيب التقليدي يزعمون أن شبه العقد قريب من العقد في أنه عمل إرادي ، وبعيد عن الجريمة وشبه الجريمة في أنه عمل مشروع . والواقع عكس ذلك تماماً ، فشبه العقد بعيد عن العقد لأنه غير إرادي ، وقريب من الجريمة وشبه الجريمة لأنه غير مشروع .

أما أن شبه العقد عمل غير إرادي ، فيظهر هذا من أن الالتزام الناشيء من شبه العقد ليس على أية صورة من الصور وليد الإرادة – بله توافق الإرادتين – فهو قد ينشأ رغم إرادة الملتزم ، لذلك لا يشترط توافر الأهلية فيه ، بينما يشترط توافرها في المتعاقد لأن التزامه لا ينشأ إلا بإرادته . وإذا كنا في شبه العقد قد تصادف عملا ارادياً في مبدأ الأمر ، كما إذا أقام شخص بناء على أرض الغير فينشأ التزام في ذمة صاحب الأرض بان يرد ما أثرى به على حساب صاحب البناء ، فإن هذا العمل الارادي ليس هو الذي خلق الالتزام ، وليس من صدرت منه هذه الإرادة هو الملتزم ، بل الملتزم هو الشخص الذي لم تصدر منه أية إرادة ، وهو صاحب الأرض الذي فوجئ بالبناء مقاماً على أرضه .

وأما أن شبه العقد عمل غير مشروع ، فيظهر هذا إذا تعمقنا في تحليل الالتزام الذي ينشأ من شبه العقد . فإننا نقف عادة عند العمل الذي يبدأ به شبه العقد . وهذا العمل مشروع دون شك . فمن يدفع ديناً غير موجود أو يقيم بناء على أرض الغيار يقوم بأعمال مشروعة . ولكن هذا العمل المشروع ليس هو الذي ينشيء الالتزام ، فإن الملتزم ليس هو الشخص الذي دفع الدين أو أقام البناء ، ومعروف أن سبب الالتزام يتصل بشخص المدين لا بشخص الدائن . فإذا أردنا أن نعرف سبب الالتزام ملتمسين إياه متصلا بشخص المدين ، وجدنا أن هذا السبب في الحالتين المتقدمتين وفي الحالات الأخرى المماثلة يرجع إلى إثراء المدين دون سبب على حساب الدائن ، فوجب عليه أن يرد للدائن ما أثرى به على حسابه . فالإثراء دون حق هو إذن مصدر الالتزام ، وهو عمل غير مشروع .

ويتبين من ذلك أن شبه العقد ليس بالعمل الإرادي ولا بالعمل المشروع كما يزعمون .

27 – رأي الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام : ثم يقدم الأستاذ بلانيول أساس لترتيب آخر ، فيذهب إلى أن للالتزام مصدرين اثنين : العقد والقانون . ويرد شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة جميعاً إلى القانون . ذلك أن الالتزامات التي تنشأ من هذه المصادر الثلاثة ليست إلا التزامات جزائية قامت بسبب الإخلال بالتزامات قانونية . ففي شبه العقد يثري شخص على حساب غيره ، فيخل بالتزام قانونين هو ألا يثري دون حق على حساب الغير ، وينشأ عن الإخلال بهذا الالتزام القانونين التزام جزائي هو رد ما أثرى به . وفي الجريمة وشبه الجريمة يحدث شخص ، بخطأه العمد أو غير العمد ، ضرراً للغير ، فيخل بالتزام قانونين هو إلا يضر الغير بخطأه ، وينشأ عن الإخلال بهذا الالتزام القانوني التزام جزائي هو تعويض الضرر الذي أحدثه .

والذي يميز هذه الالتزامات الجزائية هو إنها ليست كالالتزامات القانونية درءاً لضرر قد يقع في المستقبل ، بل هي تعويض عن ضرر قد وقع في الماضي على أنه يلاحظ أنه هذه الالتزامات الجزائية إنما هي في الواقع الالتزامات القانونية ذاتها قد استحالت إلى تعويض ، على الوجه الذي نراه في الإلتزمات التعاقدية عندما تستحيل هي أيضاً إلى تعويض إذا لم يكن تنفيذها عيناً . فكل التزام غير تعاقدي يكون التزاماً قانونياً ، إما في صورته الأصلية ، وإما في صورة استحال فيها إلى تعويض . وهو في الصورة الأولى يراد به درء ضرر قد يقع ، وفي الصورة الثانية يراد به التعويض عن ضرر قد وقع .

28 – تقدير رأي الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام : هذا هو الرأي الذي يقدمه الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام . وهو رأي خلاب ، بسيط المظهر ، سهل الفهم . ولكن حظه من الابتداع أقل مما يظهر لأول وهلة . فقد سبقه تولييه ( Toulier ) ( [4] ) إلى نقد الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام نقداً جدياً ، وبين في وضوح وجلاء : ( أولاً ) أن مصادر الالتزام لا تعدو أن تكون الاتفاق أو القانون . ( ثانياً ) أن الالتزامات التي يكون مصدرها القانون أما أن تستند إلى القانون رأساً وإما أن تنشأ على اثر عمل صادر من المدين أو الدائن . ( ثالثاً ) أن ما يسميه القانون بشبه العقد إنما يرجع إلى قاعدة عادلة هي عدم مشروعية الإثراء على حساب الغير ، وأن المشرع كما ألزم من يأتي بعمل غير مشروع تعويض الضرر الذي يحدث من هذا العمل ، ألزم كذلك من يثري بعمل مشروع على حساب غيره أن يرد إلى هذا الغير ما أثرى به على حسابه ، وهذا تقابل منطقي عادل .

ولكن بلانيول كان مبتدعا عندما أوجد الصلة بين الالتزامات القانونية والالتزامات التي تنشأ من الجريمة وشبه الجريمة وشبه العقد . فهذه الالتزامات الأخيرة كما يقول ما هي إلا التزامات قانونية استحالت إلى تعويض مالي . وكان مبتدعا كذلك عندما ارجع كل هذه الالتزامات غير التعاقدية إلى فكرتين اساسيتين : درء خطر قد يقع ، أو التعويض عن ضرر قد وقع .

على أنه بالرغم من روعة ما في هذا التحليل من جدة وبساطة ، فليس فيه ما يلقى كثيراً من الضوء على ترتيب مصادر الالتزام . إذ نكاد نكون بعد نظرية بلانيول حيث كنا قبلها ، لم نتقد م خطوة كبيرة إلى الأمام . فهي أقرب إلى التعليل منها إلى التحليل ، لأنها توضح علة وجود الالتزامات أكثر مما تبين مصدر نشوئها .

هذا هو بوجه إجمالي موضع الضعف في نظرية الأستاذ بلانيول . وإذا أردنا نقد تفاصيلها أخذنا عليها ما يأتي :

 ( أولاً ) إذا صح أن القانون مصدر لكل الالتزامات غير التعاقدية ، فهو مصدر غير مباشر بالنسبة إلى بعضها ، ومصدر مباشر بالنسبة إلى بعض آخر ( [5] ) . وكان الأولى أن يبرز العمل كما برز العقد مصدراً مستقلا من مصادر الالتزام .

 ( ثانياً ) بالغ الأستاذ بلانيول في تأكيده بأن شبه العقد عمل غير مشروع ، مع أن القول بأنه عمل مشروع لا يخلو من الوجاهة . ذلك أن المثرى على حساب الغير إنما يلتزم بعمل إذا نظرنا إليه في أصله كان مشروعاً ، وإذا نظرنا إليه في نتيجته كان غير مشروع . فهو عمل يتسبب عنه إثراء على حساب الغير . فيبقى العمل في ذاته مشروعاً وإن تسببت عنه نتيجة غير مشروعة .

على أنه من الانصاف أن يقال أن لبلانيول فضلا كبيراً في توجيه نظر الفقهاء إلى عيوب الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام . وقد اجمع الفقهاء ، على اثر الحملة التي قام بها ، على نقد هذا الترتيب ، وما لبثوا أن هجروه إلى ترتيب حديث ، ننتقل الآن إليه .

3 – الترتيب الحديث لمصادر الالتزام

29 – القانون المدني القديم : نص القانون المدني القديم في المادتين 93 / 147 على أن ” التعهدات إما أن تكون ناشئة عن اتفاق أو عن فعل أو عن نص القانون ” . وهذا الترتيب خير بكثير من الترتيب الذي أتى به القانون الفرنسي . فقد تجنب أكثره وجوه النقد التي توجه إلى الترتيب الأخير ، فلم يفرق بين الجريمة وشبه الجريمة ، ولم يجعل ما يسمي ” بشبه العقد ” مصدراً للالتزام ، بل جمع المصادر التي وزعها القانون الفرنسي بين شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة في مصدر واحد وأسماه ” فعلا ” ( fait ) ، وأبقى العقد والقانون مصدرين مستقلين .

وكل ما يمكن أن يوجه للقانون المصري القديم من النقد أنه لم يبين ما ينطوي تحت كلمة ” الفعل ” من معان . فالفعل إما أن يكون من شأنه أن يفقر الدائن دون حق ، وهذا هو العمل غير المشروع . وإما أن يكون من شأنه أن يغني المدين دون سبب ، وهذا هو الإثراء بلا سبب . وهكذا يتكشف عن ” الفعل ” مصدران لا مصدر واحد ، كان فصل أحدهما عن الآخر أجلى بياناً وأوسع إحاطة .

30 – التقنينات الحديثة والفقه الحديثة : وإذا رجعنا إلى التقنينات الحديثة ، كالتقنين الألماني والتقنين السويسري والمشروع الفرنسي الإيطالي والتقنين الإيطالي الجديد ، وأردنا أن نستخلص منها ما توخته من ترتيب لمصادر الالتزام ، أمكن أن يقال في شيء من التعميم إن المصادر التي أقرتها هذه التقنينات خمسة : العقد والإرادة المنفردة والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون .

ويشترك هذا الترتيب الحديث مع الترتيب القديم في مصدرين هما العقد والقانون . أما الجريمة وشبه الجريمة فيجتمعان في ” العمل غير المشروع ” . وشبه العقد في الترتيب القديم يقابله الإثراء بلا سبب وريد الحديث الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام .

وهذا الترتيب هو الذي أخذ به أكثر الفقهاء في الفقه الحديث ( [6] ) .

31 – التقنين المدني الجديد : ويلاحظ أن التقنينات الحديثة لا تورد في نص خاص مصادر الالتزام مرتبة هذا الترتيب الخماسي الذي تقدم ذكره ، بل إن هذا الترتيب يستخلص من التبويب الذي اتخذته هذه التقنينات . وعلى هذا النحو جرى التقنين المدني الجديد ، فلم يورد نصاً خاصاً يقر فيه أي ترتيب معين ، بل اقتصر على عرض مصادر الالتزام المختلفة في فصول متعاقبة ، مرتبة على النحو المتقدم ، وقد ورد في هذا الصدد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ما يأتي :

 ” والواقع أن تحدث التقنينات ، ولاسيما ما كان منها جرماني النزعة . لا يورد في النصوص تقسيما للمصادر . بل إن المشروع الفرنسي الإيطالي ذاته ، على شدة تأثره بالنزعة اللاتينية ، انتهى إلى الإعراض عن كل تقسيم فقهي ، ونعي على التقسيم الذي اتبعه التقنين الفرنسي قصوره وفساده ومجانبته للمعقول . وقد برر واضعو المشروع الفرنسي الإيطالي إعراضهم عن كل تقسيم ونبذهم للأحكام الحالية الواردة في المادة 1370 من التقنين المدني الفرنسي والمادة 1097 من التقنين المدني الإيطالي بان التقسيم الذي اتبعه هذان النصان أليق بأغراض التعليم منه بأغراض النصوص التشريعية . واستطرد التقرير الخاص بالمشروع المتقدم ذكره قائلا : ” والخلاصة أن الفقه بوسعه أن يجري على التقسيم التقليدي أو أن يحل محله تقسيماً أكثر اتفاقاً مع المعقول ، والنتيجة أن إسقاط التقسيم من المشروع قد ازال من النصوص عقبة تحول دون حرية اجتهاد الفقه في الإبداع والتصور ” . وقد رؤى من الأنسب اقتفاء اثر المشروع الفرنسي الإيطالي وتقنينات حديثة أخرى ، فلم يقتصر الأمر على الإعراض عن التقسيم البالي الذي اتبعه التقنين الفرنسي العتيق ، بل جاوز ذلك إلى العدو عن إقرار أي تقسيم رسمي في النصوص . وعلى هذا النحو قنع المشروع بعرض مصادر الالتزام المختلفة دون أن يجهد في ردها إلى أقسام جامعة شاملة في نص خاص . فعمد ، نسجاً على منوال أحدث التقنينات ، إلى البدء بأحكام العقد والإرادة المنفردة ( [7] ) ، ثم تناول العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ، وانتهى بالالتزامات التي تنشأ مباشرة من نص القانون ( [8] ) ” .

32 – أساس علمي لترتيب مصادر الالتزام ومصادر الحقوق بوجه عام : تبين مما تقدم أن التقنينات الحديثة جعلت مصادر الالتزام خمسة : العقد والإرادة المنفردة والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون .

وهذا الترتيب تغلب فيه الناحية العملية ، وينقصه الأساس العلمي الذي يرتكز عليه . فلا يكفي أن نقول إن هذه هي مصادر الإلتزام ، بل يجب إرجاع هذه المصادر إلى أصول علمية منطقية .

ونحن إذا أردنا أن نرجع مصادر الالتزام إلى ترتيب منطقي ، وفهمنا أن المراد بالمصدر هو السبب القانونين الذي ينشيء الالتزام ، وجدنا عند التأمل أن الأسباب القانونية التي تنشيء الالتزامات ليست مقصورة على هذه الدائرة – دائرة الحقوق الشخصية – بل هي تتناول أيضاً الحقوق العينية ، بل تجاوز قانون الأموال إلى قانون الأسرة ، بل هي تحلق في سماء القانون ، وتنشيء كل العلاقات القانونية أو تؤثر فيها ، سواء كانت هذه العلاقات ترجع إلى القانون الخاص أو إلى القانون العام .

ومن الواضح أن السبب الذي ينشيء علاقة قانونية أو يؤثر فيها هو أمر يجد فيحدث تعديلا في العلاقات القانونية الموجودة . ولو كان لنا أن نتصور أن الأرض كفت عن الدوران ، وأن كل مخلوق عليها ركن إلى السكون أمكن أن نقول إن العلاقات القانونية تبقى على حالها دون تغير في الوقت الذي تجمد فيه كل حركة . فإذا حدثت بعد ذلك أية حركة ، فقد يكون من شأنها أن تعدل في هذه العلاقات . هذه الحركة التي وقعت نسميها ” بالواقعة ” . فإذا كان من شأنها أن تنتج أثراً قانونياً سميت ” بالواقعة القانونية ” ( fait juridique ) . وهي إما أن تكون راجعة لإرادة الإنسان ، وإما ألا ترجع لهذه الإرادة .

فهبوب العواصف ، وانفجار البراكين ، ودوران الأرض ، كل هذه وقائع لا ترجع لإرادة الإنسان ، بل هي من عمل الطبيعة . وقد تؤثر في العلاقات القانونية الموجودة : هبوب العواصف أو انفجار البراكين قد يكون قوة قاهرة تعفى المدين من التزامه . ودوران الأرض حول نفسها يعين ساعات تنفيذ الالتزام في عقد العمل . ودورانها حول الشمس يحصي عدد السنين اللازمة للتملك بالتقادم .

والوقائع التي ترجع لإرادة الإنسان أكثرها أعمال مادية ، قد يريد صاحبها أن يحدث بها أثراً في الروابط القانونية الموجودة أو لا يريد ذلك . فهو يأكل ويمشي ويتحدث ويعاشر الناس ويجاملهم ، وهو لا يريد عادة من وراء هذا أن يؤثر في علاقاته القانونية . ولكن هذه العلاقات قد تتأثر دون أن تتجه إرادته إلى شيء من ذلك . فإذا أكل شيئاً لا يملكه أصبح مسئولا عن تعويض المالك . وإذا مشي دون حيطة فأتلف شيئاً وجب عليه أن يعوض عما اتلف . وإذا تحدث فذكر مثالب للغير فقد يكون هذا سباً أو قذفاً يجعله مسئولا . وإذا جامل الغير فقام ببعض شؤونهم فقد يجد نفسه ملزماً باتمام ما بدأ به ويكون دائناً لهذا الغير بمقدار ما كلفه العمل . ويلاحظ أنه في الوقائع المتقدمة قد قام الشخصي بأعمال مادية اختيارية ، أراد النتائج التي ترتبت عليها في بعض الفروض ، ولكنه في أكثر الفروض لم يرد شيئاً من هذه النتائج .

وهناك من الوقائع التي ترجع لإرادة الإنسان ما ليس بأعمال مادية ، بل هي أعمال إرادية . ونريد بالعمل الإرادي هنا عمل الإرادة المحضة تتجه إلى إحداث نتائج قانونية معينة . مثل هذه الوقائع تسمي إعمالاً قانونية ( actes juridiques ) تمييزاً لها عن الأعمال المادية . ومنها ما يرجع لإرادة الشخص منفرداً كالوصية والوقف والوعد بجائزة ( الجعالة ) ، ويسمي بالعمل القانونين الصادر من جانب واحد ( acte juridique unilateral ) ، ومنها ما يرجع لارادته مقرونة بارادة طرف آخر ، وهذا هو العقد ( acte juridique bilateral, contrat ) .

من ذلك نرى أن الوقائع هي مصادر الروابط القانونية . والوقائع إما أن تكون طبيعية ( faits naturels ) أو اختيارية ( faits rolontaires ) . والوقائع الاختيارية إما أن تكون إعمالاً مادية ( actes materielgs ) أو إعمالاً قانونية ( actes juridiques ) . والأعمال القانونية إما أن تكون صادرة من جانب واحد ( actes juridiques ) . والأعمال القانونية إما أن تكون صادرة من جانب واحد ( actes unilatreaux ) أو صادرة من الجانبين ( actes bilatreaux, contrats ) والقانون من وراء كل ذلك محيط ، فهو الذي يحدد الآثار القانونية التي تترتب على الوقائع والأعمال جميعاً .

ويلاحظ في هذا الترتيب إننا تدرجنا من الأعم إلى الأخص . فالوقائع القانونية تشمل الوقائع الطبيعية والوقائع الاختيارية ، والوقائع الاختيارية تشمل الأعمال المادية والأعمال القانونية . والأعمال القانونية تشمل الأعمال الصادرة من جانب واحد والأعمال الصادرة من الجانبين .

33 – تطبيق هذا الترتيب على مصادر الحقوق العينية : المعروف أن أسباب كسب الحقوق العينية سبعة : الاستيلاء والميراث والوصية والالتصاق والعقد والشفعة والحيازة .

فإذا رتبنا هذه الأسباب على النحو الذي قدمناه كان منها الوقائع الطبيعية ، وهي الميراث وأسباب الأخذ بالشفعة والتقادم . ومنها الأعمال المادية ، وهي الاستيلاء والالتصاق والحيازة . ومنها الأعمال القانونية ، بعضها عمل صادر من جانب واحد وهي الوصية وإعلان الرغبة في الأخذ بالشفعة ، وبعض آخر عمل صادر من الجانبين ، وهو العقد ( [9] ) .

34 – تطبيق الترتيب على مصادر الالتزام : ونطبق هذا الترتيب العلمي على مصادر الالتزام . فالوقائع الطبيعية كالجوار والقرابة يرتب عليها القانون التزامات معينة لاعتبارات ترجع للعدالة والتضامن الاجتماعي . لذلك يصح إسناد هذه الالتزامات للقانون مباشرة فيكون هو مصدرها .

والأعمال المادية قسمان : القسم الأول أعمال غير مشروعة تصدر من المدين فتفقر الدائن دون حق فيلتزم المدين بالتعويض ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل المادي الضار . والقسم الثاني أعمال مشروعة تغني المدين على حساب الدائن فيلتزم المدين أن يرد ما اغتنى به ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل المادي النافع .


 ( [1] ) فألحق بالجرائم المعروفة ، ومنها السرقة والغش والتهديد ، إعمالاً أخرى غير مشروعة ، كاخلال القاضي بواجبات وظيفته ووقوع الشيء من نافذة منزل ، فتصيب الغير بالضرر .

 ( [2] ) فألحق بالعقود المعروفة ، ومنها البيع والإيجار والقرض والعارية والمقايضة والقسمة ، إعمالاً ووقائع أخرى مشروعة كعمل الفضولي ودفع غير المستحق وحالة الجوار ومركز الشخص في أسرته فيما يترتب على هذه الوقائع من التزامات .

 ( [3] ) أنظر مقاله في المجلة الانتقادية ( Revue Critique ) سنة 1904 ص 224 وما بعدها . وانظر أيضاً مختصره في القانون المدني جزء 2 فقرة 806 وما بعدها .

 ( [4] ) تولييه 11 فقرة 2 ، وما بعدها . ولعل تولييه هو أول من نقد الترتيب الذي أتى به قانون نابليون نقداً جدياً ، ويحس القارئ في كتابته الدقة والتعمق عند معالجته هذا الموضوع . وقد انصف بلانيول تولييه حين ذكر عنه ما يأتي : ” . . . إن هاتين الصفحتين من كتابه ، وهما صادرتان عن تفكير قوي وتعبير متين ، لم يلفتا نظر من جاء بعدهع من الفقهاء . ولا ندري كيف أن ” بمولومب ، وهو الذي استعان كثيراً بكتاب تولييه في هذا الموضوع ، لم يخلص منه بفائدة . فإننها إذا لم نقرأ آراء تولييه إلا عن طريق ما اقتبسه منه ديمولومب لا تحزر أن تولييه قد أتى بهذه الآثار العميقة المنتتجة ” ( بلانيول 2 فقرة 811 هامش رقم 1 ) .

 ( [5] ) إذا قلنا أن القانون مصدر مباشر لبعض الالتزامات فإننا نقصد بذلك أن هذه الالتزامات لا نزال تتولد من وقائع قانونية ، شأنها في ذلك شأن الالتزامات التي تتولد من العقد ومن العمل غير المشروع . ومن الإثراء بلا سبب ، ولكنها لا تتولد عن هذه الوقائع إلا في حالات خاصة ينص عليها القانون بطريق مباشر .

 ( [6] ) ويذهب الدكتور حلمي بهجت بدوي بك ( أنظر كتابه في أصول الالتزامات ص 36 – ص 40 ) إلى أنه لا يوجد إلا مصدران للالتزام : الإرادة والقانون . ولكنه يختلف اختلافاً جوهرياً عن القائلين بالترتيب الثنائي . فعنده أن الالتزام العقدي يتحلل إلى التزامين مستقلين لكل منهما مصدر خاص : الدين ومصدره الإرادة ، وإجبار المدين على الوفاء ومصدره القانون . وهذا الالتزام الثاني هو المسئولية العقدية . وهو يذهب إلى أن المسئولية العقدية ، كغيرها من أحوال المسئولية الأخرى ، مصدرها القانون . فالقانون يقضي بالمسئولية إذا اخل المتعهد بالوفاء بتعهده ، وإذا أضر الإنسان بغيره ، وإذا أثرى على حساب غيره ، وإذا تدخل في شؤون غيره . . .

  ولا نطيل القول في نقد هذا التقسيم فإن المؤلف نفسه لم يلتزمه . ونجتزئ بالإشارة إلى أن عيبه الجوهري في رأينا هو أن المؤلف يذهب إلى أن مصدر المسئولية العقدية يختلف عن مصدر الدين العقدي . والصحيح أن المسئولية العقدية والدين العقدي لهما مصدر واحد هو الإرادة . ذلك أن المدين في العقد إنما أراد أن يرتب في ذمته دينا وأراد أيضاً أن يكون لدائنه حق إجباره على الوفاء بهذا الدين ، والقانون يأتي بعد ذلك يقر هذه الإرادة في شقيها ، شق المديونية وشق المسئولية . فلا محل مطلقاً للتمييز ما بين المديونية والمسئولية من حيث المصدر . وقد رأينا فيما تقدم أن الألمان يميزون ما بين المديونية والمسئولية في الالتزام العقدي ولكنهم لا يجعلون أحدهما يختلف في مصدره عن الآخر . فلا يمكن الاستناد إذن إلى النظرية الألمانية للدفاع عن هذا التقسيم .

 ( [7] ) وسنرى أن الإرادة المنفردة ، إذا كان المشروع التمهيدي قد اعتبرها مصدراً عاماً للالتزام كالعقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ، إلا إنها في المشروع النهائي ، ثم في التقنين الجديد ، لم تصبح مصدراً للالتزام إلا في حالات خاصة يعنيها نص في القانون . ومن ثم أصبحت الالتزامات التي مصدرها الإرادة المنفردة في القانون الجديد إنما هي التزامات أنشأها القانون بطريق مباشر بمقتضى نصوص خاصة ، وقد عالجناها ضمن الالتزامات التي تنشأ من القانون .

 ( [8] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 3 هامش رقم 1 .

 ( [9] ) وهذا الترتيب الذي توخيناه تظهر فيه مزيتان متصلتان بأسباب كسب الحقوق العينية :

 ( الأولى ) أنه يفسر بعض المسائل الغامضة . فكثيراً ما يناقش الفقهاء هل الشفعة حق عيني أو هي شيء غير ذلك . كما يتناقشون في طبيعة الحيازة وهل هي حق عيني . ونحن لا نتردد في الإجابة على هذه المسائل بما قدمناه . فلا الشفعة ولا الحيازة بحق عيني أو حق شخصي ، بل هما واقعتان قانونيتان تدخلان في أسباب كسب الملكية . فهما إذن ليسا بحقوق ، بل هما مصدر للحقوق . ولا يصح أن يقال عن أي منهما أنه حق عيني أو حق شخصي بالقدر الذي لا يصح أن يقال به إن العقد ، وهو أيضاً مصدر للحقوق ، حق عيني أو حق شخصي . والأهمية العملية لعدم اعتبار الشفعة حقاً أنه لا يجوز لدائني الشفيع أن يستعملوا الشفعة باسم مدينهم .

والذي ضلل الناس في أمر الشفعة هو إنها تجعل الشفيع بالنسبة إلى العين المشفوع فيها في منزلة من له الحق في أن يتملكها . وهذه منزلة وسطى بين مجرد الرخصة في التملك ، حيث يكون الشخص اجنبياً عن الشيء ، وحق الملكية الكامل ، حيث يكون للشخص حق عيني في الشيء . ونظير ذلك شخص صدر له إيجاب بالبيع ، فهو أيضاً في منزلة وسطى بين من له مجرد الرخصة في الشراء قبل صدور الإيجاب وبين الشمتري الذي أصبح مالكا عند تمام البيع . وقد نبه فقهاء الشريعة الإسلامية إلى هذه المنزلة الوسطى ، ووصفوها بأنا حق الشخص في أن يتملك ، أو كما يقول القرافي في الفروق ” من انعقد له سبب المطالبة بالملك ” ويفرق بين هذا وبين ” من ملك أن يملك ” ( الفروق للقرافي المطبعة التونسية سنة 1302 الجزء الثالث ص 28 – ص 31 – النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية للدكتور شفيق شحاته فقرة 322 ص 265 وما بعدها ) .

والقائلون بانتقال الشفعة إلى الورثة يعنون بذلك أن الحق في التملك بسبب الشفعة – وهو كما قلنا منزلة وسطى بين مجرد الرخصة والحق الكامل – ينتقل بالميراث ، ونظير ذلك أن ينتقل حق من وجه إليه الإيجاب إلى ورثته بعد موته فيقبلون بدلا منه ، وسنرى أن هذا الحق لا ينتقل إلى الورثة وأن الإيجاب يسقط بموت من وجه إليه هذا الإيجاب .

 ( الثانية ) أن هذا الترتيب يزيل لبسا نشأ من عدم الدقة في تعريف العمل المادي والعمل القانوني . فقد جرت الفقهاء على أن تعرف العمل المادي بأنه واقعة اختيارية لا يقصد منها صاحبها النتيجة القانونية التي تترتب عليها ، أما العمل القانوني فواقعة اختيارية يقصد نتيجتها القانونية فإذا سلمنا بهذا التعريف تساءلنا أين إذن نضع الاستيلاء والحيازة ؟ نضعها طبقاً للتعريف المتقدم في الأعمال القانونية لأن القائم بهما يقصد ما يترتب عليهما من النتائج . ولكن القول بهذا يخالف المعقول ، فمن غير الممكن التسليم بان الاستيلاء والحيازة من الأعمال القانونية ، لذلك يخرجهما بعض الفقهاء من دائرة هذه الأعمال بتعليلات مشكوك في وجاهتها ( أنظر ديموج 1 ص 12 – ص 26 ) . ولا شك في أن الاستيلاء والحيازة أعمال مادية . لذلك وجب أن تصحح تعريف العمل المادة والعمل القانوني . فالأول هو عمل مادي يقع من الإنسان باختياره ، سواء أراد النتيجة القانونية التي تترتب عليه أو لم يد . فالعمل الضار هو عمل مادي اختياري لا يريد صاحبه ما يترتب عليه من النتائج القانونية ، والاستيلاء عمل مادي اختياري يريد صاحبه هذه النتائج ، والالتصاق والفضالة من الأعمال المادية الاختيارية التي قد يريد صاحبها نتائجها القانونية وقد لا يريدها . أما العمل القانونين فليس بعمل مادي ، بل هو إرادة محضه تتجه لإحداث نتيجة قانونية معينة . فالذي يميز إذن بين العمل المادي والعمل القانونين ليس هو كما يظن الكثيرون أن الأول لا تقصد نتيجته القانونية ، والثاني تقصد منه هذه النتيجة ، ولكن المميز بين العملين هو أن الأول مادي والثاني غير مادي أو هو مجرد إرادة تتجه لإحداث اثر قانوني .

على أنه يمكن تمييز طائفة ثالثة منم الوقائع القانونية تصح تسميتها بالوقائع المركبة والوقائع المختلطة . فإذا كانت الواقعة القانونية تتركب من واقعة مادية وعمل قانوني ، كانت مركبة ( complexe ) . مثل ذلك الشفعة اقترن فيها بيع العين المشفوعة مع الشيوع أو الجوار ، وهذه واقعة مادية ، بإعلان الشفيع رغبته في الأخذ بالشفعة ، وهذا عمل قانونين . أما إذا كانت الواقعة القانونية شيئاً واحداً ولكن اختلط فيه العنصر المادي بعنصر الإرادة ، كانت الواقعة مختلطة ( mixte ) . مثل ذلك الاستيلاء اختلطت فيه الحيازة المادية ، وهي عنصر مادي ، بإرادة المستولى في أن يتملك في الحال ، وهي عنصر إرادي ، ولكن العنصر المادي هنا هو المتغلب . ومثل ذلك أيضاً الوفاء اختلط فيه تسليم الشيء الواجب الأداء ، وهو عنصر مادي ، بالاتفاق على انقضاء الدين ، وهو عنصر إرادي ، ولكن العنصر الإرادي هو؟؟؟؟؟

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

تعريف للالتزام

تعريف للالتزام

12 – القانون المدني القديم وتعريف القانون الفرنسي : بعد هذه النظرة العامة للالتزام يمكن الآن أن نختار تعريفاً له . ونذكر قبل ذلك تعريف القانون المدني القديم وتعريف القانون الفرنسي . فقد كانت المادتان 90 / 144 من القانون المدني القديم تنصان على أن ” التعهد قو ارتباط قانوني الغرض منه هو حصول منفعة لشخص الغرض منه هو حصول منفعة لشخص بالتزام المتعهد بعمل شيء معين أو بامتناعه عنه ” . والقانون القديم كان يسمي الالتزام ” تعهداً ” . ولفظ ” الالتزام ” أدق ، لأن التعهد قد يفهم على أنه التزام مصدره العقد دون غيره من المصادر الأخرى .

وقد ورد تعريف الالتزام في القانون الفرنسي عرضاً في صدد تعريف العقد . فنصت المادة 1101 من هذا القانون علي أن ” العقد اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر نحو شخص آخر أو أكثر بإعطاء شيء أو بالقيام تعمل أو بالامتناع عن عمل ” . وتعريف القانون الفرنسي يقرب من تعريف القانون المدني القديم في أن كلا منهما ينص أن محل الالتزام قد يكون إعطاء شيء ، (donner  ) ، أي نقل ملكية أو حق عيني . والقانون المدني القديم يدخل الالتزام بإعطاء شيء في دائرة الالتزام تعمل .

13 – التعريف الذي ورد في المشروع التمهيدي للتقنين المدني : الجدير : وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد ، في المادة 121 ، يعرف الالتزام على الوجه الآتي ” الالتزام حالة قانونية بمقتضاها يجب على الشخص أن ينقل حقاً عينياً أو أن يقوم بعمل أو أن يمتنع عن عمل ” .

وقد ورد في المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع ، تعليقاً على هذا النص ، ما يأتي ( [1] ) ” كان في الوسع تعريف الالتزام بأنه علاقة قانونية أو رابطة من رواب القانون ، ولا سيما أن هذا هو التعريف التقليدي الذي ورد في التقنين المصري الحالي ( م 90 / 144 ) . بيد أنه يخشي من سياق التعريف على هذا الوجه أن يكون في ذلك قطع برأي معين في مسألة حظها من الخلاف في الفقه الحديث غير قليل . والواقع أن تعريف الالتزام بأنه رابطة قانونية إنما هو اعتناق للمذهب الشخصي ، مع ا ن الطابع المادي للالتزام أخذ يتزايد نصيبه من البروز في التشريع الحديث . وقد آثر المشروع أن يعرف الالتزام بأنه حالة قانونية تأكيداً لهذه النزعة الحديثة . وقي تعد نزعة الشريعة لغراء في تصويرها بفكرة الالتزام . ويراعي من ناحية أخري أن ذكر الدائن قد أغفل في التعريف إغفالا تاماً ولم يذكر إلا المدين . وهذا وجه آخر من وجوه التصوير المادي لالتزام . فالالتزام ، مجرداً من الدائن ، مرتبطاً بالمدين وحده ، إنما يكون عنصراً سلبياً من عناصر الذمه المالية أكثر منه علاقة قانونية تربط ما بين شخصين . وينهض لتوجيه هذا النظر ما استقر عله العمل . فمن الميسور عملا تصور التزام ليس له دائن وقت نشوئه ، والاشتراط لمصلحة الغير حافل بالتطبيقات التي يمكن أن تساق في هذا الصدد على أن الطابع الشخصي لم يهمل إهمالا تاماً . فالالتزام ، كما هو مدكور في التعريف ، يستتبع بالضرورة وجود شخص ملزم هو المدين . ومؤدي ذلك أن لكل التزام مديناً يعتبر شخصه عنصراً جوهرياً من عناصره ، وهذا هو نصيب الطابع الشخصي من فكرة الالتزام ” .

وقد رؤى حذف هذا النص في المشروع النهائي تجنباً التعريفات بقدر الإمكان فيما لا ضرورة لتعريفه وتحرزاً من تأكيد الطابع المادي الالتزام في نص تشريعي تأكيداً قد يجعله يطغي على الطابع الشخصي . فالتعريف الذي ورد في المشروع التمهيدي أليق أن يكون مكانه الفقه لا التشريع ( [2] ) .

14 – التعريف الذي تختاره : وفي رأينا أن خير تعريف للالتزام ، في المرحلة التي وصل إليها من التطور في الوقت الحاضر ، هو التعريف الذي يبرز المسألتين الآتيتين :

 ( أولا ) أن للالتزام ناحية مادية كما أن له ناحية شخصية . فهو حالة قانونية تربط شخصاً معيناً .

 ( ثانياً ) أنه ليس ضرورياً أن يوجد الدائن منذ نشوء الالتزام .

وعندنا أن التعريف الآتي يفي بهذا الفرق :

 ” الالتزام حالة قانونية يرتبط بمقتضاها شخص معين بنقل حق عيني أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل ” .

4 – أهمية نظرية الالتزام

وتأثرها بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والأدبية

14 – أهمية نظرية الالتزام : بعد ما قدمنا من تحديد لنظرية الالتزام بقي أن ندل على ما لهذه النظرية من شأن وخطر . فهي من القانون المدني ، بل ومن القانون عامة ، بمثابة العمود الفقري من الجيم . ويجعل لها تارد ( ( tarde في علم القانون مكان نظرية القيمة في علم الاقتصاد السياسي . ويجد علماء القانون فيها مجالا فسيحاً للسمو بالمنطق القانوني إلي أرفع مكان . بل قد يبالغ بعض الفقهاء فيغفل ما تشتمل عليه هذه النظرية من حقائق اجتماعية واقتصادية وأدبية ، ويجردها من كل ذلك ، ويبرزها قواعد فنية خالية إلا من المنطق المحض ، قريبة من المسائل الرياضية والعلوم الطبيعية . بل أن البعض قد غالي إلي حد أن وضع لها أسساً رياضية يضاهي بها النظريات الهندسية .

16 – تطور النظرية : على أنه إذا صح أن نظرية الالتزام هي أصلح النظرية قانونية ميداناً للتفكير المنطقي ، و أذا صح أيضاً أنها أولي النظريات قابلية للتوحيد في شرائع الأمم المختلفة لوحدة أصلها التاريخي ولسيادة المنطق فيها ، فليس بصحيح ما يزعم بعض الفقهاء من أن هذه النظرية لم تتطور ، بل بقيت ثابتة على الزمن ، تلقيناها عن الرومان كنا هي دون تعيير يذكر . والصحيح أن نظرية الالتزام تطروا تطوراً كبيراً منذ عهد الرومان إلي النوم . وقد تأثرت في تطورها بعوامل اجتماعية واقتصادية وأدبية .

17 – تأثر النظرية بالعوامل الاجتماعية : فالنظريات الاشتراكية وما في منحاها من النظريات الأخرى أثرت في نظرية الالتزام تأثيراً واضحاً . هذا عقد العمل ، وقد أخذ يزدحن بالقواعد والأحكام التي تهدف إلي حماية العمال وإلى إعطائهم من الحقوق ما لم يكن لهم من قبل كطرية الاجتماع وحق تكوين النهابات وحق الإضرات . وهذه نظرية العقد ذاتها ، وقد أخذت قوة الإلزام في العقد تبني فيها على التضامن الاجتماعي أكثر مما تقوم على إرادة الفرد . وهذه عقود الإذعان ، وقد أخذت الدولة تتدخل في تنظيمها حتى لا تترك جانب المستهلك دون حماية وهو الجانب الضعيف . وهذه نظرية الغبن ، وقد أخذت تتسع في القوانين الحديثة حتى أصبحت نظرية عامة تنطبق على جميع العقود على خلاف ما كانت تقضي به النظريات الفردية من وجوب ترك الفرد حراً في تعاقده يلتزم تما أراد مهما أصابه من غبن في ذلك .

18 – تأثر النظرية بالعوامل الاقتصادية : كذلك كان للعوامل الاقتصادية تأثير كبير في نظرية الالتزام . فقد كان من شأن السرعة في تداول المال أن أخذ المذهب المادي لالتزام يبرز إلي جانب المذهب الشخصي كما قدمنا . وحدت ظاهرة اقتصادية أخرى هي استغلال القوات الطبيعية استغلالا اقتصادياً مما أدي إلي استعمال مختلف الآلات الميكانيكية . وكان لهذا أثره في نظرية الالتزام ، فقد اقترن تقدم الآلات وكثرة استعمالها بمخاطر جمة تستهدف لها الناس ، وكان هذا سبباً في تأسيس المسئولية على الخطأ المفروض ، بل وفي خلق نظرية تحمل التبعة . وكان من ذلك أيضاً أن اتسع نطاق عقد التأمين بأنواعه المختلفة ، فوسع من نظرية الاشتراط لمصلحة الغير حتى بدت في ثوب جديد . وظاهرة اقتصادية ثالثة كان لها أثرها ي نظرية الالتزام قي تجمع رؤوس الأموال للإنتاج على أثر تقدم الصناعة ، وكان من وراء ذلك أن جدت نظريات في تنظيم النشاط الاقتصادي ، وأدى ازدياد هذا النشاط إلى خلق أنواع جديدة من العقود لم تكن معروفة من قبل ، كالعقود الجماعية والعقود النموذجية وعقود التزام المرافق العامة . هذا إلى أن المشاكل الاقتصادية بعد الحربين العالميتين الاخيرتين قد خلقت نظريات قانونية جديدة . نرى هذا في نظرية الظروف الطارئة ، وفي نظرية الوفاء بعملة نقص سعرها وما يتصل بذلك من ” شرط الذهب ” ، وفي التسعير الجبري للسلع والأجر .

19 – تأثر النظرية بالعوامل الأدبية : أما تأثير العوامل الأدبية في نظرية الالتزام فهو قديم . فالنظرية التي تقضى بان الغش يفسد العقود ، ونظرية التعسف في استعمال الحق ، والمبدأ القاضي بأنه لا يجوز الاتفاق على ما يخالف الآداب والنظام العام ، كل هذه نظريات مشبعة بالروح الأدبية ، وهي تقوم على محاربة سوء النية والضرب على أيدي العابثين بالأخلاق والآداب العامة . وهناك الالتزامات الطبيعية ، وهي التزامات تمت بصلة متينة إلى قواعد الأخلاق ، يعترف بها القانون ويضع لها نوعاً من الجزاء ، فتمتزج المثل الأدبية بالقواعد القانونية حتى تصبح شيئا واحداً . هذا إلى أن المصادر غير التعاقدية للالتزام إنما تقوم على أساس متين من القواعد الأدبية . فالالتزام بالتعويض عن العمل الضار يستند إلى التزام بوجوب الامتناع عن الأضرار بالغير دون حق . كذلك مبدأ الإثراء بلا سبب يمنع الشخص من أن ينتفع على حساب غيره . والالتزامات التي ينشئها القانون ، كالتزامات الجوار والتزامات أفراد الأسرة بعضهم نحو بعض ، هي في الواقع أوامر ونواه أدبية تقضي بوجوب العطف على الجار والكف عن إيذائه والبر بذوى القربى والأرحام . فإذا قلنا أن القانون إنما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر لا نكون مبالغلين في هذا القول ، ونكون قد دللنا في الوقت ذاته على أن القانون والأخلاق شيئان متلازمان .


 ( [1] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 9 في الهامش .

 ( [2] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 9 في الهامش .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن