التقادم للعقد الباطل

التقادم

1 – العقد الباطل

319 – دعوى البطلان تسقط بالتقادم : نصت الفقرة الثانية من المادة 141 من القانون الجديد على ما يأتي : ” وتسقط دعوى البطلان بمضي خمس عشرة سنة من وقت العقد ” ( [1] ) .

وكان المنطق يقضي بأن البطلان المطلق لا يزول بالتقادم ، لأن العقد الباطل معدوم ، والعدم لا ينقلب وجوداً مهما طال عليه الامد . وقد كان هذا رأينا في عهد القانون القديم ( [2] ) . ولكن القانون الجديد ، تمشياً مع محكمة النقض الفرنسية ( [3] ) ومع بعض الفقهاء الفرنسيين ( [4] ) ، قرر أن دعوى البطلان المطلق تسقط بالتقادم بانقضاء خمس عشرة سنة من وقت العقد ( [5] ) . وكان المشروع التمهيدي للقانون الجديد ( م 194 ) يقضي بان البطلان المطلق لا يزول بالتقادم . فعكس المشروع النهائي الحكم ، وانتقل الحكم معكوساً إلى القانون الجديد على النحو المبين في الأعمال التحضيرية ( [6] ) .

فإذا مضى على صدور العقد الباطل خمس عشرة سنة ، ثم رفع ذوى مصلحة دعوى البطلان ، أمكن دفعها بالتقادم . ذلك أن أوضاعاً قد استقرت منذ صدور العقد الباطل ، وبقيت دهراً طويلاً ، فوجب احترامها عن طريق إسقاط دعوى البطلان . ولكن هذا لا يعني أن العقد الباطل ذاته قد انقلب صحيحاً ، فهو لا يزال باطلا ، ولكن الدعوى ببطلانه لا تسمع لسقوطها بالتقادم .

320 – ولكن الدفع بالبطلان لا يسقط بالتقادم : ولأن العقد الباطل لا ينقلب صحيحاً بالتقادم ، بل يبقى كما كان دائماً معدوماً ، فالدفع بالبطلان لا يسقط بالتقادم مهما طالت المدة . فإذا باع شخص أرضا ، وكان البيع باطلا ، ولم يسلم الأرض للمشتري ، ومضى على صدور البيع خمس عشرة سنة ، فهو لا يستطيع أن يرفع دعوى بطلان البيع لسقوطها بالتقادم . ولكن ما دامت الأرض في يده ولم يسلمها للمشتري ، فهو في غير حاجة إلى رفع دعوى البطلان . وإذا رفع المشتري دعوى على البائع يطالبه بتسليم الأرض ، استطاع البائع أن يدفع الدعوى ببطلان البيع حتى بعد انقضاء خس عشرة سنة ، لأن الدفع بالبطلان لا يسقط كما قدمنا .

وحتى إذا سلم البائع الأرض للمشتري ، ومضى على صدور البيع خمس عشرة سنة ، فإن البائع يستطيع أن يسترد الأرض من المشتري ، لا بدوى بطلان البيع فقد سقطت هذه الدعوى بالتقادم ، ولكن بدعوى الاستحقاق وهي لا تسقط أبداً . فإذا تمسك المشتري في دعوى الاستحقاق بالبيع الباطل ، دفع البائع ببطلان البيع والدفع بالبطلان لا يسقط بالتقادم كما رأينا . فيتمكن البائع عن طريق دعوى الاستحقاق أن يسترد الأرض ، ما لم يكن المشتري قد كسب ملكيتها بالتقادم المكسب ، وهذا شيء آخر لا علاقة له بالتقادم المسقط لدعوى البطلان ( [7] ) . على أنه يلاحظ ، من الناحية العملية المحضة ، أن البائع يرى نفسه بعد تقادم دعوى البطلان ، وهي دعوى شخصية يسيرة الإثبات ، مضطراً لأن ينتقل إلى دعوى الاستحقاق ، وهي دعوى عينية أكثر تعقيداً وأصعب إثباتاً .

وكذلك المشتري إذا كان قد دفع الثمن في بيع باطل ، وأراد استرداده بعد انقضاء خمس عشرة سنة من صدور البيع ، جاز أن يسترده ، لا بدعوى بطلان البيع ، ولكن بدعوى استرداد ما دفع دون حق . فإذا تمسك البائع في دعوى الاسترداد بالبيع الباطل دفع المشتري ببطلانه وهو دفع لا يسقط . فيتمكن المشتري عن طريق دعوى استرداد ما دفع دون حق أن يسترد الثمن ، ما لم تسقط دعوى الاسترداد ذاتها بانقضاء خمس عشرة سنة تبدأ من وقت دفع الثمن لا من وقت صدور البيع .

ويتبين من ذلك أن سقوط دعوى البطلان بالتقادم ليس بذي اثر كبي رز فقد رأينا أن تقادم هذه الدعوى لا يمنع البائع من استرداد المبيع إذا كان قد سلمه ولا من استبقائه إذا كان لم يسلمه ، ولا يمنع المشتري من استرداد الثمن إذا كان قد دفعه ولا من الامتناع عن دفعه إذا كان لم يدفعه . أما إذا فقد البائع حقه في استرداد المبيع ، أوضاع على المشتري حقه في استرداد الثمن . فإن ذلك لا يرجع إلى التقادم المسقط لدعوى البطلان ، بل إلى التقادم المكسب لحق الملكية أو التقادم المسقط لدعوى الاسترداد ( [8] ) .

2 – العقد القابل للإبطال

321 – الدعوى والدفع يسقطان بالتقادم : نصت المادة 140 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – يسقط الحق في إبطال العقد إذا لم يتمسك به صاحبه خلال ثلاث سنوات ” .

 ” 2 – ويبدأ سريان هذه المدة ، في حالة نقض الأهلية ، من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب ، وفي حالة الغلط أو التدليس ، من اليوم الذي ينكشف فيه ، وفي حالة الإكراه من يوم انقطاعه ، وفي كل حال لا يجوز التمسك بحق الأبطال لغلط أو تدليس أو إكراه إذا انقضت خمس عشرة سنة من وقت تمام العقد ” ( [9] ) .

ومن هذا النص يتبين أن الحق في إبطال العقد يسقط بثلاث سنوات أو بخمس عشرة سنة حسب الأحوال . فإذا انقضت هذه المدة انقلب العقد صحيحاً ، لا يجوز بعد ذلك إبطاله لا عن طريق الدعوى ولا عن طريق الدفع ( [10] ) . وهكذا يستقر الوجود القانونين للعقد بعد أن كان مهدداً بالزوال . ويصبح العقد في حكم المجاز ، يثبت وجوده منذ صدوره ، إذ للتقادم اثر رجعي كما للاجازة . ولكن هناك فرقاً بين عقد لحقته الإجازة وعقد زال بطلانه بالتقادم ، حيث حقوق الغير . فقد قدمنا أن الإجازة لا تضر بحقوق الغير ، أما في زوال البطلان بالتقادم فحقوق الغير تتأثر . مثل ذلاك أن يبيع قاصر عيناً ، ولا يتمسك بعد بلوغه سن الرشد بإبطال العقد ، فيتقادم البطلان ويزول ، ويعتبر البيع صحيحاً منذ صدوره . فلو أن البائع بعد أن بلغ سن الرشد وقبل تقادم البطلان رتب على العين رهناً ، ثم تم التقادم ، فإن ملكية العين تخلص للمشتري غير مثقلة بحق الرهن ، وهذا عكس ما قررناه في حالة الإجازة .

ويلاحظ أن هناك فرقاً جوهرياً بين تقادم دعوى البطلان في العقد الباطل وتقادمها في العقد القابل للإبطال . فقد قدمنا أن تقادم دعوى البطلان في العقد الباطل لا يقلب العقد صحيحاً ، بل يبقى العقد باطلا ، ولكن دعوى البطلان هي التي لا يجوز سماعها لتقادمها . أما تقادم البطلان في العقد القابل للإبطال فيقلب العقد صحيحاً كما رأينا ، ويبقى العقد مرتباً لجميع آثاره بوجه بات .

322 – مدة التقادم : وقد كانت مدة التقادم في العقد القابل للإبطال في القانون القديم خمس عشرة سنة تسري من وقت صدور العقد . وقد رأى القانون الجديد أن هذه مدة طويلة يبقى في خلالها العقد غير مستقر ، ومن أجل ذلك جعل المدة ثلاث سنوات فقط ، يبدأ سريانها من وقت استكمال ناقص الأهلية لأهليته ، أو من وقت انكشاف الغلط أو التدليس ، أو من وقت انقطاع الإكراه ، بحسب الأحوال . فإذا تعطل بدء سريان التقادم مدة طويلة ، بأن لم ينكشف الغلط مثلا إلا بعد أربع عشرة سنة ، فإن الحق في إبطال العقد يتقادم في هذه الحالة بانقضاء خمس عشرة سنة من وقت صدور العقد ، لا بانقضاء ثلاث سنوات من وقت انكشاف الغلط ، لأن المدة الأولى هي الأقصر . فالتقادم يكون إذن بأقصر الأجلين : ثلاث سنوات من وقت زوال العيب أو خمس عشرة سنة من وقت صدور العقد . ولا تكون المدة الثانية اقصر من المدة الأولى إلا في حالات استثنائية كالحالة التي تقدم ذكرها . وأياً كانت مدة التقادم ، فإنها توقف وتنقطع وفقاً للقواعد المقررة في التقادم .

وقد حذا القانون الجديد في تقصير مدة تقادم البطلان حذو القوانين الحديثة . أما القانون السوري الجديد فقد أمعن ، كالقانون السويسري ، في تقصير مدة التقادم في البطلان ، فنصت المادة 141 من هذا القانون على أن تكون هذه المدة سنة واحدة . وسنرى أن القانون المصري الجديد جعل مدة التقادم ثلاث سنوات أيضاً في الدعاوى التي تنشأ عن العمل غير المشروع وعن الإثراء بلا سبب . ولكن العلة تختلف هنا عنها هناك . فقد روعى في تقصير المدة في تقادم البطلان أن يستقر العقد في خلال مدة معقولة ، فلا يبقى مزعزعاً مدة طويلة . وروعى في تقصير المدة في تقادم الدعاوى التي تنشأ عن العمل غير المشروع وعن الإثراء بلا سبب أن الالتزامات في هذه الدعاوى لم يكن مصدرها إرادة الملتزم ، فهي تختلف من هذه الناحية عن الالتزامات العقدية التي تنشئها إرادة المدين ولا تتقادم إلا بخمس عشرة سنة . وسنعود إلى هذه المسألة عند الكلام في العمل غير المشروع وفي الإثراء بلا سبب . ويلاحظ أن مدة التقادم في الاستغلال – وهو عيب من عيوب الرضاء – اقصر من مدته في العيوب الأخرى . فقد مر بنا أن دعوى الاستغلال يجب أن ترفع في خلال سنة من تاريخ العقد ( م 129 فقرة 2 ) ، فتكون المدة في الاستغلال اقصر من ناحيتين : ناحية القياس الزمني وناحية مبدأ السريان .

323 – سريان مدة التقادم الجديدة على العقود المبرمة قبل نفاذ القانون الجديد : ولما كان القانون الجديد قد قصر مدة التقادم في البطلان على النحو الذي قررناه ، فإن هذه المدة القصيرة هي التي تسري بالنسبة إلى العقود التي أبرمت قبل نفاذ القانون الجديد إذا كان التقادم فيها لم يكتمل وقت نفاذ هذا القانون ، وذلك ما لم يكن الباقي من مدة التقادم المقررة في القانون القديم اقصر من المدة لتي قررها القانون الجديد ( م 8 جديد ) . ويتضح ذلك في المثل الآتي : قاصر ابرم عقداً في أول يناير سنة 1948 ، وبلغ سن الرشد في 15 يناير سنة 1949 . فيدرك القانون الجديد ، في 15 أكتوبر سنة 1949 ، هذا العقد وتقادم البطلان فيه لا يزال سارياً ، إذ بدأ هذا السريان منذ بلوغ القاصر سن الرشد في 15 يناير سنة 1949 . ولا يتم التقادم بحسب القانون القديم إلا بانقضاء خمس عشرة سنة ، أي في 14 يناير سنة 1946 . فيجب في هذه الحالة أن تسري المدة القصيرة التي قررها القانون الجديد ، وهي ثلاث سنوات ، ويكون مبدأ سريانها من وقت العمل بالقانون الجديد ، أي من 15 أكتوبر سنة 1949 . فيتم التقادم في 14 أكتوبر سنة 1952 وفقاً للقانون الجديد ، لا في 14 يناير سنة 1964 وفقاً للقانون القديم .

أما إذا كان القاصر قد بلغ سن الرشد في 15 يناير سنة 1936 ، وكان قد ابرم العقد قبل ذلك ، فإن التقادم يتم في هذه الحالة في 14 يناير سنة 1951 وفقاً للقانون القديم ، لا في 14 أكتوبر سنة 1952 وفقاً للقانون الجديد ( [11] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص ( المادة 141 بفقرتيها ) : ورد هذا النص في المادة 194 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” للمتعاقدين وللخلف العام والخاص وللدائنين التمسك بأوجه البطلان الواردة في المادة السابقة ، كما أن للمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها ، وهذا البطلان لا تلحقه الإجازة ولا يزول التقادم ” . وفي لجنة المراجعة عدل صدر المادة واستعملت عبارة ” كل ذي مصلحة ” لأنها أكثر شمولا من التعبير الوارد في النص الأصلي . وطرحت مسألة زوال البطلان بالتقادم ، وبعد المناقشة والرجوع إلى الاستفتاءات قررت اللجنة أن تسقط دعوى البطلان بالتقادم ، ولكن الدفع بالبطلان لا يسقط . مثال ذلك هبة باطلة شكلا إذا لم يسلم الواهب الشيء الموهوب ، ومضى على الهبة أكثر من 15 سنة ، ورفع الموهوب له دعوى يطالب بالموهوب بمقتضى عقد الهبة الباطل ، فللواهب أن يدفع بالبطلان حتى بعد مرور 15 سنة . أما إذا كان الواهب في هذا المثال قد سلم الهبة للموهوب له بعد سنتين مثلا من وقت العقد ، ثم انقضت 13 سنة من وقت التسليم ، وأراد الواهب أن يرفع دعوى ببطلان الهبة ، فلا يجوز له ذلك ، لأن دعوى البطلان تكون قد سقطت بمضى 15 سنة من وقت الهبة . ويلاحظ أن التقادم هنا هو التقادم المسقط ، لا التقادم المكسب الذي يقتضي أن الموهوب له بعد تسلم الهبة يضع يده عليها خمس عشرة سنة . وأقرت لجنة المراجعة نص المادة بعد إضافة فقرة ثانية على النحو الآتي : ” وتسقط دعوى البطلان بمضى خمس عشرة سنة من وقت العقد دون الدفع به ” ، وأصبح رقم المادة 145 في المشروع النهائ يز ووافق مجلس النواب على النص بعد تعديلات . وحذفت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ عبارة ” دون الدفع به ” من الفقرة الثانية لأن من المتفق عليه أن الدفع لا تتقادم . وأصبح رقم المادة 141 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنت 0 مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 250 – ص 253 ) .

 ( [2] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 625 .

 ( [3] ) نقض فرنسي في 5 مايو سنة 1879 داللوز 1880 – 1 – 145 .

 ( [4] ) بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 310 .

 ( [5] ) أنظر أيضاً في هذا المعنى الدكتور حلمي بهجت بدوى بك فقرة 161 .

 ( [6] ) أنظر تاريخ نص المادة 241 والأعمال التحضيرية الخاصة بها ، وقد سبق ذكرها في هامش هذه الفقرة ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 250 – ص 253 ) .

 ( [7] ) وهذا بخلاف ما ذاا كن العقد قابلا للإبطال ، فإن بطلان العقد يزول بالتقادم كما سنرى . وفي المثل الذي نحن بصدده ، لو كان البيع قابلا للإبطال وتقادمت الدعوى ، فإن المشتري يكسب ملكية الأرض ، لا عن طريق التقادم المكسب لحق الملكية ، بل عن طريق عقد البيع ذاته الذي غطى التقادم عنه .

 ( [8] ) أنظر الدكتور حلمي بهجت بدوى بك فقرة 161 ص 247 .

 ( [9] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 199 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – لا يجوز الطعن في عقد باطل بطلاناً نسبياً إذا لم يقم من له حق الطعن فيه بإعلان البطلان للطرف الآخر في ظرف ثلاث سنوات . 2 – ويبدأ سريان هذه المدة إذا كان سبب البطلان عدم توافر الأهلية من الوقت الذي يزول فيه هذا السبب ، وإذا كان سبب الطبلان وجود غلط أو تدليس فمن الوقت الذي ينكشف فيه الغلط أو التدليس ، وإذا كان سبب البطلان هو الإكراه فمن اليوم الذي ينقطع فيه الإكراه ، وإذا كان السبب هو الاستغلال فمن اليوم الذي يتم فيه العقد . وفي كل حال لا يجوز التمسك بالبطلان لغلط أو تدليس أو إكراه إذا انقضى خمسة عشر عاماً من وقت تمام العقد . 3 – وتسقط كذلك التقادم الدعوى التي يراد بها انقصا الالتزامات في حالة الاستغلال إذا ا نقضت ثلاث سنوات من وقت العقد ” . وادخلت لجنة المراجعة في النص بعض تعديلات لفظية وأصبح رقم المادة 144 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على النص ، وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ حذفت من الفقرة الثانية الإشارة إلى الاستغلال وحذفت كذلك الفقرة الثالثة بأكملها ، لأن حكم سقوط الحق في رفع الدعوى المترتبة على الاستغلال قد واجهته الفقرة الأولى من المادة 133 ( م 129 فقرة ثانية جديد ) . وأصبح رقم المادة 140 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 246 – ص 249 ) .

 ( [10] ) ويلاحظ أن الدفع بالإبطال في العقد القابل للإبطال يختلف عن الدفع بالبطلان في العقد الباطل في أن الدفع في الحالة الأولى هو في حقيقته دعوى وكذلك هو في صورته ، إذ سيتخذ ، من ناحية الإجراءات ، صورة دعوى فرعية يقيمها المدعى عليه ويطلب فيها إبطال العقد ، أما الدفع في الحالة الثانية فهو دفع محض من ناحية الموضوع ومن ناحية الإجراءات . ومن ثم فالدفع بالإبطال يتقادم ، لأنه دعوى والدعاوى يرد عليها التقادم . أما الدفع بالبطلان فلا يتقادم ، لأنه دفع والدفوع لا تتقادم .

 ( [11] ) أنظر في كل ذلك المادة 8 من القانون الجديد . وسنعود لتطبيق هذه المادة في شأن التقادم في العمل غير المشروع ، ويقاس تطبيقها في شأن التقادم في الإثراء بلا سبب على كل من هذين التطبيقين .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

لإجازة للعقد الباطل

الإجازة

1 – العقد الباطل

315 – العقد الباطل لا تلحقه الإجازة : نصت الفقرة الأولى من المادة 141 من القانون الجديد على أنه ” إذا كان العقد باطلا جاز لكل ذى مصلحة أن يتمسك بالبطلان ، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ، ولا يزول البطلان بالاجازة ” ( [1] ) .

والعقد الباطل لا تلحقه الإجازة لأنه معدوم ، والعدم لايصير وجوداً ولو أجيز . وإذا كانت المادة 498 من القانون الجديد قد نصت على أنه ” إذا قام الواهب أو ورثته مختارين بتنفيذ هبة باطلة لعيب في الشكل ، فلا يجوز لهم أن يستردوا ما سلموه ” ، فإن ذلك يحمل على أن القانون هو الذي بعين الجزاء على مخالفة الشكل كما قدمنا ، فيجوز أن يجعل العقد الباطل لعيب في الشكل قابلا لأن تلحقه الإجازة . أو يقال إن الهبة الباطلة من ناحية الشكل يتخلف عنها ، بالنسبة إلى الواهب وإلى ورثته ، التزم طبيعي ، إذا قام أحد منهم بتنفيذه مختاراً كان هذا وفاء لا يسترد طبقاً لقواعد الالتزام الطبيعي ( [2] ) .

316 – ولكن يجوز عمله من جديد : وإذا كان العقد الباطل لا تلحقه الإجازة ، فإن هذا لا يمنع من أن يعاد عمله من جديد . وهناك فرق بين الإجازة ( confirmation ) وعمل العقد من جديد ( refection ) ( [3] ) . فالاجازة ، كما نسرى ، عمل قانونين صادر من جانب واحد هو المجيز ، ولها اثر رجعي يستند إلى وقت نشوء العقد المجاز . أما عمل العقد من جديد فيقتضي توافق الإرادتين لأنه عقد جديد ، ويكون تاريخ هذا العقد من وقت صدوره لا من وقت صدور العقد الباطل . ولذلك يجب توافر الأهلية في كل من المتعاقدين وقت عمل العقد الجديد ، ويكتفي بتوافرها في المجيز وقت الإجازة .

2 – العقد القابل للإبطال

317 – العقد القابل للإبطال تحلقه الإجازة : نصت المادة 139 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – يزول حق إبطال العقد بالإجازة الصريحة أو الضمنية ” .

 ” 2 – وتستند الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد ، دون إجلال بحقوق الغير ( [4] ) ” .

وقد قدمنا أن الإجازة تلحق العقد القابل للإبطال لأن له وجوداً قانونياً ما دام بطلانه لم يتقرر ، وإن كان هذا الوجود مهدداً بالزوال ، فإذا لحقته الإجازة استقر .

والاجازة عمل قانونين صادر من جانب واحد ، فلا حاجة لاقتران قبول بها ، ولا يمكن الرجوع فيها بحجة أن القبول لم يصدر ( [5] ) .

والذي يجيز العقد هو الذي يثبت له الحق في التمسك بالطبلان . فناقص الأهلية و من شاب رضاءه عيب هما اللذان تصدر منهما الإجازة . وهذا ما يقضي به المنطق القانونين ، لأن الإجازة نزول عن التمسك بالبطلان ، ولا ينزل عن الحق إلا من يملكه ( [6] ) . ويجب في المجيز وقت الإجازة أن يكون كامل الأهلية بالنسبة إلى العقد الذي يجيزه ، وإلا تشوب الإجازة – وهي عمل قانونين كما قدمنا – عيب من عيوب الإرادة ، غلط أو تدليس أو إكراه أو استغلال . ومن أجل ذلك لا تصح الإجازة إلا إذا زال السبب الذي قرر القانون من اجله البطلان . فناقص الأهلية لا يستطيع إجازة العقد ما دام ناقص الأهلية ، فإذا استكمل أهليته جاز له ذلك . ومن شاب رضاءه عيب لا تكون إجازته صحيحة ما دام تحت تأثير هذا العيب ، حتى إذا انكشف الغلط أو افتضح التدليس أو ارتفع الإكراه صحت الإجازة بعد ذلك .

وتكون الإجازة صريحة أو ضمنية . ولا يشترط في الإجازة الصريحة أن تشتمل على بيانات معينة ( قارن م 1338 من القانون المدني الفرنسي ) ، بل كل عبارة يفهم منها الإجازة تصح ، بشرط أن تكون نية المجيز في الإجازة واضحة ( [7] ) . والاجازة الضمنية تكون بتنفيذ العقد من جانب من له الحق في التمسك بالبطلان ( [8] ) ، أو بإتيانه عملا مادياً يدل على نزوله عن التمسك بالبطلان ( [9] ) ، أو بتصرفه تصرفاً يفهم منه بوضوح أنه أجاز العقد كما إذا اشترى قاصر عيناً وبعد البلوغ تصرف فيها باعتباره مالكاً وهو عالم بأن له حق إبطال العقد الذي اشترى به العين ( [10] ) . وعبء إثبات الإجازة يقع على الطرف الآخر غير المجيز ، ولما كانت الإجازة غير صادرة منه فله أن يثبتها بجميع الطرق ولو بالبينة أو بالقرائن ( [11] ) .

318 – اثر الإجازة : وإذا أجيز العقد القابل للإبطال ، زال حق المتعاقد في التمسك بإبطال العقد ، واستقر وجود العقد نهائياً غير مهدد بالزوال . وهذا معناه أن العقد ينقلب صحيحاً بوجه بات . ويعتبر صحيحاً من وقت صدوره لا من وقت الإجازة ، لأن للاجازة أثراً رجعياً . ولكن هذا الأثر لا يكون إلا فيما بين المتعاقدين ، لا بالنسبة إلى الغير ممن كسب حقاً عينياً على الشيء موضوع العقد . فلو أن قاصراً باع عيناً ، وبعد بلوغه سن الرشد وقبل إجازته للبيع رهن العين ، فإن إجازته للبيع بعد ذلك لا تضر الدائن المرتهن ، وتنتقل العين إلى المشتري مثقلة بحق الرهن ( [12] ) . والاجازة لا تتناول إلا العيب المقصود بهذه الإجازة . فإن كانت هناك عيوب أخرى بقى باب الطعن مفتوحا؟ً من اجلها . ومن ثم إذا تعاقد قاصر وكان وقاعاً في غلط ، وأجاز العقد بعد بلوغ سن الرشد فيما يتعلق بنقص الأهلية ، بقى له الحق في إبطال العقد للغلط 


 ( [1] ) أنظر تاريخ النص فيما يلي ( فقرة 319 في الهامش ) .

 ( [2] ) وقد قضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بان الهبة الباطلة شكلا ليست مجردة من كل الآثار القانونية ، إذ ينشأ عنها التزام أدبي في ذمة الواهب ، بمعنى أنه إذا اوفاه لا يستطيع استرداده ، وبمعنى أنه ينقلب التزاماً مدنياً . إذا حصل استبداله ( 30 مايو سنة 1930 المحاماة 11 رقم 324 ص 653 ) .

 ( [3] ) كما يوجد فرق بين هذين وبين إقرار العقد ( ratification ) . فإقرار العقد عمل قانونين صادر من جانب المقر ، وهو من الغير ، فيجعل العقد بهذا الإقرار سارياً في حقه ، كالمالك يقر ببيع الغير لملكه ، وكالموكل يقر عقداً ابرمه الوكيل مجاوزاً فيه حدود الوكالة .

 ( [4] ) ترايخ النص : ورد هذا النص في المادة 198 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – العقد الباطل بطلانا نسبياً تصححه الإجازة الصريحة كما تصححه الإجازة الضمينة . وتتحقق الإجازة على الأخص إذا نفذ العقد مختاراً من له الحق في طلب البطلان وهو عالم بذلك . ويشترط لاجازة العقد أن تتوافر فهي و قت الإجازة الشروط اللازمة لصحته ، وأن تكون الإجازة ذاتها خالية من كل عيب . 2 – وتنسحب الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد ، دون إخلال بحقوق الغير ” . وفي لجنة المراجعة حور النص تحويراً لفظياً ، وأصبح رقم المادة 143 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ تقرر أن تكون الفقرة الأولى من المادة كما يأتي : ” نزول حق إبطال العقد بالاجازة الصريحة والضمنية ” مع حذف بقية الفقرة لأن في القواعد العامة ما يغني عن ايرادها . ثم انتقلت اللجنة إلى الفقرة الثانية من المادة فتساءل الرئيس كيف تخل الإجازة بحقوق الغير ، ؟؟ بأن ذلك يتحقق مثلا في حالة شخص باع منزله مرتين وكان البيع الأول قابلا للإبطال ، فرأي البائع إجازة هذا العقد ، فالمشتري الثاني تجب حمايته لأن التصرف الثاني يعتبر بمثابة تنازل عن حق الإجازة ، ولذلك يجب عدم نفاذ الإجازة في حق المشتري الثاني . وبعد مناقشة طويلة انتهى رأي اللجنة إلى استبقاء الفقرة الثانية متضمنة عبارة ” دون إخلال بحقوق الغير ” ، وأقرت اللجنة النص في النهاية على الوجه الوارد في القانون الجديد ، وأصبح رقم المادة 139 – ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنة ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 240 – ص 246 ) .

 ( [5] ) استئناف مختلط في 27 ابريل سنة 1926 م 38 ص 365 .

 ( [6] ) وشذ بيع ملك الغير ، إذ يجوز فيه أن تصدر الإجازة من المالك الحقيق مع أنه لا يملك التمسك بالبطلان . ويفسر هذا علة البطلان في بيع ملك الغير ، وهي ترجع إلى أن هذا البيع لا ينقل الملكية إلى المشتري ، فإذا أجاز المالك الحقيقي العقد لم يعد هناك مانع من انتقال الملكية ، فتنتفي علة البطلان ، فيزول .

 ( [7] ) استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1915 م 27 ص 417 – وفي 5 مارس سنة 1922 م 24 ص 261 – والتون 1 ص 149 .

 ( [8] ) استئناف مختلط في 16 ديسمبر سنة 1986 م ) ص 58 – وفي 2 نوفمبر سنة 1916 م 29 ص 31 .

 ( [9] ) كبنائه على الأرض التي اشتراها . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بان استيلاء الشريك على الجزء المفرز الذي وقع في نصيبه بعد القسمة وقيامه فيه بالأعمال التي يقوم بها المالك في ملكه بعد أن كشف العيب الذي شاب عقد القسمة يعتبر إجازة ضمنية للعقد ( 29 مايو سنة 1913 م 25 ص 417 ) – كذلك يعد إجازة ضمنية للقسمة استيلاء القاصر بعد بلوغه سن الرشد على ربع الجزء المفرز الذي وقع في نصيبه في قسمة تمت دون مراعاة الإجراءات القانونية وقت أن كان قاصراً ، واستمراره مدة طويلة على هذه الحال .

 ( [10] ) استئناف مختلط في 2 مارس سنة 1916 م 28 ص 148 – وفي 2 مارس سنة 1922 م 34 ص 215 . وتصرف البائع في الثمن إجازة ضمنية لبيع قابل للإبطال ( استئناف مختلط في 27 ابريل سنة 1926 م 38 ص 365 ) . وسماح القاصر بعد بلوغه سن الرشد لوكيله بالاستمرار في الإدارة إجازة ضمنية لعقد الوكالة ( استئناف مختلط في 27 يناير سنة 191؟؟ ) وانضمام القاصر بعد بلوغه سن الرشد لأبيه في طلب قسمة عقار ؟؟؟؟ عام للإجراءات القانونية قبل بلوغ القاصر سن الرشد ( استئناف مختلط في 13 فبراير سنة 1913 م 25 ص 175 ) . واستئجار قاصر بعد بلوغه سن الرشد للعقار الذي باعه وهو قاصر إجازة ضمنية للبيع ( استئناف وطني في 25 نوفمبر سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 53 ص 123 ) – ولا يعتبر تنفيذ الالتزام مع التحفظ الصريح إجازة ضمنية ( استئناف مختلط في 20 ديسمبر سنة 1906 م 19 ص 45 ) – ومجرد السكوت عن طلب البطلان لا يعتبر إجازة مهما طالت المدة ، إلا إذا سقط الحق بالتقادم ( استئناف مختلط في 3 فبراير سنة 1915 م 27 ص 146 – وفي 15 يونية سنة 1926 م 38 ص 472 ) ، ما لم يفهم من هذا السكوت أن المتعهد قد نزل عن طلب البطلان ( بني سويف الجزئية في 31 مارس سنة 1900 الحقوق 15 ص 133 ) – ولا يعتبر إجازة ضمنية أن يدفع المتعاقد بوجه من وجوه البطلان ويترك الوجوه الأخرى ( استئناف مختلط في 26 مايو سنة 1904 م 16 ص 285 ) ، ولا دخول المتعاقد في مفاوضات للصلح لم تكن منتجة ( إسكندرية المختلطة التجارية في 2 فبراير سنة 1925 جازيت 16 رقم 1 ص 4 ) ، ولا الإمضاء على محضر حصر التركة المشار فيها إلى العقد القابل للإبطال ما دام من أمضى لا يقصد بإمضائه إجازة العقد .

 ( [11] ) بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 306 – قارن دي هلتس 1 لفظ ( confirmation ) فقرة 12 .

 ( [12] ) ومن الفقهاء من يقول بعكس هذا الرأي على التخريج الآتي : البيع الصادر من القاصر صحيح حتى يتقرر بطلانه ، ولذلك تنتقل الملكية إلى المشتري ، ويكون الرهن الصادر من القاصر بعد بلوغه سن الرشد صادراً من غير مالك ، فلا يسري في حق المالك وهو المشتري ، وبعد إجازة البيع تنتقل العين نهائياً إلى المشتري خالية من الرهن ( بلانيول 2 فقرة 1301 ) .

هذا وإذا كان العقد القابل للإبطال من شأنه أن يشهر حتى يصير حجة على الغير ، فلا حاجة لإعادة شهره بعد إجازته ، ويبقى الشهر الأول حافظاً لحجيته ( بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 304 ص 418 – بودري وبارد 3 فقرة 1992 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

الآثار الأصلية للعقد الباطل

الآثار الأصلية للعقد الباطل

312 – لأي غرض يرتب العقد الباطل آثاره الأصلية : قد يرتب القانون في بعض الحالات على العقد الباطل آثاره الأصلية ، لا باعتباره واقعة مادية كما هو الأمر في الآثار العرضية ، بل باعتباره عقداً ، فيكون هو والعقد الصحيح بمنزلة سواء . وفي هذا خروج صريح على القواعد العامة ، يبرره أن هذه الحالات ترجع بوجه عام إلى فكرة حماية القانون للظاهر ( apparence ) لا سيما إذا اصطحب بحسن النية ( bonne foi ) ، وهذه رعاية واجبة لاستقرار التعامل .

فالظاهر المستقر الذي اطمأنت إليه الناس في تعاملهم يبقى ي حماية القانون حتى لو خالف الحقيقة ، ويقوم كما لو كان هو الحقيقة ذاتها . هذا الأصل الجوهري من أصول القانون ، الذي تندرج تحته نظرية الإرادة الظاهرة ونظرية التصرف المجرد ونظرية الصورية في مختلف تطبيقاتها ، يمتد أيضاً ليشمل العقد الباطل فيرتب عليه آثاره الأصلية كما لو كان عقداً صحيحاً .

313 – أمثلة من عقود باطلة ترتب آثارها الأصلية : ونورد بعض الأمثلة على ما قدمناه . فمن ذلك الشركة التجارية التي لم تستوف الإجراءات الواجبة قانوناً ، فإنها تقع باطلة ، ومع هذا فقد قضت المادة 54 من القانون التجارية بأنه إذا قضى ببطلان الشركة ، فإن تصفية حقوق الشركاء عن المعاملات التي تمت قبل طلب البطلان تجري وفقاً لشروط الشركة التي قضى ببطلانها . وهذا الحكم يجعل عقد الشركة الباطل ينتج آثاره الأصلية كما لو كان عقداً صحيحاً . ووجه ذلك أن الشركة التي قضى ببطلانها تعتبر في المدة السابقة على الحكم بالبطلان شركة واقعية ( societe de fait ) ، تنتج الآثار التي تنتجها الشركة الصحيحة ، ويعتبر تعامل الغير مع الشركة صحيحاً ، ويجني الشركاء الربح ويتحملون الخسارة ، ويقتسمون مال الشركة طبقاً للشروط التي اتفقوا عليها في العقد الباطل .

ومنذ لك ما نصت عليه المادة 1034 من القانون الجديد من أنه ” يبقى قائماً لمصلحة الدائن المرتهن الرهن الصادر من المالك الذى تقرر إبطال سند ملكيته أو فسخه أو إلغائه أو زواله لأى سبب آخر ، إذا كان هذا الدائن حسن النية فى الوقت الذى ابرم فيه الرهن ” . ويتبين من هذا النص أن عقد الرهن الصادر من شخص لا يملك العقار المرهون – إذ أن سند ملكيته قد أبطل أو فسخ أو ألغى أو زال لأي سبب – يبقى بالرغم من بطلانه مترتباً عليه آثاره الأصلية ، ومن أهمها قيام حق الرهن لمصلحة الدائن المرتهن .

وشبيه بذلك المالك إذا فسخ سند ملكيته ، فإن أعمال الإدارة التي صدرت من قبل الفسخ ، وبخاصة عقود الإيجار التي لا تزيد مدتها على ثلاث سنوات ، تبقى قائمة بالرغم من فسخ سند الملكية بأثر رجعي ، وذلك حماية لاستقرار التعامل في أعمال الإدارة .

ويتصل بذلك العقد الصوري ، وهو عقد لا وجود له ، ومع ذلك يقوم بالنسبة إلى الغير حسن النية إذا تعامل على مقتضاه . وكالعقد الصوري تصرفات الوارث الظاهر ، فإنها تبقى رعاية لاستقرار التعامل ، وهناك تطبيقات أخرى كثيرة للمبدأ القاضي بأن الخطأ الشائع يقوم مقام القانون ( error communis facit jus ) .

المبحث الثاني

الإجازة والتقادم

314 – مقارنة بين العقد الباطل والعقد القابل للإبطال من حيث الإجازة والتقادم : العقد الباطل لا وجود له منذ البداية . فلا يتصور أن تلحقه الإجازة أو أن يتقادم الدفع ببطلان أن العقد القابل للإبطال فهو في مرحلته الأولى ، كما رأينا ، يرتب جميع آثاره كالعقد الصحيح ، وإنما يكون لأحد المتعاقدين الحق في طلب إبطاله . ويزول هذا الحق بالنزول عنه ، وهذه هي الإجازة ، أو باقتضاء مدة معينة دون أن يستعمل ، وهذا هو التقادم . فالعقد القابل للإبطال إذن ، خلافاً للعقد الباطل ، تلحقه الإجازة ويرد عليه التقادم ( [1] ) .


 ( [1] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وتظهر أهمية التفريق بين البطلان المطلق والبطلان النسبي من وجوه : . . . . . ( ب ) وما دام البطلان الملطق يستتبع اعتبار العقد معدوماً ، فلا يتصور اطلاقاً أن ترد عليه الإجازة . ويختلف عن ذلك حكم العقود القابلة للبطلان ، فهي تصحح الإجازة ، ولو كان ضمنية ، بشرط أن تتوافر شروط صحتها وقت إجازة ( كبلوغ المتعاقد الاقصر سن الرشد وقت الإجازة مثلا ) وأن تكون الإجازة ذاتها منزهة عن العيب ، إذ ينبغي أن تستكمل ما يلزم من الشروط لصحتها باعتبارها تصرفاً قانونيناً . وإذا كان اثر الإجازة يستند ، أو ينعطف على الماضي ، إلا إنها لا تضر بحقوق الغير . فلا تضر الإجازة مثلا من يشتري عقاراً كان قد سبق لمالكه بيعه ، إذا كان الشراء قد تم بعد صدور البيع الأول وقبل إجازة هذا البيع . ولما كان التدليس والإكراه من قبيل الأفعال الضارة التي تلحق بها صفة التقصير المدني ، فيظل مرتكبهما مسئولا عما وقع منه بمقتضى القواعد العامة ، رغم إجازة العاقد الآخر للتعاقد ، ما لم تنطو الإجازة على إسقاط هذه المسئولية . ( ج ) وما دام العقد المطلق البطلان معدوماً ، أو غير موجود ، فلا يتصور أن يرد عليه التقادم . وعلى النقيض من ذلك ينعدم البطلان النسبي بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ إنشاء العقد ، سلطان الإكراه . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 256 – ص 257 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

نظرية الخطأ عند تكوين العقد

نظرية الخطأ عند تكوين العقد

308 – كيف يكون هناك خطأ عند تكوين العقد – وما هو جزاء هذا الخطأ : قد يكون العقد باطلا أو قابلا للإبطال ، ويكون سبب البطلان آتياً من جهة أحد المتعاقدين ، أما المتعاقد الآخر فيعتقد صحة العقد ، ويطمئن إلى ذلك ، ويبني تعامله على هذا الاعتقاد . فإذا تقرر بطلان العقد ، ناله من وراء ذلك ضرر لم يكن في حسابه . فهل يرجع بالتعويض على من كان سبب البطلان آتياً من جهته ، وعلى أي أساس قانونين يكون هذا الرجوع ؟

هذا هو وضع المسألة في نظرية الخطأ عند تكوين العقد . ووجه الصعوبة فيها أن العقد باطل ، فليس هناك إن عقد تؤسس عليه مسئولية المتعاقد الذي أتى سبب البطلان من جهته ، فكيف إذن يمكن الرجوع عليه ؟

ونأتي بأمثلة توضح ما أسلفناه . قد يكون العقد باطلا لا نعدام الرضاء ، كشخص يترك خاتمه عند آخر فيوقع هذا به عقداً يطمئن إليه الطرف الآخر ، وكمدير شركة يصدر سندات غير صحيحة يطمئن إليها من يشتريها ، وكالموجب يعدل عن إيجابه قبل أن يتلاقى بالقبول ولكن المتعاقد الآخر يطمئن إلى أن العقد قد تم . وقد يرجع سبب البطلان للمحل أو السبب ، كأن يبيع شخص شيئاً غير موجود أن لم تتوافر فيه شروط المحل ، وكأن يلتزم البائع لسبب غير مشروع ، ولكن المشتري لا يعلم سبب البطلان ويطمئن إلى قيام العقد . وقد يكون العقد قابلا للإبطال ، كأن يتقدم قاصر إلى التعاقد ويطمئن من يتعاقد معه إلى صحة العقد ، وكأن يقع أحد المتعاقدين في غلط لا يشترك معه فيه الطرف الآخر بل يطمئن إلى أن التعاقد صحيح ، وكمن يشتري من غير المالك معتقداً أنه المالك .

ومن هذه الأمثلة ما عالجه القانون بنصوص خاصة . فالموجب الذي يعدل عن إيجابه إذا وصل عدوله إلى الطرف الآخر بعد وصول الإيجاب لم يعتد بالعدول ( م 91 جدي ) . ولا يعتد بعدم مشروعية السبب إذا كان الطرف الآخر لا يعلم بذلك كما أسلفنا . ويلزم ناقص الأهلية بالتعويض إذا لجأ إلى طرق إحتيالية ليخفي نقص أهليته ( م 119 جديد ) . وإذا شاب التعاقد غلط لم يشترط فيه الطرف الآخر ولم يعلم به ، فالغط لا يؤثر في صحة العقد ( م 120 جديد ) . وإذا حكم للمشتري بإبطال البيع وكان يجهل أن المبيع غير مملوك للبائع ، فله أن يطالب بتعويض ولو كان البائع حسن النية ( م 468 جديد ) .

ولكن في غير الأمثلة التي ورد فيها نص خاص كيف يستطيع المتعاقد الذي اطمأن إلى صحة العقد أن يرجع على المتعاقد الذي أتى سبب البطلان من جهته ؟ يمكن القول منذ الآن إن العقد الباطل يعتبر واقعة مادية ، إذا توافرت فيها شروط الخطأ التقصيري ، رجع المتعاقد الذي اطمأن إلى صحة العقد بالتعويض عن هذا الخطأ على المتعاقد الذي أتى من جهته سبب البطلان . ومن ثم يكون العقد الباطل قد أنتج أثراً قانونيناً عرضياً ، لا على أساس أنه عقد ، بل على أساس أنه واقعة مادية .

309 – نظرية إهرنج في الخطأ عند تكوين العقد : على أن إهرنج ( Ihering ) الفقيه الألماني المعروف واجه هذا الفرض في صوره المتعددة ، فوضع له نظرية معروفة بنظرية الخطأ عند تكوين العقد ( Culpa in contrahendo ) . ودعاه إلى ذلك أن القانون الروماني كان في ألمانيا هو القانون المعمول به في عهده . ولم يكن هذا القانون يسلم بأن كل خطأ يرتب مسئولية مدنية ، بل كانت الأعمال الضارة التي توجب التعويض مقيدة بشروط معينة يقضي بها قانون أكيليا ( Aquilia ) المعروف . فلم يستطيع إهرنج أن يقرر أن العقد الباطل ، كواقعة مادية ، يعتبر خطأ يوجب التعويض . ولكنه نقب في نصوص القانون الروماني فعثر على بعض النصوص التي تقضي برجوع أحد المتعاقدين على الآخر في العقد الباطل بمقتضى دعوى العقد ذاتها ( [1] ) . واستخلص من ذلك أن العقد بالرغم من بطلانه ينشيء التزاماً بالتعويض كعقد لا كواقعة مادية . ولم يرد الاقتصار على التطبيقات التي وجدها في القانون الرومانين بل رسم مبدأ عاماً يقضى بأن كل متعاقد تسبب ، ولو بحسن نية ، في إيجاد مظهر تعاقدي اطمأن إليه المتعاقد الآخر بالرغم من بطلان العقد الذي قام عليه هذا المظهر ، يلتزم بمقتضى العقد الباطل ذاته أن يعوض المتعاقد الآخر ما أصابه من الضرر بسبب اطمئنانه إلى العقد ، بحيث يرجع إلى الحالة التي كان يصير إليها لو لم يتعاقد ( [2] ) .

وتتميز نظرية إهرنج هذه بان كلا من المقومات الثلاثة للمسئولية – الخطأ والعقد والتعويض – يتلون فيها بلون خاص .

أما الخطأ فينحصر في إقدام المتعاقد الذي أتى سبب البطلان من جهته على التعاقد ، وكان واجباً عليه أن يعلم بما يحول دون هذا التعاقد من أسباب توجب بطلان العقد . على أنه حتى لو فرض أن هذا المتعاقد كان لا يستطيع أن يعلم بسبب البطلان ، فإنه يبقى أن ضرراً قد وقع ، وأن من العدل أن يتحمله هو وقد وجد سبب البطلان في جانبه ، لا أن يتحمله المتعاقد الآخر وهو حسن النية ولم يكن في موقف يستطيع فيه أن يكشف عن هذا السبب . فوجود سبب البطلان في جانب أحد المتعاقدين هو في ذاته خطأ ( culpa ) يوجب التعويض .

وأما العقد الذي اخل به المتعاقد المسئول فقد كان من الممكن تصويره على أنه عقد ضمان التزم بمقتضاه هذا المتعاقد أن يكفل للمتعاقد الآخر صحة التعاقد . ووجه ذلك أن كل شخص أقدم على التعاقد يتعهد ضمناً ألا يقوم من جانبه سبب يوجب بطلان العقد ، ورضاء المتعاقد الآخر أن يتعاقد معه إنما هو قبول ضمني لهذا التعهد ، فيتم عقد الضمان بإيجاب وقبول ضمنيين . ولكن إهرنج يصطدم هنا أيضاً بقواعد القانون الرومانين فهذه القواعد ضيقة في العقد كما هي ضيقة في الخطأ . وليس كل إيجاب وقبول في القانون الروماني يعتبر عقداً . لذلك لا يقيم إهرنج مسئولية المتعاقد على عقد الضمان هذا ، إذ هو لا يعتبر عقداً كما قدمنا ، بل يقيمها على العقد الباطل ذاته ، ولكن لا كواقعة مادية فليس كل عمل ضار يعتبر خطأ في القانون الروماني ، بل كعقد حيث تسعفه مجموعة من النصوص استخلص منها إهرنج قاعدة عامة كما أسلفنا . فإذا قيل إن العقد باطل فرضاً فكيف ينتج أثراً ، أجاب إهرنج بأنه لا يجوز أن يجرد العقد الباطل من كلا آثاره ، وإذا نقص العقد ركن أو شرط فأصبح باطلا ، كان معنى البطلان أن العقد لا ينتج من الآثار القانونية ما يقابل هذا الركن أو هذا الشرط . واستشهد إهرنج على صحة هذا الرأي بتطبيقات مختلفة في القانون الروماني ( [3] ) . وهذا رأي يقرب كثيراً من نظرية تنوع مراتب البطلان التي سبقت الإشارة إليها . ونرى من ذلك أن إهرنج يرتب على العقد الباطل أثراً أصلياً ، لا باعتباره واقعة مادة ، بل على أساس أنه عقد . وهذه الحصيصة هي أبرز خصائص نظريته .

وأما التعويض فلونه الخاص في نظرية إهرنج هو ألا يكون تعويضاً كاملا كما في التعويض عن عقد صحيح . فالتعويض عن العقد الصحيح يكون عن المصلحة الايجابية ( interet positif – Erfullungs Interesse ) . أما التعويض عن العقد الباطل فيكون عن المصلحة السلبية ( interet negative – negative Vertrugs Interesse ) . ويأتي إهرنج بمثل يبين الفرق بين التعويضين : شخص احتج . غرفة في فندق وتخلف عن الحضور . فإذا كان العقد صحيحاً كان مسئولا عن تعويض المصلحة الايجابية ، أي عن الضرر الذي أصاب صاحب الفندق من عدم تنفيذ العقد ، فيدفع اجرة الغرفة . أما إذا كان العقد باطلا ومع ذلك اطمأن صاحب الفندق إلى صحة التعاقد ، فلا يرجع إلا بالمصلحة السلبية ، فيطلب تعويضاً عن الضرر الذي أصابه من جراء توهمه صحة العقد ليعود بهذا التعويض إلى الحالة التي كان عليها لو لم يوجد هذا المظهر الخداع من التعاقد . ويترتب على ذلك أنه لا يرجع بتعويض إلا إذا اثبت أن الغرفة قد طلبها آخرون فرفض الطلب لاعتقاده أن الغرفة محتجزة . وقد رأينا في الحالة الأولى أنه يرجع بأجرة الغرفة سواء طلب الغرفة آخرون أو لم يطلبها أحد . – ويكون التعويض عن المصلحة السلبية أقل عادة من التعويض عن المصلحة الايجابية . ويضرب إهرنج لذلك مثلا : تاجر باع عشرة صناديق من ” السجاير ” ، وكان العقد صحيحاً ولكن المشتري لم ينفذه ، فللبائع أن يطلب تعويضاً عن المصلحة الايجابية ، أي الربح الذي كان يجنبه من الصفقة والخسارة التي لحقته من عدم تنفيذ العقد كما لو تكبد نفقات في إرسال الصناديق واستردادها . أما إذا كان العقد باطلا ، بأن كان المشتري لم يطلب إلا صندوقاً واحداً مثلا ولكن وقع خطأ مادي في الرسالة جعل البائع يعتقد أن المطلوب هو عشرة صناديق ، فإن التعويض الذي يطلبه البائع يكون عن المصلحة السلبية حتى يعود للحالة التي كان عليها لو لم يوجد مظهر هذا التعاقد ، فيرجع بنفقات إرسال الصناديق واستردادها دون المكسب الذي كان يربحه لو تمت الصفقة . فالتعويض عن المصلحة السلبية هنا أقل التعويض عن المصلحة الايجابية . – وقد يكون مساوياً له ، وذلك أن التعويض عن المصلحة السلبية ينطوي هو أيضاً على عنصرين : الخسارة التي لحقت الدائن والمكسب الذي فاته . فإذا فرض أنه عرض على التاجر صفقة لبيع الصناديق العشرة بالثمن ذاته وامتنع عن إتمامها ظناً منه أن الصفقة الأولى قد تمت ، ففي هذه الحالة يرجع أيضاً بالمكسب الذي فاته إلى المصروفات التي أنفقها ، فيستوي التعويضان – وإذا فرض أن الصفقة التي امتنع عن إتمامها كانت تدر عليه ربحاً أكثر من ربح الصفقة الأولى ولكنه رفضها احتراماً لتعاقده الأول ، فإن التعويض عن المصلحة السلبية يكون في هذه الحالة اكبر من التعويض عن المصلحة الايجابية . ولكن الظاهر أن الدائن إذا تقاضى تعويضاً عن المصلحة السلبية ، فلا يصح أن يجاوز هذا التعويض حدود التعويض عن المصلحة الايجابية ، وإلا استفاد دون حق من بطلان العقد . – على أن التعويض عن المصلحة السلبية قد يكون في بعض الفروض منعدماً ، ففي المثال الذي نحن بصدده إذا فرض أن التاجر تبين بطلان العقد قبل أن يرسل الصناديق إلى المشتري وقبل أن تعرض عليه صفقة أخرى ، فإنه لا يتقاضى تعويضاً ما ، إذ لم يفته مكسب ولم يتكبد خسارة ( [4] ) .

310 – اثر نظرية إهرنج في القوانين الحديثة : وقد تأثرت بعض القوانين الحديثة بنظرية إهرنج سالفة الذكر . ونتعقب هذا الأثر في القانون الألماني بنوع خاص . ثم نرى إلى أي حد أخذ بالنظرية كل من القانون الفرنسي والقانون المصري القديم والقانون المصري الجديد .

أما في القانون الألماني فقد أخذ المشرع بنظرية الخطأ عند تكوين العقد ، ولكن لا كنظرية عامة ، بل في مواطن متفرقة . فنص في المادة 122 على أنه إذا كان إعلان الارادةب اطلا وفقاً للمادة 118 ( إرادة غير جدية ) ، أو طعن فيه بالبطلان على أساس المادتين 119 ( الغلط ) و 120 ( الخطأ في نقل الإرادة ) ، فعلى من صدرت منه هذه الإرادة إذا كانت موجهة إلى شخص معين أن يعوض هذا الشخص ، وإذا لم تكن موجهة لشخص ما أن يعوض أي شخص ، عن الضرر الذي أصابه لاعتقاده صحة الإرادة ، دون أن يجاوز مقدار التعويض حد ماله من المصلحة في أن تكون الإرادة صحيحة . وينقطع الالتزام بالتعويض إذا كان من أصابه الضرر يعلم أو يجب ضرورة أن يعلم سبب البطلان أو القابلية للإبطال . وهذا النص تطبيق لنظرية الخطأ عند تكوين العقد في فروض معينة : فرض الإرادة غير الجدية وفروض الغلط . ونصت المادة 307 من القانون الألماني على أن الطرف الذي يعلم ، أو يجب ضرورة أن يعلم ، عند إتمام عقد يرمى إلى عمل مستحيل ، باستحالة هذا العمل ، يلتزم بتعويض الطرف الآخر عن الضرر الذي أصابه من جراء اعتقاده بصحة العقد ، دون أن يجاوز مبلغ التعويض حد المصلحة التي لهذا الطرف في صحة العقد . على أنه لا محل للالتزام بالتعويض إذا كان الطرف الآخر يعلم ، أو يجب ضرورة أن يعلم ، بهذه الاستحالة . وهذا النص تطبيق آخر للنظرية في فرض بطلان العقد لاستحالة المحل ، ويتميز بأنه يشترط فيه خطأ من جانب الطرف المسئول ، فهو إما أن يكون عالماً باستحالة تنفيذ العقد وفي هذه الحالة يكون سيء النية ، وإما أن يكون في استطاعته أن يعلم بهذه الاستحالة وفي هذه الحالة يكون مقصراً ، فهو مخطئ في الحالتين ومسئوليته مبنية على هذا الخطأ . ونلاحظ أن القانون الألماني إذا كان قد أخذ بنظرية الخطأ عند تكوين العقد في الفروض التي قدمناها ، فإنه لم يبين المسئولية على خطأ عقدي كما فعل إهرنج ، فقد جعل المسئولية تقصيرية في الفرض كما رأينا ، وجعلها مسئولية مادية في الفروض الأولى .

أما في القانون الفرنسي فقد ذهبت بعض الفقهاء الفرنسيين إلى الأخذ بنظرية الخطأ عند تكوين العقد . واستند سالي في ذلك إلى نص المادة 1599 من القانون الفرنسي ، وهوي قضي بان بيع ملك الغير باطل ويترتب عليه الحكم بالتعويض إذا كان المشتري يجهل أن الشيء مملوك للغير . فمصدر التعويض في هذه الحال . في نظر سالي ، لا يمكن أن يكون خطأ من البائع فقد يكون حسن النية ، وإنما هو عقد ضمان يستخلص من ظروف التعاقد ، إذ أن البائع بإقدامه على البيع يكون قد تعهد ضمناً بكفالة صحة العقد ( [5] ) . على أن جمهرة الفقهاء الفرنسيين لا تأخذ بنظرية الخطأ عند تكوين العقد ، ونرى في حالة ما إذا كان العقد باطلا أن من أتى سبب البطلان من جهته لا يكون مسئولا إلا إذا ثبت خطأ في جانبه طبقاً لقواعد المسئولية التقصيرية ( [6] ) .

والقانون المصري القديم كالقانون الفرنسي لم يؤخذ فيه بنظرية الخطأ عند تكوين العقد ( [7] ) .

وكذلك هو الأمر في القانون الجديد . بل إن المشروع التمهيدي لهذا القانون كان قد تضمن نصاً يقرر هذا النظرية ، فحذف النص في المشروع النهائي ” لأن نظرية الخطأ عند تكوين العقد نظرية ألمانية دقيقة يحسن عدم الأخذ بها ” ( [8] ) . وإذا كانت الفقرة الأولى من المادة 142 من القانون الجديد تنص على أنه ” في حالتي إبطال العقد وبطلانه يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كان عليها قبل العقد ” ، فليس المقصود من هذا كما سنرى التعويض عن المصلحة السلبية المعروفة في نظرية الخطأ في تكوين العقد ، بل أن يرد كل من المتعاقدين ما تسلمه من الآخر ، دون تعويض عن أية مصلحة ايجابية أو سلبية ، إلا إذا ثبت في جانب المسئول خطأ تقصيري ، وإذا تعذر الرد حكم بتعويض معادل . وإذا كانت المادة 119 تنص على أنه ” يجوز لناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد ، وهذا مع عدم الإخلال بالزامه بالتعويض إذا لجأ إلى طرق إحتيالية ليخفي نقص أهليته ” . فالتعويض هنا ، كما هو ظاهر ، مبنى على أساس المسئولية التقصيرية ، وهي ترجع إلى الطرق الإحتيالية التي استعملها القاصر ، بحيث لو لم يستعملها لما ألزم بتعويض لا عن مصلحة ايجابية ولا عن مصلحة سلبية . وإذا كانت المادة 468 في بيع ملك الغير قد نصت على أنه ” إذا حكم للمشتري بإبطال البيع ، وكان يجهل أن المبيع غير مملوك للبائع ، فله أن يطالب بتعويض ولو كان البائع حسن النية ” ، فذلك لأن المشرع قد اعتبر أن بيع الشخص لشيء غير مملوك له يعتبر في ذاته خطأ تقصيرياً يوجب التعويض ، ولو كان هذا الشخص حسن النية .

311 – رفض نظرية إهرنج والرجوع إلى فكرة الخطأ التقصيري دون الخطأ العقدي : والواقع من الأمر أن نظرية إهرنج كانت من نظريات الضرورة ، قال بها اضطراراً لما ضاق القانون الرومانين عن أن يتسع لحاجات التعامل ، فوسع من فكرة الخطأ ومن فكرة العقد كما رأينا . أما الآن فنحن في سعة من امرنا بعد أن تحررنا من قيود القانون الرومانين وأصبح كل خطأ موجباً للمسئولية أياً كان هذا الخطأ . فإذا ثبت في جانب من أتى سبب البطلان من جهته تقصير كان مسئولا ، ولن نحار في تكييف هذه المسئولية ، فهي مسئولية تقصيرية مبنية على الخطأ الثابت .

على أن نظرية الخطأ عند تكوين العقد نظرية غير صحيحة . فهي بين أمرين . إما أن تجعل قيام سبب البطلان في جانب المتعاقد خطأ حتما ، وقد يكون هذا المتعاقد يجهل كل الجهل سبب البطلان ولم يرتكب أي تقصير في ذلك ، فالخطأ هنا أقرب إلى فكرة تحمل التبعة منه إلى الخطأ التقصيري . وإما أن تفرض عقداً ضمنياً بكفالة التعاقد ، ونحن إنما نتناول هذا العقد ونقسر عليه المتعاقد قسراً ولا نتمشى في ذلك مع نيته الحقيقية . على أن هذا العقد الضمني لا يستقيم لنا في كل الأحوال . فلو أن سبب البطلان كان القصر ، أيكون القاصر ، وهو غير ملتزم بالعقد الصريح الذي تقرر إبطاله لنقص أهليته ، ملتزماً بالعقد الضمني الذي يكفل به صحة التعاقد ! وأين نقص الأهلية ! ألا يؤثر في العقد الضمني كما اثر في العقد الصريح ! وقل مثل ذلك في حالة بطلان العقد لعدم جدية الإرادة ، فمن كان هازلا في العقد الصريح إلا يكون أكثر هزلا في العقد الضمني ! ثم إن التعويض عن المصلحة السلبية دون المصلحة الايجابية ينطوي على شيء من التحكم قد يصعب تبريره في بعض الحالات . كذلك الباقي من المقومات الثلاثة للنظرية – الخطأ والعقد – في كل منهما انحراف غير مستساغ عن القواعد العامة ، وهو انحراف لم نعد الضرورة تبرره . والقانون الألماني ذاته لم يأخذ ، كما رأينا ، بالنظرية كقاعدة عامة ، بل قصر النص فيها على حالات معينة ، وهو في هذه الحالات حاد عن النظرية في الصميم منها ، فلم يجعل المسئولية عقدية ، بل جعلها تقوم تارة على تحمل التبعة وطوراً على التقصير ، وقد تقدم بيان ذلك .

فالأولى إذن الرجوع إلى فكرة المسئولية التقصيرية في الخطأ عند تكوين العقد ، واعتبار العقد الباطل واقعة مادية قد تستكمل عناصر الخطأ التقصيرى فتوجب التعويض . ويكون العقد الباطل ، في هذه الحالة أيضاً ، قد أنتج أثراً عرضياً ، لا باعتباره عقداً ، بل باعتباره واقعة مادية ( [9] ) .


 ( [1] ) إهرنج : أعماله المختارة ( الترجمة الفرنسية ) جزء 2 ص 10 وما بعدها .

 ( [2] ) وقد ضرب إهرنج لذلك مثلا : متجر في مدينة كولونيا ابرق إلى مصرف في مدينة فرانكفورت أن يبيع لحسابه عدداً معيناً من السندات . ولكن لفظ ” يبيع ” بالألمانية ( verkaufen ) وقع فيه خطأ مادي ، وحذف منه المقطع الأول ( vor ) فأصبح ( kaufen ) ، وهذا اللفظ معناه ” يشتري ” . فكان من ذلك أن اشترى المصرف لعميله بدلا من أن يبيع . نزل سعر السندات بعد ذلك ، فبلغت الخسارة مبلغاً جسيماً ( إهرنج : أعماله المختارة الترجمة الفرنسية جزء 2 ص 7 – ص 8 ) .

 ( [3] ) إهرنج : أعماله المختارة ( الترجمة الفرنسية ) جزء 2 ص 28 – ص 30 .

 ( [4] ) اهرنج : أعماله المختارة ( الترجمة الفرنسية ) جزء 2 ص 18 – ص 22 .

 ( [5] ) ساليم في الالتزامات في القانون الألماني فقرة 161 – أنظر أيضاً في هذا المعنى بتوسع كبير بودري وبارد 1 فقرة 362 .

 ( [6] ) بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 131 وفقرة 324 – ومع ذلك أنظر فقرة 189 . مازو 1 فقرة 116 – 121 – هلسنراد ص 75 و ص 189 – ص 190 .

 ( [7] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 592 .

 ( [8] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 263 في الهامش – وكانت المادة 204 من المشروع التمهيدي تجري على الوجه الآتي : ” 1 – إذا كان العقد باطلا أو قابلا للبطلان ، فعلى الطرف الذي يتمسك بالبطلان أن يعوض الطرف الآخر عن الضرر الذي لحقه بسبب اعتقاده صحة العقد ، دون أن تجاوز قيمة التعويض قدر المنفعة التي كانت تعود عليه لو كان العقد صحيحا . 2 – على أنه لا محل للتعويض إذا كان من أصابه الضرر من بطلان العقد له يد في وقوع هذا البطلان ، أو كان يعلم بسببه ، أو ينبغي أن يعلم به ” . وقد اقترح في لجنة المراجعة حذف النص لأن نظرية الخطأ عند تكوين العقد نظرية ألمانية دقيقة يحسن عدم الأخذ بها ، فوافقت اللجنة على ذلك . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 263 في الهامش ) .

 ( [9] ) قارن الدكتور حلمي بهجت بدوى في أصول الالتزامات فقرة 174 – فقرة 179 – ولا يغيب عن البال أننا ، وقد جعلنا المسئولية تقصيرية ، نوجب الأخذ بقواعد هذه المسئولية . فيجب على من يطالب بالتعويض إثبات أن العقد الباطل قد استكمل عناصر الخطأ ، لأن الخطأ واجب الإثبات هنا . ويجب أيضاً أن يلاحظ أن الخطأ التقصيري يختلف عن الخطأ العقدي في الأهلية وفي مدى التعويض وفي الإعذار وفي التضامن وفي الإعفاء الاتفاقي من المسئولية ، وسيأتي بيان هذا كله عند الكلام في المسئولية التقصيرية

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

نظرية تحول العقد

نظرية تحول العقد

305 – النصوص القانونية : لم يكن القانون القديم يتضمن نصاً يقرر النظرية كمبدا عام ولكن القضاء كان يطبقها في بعض الحالات . أما القانون الجديد فقد أورد فيها نصاً صريحاً هو المادة 144 ، وهي تجري على الوجه الآتي :

 ” إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد أخر ، فان العقد يكون صحيحا باعتباره العقد الذي توافرت أركانه ، إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد ( [1] ) ” .

ونظرية تحول العقد نظرية ألمانية ، صاغها الفقهاء الألمان في القرن التاسع عشر ، واخذ بها التقنين الألماني كقاعدة عامة في نص صريح هو المادة 140 ( [2] ) . وعلى نهج التقنين الألماني سار القانون المدني الجديد .

306 – كيف يتحول لتصرف الباطل إلى تصرف آخر صحيح : وتتلخص النظرية في أن التصرف الباطل قد يتضمن رغم بطلانه عناصر تصرف آخر ، فيتحول التصرف الذي قصد إليه المتعاقدان وهو التصرف الباطل ، إلى التصرف الذي توافرت عناصره وهو التصرف الصحيح . وبذلك يكون التصرف الباطل قد أنتج أثراً قانونياً عرضياً لا أصلياً .

ومن الأمثلة على تحول التصرف الباطل إلى تصرف آخر صحيح ” كمبيالة ” لم تستوف الشكل الواجب فتتحول من كمبيالة باطلة إلى سند عادي صحيح . ومن الأمثلة أيضاً شخص يتعهد تعهداً لا رجوع فيه أن يجعل آخر وارثا ً له ، فيكون التعهد باطلا لأن الشريعة الإسلامية لا تعرف عقد إقامة الوارث ( institution d’heritier ) ، ولكنه يتحول إلى وصية صحيحة يجوز الرجوع فيها . ومن أمثلة التحول كذلك وصية لاحقة لوصية سابقة ، فإذا كانت الوصية اللاحقة باطلة تحولت إلى عدول صحيح عن الوصية السابقة . ومثل هذا تصرف باطل في شيء كان قد أوصى به المتصرف قبل صدور التصرف ، فيتحول التصرف الباطل إلى عدول صحيح عن الوصية .

307 – شروط تحول العقد : ويتبين مما تقدم أن هناك شروطاً ثلاثة لتحول التصرف الباطل إلى تصرف آخر صحيح : ( 1 ) بطلان التصرف الأصلي . ( 2 ) وتضمنه لعناصر تصرف آخر . ( 3 ) وانصراف إرادة المتعاقدين المحتملة إلى هذا التصرف الآخر ( [3] ) .

فيجب أولاً أن يوجد تصرف أصلي باطل . وتترتب على هذا الشرط نتيجتان : ( 1 ) لو أن التصرف الأصلي كان صحيحا؟ً ، فلا يتحول إلى تصرف آخر كان المتعاقدان يؤثرانه على التصرف الأول ، حتى لو تضمن التصرف الصحيح عناصر هذا التصرف الآخر . مثل ذلك هبة صحيحة تتضمن عناصر الوصية ، ويتبين أن كلا من الواهب والموهوب له كان يفضل الوصية على الهبة ، فلا تتحول الهبة إلى وصية في هذه الحالة ، لأن الهبة وقعت صحيحة ، ولا يتحول إلا التصرف الباطل . ( 2 ) يجب أن يكون التصرف الأصلي باطلا بأكمله . أما إذا كان جزء منه باطلا وكان التصرف قابلا للانقسام ، فلا يكون هناك محل لتحول التصرف ، بل لانتقاصه ( reduction ) ، فيزول الجزء الباطل ويبقى الجزء الصحيح . وقد نصت المادة 143 من القانون المدني الجديد صراحة على هذا الحكم ، فقضت بأنه ” إذا كان العقد في شق منه باطلا أو قابلا للأبطال فهذا الشق وحده هو الذي يبطل ، إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع أو قابلا للأبطال فيبطل العقد كله ” ( [4] ) . مثل ذلك قسمة أعيان بعضها موقوف وبعضها مملوك ، فتقع قسمة الموقوف باطلة ، وتبقى قسمة المملوك صحيحة ، إلا إذا اثبت من يطعن في القسمة كلها إنها ما كانت لتتم في المملوك دون الموقوف . ويتبين من ذلك أن وجود شرط باطل في وصية ، يكون من شأنه أن يبطل الوصية كلها إذا كان هو الدافع إلى التصرف ، أو يبطل هو وحده إذا لم يكن هو الدافع ، يدخل في نطاق قاعدة انتقاص العقد . ويدخل في نطاق هذه القاعدة أيضاً ما يشترط فيه القانون أن يقف عند رقم محدود على أن ينقص ما يزيد على هذا الرقم ، كعقد بقاء في الشيوع اتفق على أن تكون مدته أكثر من خمس سنوات فتنقص المدة إلى خمس ( م 834 جديد ) ، أو عقد قرض بفوائد تزيد على 7 في المائة فتنقص الفوائد إلى 7 في المائة ( م 227 جديد ) . في مثل هذه الأحوال ينتقص العقد لا يتحول ما دام قابلا للتجزئة . أما إذا لم يكن قابلا لها فإنه يبطل بأكمله . وقد يكون هناك محل في هذه الحالة لتحوله إلى عقد آخر صحيح ، كما قدم يكون هناك محل في حالة الانتقاص لتحول الجزء الباطل وحده إلى عقد آخر صحيح . وانتقاص العقد ليس إلا تطبيقاً للقواعد العامة ، وكان القضاء يأخذ به في ظل القانون القديم ( [5] ) .

ويجب ثانياً أن يتضمن التصرف الباطل جميع عناصر التصرف الآخر الذي يتحول إليه دون أن يضاف إلى هذا التصرف الآخر عنصر جديد . فإذا اختل هذا الشرط لم يجز التحول . مثل ذلك شخص باع أرضا من آخر ، وتبين أن الأرض غير مملوكة للبائع ، فلا يتحول العقد إلى بيع يقع على منزل مملوك للبائع ، حتى لو ثبت أن المتعاقدين كانا يقبلان ذلك لو علما بأن البائع لا يملك الأرض ( [6] ) .

ويجب أخيراً أن تنصرف إرادة المتعاقدين المحتملة إلى التصرف الآخر الذي تحول إليه التصرف الأصلي . وليس معنى ذلك أن المتعاقدين أرادا التصرف الآخر إرادة حقيقية ، بل معناها إنهما كانا يريدانه لو إنهما علما بان التصرف الأصلي باطل . فإرادتهما الواقعية انصرفت إلى التصرف الأصلي ، وانصرفت ارادتهما المحتملة إلى التصرف الآخر . ومن هنا نرى أن القاضي قد ا ستخلص من التصرف الباطل – باعتباره واقعة مادية – عناصر تصرف صحيح انصرفت إليه الإرادة المحتملة للمتعاقدين ، فأقام هذا التصرف الصحيح مقام التصرف الباطل ، وجعل ذاك أثراً عرضياً لهذا ( [7] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 203 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” إذا كان العقد باطلا أو قابلا للبطلان وتوافرت فيه أركان عقد آخر ، فإن العقد يكون صحيحاً باعتباره العقد الذي توافرت أركانه إذا تبين أن المتعاقدين كانت نيتهما تنصرف إلى إبرام هذا العقد لو إنهما كانا يعلمان ببطلان العقد الأول ” . وفي لجنة المراجعة ادخلت بعض تعديلات لفظية ، وأصبح رقم المادة 148 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة حول حذف العبارة الأخيرة من النص ، وقيل في الرد على ذلك بأن المقصود بهذه المادة أن نضع للقاضي معياراً لتحقيق العدالة ، فنحن لا تلزمه بالبحث عن نية المتعاقدين ، ولكنا نطالبه أن يستخلص ما كانت تنصرف إليه نية المتعاقدين عند إبرام العقد ، وهذا التكييف القانونين من القاضي يقع تحت رقابة محكمة النقض على أن يكون مفهوماً أن القاضي يبحث في النية التي كان مفروضاً قيامها قبل النزاع . وانتهت اللجنة إلى الاقتصار على حذف عبارة ” لو إنهما كانا يعلمان ببطلان العقد الأول ” لأنها تزيد لا محل له ، ولان المسألة نيط أمرها بالنية ، ولا لمحل للتقيد بعد ذلك بالعلم أو بأي ظرف آخر ما دام الأمر سيرجع في النهاية إلى تقدير القاضي . وأصبح رقم المادة 144 – ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 262 – ص 267 ) .

 ( [2] ) وقد قضت المادة 140 من التقنين الألماني بما يأتي : ” إذا كان العمل القانونين الباطل يفي بشروط عمل قانونين آخر ، فهذا العمل الأخير هو الذي يؤخذ به إذا فرض أن المتعاقدين كانا يريدانه لو كانا يعلمان بالبطلان ” . ويجمع هذا النص شروط التحول الثلاثة التي سيأتي ذكرها ، وقد أخذ بالإرادة الاحتياطية ولا بانعدام الإرادة العكسية على ما سيأتي بيانه ( أنظر في هذا الموضوع سالي في إعلان الإرادة م 140 ص 158 ) .

 ( [3] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” استقيت أحكام المادة 203 ( م 144 جديد ) من التقنين الألماني أيضاً . بيد أن فكرة تحويل العقد أو انقلابه أدق من فكرة الانتقاص التي تقدمت الإشارة إليها . فليس يرد أمر التحويل إلى مجرد تفسير لإرادة المتعاقدين . بل الواقع أن القاضي يحل نفسه محلهما ، ويبدلهما من عقدهما القديم عقداً جديداً يقيمه لهما . ويشترط لاعمال أحكام التحويل أن يكون العقد الأصيل باطلا أو قابلا للطبلان . فإذا كان صحيحاً فلا يملك القاضي بوجه من الوجوه أن يحل محله عقداً آخر قد يؤثره المتعاقدان لو فصل لهما أمره . ويشترط كذلك أن تكون عناصر العقد الجديد التي يقيمه القاضي قد توافرت جميعاً في العقد الأصيل الذي قام به سبب من أسباب البطلان ، فلا يملك القاضي على أي تقدير أن يلتمس عناصر إنشاء العقد الجديد خارج نطاق العقد الأصيل . ويشترط أخيراً أن يقوم الدليل على أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى الارتباط بالعقد الجديد لو إنهما تبينا ما بالعقد الأصيل من أسباب البطلان . ويستخلص مما تقدم أن سلطة القاضي في نطاق التحويل ليست سلطة تحكمية . فإذا كان يتولى عن العاقدين إعادة إنشاء التعاقد إلا أنه يسترشد في ذلك بارادتهما بالذات . وليست الشروط الثلاثة المتقدمة سوى قيود قصد بها أن تحد من إطلاق تقدير القاضي على نحو يتيح تقريب الشقة ما أمكن بين نية المتعاقدين المفترضة ونيتهما الحقيقية . ولعل اعتبار الكمبيالة التي لا تستوفى ما ينبغي لها من الشروط الشكلية سنداً أذنياً أو مجرد تعاقد مدني من ابرز التطبيقات العملية التي يمكن أن تساق في صدد فكرة التحويل ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 263 – ص 264 ) .

 ( [4] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 202 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” إذا كان العقد في شق منه باطلا أو قابلا للبطلان ، فهذا الشق وحده هو الذي يبطل ، أما الباقي من العقد فيظل صحيحاً باعتباره عقداً مستقلا ، إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع باطلا أو قابلا للبطلان ” . وفي لجنة المراجعة ادخلت بعض تعديلات لفظية ، وأصبح رقم المادة 147 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب المادة دون تعديا . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ حذفت عبارة ” أما الباقي من العقد فيظل صحيحاً باعتباره عقداً مستقلا ” لأن هذه العبارة جاءت على سبيل الإيضاح وهي تقرر نتيجة تستخلص في غير عناء من النص نفسه ، وأصبح رقم المادة 143 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 259 – ص 261 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” اقتبس المشروع أحكام المادة 202 ( م 143 جديد ) من التقنينات الجرمانية ، ومن بينها التقنين الألماني وتقنين الالتزامات السويسري والتقنين البولوني بوجه خاص ( أنظر أيضاً المادتين 327 / 308 من التقنينين التونسي والمراكش ي 9 . وهي تعرض لانتقاص العقد عندما يرد البطلان المطلق أو النسبي على شق منه . فلو فرض أن هبة اقترنت بشرط غير مشروع ، أو أن بيعاً ورد على عدة أشياء وقع العاقد في غلط جوهري بشأن شيء منها ، ففي كلتا الحالتين لا يصيب البطلان المطلق أو النسبي من العقد إلا الشق الذي قام به سببه . وعلى ذلك يبطل الشرط المقترن بالهبة بطلاناً مطلقاً ، ويبطل البيع فيما يتعلق بالشيء الذي وقع الغلط فيه بطلاناً نسبياً ، ويظل ما بقى من العقد صحيحاً باعتباره عقداً مستقلاً ، ما لم يقم من يدعى البطلان الدليل على أن الشق الذي بطل بطلاناً مطلقاً أو نسبياً لا ينفصل عن جملة التعاقد ( قارن المادة 139 من التقنين الألماني والمادتين 327 / 308 من التقنينين التونسي والمراكشي ، وهي تلقى عبء الإثبات على عاتق من يتمسك بصحة ما بقى من أجزاء العقد ) . وغنى عن البيان أن هذه الأحكام التشريعية بست إلا مجرد تفسير لإرادة المتعاقدين ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 260 ) .

 ( [5] ) محكمة الزقازيق في 16 أكتوبر سنة 1929 المحاماة 10 رقم 165 ص 232 – وانظر في موضوع الانتقاص مقالا للدكتور حلمي بهجت بدوي في مجلة القانون والاقتصاد 3 ص 405 – ص 407 – وانظر أيضاً المادة 20 فقرة 2 من تقنين الالتزامات السويسري .

 ( [6] ) ومن ثم لا يعد تحولا ما نصت عليه المادة 124 من القانون المدني الجديد . وقد رأينا ، تطبيقاً لهذه المادة ، أن الشخص الذي اشترى شيئاً وهو يعتقد أنه أثرى يظل مرتبطاً بالعقد إذا عرض البائع أن يعطيه الشيء الاثرى الذي قصد شراءه ( أنظر آنفاً فقرة 178 ) . وليس في هذا تحول بيع شيء غير أثرى إلى بيع شيء أثرى ، لأن البيع الثاني أدخل عليه عنصر جديد لم يكن موجوداً في البيع الأول ، وهو الشيء الأثرى بالذات ، فتخلف بذلك شرط من شروط التحول .

ويحسن في هذه المناسبة أن نشير إلى وجوب التمييز ما بين تصحيح العقد وتحوله واجازته .

فتصحيح العقد يكون بإدخال عنصر جديد عليه يؤدي قانوناً إلى جعله صحيحاً . فعرض البائع على المشتري أن يعطيه الشيء الأثرى الذي قصد شراءه في المثل المتقدم يجعل المشتري مرتبطاً بالعقد كما قدمنا ، وإدخال هذا العنصر الجديد – الشيء الأثرى – على العقد قد أدى قانوناً إلى جعل العقد صحيحاً . وفي الاستغلال يجوز في عقود المعاوضة أن يتوقى الطرف المستغل دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضي كافياً لرفع الغبن ، فعرض ما يكفي لرفع الغبن . هو إدخال عنصر جديد في العقد أدى إلى تصحيحه . وكذلك الحال في تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل في بيع العقار المملوك لشخص لا تتوافر فيه الأهلية إذا كان في البيع غبن يزيد على الخمس ، ويعتبر أيضاً تصحيحاً لعقد القسمة إكمال نصيب المتقاسم المغبون ما نقص من حصته إذا لحقه غبن يزيد على الخمس . ومن قبيل تصحيح العقد تخفيض الفوائد الاتفاقية إلى 7% ، وتخفيض الأجل الاتفاقي للبقاء في الشيوع إلى خمس سنين ، وإن كان التصحيح في هاتين الحالتين الأخيرتين قد أتى عن طريق انتقاص العقد وهو إجباري بمقتضى القانون لا اختاري بإرادة المتعاقد . ويجري التصحيح ، كما رأينا ، بتغيير في عنصر من عناصر العقد : إما بإبداله بعنصر جديد كما في إبدال غير الأثرى بالأثرى ، وإما بزيادة فيه كالتكملة في حالتي الاستغلال والغبن ، وإما بانتقاص منه كتخفيض الفوائد الاتفاقية وإنقاص الأجل الاتفاقي للبقاء في الشيوع . والتصحيح هو مزيج من تصرف إرادي وعمل مادي يصدر ، بخلاف الإجازة ، من الطرف الذي لم يتقرر بطلان العقد لصالحه . وله اثر رجعي كالإجازة ، فيعتبر العقد المصحح صحيحاً من وقت نشوئه لا من وقت تصحيحه – وتصحيح العقد غير مراجعة القاضي للعقد . فالتصحيح يكون بمقتضى إرادة المتعاقد أو بمقتضى حكم القانون ، أما مراجعة العقد فتكون من عمل القاضي . والتصحيح لا يكون إلا في عقد نشأ معيباً منذ البداية ، أما مراجعة العقد فقد تكون في عقد نشأ معيباً كإنقاص الالتزامات في الاستغلال وفي عقود الإذعان ، وقد تكون في عقد نشأ صحيحاً كاستكمال القاضي للمسائل غير الجوهرية التي لم يتفق عليها المتعاقدان ( م 95 جديد ) وكإنقاص الالتزام المرهق في نظرية الحوادث الطارئة .

أما تحول العقد فهو ، كما رأينا ، استبدال عقد جديد بعقد قديم من غير إدخال أي عنصر جيد ، بل تبقى عناصر العقد القديم كما هي ، وإنما تكيف تكييفاً قانونياً غير التكييف الأول ، فيقع بذلك استبدال العقد الجديد بالعقد القديم . وعدم إدخال أي عنصر جديد هو الذي يميز التحول من التصحيح .

وأما إجازة العقد فهي ، كما سنرى ، استبقاء العقد القابل للإبطال بعناصره كما هي ، وفي هذا تتفق الإجازة مع التحول وتختلف عن التصحيح ، مع استبقاء العقد المجاز على تكييفه القانونين الأصلي دون أن يكيف تكييفاً جديداً ، وفي هذا تتفق الإجازة مع التصحيح وتختلف عن التحول .

 ( [7] ) ويبرر ذلك أن التصرف الصحيح قد قام على الغاية التي قصد إليها المتعاقدان ( volonte teleologique ) كما يقول سالي . فهناك غاية عملية يريد المتعاقدان الوصول إليها ، وقد اختارا لذلك طريقاً قانونياً تبين بطلانه . فإن كان هناك طريق قانونين صحيح يؤدي إلى الغاية ذاتها ، فمن الممكن القول بأنهما كانا يريدان هذا الطريق القانونين الصحيح ، لو أنهما كانا يعلمان ببطلان الطريق القانونين الذي اختاراه ، ما دام الطريق الصحيح يؤدي إلى الغاية العملية التي قصداها . فالعبرة إذن بالغاية العملية ، لا بالإرادة القانونية .

هذا وهناك من أنصار نظرية الإرادة الباطنة من يشترط في التحول أن تنصرف إرادة المتعاقدين احتياطياً إلى التصرف الصحيح الذي تحول إليه التصرف الباطل . فلا تكفي الإرادة المحتملة . بل يجب أن يتوقع المتعاقدان احتمال بطلان التصرف الأصلي فتتصرف ارادتهما احتياطياً إلى التصرف الآخر عند تحقق هذا الاحتمال . والإرادة الاحتياطية هي كما نرى إرادة حقيقية . ويكون المتعاقدان قد أرادا تصرفاً باطلا في الأصل ، وأرادا تصرفاً صحيحاً على سبيل الاحتياط . فيقوم التصرف الصحيح على إرادة حقيقة لا على إرادة محتملة .

وعلى النقيض من ذلك يوجد من أنصار نظرية الإرادة الظاهرة من لا يتطلب لا إرادة احتياطية ولا إرادة محتملة ، بل يكتفي بانعدام الإرادة العكسية . فيتحول العقد ما لم يتضح من الظروف أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلى استبعاد هذا التحول 

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

.

الآثار التي تترتب على العقد الباطل والعقد القابل للإبطال

الآثار التي تترتب على العقد الباطل والعقد القابل للإبطال

303 – الآثار العرضية والآثار الأصلية : العقد الباطل ليس عملا قانونياً ( acte juridique ) إذ هو كعقد لا وجود له ، ولكنه عمل مادي ( acte materiel ) أو واقعة قانونية ( fait juridique ) . وهو بهذه المثابة قد ينتج أثراً قانونياً ، ليس هو الأثر الأصلي الذي يترتب على العمل القانونين باعتباره عقداً ، بل هي اثر عرضي يترتب على العمل المادي باعتباره واقعة قانونية . على أن العقد الباطل قد ينتج في حالات الاستثنائية أثره الأصلي باعتباره عقداً ، وهذا شذوذ تقتضيه تارة ضرورة استقرار التعامل ، وطوراً وجوب حماية حسن النية .

والعقد القابل للإبطال إذا تقرر بطلانه انعدم منذ البداية ، وصار هو والعقد الباطل بمنزلة سواء . فإذا قلنا العقد الباطل ، كان المقصود أن يدخل في مضمونه العقد القابل للإبطال بعد أن يتقرر إبطاله ( [1] ) .

ونتناول الآن كلا من الآثار العرضية والآثار الأصلية للعقد الباطل .

المطلب الأول

الآثار العرضية للعقد الباطل

304 – استعراض بعض هذه الآثار : قد ينتج العقد الباطل آثاراً باعتباره واقعة مادية كما قدمنا . من ذلك الزواج غير الصحيح ، فهو في الشريعة الإسلامية لا ينتج آثاره الأصلية كحل التمتع ووجوب النفقة والتوارث ما بين الزوجين ، ولكنه ينتج آثاراً عرضية كوجوب العدة في بعض الأحوال ووجوب المهر بعد الدخول وثبوت النسب احتياطاً وسقوط الحد ولو مع العلم بالبطلان على خلاف في الرأي ( [2] ) . وهذه الآثار لا تترتب على الزواج باعتباره عقداً ، فهو بهذا الاعتبار باطل لا ينتج أثراً ، ولكنها تترتب عليه باعتباره واقعة مادية . فإذا وقع أن رجلا وامرأة ارتبط أحدهما بالآخر كما لو كانا زوجين ، فالعدة واجبة على اثر هذا الاتصال الفعلي ، والبنوة تابتة بطبيعة الأشياء ، والمهر بمثابة تعويض عن الدخول ، وسقوط الحد عند من يقولون به يكون للشبهة لا لقيام رباطة الزوجية .

وهناك من الإجراءات ما يكون باطلا ، ولكنه ينتج بعض الآثار . من ذلك صحيفة الدعوى إذا كلف فيها المدعى عليه بالحضور أمام محكمة غير مختصة ، فتكون باطلة وهي مع ذلك تقطع التقادم ( م 383 جديد ) . ومن ذلك أيضاً العطاء اللحق في المزايدة يسقط العطاء السابق حتى لو كان العطاء اللاحق باطلا ( م 99 جديد ) .

ومن أهم الآثار العرضية التي ينتجها العقد الباطل أثران يستخلصان من تطبيق نظريتين معروفتين ، إحداهما نظرية تحول العقد ، والأخرى نظرية الخطأ عند تكوين العقد . ونقول كلمة موجزة عن كل منهما .


 ( [1] ) وقد يكون العقد القابل للإبطال قبل أن يتقرر بطلانه منتجا لبعض الآثار كواقعة مادية لا كعقد . فهو يصلح أن يكون سبباً صحيحاً ناقلا للملكية يستند إليه الحائز في التملك بالتقادم الخمسي ، بخلاف العقد الباطل فإنه لا يصلح لذلك . فإذا اشترى شخص عقاراً من غير المالك ، وكان البائع قاصراً ، صلح هذا البيع أن يكون سبباً صحيحاً ، وتملك المشتري العقار بالتقادم الخمسى ، وظاهر أن البيع الصادر من القاصر غير المالك يعتبر في العلاقة ما بين المشتري والمالك الحقيقي واقعة مادية لا عقداً . وهو لا يكون سبباً صحيحاً إلا قبل إبطاله ، أما ذاا أبطله القاصر أو المشتري فإنه لا يعود صالحاً لأن يكون سبباً صحيحاً . ويتصور أن المشتري يبطله إذا كان من مصلحته أن يرجع العقار إلى صاحبه ويرجع بالثمن على القاصر ، لاسيما إذا نزلت قيمة العقار عن الثمن وأمكن المشتري أن يرجع بالثمن على القاصر باعتبار أنه قد أفاد منه إفادة كاملة .

 ( [2] ) فتح القدير 5 ص 30 وما بعدها وص 40 وما بعدها .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

نظرية البطلان

نظرية البطلان

298 – نظرية البطلان في القانون القديم وفي القانون الجديد : بطلان العقد هو الجزاء القانوني على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة مستوفية لشروطها ، على النحو الذي بيناه فيما تقدم . ولذلك كان منطقياً أن نتكلم في بطلان العقد على اثر الفراغ ، الكلام في أركانه .

ولم يكن القانون القديم يفرد مكاناً لنظرية البطلان ، بل كنا نجد القواعد العامة في البطلان تحتويها نصوص متناثرة في أمكنة متفرقة متباعدة ، كما هو شأن القانون المدني الفرنسي . أما القانون الجديد فقد عنى بأن يفرد لنظرية البطلان مكاناً خاصاً ، جمع فيه النصوص الرئيسية التي ترسم القواعد العامة في بطلان العقد ( م 138 – 144 ) . ونحن نبسط نظرية البطلان في هدى هذه النصوص ( [1] ) .

299 – ضرورة تمييز البطلان عما يقاربه من النظم : ويحسن منذ البداية أن نميز البطلان ( nullite ) عما يقاربه من النظم . نميز بينه وبين عدم السريان ( inopposabilite ) ، وبينه وبين الفسخ ( resolution ) .

فالبطلان هو إعدام اثر العقد بالنسبة إلى المتعاقدين ، وبالنسبة إلى الغير تبعاً لذلك .

وقد يكون العقد صحيحاً ينتج أثره فيما بين المتعاقدين ، ولكنه لا يسري في حق الغير . فالعقد الحقيقي في الصورية صحيح فيما بين المتعاقدين ، غير نافذ في حق الغير . والعقد غير المسجل صحيح فيما بين المتعاقدين ، ولكن لا يحتج به على الغير . والعقد غير ثابت التاريخ تاريخه حجة على المتعاقدين دون أن يكون حجة على الغير . والعقد الذي أبرمه المدين المعسر إضراراً بحق دائنه صحيح فيما بين المتعاقدين ، ولكن لا يسري في حق الدائن إذا طعن فيه بالدعوى البوليصية . والبيع في مرض الموت صحيح فيما بين المتعاقدين ، ولكن لا يسري في حق الورثة فيما يجاوز ثلث التركة . بل قد يكون العقد ثابت للإبطال فيما بين المتعاقدين وهو في الوقت ذاته لا يسري في حق الغير . فبيع ملك الغير قابل للإبطال فيما بين البائع والمشتري ، ثم هو لا يسري في حق المالك الحقيقي ، وقد يجيز المشتري العقد فيزول البطلان ويبقى عدم السريان . والبطلان إذا كان قابلا للزوال يزول بالاجازة ( confirmation ) على ما سنرى . أما عدم السران فيزول بإقرار الغير للعقد ( ratification ) على ما سنرى . أما عدم السريان فيزول بإقرار الغير للعقد ( ratification ) . ويلاحظ فيما قدمناه من الأمثلة أن ” الغير ” ليس له مدلول واحد ، فيختلف مدلوله في مثل عنه في المثل الآخر .

والفرق بين البطلان والفسخ أن البطلان يرجع إلى عيب في ركن من أركان العقد ، أما في الفسخ فاركان العقد سليمة مستوفية لشروطها ، فينشأ العقد صحيحاً ، ثم لا ينفذ أحد المتعاقدين التزامه فيسقط التزام المتعاقد الآخر ، ولذلك لا يكون الفسخ إلا في العقد الملزم للجانبين .

300 – أنواع البطلان : لما كان البطلان يعد العقد ، فإن المنطق يقضي بأن يكون البطلان درجة واحدة لا تقبل الدرج ، إذ العدم لا تفاوت فيه . ولكن نظرية البطلان ، مع هذه البساطة النقطة ، قد تعقدت لاعتبارات تاريخية ، ولاعتبارات ترجع إلى النصوص التشريعية ، ثم لمحاولة الفقهاء أن يقسموا البطلان تبعاً لذلك إلى مراتب متدرجة . ومن ثم قالت النظرية التقليدية بتقسيم ثلاثي للبطلان . وقد هوجمت من ناحيتين مختلفتين : فكثرة الفقهاء يكتفون بتقسيم ثنائي ، وبعضهم لا يكفيهم التقسيم الثلاثي ويذهب إلى تنويع البطلان مراتب متعددة .

فالنظرية التقليدية تقسم البطلان كما قدمنا إلى مراتب ثلاث : الانعدام ( inexistence ) والبطلان المطلب ( nullite absolue ) والبطلان النسبي ( nullite relative ) . وأساس التقسيم هو وجود أركان للعقد لا بد من قيامها حتى يتكون . ولهذه الأركان شروط لا بد من توافرها حتى لا تختلف . وركن من هذه الأركان – وهو الرضاء – لا بد أن يصدر من ذي أهلية كاملة وألا يكون مشوباً بعيب حتى يكون صحيحاً . وأركان العقد الرضاء والمحل والسبب ، وكذلك الشكل في العقود الشكلية ، فإذا انعدم ركن منها أكان العقد منعدماً . وشروط المحل أن يكون ممكناً معيناً مشروعاً ، وشرط السبب أن يكون مشروعاً ، فإذا اختل شرط من هذه الشروط كان العقد باطلا بطلاناً مطلقاً . وإذا صدر الرضاء من ناقص الأهلية أو شابه عيب كغلط أو تدليس أو إكراه ، كان العقد باطلا بطلاناً نسبياً .

وكثرة الفقهاء تنعي على النظرية التقليدية تمييزها بين العقد المنعدم والعقد الباطل بطلاناً مطلقاً . إذ التمييز يصطدم من المنطق ، وليس بذي فائدة . أما أنه يصطدم من المنطق فلأن العقد الباطل بطلاناً مطلقاً ليس له وجود قانونين ، فهو يستوي في الانعدام مع العقد المنعدم ، ولا يمكن أن يقال إن العقد المنعدم اشد انعداماً من العقد الباطل بطلاناً مطلقاً إذ لا تفاوت في العدم كما قدمنا . وأما أن التمييز غير ذي فائدة فلأن أحكام العقد الباطل بطلاناً مطلقاً هي عين أحكام العقد المنعدم : كلا العقدين لا ينتج أثراً ، ولا تلحقه الإجازة ، ولا يرد عليه التقادم . والواقع أن التمييز بين الانعدام والبطلان المطلق خلقه الفقه الفرنسي في مناسبة عقد الزواج ، إذ قرر هذا الفقه ألا بطلان في هذا العقد دون نص ، صيانة له من التزعزع . فقامت حالات بطلان لا شك فيها ، ولكن لم يرد في شأنها نص ، كما إذا كان الزوجان من جنس واحد ، وكما إذا تولى العقد من ليست له الصفة الرسمية في توليه . فخلقت نظرية الانعدام حتى تغطى هذه الحالات . وكان الأولى عدم التقيد بالقاعدة الضيقة التي تقضي بان الطبلان لا يكون بغير نص في عقد الزواج ، أو في القليل قصر هذه القاعدة على الزواج فإن طبيعته تغاير طبيعة العقود في دائرة المعاملات المالية .

وهناك من الفقها من يذهب ، على النقيض مما تقدم ، إلى عدم الاقتصار على مراتب البطلان الثلاث التي تقول بها النظرية التقليدية . فإن هذا التقسيم الثلاثي في نظرهم تقسيم ضيق جامد لا يتسع لمختلف الحاجات . وأصحاب هذا الرأي يقولون إن القانون عين شروطاً للعقد حتى ينتج آثاراً معينة ، وكل شرط من هذه الشروط يتطلبه القانون للوفاء بغرض معين ، فإذا اختل شرط كان العقد باطلا في الناحية التي تتلاءم مع هذا الشرط ، فتتعدد وجوه البطلان وتتنوع مراتبه تبعاً للأغراض التي تواخها القانون ( [2] ) . ومهما قيل في مرونة هذا الرأي وفي أنه يفسر استعصاء بعض مسائل البطلان على الخضوع للقواعد التقليدية ، كما في إجازة الواهب أو ورثته لهبة لم يتوافر فيها شرط الشكل ( م 489 جديد ) ، وكما في شذوذ بيع ملك الغير وإمكان إجازته بإقرار المالك وهو أجنبي ( م 467 جديد ) ، وكما في بطلان عقد الشركة الذي لم يستوف الشكل مع عدم جواز أن يحتج الشركاء بهذا البطلان على الغير ( م 507 جديد ) ، إلا أن هذه الحالات الخاصة لها ما يفسرها تفسيراً ملائماً ، وهي لا تسوغ نقض القواعد الثابتة المستقرة في البطلان لتحل محلها قواعد ليس لها من الثبات والاستقرار ما يبرر الاطمئنان إليها ( [3] ) .

فالوقوف عند التقسيم الثلاثي خير من تشتت قواعد البطلان في غير ثبات ولا استقرار . وخير من التقسيم الثلاثي التقسيم الثنائي إلى عقد باطل بطلاناً مطلقاً ( ويدخل فيه العقد المنعدم ) وعقد باطل بطلاناً نسبياً ، لما قدمناه من عيب التمييز ما بين العقد المنعدم والعقد الباطل بطلاناً مطلقاً . بل خير من التقسيم الثنائي الرجوع إلى المنطق الصحيح وجعل البطلان درجة واحدة لا تفاوت فيها هي البطلان المطلق . ذلك لأن العقد الباطل بطلاناً نسبياً يمر كما سنرى على مرحلتين : ( المرحلة الأولى ) قبل أن يتعين مصيره بالاجازة أو بالإبطال ، ويكون له في هذه المرحلة وجود قانونين كامل ، فينتج كل الآثار القانونية التي كانت تترتب عليه لو نشأ صحيحاً . ( والمرحلة الثانية ) يلقى فيها العقد أحد مصيرين ، فإما أن تلحقه الإجازة أو يتم في شأنه التقادم فيزول البطلان ويستمر العقد صحيحاً منشئاً لجميع آثاره ، فلا يعود هناك فرق بينه وبين العقد الصحيح ، وإما أن يتقرر بطلانه فينعدم وجوده القانونين انعداما تاماً وتزول جميع الآثار القانونية التي أنشأها ويكون لهذا كله اثر رجعي ، فلا يعود هناك فرق بينه وبين العقد الباطل بطلاناً مطلقاً . فالعقد الباطل بطلاناً نسبياً كما نرى لا يعدو في مآله أن يكون عقداً صحيحاً إذا لحقته الإجازة أو ورد عليه التقادم ، أو عقداً باطلا بطلاناً مطلقاً إذا تقرر بطلانه . فهو إما عقد صحيح على الدوام ، وإما عقد باطل بطلاناً مطلقاً منذ البداية . والواقع من الأمر أن البطلان النسبي ليس شيئاً مستقلا يقوم إلى جانب البطلان المطلق ، وما هو إلا تعبير مناسب عن حالة عقد يمر على المرحلتين المتقدم ذكرهما ، فيؤول أمره في النهاية إلى الصحة التامة أو إلى البطلان المطلق . ومن ثم فليس هناك إلا نوع واحد من البطلان ، يندمج فيها البطلان النسبي ، كما اندمج فيه الانعدام ( [4] ) .

301 – تأصيل البطلان : على أن إرجاع أنواع البطلان كلها إلى البطلان المطلق إذا كان يرضى المنطق القانونين فهو لا ييسر الصياغة الفنية لنظرية البطلان وما تواجهه من حالات متغايرة تقتضي شيئاً من التنوع . والأولى من ناحية الصياغة المحضة الرجوع إلى التقسيم الثنائي ، فيكون العقد باطلا بطلاناً مطلقاً أو باطلا بطلاناً نسبياً ، أو كما يقول القانون الجديد يكون العقد باطلا أو قابلا للإبطال . ونقف عند هذا التقسيم ، على أن نتولى تأصيله .

فالبطلان إما أن يرجع إلى اعتبارات شكلية أو إلى اعتبارات موضوعية . ففي الحالة الأولى يكون العقد الشكلي الذي لا يتوافر ركن الشكل فيه باطلا ، ولكن بالقدر الذي يتطلبه القانون من الشكل . وقد أسلفنا أن الشكل إنما هو من صنع القانون ، والقانون هو الذي يعين له الجزاء الكافي في حالة الإخلال به . فقد يجعل العقد الذي لم يستوف الشكل المطلوب باطلا لا تحلقه الإجازة . وقد يسمح باجازته كما في الهبة الباطلة شكلا ( م 489 جديد ) وكما في الشركة التي لم تستوف الشكل المطلوب ( م 507 جديد ) . وقد يجعل الشكل من المرونة بحيث يقبل أن يستكمل وأن يحتج به فرض دون فرض كما في شركات التضامن والتوصية . فالشكل كما قدمنا من خلق القانون ، صنعه على عينه ، ويقده على القالب الذي يختاره ( [5] ) . ونحن في هذه الدائرة وحدها – دائرة البطلان لعدم استيفاء الشكل المطلوب – نتمشى مع القائلين بتنوع مراتب البطلان .

أما إذا رجع البطلان إلى اعتبارات موضوعية ، فهنا يجب التأصيل عن طريق تحليل عناصر العقد . وقبل ذلك نقول أن البطلان قد يرجع إلى نص في القانون لحكمة يتوخاها المشرع ، كما في بطلان بيع ملك الغير ( م 466 جديد ) وفي بطلان تصرف السفيه الصادر قبل تسجيل قرار الحجر ( م 115 جديد ) . وهذا النوع من البطلان هو بطلان خاص يتبع في شأنه النص الذي يعالجه . ولكن البطلان الذي يخضع للقواعد العامة يرجع أكثر ما يرجع إلى اعتبارات موضوعية نتولى الآن تقعيدها .

ذلك أن للعقد أركاناً ثلاثة هي الرضاء والمحل والسبب . فإذا انعدم أي ركن منها فإن العقد لا يقوم طبيعة ، ويكون باطلا . ومثل انعدام الركن اختلال شرطه . فالرضاء يشترط فيه التمييز وتقابل الإيجاب والقبول مع تطابقهما ، والمحل يشترط فيه الإمكان والتعيين والمشروعية ، والسبب تشترط فيه المشروعية . فشروط التمييز والتقابل والتطابق في الرضاء ، وشرط الإمكان والتعيين في المحل هي شروط طبيعية لا يقوم العقد بدونها . وشرط المشروعية في المحل وفي السبب هو شرط قانونين لا يقوم العقد أيضاً بدونه . فإذا اختل شرط من هذه الشروط كان العقد باطلا ( [6] ) . والبطلان هنا تمليه طبيعة الأشياء أو يفرضه القانون حماية لمصلحة عامة . والعقد الباطل منعدم طبيعة أو شرعاً ، فلا ينتج أثراً ، ويجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك ببطلانه ، وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها ، ولا تصح إجازته ، ولا يرد عليه التقادم .

وهناك ركن في العقد قد يقع أن يكون قائماً مستوفياً لشروطه ولكن لا تتوافر له أسباب الصحة ، وهذا هو الرضاء . فالرضاء كما رأينا يكون موجوداً مستوفياً لشروطه حتى لو صدر من ناقص الأهلية وحتى لو صدر عن غلط أو تدليس أو إكراه أو استغلال ، ولكنه يكون رضاء معيباً غير صحيح . وفي هذه الحالة يقوم العقد مستوفياً أركانه ، فهو منعقد تترتب عليه آثاره . ويبقى أن المتعاقد الذي صدر منه رضاء مختل أو رضاء معيب يكون من حقه أن يحميه القانون إذا هو طلب هذه الحماية . فله وحده أن يطلب إبطال العقد ، كما له أن يجيزه ، وإذا سكت سقط حقه في إبطال العقد بالتقادم . ذلك أن هذا الحق في إبطال العقد إنما قرره القانون لا لحماية مصلحة عامة ، بل لحماية مصلحة المتعاقد الخاصة ، يعالج به ما اعتور رضاءه من نقص ( [7] ) .

وليس فيما قدمناه من تأصيل للبطلان إلا نتائج منطقية لمقدمات تؤدى إليها ، ومعلولات معقولة لعلل ظاهرة ( [8] ) .

302 – خطة البحث : والآن نستطيع أن نرسم خطة لبحث نظرية البطلان . فالعقد الباطل والعقد القابل للإبطال يمران بأدوار مختلفة منذ نشأتهما إلى أن يتقرر بطلانهما . فقد يترتب عليهما بعض الآثار ، وقد يرد على العقد القابل للإبطال الإجازة أو التقادم فينقلب صحيحاً . ولكن في أكثر الأحوال يطلب ذو الشأن تقرير بطلان العقد فينعدم .

فالأدوار إذن ثلاثة : ( 1 ) ترتيب الآثار . ( 2 ) الإجازة والتقادم . ( 3 ) تقرير البطلان . ونتولى بحث كل من هذه الأدوار .


 ( [1] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” اتقي المشروع ما تستهدف له التقنينات اللاتينية من مآخذ حين تجمع بين أحكام البطلان وأسباب انقضاء الالتزامات في صعيد واحد . وقد نهج في هذا الشأن نهج التقنين البرازيلي . وجعل للبطلان نظرية جامعة ، فهيأ بذلك مكانا مناسباً لطائفة من الأحكام تناثرت وانفرط عقدها ، مع ما بينهامن سبب جامع ، كالنصوص الخاصة بالتزام ناقص الأهلية برد ما تسلمه عند إبطال العقد . وقد استمسك المشروع بتقاليد المذهب اللاتيني فيما استحدث في هذا الشأن بوجه عام ، على أن المذهب الجرماني لم يعدم أثره في هذه الناحية . فقد اقتبس المشروع أحكاماً هامة من التقنينين الألماني والسويسري . فمن ذلك . . . نظرية انتقاص العقود ونظرية تحويل العقود أو انقلابها ، وتطبق الأولى عند ورود البطلان المطلق أو النسبي على شق من العقد ، وتطبق الثانية إذا توافرت للعقد الباطل أو القابل للبطلان شروط انعقاد عقد آخر ( أنظر المادتين 139 ، 140 من التقنين الألماني ) . ويراعى من ناحية أخرى أن المشروع قد نص على تقادم دعوى البطلان بانقضاء ثلاث سنوات ، مستلهما في ذلك تقنين الالتزامات السويسري ( أنظر المادة 229 وهي تجعل المدة سنة واحدة ) ، هذا فضلا عن التقادم الطويل المقرر بمقتضى القواعد العامة . ويراعى أن مبدأ سريان التقادم القصير في هذه الحالة يختلف عن مبدأ سريان التقادم الطويل ، ولذلك يكون لهذا التقادم الطويل أثره إذا اكتملت مدته قبل انقضاء أجل السنوات الثلاث ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 233 – ص 234 ) .

 ( [2] ) أنظر دروجول ( Drogoul ) في رسالته في النظرية العامة في البطلان ص 206 وما بعدها – جابيو ( japiot ) في رسالته في بطلان العقود ص 151 وص 154 .

 ( [3] ) أنظر في هذا المعنى بلانيول وريبير وبولانجيه فقرة 819 – فقرة 820 .

 ( [4] ) وقد ورد في ” نظرية العقد ” للمؤلف ( ص 618 هامش رقم 1 ) في هذا الصدد ما يأتي : ” لا توجد هناك ثلاث أحوال للعقد مستقلة بعضها عن البعض الآخر : الصحة والبطلان النسبي والبطلان المطلق ، بل لا توجد إلا حالتان : الصحة والبطلان المطلق . والعقد الباطل بطلاناً نسبياً هو عقد يمر على هاتين الحالتين واحدة بعد الأخرى ، فهو متميز عن العقد الصحيح الذي لا يمر إلا على حالة الصحة ، ومتميز عن العقد الباطل بطلاناً نسبياً متميزاً على هذا النحو ، فالبطلان النسبي نفسه ليس حالة قائمة بذاتها بين الصحة والبطلان المطلق ” .

 ( [5] ) أنظر آنفاً فقرة 135 في الهامش .

 ( [6] ) وقد تضمن المشروع التمهيدي نصاً يجمع الحالات التي يكون فيها العقد باطلا ، فنصت المادة 193 من هذا المشروع على ما يأتي :

 ” يكون العقد باطلا في الحالات الآتية :

أ ) إذا ابرمه شخص لا أهلية له إطلاقاً .

ب ) إذا انعدم فيه الرضاء أو المحل أو السبب ، أو إذا لم تتوافر في المحل أو في السبب شروطه الجوهرية .

ج ) إذا اشترط القانون في العقد شكلا يكون باطلا بدونه ولم يستوف العقد هذا الشكل . أو إذا اغفل المتعاقدان إجراء شكلياً يعتبره القانون ركناً في تكوين العقد .

د ) إذا ورد في القانون نص خاص على البطلان ” .

وقد حذفت هذه المادة في المشروع النهائي ” لأن أحكامها منصوص عليها في المواد السابقة ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 250 في الهامش ) .

 ( [7] ) وقد تضمن المشروع التمهيدي نصا يجمع الحالات التي يكون فيها العقد قابلا للإبطال . فنصت المادة 195 من هذا المشروع على ما يأتي :

 ” يعتبر العقد قابلا للإبطال في الأحوال الآتية :

ا ) إذا كان أحد المتعاقدين ناقص الأهلية .

ب ) إذا شاب الرضاء غلط أو تدليس أو إكراه أو استغلال .

ج ) إذا ورد في القانون نص خاص يقضي بأن العقد قابل للبطلان ” .

وقد حذفت هذه المادة في المشروع النهائي ” لأن أحكامها منصوص عليها في المواد السابقة ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 235 في الهامش ) .

 ( [8] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ترد أسباب البطلان المطلق إلى تخلف ركن من أركان العقد ، كعدم توافر الأهلية اطلاقاً بفقدان التمييز وانعدام الإرادة تفريعاً على ذلك أو كانتفاء الرضاء أو عدم وجود المحل حقيقة أو حكماً . وغنى عن البيان أن تخلف ركن من أركان العقد ، في حكم الواقع زوحكم القانون ، يحول دون انعقاده أو وجوده . وهذا هو ما يقصد بالبطلان المطلق . أما البطلان النسبي فهو يفترض قيام العقد أو وجوده من حيث توافر أركانه ولكن ركناً من أركانه هو الرضاء يفسد بسبب عيب يداخله ، أو بسبب نقص أهلية أحد العاقدين ، ولذلك يكون العقد قابلا للبطلان بمعنى أنه يبطل إذا طلب ذلك من شرع البطلان لمصلحته ، وهو من داخل رضاءه العيب أو من لم تكتمل أهليته . ومن الجلى أن قابلية العقد للبطلان إنما تمثل العقد في مرحلتين متتابعتين : الأولى مرحلة الصحة وينتج فيها العقد جميع آثاره ، والثانية مرحلة البطلان ويعتبر العقد فيها باطلا لا حكم له من وقت نشوئه . فليست ثمة مراحل ثلاث ، الصحة وقابلية البطلان والبطلان ، وإنما توجد مرحلتان ، الصحة والبطلان . وقد يقرر البطلان المطلق أو النسبي بمقتضى نص خاص في القانون ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 255 – ص 256 ) .

هذا ويمكن القول إن القوانين الأخرى ، من قديمة وحديثة ، تعرف تقسيم البطلان إلى مراتب متعددة ، وتجعل هذه المراتب متدرجة طبقاً لما ينتجه العقد الباطل من الآثار .

فالقانون الألماني يعرف البطلان المطلق والبطلان النسبي ( م 141 – 142 ) . بل إن الفقه الألماني يعرف العقد المنعدم .

ويميز قانون الالتزامات السويسري بين العقد الباطل بطلاناً مطلقاً ( م 11 و 19 و 20 ) والعقد الباطل بطلاناً نسبياً ( م 21 و 23 و 25 و 26 و 28 و 29 ) .

والقانون الإنجليزي يميز بين العقد الباطل بطلاناً مطلقاً ( void ) ويدخل فيه العقد المنعدم ، والعقد الباطل بطلاناً نسبياً ( voidable ) والعقد غير النافذ ( unenforceable ) . ويريد بالاخير عقد صحيحاً لا يمكن إثباته طبقاً للقواعد القانونية ، كعقد غير مكتوب لا يجوز إثباته بغير الكتابة . مثل هذا العقد لا يكون باطلا ولا يجوز طلب إبطاله ، ولكن لا تمكن المطالبة بتنفذه ، على أنه إذا نفذه الملتزم اختياراً فليس له أن يسترد ما فدع . وظاهر أن هذا الفرض هو إحدى حالات الالتزام الطبيعي في القانونين المصري والفرنسي ، ولما كان القانون الإنجليزي لا يعترف بالالتزام الطبيعي كنظرية عامة ، فقد وضع إحدى حالاته في نظرية البطلان .

أما الشريعة إسلامية فلها نظامها الخاص في تدرج العقد على مراتب متعددة من حيث ظهور أثره . ومراتب العقود حسب تدرجها من الضعف إلى القوة هي العقد الباطل ، ثم الفاسد ، ثم الموقوف ، ثم النافذ ، ثم اللازم وهو أقوى مراتب العقود من حيث ظهور الأثر . فالعقد الباطل ما ليس مشروعاً لا أصلاً ولا وصفاً ، أي ما كان في ركنه أو في محله حلل ، وهو لا ينعقد أصلاً ولا يفيد الملك في الأعيان المالية ولو بالقبض . والعقد الفاسد هو ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه ، بان يكون المعقود عليه أو بدله مجهولا جهالة فاحشة ، أو يكون العقد خالياً من الفائدة ، أو يكون مقروناً بشرط من الشرائط الموجبة لفساد العقد . وهو لا يفيد الملك في المعقود عليه إلا بقبضه برضا صاحبه . والعقد الموقوف هو ما كان العاقد فيه فضولياً تصرف في ملك غيره بلا إذنه ، أو كان صبياً مميزاً . فلا يظهر اثر العقد الموقوف ولا يفيد ثبوت الملك إلا إذا أجازه المالك في الصورة الأولى ، والولى أو الوصى في الصورة الثانية . والعقد النافذ هو ما صدر من ذى أهلية كاملة فيما يملك التصرف فيه . والعقد اللازم هو ما كان خالياً من خيارات أربعة : خيار التعيين وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية . ويستخلص من ذلك أن قواعد البطلان في الشريعة الإسلامية تختلف اختلافاً واضحاً عن قواعد البطلان في القانون الحديث .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

إثبات السبب في القانون المدني

إثبات السبب

295 – النصوص القانونية : نصت المادة 137 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – كل الالتزام لم يذكر له سبب في العقد يفترض أن له سببا مشروعا ، ما لم يقم الدليل على غير ذلك ” .

 ” 2 – ويعتبر السبب المذكور في العقد هو السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك ، فإذا قام الدليل على صورية السبب فعلي من يدعي أن للالتزام سببا أخر مشروعا أن يثبت ما يدعيه ” ( [1] ) .

وهذا النص لا مقابل له في القانون القديم ، ولكنه يقرر أحكاماً غير مستحدثة . فقد كان القضاء المصري يطبقها من قبل . ولم يفعل القانون الجديد إلا أن قننها لما لها من أهمية عملية .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أما فيما يتعلق بإثبات السبب فثمة قاعدتان اساسيتان : ( أولاهما ) افتراض توافر السبب المشروع في الالتزام ولو اغفل ذكره في العقد إلى أن يقوم الدليل على خلاف ذلك . ويكون عبء إثبات عدم وجود السبب أو عدم مشروعيته على عاتق المدين الذي يطعن في العقد . ( والثانية ) افتراض مطابقة السبب المذكور في العقد للحقيقة إلى أن يقيم المدين الدليل على صوريته . فإذا أقيم هذا الدليل وجب على الدائن أن يثبت توافر الالتزام على سبب حقيقي تلحق به صفة المشروعية ” ( [2] ) .

ويتبين مما تقدم أن هناك فرضين : ( الأول ) أن يكون السبب غير مذكور في العقد . ( والثاني ) أن يكون هناك سبب ذكر في العقد ( [3] ) . ونستعرض كلا من الفرضين .

296 – السبب غير مذكور في العقد : وهذا هو الفرض الوارد في الفقرة الأولى من المادة 137 . وقد كان المنطق القانوني يقضي بأن الدائن ، وهو المكلف بإثبات الدين ، هو الذي يثبت السبب لأن الدين لا يقوم بدونه . ولكن القانون الجديد وضع قرينة قانونية يفترض بمقتضاها أن للعقد سبباً مشروعاً ولو لم يذكر هذا السبب . على أن القرينة قابلة لإثبات العكس . فإذا ادعى المدين أن للعقد سبباً غير مشروع سمع منه ذلك وكلف هو بإثباته . وله الإثبات بجميع الطرق ، بما في ذلك البينة والقرائن ( [4] ) . وقد كان الفقه ( [5] ) والقضاء ( [6] ) في مصر يأخذان بهذه الأحكام دون نص ، فجاء القانون الجديد مؤيداً لها كما قدمنا .

ويلاحظ أنه إذا ادعى المدين أن للعقد سبباً غير مشروع واثبت ذلك ، فعليه أيضاً أن يثبت علم الدائن بهذا السبب . وله إثبات هذا العلم بجميع الطرق لأنه واقعة مادية . ويستوي في ذلك إلا يكون السبب مذكوراً في العقد أو أن يكون قد ذكر سبب صوري وثبت أن السبب الحقيقي غير مشروع كما سيأتي :

297 – السبب مذكور في العقد : وهذا هو الفرض الوارد في الفقرة الثانية من المادة 137 . وقد وضع النص هنا أيضاً قرينة قانونية على أن السبب المذكور في العقد هو السبب الحقيقي الذي رضى المدين أن يلتزم من اجله . والقرينة قابلة لإثبات العكس . فإذا ادعى المدين أن السبب المذكور في العقد ليس هو السبب الحقيقي ، بل هو سبب صوري يستر سبباً غير مشروع ، فله أن يتخذ أحد موقفين : ( 1 ) إما أن يقتصر على إثبات الصورية ، وفي هذه الحالة ينتقل عبء إثبات السبب الحقيقي ومشروعيته إلى الدائن ( [7] ) ، ( 2 ) وإما أن يثبت رأساً أن السبب الحقيقي للعقد غير مشروع .

فإذا أراد أن يثبت صورية السبب . وكانت قيمة التزامه تزيد على عشرة جنيهات ، وجب أن يثبت ذلك بالكتابة أو بما يقوم مقامها ( [8] ) . ويكون الأمر كذلك أيضاً حتى لو لم تزد قيمة الالتزام على عشرة جنيهات إذا كان السبب الضروري مكتوباً ، لأنه لا يجوز إثبات عكس المكتوب إلا بالكتابة .

وإذا أراد المدين أن يثبت رأساً عدم مشروعية السبب ، فله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن ، حتى لو كان السبب الصوري مكتوباً ، ومهما بلغت قيمة الالتزام ، لأن إخفاء عدم المشروعية غش ، والغش يجوز إثباته بجميع الطرق ( [9] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 192 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ط 1 – يفترض في كل التزام أن له سبباً مشروعاً ، ولو لم يذكر هذا السبب في العقد ، ما لم يقم الدليل على غير ذلك . 2 – ويعتبر السبب المذكور في العقد هو السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك . 3 – فإذا قام الدليل على صورية السبب أو على عدم مشروعيته فعلى من يدعى أن للالتزام سبباً آخر مشروعاً أن يثبت ما يدعيه ” . وقد اقترح في لجنة المراجعة إدماج الفقرتين الثانية والثالثة في فقرة واحدة وحذف عبارة ” أو على عدم مشروعيته ” من الفقرة الثالثة لأنها تنص على حالة من حالات صورية السبب ، واقترح أحد الاضعاء إدخال تعديل لفظي على الفقرة الأولى ، فوافقت اللجنة على هذه الاقتراحات ، وأصبح نص المادة النهائي ( م 141 ) مطابقا للنص الوارد في القانون الجديد . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ اقترح حذف العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية وهي : ” فإذا قام الدليل على صورية السبب فعلى من يدعى أن للالتزام سبباً آخر مشروعاً أن يثبت ما يدعيه ” ، لأن هذه العبارة ليست إلا تطبيقاً للقواعد العامة في الإثبات ، ولكن اللجنة انتهت آخر الأمر إلى إقرار بقائها . وأصبح رقم المادة 137 . ووافق مجلس الشيوخ عليها دون تعديل ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 229 – ص 232 ) .

 ( [2] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 227 .

 ( [3] ) سواء ذكر في السند المكتوب الذي يثبت العقد أو ذكر عند التعاقد ذاته . وغنى عن البيان أن السبب الذي يذكر في العقد هو الباعث الدافع إلى التعاقد ، وإن كان الباعث قل أن يذكر في العقد . ويبدو أن نص المادة 137 من القانون الجديد أكثر مسايرة للسبب بمعناه في النظرية التقليدية ، لاسيما عندنا تتحدث المذكرة الإيضاحية عن عبء إثبات عدم وجود السبب ، ولكن لا شيء يمنع من أن يذكر السبب بمعنى الباعث في العقد ، وعندئذ يعتبر هذا السبب المذكور هو السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على صورية السبب أو على عدم مشروعيته .

 ( [4] ) نقض مدني في 7 ديسمبر سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 151 ص 284 – وفي 11 يناير سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 182 ص 517 – استئناف وطني في 18 مارس سنة 1914 المجموعة الرسمية 15 رقم 82 ص 161 – محكمة استئناف مصر في 13 مايو سنة 1943 المحاماة 26 رقم 49 ص 105 .

وهناك فرق بين عقد غير مذكور سببه وعقد مجرد : الأول إذا اثبت المدين أن له سبباً غير مشروع يكون باطلا كما رأينا ، أما الثاني فلا يبطل ولكن يدفع بدعوى الإثراء بلا سبب فيتخلص منه المدين إذا كان لم يوفه أو يسترده إذا كان قد وفاه . وقد تقدم ذكر ذلك في التصرف المجرد .

 ( [5] ) دى هلتس 3 ص 117 فقرة 14 – هالتون 1 ص 241 – والتون 1 ص 102 – عبد السلام ذهني بك فقرة 173 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 549 – الدكتور حلمي بهجت بدوي فقرة 106 – الدكتور حشمت أبو ستيت فقرة 244 .

 ( [6] ) استئناف مختلط في 10 مارس سنة 1897 م ) ص 190 – وفي 2 فبراير 1911 م 23 ص 151 – وفي 26 فبراير سنة 1930 م 42 ص 324 – وفي 13 مايو سنة 1931 – م 43 ص 390 – وفي أول ابريل سنة 1943 م 55 ص 116 – وفي 19 يونية سنة 1945 م 57 ص 183 .

 ( [7] ) ومن ذلك نرى أن السبب إذا لم يذكر في العقد فهو مفروض ، وعلى المدين إثبات العكس . أما إذا ذكر واثبت المدين صوريته فإن عبء الإثبات السبب الحقيقي ينتقل إلى الدائن ( نقض مدني في 3 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 67 ص 138 – وفي 28 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 165 ص 469 ) . وانظر في أحكام القضاء المصري هذه المسألة نظرية العقد للمؤلف ص 579 هامش رقم 2 .

وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا اقر الدائن بعدم صحة السبب الوارد في سند الدين وذكر سبباً آخر مشروعاً على أنه السبب الحقيقي ، كان إقراره هذا غير قابل للتجزئة ، وكان الالتزام قائماً وصحيحاً ما لم يثبت المدين أن هذا السبب الأخير غير صحيح ( 15 ابريل سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 52 ص 150 – وفي هذا المعنى استئناف مختلط في 22 مارس سنة 1933 م 45 ص 209 ) .

 ( [8] ) وقد قضت محكمة النقض بان عقد القرض يجوز إثبات صورية سببه بالأوراق الصادرة من المتمسك به ، فإذا كانت سندات الدين مذكوراً فيها أن قيمتها دفعت نقداً ، ثم أتضح من الرسائل الصادرة من مدعية الدين إلى مدينها في مناسبات وظروف مختلفة قبل تواريخ السندات وبعدها إنها كانت تستجدي المدين وتشكر له احسانه وتبرعه لها ، فهذه الرسائل يجوز اعتبارها دليلا كتابياً كافياً في نفي وجود قرض حقيقي ( 10 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 67 ص 138 – ويلاحظ أن السبب هنا مفهوم بالمعنى المعروف في النظرية التقليدية ، ويغني عنه ركن التراضي على عقد القرض ، فيكون عقد القرض ذاته في هذه القضية هو العقد الصوري ، ولا محل للكلام في صورية السبب ، إلا إذا اتخذت طبيعية العقد قرينة على سببه ، وهذا ما يقع غالباً ) .

 ( [9] ) استئناف مصر الطنية في 14 ديسمبر سنة 1922 المجموعة الرسمية 25 رقم 34 / 1 – وفي 12 مارس سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 رقم 126 ص 324 – وفي 23 يناير سنة 1932 المحاماة 12 رقم 24 ص 69 – استئناف مختلط في 7 يونية سنة 1917 م 29 ص 489 – وفي 22 يناير سنة 1919 م 31 ص 136 – وفي 31 مايو سنة 1923 م 35 ص 483 – وفي 20 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 104 – هذا وإذا تبين أن سبب السند هو الربا الفاحش فللمدين إثبات ذلك بجميع الطرق لأن السبب غير مشروع ( استئناف مصر الوطنية في 12 مارس سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 رقم 126 ص 324 – استئناف مختلط في 25 نوفمبر سنة 1896 م 9 ص 37 – وفي 22 ديسمبر سنة 1897 م 10 ص 48 ) . على أن مجرد الادعاء بوجود الربا الفاحش لا يكفي للتخريص في إثباته ، إذ أنه لاي جوز قبول الإثبات بالينة على ما ياخلاف المكتوب ما لم تدل الوقائع الثابتة في الدعوى على أن هناك قرائن قوية على وجود الربا الفاحش ( استئناف وطني في 2 ابريل سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 89 – وفي 29 مارس سنة 1917 المجموعة الرسمية 18 رقم 69 – استئناف مختلط في 3 ديسمبر 1930 جازيت 22 رقم 310 ص 263 – وفي 4 مارس سنة 1931 جازيت 22 رقم 307 ص 263 ) . فإذا نبت أن هناك فوائد ربوية ، فعلى الدائن أن يثبت كم كان المقدار المقترض ، فإذا لم يثبت ذلك فإن المحكمة تقبل اعتراف المدين ( استئناف مختلط في ) ديسمبر سنة 1930 جازيت 22 رقم 307 ص 263 وهو الحكم الذي سبقت الإشارة إليه ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

نظرية السبب في القانون المصري الجديد

نظرية السبب في القانون المصري الجديد

288 – مسائل ثلاث : تلقى القانون الجديد النظرية الحديثة في السبب ميراثاً عن القانون القديم والقضاء المصري ، فقد كان الفقه والقضاء في مصر ، قبل صدور القانون الجديد ، قد عبد الطريق لنبذ النظرية التقليدية الضيقة وتلقى النظرية الحديثة الخصبة . ولكن القانون الجديد خطأ خطوة أخرى إلى الإمام ، إذ ارجع السبب سيرته الأولى عندما كان في يد الفقهاء الكنسيين عاملا لحماية المشروعية قبل أن يكون عاملا لتحصين الإرادة من عيوبها . ففصل ما بين منطقة السبب ومنطقة الغلط ، واقتصر في شروط السبب على المشروعية دون الصحة . ثم عرض في نص هام لإثبات السبب .

فنحن نستعرض هنا مسائل ثلاث : ( 1 ) اعتناق القانون الجديد للنظرية الحديثة في السبب . ( 2 ) الفصل ماب ين منطقة السبب ومنطقة الغلط في القانون الجديد . ( 3 ) إثبات السبب .

1 – اعتناق القانون الجديد للنظرية الحديثة في السبب

289 – النصوص القانونية : نص القانون الجديد في المادة 136 على ما يأتي :

 ” إذا لم يكن للالتزام سبب ، أو كان سببه مخالفا للنظام العام أو الآداب ، كان العقد باطلا ( [1] ) ” .

وكان القانون القديم ينص في المادتين 94 / 148 على أنه ” يشترط لصحة التعهدات أن تكون مبنية على سبب صحيح جائز قانوناً ” .

ونلاحظ منذ الآن الفرق ما بين النصين . فنص القانون القديم يشترط في السبب الصحة والمشروعية . أما نص القانون الجديد فلا يشترط إلا المشروعية ، إذ السبب غير الصحيح يدخل في منطقة الغلط كما قدمنا .

ولم يصرح القانون الجديد فيما أورده من نص بالمعنى الذي يقصده من ” السبب ” . ولكن لا شك في أنه يعتنق النظرية الحديثة ، وينبذ النظرية التقليدية . فقد كان هذا هو شان القانون القديم ، وهو لا يزيد في صراحة التعبير عن القانون الجديد . وكان الفقه والقضاء في مصر يفسران عبارات القانون القديم على معنى النظرية الحديثة لا على معنى النظرية التقليدية . ولم يقطع القانون الجديد صلته بهذه التقاليد ، بل هو قد تأثر بنوع خاص بتقاليد القضائين المصري والفرنسي . وقد ذكر ذلك صراحة في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إذ ورد فيها ما يأتي : ” لم ينهج المشروع نهج التقنينات الجرمانية بشان نظرية السبب ، بل اختار على النقيض من ذلك مذهب التقنينات اللاتينية وانتصر معها لهذه النظرية . والواقع أن السبب كما يصوره القضاءان الفرنسي والمصري بمعنى الباعث المستحث يدخل في نطاق القانون المدني عنصراً نفسياً من عناصر الأخلاق يحد من نزعته المادية ، وهي بعد نزعة يشتد طغيانها في بعض الأحيان ” ( [2] ) . وجاء في موضع آخر من المذكرة الإيضاحية ما يأتي : ” يقصد بالسبب معناه الحديث كما يتمثله القضاءان المصري والفرنسي في العصر الحاضر . فهو بهذه المثابة الباعث المستحث في التصرفات القانونية عامة لا فرق في ذلك بين التبرعات والمعاوضات ” ( [3] ) .

فالسبب إذن ، في نظر القانون الجديد ، هو الباعث الدافع إلى التعاقد ( cause impulsive ) لا مجرد الغرض المباشر المقصود في العقد ( cause finale ) . وهو أمر نفسي خارج عن العقد يتغير بتغير البواعث . وكل ما أوردناه عن النظرية الحديثة في السبب ينطبق في القانون الجديد . و لا بد في القانون الجديد أيضاً من أن يكون السبب معلوماً من المتعاقد الآخر ، فإذا كان الباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد غير مشروع ، ولم يكن المتعاقد الآخر يعلم بهذا الباعث وليس في استطاعته أن يعلم به ، فعدم المشروعية هنا لا يعتد به ، ويكون العقد صحيحاً ، ويقوم لا على الإرادة الحقيقية فهي غير مشروعة ، ولكن على الإرادة الظاهرة ، شأنه في ذلك شأن العقد الذي يقوم على إرادة معيبة بغلط أو تدليس أو إكراه ولا يعلم المتعاقد الآخر بالعيب ولا يستطيع أن يعلم به ، وقد مر بنا ذلك ( [4] ) .

وهذه النظرية الحدية التي أخذ بها القانون الجديد سبقه إليها ، كما قدمنا ، الفقه والقضاء في مصر . ونعرض الآن لكل منهما .

290 – الفقه في مصر : أخذ بعض الفقهاء في مصر بالنظرية التقليدية في السبب ، ونقولها عن الفقهاء الفرنسيين كما أوردناها فيما تقدم ( [5] ) .

ولكن كثرة الفقهاء جاوزوا النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة ، وهي نظرية القضاء الفرنسي ، فأثروها على النظرية التقليدية ( [6] ) .

وهناك من الفقهاء من قال بازدواج السبب ، فاستبقى النظرية التقليدية وأكملها بالنظرية بالحديثة على غرار التقنين اللبناني ( [7] ) .

ونحن لا نرى مقتضياً لا ستبقاء النظرية التقليدية وتكميلها بالنظرية الحديثة . وقد رأينا فيما قدمناه أن النظرية التقليدية لا نفع فيها والاستغناء عنها ميسور . هذا إلى أن ربط النظريتين إحداهما بالأخرى هو ربط بين نظريتين يختلفان كل الاختلاف في النزعة وفي الأصل التاريخي . وقد رأينا أن إحداهما تسربت إلينا عن الفقهاء الرومانيين في القرون الوسطى وهي تحمل اثر الصنعة الرومانية ، والأخرى تلقيناها عن الفقهاء الكنسيين وقد بنوها على أصول خلقية دينية وبعدوا بها عن الصياغة الرومانية بعد أن حرروا الإرادة من قيودها الشكلية . ففيم إذن الربط بين نظريتين متنافرتين كل هذا التنافر ! وما الجدوى في هذا الربط ، والنظرية التقليدية يمكن الاستغناء عنها ، والنظرية الحديثة فيها وحدها كل الغناء !

291 – القضاء في مصر : والقضاء في مصر كان أكثر تمشياً مع الفقه مع النظرية الحديثة ، فأخذ بها في كثير من أحكامه ، وقد اقتفى في ذلك اثر القضاء في فرنسا .

فقضت محكمة الاستئناف الوطنية في دعوى ثبت فيها أن شخصاً أودع عقداً عند رجل يأتمنه ، فاتفق ابن المودع مع الأمين على أن يسلمه العقد المذكور في مقابل أن يكتب له عقداً ببيع سبعة أفدنة – بان هذا البيع باطل لأن السبب فيه غير مشروع ، وأن الأمين الخائن لا حق له في طلب ملكية العين ولا في الثمن ( [8] ) . ويلاحظ في هذه القضية أن البيع إذا كان جدياً دفع المشتري فيه ثمناً ، كان عقداً ملزماً للجانبين اعتبر السبب فيه هو الباعث الدافع . أما إذا كان ، كما هو الغالب ، هبة في صورة بيع ، كان تبرعاً أبطله القضاء لعدم مشروعية الباعث على اعتبار أن الباعث هو السبب – وقضت هذه المحكمة أيضاً بأنه إذا كان الباعث لتبرع الخليل لخليلته هو استبقاء العلاقة غير الشريفة بينهما كان العقد باطلا ، أما إذا . كان الباعث هو تعويض الخليلة عما أصابها من الضرر بسبب هذه المعاشرة غير الشرعية بعد أن انقطعت فالباعث يكون مشروعاً والتبرع يكون صحيحاً ( [9] ) – وقضت محكمة الزقازيق الكلية بأن القضاء قد جرى على اعتبار الباعث في مرتبة واحدة مع السبب المباشر وذلك في حالة ما إذا كان العاقد الآخر يعلم بهذا الباعث ، ويعتبر الباعث في هذه الحالة أمراً ملاحظاً في العقد وانه بدونه لا يمكن أن يتم العقد ( [10] ) .

على أن النظرية التقليدية في السبب لم تعدم لها مكاناً في القضاء الوطني ، وقد تردد صداها في بعض الأحكام . فقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأنه لا محل للبحث في عقد البيع في الأسباب التي يدعيها البائع كباعث على صدور العقد ، لأن الباعث من الأمور التي لا يلتفت إليها في صحة العقد ، وهو والسبب الصحيح أمران مختلفان لا يصح الخلط بينهما ( [11] ) . وقضت محكمة النقض بان السبب القانونين في عقد القرض هو دفع المقرض نقداً إلى المقترض ، ومن هذا الدفع يتولد الالتزام برد المقابل ، فإذا انتفى السبب هذا المعنى بطل العقد ( [12] ) . ويجوز أن يؤول حكم محكمة استئناف مصر بأن الباعث لم يكن معلوماً من الطرف الآخر فلا يعتد به ، وأن يؤول حكم محكمة النقض بان السبب الذي عنته في حكمها هو السبب المنشيء لعقد القرض .

وقد كان القضاء المختلط أكثر إمعاناً من القضاء الوطني في الأخذ بالنظرية الحديثة في السبب . وإذا كانت محكمة الاستئناف المختلطة قضت في حكم قديم لها ( [13] ) بان الإيجار أو القرض لا يكون باطلا حتى لو كان المستأجر أو المقترض قصد إدارة العين للعهارة أو استعمال المبلغ المقترض في إدارة العين للعهارة ، وحتى لو كان المؤجر أو المقترض عالماً بذلك ، فقد هجرت بعد ذلك هذه النظرية التقليدية ، وأخذت في أحكام كثيرة بالنظرية الحديثة . فقضت بان بيع اسلحة محرم استيرداها إلى مصر يكون باطلا لعدم مشروعية السبب متى كان البائع عالماً بهذا التحريم ( [14] ) . وقضت بان اتفاق البائع والمشتري على الثامن الحقيقي للصفقة ، مع بقائه مخفياً حتى يذكرا ثمناً صورياً أقل من الثمن الحقيقي ، فيتمكن المشتري بذلك من تخفيض رسوم التسجيل بطريق الغش ، يكون اتفاقاً باطلاً لعدم مشروعية السبب ، ولا يستطيع المشتري التمسك بالثمن الحقيقي في مواجهة الشفيع ، كما لا يستطيع البائع التمسك بهذا الثمن في مواجهة المشتري ( [15] ) . وقضت بان عقد القرض يكون باطلا إذا قصد المقترض منه أن يتمكن من المقامرة وكان المقرض عالماً بهذا القصد ( [16] ) ، لكن إذا ثبت أن المقترض لم يستعمل القرض فعلا ي المقامرة فإن الدليل على القصد غير المشروع لا يقوم ويكون عقد القرض صحيحا ( [17] ) . وقضت بان التوكيل المعطي لسمسار لعقد صفقات بقصد المضاربة في البورصة عقد باطل لعدم مشروعية السبب ( [18] ) ، ولكن قصد المضاربة يجب أن يكون معلوماً من السمسار وإلا فلا يعتد به ( [19] ) . وقضت محكمة الإسكندرية التجارية المختلطة بأنه إذا كان الباعث على التبرع استبقاء العلاقة ما بين الخليل وخليلته كان العقد باطلا ، أما إذا كان هو التعويض عما أصاب الخليلة من الضرر بسبب المعاشرة فالباعث مشروع والعقد صحيح ( [20] ) . ولم يكن القضاء المختلط يعتبر التبرع لولد غير شرعي باطلا ، بل يعتبره وفاء لا لتزام طبيعي ، ويعطيه حكم الوصية فيجوز فيما لا يزيد عن الثلث ( [21] ) .

وإذا كان القاضي المصري – لا سيما القضاء الوطني – قد أخذ في الماضي بالنظرية التقليدية في بعض أحكامه ، فلم يعد بعد صدور القانون الجديد محل للأخذ بهذه النظرية . وأصبح من المتعين الآن الأخذ بالنظرية الحديثة التي اعتنقها القانون الجديد ، على ما تصرح به الأعمال التحضيرية فيما قدمناه .

2 – الفصل ما بين منطقة السبب ومنطقة الغلط في القانون الجديد

292 – إبعاد ” السبب غير الصحيح ” من دائرة السبب إلى دائرة الغلط : قدمنا عند الكلام في نظرية الغلط أن التمييز بين السبب غير الصحيح والغلط في الباعث كان مفهوماً وقت أن كانت النظرية التقليدية في كل من الغلط والسبب قائمة . فالنظرية التقليدية في الغلط كانت تميز بين الغلط في السبب وهو يجعل العقد باطلا ، وبين الغلط في الباعث وهو لا يؤثر في صحة العقد ، والنظرية التقليدية في السبب كانت تميز بين السبب أي الغرض المباشر من الالتزام وهو الذي يعتد به ، وبين الباعث وهو عديم الأثر ، ومن ثم كان مفهوماً أن الغلط في السبب يجعل العقد باطلا وأن الغلط في الباعث لا يؤثر في صحة العقد ، لأن السبب بالمعنى التقليدي ألصق بالعقد من الباعث فالغلط فيه أمر خطير من شأنه أن يعدم العقد ، أما الباعث فأمر خارجي عن العقد فلا يعتد بالغلط فيه .

ثم تطورت نظرية الغلط ، فاستبدلنا بالنظرية التقليدية النظرية الحديثة . وأصبح الغلط في الباعث طبقاً لهذه النظرية الأخيرة يجعل العقد قابلا للإبطال . فإذا نحن واجهنا هذه النظرية الحديثة في الغلط بالنظرية التقليدية في السبب ، بقى الفرق قائماً بين الغلط في السبب بمعناه التقليدي وهو الغرض المباشر من الالتزام وبين الغلط في الباعث وهو أمر خارجي عن العقد ، وأمكن تبرير الفرق في الحكم : فالغلط في السبب اللصيق بالعقد يجعل العقد باطلا ، أما الغلط في الباعث الخارج عن العقد فلا يجعل العقد إلا قابلا للإبطال .

ولكن لما تطورت نظرية السبب هي الأخرى واستبدلنا بالنظرية التقليدية النظرية الحديثة ، وأصبح السبب هو عين الباعث ، لم يعد هناك محل للتمييز بين الغلط في السبب بهذا المعنى الجديد وبين الغلط في الباعث . فكلاهما غلط في الباعث . ووجب إذن أن ندرك أن نظرية الغلط قد اتسعت دائرتها كما اتسعت دائرة نظرية السبب ، حتى تدخلت كل دائرة في الأخرى ، فأصبحت هناك منطقة مشتركة بين الدائرتين يتعين أن نستخلصها لاحداهما ، وإلا وقعنا في المحظور الذي أشرنا إليه عند الكلام في نظرية الغلط ، ووقع خلط عجيب ما بين نظريتي السبب والغلط ، إذ تبقى هذه المنطقة المشتركة فيما بينهما يتنازعها كل منهما ، فإذا سميناها بالسبب غير الصحيح أو السبب المغلوط ( cause erronee ) كان العقد باطلا ، وإذا سميناها بالغلط في الباعث ( erreur sur le motif ) كان العقد قابلا للإبطال ( [22] ) .

لذلك كان لا بد من التأمل فيما صارت إليه الأمور بعد تطور نظرية السبب ونظرية الغلط واستبدال النظرية الحديثة في كل منهما بالنظرية التقليدية . وقد لفت ذلك نظر بعض الفقهاء ، ولكنهم لم يشيروا في ذلك برأي حاسم ( [23] ) .

أما القانون الجديد فقد وقف موقفاً صريحاً من هذه المنطقة المشتركة ما بين السبب والغلط ، واعتبر أن السبب غير الصحيح ( أو السبب المغلوط ) هو والغلط في الباعث شيء واحد ، كلاهما غلط في الباعث كما قدمنا ، وكلاهما يجعل العقد قابلا للإبطال . وبعد أن كانت المنطقة المشتركة المشار إليها يتنازعها كل من السبب والغلط على النحو الذي بيناه ، استخلصها القانون الجديد للغلط ، واختفى من نصوص السبب في القانون الجديد النص الخاص بالسبب غير الصحيح . وهذا النظر تبرره اعتبارات منطقية واعتبارات تاريخية .

أما الاعتبارات المنطقية فترجع إلى أنه بعد أن اتسعت فكرة السبب فأصبح السبب هو الباعث ، فإن الغلط فيه لم يعد هو الغلط في السبب الضيق اللصيق بالعقد الذي تقول به النظرية التقليدية في السبب ، بل صار هو عين الغلط في الباعث الذي تقول به النظرية الحديثة في الغلط . ووجب أن يعطي الغلط في السبب إلى دائرة الغلط ، ولا يصبح هناك محل للكلام عن السبب غير الصحيح في نظرية السبب ، فهو لا يزيد على أن يكون غلطاً في الباعث ، ومحل الكلام عنه إنما يكون في نظرية الغلط . أما الغلط في السبب بمعناه التقليدي فقد قدمنا أنه غلط يمنع من تكوين العقد لانعدام الرضاء أو لانعدام المحل ، فالكلام فيه هو أيضاً لا يكون في نظرية السبب ( [24] ) .

وأما الاعتبارات التاريخية فترجع إلى تاريخ نظرية السبب ، وكيف استخدم الفقهاء الكنسيون هذه الفكرة بعد أن حرروا الإرادة من قيود الشكل على ما قدمنا . فقد رأينا إنهم هم الذين صنعوا نظرية السبب ، وجعلوا منها نظرية خصبة منتجة . وقد استخدموها بادئ الأمر لحماية مصلحة عامة هي المشروعية . ثم أقحموا بعد ذلك على السبب غرضاً آخر بعيداً عن الغرض الأول ، فاستخدموا نظرية السبب لحماية مصلحة خاصة فردية هي تحرير الإرادة من عيب الغلط . فمن وقع في غلط فعه إلى التعاقد ، كمن تعاقد لسبب غير مشروع ، يستطيع أن يتمسك بنظرية السبب . وظاهر أن فكرة الغلط دخيلة على نظرية السبب ، فالأولى تحمي مصلحة خاصة للأفراد ، أما الأخرى فتحمي مصلحة عامة للجماعة . والأولى إلى رجاع نظرية السبب سيرتها الأولى ، فتتمحض لحماية المصلحة العامة . وينتقل السبب غير الصحيح إلى دائرة الغلط ، ولا يبقى في دائرة السبب إلا السبب غير المشروع . وهذا ما فعله القانون الجديد .

293 – لا يوجد للسبب في القانون الجديد إلا شرط واحد هو أن يكون مشروعاً : ومن ثم لا نجد في القانون الجديد عبارة ” السبب الصحيح ” التي كنا نقرأها في القانون القديم ، فقد اختفت وأخلت باختفائها الميدان للسبب المشروع وحده . وقد رأينا أن المادة 136 من القانون الجديد تنص على أنه إذا لم يكن للالتزام سبب أو كان سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب ، كان العقد باطلا . وكان القانون القديم في المادتين 94 / 148 يتطلب لصحة التعهدات والعقود أن تكون مبنية على سبب صحيح جائز قانوناً .

فلا يشترط إذن في السبب إلا شرط واحد هو أن يكون مشروعاً . ومن أجل المشروعية وحدها قامت نظرية السبب أول ما قامت ، واليها وحدها عادت في القانون الجديد .

والواقع من الأمر أن السبب ، بمعنى الباعث الدافع على التعاقد ، يجب استبقاؤه ، على إلا يستخدم إلا لحماية المشروعية في التعاقد . ذلك أنه هو وحده الذي يستطيع أن يقوم بهذه الحماية في صورة السبب المشروع ، ولا يغني عنه ركن آخر ، لا ركن المحل ولا ركن الرضاء ( [25] ) . ولكن عند هذا الحد يجب أن تقف مهمته ، فلا تجاوز ذلك إلى حماية العاقد ضد الغلط في صورة السبب الصحيح ، فإن نظرية الغلط تغني عندئذ عن نظرية السبب ، بل وتفضلها من حيث الجزاء .

وقد فهم القضاء ، في مصر وفي فرنسا ، وهو يلامس الحياة العملية ، مهمة السبب على هذا الوجه فتراه يكاد يقتصر على السبب غير المشروع في إبطال العقد . وقل أن تجد تطبيقاً قضائياً لما يدعى بالسبب غير الصحيح إذ هو يختلط في العمل بالغلط . ويكفي للتثبت من ذلك استظهار ما أوردناه من أحكام القضاء المصري والفرنسي في السبب لنراها جميعاً قد عرضت للسبب غير المشروع لا للسبب غير الصحيح ( [26] ) . وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن القضاء قد اتجه اتجاهاً عملياً منتجاً في نظرية السبب . وقد قام على هذا النحو بمهمته خير قيام . أما الفقه فلا يزال مطلوباً منه أن يقوم بمهمته هو الآخر ، فيعين القضاء على شق طريقه ، ويصوغ له نظرية جديدة في السبب تتمشى مع مقتضيات العمل . وقد سبق القانون الجديد الفقه إلى ذلك ، فخطا بنظرية السبب خطوة جديدة حاسمة في تاريخ تطوره الحديث . فاتسع أفق السبب بعد هذا الضيق الذي كان ملحوظاً في النظرية التقليدية ، وخلص من الشوائب التي كانت تعتريه من جراء اختلاطه بنظرية غريبة عنه هي نظرية الغلط .

294 – مأخذان على القانون الجديد : على أن هناك مأخذين على القانون الجديد ، تمعا في العبارة التي صدرت بها المادة 136 . فقد جاء في صدر هذه المادة : ” إذا لم يكن للالتزام سبب ” . فالسبب قد نسب إلى الالتزام ، وكان الأولى أن ينسب إلى العقد إذ هو متلازم مع الإرادة كما رأينا . ثم افترض النص احتمال أن يكون هناك التزام دون سبب ، وهذا احتمال لا يتصور ، فما دمنا نجعل السبب هو الباعث ، فكل إرادة لا بد أن يكون لها باعث إلا إذا صدرت من غير ذي تمييز ( [27] ) .

والعبارة التي ننتقدها أليق بالنظرية التقليدية ، ففي هذه النظرية ينسب السبب إلى الالتزام ويتصور أن يكون غير موجود . ولكن لا يجوز أن يفهم منذ لك أن القانون الجديد قد استبقى النظرية التقليدية ، فإن الأعمال التحضيرية صريحة في أنه قد نبذها واعتنق النظرية الحديثة ( [28] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادتين 189 و 190 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : م 189 : يكون العقد باطلا إذا التزم المتعاقد دون سبب أو لسبب غير مشروع – م 190 – كي كون السبب غير مشروع إذا كان مخالفاً للنظام العام أو للآداب . وفي لجنة المراجعة ادمجت المادتان في مادة واحدة على الوجه الآتي : ” إذا لم يكن للالتزام سبب ، أو كان سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب ، كان العقد باطلا ” . وأصبح رقم المادة 140 في المشروع النهائي – ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وكذلك فعلت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، وأصبح رقم المادة 136 . ووافق عليها مجلس الشيوخ دون تعديل ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 226 – ص 228 ) .

 ( [2] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 225 . وقد أشارت المذكرة الإيضاحية إلى تعديلين استحدثهما القانون الجديد فقالت : ” ورغم أن المشروع قد التزم حدود التصوير التقليدي للسبب كما ارتسمت معالمه في التقنينات اللاتينية ، إلا أنه عرض له بتعديلين متفاوتي الأهمية . فيراعى أولاً أنه اقتصر على رد عدم مشروعية السبب إلى تعارضه مع النظام العام أو الآداب دون أن يشير إلى مخالفته لنص من نصوص القانون . وهو بإغفال هذه الإشارة يخالف ما اتبعه التقنين الفرنسي وأكثر التقنينات اللاتينية معتدا في ذلك بعين الاعتبارات التي أملت عليه مسلكه فيما يتعلق بعدم مشروعية المحل . والواقع أنه قد يؤخذ على الإشارة إلى مخالفة السبب لنص من نصوص القانون إفراطها في السعة أو تجردها من الفائدة . فهي تجاوز حدود المقصود إذا صرفت عبارة ” نص القانون ” إلى الأحكام التشريعية كافة . وهي تصبح عديمة الغناء إذا اقتصر المقصود من هذه العبارة على الأحكام الامرة التي لا يجوز الخروج عليها بمشيئة الأفراد . ويراعى من ناحية أخرى أن المشروع قد اغفل ذكر ” السبب الصحيح ” ، وهو ما يكون غير مطابق للواقع ، وهذا هو أهم التعديلين ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 225 ) .

 ( [3] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 227 .

 ( [4] ) وقد يقال أيضاً – كما قيل في صدد الغلط والتدليس والإكراه – إن العقد يقوم لا على التراضي ، بل على سبيل التعويض .

 ( [5] ) أنظر الدكتور عبد السلام ذهني بك في النظرية العامة في الالتزامات ص 145 وما بعدها – الدكتور محمد صالح بك في أصول التعهدات ص 264 وما بعدها .

 ( [6] ) أنظر والتون 1 ص 61 – ص 63 – الدكتور محمد وهيبة في النظرية العامة في الالتزامات فقرة 318 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 544 – فقرة 548 .

 ( [7] ) وقد أشارت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إلى نظرية السبب المزدوجة التي أخذ بها التقنين اللبنانين ولم يأخذ بها القانون الجديد ، فقالت في هذا الصدد ما يأتي : ” ويفرق ا لتقنين اللبنانين بين سبب الالتزام وسبب العقد ( م 194 ) . فسبب الالتزام هو الباعث الذي يدفع إليه مباشرة . وهو بهذا الوصف يتمثل في صورة واحدة في كل ضرب من ضروب الالتزام ، ويعتبر جزءاً من التعاقد نفسه . فهو في العقود الملزمة للجانبين الالتزام المقابل ، وفي العقود العينية تسلم المعقود عليه ، وفي التبرعات نية التبرع ، وفي المعاوضات الملزمة لجانب واحد التزام مدني أو طبيعي كان قائماً بين المتعاقدين قبل التعاقد ( م 195 ) . أما سبب العقد فهو الباعث الشخصي الذي يدعو المتعاقد إلى إبرامه ، وهو لا يعتبر شقاً من التعاقد ، فهو يختلف باختلاف الأحوال في العقد الواحد . بيد أن هذه التفرقة ليست في الواقع إلا إبقاء على التمييز بين دلالة السبب في الفقه التقليدي وبين دلالته الحديثة كما استخلصها القضاء . ولما كان التصوير التقليدي ضيق الحدود فقد رؤى الإعراض عنه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 227 ) – أنظر أيضاً جوسران 2 فقرة 148 .

وممن يقول بازدواج السبب الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 242 ، وهو صريح في هذا المعنى . أنظر أيضاً الدكتور بهجت بدوي بك ص 173 – ص 174 .

 ( [8] ) 24 فبراير سنة 1915 الشرائع 2 رقم 216 ص 210 .

 ( [9] ) 13 يونية سنة 1909 المجموعة الرسمية 11 رقم 3 ص 6 – الحقوق 24 ص 230 .

 ( [10] ) 20 فبراير سنة 1930 المحاماة 11 رقم 39 ص 72 .

 ( [11] ) 26 نوفمبر سنة 1929 المحاماة 10 رقم 147 ص 295 .

 ( [12] ) 3 نوفمبر سنة 1932 مجلة القانون والاقتصاد 3 ص 476 .

 ( [13] ) 22 نوفمبر سنة 1877 المجموعة الرسمية للقضاء المختلط 3 ص 18 .

 ( [14] ) 27 يناير سنة 1909 م 21 ص 136 .

 ( [15] ) 22 يناير سنة 1924 م 36 ص 170 – ولمحكمة النقض قضاء في مسألة كهذه في حكم لها صدر اخيراً ( لم ينشر بعد ) ذهبت فيه إلى أن الشفيع يعتبر من الغير بالنسبة إلى الثمن الصوري ، فله أن يأخذ به دون الثمن الحقيقي ما دامت له مصلحة في ذلك . وعندهنا أن الشفيع لا يعتبر من الغبر في عقد البيع الذي ذكر فيه الثمن الصوري المخفض ، لأن الغير في الصورية هو شخص ثبت له حق على العين محل التصرف الصوري دون أن يكون هذا الحق ناشئاً عن التصرف الصوري ذاته ، والشفيع شخص ثبت له حق على العين الشمفوعة نشا عن البيع الصوري فلا يكون ” غيراً ” . وإذا أراد الأخذ بالشفعة وجب أن يدفع الثمن الحقيقي ، قل هذا الثمن عما هو مذكرو في العقد أو زاد . وسنعرض لهذه المسألة بتفصيل أوفى عند الكلام في الصورية .

أما قضاء محكمة الاستئناف المختلطة الذي أوردناه هنا ، فوجه الاستشهاد به أنه يأخذ بالنظرية الحديثة في السبب ، ولكن نأخذ عليه أنه إذا اعتبر الاتفاق على الثمن الحقيقي باطلا لعدم مشروعية السبب ، وجب أيضاً أن يعتبر الاتفاق على الثمن الصوري غير موجود لصوريته ، فيسقط الاتفاق في الحالتين . ولا يستطيع الشفيع أن يتمسك لا بالثمن الصوري ولا بالثمن الحقيقي . بل هو لا يستطيع الأخذ بالشفعة إطلاقاً لن البيع الذي يريد بسببه الأخذ بالشفعة ير موجود لانعدام الثمن .

 ( [16] ) 25 فبراير سنة 1897 م 9 ص 194 – 15 مايو سنة 1929 م 41 ص 394 .

 ( [17] ) 24 يونية سنة 1931 جازيت 22 رقم 279 ص 249 .

 ( [18] ) 16 مارس سنة 1933 م 45 ص 203 .

 ( [19] ) 5 ديسمبر سنة 1934 م 47 ص 50 .

 ( [20] ) 8 يونية سنة 1916 جازيت 6 رقم 536 ص 176 .

 ( [21] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 10 مارس سنة 1897 م 9 ص 190 .

 ( [22] ) أنظر آنفاً فقرة 173 .

 ( [23] ) من ذلك ما ورد في بلانيول وريبير وبولانجيه ( الطبعة الثالثة 1949 ) 2 فقرة 205 وفقرة 304 وفقرة 824 ( وقد سبقت الإشارة إليها آنفاً في حاشية الفقرة 173 من هذا الكتاب ) من أن الغلط في الباعث هو في الواقع غلط في السبب ، والجزءا في الحالتين هو البطلان النسبي لا البطلان المطلق ، وذلك لأن شرط الصحة في السبب تراد به حماية مصلحة فردية ، فجزاء الإخلال به البطلان النسبي ، أما شرط المشروعية فتراد به حماية مصلحة عامة ، فجزاء الإخلال به البطلان المطلق – أنظر أيضاً في هذا المعنى بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 263 .

ومن ذلك أيضاً ما هب إليه الدكتور حلمي بهجت بدوى بك ( أصول الالتزامات ص 179 و ص 186 وص 232 ) من أن الغلط صورة من صور السبب غير الصحيح ، فهو يصوغه على أنه قصور الغرض المباشر الذي اتجهت إليه إرادة المتعاقد عن إجابة الحافز الرئيسي الذي حفزه للتعاقد ، ويقول إن هذه الصيغة هي بعينها صيغة السبب غير الصحيح ، وهي على هذا الوجه صالحة للتطبيق على جميع أنواع الغلط دون حاجة إلى تقسيم الغلط إلى غلط في الشخص وغلط في الشيء وغلط في غير ذلك ، لأن العبرة ليست بذات الشخص أو بذات الشيء وإنما بالغرض الذاتي أي بالحافز الرئيسي . فإذا ما خلص له أن حالتي الغلط والتدليس هما بعينهما حالة السبب غير الصحيح ، جعل الجزاء في كل هذه الأحوال البطلان النسبي لا البطلان المطلق . فهو يلحق الغلط بالسبب في ماهيته ، ثم يلحق السبب بالغلط في جزائه . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( أنظر آنفاً حاشية الفقرة 173 ) .

 ( [24] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويراعى من ناحية أخرى أن المشروع قد اغفل ذكر ” السبب غير الصحيح ” ، وهو ما يكون غير مطابق للواقع ، وهذا هو أهم التعديلين . فالحق أن الغلط في هذا الشأن لا يعدو أن يكون غلطا في الباعث . وقد كان يخلق التنبيه إلى ما في الإبقاء على التفرقة بين الغلط والسبب غير الصحيح من تشبث بأهداب السطحيات والفوارق الصناعية ، بعد أن أصابت فكرة الغلط من السعة ما جعلها تجاوز نطاقها المادي الضيق ، وتصبح فكرة نسفية تتناول الباعث المستحث ، وتنتهي بذلك إلى صورتها السوية في ” الغلط الجوهري ” . ولهذا رؤى إخراج ” السبب غير الصحيح ” أو الغلط في السبب من بين أسباب البطلان المطلق واعتباره سبباً للبطلان النسبي ، شأنه في ذلك شأن سائر ضرور الغلط . ولم يتسبق المشروع من صور السبب غير الصحيح إلا السبب الصوري . ومع ذلك فقد رد حكمه إلى فكرة المشروعية ، وجعل السبب الحقيقي مرجع الحكم فيما يرتب العقد من آثار ، فإن كان هذا السبب مشروعاً صح العقد ، وإن كان غير مشروع بطل العقد لعدم مشروعية سببه لا للصورية ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 225 – ص 226 ) .

 ( [25] ) ولا يجوز أن يقال إنه يمكن الاستغناء عن مشروعية السبب ، والاقتصار على اشتراط أن يكون العقد غير مخالف للنظام العام أو الآداب كما فعل التقنين الألماني مثلا . فإن هذا الاشتراط لا يستقيم إلا إذا قيل إن المقصود به أن يكون غرض العقد غير مخالف للنظام العام أو الآداب . وغرض العقد هو سببه ، والتعبير عن الغرض بالسبب أدق من ناحية الصياغة الفنية .

 ( [26] ) أنظر في هذا المعنى بلانيول وريبير وبولانجيه ( الطبعة الثالثة سنة 1949 ) 2 فقرة 281 ، وقد جاء في هذه الفقرة ما يأتي : ” لم يستخدم القضاء كثيراً فكرتي انعدام السبب والسبب غير الصحيحن فقد كان لديه لهذا الغرض أداة أخرى هي إبطال العقد الغلط . ولكنه على النقيض من ذلك استخدم إلى مدى بعيد فكرة السبب غير المشروع ، فقد أعطته المادة 1133 وسيلة من وسائل الصنعة الفنية لتقرير جزاء للقاعدة التي اشتملت عليها المادة السادسة من القانون المدني الفرنسي ” .

 ( [27] ) وكان من الحير أن تصاغ المادة 136 على الوجه الآتي : ” إذا التزم المتعاقد لسبب غير مشروع ، كان العقد باطلا ” .

 ( [28] ) قارن الدكتور أبو عافية في التصرف المجرد فقرة 54 ص 199 هامش رقم 9 .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

التصرف المجرد في القانون المدني

التصرف المجرد

285 – التصرف المسبب والتصرف المجرد : قدمنا أن السبب ركن من أركان الالتزام ، لا يقوم الالتزام إلا به ، على فرق ما بين معنى السبب في النظرية التقليدية ومعناه في النظرية الحديثة . وقد كان القانون الروماني لا يعتد بالسبب ولا بالإرادة ذاتها في العقود الشكلية . ثم انتصر مذهب الرضائية في القرون الوسطى على يد الكنسيين ، فأصبحت الإرادة وحدها – مجردة من الشكل – ملزمة . ولكن الإرادة إذا كانت من جهة قد تجردت من الشكل فتحللت من هذا القيد ، فهي من جهة أخرى قد اقترنت بالسبب فاستبدلت قيد السبب بقيد الشكل .

أما الإرادة مجردة من الشكل ومن السبب معاً فلا يمكن أن يسلم بها كقاعدة في قوانين تأخذ بالإرادة الباطنة كالقوانين اللاتينية . فإن الأخذ بالإرادة الباطنة معناه أن تحرر الإرادة من عيوبها وأن تقترن بسببها . ولكن الأخذ بالإرادة الظاهرة يجعل من اليسير أن تباعد ما بينها وبين الإرادة الباطنة ، فتتجرد الإرادة الظاهرة من عيوب الإرادة الباطنة كما تتجرد من السبب الذي حرك هذه الإرادة ، ولا يبقى في مجال التعامل إلا هذه الإرادة الظاهرة المجردة ، وهذا ما يسمى بالتصرف المجرد .

وهناك فائدة كبيرة من تجريد الإرادة الظاهرة على هذا النحو ، إذ بهذا التجريد يصبح التصرف غير قابل للإبطال لا من طريق عيوب الإرادة ولا من طريق عيوب السبب . فالدائن في التصرف المجرد يستطيع أن يتمسك بحقه دون أن يستطيع المدين الدفع بإبطال التصرف لعيب في الإرادة أو لعيب في السبب . وكل ما يستطيع المدين هو أن يرجع بدعوى الإثراء على دائنه ، فيدفع دعواه إذا لم يكن قد وفى الدين ، أو يسترد ما دفع إذا كان قد وفى . ومن ثم يكون التصرف المجرد أداة قوية من أدوات الائتمان ، تشتد حاجة التعامل إليها كلما اشتدت الحاجة إلى الاستقرار . وإذا كان التعامل بتنازعه عاملان ، عامل احترام الإرادة وعامل الاستقرار ، فإن التصرف المسبب يستجيب للعامل الأول ، ويستجيب التصرف المجرد للعامل الثاني . ومنذ انتكصت الشكلية في العقود وساد مذهب الرضائية ، انتصر عامل الإرادة على عامل الاستقرار ، ولم يستطع عامل الاستقرار أن يسترد ما فقد إلا بظهور التصرف المجرد ففيه ينتصر على الإرادة كما رأينا . ومن هنا كان تطور العقد من تصرف شكلي إلى تصرف رضائي ، ثم من تصرف رضائي إلى تصرف مجرد ، تطوراً تعاقب فيه عاملا الاستقرار والإرادة على مراحل متتابعة ، كان الظفر في كل مرحلة منها لأحد العاملين على الآخر . ومن هنا أيضاً كان التصرف المجرد رجوعاً مهذباً إلى التصرف الشكلي ، كلاهما يستجيب لعامل الاستقرار ، ولكن التصرف الشكلي يستجيب إليه في جمعية بدائية ، ويستجيب إليه التصرف المجرد في جمعية متحضرة .

على أن التصرف المجرد – على شدة الحاجة إليه في استقرار التعامل وبخاصة إذا تقدمت التجارة وتشعبت سبلها واحتيج إلى أدوات ائتمان ثابتة – لم يظفر من القوانين اللاتينية ، وهي التي تأخذ بالإرادة الباطنة ، إلا بمكان ضيق محدود . وعلى النقيض من ذلك ظفر التصرف المجرد في القوانين الجرمانية ، وهي التي تأخذ بالإرادة الظاهرة ، بمكان رحب سما فيه إلى مرتبة القاعدة . ولا غرابة في ذلك ، فقد بينا أن التصرف المجرد يتمشى مع الإرادة الظاهرة التي تأخذ بها القوانين الجرمانية ( [1] ) . ويتعارض مع الإرادة الباطنة التي تأخذ بها القوانين اللاتينية .

ويبقى أن نستعرض حظ التصرف المجرد في كل من القوانين الجرمانية والقوانين اللاتينية ويدخل القانون المصري في هذه القوانين الأخيرة .

286 – التصرف المجرد في القوانين الجرمانية : لا نجد في التقنينات الجرمانية نصوصاً تعرض لنظرية السبب عرضاً مباشراً كما تفعل التقنينات اللاتينية . فالتقنين النمساوي لا يشير إلى السبب إلا في المادة 901 ليقرر أن الباعث لا اثر له في صحة عقود المعاوضات إلا إذا جعل منه المتعاقدان شرطاً صريحاً لصحة العقد . والتقنين الألماني لا يعرض للنظرية بنص صريح . وتقنين الالتزامات السويسري لا يعرض لها إلا في صورة عرضية عندما ينص في المادة 17 على أن الاعتراف بالدين صحيح حتى لو لم يذكر سببه . ويعلل ذلك عادة بان هذه التقنينات تأثرت بالقانون الروماني ، وهذا القانون كما رأينا لا يفسح مجالا واسعاً لنظرية السبب إذ أن فكرة السبب فيه فكرة مادية لا تتبين لها نتائج علية إلا في نطاق محدود ، وبخاصة في نطاق دعاوي الإثراء . ولكن بالرغم من أن هذه التقنينات لا تنص على نظرية السبب نرى التصرفات فيها نوعين : النوع الأول هو التصرفات السمببة ( Kausale Rechtsgeschaefte ) وهي اغلب التصرفات المدنية وفيها السبب ركن يجب أن تتوافر فيه شروطه المعروفة فيكون صحيحاً مشروعاً ، والنوع الثاني هو التصرفات المجردة ( Abstrakte Rechtsgeschaefte ) لا يعتد فيها بالسبب ولا بعيوب الإرادة وقد وضعت لها قواعد عامة سيأتي بيانها .

فالسبب لا يزال إذن موجوداً في القوانين الجرمانية ، ولكنه سبب بالمعنى المفهوم في النظرية التقليدية يراد به الغرض الموضوعي المباشر من التعاقد تمييزاً له عن الباعث ، ويشترط فيه أن يكون صحيحاً مشروعاً وإلا بطل العقد . أما الباعث فلا اثر له في صحة العقد ولو كان هو الذي دفع إلى التعاقد ( [2] ) .

وإلى جانب التصرفات المسببة توجد التصرفات المجردة ، وقد أفسح لها مجال واسع كما قدمنا . وهي طائفتان : طائفة عقود انتقال الملكية وطائفة العقود المنشئة للالتزامات .

فالأولى تنتقل بها الملكية – والحق العيني بوجه عام – دون اعتبار للسبب . ذلك أن الملكية في هذه التقنينات لا تنتقل بمجرد نشوء الالتزامات بنقلها ، بل لا بد من تنفيذ هذا الالتزام بطريق عقد آخر هو عقد انتقال الملكية ، فيذهب المتعاقدان إلى المكتب العقاري ويعلنان اتفاقهما ويسجلان هذا الاتفاق في السجل العقاري ( Livre Foncier ) . وعقد انتقال الملكية ، في القانون الألماني بنوع خاص ، عقد مجرد ، تنتقل به الملكية سواء كان العقد المنشيء للالتزام بنقلها صحيحاً أو معيباً . وإذا أتضح بعد ذلك أن العقد كان معيباً وأن الملكية انتقلت دون سبب ، فليس لمن خرج عنها إلا الرجوع بدعوى شخصية على من تلقاها هي دعوى الإثراء بلا سبب . وبذلك يتوافر لهذا العقد مزية الاستقرار والثبات . فما على الشخص حتى يثبت أنه يتعامل مع مالك العقار إلا أن يرجع إلى السجل العقار ، فمن كان اسمه مسجلا فيه كان هو المالك ، ولو كان في ذلك تضحية للمالك الحقيقي – أما التقنين السويسري فلا يمحي الغير الذي اعتمد على السجل العقاري إلا إذا كان حسن النية ( م 973 من التقنين المدني السوري ) . ومن ثم نرى أن التجريد يحتمل التدرج . وتأييداً لذلك نسوق مثلا آخر نأتي به من القانون المصري . فقد قضت المادة 15 من قانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بتنظيم الشهر العقاري بوجوب تسجيل دعاوي استحقاق أي حق من الحقوق العينية أو التأشير بها ، ويترتب على هذا التسجيل أو التأشير أن حق المدعى إذا تقرر بحكم يكون حجة على من ترتبت لهم حقوق عينية ابتداء من تاريخ تسجيل الدعاوى أو التأشير بها ، ولا يكون هذا الحق حجة على الغير الذي كسب حقه بحسن نية قبل التأشير أو التسجيل المشار إليهما . ويتبين من ذلك أن من يتعامل مع غير المالك في عقار وهو حسن النية ، ويسجل عقده قبل أن يسجل المالك دعوى الاستحقاق ، يفضل على المالك وتخلص له ملكية العقار . والقاعدة كما نرى تنطوي على ضرب من التجريد .

والطائفة الأخرى من التصرفات المجردة عقود منشئة للالتزامات . وتشمل : ( أولاً ) حالات معينة بذاتها ، منصوصاً عليها . وهي – عدا الأوراق التجارية والسندات – حوالة الحق وحوالة الدين والتنازل عن الحق الشخصي والإنابة في الوفاء . وفي هذه الحالات يكون العقد مجرداً على النحو الذي رأيناه في عقود انتقال الملكية . فيتم نقل الحق أو الدين ويتحقق التنازل عن الحق الشخصي دون اعتبار للسبب في هذه الحوالة أو في هذا التنازل ، فإذا تبين أن السبب غير موجود أو غير مشروع فليس ثمة إلا الرجوع بدعوى الإثراء . كذلك التزام المناب للمناب لديه بالوفاء التزام مجرد عن السبب ، فلا يستطيع المناب أن يحتج على المناب لديه بما كان له أن يحتج به من دفوع ضد المنيب ( أنظر في التقنين الألماني : م 398 و م 413 لحوالة الحق ، وم 414 وما بعدها لحوالة الدين ، وم 397 للتنازل عن الحق الشخصي ، وم 784 للانابة في الوفاء – وانظر في تقنين الالتزامات السويسري : م 164 وما بعدها لحوالة الحق ، وم 179 فقرة ثالثة لحوالة الدين ، وم 115 للتنازل عن الحق الشخصي ، وم 468 للانابة في الوفاء ) . ( ثانياً ) التعهد المجرد بالوفاء ( promesse abstraite de payer ) والاعتراف المجرد بالدين ( reconnaissance abstraite de dette ) ، وهما الصورتان العامتان للتصرف المجرد . فتضع التقنينات الجرمانية هنا قاعدة عامة للتصرف المجرد ، وتجيز أن يتفق الدائن مع مدينه على أن يكون التزام المدين أو اعترافه بالدين مجرداً . فيوجد الالتزام في ذمته منفصلا عن السبب ، ويقوم هذا الالتزام حتى لو كان السبب غير موجود أو غير مشروع . وليس للمدين إلا دعوى الإثراء إزاء الدائن إذا تبين أن التزامه لم يكن مبنياً على سبب صحيح ، فيتخلص بذلك من التزام موجود أو يسترد ما دفعه وفاء لهذا الالتزام ( [3] ) . واشترطت المادة 780 من التقنين الألماني لصحة الالتزام المجرد أن يكون في ورقة مكتوبة ، إلا إذا كان تصفية لحساب أو عن صلح فلا تشترط الكتابة زولا يشترط تقنين الالتزامات السويسري الكتابة إطلاقاً ( م 17 ) ( [4] ) .

287 – التصرف المجرد في القوانين اللاتينية وفي القانون المصري : أما القوانين اللاتينية ، وهي مشبعة بنظرية السبب كما رأينا ، فلا تسلم بالتصرف المجرد . أو هي على الأقل لا تضع له قاعدة عامة كما فعلت التقنينات الجرمانية . وإذا كان هناك نص في كل من القانونين المصري والفرنسي يقضي بقيام الالتزام ولو لم يذكر سببه ( م 137 من القانون المصري الجديد و م 1132 من القانون الفرنسي ) ، فسنرى أن هذا النص لا يعرض إلا لمسالة من مسائل الإثبات ليلقى عبء الإثبات في السبب على عاتق المدين . وهناك فرق بين التزام مسبب ، يلقى على المدين فيه عبء إثبات انعدام السبب ، والتزام مجرد عن السبب . فالالتزام الأول ، إذا اثبت المدين أنه لا يقوم على سبب مشروع ، يكون العقد فيه باطلا . أما في الالتزام الثاني ، وهو الالتزام المجرد ، فيبقى العقد صحيحاً حتى لو اثبت المدين انعدام السبب أو عدم مشروعيته ، وليس أمام هذا إلا دعوى الإثراء كما سبق القول .

فالالتزام في القوانين اللاتينية هو إذن التزام مسبب . على أن هذه القوانين تقر الالتزام المجرد في حالات معينة منصوص عليها بذاتها ، وهي قليلة العدد . وقد نص القانون التجاري – حيث تشتد الحاجة للالتزام المجرد لاستقرار التعامل وسرعته – على عدد منها ، هي الكمبيالات والسندات تحت الإذن والسندات لحاملها . أما القانون المدني فقد نص على حالتين : التزام المناسب في الوفاء نحو المناب لديه والتزام الكفيل نحو الدائن .

ونقتصر هنا على ما ورد في هذا الصدد في القانون المدني المصري الجديد . فقد نصت المادة 361 على أن ” يكون التزام المناب قبل المناب لديه صحيحاً ولو كان التزامه قبل المنيب باطلا أو كان هذا الالتزام خاضعاً لدفع من الدفوع ، ولا يبقى للمناب إلا حق الرجوع على المنيب . كل هذا ما لم يوجد اتفاق يقضي بغيره ” ( [5] ) . أما في الكفالة فللكفيل أن يتمسك بجميع الأوجه التي حتج بها المدين ( م 782 مصري جديد ) ، ولكن التزام الكفيل نحو الدائن التزام مجرد لا يتأثر بالعلاقة مابين الكفيل والمدين ، ولا يجوز للكفيل أن يتمسك ضد الدائن بالدفوع التي له أن يتمسك بها ضد المدين . فإذا كفل الكفيل المدين في نظير أن يوفى المدين ديناً آخر عليه مضموناً برهن يثقل عقار الكفيل ، ولم يوف المدين بهذا الدين الآخر ، فإن التزام الكفيل نحو الدائن يبقى قائماً ، ولا يجوز للكفيل أن يدفع دعوى الدائن بان المدين لم يوف بما تعهد به من تخليص عقار الكفيل من الرهن ( [6] ) .

ويتبين مما قدمناه أن القانون المصري قد انحاز انحيازاً تاماً إلى القوانين اللاتينية ، وبقى في حظيرتها كما أسلفنا الإشارة . فاشترط في التصرفات أن تكون مسببة ، ولم يسلم بالتصرف المجرد إلا في حالات معينة بذواتها ( [7] ) .


 ( [1] ) يفسر الدكتور أبو عافية – في رسالته ” التصرف المجرد ” القاهرة سنة 1947 – التصرف المجرد علىاساس الإرادة الظاهرة . وعنده أن التصرف المجرد هو التصرف الذي صح بغض النظر عن اختلاف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة ( فقرة 84 من الرسالة المشار إليها ) . ويرتب على ذلك أن التصرف المجرد ” نظام استثنائي خارج على القواعد العامةط ولا فرق في ذلك بين القانون الألماني والقانونين المصري والفرنسي ” ( فقرة 85 ) . ويرفض أن يكون المعيار في التصرف المجرد هو تجرده عن السبب ، ويذهب إلى أن المعيار هو تجدر التصرف عن الإرادة الباطنة ليتمحض إرادة ظاهرة .

ونلاحظ على هذا المذهب أن التصرف المجرد وهو يتجرد عن الإرادة الباطنة يتجرد في الوقت ذاته عن السبب ، وذلك سواء اعتبر السبب عنصراً مستقلا عن الإرادة الباطنة كما هي الحال في القوانين اللاتينية ، أو اعتبر عنصراً غير مستقل عن الإرادة الباطنة وعد من مقومات هذه الإرادة كما هي الحال في القانون الألماني . فالتصرف المجرد يتميز في جميع الأحوال بتجرده عن السبب . على أن المذهب الذي يقول به الدكتور أبو عافية يضيف شيئاً جديداً ، هو أن التصرف المجرد يتميز لا بتجرده عن السبب فحسب ، بل أيضاً بتجرده عن الإرادة الباطنة ذاتها .

 ( [2] ) أنظر كابيتان في السبب فقرة 83 – فقرة 84 وبنوع خاص ص 181 – ص 182 . ويستعرض الدكتور أبو عافية في رسالته المشار إليها ( فقرة 41 وما بعدها ) نظرية السبب في القانون الألماني من ناحيتي التصرف المجرد ومبدأ الإثراء بلا سبب . فيبدأ بتحديد ما يسميه الألمان ” الإضافة إلى الذمة ” ( Vermogenszuwendug ) ، وهي عبارة عن منفعة مالية أو إثراء يتحقق لصالح شخصي بمقتضى عمل إرادي مشروع ( تصرف قانونين أو عمل مادي ) يصدر من المفقتر . وسبب ” الإضافة إلى الذمة ” هو عبارة عن الغرض المباشر الذي يرمي إلى تحقيه المضيف للذمة . ويحدد هذا السبب وفقاً للفقه الألماني على أساس تقسيم ثلاث للسبب موروث عن دعاوي الإثراء في القانون الروماني ، يكون السبب بمقتضاه إما الوفاء ( causa solvendi ) أو الادانة ( causa credendi ) اوالتبرع ( causa donandi ) . والادانة هي التصرف بمقابل ، وهذا المقابل إما أن يكون موضوعه استرداد ما أعطاه المضيف أو استرداد قيمته كما في القرض وفي الوكالة ، وإما أن يكون موضوعه شيئاً آخر يحدد بالاتفاق كما في العقود الملزمة للجانبين فالبائعيحصل على دين بالثمن في مقابل التزامه بنقل ملكية المبيع . ولا يختلط سبب الإضافة إلى الذمة بالباعث عليها . ويلاحظ الفقهي الألماني فون تور أنه ” لا يجب الخلط بين السبب القانونين والاغرراض البعيدة التي يرمى إليها المضيف ، أي البواعث ( Beweggrunde ) التي تدفعه إلى تنفيذ التزامه أو إلى الحصول على مقابل أو إلى الهبة . فوراء كل سبب قانونين بواعث تختلف باختلاف الأحوال . فالهبة مثلا قد تتم بناء على عطف أو بسبب الرأي العام ، ولكن هذه البواعث لا تدخل في حسابنا كقاعدة عامة لتقدير وجود الإضافة ونتائجها القانونية إلا إذا كانت قد اشترطت في التصرف القانونين ” . وسنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى عند الكلام في الإثراء بلا سبب وتحديد معنى السبب في الإثراء في القانون الألماني . ويكفينا هنا أن نشير إلى التقارب الواضح بين معنى السبب في النظرية التقليدية ومعنى سبب الإضافة إلى الذمة في الفقه الألماني .

أنظر أيضاً في نظرية مادية للسبب في الفقه الإيطالي ، على أساس أن السبب يرتبط بإرادة القانون لا بإرادة الأفراد وباعتبار أن لكل تصرف وظيفة قانونية فهذه الوظيفة هي السبب ، إلى رسالة الدكتور أبو عافية المشار إليها فقرة 36 .

 ( [3] ) وقد عبد الطريق أمام التقنين الألماني في إجازة الالتزام المجرد أن المؤتمر التاسع لفقهاء الألمان ، تحت تأثير إهرنج الفقيه الألماني المعروف ، اقر هذا الضرب من الالتزام .

 ( [4] ) أنظر في موضوع التصرف المجرد في القوانين الجرمانية كابيتان في السبب فقرة 85 – فقرة 86 وفقرة 165 – فقرة 174 – سالي في الالتزامات في القانون الاماني فقرة 260 – فقرة 266 – مذكرات الأستاذ ليفي اولمان ص 361 – ص 364 – فيفورنو فقرة 128 – ديموج 1 فقرة 91 و 2 فقرة 847 . ويربط ديموج نظرية الالتزام المجرد بنظرية الإرادة الظاهرة كما فعل الدكتور أبو عافية في رسالته المشار إليها ، فما دمنا نأخذ بالإرادة الظاهرة كما هي فلا شأن لنا بالغاية التي تسعى إليها هذه الإرادة ولا بالباعث الذي حركها ( نظرية العقد للمؤلف فقرة 560 ) .

 ( [5] ) أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف المختلطة في 10 فبراير سنة 1931 م 43 ص 208 – وفي 4 يناير سنة 1933 م 45 ص 101 – وفي 17 مارس سنة 1936 م 48 ص 191 – وقارن حكما لمحكمة الاستئناف المختلطة في 25 مايو سنة 1939 م 51 ص 361 قصرت فيه هذه القاعدة على الإنابة الكاملة دون الإنابة غير الكاملة ( وهي التي لا تنطوي على تجديد الدين ) ، أما القانون الجديد فنصه هو كما رأينا عام مطلق لا يميز بين الإنابة الكاملة والإنابة غير الكاملة . أنظر أيضاً الدكتور أبو عافية في التصرف المجرد فقرة 62 .

ويذهب الدكتور أبو عافية ( التصرف المجرد فقرة 61 ) إلى أن المناب لا يجوز له أيضاً أن يتمسك بالدفوع التي تكون للمنيب قبل المناب لديه ، فلو دفع المنيب الدين للمناب لديه فإن هذا لا يمنع المناب لديه أن يطالب المناب بالدين الذي التزم به ، ويرجع المنيب في هذه الحالة بدعوى الإثراء على المناب الديه . ونرى ، مع محكمة الاستئناف المختلطة ( أول يدسمبر سنة 1925 م 38 ص 78 ) التي انتقد الدكتور أبو عافية حكمها ، أن المنيب إذا دفع الدين للمناب لديه كان هذا رجوعا في الإنابة يستطيع المناب أن يتمسك به ، فإذا طالب المناب لديه بعد ذلك المناب بالدين ، جاز لهذا أن يدفع المطالبة بانقضاء الدين ، ولي في نص المادة 361 من القانون الجديد ما يحول دون هذا الدفع . ولكن إذا حول المناب لديه حقه قبل المناب إلى أجنبي ، بقى التزام المناب مجرداً بالنسبة إلى هذا الأجنبي – ذلك أن التصرف المجرد إرادة ظاهرة تجردت عن الإرادة الحقيقية وعن السبب ، وفقا لما يقضي به القانون لمصلحة يتواخها . فالقانون هو الذي يمسك بزمام التجريد ، فلا يبيحه إلا لضرورة ، وبقدر هذه الضرورة . ومن ثم تدرج التجريد تبعاً للقدر الذي تقتضيه الضرورة . وفي المثال السابق يزول التجريد بالنسبة إلى المناب لديه لأن الضرورة لا تقتضيه ، ويبقى بالنسبة إلى الأجنبي لأن الضرورة تستوجب بقاءه .

 ( [6] ) أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف المختلطة في 20 ابريل سنة 1930 م 42 ص 470 – الدكتور أبو عافية في التصرف المجرد فقرة 59 – فقرة 60 .

 ( [7] ) ويلاحظ أنا لشرائع التي تأخذ بالإرادة الظاهرة يغلب إلا تفسح مجالا واسعا لنظرية السبب ، وتكون فكرة السبب عندها فكرة مادية ، وتقر التصرف المجرد زراينا ذلك في القوانين الجرمانية ، وتقول الآن كلمة موجوزة عن الشريعة الإسلامية وعن القانون الإنجليزي .

فالشريعة الإسلامية تأخذ بالإرادة الظاهرة إلى مدى بعيد . ويظهر أن هذا هو الذي منع من تقدم نظرية السبب فيها مع إنها شريعة مشبعة بالروح الدينية والخلقية كالقانون الكنسي الذي هو المصدر الأول لنظرية السبب الحديثة . وإذا أمكن أن نستخلص من نصوص الفقه الإسلامي نظرية للسبب ، فهذه النظرية لا يمكن إلا أن تكون نظرية مادية . ويستطيع الباحث أن يستخلص من نصوص الفقه الإسلامي التمييز ما بين الغرض المباشر الذي قصد المتعاقدان الحصول عليه من العقد وبين الباعث له على التعاقد . فالباعث لا اثر له في صحة العقد إلا إذا ذكر صراحة وأصبح جزءاً من الاتفاق ( أنظر بحثاً في هذه المسألة في نظرية العقد للمؤلف فقرة 562 ) .

والقانون الإنجليزي كالشريعة الإسلامية نظرية السبب فيه نظرية مادية . والعقود عنده إما شكلية وهذه يكفي في صحتها الشكل وحده و وإما رضائية وهذه لا بد فيها من وجود اعتبار ( consideration ) وهو ما يقابل السبب بالمعنى المفهوم من النظرية التقليدية ، أي السبب المادي الداخلي الذي لا يتغير من ويختلف ” الاعتبار ” عن ” السبب ” في أمرين : ( 1 ) الفكرة في الاعتبار ليست هي الغنم الذي حصل عليه الملتزم من وراء التزامه كما هو الأمر في السبب ، بل هو الغرم الذي تحمله الدائن حتى يحصل على التزام المدين ( 2 ) نية التبرع لا تصلح ” اعتباراً ” في القانون الإنجليزي وتصلح ” سبباً ” في النظرية التقليدية . ومن هنا كانت عقود التبرع في القانون الإنجليزي شكلية لخلوها من ” الاعتبار ” ( نظرية العقد للمؤلف فقرة 561 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره