تحديد نطاق العقد في القانون المدني

تحديد نطاق العقد

401 – النصوص القانونية : نصت المادة 148 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقه تتفق مع ما يوجبه حسن النية ” .

 ” 2 – ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته ، وفقا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام ” ( [1] ) .

وهذا النص يبين في الفقرة الأولى منه كيف ينفذ العقد ، وفي الفقرة الثانية كيف يحدد نطاقه .

402 – التمييز بين تفسير العقد وتحديد نطاقه وكيفية تنفيذه : وهناك مسائل ثلاث يجب تمييزها بعضها عن بعض : تفسير العقد وتحديد نطاقه وكيفية تنفيذه . وأول مسألة تعرض من هذه المسائل الثلاث هي تفسير العقد . فإذا فرغ القاضي من التفسير واستخلص النية المشتركة للمتعاقدين ، انتقل إلى تحديد نطاق العقد . فلا يقتصر في هذا التحديد على ما ورد في العقد وفقاً للنية المشتركة للمتعاقدين ، بل يجاوز ذلك إلى ما هو من مستلزمات العقد وفقاً للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام . ثم ينتقل القاضي ، بعد تفسير العقد وتحديد نطاقه ، إلى المسألة الثالثة وهي تنفيذ العقد . فيلزم المتعاقدين بتنفيذه طبقاً لما أشتمل عليه – والمشتملات يعرفها القاضي عن طريق التفسير وتحديد النطاق – ويكون التنفيذ بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية ( م 148 فقرة أولى ) ( [2] ) .

وقد فرغنا من الكلام في تفسير العقد ، فننتقل الآن إلى الكلام في تحديد نطاقه .

403 – العوامل التي يسترشد بها القاضي في تحديد نطاق العقد : لا يقتصر القاضي ، كما قدمنا ، في تحديد نطاق العقد على ما اتجهت إليه النية المشتركة للمتعاقدين ، بل يضيف إلى ذلك ما يعتبر من مستلزمات العقد . وقد ذكر القانون لا على سبيل الحصر ، أهم العوامل التي يسترشد بها القاضي في تحديد هذه المستلزمات ، ومن ثم في تحديد نطاق العقد . وهذه هي : ( 1 ) طبيعة الالتزام . ( 2 ) القانون في أحكامه التكميلية والمفسرة . ( 3 ) العرف ويضاف إليه الشروط المألوفة ( clauses de style ) . ( 4 ) العدالة .

404 – طبيعة الالتزام : وطبيعة الالتزام ( nature de l’obligation ) تملي على القاضي أن يستكمل نطاق العقد بما تقتضيه هذه الطبيعة وفقاً للقانون والعرف والعدالة ( [3] ) . فمن باع عيناً يعتبر أنه قد باع بالإضافة إلى أصل العين ملقحاته الضرورية وكل ما أعد بصفة دائمة لاستعمالها طبقاً لما تقضي به طبيعة الأشياء ( م 432 جديد ) . ومن باع حقاً يعتبر أنه قد باع بالإضافة إليه ما يكفله ويؤيده كرهن وكفالة أو دعوى ضمان . ومن باع سيارة يعتبر أنه قد باع معها جميع الأدوات الإضافية ( accessories ) التي لا غنى عنها في تسييرها . ومن باع متجراً وجب عليه أن يسلم للمشتري السجلات التي تبين ما على المتجر من ديون وما له من حقوق وما يتصل به من عملاء ونحو ذلك ( [4] ) .

405 – القوانين التكميلية والمفسرة : والقوانين التكميلية والمفسرة ( lois suppletives , interperetatives ) تعين القاضي إلى حد كبير ؟؟؟ استكمال نطاق العقد . ذلك أنه يصعب في كثير من الأحوال أن ينظم المتعاقدان العلاقة فيما بينهما في جميع تفصيلاتها فهما في الغالب يتركان بعض التفصيلات ، إما لأنهما لم يتوقعها ، وإما اعتماداً على أحكام القانون ( [5] ) . وهنا تأتي الأحكام القانونية المفسرة تكمل العقد . مثل ذلك أن يتعاقد شخصان على بيع ، فيعينا المبيع والثمن ، وقد يغفلان بعض التفصيلات كتعيين ميعاد تسليم المبيع ومكانه وميعاد الوفاء بالثمن ومكانه وما يلتزم به البائع من ضمان تعرض واستحقاق وعيوب خفية وما إلى ذلك كل هذه التفصيلات بين القانون أحكامها في نصوص عقد البيع ، وجعل هذه الأحكام أحكاماً تكميلية تحدد نطاق العق إذا كان المتعاقدان لم يتوقعا ما يعرض منها ، وأحكاماً تفسيرية تكشف عن إرادة المتعاقدين إذا كان المتعاقدان قد توقعا ما يعرض لهما من ذلك واعتمدا على هذه الأحكام المفسرة . وتكون هذه الأحكام جزءاً من العقد . وهذا ما يعلل أن ليس له أثر رجعي ينسحب على العقود التي أبرمت قبل صدورها ، لأن هذه العقود وجدت في وقت كانت أحكام أخرى تكمل فيه إرادة المتعاقدين وكانت هذه الأحكام جزءاً من العقد ، فلا يجوز أن ينسخ جزء من العقد بقوانين لاحقة . فلو أن شخصاً اقترض مبلغاً من النقود بالسعر القانونين في ظل القانون القديم ( وكان السعر القانونين 5 في المائة ) ، فإن القانون الجديد ، وقد نزل بالسعر القانوني إلى 4 في المائة ، لا يسرى على هذا القرض ويبقى السعر 5 % .

ولما كانت هذه الأحكام التكميلية والمفسرة ليست إلا إرادة المتعاقدين التي افترضها القانون أو كشف عنها ، فإن المتعاقدين يستطيعان أن يتفقا صراحة أو ضمناً على استبعادها أو تعديلها أو تقييدها على النحو الذي يريانه ، فهي ليست من النظام العام . وإذا كانت تعتبر إنها إرادة المتعاقدين فهذا الاعتبار يزول إذا قام الدليل على العكس .

406 – العرف والشروط المألوفة : رأينا أن العرف يجري مجرى القانون في المسائل التجارية والمعاملات البحرية وعقود التأمين والحساب الجاري . وكما يكون العرف من عوامل تفسير العقد كذلك يكون من عوامل تحديد نطاقه . ويتصل بالعرف الشروط المألوفة ( clauses de style ) . فتضاف إلى العقد الشروط التي جرت العادة بادراجها فيه ، وهي شروط أكثر تحديداً من العرف . ذلك أن هناك عقوداً أصبح من المألوف فيها أن تشتمل على عبارات معينة ، حتى صار تكرا هذه العبارات غير ذى فائدة . وأصبح لكل من المتعاقدين مطالبة الآخر بتنفذ ما تقضي به هذه الشروط ولو لم تذكر ، لأنها أصبحت عرفاً خاصاً بهذا لاعقد . مثل ذلك ما جرت به العادة في الفنادق والمطاعم والمقاهى من أن يضاف إلى حساب العميل نسبة مئوية تنفح بها الخدم ، فهذا شرط ينفذ حتى لو لم يذكر ذلك للعميل وحتى لو لم يره مكتوباً . ولكن عند تعارض شرط مألوف مع شرط خاص ادرج في العقد ، فالشرط الخاص هو الذي يعمل به ( [6] ) .

407 – العدالة : وقد يسترشد القاضي بقواعد العدالة في استكمال شروط العقد لتحديد نطاقه . فالبائع لا يلتزم فحسب أن يقوم بما هو ضروري لنقل الحق المبيع إلى المشتري . بل يجب عليه أيضاً أن يكف عن أي عمل من شأنه أن يجعل نقل الحق مستحيلا أو عسيراً . وهذا التزام تقتضيه العدالة وإن لم يذكر في العقد ، وقد يورد القانون في شأنه نصوصاً صريحة ( أنظر م 428 من القانون المدني الجديد ) . وبائع المتجر يلتزم نحو المشتري إلا ينافسه منافسة ينتزع بها عملاء المتجر ، وهذا التزام تقتضيه العدالة وإن لم يذكر في العقد . والعامل الفني إذا عمل في مصنع فاطلع على أسراره الصناعية بحكم عمله يلتزم إلا يبوح بهذه الأسرار لمصنع منافس ولو لم يشترط عليه ذلك ( قارن م 686 جديد ) . وما يستنبطه العامل من اختراعات ف أثناء عمله يكون من حق رب العمل ، إذا كانت طبيعة الأعمال التي تعهد بها العامل تقتضي منه إفراغ جهده في الابتداع ، ولو لم يشترط رب العمل في العقد أن يكون له الحق فيما يهتدى إليه من المخترعات ( م 688 فقرة 2 جديد ) . وفي عقد التأمين على الحياة يجب على المؤمن له إلا يكتم عن شركة التأمين ما أصيب ه من أمراض خطيرة خفية ، إذا كان من شأنها أن تؤثر في التبعة التي تتحملها الشركة . هذا وليست نظرية الحوادث الطارئة – وقد وضع لها القانون الجديد نصا عاماً وطبقها في عقود مختلفة – إلا تطبيقاً لمبدأ العدالة في تحديد نطاق العقد وقياس مدى ما يلتزم به المتعاقد إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها ، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام صار مرقهاً للمدين إلى حد يخل بالعدالة الواجبة .

408 – تحديد نطاق العقد هو من مسائل القانون : وإذا حدد القاضي نطاق العقد ، خضع في هذا التحديد لرقابة محكمة النقض ، فتستطيع هذه المحكمة أن تعقب على حكمه ، وأن تأخذ عليه أنه انتقص من نطاق العقد أو زاد فيه . فإذا طبق القاضي بعض شروط العقد دون بعضها الآخر ، كان في ذلك انتقاص من نطاق العقد ووجب نقض الحكم ( [7] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : تقتصر على الفقرة الثانية من هذا النص وهي التي تعنينا هنا ، مرجئين الفقرة الأولى إلى المطلب الثالث عند الكلام في إلزام المتعاقدين بتنفيذ العقد . وقد ورد النص في المادة 214 فقرة 2 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ، ولكن يلزمه أيضاً بما تقتضيه طبيعة الالتزام ، وفقاً للعدالة والعرف والقانون ” . وفي لجنة المراجعة عدلت العبارة الأخيرة من النص على النحو الآتي : ” وفقاً للقانون والعرف والعدالة ” ، وأصبح رقم المادة 152 فقرة 2 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على النص كما هو في المشروع النهائي . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ اعترض على النص بأنه يعطي للقاضي سلطة خطرة إذ يمكنه أن يزيد في التزامات المتعاقدين وفي ذلك إهدار لقاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين ، ولما كانت المادة 154 تتكلم عن تفسير العقود فيمكن الاستغناء بها عن المادة 152 لأن الالتزام بالعرف والعادة ونية الطرفين يكون في تفسير العقود وليس في تنفيذها . وبعد مناقشة استعيض عن عبارة ” ولكن يلزمه أيضاً بما تقتضيه طبيعة الالتزام ” بعبارة ” ولكن يتناول أيضاً ما هو من مستلزماته ” وأضيفت عبارة ” بحسب طبيعة الالتزام ” في آخر الفقرة ، وقالت اللجنة في تقريرها إن التعديل يجعل الحكم أوضح دون أن يمس جوهره . وأصبح رقم المادة 148 فقرة 2 . ووافق مجلس الشيوخ على النص كما أقرته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 287 – ص 290 ) .

 ( [2] ) التمييز بين تفسير العقد وتحديد نطاقه وتنفيذه يعين على رفع اللبس في مسائل تبقى مضطربة دون هذا التمييز . ففي تفسير العقد تعني بالبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين . في تحديد نطاق العقد نضيف إلى هذه النية المشتركة ما لم تتناوله في الواقع ولكنه يعتبر من مسلتزماته . وفي تنفيذ العقد نجعل هذه النية المشتركة بعد أن نضيف إليها مسلتزماتها هي شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقض العقد ولا تعديله إلا باتفاق الطرفني أو للأسباب التي يقررها القانون ويجب تنفيذه طبقاً لما أشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية . ونرى هذا التمييز واضحاً في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، وإن ذهبت هذه المذكرة إلى أنه يبدأ بتحديد نطاق العقد ثم يعرض بعد ذلك أمر التفسير ، على أن هذا الترتيب العكسي لم يخلط ما بين المسألتين بل أبقى كل منهما في الحدود المرسومة لها . وهذا ما ورد في المذكرة الإيضاحية في هذا الشأن : ” ومما هو جدير بالذكر أن الفقرة الثانية من المادة 214 ( م 148 جديد ) تنص على طبيعة الالتزام في معرض تحديد مضمون العقد ، وتنص . . . على العرف الجاري في شرف التعامل بصدد كيفية تنفيذه . والواقع أن التفرقة من هذا الوجه بين تحديد مضمون العقد وتفسيره وكيفية تنفيذه جد دقيقة . ذلك أنه يبدأ بتحديد مضمون العقد ، وقد يستتبع ذلك استكمال ما لم يصرح به فيه . ثم يعرض أمر تفسير هذا المضمون وهو يقتصر على شقة الثابت بالعبارة دون ما يستكمل منه من طريق الدلالة . فإذا تم للمتعاقدين تحديد مضمون العقد وتفسيره عمدا إلى تنفيذه وفقاً لما يفرضه حسن النية وما يقتضي العرف في شرف التعامل ( أنظر م 221 من التقنين اللبنانين ) . وإذا كان التفريق بين هذه المرالح الثلاث ميسوراً من الناحية المنطقة البحتة ، فمن البين إنها تختلط في الواقع ببعضها ، ويتجلى ذلك بوجه خاص فيما يتعلق بتحديد مضمون العقد وتفسيره ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 297 ) .

 ( [3] ) وقد رأينا أن نص المشروعين التمهيدي والنهائي واضح في أن طبيعة الالتزام تتحدد وفقاً للقانون والعرف والعدالة . وغمض هذا المعنى بعد التعديل الذي أدخلته لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، على أن اللجنة تقول في تقريرها إنها قصدت من التعديل أن تجعل الحكم أوضح دون أن تمس جوهرة . وليس ثمة كبير أهمية لهذه التحويرات ، فطبيعة الإلتزام والقانون والعرف والعدالة كلها عوامل تساهم في تحديد نطاق العقد . وعلى هذا الوجه جرينا في شرح النص .

 ( [4] ) أنظر الدكتور حلمي بهجت بدعوى بك فقرة 284 ص 400 – ويقول الاساتذة بلانيول وريبير وبلاونيجه وسيطهم إن القضاء الفرنسي يضيف إلى نطاق العقد التزامات ثلاثة يستخلصها من طبيعة العقد . الالتزام الأول هو العمل بحسن نية ( agir de conne foi ) ، وظاهر أن هذا الالتزام يتصل بتنفيذ العقد لا بتحديد نطاقه . والالتزام الثاني هو التزام الضمان ( oblig garantie ) ، وقد نظم القانون التزام الضمان هذا في بعض العقود كالبيع والاجيار ، ولكنه التزام قائم في كل العقود التي تقتضي طبيعتها ذلك . والالتزام الثالث هو ضمان السلامة ( oblige ce securite ) ، وهو التزام تقتضيه طبيعة بعض العقود ، فعقد العمل يقتضي أن يضمن رب العمل سلامة العمال ، وعقد نقل الأشخاص يقتضي أن يضمن أمين النقل سلامة الأشخاص الذين ينقلهم من مكان إلى مكان ( بلانيول وريبير وبلاونجيه سنة 1949 جزء 2 فقرة 455 – 459 وفقرة 958 – 963 ) .

 ( [5] ) وهذه غير الحالة المنصوص عليها في المادة 95 ، والتي مر ذكرها ، وهي حالة ما إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ، ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، فإن المحكمة تقضي فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة . والفرق بين الحالتين أن المتعاقدين ف يالحالة التي نحن بصددها اغفلا بعض التفصيلات لأنهما لم يتوقعاها أو توقعها ولكن تركا تنظيمها لأحكام القانون . أما في الحالة المنصوص عليها في المادة 95 فإن التفصيلات التي تركها المتعاقدان دون تنظيم هي تفصيلات توقعاها وأرادا أن ينظماها باتفاقهما ، ولكنهما لم يستطيعا الوصول إلى هذا الاتفاق . والقاضي في هذه الحالة الأخيرة لا يفسر نية المتعاقدين ولا يكمل نطاق العقد ، وإنما يحل محل المتعاقدين في صنع العقد .

 ( [6] ) استئناف مختلط في 6 يونية سنة 1944 م 56 ص 182 .

 ( [7] ) وإلى هذا الرأي ذهبت محكمة النقض عندما قضت بان الخطأ في تطبيق نصوص العقد خطأ في تطبيق القانون يخضع لرقابة محكمة النقض . نفى دعوى المقاول الذي لم يدلع للمدعى عليه ( وزارة الحربية ) غير التأمين المؤقت ، وعندما أعلن بقبول عطائه وكلف بإيداع التأمين النهائي امتنع ولم يحرر عقد التوريد وطلب اعفاءه من التعهد ، فألغى المدعى عليه عطاءه وانصرف إلى غيره في استيراد المطلوب له – في هذه الدعوى إذا طبقت المحكمة بعض شروط العقد دون بعضها الذي كان يجب تطبيقه ، فلمحكمة النقض أن تنقض الحكم وتفصل في الدعوى على أساس الشروط الواجبة التطبيق . ولا يرد على ذلك بأن تطبيق بعض شروط عقد المناقصة وعدم تطبيق بعضها الآخر على الدعوى هو مما يدخل في ولاية قاضي الموضوع دون رقابة عليه فيما يرتئيه من تفسير هذه الشروط ، لأن تطبيق نص من نصوصن العقد دون نص آخر أولى منه هو اجتهاد يخضع فيه القاضي لرقابة محكمة النقض ( نقض مدني في 16 ديسمبر سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 79 ص 223 ) – وقضت محكمة النقض أيضاً بأن تفسير بند في العقد تفسيراً صحيحاً مع ترك البنود الأخرى يوجب نقض الحكم ( نقض مدني في 23 مارس سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 173 ص 532 ) . أنظر أيضاً في هذا المعنى ” النقض في المواد المدنية والتجارية ” لحامد فهمي باشا والدكتور محمد حامد فهمي بك ص 296 – ص 299 ( والتمييز غير واضح في هذا المرجع بين تفسير العقد وتحديد نطاقه ) .

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

تفسير العقد في القانون المدني

تفسير العقد

386 – النصوص القانونية : نصت المادة 150 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – إذا كانت عبارة العقد واضحة ، فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين ” .

 ” 2 – أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد ، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعني الحرفي للألفاظ ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل ، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، وفقا للعرف الجاري في المعاملات ( [2] ) ” .

ونصت المادة 151 على ما يأتي :

 ” 1 – يفسر الشك في مصلحة المدين ” .

 ” 2 – ومع ذلك لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن ( [3] ) ” .

ويقابل هذه النصوص ، النصوص الآتية في القانون المدني القديم :

م 138 / 199 : ” يجب أن تفسر المشارطات علىحسبالغرض الذي يظهر أن المتعاقدين قصدوه مهما كان المعنى اللغوي للألفاظ المستعملة فيها مع ما يقتضيه نوع المشارطة والعرف الجاري ” .

م 139 / 200 : ” وهكذا يكون التفسير في الشروط المعلق عليها إبقاء المشارطة أو تأييدها ” .

م 140 / 201 : ” في حالة الاشتباه يكون التفسير بما فيه الفائدة للمتعهد ” .

ولم يستحدث القانون الجديد في تفسير العقد قواعد لم تكن في القانون القديم . ولم يعد أن قنن القضاء المصري فيما جاوز النصوص القديمة . فأورد الفقرة الأولى من المادة 150 ملزمة بعدم الانحراف عن عبارة العقد إذا كانت واضحة ، وقضاء محكمة النقض جرى على هذا المبدأ كما سنرى . واورد الفقرة الثانية من المادة 151 في تفسير عقود الاذعان ، وقد جرى القضاء المصري على هذا المبدأ كما رأينا عند الكلام في عقود الاذعان .

ولكن القانون الجديد ، مع ذلك ، أبرز في وضوح أن التفسير يتجه إلى الإرادة الظاهرة أكثر من اتجاهه إلى الإرادة الباطنة ، بان أوجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين والاستهداء في ذلك بتطبيعة التعامل والعرف الجاري ، وهذه عوامل موضوعية تجعل الإرادة الظاهرة هي المصدر الذي تستخلص منه الإرادة الباطنة .

387 – البحث في تفسير العقد يأتي بعد البحث في انعقاد العقد وفي صحته : ويلاحظ بادئ الأمر أن البحث في تفسير العقد إنما يأتي بعد البحث في انعقاد العقد والبحث في صحته . إذ لا جدوى من تفسير العقد إلا إذا كان صحيحاً ، حتى يكون قابلا للتنفيذ ( [4] ) .

ونطاق البحث في انعقاد العقد وصحته غير نطاق البحث في تفسير العقد لتحديد اثاره . ففي انعقاد العقد وصحته يدور البحث حول الإرادة التي يؤخذ بها هل هي الإرادة الباطنة أو الإرادة الظاهرة ، فإذا كانت هي الإرادة الباطنة فهل اتفقت أو انحرفت عن الإرادة الظاهرة لنتعرف هل هي صحيحة أو معيبة ، وهل تطابقت الارادتان تطابقاً تاماً حتى تخلص منهما إرادة مشتركة للمتعاقدين . أما في تفسير العقد لتحديد اثاره . فنحن بعد أن نكون قد استخلصنا الإرادة المشتركة للمتعاقدين ، نقف عند هذه الإرادة الظاهرة لتفسير معانيها ، ما وضح منها وما غمض ، مفترضين أن هناك تطابقاً بينها وبين الإرادة الباطنة حتى يقوم الدليل على العكس . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أو فيما يلي .

388 – القانون والواقع في تفسير العقد : ويعنينا أن نبين منذ الآن ما يعتبر في تفسير العقد قانوناً يخضع لرقابة محكمة النقض ، وما يعتبر واقعاً لا يخضع لرقابتها .

ويمكن حصر مسائل القانون في تفسير العقد في المسائل الثلاث الآتية :

 ( أولاً ) هناك قواعد نص عليها القانون في تفسير العقد . وهذه القواعد يلتزم القاضي باتباعها تحت رقابة محكمة النقض ، فإذا خرج عليها نقض حكمه لمخالفته للقانون . ويستخلص من نصوص القانون الجديد المتقدم ذكرها أن قواعد التفسير الملزمة قانوناً ثلاث :

 ( 1 ) ما نص عليه القانون ( م 150 فقرة 1 ) من أنه إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين . فالانحراف عن عبارة العقد الواضحة فيه مخالفة للقانون . وسنعرض فيما يلي لهذه القاعدة تفصيلا ، ونبين إلى أي حد تنبسط رقابة محكمة النقض في ذلك .

 ( 2 ) ما نص عليه القانون ( م 150 فقرة 2 ) من أنه إذا كان هناك محل لتفسير العقد وجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ . فالعبرة بالإرادة الحقيقية ( الباطنة ) على أن يكون ههذ الإرادة هي الإرادة المشتركة للمتعاقدين ( [5] ) على النحو الذي سنفصله فيما يلي . وهذه قاعدة قانونية ملزمة لا يجوز الخروج عليها عند تفسير العقد . فالقاضي الذي يقرر في حكمه أن المتعاقدين ارادا شيئاً معيناً ، وكان هذا الشيء جائزاً قانوناً ، ثم يصرح بعد ذلك بأنه لا يقضي بما أراد المتعاقدان بل بما تقضي به العدالة ، يكون قد خالف القانون وينقض حكمه ( [6] ) . أما ما ذكره النص بعد ذلك من الاستهداء في تعرف النية المشتركة للمتعاقدين بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقاً للعرف الجاري في المعاملات ، فهذه قواعد ليست ملزمة وإنما يستأنس بها القاضي . وهو حر في إلا يتبعها إذا رأى أن اتباعها لا يجدي ولا يؤدي به إلى تعرف نية المتعاقدين . وهو إذا جهر بذلك لا ينقض حكمه .

 ( 3 ) ما نص عليه القانون ( م 151 ) من أن الشك يفسر في مصلحة المدين ، مع استثناء عقود الاذعان ففيها لا يجوز أن يكون التفسير ضاراً بمصلحة الطرف المذعن . فهذه هي أيضاً قاعدة قانونية ملزمة في تفسير العقد ، إذا خالفها القاضي نقض حكمه . وسنرى فيما يلي مدى تطبيق القاعدة ، ومتى يمكن القول بأن هناك شكاً في إرادة المتعاقدين ، ولكن نلاحظ منذ الآن أن تحديد معنى الشك ومتى يمكن القول بأن الشك موجود هو أيضاً من مسائل القانون يخضع لرقابة محكمة النقض .

 ( ثانياً ) إذا التزم القاضي في تفسير إرادة المتعاقدين القواعد القانونية الملزمة التي تقدم ذكرها ، فهو يكشف عن هذه الإرادة وله سلطة التقدير في الكشف عنها ، وهذه سلطة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض كما سنرى . ولكنه يتقيد قانوناً – ويخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض – بقاعدة جوهرية بسطتها محكمة النقض في كثير من أحكامها . ذلك أن قاضي الموضوع عندما يستخلص إرادة المتعاقدين من الواقع الذي ثبت عنه ، يجب أن يكون هذا الواقع ثابتاً من مصادر موحجودة فعلا لا وهما ، غير مناقضة للثابت في الدعوى ، وتؤدى عقلا لاستخلاص الواقعة التي ثبتت عند القاضي . فإذا اثبت القاضي مصدراً للواقعة وهمياً لا وجود له ، أو موجوداً ولكنه مناقض لوقائع أخرى ثابتة ، أو غير مناقض ولكن يستحيل عقلا استخلاص الواقعة منه كما فعل هو ، كان حكمه مخالفاً للقواعد القانونية في الإثبات ووجب نقضه ( [7] ) .

 ( ثالثاً ) متى كشف القاضي عن إرادة المتعاقدين ، ملتزماً في ذلك القواعد القانونية التي تقدم ذكرها ، كيفها بعد ذلك التكييف القانونين الصحيح غير متقيد بتكييف المتعاقدين ، ثم رتب على هذا التكييف اثاره القانونية . وهو خاضع في التكييف ومارتبه عليه من آثار الرقابة محكمة النقض . لأنه يطبق ا لقانون على الواقع ، وتطبيق القانون يعد من المسائل القانونية ( [8] ) .

أما ما يعتبر من الواقع في تفسير العقد ولا يخضع لرقابة محكمة النقض ، فهو هذه السلطة التقديرية التي للقاضي في الكشف عن إرادة المتعاقدين واستخلاصها من الوقائع الثابتة أمامه في الدعوى . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( [9] ) .

إلى حالات ثلاث في تفسير العقد ، ووضع لكل حالة قاعدة قانونية ملزمة . فإذا كان تعبارة العقد واضحة لم يجز الانحراف عن المعنى الظاهر . أما إذا كانت غير واضحة فيجب تبين الإرادة المشتركة للمتعاقدين . فإذا قام شك في تبين هذه الإرادة فسر الشك لمصلحة الملتزم في غير عقود الإذعان .

ونبحث الآن بالتفصيل كلا من هذه الحالات الثلاث .

1-    عبارة العقد واضحة

390 – القاعدة آلت تتبع في التفسير : رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 150 تقضي بأنه إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين . وهذا النص ليس إلا تقنيناً لقضاء محكمة النقض عندنا . فإن هذه المحكمة ، وقد جرت في ذلك على نهج محكمة النقض الفرنسية ، تفرق في العقد بين الشرط الظاهر والشروط الغامضة ليستخلص منها إرادة المتعاقدين على الوجه الذي يؤدي إليه اجتهاده . أما في تفسير شروط الظاهرة فلا تجيز محكمة النقض لقاضي الموضوع أن ينحرف عن معناها الظاهر إلى معنى آخر . ويعتبر الانحراف عن عبارة العقد الواضحة تحريفاً لها ومسخاً وتشويهاً مما يوجب نقض الحكم .

391 – العبارة الواضحة قد تكون محلا للتفسير : ولا يفهم من ذلك أن العبارة إذا كانت واضحة فلا يجوز تفسيرها . بل إن القاضي قد يجد نفسه في حاجة إلى تفسير العبارات الواضحة ، مهما بلغ وضوحها ، وسلس معناها ، وارتفع عنها اللبس والابهام ، ذلك أن وضوح العبارة غير وضوح الإرادة . فقد تكون العبارة في ذاتها واضحة ، ولكن الظروف تدل على أن المتعاقدين أساء استعمال هذا التعبير الواضح ، فقصدا معنى وعبرا عنه بلفظ لا يستقيم له هذا المعنى بل هو واضح في معنى الآخر . ففي هذه الحالة لا يأخذ القاضي بالمعنى الواضح للفظ ، ويجب عليه أن يعدل عنه إلى المعنى الذي قصد إليه المتعاقدان . وهو بذلك يفسر اللفظ الواضح ، بل وينحرف عن معناه الظاهر دون أن يحرفه أو يمسحه أو يشوهه . ولكن لا يجوز للقاضي أن يفعل ذلك إلا بشرطين :

 ( الشرط الأول ) هو أن يفرض بادئ الأمر أن المعنى الواضح من اللفظ هو ذات المعنى الذي قصد إليه المتعاقدان ، فلا ينحرف عنه إلى غيره من المعاني إلا إذا قام أمامه من ظروف الدعوى ما يبرر ذلك .

 ( والشرط الثاني ) هو أنه إذا عدل عن المعنى الواضح إلى غيره من المعاني لقيام أسباب تبرر ذلك ، رجب عليه أن يبين في حكمه هذه الأسباب . وفي هذا تقول محكمة النقض : ” لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تفسير صيغ العقود والشروط والقيود المختلف عليها بما تراه هي أوفى بمقصود المتعاقدين ، مستعينة في ذلك بجميع ظروف الدعوى وملابساتها . ولها بهذه السلطة أن تعدل عن المدلول الظاهر إلى خلافه ، بشرط أن تبين في أسباب حكمها لما عدلت عن هذا الظاهر إلى خلافه ، وكيف أفادت تلك الصيغ هذا المعنى الذي اقتنعت به ورجحت أنه هو مقصود العاقدين ، بحيث يتضح من هذا البيان إنها قد أخذت في تفسيرها باعتبارات مقبولة يصح عقلا استخلاص ما استخلصته منها . فإن قصر حكمها في ذلك كان باطلا لعدم اشتماله على الأسباب الكافية التي يجب قانوناً أن ينبني عليها ( [10] ) ” .

392 – رقابة محكمة النقض في تفسير العبارات الواضحة : ويتبين مما قدمناه أن محكمة النقض تبسط رقابتها على محكمة الموضوع في تفسير العبارات الواضحة عن طريق رقابة أسباب الحكم . فإذا التزمت محكمة الموضوع المعنى الواضح للفظ الظاهر لم تكن في حاجة إلى تسبيب حكمها بأكثر من أن تذكر أن هذا هو المعنى الواضح وهو الذي يعبر عن مقصود العاقدين . أما إذا عدلت عن هذا المعنى الواضح إلى معنى آخر تعتبر أنه هو الذي قصد إليه المتعاقدان ، وجب عليها أن تبين في أسباب الحكم لم كان هذا العدول . ومحكمة النقض تراقب الأسباب ، فإن اقتنعت بأن العدول قد قام على اعتبارات تسوغه سلم الحكم من النقض ، وإلا نقض لقصور التسبيب ( [11] ) .

ويبدو أن تقدير ما إذا كانت العبارة واضحة أو غامضة يدخل أيضاً في رقابة محكمة النقض ، وإلا جاز للقاضي أن يفسر العبارة الواضحة بما يخرجها عن معناها الظاهر دون أن يذكر الأسباب التي تبرر ذلك ، بل يكتفي بتقرير أن العبارة غامضة ، وأن المعنى الذي استخلصه هو مقصود المتعاقدين ، وأن هذا وذاك يدخل في سلطان تقديره الموضوعي دون تعقيب عليه من محكمة النقض .

393 – هل الأخذ بالمعنى الظاهر للفظ الواضح اخذ بالإرادة الظاهرة : وبعد أن بسطنا القاعدة في تفسر العبارة الواضحة للعقد ، يحق لنا أن نتساءل : ما دام القاضي لا ينحرف عن المعنى الظاهر للفظ الواضح ، وقد ألزمه القانون ذلك بصريح النص ( [12] ) ، فهل لنا أن نفهم أن القانون قد أخذ في هذه الحالة بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة ، ما دام لا يجيز الانحراف عن الأولى ؟

إن الإطلاق الذي رأيناه في نص القانون قد تقيد بما قدمناه من أن القاضي له أن يعدل عن المعنى الظاهر للفظ الواضح إلى معنى آخر يقتنع بأنه هو المعنى الذي قصد إليه المتعاقدان ، ما دام يورد الأسباب المعقولة التي تبرر ذلك . ويستخلص من هذا أن القاضي لا يأخذ في العبارة الواضحة بالإرادة الظاهرة إلا على أساس أن هذه الإرادة هي ذات الإرادة الباطنة . وإذا قام دليل على أن هناك تغايراً ما بين الإرادتين ، وجب عليه أن يأخذ بالإرادة الباطنة دون الإرادة الظاهرة مع ذكر هذا الدليل في أسباب الحكم .

ومن ذلك نرى أن القانون المدني الجديد – وقد نهج في هذا نهج محكمة النقض كما قدمنا – لم يأخذ بالإرادة الظاهرة إلا مفترضاً إنها هي ذاتها الإرادة الباطنة . فالإرادة الظاهرة عنده هي الدليل على الإرادة الباطنة ، ولكنها دليل يقبل إثبات العكس ، ومتى ثبت العكس فالعبرة بالإرادة الباطنة .

2 – عبارة العقد غير واضحة

394 – البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين : تقول الفقرة الثانية من المادة 150 : ” أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد ، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ” .

أما أنه لا يجوز الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ فواضح . وإذا كنا لا نقف عند هذا المعنى وعبارة العقد واضحة كما رأينا ، فأولى بنا إلا نقف عنده وعبارة العقد غير واضحة ، لا تنصرف إلى معنى واحد ظاهر ، بل تحتمل أكثر من معنى . وأما أن العبرة إنما تكون بالإرادة المشتركة للمتعاقدين ، لا بالإرادة الفردية لكل منهما ، فهذا واضح أيضاً ، لأن الإرادة المشتركة هي التي التقى عندها المتعاقدان ، فهي التي يؤخذ بها ، دون اعتداد بما لأي متعاقد منهما من إرادة فردية لم يتلاق معه المتعاقد الآخر فيها ( [13] ) .

ولكن أين نجد هذه الإرادة المشتركة ، أو النية المشتركة ؟ تشعبت الآراء في ذلك . فمن الفقهاء من يرى أن هذه النية المشتركة التي تكون محلا للتفسير لا يمكن إلا أن تكون الإرادة الظاهرة التي توافق عليها طرفا العقد . وذلك أن التسفير لا يكون إلا في العقد الصحيح كما قدمنا ، وما دام العقد صحيحا فلا بد أن تكون الإرادة الظاهرة التي توافق عليها طرفا العقد مطابقة للإرادة الباطنة ، وإلا لداخل العقد عيب من عيوب الإرادة ولما كان صحيحاً . فلا يجوز إذن أن يكون تفسير العقد وسيلة لتغليب الإرادة الباطنة على الإرادة الظاهرة ، وإنما يكون التفسير وسيلة لاستخلاص الإرادة الباطنة من الإرادة الظاهرة ، فالإرادة الظاهرة وحدها هي التي تكون محلا للتفسير على أساس إنها مطابقة للإرادة الباطنة ( [14] ) . ويؤخذ على هذا الرأي أنه يفترض عند تفسير العقد أن تكون الإرادة الظاهرة مطابقة حتما للإرادة الباطنة . وهذا إن صح في الكثرة الغالبة من الأحوال ، إلا أنه يقع أحياناً أن يكون المتعاقدان قد قصدا أمراً متفقاً عليه ، ولكن عبرا عنه تعبيراً غير دقيق ، فتنحرف هنا الإرادة الظاهرة المشتركة عن الإرادة الباطنة المشتركة ، ولا نكون في هذا الفرض في منطقة صحة العقد ، فالعقد صحيح والمتعاقدان متوافقان تمام التوافق على أمر واحد . وإنما نكون في منطقة تفسير العقد ، مع ما بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة في تفسير العقد . ومن ثم يكون الرأي الذي يذهب إلى وجوب اعتبار الإرادة الظاهرة عند تفسير العقد مطابقة حتما للإرادة الباطنة ، وجعل الإرادة الظاهرة على هذا الأساس هي دائماً محل التفسير ، رأياً فيه إطلاق يجدر تقييده . والصحيح أن يقال إ ، الإرادة الظاهرة هي التي تعبر في العادة عن الإرادة الباطنة ، والمفروض عند تفسير العقد أن الارادتين متحدتان ، فيكون الأصل أن الإرادة الظاهرة هي محل التفسير ، ما لم يقم الدليل على أن الإرادة الظاهرة لا تعبر تعبيراً دقيقاً عن الإرادة الباطنة . وأن بين الإرادتين تغايراً ، فتكون العبرة في هذه الحالة بالإرادة الباطنة لا بالإرادة الظاهرة ، وتكون الأولى لا الثانية هي محل التفسير .

ومن الفقهاء من يرى أن النية المشتركة للمتعاقدين تتمثل في الإيجاب الموجه من الموجب إلى الطرف الآخر ، مفهوماً على النحو الذي اخذ به الطرف الآخر أو كان يستطيع أن يأخذ به ( [15] ) . فالإيجاب يصدر من الموجب ، ويتلقاه الطرف الآخر ، ويفهمه أو كان يستطيع أن يفهمه على نحو معين . فهذا الفهم الحصل فعلا أو المستطاع تحصيله هو الذي نقف عنده لأنه هو القدر المتيقن الذي تلاقى عنده المتعاقدان . وعيب هذا الرأي أنه يفترض أن التعاقد يتم عن طريق تعبير تام نهائي يتلقاه من وجه إليه هذا التعبير . ولكن الذي يقع في العمل غير ذلك . فالمتعاقدان يتفاوضان ، ويتساومان ، ويتبادلان تعبيرات غير نهائية ، ثم ينتهيان آخر الأمر إلى تعبير واحد يرتضيانه معاً ، ولسنا نعلم من منهما صاحبه ، فهو ثمرة مفاوضات دارت بينهما ، ولكن منهما نصيبه فيه .

ويذهب سالي ( Saleilles ) إلى أن الإرادة المشتركة للمتعاقدين هي هذه الإرادة القانوينة التي يجمع القاضي عندها إرادة كل من المتعاقدين ، بعد أن يقارب ما استطاع ما بين الإرادتين ، دون أن يضحى إحداهما لمصلحة الأخرى . وظاهر أن هذا الرأي يستبدل بالإرادة الحقيقية للمتعاقدين الرادة ليست لهما ، بل هي إرادة من صنع القاضي ، هو الذي يقوم بنسج خيوطها ثم يفرضها عليهما فرضاً ( [16] ) .

ونحن نؤثر إلا ننحاز لرأي من هذه الآراء ، وأن نستبقى للمسألة بساطتها الأولى . فنقول إن الأمر لا يعدو أن يكون هناك مظهر خارجي للتعبير عن إرادة مشتركة للمتعاقدين ، أي إرادة ظاهرة المفروض فيها أنه تكشف عن إرادة باطنة . فإذا لم يقم دليل على غير ذلك ، وجب أن نستخلص الإرادة الحقيقية للمتعاقدين – وهي النية المشتركة التي نبح عنها – من هذه الإرادة الظاهرة عن طريق معايير نستهدي بها ، هي التي نتولى الآن الكلام فيها .

395 – العوامل التي يستهدي بها القاضي للكشف عن النية المشتركة للمتعاقدين : ويستهدي القاضي للكشف عن هذه النية المشتركة بعوامل مختلفة ذكر القانون الجديد بعضاً منها لأهميته ، فهو يستهدي ” بطبيعة التعامل ، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، وفقاً للعرف الجاري في المعاملات ” ( م 150 فقرة 2 ) . وغنى عن البيان أن القانون الجديد لم يذكر ما ذكر من هذه العوامل على سبيل الحصر . فإلى جانب ما ذكر توجد عوامل أخرى لم يذكرها ويصح أن يستهدي بها القاضي .

ويمكن بوجه عام أن نميز بين عوامل يفسر بها القاضي عبارات العقد بالرجوع إلى العقد ذاته ونسميها بالعوامل الداخلية ، وأخرى يفسر بها العقد وهي خارجة عنه ونسميها بالعوامل الخارجية . والكثرة الغالبة من هذه العوامل هي عوامل موضوعية لا عوامل ذاتية ، يطمئن إليها القاضي في تفسير العقد التماساً لاستقرار التعامل . إذ هو يستدل على النية المشتركة للمتعاقدين – وهذه مسألة نفسية خفية – بعوامل مادية ظاهرة . ونتكلم في كل من العوامل الداخلية والعوامل الخارجية .

396 – العوامل الداخلية في تفسير العقد : ذكر القانون منها طبيعة التعامل وما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، ونضيف إلى هذين قواعد أخرى يستأنس بها القاضي في تفسير العقد بالرجوع إلى العقد ذاته ، ذكرها القانون المدني الفرنسي لا على سبيل الإلزام بل على سبيل الإرشاد . من ذلك ما إذا تحملت العبارة أكثر من معنى واحد ، فتحمل على المعنى الذي يجعلها تنتج أثراً قانونياً ( م 1157 مدني فرنسي ) . ومن ذلك أيضاً أن عبارات العقد يفسر بعضها بعضاً ( م 1161 مدني فرنسي ) . ومن ذلك أخيراً أن تخصيص حالة بالذكر لا يجعلها تنفرد بالحكم ( م 1164 مدني فرنسي ) . ونقول كلمة موجزة في كل من هذه العوامل .

فالعقد يفسر بحسب طبيعة التعامل ، أي بحسب طبيعة العقد وموضوعه . فإذا احتسب العبارة معاني مختلفة ، اختار القاضي المعنى الذي تقتضيه طبيعة العقد أو نوع المشارطة . إذ المعقول أن المتعاقدين قصدا أن العقد محكوماً بالقواعد التي تقضتيها طبيعته ما لم يصرحا بخلاف ذلك . فإذا اشترط المعير في عارية الاستعمال أن يرد المستعير الشيء أو مثله ، فلا يفسر ذلك على أن المتعاقدين أرادا عارية استهلاك ، بل قصد المعير أن يلزم المستعير في حالة هلاك الشيء برد مثله لا بأن يدفع تعويضاً ( [17] ) . وإذا كانت العبارة عامة ، فإنها تحدد بالرجوع إلى الموضوع الذي تم التعاقد عليه . إذ المعقول أن المتعاقدين لا يريدان أن يخرجا عن هذا الموضوع إلا إذا كانت عبارتهما صريحة في مجاوزته . فإذا تخارج أحد الورثة عن نصيبه في الميراث ، فسر ذلك بأنه يتنازل عن جميع حقوقه في التركة التي يتخارج فيها حتى لو كان بعض هذه الحقوق مجهولا منه ، ولكن لا يشمل التخارج حقوقاً موروثة من تركة أخرى ( [18] ) .

ويستهدي القاضي بما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين . والأمانة ( loyaute ) واجب على المتعاقد ، والثقة ( confiance ) حق له . وبيان ذلك أن من وجه إليه الإيجاب يجب أن يفهم عبارته بما تقتضيه الأمانة في التعامل . فإذا كان هناك خطأ في التعبير أو لبس ، واستطاع أن يتبين ذلك أو كان يستطيع أن يتبينه ، فالأمانة في التعامل تقضي عليه إلا يستغل ما وقع من ابهام في التعبير ، ما دام أنه قد فهمه على حقيقته أو كان يستطيع أن يفهمه . ويقابل هذا الواجب حق . فلمن وجه إليه الإيجاب أن يطمئن إلى العبارة بحسب ظاهرها ، وأن يعتبر هذا المعنى الظاهر هو المعنى الذي قصد إليه الموجب . وهذه هي الثقة المشروعة ، وتنطوي على معنى الأخذ بالإرادة الظاهرة في تفسير العقد .

وإذا احتملت العبارة أكثر من معنى واحد ، وكان أحد هذه المعاني هو الذي ينتج أثراً قانونياً ، حملت العبارة على هذا المعنى ، إذ إعمال الكلام خير من إهماله . فإذا سلم شخص لآخر أرضاً مملوكة له في مقابل دين ، واشترط الدائن أن يستولى على ريع الأرض في نظير الفوائد وألا يرد الأرض إلى صاحبها إلا عند سداد الدين ، فإذا فسر هذا العقد بأنه غاروقة – إذ هو يجمع خصائصها – فإنه لا ينتج أثراً قانونياً ، لأن الغاروقة قد ألغيت بإلغاء الأراضي الخراجية . فيفسر على أنه رهن حيازة ، ولا يسمح للدائن أن يستولى على ما يزيد عن الحد الأقصى الذي يجوز الاتفاق عليه في الفوائد ( [19] ) .

وعبارات العقد يفسر بعضها بعضاً . فلا يجوز عزل العباراة الواحدة عن بقية العبارات ، بل يجب تفسيرها باعتبارها جزءاً من كل هو العقد . فقد تكون هناك عبارة مطلقة ، وتحددها عبارة سابقة أو لاحقة . وقد تقرر العبارة أصلاً يرد عليه استثناء يذكر قبلها أو بعدها . وقد تكون العبارة مبهمة ، وتفسرها عبارة وردت في موضع آخر . فإذا باع شخص مفروشات منزله ، ثم عين هذه المفروشات في مكان آخر من العقد ، فإن خصوص العبارة الثانية يحدد من عموم العبارة الأولى ، إذ الخاص يقيد العام . ولا يدخل في المبيع ما لم يذكر في المفروضات المعينة ، حتى لو كان داخلا ضمن مفروشات المنزل . وإذا قام التناقض بين عبارتين ، اجتهد القاضي في التوفيق بينهما . فلو أمكنه أعمال العبارتين معاً فعل ، وإلا اجتهد في إعمالهما إلى أقصى حد دون إرهاق للفظ أو قسر له على غيره معناه . فإذا كان التناقض يستعصى معه الجمع بين العبارتين على أية صورة ، اختار العبارة التي يظهر له أن المتعاقدين كانا يريدانها دون الأخرى ( [20] ) .

وتخصيص حالة بالذكر لا يجعلها تنفرد بالحكم . فإذا باع شخص أرضا زراعية ، وكان من توابعها مواش خصت بالذكر في عقد البيع ، فليس هذا معناه أن المواشي وحدها هي التي تدخل ضمن الشيء المبيع ، فكل التوابع الأخرى من آلات زراعية ومخازن ومبان ونحو ذلك يدخل أيضاً . أما تخصيص المواشي بالذكر فقد يكون لأن المتعاقدين خشيا أن يقوم شك في أن المبيع يشملها فصرحا بذلك حسما للنزاع ، أو لأنهما يعلقان أهمية خاصة على هذه المواشي فأفرداها بالذكر . ونرى من ذلك أن هذه القاعدة نقيض للقاعدة السابقة التي تقضي بأن الخاص يقيد العام . فقواعد التفسير قد تتضارب ، وعلى القاضي أن يختار القاعدة الملائمة لتفسير العقد الذي يدعى لتفسيره .

397 – العوامل الخارجية في تفسير العقد : ذكر القانون منها العرف الجاري في المعاملات ، ونضيف إليه الطريقة التي ينفذ بها العقد .

فالعقد يفسر طبقاً لما يقتضيه العرف الجاري في التعامل . إذ المعقول في المسائل التي توطد فيها عرف أن يفرض في المتعاقدين انهما عالمان به وقد ارتضياه ، وإلا لصرحا بمخالفته . فإذا كانت عبارات العقد مبهمة وجب تفسيرها في ضوء هذا العرف . وقد قضت محكمة النقض بأن القاضي يفسر العقد مع مراعاة ما يقتضيه نو عالمشارطة والعرف الجاري ، فله أن يقضي بأن إنشاء بلكون من حديد مفرغ في طبقة ثانية من منزل لا يعتبر بناء معطلا لحق ارتفاق الجار المرتفق بالمطل والنور والهواء ( [21] ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن العرف يقضي بأن يكون اجر السمسار 2 .5 % من قيمة الصفقة ( [22] ) . والعرف يكون عاماً ( [23] ) ، لكن إذا تنازع عرف عام مع عرف خاص تغلب العرف الخاص ( [24] ) . ويجب أن يكون العرف مستقراً ( [25] ) . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بان العادة التي تقضي بأن يكون نزح البئر في جهة رمل الإسكندرية على المستأجر ليست عادة مستقرة فلا يحكم بها ( [26] ) . ويجب أن يكون العرف غير مخالف لا للقانون ولا للنظام العام ولا للآداب ( [27] ) . ولا يطبق العرف ، كما تقول محكمة النقض ( [28] ) ، إلا عندما تستغلق نصوص القانون أو يسكت المتعاقدون عن تنظيم في ناحية مما تعاقدوا عليه أو ينظمونه في غموض . وهناك مسائل يجري فيها العرف مجرى القانون ، كما في المسائل التجارية والمعاملات البحرية وعقود التأمين والحساب الجاري ونحو ذلك ، ففي هذه المسائل يرجع القاضي إلى العرف لا لتفسير نية المتعاقدين فحسبن بل أيضاً لتكملة العقد ذاته وتحديد نطاقه كما سنرى . ويلاحظ أن العرف عندما يكون عاملا من عوامل تفسير العقد غير العرف عندما يكون مصدراً من مصادر القانون ، فإن القاضي إذا خالف العرف في الحالة الأولى لم يكن حكمه عرضة للنقض ، أما العرف في الحالة الثانية فهو قانون إذا خالفه القاضي نقض حكمه .

وقد تتضح إرادة المتعاقدين من الطريقة التي ينفذان بها العقد . فإذا قاما بتنفيذ العقد على نحو معين مدة من الزمن ، فسرت إراداتهما المشتركة في ضوء طريقة التنفيذ التي تراضيا عليها . مثل ذلك أن يغفل عقد الإيجار ذكر مكان دفع الأجرة ، وتقضي القواعد العامة في هذه الحالة بأن الأجرة تدفع في محل المستأجر ، ولكن المستأجر يعاد مدة كافية من الزمن أن يدفع الأجرة في محل المؤجر ، فيحمل ذلك على أن المتعاقدين أرادا أن تدفع الأجرة في هذا المحل ( [29] ) .

398 – بأية إرادة يؤخذ في تفسير العقد : ويخلص مما قدمناه أن القاضي في تفسير العقد الغامض يأخذ بالنية المشتركة للمتعاقدين ، ويستخلصها عن طريق معايير موضوعية تمكنه من الكشف عنها . فلا هو يأخذ بالإرادة الظاهرة المحضة . ولا هو لا يأخذ بالإرادة الباطنة المحضة . وإنما يأخذ بالإرادة الباطنة التي يستطيع التعرف عليها ( volonte reconnaissable ) ( [30] ) .

ونرى من ذلك أن القانون الجديد ، في حالتي العقد الواضح والعقد الغامض ، لا يعتد بالإرادة الظاهرة إلا على اعتبار إنها دليل على الإرادة الباطنة . وهو على كل حال دليل يقبل إثبات العكس .

3 – قيام الشك في التعرف على إرادة المتعاقدين

398 – يفسر الشك في مصلحة المدين – مبررات هذه القاعدة : وضع القانون نصاً ريحاً في هذه الحالة – الفقرة الأولى من المادة 1512 – بقضى بأن يفسر الشك في مصلحة المدين . فإذا قام شاك في مدى التزام المدين بعقد ، فسر هذا الشك في مصلحته ، واخذ بالتفسير الأضيق في تحديد هذا المدى . ويبرر هذه القاعدة الاعتبارات الآتية :

 ( أولاً ) إذا كنا نأخذ بالتفسير الأضيق في تحديد مدى التزام المدين ، فذلك لأن الأصل براءة الذمة ، والالتزام هو الاستثناء ، والاستثناء إلا يتوسع فيه . هذا إلى أن النية المعقولة عند الملتزم هو أن يلتزم إلى أضيق مدى تتحمله عبارات العقد ، فلا يمكن إن يكون هناك توافق بين إرادة الدائن وارادة المدين إلا في حدود هذا المدى الضيق .

 ( ثانياً ) ثم إن الدائن هو المكلف بإثبات الالتزام ، فإذا كان هناك شك في الالتزام من حيث مداه ، واراد الدائن الأخذ بمدى واسع ، كان عاجزاً عن إثبات ذلك ، فلا يبقى إلا الأخذ بالمدى الضيق لأنه هو وحده الذي قام عليه الدليل . فتكون القاعدة على هذا الاعتبار قاعدة في الإثبات لا قاعدة في التفسير ( [31] ) .

 ( ثالثاً ) ويقال أيضاً في تبرير القاعدة إن الالتزام يمليه الدائن لا المدين . فإذا املاه مبهماً يحوم حوله الشك فالخطأ خطاه ، ووجب أن يفسر الالتزام لمصلحة المدين ، إذ كان في مقدور الدائن أن يجعل الالتزام واضحاً لا يجول الشك فيه . ومزية هذا الاعتبار أنه يفسر لم نص القانون على أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان لمصلحة الطرف المذعن حتى لو كان دائناً . فإن عقد الإذعان يمليه الطرف القوي على الطرف المذعن في جميع مشتملاته ، فتكون التزامات هذا الطرف القوي هي أيضاً من إملائه ، فتفسر هذه الالتزامات لا لمصلحته بل لمصلحة الطرف المذعن وهو هنا الدائن .

399 – نطاق تطبيق القاعدة : وللقاعدة المتقدمة نطاق محدد تطبق فيه ، ويرد عليها في حدود هذا النطاق استثناء معين .

أما نطاقها فهو أن يكون هناك شك في التعرف على النية المشتركة للمتعاقدين : مجرد شك ، بأن يتراوح تفسر العقد بين وجوه متعددة كل وجه منها محتمل ، ولا تريح لوجه على وجه . أما إذا استحال التفسير ، ولم يستطع القاضي أن يتبين ولو وجها واحداً لتفسير العقد مهما كان جانب الشك فيه ، فهذه قرينة على أنه ليست هناك نية مشتركة للمتعاقدين التقيا عندها ، بل أراد كل منهما شيئا لم يرده الآخر ، فلم ينعقد العقد . ولا بد ، من وجهة أخرى ، أن يكون الشك مما يتعذر جلاؤه . فإذا أمكن القاضي أن يكشف عن النية المشتركة للمتعاقدين – مهما كان هذا عسيراً – واستطاع أن يزيح عنها ، وجب عليه تفسير العقد بمقتضى هذه النية المشتركة ، ولو كان التفسير في غير مصلحة المدين ( [32] ) .

أما الاستثناء الذي يرد على القاعدة فهو ما ورد في الفقرة الثانية من المادة 151 من أنه ” لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضاراً بمصلحة الطرف المذعن ” . فيجب إذ أن يكون التفسير لمصلحته دائماً ، ولو كان دائناً ، على خلاف القاعدة التي نحن بصددها من أن التفسير عند الشك لا يكون لمصلحة المتعاقد إلا إذا كان مديناً . وقد مر بيان ذلك عند الكلام في عقود الإذعان ( [33] ) .

400 – تطبيقات للقاعدة : فإذا وجد القاضي نفسه في نطاق تطبيق القاعدة طبقها . وفسر العقد الملزم لجانب واحد لمصلحة الجانب الملتزم . وفسر العقد الملزم للجانبين لمصلحة أي من المتعاقدين يكون مديناً في الالتزام الذي يفسره ، فيكون التفسير تارة لمصلحة أحد المتعاقدين وطوراً لمصلحة الآخر .

فإذا كان هناك شك في وجوب إعذار المدين ، فسر هذا الشك في مصلحته ووجب الإعذار ( [34] ) . وإذا قام شك فيما إذا كان الشرط الجزائي مستحقا في حالة التأخر عن التنفيذ أو هو غير مستحق إلا في حالة عدم التنفيذ ، كان الشرط غير مستحق إلا في حالة عدم التنفيذ ( [35] ) . وإذا كان المدين ملتزماً بإنشاء طرق معينة دون تحديد لكيفية إنشاء هذه الطرق ومن يلتزم بصيانتها ، كان المدين أن يتبع ما هو أيسر عليه واخذ مؤونة ( [36] ) . وإذا اشترطت العمولة عند تمام كل صفقة ولم يذكر متى تدفع ، كان الدفع عند تنفيذ الصفقة لا عند عقدها ( [37] ) .


 ( [1] ) بعض المراجع : ديريه ( Dereux ) في تفسير التصرفات القانونية رسالة من باريس سنة 1905 – جونو ( Gounot ) رسالة من ديجون سنة 1912 – جني ( Geny ) في طرق التفسير طبعة ثانية سنة 1919 – سالي ( Saleilles ) في الالتزامات في القانون الألماني – وفي إعلان الإرادة – بلانيول وريبير وغسمان 1 فقرة 373 – فقرة 375 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 449 – فقرة 459 – الدكتور الشيتي في تكوين العقد وتفسيره في القانون المصري الجديد رسالة تقدم بها إلى معهد القانون المقارن بجامعة باريس سنة 1949 – حامد فهمي ( باشا ) والدكتور محمد حامد فهمي بك في النقض في المواد المدنية والتجارية – والتون 1 ص 362 – ص 394 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 826 وما بعدها – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 185 وما بعدها – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت بك فقرة 346 وما بعدها .

 ( [2] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 21 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق ، فيما عدا بعض خلافات لفظية طفيفة وفيما عدا عبارة ” وبالغرض الذي يظهر أن المتعاقدين قد قصداه ” فقد تضمنها نص المشروع التمهيدي . وقد حذفت هذه العبارة في لجنة المراجعة اكتفاء بعبارة ” فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين ” ، وأجريت بعض تعديلات لفظية ، فأصبح النص مطابقاً لنص القانون الجديد ، وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم المادة 154 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وكذلك وافقت عليه لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم المادة 150 . ثم وافق عليه مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 295 – ص 298 ) .

 ( [3] ) أنظر تاريخ النص آنفاً فقرة 118 .

 ( [4] ) ويلاحظ الدكتور الشيتي في رسالته ” تكوين العقد وتفسيره في القانون المصري الجديد ” ( ص 45 – ص 46 ) أن نظرية التفسير ضرورية للبحث في انعقاد العقد وفي صحته وفي تحديد اثاره ، إذ يتوقف على تفسير التعبير عن الإرادة لكل من المتعاقدين معرفة ما إذا كانت هاتان الارادتان متطابقتين ، وهذا هو انعقاد العقد ، وما إذا كانت الإرادة الظاهرة تتفق مع الإرادة الباطنة ، وهذه هي صحة العقد ، وما هو مدى هاتين الارادتين المتطابقتين الصحيحتين ، وهذا هو تفسير العقد لتحديد اثاره . ويستخلص الدكترو الشبني من ذلك الأهمية البالغة التي لنظرية التفسير ، ويعتبر أنها هي المحك الذي يميز ما بين النظم القانونية المختلفة .

 ( [5] ) استئناف وطني في 11 مايو سنة 1905 الاستقلال 4 ص 345 – استئناف مختلط في 11 يونية سنة 1908 م 20 ص 270 – وفي 15 يونية سنة 1911 م 23 ص 373 – وفي 7 فبراير سنة 1917 م 29 ص 204 – وفي 16 نوفمبر سنة 1921 م 34 ص 14 – وفي 29 ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 12 – وفي 6 ديسمبر سنة 1934 م 47 ص 53 .

 ( [6] ) استئناف مختلط في 20 مارس سنة 1940 م 92 ص 221 – نقض فرنسي في 31 أكتوبر سنة 1923 سيريه 1924 – 1 – 159 – وفي 5 ديمسبر سنة 1927 سيريه 1928 – 1 – 138 .

 ( [7] ) نقض مدني في أول مارس سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 168 ص 328 – أنظر أيضاً ما قررته محكمة النقض من أنه إذا كان لقاضي الموضوع السلطة التامة في فهم الواقع في الدعوى من دلائلها المقدمة له تقديماً صحيحاً ، ولا رقابة عليه في ذلك لمحكمة النقض ، إلا أنه متى اثبت لهذا الفهم دليلا وهمياً لا وجود له ، أو كان موجوداً ولكنه مناقض لما أثبته ، أو غير مناقض ولكن يستحيل عقلا استخلاص هذا الفهم منه ، فإن حكمه يقع إذن تحت رقابة محكمة النقض لمخالفته لقواعد الإثبات القانونية . فإذا انتحل الحكم للحادث الضار سبباً تقصيرياً لا يمكن استخلاصه فعلا من عناصر التحقيق التي كانت أمام المحكمة تعين نقضه ( نقض مدني في 27 مارس سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 235 ص 630 ) .

 ( [8] ) تالامون ( Talamon ) في رقابة محكمة النقض على تفسير العقود وتطبيقها رسالة من باريس سنة 1926 – مارتي ( Marty ) في التمييز بين الواقع والقانون أمام محكمة النقض رسالة من تولوز سنة 1929 – حامد فهمي باشا والدكتور محمد حامد فهمي بك في النقض في المواد المدنية والتجارية فقرة 299 وما بعدها .

وقد قضت محكمة النقض بأن من حقها أن تشرف على محكمة الموضوع فيما تعطيه من الأوصاف والتكييف القانونين لما تثبته في حكمها من الوقائع ، وذلك لتعرف ما إذا كان هذا التكييف قد جاء موافقاً للقانون أم مخالفاً له . فإذا ادعى بائع قطعة من الأرض إلى زوجته بعقد مسجل بثمن معين اقر بقبضه أن هذا البيع هو في الحقيقة وصية ، واستدل على ذلك بإقرار قدمه صادر له من المشترية تبيح له فيه الانتفاع بالعين المبيعة مدة حياته وتصرح فيه بأنه في حالة وفاتها قبله تعود ملكية القدر المبيع إليه ، وتمسكت هي في دفع هذه الدعوى بورقة صادرة من البائع بعد تاريخ الإقرار الصادر منها بمدة طويلة يتنازل لها فيه عن ريع الأرض المبيعة ، واعتبرت المحكمة هذا التنازل مكيفاً للعقد المتعلق بالملكية الوارد في إقرار المشترية ومتمما لعقد البيع بجميع أركانه زعماً بأنها بعد هذا التنازل تكون قد نقلت ملكية الرقبة والمنفعة معاً الىالمشترية ، فهذا الاعتبار لا يمكن حسبانه تفسيراً لعقد البيع ولا لإقرار المشترية أو تنازل البائع ، وإنما هو وصف وتكييف للعقد ، أغفلت المحكمة فيه عنصراً هاماً هو ما نص عليه في إقرار المشترية من عودة الملكية إلى البائع إذا ما توفيت هي قبله ، ويكون لمحكمة النقض أن تصحح تكييف هذا العقد على موجب قيام هذا العنصر الذي لا خلاف على ثبوته ولا على دلالته ، فتعتبره وصية لا بيعاً صحيحاً ( نقض مدني في 2 مارس سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 108 ص 192 ) – والمتعاقدان قد يخطئان في تكييف العقد جهلا أو عمداً ، والتعمد يكون عادة لاخفاء غرض غير مشروع ، كربا فاحش يستتر تحت اسم إيجار أو بيع ( استئناف وطني في 29 ديسمبر سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 85 ) ، وكرهن حيازة يستتر تحت اسم بيع وفاء في القانون المدني القديم ، وكشركة مخاصة هي في الواقع قرض ( استئناف مختلط في 8 مايو سنة 1901 م 13 ص 306 ) ، وكبيع هو في الواقع تأمين لدين على البائع للمشتري ( زقازيق استئنافي في 12 نوفمبر سنة 1908 الحقوق 23 ص 30 ) ، وقد يوصف الصلح بأنه وكالة ( استئناف وطني في 14 نوفمبر سنة 1922 المجموعة الرسمية 25 رقم 52 / 1 – أنظر أيضاً استئناف مختلط في 2 يناير سنة 1919 م 31 ص 93 – وفي 10 مايو سنة 1924 م 36 ص 364 – وفي 24 فبراير سنة 1926 م 38 ص 294 ) .

وكثيراً ما تستتر الوصية تحت اسم آخر ، كالبيع ، فعلى محكمة الموضوع أن تتبين إرادة المتصرف ، وأن تكيف هذه الإرادة التكييف القانونين الصحيح خاضعة في ذلك لرقابة محكمة النقض ( أنظر نظرية العقد للمؤلف ص 928 هامش رقم 1 وفيه إشارة لأحكام كثيرة لمحكمة استئناف مصر تكيف التصرف تارة بأنه وصية وطوراً بأنه بيع – ويضاف إلى هذه الأحكام ما يأتي : استئناف مصر في 27 يناير سنة 1935 المحاماة 16 رقم 23 ص 48 – وفي 21 مايو سنة 1935 المحاماة 16 ص 301 – وفي 31 ديسمبر سنة 1935 المحاماة 17 رقم 55 ص 112 – وفي 17 فبراير سنة 1 937 المحاماة 17 رقم 589 ص 1178 – وفي 2 مارس سنة 1937 المحاماة 17 رقم 159 ص 1181 – وفي 7 ديسمبر سنة 1937 المحاماة 18 رقم 359 ص 737 – وفي 13 يناير سنة 1938 المحاماة 19 رقم 162 ص 373 – وفي 25 ابريل سنة 1939 المحاماة 19 رقم 532 ص 1424 .

وتخضع محكمة النقض هذه التصرفات لرقابتها تارة عن استظهار نية المتصرف وهي مسألة موضوعية ، ولكن محكمة النقض تشترط في استظهار النية كما رأينا أن تكون الوقائع التي استخلصت منها هذه النية قائمة علىمصادر موجودة غير متناقضة ومؤدية إلى النتيجة التي قررتها في حكمها ( نقض مدني في 25 مايو سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 126 ص 227 ) ، ونية المتصرف تقوم عليها علامات كثيرة كاستمرار وضع يد البائع على العين واستغلالها إلى حين وفاته وكفقر المشتري وعدم قدرته على دفع الثمن المسمى في العقد وكعدم تسجيل العقد وكاستمرار قيام البائع بدفع الأموال الأميرية أو العوائد من تاريخ البيع إلى تاريخ وفاته ( استئناف مصر في 31 مارس سنة 1940 المحاماة 22 رقم 229 ص 664 ) – وطوراً عن طريق اخضاع التكييف القانونين للتصرف لرقابتها ، وقد رأينا في الحكم السابق ذكره الصادر في 3 مارس سنة 1933 إنها كيفت التصرف وصية لا بيعاً ، وفي حكم آخر كيفته هبة لاة وصية ، فقضت بأنه وإن كان لمحكمة الموضوع كامل السلطة في تفسير العقود المختلف على معناها بحسب ما تراه أدنى إلى نية المتعاقدين ، مستيعنة في ذلك بجميع وقائع الدعوى وظروفها ، إلا أنه إذا أدى هذا التفسير إلى إعطاء العقد وصفا قانونيا خاطئاً ، فإن حكمها في ذلك يكون خاضعاً لرقابة محكمة النقض التي يجب عليها في هذه الحالة تصحيح ما وقع من الخطأ ، فإذا صدر عقد من شخص إلى حفيده ببيع قطعة من الأرض له ، نص فيه على أن البائع باع تلك الاطيان لحفيده بيعاً قطعياً لا رجوع فيه ونزل له عنها في مقابل ثمن قدره كذا قبضه من المشتري ، وأنه سلم الاطيان للمشتري لكي يضع يده عليها ويزرعها ويبيع محصولاتها الخاصة بنفسه إلى غير ذلك ، وسجل هذا العقد تسجيلا تاماً ، واستمر البائع واضعاً يده على الاطيان ، ثم تنازع مع المشتري على ملكيتها ، ودفع لديى القضاء بأن هذا العقد وصية وأنه سبق أن أخذ ورقة ضد من المشترى مقتضاها أن تبقى الأطيان تحت يده هو يستغلها لحين وفاته ولكن هذه الورقة ضاعت منه ، إذا حصل ذلك وحكمت محكمة الموضوع باعتبار هذا العقد وصية بناء على ما بان لها من الظروف التي لابست تحرير العقد وحالة البائع وظرف المشتري ومركزه بالنسبة للبائع وبقاء العين تحت يد صاحبها ، كان حكمها خاطئاً في تطبيق القانون ووجب علىمحكمة النقض تصحيحه باعتبار هذا العقد عقد تبرع منجز أي هبة مستترة في صورة بيع ، فهي هبة صحيحة ( نقض مدني في 2 يونية سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 53 ص 118 ) .

وقد كان تكييف التصرف على أنه وصية أو هبة أو بيع في القانون المدني القديم أمراً محيراً ( أنظر إلى ما جاء في ذلك من الضوابط نظرية العقد للمؤلف ص 928 في آخر الحاشية رقم 1 وتجد الأحكام مشارا إليها في أسفل ص 932 – ص 933 ) . وتضمن القانون الجديد نصاً في هذه المسألة هو المادة 917 وتقضي بأنه ” إذا تصرف شخص لأحد ورثته ، واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التي تصرف فيها وبحقه في الانتفاع بها مدى حياته ، اعتبر التصرف مضافا إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية ما لم يقم دليل يخالف ذلك ” . ويبرر مسلك القانون الجديد وميله إلى ترجيح جانب الوصية على جانب البيع أو الهبة ، مما يؤدي في الغالب إلى تقييد التصرف ، أن باعث القضاء على التساهل في تفسير التصرف على ا ،ه بيع أو هبة لا على أنه وصية قد انعدم ، فقد كان القضاء يرجح جانب البيع أو الهبة على جانب الوصية لما كانت أحكام الوصية تضيق عن الايصاء لوارث ، فكان القضاء يعالج بهذا التساهل عيباً في القانون ليصحح وصايا لها ما يبررها في ظروف الأسرة تحت ستار إنها بيوع أو هبات منجزة . أما اليوم فقد عدل المشرع المصري من أحكام الوصية ، فأجاز الوصية لوارث فيما لا يزيد على ثلث التركة وجعلها كالوصية لغير الوارث ، فلم يعد هناك مقتض لتسمية التصرفات بغير أسمائها الحقيقية ، وما دامت الوصية السافرة للوارث جائزة ، فلا محل إذن للوصية المستترة .

وقد كانت محكمة النقض ، قبل القانون المدني الجديد ، جعل احتفاظ المتصرف بايحازة العين لا بحقه في الانتفاع بها مدى حياته قرينة قضائية على أن التصرف وصية – قبل أن تصبح في القانون الجديد قرينة قانونية – لاسيما إذا اقترن ذلك باشتراط عدم تصرف المشتري في الرقبة طول حياة البائع : أنظر في هذا ا لمعنى نقض مدني في 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 158 ص 445 – وفي 11 مارس سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 36 ص 69 – وفي 29 ابريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 307 ص 612 – وفي 3 نوفمبر سنة 1949 طعن رقم 43 سنة 18 قضائية لم ينشر – ومع ذلك أنظر : نقض مدني في 13 ابريل سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 179 ص 547 – وفي 8 يونية سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 188 ص 547 ( إقرار الغى شرط المنع من التصرف ) – وفي 18 ابريل سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 66 ص 153 – وفي 16 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 75 ص 171 – وفي 3 فبراير سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 379 ص 710 – وفي 19 مايو سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 422 ص 781 – وفي 29 ديسمبر سنة 1949 طعن رقم 73 سنة 18 قضائية لم ينشر – كذلك قضت محكمة النقض بأن عدم تسجيل العقد قرينة على أنه وصية ( نقض مدني في 16 نوفمبر سنة 1939 مجموعة عمر 3 رقم 4 ص 11 – وفي 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 158 ص 445 – وفي أول ابريل سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 43 ص 107 – وفي 16 ديسمبر سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 83 ص 231 – وفثي 16 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 78 ص 174 – وفي 2 مارس سنة 1950 طعن رقم 83 سنة 18 قضائية لم ينشر . ومع ذلك أنظر : نقض مدني في 18 ابريل سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 413 ص 764 – وانظر في أن تنازل البائع عن ورقة الضد يدل على تنجيز العقد : نقض مدني في 23 مارس سنة 1 950 طعن رقم 126 سنة 18 قضائية ، وفي أن تسليم البائع العقد للمشتري وتخليه من الحيازة له قبل الوفاة ( حتى لو ثبت أن العقد لم يسجل وأن ثمناً لم يدفع ) يدل على التنجيز وعلى تخلي المورث عن فكرة الرجوع في التصرف : نقض مدني في 11 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 286 ص 564 – وفي 16 مارس سنة 1950 طعن رقم 51 سنة 19 قضائية لم ينشر ، وفي أن التصرف يعتبر وصية إذا كان البائع قد أصدر عقد البيع منفرداً ولم يقبض ثمناً ولم يسلمس العقد للمشترين بل احتفظ به طوال حياته : نقض مدني في ) مارس سنة 1950 طعن رقم 122 سنة 18 قضائية لم ينشر ، وانظر في الهبة بعوض وهي سافرة : نقض مدني في 22 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 82 ص 178 ، وفي الهبات المستترة في صورة سندات : نقض مدني في 23 مايو سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 62 ص 210 – وفي 28 يناير سنة 1934 مجموعة عمر 4 رقم 21 ص 47 – وفي 29 ابريل سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 55 ص 152 – وفي ) نوفمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 156 ص 437 .

ومن ذلك نرى أن القرينة القانونية التي أقامها القانون الجديد – وهي احتفاظ المورث بالحيازة وبحقه في الانتفاع مدى حياته – هي الشيء الثابت في هذه المسألة . وهي قرينة قابلة لإثبات العكس ، فيجوز إثبات أن التصرف بيع أو هبة لا وصية بتقديم قرائن في هذا المعنى ، كتسجيل التصرف والتنازل عن شرط منع التصرف وتبرير الاحتفاظ بحيازة العين عن طريق أن المشتري قاصر وأن البائع باشر الحيازة نيابة عنه وغير ذلك من الظروف التي تعارض قرينة التصرف وصية .

والذي يعنينا أن تقرره هنا هو أن لمحكمة النقض رقابة تامة على التكييف القانونين للعقد . وقد قضت بأن تمليك كل من الزوجين الآخر ماله بعد وفاته هو تبادل منفعة معلق على الخطر والضرر ، ولا غرض منه سوى حرمان ورثة كل منهما من حقوقه الشرعية في الميراث ، وهو من قبل الرقى المحرمة شرعا ( نقض مدني في 14 يونية 1934 مجموعة عمر 1 رقم 199 ص 499 – وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم عند الكلام في التركة المستقبلة فقرة 217 ) . وقضت أيضاً بأن العقد الذي يزيد فيه ما يدفع من الثمن نقداً عما يدفع منه عينا هو بيع لا مقايضة ، فتكييف محكمة المضووع العقد على هذا النحو لا غبار عليه ( نقض مدني في 30 مايو 1935 مجموعة عمر 1 رقم 273 ص 814 ) .

 ( [9] ) وقد قررت محكمة النقض هذا المبدأ في أحكام كثيرة ، من ذلك ما قضت به من أن استظهار نية المتعاقدين من ظروف الدعوى ووقائعها مما يدخل في سلطة قاضي الموضوع ولارقابة لمحكمة النقض عليه فيه ، فله أن يستخلص من نص عقد البيع ومن ظروف الدعوى وأحوالها أن العاقدين قصدا به أن يكون البيع تاما منجزا بشرط جزائي ، ولم يقصدا أن يكون بيعاً بعربون أو بيعاً معلقاً على شرط فاسخ ( نقض مدني في 5 يناير 1933 مجموعة عمر 1 رقم 91 ص 163 ) . وقضت كذلك بأن تفسير العقود هو من شؤون محكمة الموضوع ، فلها أن تقرر معناها على أي وجه تراه مفهوما من صيغتها وتعتبره متفقا مع قصد المتعاقدين ، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها في ذلك ما دامت عبارة العقد تحتمل المعنى الذي تأخذ به ( نقض مدني في 2 فبراير 1933 مجموعة عمر 1 رقم 95 ص 171 ) . وقضت أيضاً بان استظهارنية المتصرف مسألة موضوعية لا مدخل فيها لمحكمة النقض ما دامت الوقائع التي سردتها المحكمة في حكمها والظروف التي بسطتها فيه تؤدي إلى النتيجة القانونية التي قررتها ( نقض مدني في 25 مايو 1933 مجموعة عمر 1 رقم 126 ص 2227 ) . وقضت بأن لقاضي الموضوع السلطة التامة في بحث الدلائل والمستندات المقدمة له تقديماً صحيحاً ، وفي موازنة بعضها بالبعض الآخر ، وترجيح ما تطمئن نفسه إلى ترجيحه منها ، واستخلاص ما يرى أنه هو واقعة الدعوى دون أن يكون لمحكمة النقض أية رقابة عليه في ذلك ولو أخطأ في نفس الأمر ، لأن خطأه يكون في فهم الواقع في الدعوى لا في فهم حكم القانون في هذا الواقع ، ومحكمة النقض لا تنظر إلا في مسائل القانون . ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا صورة واحدة هي أن يثبت القاضي مصدراً للواقعة التي يستخلصها يكون وهمياً لا وجد له ، أو يكون موجوداً ولكنه مناقض لما اثبته ، أو غير مناقض ولكن يستحيل عقلا استخلاص الواقعة منه كما فعل هو ( نقض مدني أول مارس 1934 مجموعة عمر 1 رقم 168 ص 328 ) . وقضت أنه بحسب قاضي الموضوع أن يبين الحقيقة التي اقتنع بها وأن يذكر دليلها ، وما عليه أن يتتبع الخصوم في مناحي أقوالهم ومختلف حججهم وطلباتهم ويرد استقلال على كل قول أو حجة أو طلب اثاروه في مرافتهم ، ما دام قيام الحقيقة التي اقتنع بها وأورد دليلها فيه التعليل الضمني المسقط لتلك الأقوال والحجج والطلبات ( نقض مدني في 31 مايو 1934 مجموعة عمر 1 رقم 189 ص 414 ) .

أنظر أيضاً في هذا المعنى أحكاماً كثيرة نذكر منها : نقض مدني 17 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 72 ص 1402 – وفي 13 ابريل سنة 1 933 مجموعة عمر 1 رقم 119 ص 205 – وفي 21 ديسمبر سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 155 ص 291 – وفي 22 فبراير سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 167 ص 327 – وفي 27 ديسمبر سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 215 ص 520 – وفي 21 مارس سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 238 ص 646 – وفي 13 يناير سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 83 ص 240 – وفي 11 يناير سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 22 ص 51 – وفي 21 مارس سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 46 ص 40 – وفي 18 ابريل سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 52 ص 177 – وفي 6 يونية سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 66 ص 231 – وفي 24 أكتوبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 72 ص 259 – وفي 2 يناير سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 87 ص 10 وفي 11 ديسمبر سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 130 ص 393 – وفي 29 أكتوبر سنة 1942 مجموعة عمر رقم 182 ص 488 – وفي 18 فبراير سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 28 ص 58 – وفي 13 مايو سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 57 ص 154 – وفي 27 يناير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 94 ص 251 – وفي 3 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 97 ص 256 – وفي 17 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 99 ص 264 – وفي 2 مارس سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 106 ص 274 – وفي 15 مايو سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 207 ص 567 – وفي 17 مايو سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 253 ص 680 .

هذا ويلاحظ أن تفسير إرادة المتعاقدين لا يكون مسألة موضوعية إذا أخذنا بنظرية الإرادة الظاهرة ، فإن تفسير هذه الإرادة يكون إذن مسألة قانونية كتفسير نصوص القانون ذاته ، ويكون التفسير في هذه الحالة خاضعاً لرقابة محكمة النقض ( نظرية العقد للمؤلف ص 927 هامش رقم 2 ) .

 ( [10] ) نقض مدني في 10 مارس سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 41 ص 83 – قضت محكمة النقض أيضاً بأن لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة في تفهم نصوص العقد وما قصده العاقدان منها دون أن تنقيد بألفاظها ، وليس لمحكمة النقض أية رقابة عليها في ذلك ما دامت قد بينت في أسباب حكمها وجهة نظرها وما دعاها إلى الأخذ بما أخذت به في قضائها ، ولماذا لم تأخذ بظاهر ألفاظ العقد ، وما هي الظروف والملابسات التي رجحت عندها ما ذهبت إليه ( نقض مدني في 10 مارس سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 42 ص 84 ) . وقضت أيضاً بأنه مهما يقل بأن للمحكمة أن تعدل عن المعنى الظاهر للعقد إلى ما تراه هي أنه مقصود العاقدين ، فلا شك في أنه يكون عليها إذا ما رأت أن تأخذ بغير ظاهر العقد أن تبين في حكمها لم عدلت عن المدلول الظاهر إلى خلافه ، وكيف أفادت صيغته المعنى الذي أخذت به ورجحت أنه مقصود العاقدين ، بحيث يتضح من هذا البيان إنها قد اعتمدت في تأويلها إياه على اعتبارات مقبولة يصح معها استخلاص ما استخلصته منها . فإذا هي لم تفعل . كان حكمها معيباً بصور أسبابه ( نقض مدني في 3 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 18 ص 36 ) . وقضت أيضاً بأنه إذا لم تأخذ المحكمة بظاهر مدلول عبارة وردت في ورقة من أوراق الدعوى ، وأوردت في أسباب حكمها الاعتبارات التي دعتها إلى ذلك ، وكانت هذه الاعتبارات مقبولة عقلا ، فلا يصح النعي على حكمها إنها مسخت الورقة التي قصدت لتفسيرها أو إنها حرفت معناها ( نقض مدني في 4 ابريل سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 57 ص 144 ) .

أنظر أيضاً في هذا المعنى : نقض مدني في 29 ديسمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 89 ص 161 – وفي 7 ديسمبر سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 149 ص 283 – وفي 5 يناير سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 312 ص 1020 – وفي 22 يونية سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 375 ص 1155 – أنظر كذلك ” النقض في المواد المدنية والتجارية ” لحامد فهمي باشا والدكتور محمد حامد فهمي بك فقرة 102 والأحكام المشار إليها فيه ، وانظر فقرة 103 وفقرة 104 من هذا الكتاب في نقد قضاء محكمتي النقض المصرية والفرنسية في هذه المسألة وإلى رأي خاص لمؤلفي هذا الكتاب .

وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية هذا المذهب في أحكامها ، وعنها أخذت محكمة النقض المصرية كما أسلفت الإشارة : أنظر نقض فرنسي في 15 ابريل سنة 1872 داللوز 72 – 1 – 176 – وفي أول يوليو سنة 1886 داللوز 87 – 1 – 217 – وفي 3 فبراير سنة 1886 داللوز 86 – 1 – 469 – وفي 21 ديسمبر سنة 1891 داللوز 92 – 1 – 104 – وفي 27 نوفمبر سنة 1901 سيريه 1903 – 1 – 267 – وفي 26 يناير سنة 1914 سيريه 1917 – 1 – 127 – وفي 28 مارس سنة 1921 سيريه 1922 – 1 – 79 – وفي 16 مارس سنة 1925 سيريه 1925 – 1 – 166 – وفي أول يولية سنة 1926 سيريه 1926 – 1 – 286 – وفي 21 يولية سنة 1930 – سيريه 1930 – 1 – 365 – وانظر في تحليل قضاء محكمة النقض الفرنسية والعهود الثلاثة التي مر بها هذا القضاء كتاب ” النقض في المواد المدنية والتجارية ” لحامد فهمي باشا والدكتور محمد حامد فهمي بك فقرة 89 – فقرة 101 .

هذا ولعل فيما قدمناه من جواز تفسير العبارة الواضحة رداً على ما استدركه الدكتور أبو عافية ( في رسالته في التصرف المجرد نسخة عربية ص 284 هامش رقم 8 ) على القانون المدني الجديد ، فقد ذهب إلى أن الفقرة الأولى من المادة 150 تمنع من تفسير العبارة الواضحة للعقد . وقد رأينا أن هذا النص في القانون الجديد لمي قصد به إلا تقنين قضاء محكمة النقض في هذه المسألة ، تمنع وليس . من تفسير العبارة الواضحة بالشرطين اللذين بيناهما .

 ( [11] ) وإلى هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إذ تقول : ” ويلاحظ اخيراً أن القاضي ينبغي أن يلجا إلى الوسائل المادية دون غيرها لاستخلاص إرادة المتعاقدين الذاتية ، سواء أكان هناك محل لتفسير العقد أم لا . فليس للقاضي المدني ما يتمتع به القاضيالجنائي من حرية في تكوين عقيدته . وغنى عن البيان أن مراعاة هذه القاعدة الهامة مسألة من المسائل القانونية التي تخضع لرقابة محكمة النقض – أنظر قضاء هذه المحكمة فيما يتعلق بقصور الأسباب ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 297 فقرة 3 ) .

 ( [12] ) وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي تأييداً لذلك ما يأتي : ” لا ريب أن إرادة المتعاقدين هي مرجع ما يرتب التعاقد من آثار . بيد أن هذه الإرادة ، وهي ذاتية بطبيعتها ، لا يمكن استخلاصها إلا بوسية مادية أو موضوعية ، هي عبارة العقد ذاتها . فإذا كانت هذه العبارة واضحة ، لزم أن تعد تعبيراً صادقاً عن إرادة المتعاقدين المشتركة ، وليس يجوز الانحراف عن هذا التعبير لاستقصاء ما أراده العاقدان حقيقة من طريق التفسير أو التأويل . تلك قاعدة يقتضى استقرار التعامل حصراً بالغاً في مراعاتها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 296 فقرة 1 ) .

 ( [13] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وإذا كانت عبارة العقد غير واضحة أو مبهمة بحيث تحتمل في جزئياتها أو في جملتها أكثر من معنى ، تعين الالتجاء إلى التفسير . والجوهري في هذا هو كشف الإرادة المشتركة للعاقدين ، لا الإرادة الفردية لكل منهما ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 296 – ص 297 ) .

 ( [14] ) ويقول الدكتور محمود أبو عافية في هذا المعنى ، بعد أن ينعي على الفقهين الفرنسي والمصري الخلط بين صحة التصرفات القانونية وتفسيرها ، ما يأتي : ” وهذا خطأ بين يجب استبعاده بفصل هاتين المسالتين إحداهما عن الأخرى للسبب السابق ذكره ، وهو أن تحديد أثر التصرف مسألة لا توضع إلا بعد التسليم بصحته ، وصحة التصرف نفترض بدورها اتفاق الإرادة المعلنة مع الإرادة الحقيقية ، بل يجب التقيد بمضمون الإرادة المعلنة . . . يجب إذن فصل المنطقة التي يعمل فيها مبدأ اتفاق الإرادة المعلنة مع الإرادة الحقيقية كشرط لصحة التصرف عن منطقة المبدأ المتعلق بتحديد أثر التصرف . والنتيجة التي تترتب على ذلك هي أنه ما دام التعبير عن الإرادة صحيحاً فتفسيره لتحديد أثره لا يجوز أن يكون وسيلة لتغليب الإرادة الحقيقية على الإرادة المعلنة ، وإنما وسيلة الاستخلاص الإرادة الحقيقية من صيغة التعبير . ولا نزاع في أن للقاضي عندئذ أن يصرف النظر عن المعنى الحرفي للألفاظ المستعملة ليهتم فقط بمعناها المقصود ف يالحقية والذي يتبين من مجموع الظروف الخارجية التي لابست التعبير . ولكن القاضي عندما يفعل ذلك لا يغفل التعبير عن الإرادة وإنما يفسره ” ( التصرف المجرد : نسخة عربية ض 283 – ص 284 ) .

أنظر أيضاً في تحديد منطقة كل من الغلط والتفسير ولكن مع جعل الإرادة الباطنة أساساً لكل منهما الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 186 .

 ( [15] ) أنظر في هذا المعنى الدكتور الشيتي في رسالته في ” تكوين العقد وتفسيره في القانون المصري الجديد ” ص 58 .

 ( [16] ) سالي : في الالتزامات في القانون الألماني ( المادة 157 ص 228 وما بعدها ) – وانظر انتقاد الدكتور الشيني لرأي سالي في رسالته في ” تكوين العقد وتفسيره ف يالقانون المصري الجديد ” ص 55 حاشية رقم 23 .

 ( [17] ) أنظر أيضاً : استئناف مختلط في 25 يونية سنة 1932 م 44 ص 392 – نقض فرنسي في 11 نوفمبر سنة 1901 داللوز 1903 – 1 – 213 .

 ( [18] ) أنظر نظرية العقد للمؤلف فقرة 834 .

 ( [19] ) أنظر في هذا المعنى المادة 1105 من القانون المدني الجديد . وانظر في أمثلة أخرى نظرية العقد للمؤلف فقرة 833 .

 ( [20] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كانت المحكمة – في دعوى طلب إثبات صحة تعاقد دفعها المدعي عليه بأن الاتفاق الذي تم بينه وبين المدعى على البيع قد عدل عنه وزال أثره – قد بسطت الوقائع كما استخلصتها من الأوراق ، ثم حصلت من المكاتبات التي تبودلت بين محاميي الطرفين أن المدعى أنكر التعاقد منذ حصوله ، مستعينة على ذلك بإيراد ألفاظ وعبارات من تلك المكاتبات مؤدية إلى محا حصلته ، فلا عليها إذا كانت لم تقف عندما ورد في مكاتبة منها على سلان محامي المدعى عليه مفيداً أن موكله يرى أن المدعى لا ينكر البيع وإنما ينازع في تفصيلاته فقط ، إذ المحكمة حين تفسر المحررات إنما تفسرها كما تفهمها هي ، وهي إذ تعالج تفسير محررات متبادلة مترابطة إنما تعتبرها بما تفيده من جملتها لابما تفيده عبارة معينة من عباراتها ( نقض مدني في 16 أكتوبر سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 220 ص 469 ) – أنظر أيضاً نظرية العقد للمؤلف فقرة 835 .

 ( [21] ) نقض مدني في 27 أكتوبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 65 ص 173 .

 ( [22] ) 30 ديسمبر سنة 1931 م 43 ص 109 .

 ( [23] ) استئناف مختلط في 23 فبراير سنة 1910 م 22 ص 162 .

 ( [24] ) مسينا جزء 1 فقرة 61 .

 ( [25] ) استئناف مختلط في 15 فبراير سنة 1916 م 28 ص 154 .

 ( [26] ) 20 يناير سنة 1915 م 27 ص 130 .

 ( [27] ) استئناف مختلط في 5 يناير سنة 1926 م 38 ص 161 .

 ( [28] ) نقض مدني في 28 مارس سنة 1940 مجموعة عمر 4 رقم 47 ص 141 .

 ( [29] ) أنظر في القضاء المصري نظرية العقد للمؤلف فقرة 828 .

هذا وقد تتضح إرادة المتعاقدين عن طريق أي عامل آخر خارجي عن العقد . مثل ذلك ما قضت به محكمة النقض من أنه إذا كانت المحكمة ، حين قالت أن العقد المتنازع عليه عقد قر ضلا بيع خلافاً لظاهره ، قد أقامت ذلك على أن نية طرفية كانت منصرفة إلى القرض لا إلى البيع ، مستخلصة هذه النية من ورقة الضد التي عاصرت تحرير العقد ومن التحقيق الذي أجتره في الدعوى والقرائن الأخرى التي اوردتها استخلاصاً لم يرد عليه طعن الطاعن في حكمها ، فيتعين رفض هذا الطعن ( نقض مدني في 3 ابريل سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 180 ص 390 ) .

 ( [30] ) وهذا يقرب من النظرية الألمانية المعروفة بنظرية الثقة ( Vertauenstheorie ) التي أشار إليها الدكتور الشيتي في رسالته ” في تكوين العقد وفي تفسير في القانون المصري الجديد ” ص 51 – ص 53 . وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك .

 ( [31] ) وتشير المذكرة الإيضاحية إلى هذا الاعتبار فيما يأتي : ” إذا عرض ما يدعو إلى تفسير العقد ، وبقى الشك يكتنف إرادة المتعاقدين المشتركة رغم إعمال أحكام التفسير التي تقدمت الإشارة إليها ، فسر هذا الشك في مصلحة المدين دون الدائن . تلك قاعدة أساسية أخذت بها اغلب التقنينات ، وهي ترد إلى أن الأصل في الذمة البراءة ، وعلى الدائن أن يقم الدليل على وجود دينه باعتبار أنه يدعى ما خالف هذا الأصل ، فإذا بقى شك لم يوفق الدائن إلى إزالته فمن حق المدين أن يفيد منه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 299 ) .

 ( [32] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الاشتباه في الغرض المقصود من المشارطة الذي يجب معه تفسير المشارطة بما فيه الفائدة للمتعهد هو الاشتباه الذي يقوم في نفس القاضي لخلو الدعوى من دليل مقنع . فإذا كان المستفاد من الحكم أن المحكمة قد استخلصت في اقتناع تام من أدلة الدعوى المرفوعة على المشتري بمطالبته بثمن القطن المبيع له أنه تسلم المبيع ، ثم قضت بإلزامه بالثمن ، فإن حكمها يكون سليما ولا غبار عليه ( نقض مدني في 14 ديسمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 169 ص 478 ) .

 ( [33] ) أنظر آنفاً فقرة 118 – ومما جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وينبغي كذلك تفسير ما يغمض من الشروط فيها على وجه لا يضر بالمذعن ، دائناً كان أو مديناً ، إذ ليس له ، على كلا الحالتين ، يد في هذا الغموض ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 271 ) .

 ( [34] ) استئناف مختلط في 20 نوفمبر سنة 1902 م 15 ص 11 .

 ( [35] ) استئناف مختلط في 27 مارس سنة 1902 م 14 ص 242 – وفي 11 يونية سنة 1908 م 20 ص 270 .

 ( [36] ) استئناف مختلط في 19 نوفمبر سنة 1914 م 27 ص 29 .

 ( [37] ) محكمة اسكندرية الكلية التجارية المختلفطة في 13 فبراير سنة 1922 جازيت 12 رقم 287 ص 165 – أنظر أيضاً استئناف مصر الوطنية في 25 يناير سنة 1932 المحاماة 12 رقم 25 ص 73 – محكمة مصر الكلية الوطنية في 21 ابريل سنة 1940 المحاماة 21 رقم 126 ص 267 – استئناف مختلط في 17 مايو سنة 1900 م 12 ص 262 – وفي 6 يونيه سنة 1901 م 13 ص 362 – وفي 20 نوفمبر سنة 1902 م 15 ص 11 – وفي 18 ديسمبر سنة 1930 م 43 ص 94 – وفي 8 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 53 – وفي 11 ديسمبر سنة 1934 م 47 ص 59 – وفي 22 ابريل سنة 1936 م 48 ص 239 – وفي 21 ابريل سنة 1937 م 49 ص 200 – وفي 11 يونية سنة 1940 م 52 ص 298 – أنظر أيضاً نظرية العقد للمؤلف فقرة 840 ص 948 .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

الاشتراط لمصلحة الغير

الاشتراط لمصلحة الغير

365 – النصوص القانونية : نصت المادة 154 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – يجوز للشخص أن يتعاقد باسمه على التزامات يشترطها لمصلحة الغير ، إذا كان له في تنفيذ هذه الالتزامات مصلحة شخصية مادية كانت أو أدبية ” .

 ” 2 – ويترتب على هذا الاشتراط أن يكسب الغير حقا مباشرا قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط يستطيع أن يطالبه بوفائه ، ما لم يتفق على خلاف ذلك . ويكون لهذا المتعهد أن يتمسك قبل المنتفع بالدفوع التي تنشأ عن العقد ” .

 ” 3 – ويجوز كذلك للمشترط أن يطالب بتنفيذ ما اشتراط لمصلحة المنتفع ، إلا إذا تبين من العقد أن المنتفع وحده هو الذي يجوز له ذلك ( [1] ) ” .

ونصت المادة 155 على ما يأتي :

 ” 1 – يجوز للمشترط دون دائنيه أو ورثته أن ينقض المشارطة قبل أن يعلن المنتفع إلى المتعهد أو إلى المشترط رغبته في الاستفادة منها ، ما لم يكن مخالفا لما يقتضيه العقد .

 2 – ولا يترتب على نقض المشارطة أن تبرأ ذمة المتعهد قبل المشترط ، إلا إذا اتفق صراحة أو ضمنا على خلاف ذلك وللمشترط إخلال منتفع آخر محل المنتفع الأول ، كما له أن يستأثر لنفسه بالانتفاع من المشارطة ( [2] ) ” .

ونصت المادة 156 على ما يأتي :

 ” يجوز في الاشتراط لمصلحة الغير أن يكون المنتفع شخصا مستقبلا أو جهة مستقبلة ، كما يجوز أن يكون شخصا أو جهة لم يعينا وقت العقد ، متى كان تعيينهما مستطاعا وقت أن ينتج العقد أثره طبقا للمشارطة ( [3] ) ” .

أما القانون القديم فقد أشتمل على نص واحد في موضوع الاشتراط لمصلحة الغير هو نص المادتين 137 / 198 ويجري بما يأتي :

 ” من عقدت على ذمته مشارطة بدون توكيل منه ، فله الخيار بين قبولها أو رفضها ( [4] ) ” .

وبالرغم مما يسود نص القانون القديم من اضطراب وغموض ، وما تتميز به نصوص القانون الجديد من جلاء ووضوح ، فإن القانون الجديد لم يستحدث شيئاً في موضوع الاشتراط لمصلحة الغير ، ولم يفعل إلا أن قنن في نصوص واضحة ما جرى عليه القضاء والفقه في ظل القانون القديم ( [5] ) .

366 – وضع المسألة : ونبدأ بوضع المسألة على نحو يبين مكان الاشتراط لمصلحة الغير من النظم المدنية . فلو أننا سرنا في الاشتراط لمصلحة الغير على القواعد العامة كما فعلنا في التعهد عن الغير ، لترتب على ذلك أن الاشتراط لمصلحة الغير يتكون من عقدين : العقد الأول ما بين المشترط والمتعهد ، يلتزم فيه المتعهد أن يتعاقد مع المنتفع . والعقد الثاني ما بين المتعهد والمنتفع ، يلتزم فيه المتعهد نحو المنتفع . ويكون الأساس القانونين واحداً في الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير : في كليهما يكسب الغير حقاً أو يترتب في ذمته التزام ، لا بمقتضى العقد الذي لم يكن طرفاً فيه ، بل بمقتضى عقد جديد كان أحد طرفيه .

ولو كان الأمر هو ذلك في الاشتراط لمصلحة الغير لما احتاج إلى كبير عناء ، ولكنا عالجنا الاشتراط مع التعهد في مكان واحد لوحدة الأساس القانوني . ولكن الأساس القانونين في الاشتراط لمصلحة الغير غيره في التعهد عن الغير . ذلك أن الاشتراط لمصلحة الغير لا يتضمن عقدين كالتعهد عن الغير ، بل هو لا يشتمل إلا على عقد واد ، تم بين المشترط والمتعهد ، والمنتفع إنما يكسب حقه من هذا العقد بالذات ، أي من عقد لم يكن هو طرفاً فيه . فكيف ثار المشرع المصري ، في القانونين القديم والجديد ، هذه الثورة على القواعد التقليدية ؟ وأجاز أن ينشيء العقد حقاً للغير ؟

الواقع من الأمر أن المشرع المصري لم يكن مبتدعاً عندما قرر ذلك . فقد سبقه القانون الروماني في هذا الطريق ، ومن بعده القانون الفرنسي القديم ، ومن بعدهما القانون الفرنسي الحديث . ثم إن القاعدة لم نقف عندما قرره المشرع الفرنسي الحديث ، بل تطورت على يد القضاء والفقه تطوراً سريعاً حتى وصلت إلى أن تكون مبدأ عاما قرره القانون المصري الجديد في صراحة ووضوح على النحو الذي رأيناه في النصوص التي نقلناها عن هذا القانون . فنحن نبحث : ( أولاً ) كيف تطورت القاعدة وما وصلت إليه في تطبيقاتها العملية . ( ثانياً ) شروط تحققها . ( ثالثاً ) أحكامها .

1 – كيف تطورت قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير وما وصلت إليه في تطبيقاتها العملية

367 – القانون الروماني : بدا القانون الروماني في عهوده الأولى أمينا على القاعدة على تقضى بان العقد لا ينشيء حقاً للغير . ووصل في ذلك إلى حد أن منع النيابة في التعاقد . فكما لا يجوز للمتعاقد أن يشترط حقاً للغير إذا تعاقد باسمه الشخصي ، كذلك هو لا يستطيع إيجاد حق للغير حتى لو تعاقد باعتباره نائباً عن هذا الغير . ولكن كلا من نظرية الاشتراط لمصلحة الغير ونظرية النيابة تطورت في القانون الروماني . ويعنينا هنا تطور نظرية الاشتراط لمصلحة الغير .

فإن القيود التي ترجع إلى الصياغة الرومانية ما لبثت أن تصدعت أمام الضرورات العملية . فالمدين الذي يبيع عيناً ويريد أن يشترط على المشتري دفع الثمن لدائنه سداداً للدين ، لا شك في أن له في هذا الاشتراط مصلحة مادية . والابن الذي يريد أن يجعل ثمن ما باعه إيراداً مرتباً يدفع لأبيه ما دام هذا حياً ، لا شك في أن له في هذا الاشتراط مصلحة أدبية . وكلتا المصلحتين ، المادية والأدبية ، جديرة برعاية القانون . فعالج الرومان هذا الأمر على أساس أن جعلوا المشترط لمصلحة الغير يصطنع لنفسه حقاً شخصياً في العقد ، وذلك بان يضع شرطاً جزائياً ( stipulation poene ) يطالب به المتعهد إذا لم يقم هذا بما تعهد به لمصلحة المنتفع . ثم انقلب الشرط الجزائي الصريح إلى شرط جزائي مفروض ، فأعطى المشترط دعوى تعويض قبل المتعهد إذا لم يقم هذا بالتزامه لمصلحة المنتفع دون حاجة لوضع شرط جزائي . ويكفي لتبرير دعوى التعويض هذه قيام مصلحة مادية أو أدبية . ولكن لم يكن للمنتفع حق مباشر يكسبه من التعهد ، يستطيع أن يطالب به المتعهد .

واستمر القانون الروماني في تطوره . فأعطى للمنتفع حقاً مباشراً يكسبه من العقد ، ولكن في صورة دفع ( exception ) . ثم أعطاه الحق المباشر في صورة دعوى ( action ) ، ولكن في حالات استثنائية معدودة دعت إليها الضرورات العملية . وهذه الحالات هي : ( 1 ) الهبة إذا اشترط فيها الواهب على الموهوب له حقاً لمصلحة الغير ( donation sub modo ) . ( 2 ) اشتراط المورث لمصلحة ورثته . ( 3 ) اشتراط المتعاقد حقاً للغير في عقود معينة : عقد المهر يوجب فيه المشترط على المتعهد أن يعطي مهراً للمنتفع ، وعقدا الوديعة والعارية يلزم فيهما المودع والمعير حافظ الوديعة والمستعير بأن يردا العين للمنتفع ، وعقد رهن الحيازة إذا باع الدائن المرتهن العين لاستيفاء حقه من ثمنها فيشترط على المشتري رد العين إلى الراهن إذا رد هذا إليه الثمن .

368 – القانون الفرنسي القديم : وورث القانون الفرنسي القديم هذه الاستثناءات عن القانون الروماني . وأضاف إليها استثناء جديداً ، كان الرومان لا يعطون فيه للمنتفع إلا دفعاً فأعطى دعوى بدل الدفع . وهذه هي حالة اشتراط البائع على المشتري أن يدفع الثمن لشخص ثالث .

369 – قانون نابليون : واحتفظ قانون نابليون بالقاعدة الرومانية ، إذ قرر في المادة 1119 أنه لا يجوز لمتعاقد أن يشترط باسمه إلا لنفسه . ثم استثنى من هذه القاعدة حالتين أجاز فيهما الاشتراط لمصلحة الغير ، وهاتان الحالتان ، على ما تقرر المادة 1121 من هذا القانون ، هما : ( 1 ) إذا وهب المشترط شيئاً للمتعهد ، واشترط عليه في مقابل ذلك حقاً لأجنبي عن العقد هو المنتفع . وهذه هي الهبة بشرط ( donation sub modo ) التي عرفها كل من القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم . ( 2 ) إذا صدر من المشترط عقد معاوضة اشترط فيه أولاً حقاً لنفسه ، ثم قرن ذلك بان اشترط حقاً للغير . وهنا نجد شيئاً من التجديد لم نعهده لا في القانون الروماني ولا في القانون الفرنسي القديم . فإن هذين القانونين كانا يستثنيان من القاعدة التي تقضي بأن العقد لا ينشيء حقاً للغير عقوداً معينة بالذات ذكرناها فيما تقدم . أما المشرع الفرنسي فقد وسع من جهة ، وضيق من جهة أخرى . وسع في أنه لم يخص عقوداً دون أخرى بالاستثناء . وضيق في أنه لم يجز للمتعاقد أن يشترط لغيره حقاً إلا إذا كان مقروناً باشتراطه حقاً لنفسه .

370 – القضاء والفقه : على أن تطور القاعدة بقى مستمراً يواجه الحاجات العملية المتجددة ، وبخاصة ما تقتضيه عقود التأمين التي كان لها اكبر الأثر في تطور قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير . ففسر الفقه والقضاء في فرنسا كلمة ( stipulation ) الواردة في المادة 1121 ، لا بالاشتراط كما هو معناها الدقيق ، بل بالتعاقد بوجه عام ، سواء كان المتعاقد مشترطاً حقاً لنفسه أو مرتباً التزاماً في ذمته . فيكفي أن ” يتعاقد ” المشترط لنفسه ، ويستطيع بعد ذلك أن يشترط للغير حقاً دون أن يشترط حقاً لنفسه . والمهم توافر شرطين : ( 1 ) أن يتعاقد لنفسه مشترطاً حقاً أو مرتباً التزاماً كما قدمنا . فإذا كان لم يشترط شيئاً لنفسه ، فيكفي أن يلتزم بشيء عن نفسه . وبذلك يتسع صدر الاستثناء لأن يضم ما استجد من الحاجات . ففي عقد التأمين على الحياة لمصلحة الغير ، وفي عقد التأمين الذي يبرمه رب العمل لمصلحة عماله ، نرى المتعاقد لمصلحة الغير لم يشترط لنفسه حقاً ، ولكنه رتب في ذمته التزاماً هو دفع أقساط التأمين . ( 2 ) أن يكون للمتعاقد مصلحة مادية أو أدبية تدفعه إلى الاشتراط لمصلحة الغير . لأن محل التعاقد يشترط أن تكون فيه فائدة شخصية للمتعاقد ، والمشترط قد تعاقد على منفعة تؤدي للغير ، فيبج أن تكون له في هذه المنفعة مصلحة شخصية ، مادية أو أدبية ، وإلا بطل التعاقد .

على أن الشرط الأول من هذين الشرطين – وهو أن يكون للمشترط دور شخصي في التعاقد مشترطاً حقاً لنفسه أو مرتباً التزاماً في ذمته – لم يلبث أن اختفى هو أيضاً ( [6] ) . وأصبح يكفي أن يكون للمشترط مصلحة مادية أو أدبية في الاشتراط لمصلحة المنتفع ، وليس من الضروري أن يشترط لنفسه أو يلتزم عن نفسه .

بل إن القضاء والفقه وصلا في التطور إلى حد أن أجازا الاشتراط لمصلحة شخص غير معين ، بل لمصلحة شخص غير موجود . فرب العمل الذي يؤمن من مخاطر العمل لمصلحة عماله إنما يؤمن لمصلحة أي عامل يدخل في خدمته . فالمنتفع هنا بالتأمين أشخاص غير معينين ، ولكن تعيينهم مستطاع وقت أن ينتج العقد أثره ( [7] ) . وكثيراً ما يؤمن الشخص لمصلحة أولاده الموجودين ومن سيوجد منهم ( enfants nes et a naitre ) . بل قد لا يكون له أولاد ومع ذلك يؤمن لمصلحة ما عسى أن يوجد له من أولاد في المستقبل . فالمنتفع هنا أشخاص غير موجودين وقت إبرام عقد التأمين ، ولكنهم لا ينالون حقاً إلا إذا وجدوا معينين بالذات وقت أن ينتج عقد التأمين أثره . وهذا الوضع يتمشى مع النظرية المادية للالتزام التي لا تشترط وجود الدائن وقت صدور العقد ، وتكتفي بوجوده وقت تنفذ العقد ( [8] ) .

371 – القانون المصري القديم والجديد : هذا هو التطور الذي وصلت إليه قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير ، فانقلبت من استنثاء محدود إلى قاعدة عامة . وهذا ما عبر عنه القانون القديم في عبارات غامضة مضطربة سبق إيرادها ، وما عبر عنه القانون الجديد في عبارات صريحة واضحة ، فقال في المادة 152 إن العقد لا يرتب التزاماً في ذمة الغير ولكن يجوز أن يكسبه حقا . ثم طبق القاعدة في المادة 154 ، فأجاز للشخص أن يتعاقد باسمه على التزامات يشترطها لمصلحة الغير إذا كان له في تنفيذ هذه الالتزامات مصلحة شخصية ، مادية كانت أو ادبية . فلم يستبق من القيود التي كانت تحيط بالقاعدة في خلال تطورها إلا الشرط الأخير ، وهو وجود مصلحة شخصية للمشترط ، وأجاز في المادة 156 للمشترط أن يشترط لمصلحة شخص غير معين ولمصلحة شخص غير موجود على النحو الذي رأيناه في النصوص التي أوردناها . فيكون القانون المدني الجديد قد سجل في نصوصه آخر مراحل التطور لقاعدة الاشتراط لمصلحة الغير .

372 – التطبيقات العملية لقاعدة الاشتراط لمصلحة الغير : والقاعدة ، في آخر تطور لها على النحو الذي بيناه ، لها تطبيقات عملية كثيرة نذكر منها ما يأتي :

1 – التطبيقات التقليدية : ومن هذه التطبيقات الهبة أو البيع مع اشتراط الواهب أو البائع على الموهوب له أو المشتري ترتيب ايراد أو حق ما للغير . ومنها بيع العين المرهونة مع اشتراط البائع على المشتري أن يدفع أقساط الدين إلى الدائن المرتهن ( [9] ) ، ويلاحظ في هذه الحالة أن المشتري وقد أصبح ملتزماً بالدين التزاماً شخصياً لا يستطيع تطهير العقار ( [10] ) . وقد طبقت محكمة الاستئناف المختلطة قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير في حالة اشتراط فيها البائع على الجار إلا يأخذ بالشفعة رعاية لمصلحة المشتري ، فكسب المشتري حقاً من هذتا العقد الذي لم يكن طرفاً فيه ( [11] ) . كذلك قد يشترط صاحب المتجر إذا باع متجره لمصلحة العمال والمستخدمين ، فيأخذ على المشتري عهداً أن يبقيهم في العمل أو إلا ينقص من اجورهم . وفي عقود النقل يتم العقد بين شركة النقل ومرسل البضاعة ، فيتولد عن هذا العقد حق مباشر للمرسل إليه يستطيع بمقتضاه أن يطالب شركة النقل بتنفيذ شروط العقد ، كتسليم البضاعة في حالة جيدة وفي مكان معين ( [12] ) .

2 – عقود التأمين : عقد التأمين على الحياة هو خير مثل للاشتراط لمصلحة الغير . والمتعاقد تارة يؤمن لمصلحته ولمصلحة ورثته من بعده إذا مات قبل مدة معينة ، وطواراً يؤمن لمصلحة أقارب له معينين دون أن يشترط لنفسه شيئاً . وفي الحالتين يوجد اشتراط لمصلحة اليغر يكسب المنتفع بمقتضاه حقاً مباشراً من عقد التأمين . وقد يؤمن المستحق في وقف على حياته لمصلحته دائنه . حتى إذا مات وانقطع استحقاقه استطاع الدائن أن يستولى على حقه من مبلغ التأمين . وعلى العكس من ذلك قد يؤمن الدائن على حياة مدينه ضماناً لحقه ( [13] ) . وعدا التأمين على الحياة توجد عقود تأمين أخرى يشترط فيها المؤمن لمصلحة الغير . فكثيراً ما يؤمن رب العمل لمصلحة عماله مما يصيبهم من الضرر أثناء العمل ، فيكون الغير هنا هم العمال يكسبون حقاً مباشراً قبل شركة التأمين عماً يصيبهم من الضرر ( [14] ) . ويقرب من هذا أن يتفق رب العمل مع طبيب لعلاج العمال مجاناً ، ففي هذه الحالة يكون للعمال حق مباشر قبل الطبيب إذا أهمل علاجهم أو رفض ذلك ( [15] ) . وقد يؤمن عامل النقل لمصلحة مرسل البضاعة ، ويكون هذا اشتراطاً لمصلحة الغير ( [16] ) . وقد يؤمن المدين الراهن على المنزل المرهون من الحريق لمصلحة الدائن المرتهن . وعقد التأمين لحساب من يملك الشيء المؤمن عليه ( assurance pour le compte de qui il appartiendra ) فيه اشتراط للغير ، فقد يكون الشيء منزلا يؤمن صاحبه من الحريق أو بضاعة يؤمنها من التلف أو الغرق أو نحو ذلك من المخاطر ، ويشترط على شركة التأمين أن تدفع التعويض في حالة تحقق الخطر لأي شخص يكون مالكاً في ذلك الوقت للشيء المؤمن عليه .

3 – عقود الاحتكار والتزام المرافق العامة : إذا حصلت شركة على احتكار تلتزم به مرفاقً من المرافق العامة ، كالاحتكار الذي يمنح لشركات المياه والنور والغاز والنقل ونحو ذلك ، فإن مانح الاحتكار – الحكومة أو أحد المجالس البلدية – يشترط عادة على المحتكر شروطاً لمصلحة المنتفعين من الجمهور . فيشترط مثلا حداً معيناً من الأجور لا يجوز للمحتكر أن يجاوزه . في مثل هذه الحالة يوجد اشتراط لمصلحة الغير ، ويكون لكل فرد من الجمهور حق مباشر يكسبه من عقد الاحتكار ، ويستطيع بمقتضاه أن يقاضي المحتكر ويطالبه بتنفيذ الشروط التي فرضت لمصلحته ( [17] ) . وقد أكد هذا المبدأ القانون المدني الجديد في النصوص التي أفردها لعقد التزام المرافق العامة ، فنص في المادة 669 على أن ملتزم المرفق العام يتعهد بمقتضى العقد الذي يبرمه مع عميله بأني ؤدي لهذا العميل على الوجه المألوف الخدمات المقابلة للأجر الذي يقبضه ، وفقاً للشروط المنصوص عليها في عقد الالتزام وملحقاته ، وللشروط التي تقتضيها طبيعة العمل ويقتضيها ما ينظم هذا العمل من القوانين ( أنظر أيضاً المادتين 670 و 671 ) .

4 – عقود المقاولات : وكثيراً ما يفرض رب العمل في عقود المقاولات على المقاول شروطاً لمصلحة العمال . لاسيما إذا كان رب العمل هذا هو الحكومة أو شخص معنوي عام أو إحدى الشركات . ويثبت ذلك في دفتر الشروط ( cahier des charges ) ، فيضع حداً معيناً للأجور لا يجوز أن تنزل عنه . وشروطاً معينة من حيث ساعات العمل والتعويض عن الاصابات ونحو ذلك . فيصبح للعمال قبل المقاول حق مباشر استمدوه من عقد المقاولة التي لم يكونوا طرفاً فيها ، طبقاً لقواعد الاشتراط لمصلحة الغير ( [18] ) .

2 – شروط تحقق قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير

373 – متى يتحقق الاشتراط لمصلحة الغير : الاشتراط لمصلحة الغير يتفرض وجود أشخاص ثلاثة : المشترط ( stipulant ) ، والمتعهد ( promettant ) ، والمنتفع ( beneficiaire ) . ولكي يتحقق يجب أن تتوافر الشروط الثلاثة الآتية :

 ( 1 ) أن يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع ، دون أن يدخل المنتفع طرفاً في العقد .

 ( 2 ) أن يشترط المشترط على المتعهد حقاً مباشراً للمنتفع .

 ( 3 ) أن يكون للمشترط من وراء هذا الاشتراط مصلحة شخصية ، مادية كانت أو ادبية .

وهذا ما أجملته الفقرة الأولى من المادة 154 من القانون الجديد إذ تقول : ” يجوز للشخص أن يتعاقد باسمه على التزامات يشترطها لمصلحة الغير ، إذا كان له في تنفيذ هذه الالتزامات مصلحة شخصية مادية كانت أو أدبية ” .

374 – المشترط يتعاقد باسمه أو باسم المنتفع : وهذا الذي يميز الاشتراط لمصلحة الغير عن النيابة ، اتفاقية كانت أو قانونية . فالنائب ، وكيلا كان أو ولياً أو وصياً أو قيماً أو فضولياً أو غير ذلك ، يتعاقد بامس الأصيل لا باسمه . أما المشترط فيتعاقد باسمه لا باسم المنتفع . والاصيل لا النائب هو الطرف في العقد . ورضاء النائب يغني عن رضائه . أما في الاشتراط لمصلحة الغير فالمشترط لا المنتفع هو الطرف في العقد ، وقبول المنتفع للاشتراط ضروري حتى يتأكد في شخصه حق كسبه من عقد لم يكن طرفاً فيه .

ويترتب على ما تقدم أن المشترط يختلف عن الفضولي اختلافاً جوهرياً . فالفضولي نائب عن رب العمل ، بخلاف المشترط فلا ينوب عن المنتفع . وقد كان هناك رأي ، تبين الآن فساده ، يجعل المشترط فضولياً يتعاقد لمصلحة المنتفع ، وقبول المنتفع يعتبر إقراراً لعمل الفضولي فينقلب هذا وكيلا ، وعن طريق الفضالة والوكالة ينصرف أثر العقد إلى المنتفع . أما فساد هذا الرأي فراجع إلى أن المشترط إنما يتعاقد باسمه كما قدمنا ، في حين أن الفضولي يتعاقد نيابة عن رب العمل . وهذا الفرق بين الوضعين تنبني عليه نتائج عملية هامة ، نذكر منها ما يأتي :

1 – لما كان المشترط ليس بنائب عن المنتفع ، فإن كل شخص يستطيع أن يشترط لمصلحة الغير ما دامت له مصلحة شخصية في ذلك ، وليس كل شخص يستطيع أن يدير عمل الغير عن طريق الفضالة إذ لا بد من وجود ضرورة تقضي بذلك كما سنرى عند الكلام في الفضالة .

2 – يجب في الاشتراط لمصلحة الغير أن تكون للمشترط مصلحة شخصية ، لأنه يتعاقد باسمه . أما الفضولي فهو ، على النقيض من ذلك ، يجب إلا تكون له مصلحة شخصية في ادارته لشئون رب العمل .

3 – الفضولي ، وهو يعمل لحساب رب العمل ، يلتزم بالمضي فيما بدأ به ، ولا يجوز له الرجوع فيه . أما المشترط ، وهو يعمل حسابه ، لا يلتزم بالمضى في عمله ، بل هو ، على النقيض من ذلك ، يجوز له الرجوع في الاشتراط للمنتفع وإضافة الحق لنفسه أو لشخص آخر غير المنتفع .

375 – المشترط يشترط حقا مباشرا للمنتفع : فإذا كان الحق الذي اشترطه المشترط إنما اشترطه لنفسه . ولكن تعود منه فائدة على الغير ، فلا يكون هذا اشتراطاً لمصلحة الغير . مثل ذلك أن يؤمن شخص على مسئوليته عما ينجم من الضرر للغير ، فلا يعد هذا اشتراطاً لمصلحة الغير ، لأن المؤمن له إنما أراد أن يشترط لنفسه هو لا للمصاب ، وإن كان التعويض الذي يأخذه من شركة التأمين يعود لفائدة على المصاب إذ يستطيع أن يستوفى منه حقه وإن زاحمه في ذلك سائر دائني المؤمن له . وعلى ذلك لا يكون للمصاب حق مباشر من عقد التأمين ، فلا يرجع على الشركة التأمين إلا بدعوى مدينه .

ولا يكفي إعطاء حق المنتفع : بل يجب أن يكون هذا الحق قد نشأ مباشرة من العقد الذي تم ما بين المشترط والمتعهد . فإذا كان المشترط قد اشترطا هذا الحق الذي نشأ من العقد لنفسه أولاً ، ثم جحوله بعد ذلك أو انتقل عنه إلى شخص آخر ، لم يكن في هذا اشتراط لمصلحة اليغر . ويترتب على ذلك أنه لو باع شخص منزلا ، ثم حول الثمن إلى دائن له ، كان هناك عقدان : عقد البيع بين البائع والمشتري ، وعقد الحوالة بين هذا البائع وهو المحيل ودائنه وهو المحال له . ولو أمن شخص لمصلحة نفسه ، ثم مات وانتقل حق التعويض إلى ورثته ، فإن هؤلاء يتلقون الحق عن مورثهم بالميراث ، ولا يكسبون حقاً مباشراً من عقد التأمين ذاته . وليس في كل ذلك اشتراط لمصلحة الغير . كذلك لا يقصد المشترط أن يلتزم المتعهد قبل المنتفع بعقد جديد يتم بينهما ، ولا أن يعرض ايجاباً على المنتفع ليقبله هذا فيتم عقد جديد بينه وبين المنتفع ، ويتبين مما تقدم أن الحق المباشر الذي يكسبه المنتفع لا يتلقاه عن المشترط عن طريق الحوالة أو عن طريق الميراث أو عن طريق عقد جديد ، ولا يتلقاه عن المتعهد عن طريق عقد جديد ، وإنما يتلقاه مباشرة من العقد ذاته الذي تم بين المشترط والمتعهد .

ولا يشترط في المنتفع أن يكون موجوداً وقت صدور هذا العقد ، أو أن يكون معيناً في ذلك الوقت ، بل يجوز ، كما رأينا في الأمثلة التي قدمناها ، وكما تقرر المادة 156 التي أسلفنا ذكرها ، أن يكون شخصاً مستقبلا أو شخصاً غير معين وقت عقد الاشتراط ، متى وجد أو كان مستطاع التعيين وقت أن ينتج العقد أثره طبقاً للمشارطة . وهذه هي ميزة كبيرة ، تطور الاشتراط لمصلحة الغير حتى وصل إليها كما رأينا .

376 – المشترط له مصلحة شخصية في الاشتراط للغير : ذلك أن المشترط إنما يعمل لحسابه ويتعاقد باسمه ، فلا بد أن تكون له مصلحة شخصية في الاشتراط للغير ، وغلا كان فضولياً . والمصلحة الشخصية هي الفرق الجوهري ما بين الفضالة والاشتراط لمصلحة الغير كما قدمنا .

ولا يشترط أن تكون المصلحة مادية ، بل يجوز أن تكون ادبية . فيصح التأمين لمصلحة الزوجة والأولاد ، والاشتراط لمصلحة الفقراء أو العجزة أو اللقطاء أو لأي عمل آخر من أعمال البر .

ولكن يكفي أن يكون للمشترط مصلحة شخصية ، مادية أو ادبية ، وليس من الضروري أن يكون له دور شخصي في العقد . وقد رأينا في تطور قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير أن للمشترط أن يشترط لمصلحة المنتفع دون أن يكون له دور شخصي في هذا الاشتراط ، لا مشترطاً لنفسه ولا متعهداً عنها . مثل ذلك أم تتعاقد مع والد ابنها على أن يتعهد الأب بترتيب ايراد للابن دون أن تلتزم الأم بشيء قبل الأب . ففي هذا الفرض نرى الأم قد اشترطت حقاً لصالح ابنها . أن أن تشترط لنفسها حقاً أو ترتب في ذمتها التزاماً ، وليست الأم تقوم هنا بعمل الفضولي لأن لها مصلحة شخصية في الاشتراط ، وهي مصلحة ادبية ، فهي مدفوعة بعامل الامومة لا بعامل المرؤوة ومثل ذلك أيضاً أن تمنح البلدية احتكاراً لاحدى الشركات ، ثم تعود فتشترط عليها في عقد مستقل شروطاً لمصلحة الجمهور . وتقبل الشركة هذه الشروط دون مقابل ، فيتحقق في هذا الفرض اشتراط لمصلحة الغير دون أن يكون للمشترط دور شخصي .

3 – أحكام الاشتراط لمصلحة الغير

377 – العلاقات المختلفة في الاشتراط لمصلحة الغير : قدمنا أن هناك اشخاصا ثلاثة في الاشتراط لمصلحة الغير : المشترط والمتعهد والمنتفع . وعلينا أن نبحث علاقاتهم بعضهم ببعض . فنتكلم في مسائل ثلاث : ( أولاً ) علاقة المشترط بالمتعهد . ( ثانياً ) علاقة المشترط بالمنتفع . ( ثالثاً ) علاقة المتعهد بالمنتفع .

378 – علاقة المشترط بالمتعهد : هذه يحددها العقد الذي تم فيما بينهما . ففي عقد التامين مثلا يلتزم المشترط بأن يدفع للمتعهد ( شركة التأمين ) أقساط التأمين في مواعيدها ، وتلتزم شركة التأمين في حالة ما إذا كان المشترط قد اشترط لنفسه إلى جانب اشتراطه للغير بأن تقوم بما عليها من التزام نحو المشترط فتدفع له مثلا المبلغ المتفق عليه إذا تبقى حياً إلى المدة المتفق عليها . ولكن من المتعاقدين أن يتمسك قبل الآخر بأوجه الدفع الجائز التمسك بها بالنسبة إلى هذا القعد الذي تم بينهما من أوجه بطلان أو أسباب انقضاء .

وإذا لم يقم أحد المتعاقدين بما عليه من التزامات قبل الآخر وجب تطبيق القواعد العامة . فيجوز للمتعاقد الذي لم يحصل على حقه أن يطلب التنفيذ عيناً إذا كان هذا ممكناً ، أو أن يطلب تعويضاً عن عدم التنفيذ . وله أيضاً أن يطلب فسخ العقد أو وقف تنفيذه .

ولما كان للمشترط مصلحة شخصية في التزام المتعهد نحو المنتفع كما قدمنا ن فإن للمشترط ان يراقب تنفيذ المتعهد لهذا الالتزام لأنه ليس أجنبياً عنه . وعلى هذه المصلحة الشخصية بنينا قيام الاشتراط لمصلحة الغير ن وعليها الان نبني حق المشترط في مراقبة تنفيذ المتعهد لالتزامه نحو المنتفع ز فللمشترط ان يطالب المتعهد بتنفيذ هذا الالتزام للمنتفع ، وأن يرفع دعوى باسمه لا باسم المنتفع للمطالبة بذلك . وهي دعوى قوامها المصلحة الشخصية الثابتة للمشترط . بل قد تنصرف نية المشترط إلى أن يحتفظ لنفسه وحده بدعوى مطالبة المتعهد بتنفيذ التزامه نحو المنتفع . دون أن يكون للمنتفع نفسه دعوى للمطالبة بهذا التنفيذ ، كما إذا اشترطت الحكومة على إحدى شركات الاحتكار شروطاً لمصلحة الجمهور واحتفظت لنفسها وحدها ، دون أفراد الجمهور ، بالحق في مطالبة الشركة بتنفيذ هذه الشروط . وعلى العكس من ذلك يجوز أن يتبين من العقد أن المنتفع وحده دون المشترط هو الذي تجوز له المطالبة بتنفيذ المتعهد لالتزامه نحوه ، كما إذا اشترط رب العمل على مصحة أن تنزل من يشاء من عماله لقضاء دور النقاهة فيها على أن يترك ذلك لاختيار العامل . وإلى هذا تشير الفقرة الثالثة من المادة 154 إذ تقول : ” ويجوز كذلك للمشترط أن يطالب بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع ، إلا إذا تبين من العقد أن المنتفع وحده هو الذي يجوز له ذلك ” .

كذلك للمشترط ، إذا لم يقم المتعهد بتنفيذ التزامه نحو المنتفع ، أن يطلب فسخ العقد أو وقف تنفيذه وفقاً للقواعد العامة . يلاحظ أن المشترط إذا فسخ العقد بعد صدور قبول المنتفع ، سواء كان ذلك لعدم تنفيذ المتعهد لالتزامه نحو المنتفع أو لالتزامه نحو المشترط ، فإن الفسخ لا يضيع على المنتفع حقه ، فيرجع هذا به على المشترط إلا إذا كان الاشتراط تبرعاً يجوز الرجوع فيه ( [19] ) .

379 – علاقة المشترط بالمنتفع : قد تكون هذه العلاقة عرقة تبرع ، وقد تكون علاقة معاوضة .

فإذا كان المشترط أراد التبرع للمنتفع ، لم يحل دون ذلك عدم استيفاء الهبة للشكل ، لأن الهبة هنا غير مباشرة . وسنرى أن للمشترط نقض لااشتراط ، سواء كان تبرعاً أو معاوضة ، مدام المنتفع لمي صدر منه إقرار لما اشترط لمصلحته . أما إذا كان الاشتراط تبرعاً للمنتفع ، جاز للمشترط ، حتى بعد أن يقر المنتفع هذا الاشتراط ، أن ينقض حق المنتفع طبقاً لقواعد الرجوع في الهبة ( [20] ) . ذلك أن العلاقة التبرعية فيما بين المشترط والمنتفع . إذا كانت لا تخضع لأحكام الهبة من حيث الشكل ، فهي تخضع لها من حيث الموضوع . فيجب توافر أهلية التبرع في المشترط ، وتعتبر الهبة قد صدرت من وقت صدور العقد ، فإذا صدرت من المشترط وهو في مرض موته أخذت حكم الوصية . ويجوز الطعن فيها بالدعوى البوليصية ولا يشترط أن يكون المنتفع سيء النية لأنه موهوب له . ويلاحظ أن المقدار الموهوب بالنسبة إلى المشترط ليس هو مقدار ما التزم به المتعهد نحو المنتفع ، بل هو مقدار ما دفعه المشترط للمتعهد بشرط إلا يزيد عما التزم به المتعد نحو المنتفع . فلو أن شخصاً امن على حياته لمصلحة اولاده تبرعاً منه لهم ، فإن مقدار ما تبرع به لا يكون المبلغ الذي تدفعه شركة التأمين للأولاد بعد موت المؤمن له ، بل هو مقدار الاقساط التي دفعها المؤمن له لشركة التأمين حال حياته بشرط إلا تزيد على مبلغ التأمين . أما إذا أعطى شخص آخر شيئاً قيمته ألف ، واشترط عليه التزاماً لمصلحة الغير قيمته خمسمائة ، فإن المقدار الذي وهبه المشترط للمنتفع هو خمسمائة لا ألف ( [21] ) .

أما إذا كان المشترط لم يرد التبرع ، فالعلاقة بينه وبين المنتفع يحددها موقف الأول من الثاني بحسب الأحوال . فقد يكون المشترط ميدناً للمنتفع ، واشترط له وفاء لدينه . وقد يكون أراد إقراض المنتفع من طريق الاشتراط لمصلحته ، ويكون القرض تبرعاً إذا كان بغير فوائد ومعاوضة إذا كان بفوائد . ومثل القرض الوديعة ، فإذا تسلم المنتفع العين من المتعهد أصبح بالنسبة إلى المشترط حافظاً لوديعته وطبقت أحكام الوديعة فيما بينهما ، وهكذا .

380 – علاقة المتعهد بالمنتفع – حق مباشر مصدره عقد الاشتراط : وعلاقة المتعهد بالمنتفع هي اخص ما في الاشتراط لمصلحة الغير من طابع يتميز به عن غيره من ضروب التعاقد . ذلك أن المنتفع – ولم يكن طرفاً في العقد الذي التزم به المتعهج – يكسب من هذا العقد حقاً شخصياً مباشراً ( droit proper ) يستطيع أن يطالب به المتعهد . وهكذا يتحقق ما في الاشتراط لمصلحة الغير من خروج على القاعدة العتيقة التي كانت تقضي بأن العقد لا ينشيء حقاً للغير . وهذا هو ما تصرح به الفقرة الثانية من المادة 154 من القانون المدني الجديد في هذا الصدد : ” ويترتب على هذا الاشتراط أن يكسب الغير حقاً مباشراً قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط يستطيع أن يطالبه بوفاء ، ما لم يتفق على خلاف ذلك ” . فالعقد الذي تم ما بين المشترط والمتعهد هو إذن مصدر الحق المباشر الذي ثبت للغير ، وهذا العقد هو الذي أنشأ هذا الحق . وإذا قيل كيف ينشيء العقد حقاً للغير ؟ قلنا ولهذا قامت قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير . ثم ما الذي يمنع من ذلك ؟ ولماذا لا ينشيء العقد حقاً للغير ما دام هذا الغير يرضى بأن يكون هذا الحق له ! ليس في المنطق القانونين ما يجعل هذا متعذراً ، وإنما هي القاعدة الرومانية العتيقة التي كانت تحول دون التسليم بهذا المبدأ . وقد قضت ، نزولا عند اعتبارات ترجع للصياغة القانونية عند الرومان ، بأن العقد يقتصر أثره على المتعاقدين . ولا معنى لبقاء هذه القاعدة بعد زوال مقتضياتها . وليس ثمة ما يمنع من التسليم بان العقد قد ينشيء حقاً للغير . وهذا ما صرح به القانون المدني الجديد ( [22] ) .

ما كنا لنسهب في تقرير ذلك مع وضوحه ، لولا أن الفقهاء يعتقدون عادة بحثاً تقليدياً يتساءلون فيه أين مصدر الحق الذي ثبت للمنتفع؟ لعله يكون في عقد جديد تم بين المشترط والمنتفع ، أو بين المتعهد والمنتفع . أو لعل الحق قد نشأ من عمل المشترط على أساس أنه فضولي يعمل لمصلحة المنتفع . أو لعله يكون هو حق المشترط كسبه من العقد وحوله بعد ذلك للمنتفع . ولكل نظرية من هذه النرظيات أنصار يدافعون عنها . على أنه من اليسير تفنيدها جميعاً . فقد قدمنا أن الاشتراط لمصلحة الغير ليس معناه أن المتعهد أو المشترط يعرض إيجاباً على المنتفع ليقبله أو يرفضه كما تذهب إلى ذلك نظرية الإيجاب المعروض ( theorie de l’offre ) ، لأن حق المنتفع إنما ينشأ من العقد الذي تم ما بين المشترط والمتعهد لا من عقد جديد بين المنتفع والمتعهد أو بين المنتفع والمشترط . وليس معناه أن المشترط يقوم بعمل من أعمال الفضالة للمنتفع ( theorie de la gestion d’affaire ) ، لأن هناك فرقاً جوهريا ما بين الاشتراط لمصلحة الغير والفضالة هو وجود المصلحة الشخصية في الحالة الأولى وانعدامها في الحالة الثانية ، وليس معناه أن المشترط يكسب الحق لنفسه أولاً ثم يحوله بعد ذلك للمنتفع ( theorie de la gestion d’affaire ) ، لأن هناك فرقاً جوهرياً ما بين الاشتراط لمصلحة الغير والفضالة هو وجود المصلحة الشخصية في الحالة الأولى وانعدامها في الحالة الثانية ، وليس معناه أن المشترط يكسب الحق لنفسه أولاً ثم يحوله بعد ذلك للمنتفع ( theorie de la cession ) ، لأن المنتفع لا يتلقى الحق عن المشترط ولا يعتبر خلفاً له فيه ، بل هو حق كسبه مباشرة من عقد الاشتراط . سبق أن فندنا كل هذا ، ونفند الآن كذلك نظرية أخرى لجأ إليها بعض الفقهاء ( [23] ) أخيراً يذهبون فيها إلى أن حق المنتفع مصدره إرادة المتعهد المنفردة ( theorie de la volonte unilaterale ) ، ولو كان هذا صحيحاً لما أمكن أن يتمسك المتعهد قبل المنتفع بالدفوع الواردة على عقد الاشتراط ، ولكان للمتعهد وحده لا للمشترط حق النقض إلى أن يصدر إقرار المنتفع .

والواقع من الأمر أن الفقهاء يناقضون أنفسهم عندما يقررون أن الاشتراط لمصلحة الغير لا يتفق مع القاعدة القديمة التي كانت تقضي بأن العقد لا ينشيء حقاً للغير ، ثم إذا وصلوا إلى المكان الذي يبحثون فيه عن مصدر حق المنتفع نسوا ما قرروه من قبل ، وحاولوا أن يخضعوا حق المنتفع لهذه القاعدة القديمة ذاتها التي سبق لهم أن أنكروها ! فلا يجرؤ فقيه على أن يرجع هذا الحق إلى عقد الاشتراط خوفاً من أن يصطدم بهذه القاعدة ! أما نحن فلا نتردد في أن نقرر أن حق المنتفع مصدره عقد الاشتراط ، وليس للحق مصدر غير هذا العقد ( [24] ) . ونقرر كذلك أن هذا الحق مباشر ، لم يتلفه المنتفع من المشترط . ولكل من هاتين الخاصتين – حق مباشر ، وحق مصدره عقد الاشتراط – نتائج عملية هامة تترتب عليها .

381 – علاقة المتعهد بالمنتفع ( تتمة ) – ما يترتب من النتائج على أن حق المنتفع حق مباشر مصدره عقد الاشتراط : أما النتائج التي ترتب على أن حق المنتفع حق مباشر لا يتلقاه من المشترط فهي ما يأتي :

 ( 1 ) لا شأن لدائني المشترط بهذا الحق بعد موته ، بل يخلص الحق للمنتفع وحده لأنه لم يتلقه من المشترط . ولو كان قد تلقاه منه بطريق الميراث لتلقاه مثقلا بديون التركة . وأهم تطبيق لهذا المبدأ هو عقد التأمين على الحياة . فإذا تعاقد المؤمن له مشترطاً لمصلحة أولاده ثم مات ، فإن الأولاد لا يتلقون الحق في تركة ابيهم ، بل هو حقهم المباشر قبل شركة التأمين . ويترتب على ذلك أن دائني المؤمن له ليس لهم أن يعتبروا حق الأولاد داخلا في تركة مدينهم حتى يرجعوا عليه كما يرجعون على جميع حقوق التركة ، بل تأخذ الأولاد مبلغ التأمين من الشركة خالصاً لهم ، ولا يدفعون منه شيئاً لسداد ديوان ابيهم ، وهذه هي أهم مزية للتأمين ، وقد استقر الفقه والقضاء على هذا المبدأ في فرنسا وفي مصر ( [25] ) .

 ( 2 ) كذلك لا شأن لدائني المشترط بهذا الحق حال حياته ، فإن الحق لم يدخل يوماً ما في مال المشترط حتى يكون داخلا في ضمانهم العام . وينبني على ذلك أنه لا يجوز للدائنين التنفيذ على هذا الحق ، وليس لهم أن يستعملوه باسم مدينهم لأنه ليس حقاً لهذا الدين .

 ( 3 ) وإذا كان لدائني المشترط أن يطعنوا في اشتراطه بالدعوى البوليصية عند توافر شروطها ، فالواجب مع ذلك إلا نعتبر المنتفع في مركز من تلقى الحق عمن تصرف له المدين . ولتوضيح ذلك نفرض أن ( أ ) أعطى ( ب ) منزلا قيمته ألف ، واشترط عليه أن يعطي ( ج ) مبلغاً مقداره خمسمائة . وأراد دائن ( أ ) أن يطعن بالدعوى البوليصية في هذا العقد . في هذه الحالة يجب التمييز بين تصرفين : ( التصرف الأول ) هو الصادر من ( أ ) إلى ( ب ) ، هو معاوضة بالنسبة إلى ( ب ) ، فيشترط التواطؤ بين ( أ ) و ( ب ) لنجاح الدعوى البوليصية ، دون أن يشترط تواطؤ ( ج ) لأنه تلقى حقاً مباشراً ولم يخلف ( ب ) في حق انتقل إليه من ( ا ) . وإذا ثبت التواطؤ بين ( ا ) و ( ب ) اعتبر التصرف غير نافذ في حق الدائن ، وكان لهذا أن ينفذ بحقه على المنزل ، ويرجع ( ب ) على ( ا ) بما اعطاه إلى ( ج ) أو يسفخ العقد فيزول التزامه نحو ( ج ) . ( والتصرف الثاني ) هو الصادر من ( ا ) إلى ( ج ) عن طريق الاشتراط ، فإذا كانت العلاقة بين ( ا ) و ( ج ) هي علاقة تبرع . فإن دائن ( ا ) يستطيع بالدعوى البوليصية أن يجعل هذه الهبة ومقدارها خمسمائة غير نافذة في حقه حتى لو كان ( ج ) حسن النية . أما إذا كانت العلاقة بين ( ا ) و ( ج ) هي علاقة معارضة ، فليس للدائن حق الطعن إلا إذا اثبت التواطؤ فيما بينهما .

 ( 4 ) ولما كان المنتفع لا يتلقى حقه من المشترط بل يكسبه مباشرة من عقد الاشتراط ، فيصبح دائناً للمتعهد ، فإنه يترتب على ذلك أن دائنى المتعهد ، وقد أصبح المنتفع واحداً منهم ، يشتركون مع المنتفع شركة غرماء في استيفاء حقوقهم من مال المتعهد ، ولهم أن يستعملوا حق مدينهم في التمسك قبل المنتفع بأي دفع من الدفوع الواردة على عقد الاشتراط ، ولهم أن يطعنوا في التزام ميدنهم نحو المنتفع بالدعوى البوليصية لأن هذه الدعوى تجوز في القانون الجديد في عمل يزيد به المدين من التزاماته ( م 237 جديد ) ( [26] ) .

أما النتائج التي تترتب على أن حق المنتفع المباشر مصدره العقد الذي تم ما بين المشترط والمتعهد فهي ما يأتي :

 ( 1 ) لما كان حق المنتفع مصدره عقد الاشتراط ، فهو يوجد منذ صدور هذا العقد ( [27] ) ، لا من وقت إعلان المنتفع لرغبته في الاستفادة من الاشتراط ويترتب على ذلك أنه إذا فقد المتعهد أهليته في الفترة ما بين صدور العقد وصدور رغبة المنتفع ، فلا يكون هذا مانعاً للمنتفع من أن يعلن عن رغبته . ويترتب على ذلك أيضاً أن المنتفع إذا رفض الاشتراط ، جاز الطعن في رفضه بالدعوى البوليصية ، لأنه يكسب الحق منذ صدور عقد الاشتراط ، فرفضه إياه بعد ذلك يعتبرإنقاصاً من حقوقه ( م 237 جديد ) .

 ( 2 ) لما كان حق المنتفع مصدره عقد الاشتراط ، فإن المتعهد يستطيع أن يتمسك قبل المنتفع بجميع الدفوع الجائزة في هذا العقد ، فله أن يطعن فيه بأي وجه من وجوه البطلان ، وله أن يتمسك بفسخه إذا تحقق ما يوجب الفسخ ( [28] ) . وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 154 من القانون المدني الجديد إذ تقول : ” ويكون لهذا المتعهد اني تمسك قبل المنتفع بالدفوع التي تنشأ عن العقد ” ( [29] ) .

 ( 3 ) لما كان حق المنتفع مصدره عقد الاشتراط الذي تم بين المشترط والمتعهد ، فلهذين المتعاقدين أن يكيفا هذا الحق طبقاً لما يتم عليه الاتفاق بينهما . ويترتب على ذلك أنه يجوز للمشترط أن يتفق مع المتعهد على أن يكون للمشترط وحده دون المنتفع حق المطالبة بتنفيذ التزام المتعهد نحو المنتفع ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ( [30] ) . ويترتب علىذ لك أيضاً أنه يجوز للمتعاقدين – المشترط والمتعهد – أن يجعلا حق المنتفع غير قابل للنقض أو قابلا للنقض بعد الاتفاق مع المتعهد على ذلك . وهذا الشرط الأخير مفهوم ضمناً إذا ثبت أن للمتعهد مصلحة في الاشتراط ، فلا يجوز للمشترط في هذه الحالة أن يستقل بنقض حق المنتفع ، كما إذا تعهد أحد المتقايضين بأن يدفع المستحق عليه من فرق البدل في نصيب المتقايض الآخر من دين على اطيان هو شريك له فيها على الشيوع ( [31] ) .

382 – علاقة المتعهد بالمنتفع ( تتمة ) – جواز نقص حق المنتفع : وحق المنتفع المباشر الذي يكسبه من عقد الاشتراط قابل للنقض إلى أن يصدر منه إقرار لهذا الحق . وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الأولى من المادة 155 من القانون المدني الجديد إذ تقول : ” يجوز للمشترط دون دائنيه أو ورثته أو ينقض المشارطة قبل اني علن المنتفع إلى المتعهد أو إلى المشترط رغبته في الاستفادة منها ، ما لم يكن ذلك مخالفاً لما يقتضيه العقد ” .

والذي يثبت له حق النقض هو المشترط ، إلا إذا نزل عن هذا الحق . وقد يكون حق النقض مخالفاً لما يقتضيه العقد فلا يقوم ، كما إذا كان حق المنتفع هبة من المشترط لا يجوز فيها الرجوع ( [32] ) . وقد يشترط المتعهد أن المشترط لا يستعمل حق النقض إلا بموافقته إذا كانت له مصلحة في تنفيذ الالتزام للمنتفع ، وقد سبق بيان ذلك . بل قد يشترط المتعهد أن يكون له هو أيضاً حق النقض بشرط أن يحل محل المنتفع المشترط أو منتفعاً آخر حتى لا يتحلل من التزامه بمحض إرادته ( [33] ) . وحق النقض حق شخصي يرجع لاعتبارات خاصة بالمشترط أو بمن يملك هذا الحق معه ، لذلك لا يجوز للدائنين استعماله باسم المدين ، ولا ينتقل إلى الورثة . فإذا مات المشترط دون أن ينقض الحق ، فليس للورثة حق النقض ولو لم يصدر إقرار المنتفع ، وإلا لاندفعت الورثة بعامل مصلحتهم إلى نقض حق لم ينقضه مورثهم .

ويوجه المشترط النقض إلى المنتفع أو إلى المتعهد ، ولكن يجب إعلان المتعهد دائماً بالنقض حتى يمتنع عن تنفيذ التزامه نحو المنتفع ( [34] ) . وليس للنقض شكل مخصوص ، وكما يقع صريحاً يصح أن يكون ضمنياً ( [35] ) .

وإذا نقض المشترط حق المنتفع ولم يعين منتفعاً آخر ولم يبرئ ذمة المتعهد فإن الحق ينصرف إليه هو ، ويعتبر أنه ثابت له من وقت العقد لا من وقت النقض ، وقد ثبت له بموجب العقد ولم ينتقل إليه من المنتفع ، ولذلك ينقلب الاشتراط لمصلحة اليغر إلى عقد عادي لا ينصرف أثره إلا إلى المتعاقدين . ويجوز للمشترط عند النقض أن يعين منتفعاً آخر يحل محل المنتفع الأول ، ويثبت له الحق من وقت العقد كذكل ولا يتلقاه من المنتفع الأول . وإلى هذا تشير الفقرة الثانية من المادة 155 إذ تقول : ” ولا يترتب على نقض المشارطة أن تبرأ ذمة المتعهد قبل المشترط ، إلا إذا اتفق صراحة أو ضمنا على خلاف ذلك وللمشترط إخلال منتفع آخر محل المنتفع الأول ، كما له أن يستأثر لنفسه بالانتفاع من المشارطة ” . وإذا نقض المشترط حق المنتفع وأضافه إلى نفسه ، فإنه يجوز له أن يعدل عن ذلك ويعين منتفعاً آخر ، سواء كان هو المنتفع الأول أو غيره ، ويعتبر حق أي من هؤلاء ثابتاً من وقت العقد دائماً ، ويعود العقد كما كان اشتراطاً لمصلحة الغير ( [36] ) .

383 – علاقة المتعهد بالمنتفع ( خاتمة ) – وجوب إقرار المنتفع لحقه : ولا ينطقع حق النقض إلا إذا صدر إقرار المنتفع ( [37] ) . فإقرار المنتفع إذن هو تثبيت لحقه ، وليس قبولا لإيجاب معروض عليه من المتعهد أو من المشترط كما بينا . ولا بد من صدور إقرار من المنتفع كي لا يثبت له حق بدون رضاه . فإذا صدر الإقرار تثبت الحق ، واعتبر موجوداً من وقت العقد لا من وقت الإقرار كما أسلفنا الإشارة .

ويستطيع المنتفع أن يصدر إقراره في أي وقت شاء ما دام المشترط لم ينقض الحق ( [38] ) . ولا يسقط حقه في إصدار الإقرار إلا بالتقادم . والذي يسقط بالتقادم هنا هو حق المنتفع الذي لم يثبت بالإقرار ولم يستعمل في خلال مدة التقادم .

والإقرار قد يكون صريحاً أو ضمنياً ، ولا يشترط له شكل مخصوص حتى لو تلقى المنتفع الحق تبرعاً ، فإن التبرع هنا ليس هبة مباشرة تستلزم الشكل ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ويعلن المنتفع إقراره للمتعهد أو للمشترط ، ولكن لا بد من إعلان المتعهد بالإقرار حتى يسري في حقه . والإقرار كالنقض تصرف قانونين ينعقد بارادة منفردة .

فإذا صدر الإقرار وصار الحق غير قابل للنقض ، كان المدين بهذا الحق هو المتعهد أو ورثته . فإذا استحال التنفيذ جازت المطالبة بالتعويض . ولكن لا يجوز للمنتفع أن يطلب فسخ العقد ، لأنه ليس طرفاً فيه . والذي تجوز له المطالبة بالفسخ هو المشترط كما قدمنا ( [39] ) .

وقد يرفض المنتفع ، صراحة أو ضمناً ، الحق الذي اشترط لمصلحته . وفي هذه الحالة ينصرف الحق إلى المشترط أو إلى ورثته من وقت العقد لا من وقت الرفض . والرفض ، كالنقض والإقرار ، تصرف قانونين ينعقد بارادة منفردة . ويجوز لدائني المنتفع الطعن فيه بالدعوى البوليصية إذا توافرت شروطها كما قدمنا . وغنى عن البيان أن المشترط يجوز له ، عند رفض المنتفع ، أن يعين منتفعاً آخر يحل محل المنتفع الذي رفض ، ويثبت حق هذا المنتفع الآخر من وقت العقد لا من وقت تعيينه .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 210 من المشروع التمهيدي على وجه لا يختلف عما هو إلا في بعض تعبيرات لفظية . وقد أقرته لجنة المارجعة ، بعد تعديلات لفظية ، تحت رقم المادة 158 في المشروع النهائي . وأقره مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ أضيفت عبارة ” بتنفيذ الالتزام ” بعد لفظ ” المتعهد ” في الفقرة الثانية لإزالة الشبهة التي قامت حول كلمة ” المتعهد ” وجواز انصرافها إلى كل من العاقدين ، وأدخلت بعض تعديلات لفظية أخرى حتى أصبح النص مطابقاً لنص القانون الجديد . وأقرت اللجنة النص تحت رقم المادة 154 . ووافق عليه مجلس الشيوخ كما عدلته لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 309 – ص 313 ) .

 ( [2] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 211 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق . وقد أقرته لجنة المراجعة تحت رقم المادة 159 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ قيل في تفسير عبارة ” ما لم يكن ذلك مخالفاً لما يقتضيه العقد ” إن نقض الاشتراط يكون مخالفاً لما يقتضيه العقد إذا كانت العلاقة ما بين المشترط والمنتفع تقوم مثلا على هبة من الأول للثاني ، وتكون هبة لا يجوز الرجوع فيها . وأقرت اللجنة النص تحت رقم المادة 155 . ووافق على النص مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 313 – ص 315 ) .

 ( [3] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 212 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” يجوز في الاشتراط لمصلحة الغير أن يكون المنتفع شخصاً مستقبلاً ، كما يجوز أن يكون شخصاً لم يعين وقت العقد ما دام تعيينه مستطاعا وقت أن ينتج العقد اثر ، وأقرت لجنة المراجعة النص ، مع استبدال عبارة ” متى كان ” بعبارة ” ما دام ” ، تحت رقم المادة : 16 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على النص . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ أضيفت عبارة ” أو جهة مستقبلة ” بعد عبارة ” شخصا مستقبلا ” لأن الاشتراط يجوز أن يكون لمصلحة جهة تنشأ فيما بعد ، وعدل النص تعديلا لفظياً يناسب هذه الإضافة . وأقرت اللجنة النص تحت رقم المادة 156 . ووافق مجلس الشيوخ على النص كما عدلته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 315 – ص 319 ) .

 ( [4] ) أنظر في انعقاد الغموض والاضطراب في هذا النص ، وفي الحيرة بين أن يكون نصا في الفضالة أو في التعهد عن الغير أو في الاشتراط لمصلحة الغير نظرية العقد للمؤلف فقرة 778 .

 ( [5] ) وإلى هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي عندما تقول في هذا الصدد : ” . . . أصبح اليوم الاشتراط لمصلحة الغير قاعدة عامة بعد أن كان استثناء لا يعمل به إلا في حالات بخصوصها . ولهذه العلة استبدل المشروع بالمادة الغامضة الوحيدة التي تضمنها التقنين الحالي نصوصاً جلية مفصلة حددت في وضوع شروط الاشتراط لمصلحة الغير وأثاره ، فأوجبت أن يكون للمشترط مصلحة شخصية ، أو أدبية ، في تنفيذ الالتزام المشترط لمصلحة الغير . واباحت له أن ينقض الاشتراط أو يستبدل بالمنتفع شخصاً آخر ، بل واباحت له أن يستاثر لنفسه ولورثته بمنفعة المشارطة ما دام الغير لم يعلن رغبته في الاستفادة منها . ويتلقى المنتفع بمقتضى الاشتراط حقاً مباشراً مصدره العقد ذاته ، وفي هذه الناحية تتجلى الفكرة الأساسية في فقه هذا الوضع بأسره ، فإن الغير يكسب حقاً بناء على عقد لم يكن طرفاً فيه . ويجوز للمنتفع أو المشترط أن يطالب بقضاء هذا الحق ، لأن لكل منهما مصلحة في ذلك . وأخيراً نص على جواز الاشتراط لمصلحة شخص مستقبل أو شخص غير معين وقت العقد ، ويعتبر ذلك قصارى ما وصل إليه تطور هذا النظام ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 269 ) .

 ( [6] ) أنظر في هذه المسألة نظرية العقد للمؤلف فقرة 802 .

 ( [7] ) أنظر في هذه المسألة نظرية العقد للمؤلف فقرة 802 .

 ( [8] ) أنظر في هذه المسألة نظرية العقد للمؤلف فقرة 801 – وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ومع ذلك فلم يكن من الهين إدراك فكرة انصراف منفعة العقد إلى غير عاقدية باعتبارها صورة من صور الأوضاع القانونية مع ما هو ملحوظ من بساطتها . فالتقنين الفرنسي ذاته ، واغلب التقنينات اللاتينية من بعده ، قد جعلت منها جميعاً مجرد استثناء لا يطبق إلا في حالتين . ولم يسم هذا الاستثناء إلى مرتبة الأصل ، ويبسط نطاقه على سائر الحالات ، إلا في خلال القرن التاسع عشر ، وعلى وجه الخصوص على اثر ما أصاب عقد التأمين من نمو وذيوع . وقد بلغ التوسع في تطبيق هذا الأصل شأوا بعيداً ، وانتهى الأمر إلى إباحة الاشتراط إذا كان المنتفع شخصاً مستقبلا أو شخصاً لم يعين وقت التعاقد ما دام تعيينه مستطاعا عندما ينتج هذا التعاقد أثره كما هو الشأن في التأمين لمصلحة من ولد ومن يولد من ذرية المؤمن . وقد نقل المشروع قواعد الاشتراط لمصلحة الغير في صورتها التي انتهت إليها في آخر مرحلة من مراحل تطورها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 316 – ص 317 ) .

 ( [9] ) استئناف مختلط في 2 مارس سنة 1916 م 18 ص 184 – وفي 18 يناير سنة 1919 م 31 ص 127 – وقضت محكمة النقض بأنه إذا تعهد أحد المتبادلين في أطيان بأن يدفع بعض المستحق عليه من فرق البدل في نصيب المتبادل الآخر من دين على أطيان أخرى هو شريك له فيها على الشيوع ، فهذا التعهد هو من قبيل الاشتراطات لمصلحة الغير ، لا يصح فيه للتبادل الآخر أن يطلب دفع المبلغ إليه ، بل له فقط أن يطالب المتعهد بتنفيذ تعهده ( نقض مدني في 27 مارس سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 109 ص 337 ) .

 ( [10] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن اشتراط البائع على المشتري أن يدفع الدين إلى الدائن المرتهن لا يعتبر اشتراطاً لمصلحة الدائن إلا إذا تدخل الدائن في عقد البيع وقبل الاشتراط لمصلحته ( 8 يونية سنة 1935 م 47 ص 363 ) . ونرى أنه ليس من الضروري تدخل الدائن في عقد البيع ذاته ، ويكفي أن يصدر منه قبول ولو مستقلا عن البيع ، وبهذا تقضي القواعد المقررة في قبول المنتفع . ولكن إذا رفض الدائن قبول الاشتراط ، زال حقه الشخصي قبل المشتري . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة في هذا المعنى بأنه إذا قبل المشتري أن يدفع الدين المضمون بالرهن على العقار المبيع ، فإن هذا يعتبر اشتراطاً لمصلحة الغير ، ويكون للدائن المرتهن حق مباشر قبل المشتري ، ولكن إذا استمر الدائن المرتهن في إجراءات التفنيذ على العقار المرهون التي كان بدأها قبل البيع ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى شخصية على المشتري لأن هذا لم يقبل الاشتراط لمصلحة الغير إلا على أساس أن الدائن المرتهن لا ينزع ملكية العقار ( 4 يناير سنة 1934 م 46 ص 114 ) .

 ( [11] ) أول ابريل سنة 1897 م ) ص 255 – ويلاحظ أنه كان من المقرر في القانون القديم أن الشفيع لا يصح نزوله عن حقه في الأخذ بالشفعة إلا بعد قيام هذا الحق ببيع العقار المشفوع فيه . فكان من المستطاع مداورة هذا الحظر عن طريق تصوير الشفيع متعهداً بالامتناع عن عمل هو المطالبة بالشفعة في اشتراط لمصلحة المشتري . أما في القانون الجديد فيجوز أن ينزل الشفيع عن حقه في الأخذ بالشفعة ولو قبل البيع ( م 948 جديد ) .

 ( [12] ) أنظر في تطبيق قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير على الأوراق التجارية نظرية العقد للمؤلف فقرة 795 .

 ( [13] ) قارن استئناف مختلط في 13 يناير سنة 1927 م 39 ص 167 .

 ( [14] ) أما إذا أمن رب العمل على مسئوليته نحو العمال عما يحدث لهم من الضرر أثناء العمل ، وبوجه عام إذا امن شخص على مسئوليته عن الحوادث ، كحوادث السيارات وحوادث النقل ونحو ذلك ، فإن المؤمن له لا يكون مشترطاً لمصلحة اليغر بل لمصلحته هو . ولا يكسب من يكون دائناً في هذه المسئولية حقاً مباشراً قبل شركة التأمين ، وإن كان يستطيع أن يستعمل دعوى مدينه المؤمن له قبل شركة التأمين ولكن يتعرض في هذه الحالة المزاحمة دائني المؤمن له ( استئناف مختلط في 27 مارس سنة 1930 م 42 ص 389 – وانظر عكس ذلك استئناف مختلط في 15 يونية سنة 1932 جريدة مصر القضائية ( L’Egypte Judiciaire ) السنة الأولى العدد العاشر ص 10 – وانظر في رجوع شركة التأمين بما دفعته من تعويض للمؤمن له رجوعاً مباشراً على المسئول عن الحريق في حالة التأمين من الحريق المادة 771 من القانون المدني الجديد ) .

 ( [15] ) والتون 2 ص 59 .

 ( [16] ) استئناف مختلط في 4 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 71 .

 ( [17] ) استئناف مختلط في 20 ديسمبر سنة 1894 م 7 ص 46 – وفي 25 يناير سنة 1923 م 25 ص 165 – قارن استئناف مختلط في 13 مايو سنة 1890 م 2 ص 412 .

 ( [18] ) ومن تطبيقات الاشتراط لمصلحة الغير الاكتتابات العامة ، فإذا فتحت جريدة أو مجلة اكتتاباً لعمل خيري أو عمل عام ، أمكن القول إن المكتتب تعاقد مع من نظم الاكتتاب مشترطاً لمصلحة الغير ( والتون 2 ص 58 – ص 59 ) . وقضت محكمة مصر الكلية الوطنية في 18 ابريل سنة 1938 ( المحاماة 18 رقم 465 ص 1066 ) بان قول الوارث الآخر إن المورث لم يقصد بإيداع أموال لبعض الورثة أن يهبهم إياه ، بل أراد إما التحايل على نظام صناديق التوفير الذي لا يجير لأحد أن يكون له أكثر من دفتر واحد ولا أن تزيد وديعته على خمسمائة جنه ين وإما الوصية بتلك الأموال لمن أودعت باسمه ، قول لا يقبل ما لم يقم عليه دليل مقنع . ومجرد بقاء الدفاتر تحت يد المورث لا يكفي لاثباته ، بل الراجح الذي يؤيده العارف الجاري بين الاباء هو أن المورث أراد بالإيداع أن يكون المال من حق من أودع الودائع باسمه في الحال ، وقد يكون له بواسطة بقاء الدفتر عنده الإشراف الفعلي فقط على تصرف هذا الوارث . على أنه حتى إذا كان المورث قد أراد إلا يؤول المال المودع إلى الوارث المذكور إلا بعد وفاته ، فإن هذا لا يجعل التصرف وصية ما دام الإيداع قد حصل باسم الوارث ، لأنه طبقاً لقواعد الاشتراط لمصلحة الغير يرجع حق المنتفع دائماً إلى يوم العقد نفسه ولو كانت المنفعة لا تؤول إليه فعلا إلا بعد وفاة المشترط كما في حال التأمين على الحياة .

ويلاحظ أن الحكم في فرصة الأخير يكيف العقد بأنه وديعة اشترط المودع فيها أن يسلم المودع عنده المال بعد وفاة المودع لشخص بالذات وهبه المودع هذا المال حال حياته .

 ( [19] ) قارن نظرية العقد للمؤلف ص 908 هامش رقم 1 .

 ( [20] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا جعل شخص من شخص آخر مستحقاً لقيمة التأمين الذي تعاقد عليه مع شركة تأمين ، فهذا اشتراط لمصلحة الغير اشترطه المؤمن له على الشركة لمصلحة المستحق لا يرتب حقاً للمستحق قبل المشترط أو ورثته من بعده بسبب إلغاء بوليصة التأمين لامتناع المشترط عن دفع اقساطه ، إلا إذا كان الاشتراط قد حصل مقابل حق للمستحق على المشترط . وليس هو حوالة من المشترط للمستحق تفيد بذاتها مديونية المشترط له بمقابل قيمتها ( نقض مدني في ) يناير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 135 ص 296 ) .

 ( [21] ) ومتى تحددت قيمة التبرع على النحو المتقدم ، فهذه هي القيمة التي تعتبر عند تطبيق الأحكام الموضوعية للهبة في العلاقة ما بين المشترط والمنتفع . فلو طعن دائن المشترط بالدعوى البوليصية في عقد التأمين الصادر من مدينه وتوافرت شروطها ، فإن الدائن لا ينفذ بحقه إلا بمقدار أقساط التأمين ( استئناف مختلط 27 ديسمبر سنة 1916 جازيت 7 رقم 136 ص 48 – أنظر أيضاً في حق الورثة في الرجوع بأقساط التأمين على المنتفع باعتبارها وصية لا تنفذ في حقهم ( استئناف مختلط 18 يناير سنة 1 917 م 29 ص 163 ) . وإذا أراد المؤمن له الرجوع في الهبة فإنه يرجع على المنتفع بمقدار الاقساط التي دفعها لشركة التأمين ، وهذا بخلاف ما إذا كان المشترط قد نقض حق المنتفع فإنه يسترد الحق في مبلغ التأمين لا في الاقساط وحدها .

 ( [22] ) رأينا المادة 152 من هذا القانون تصرح بان العقد لا يرتب التزاماً في ذمة الغير ” ولكن يجوز أن يكسبه حقاً ” .

والذي تقرره هنا من أن عقد الاشتراط هو الذي أنشأ حق المنتفع هو ما سبق أن قررناه في كتابنا ” نظرية العقد ” ص 911 ، وقرره بعد ذلك الدكتور حلمي بهجت بدوي بك في عبارات لا تخرج عن هذا المعنى ، إذ يقول : ” ما الذي يحول في القواعد العامة دون اجتماع إرادة شخصين على أن ينشأ لثالث حق مباشر قبل أحدهما ؟ اللهم لا حائل يحول دون ذلك ، لا من القواعد التي ننتهي إليها من تحليل الإرادة ولا من قواعد النظام العام ” . ( أصول الالتزامات ص 354 – ص 355 ) . ويبدو أن الدكتور حلمي بهجت بدوي لم ينتبه للرأي الذي قلنا به ، فهو عندما عرض للنظريات التقليدية في هذا المضووع حشريا بين فقهائها ( أنظر أصول الالتزامات فقرة 245 ص 352 هامش رقم 1 ) ، ومضى بعد ذلك يقرر ما سبق لنا أن قررناه .

ونحن لم نقتصر على إدخال قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير في حظيرة القواعد العامة ، بل نبهنا إلى أن قاعدة التعهد عن الغير هي الأخرى في حاجة إلى إمعان في النظر . ولم نر ما يمنع في المنطق القانونين من أن تقوم قاعدة التعهد عن الغير على غرار قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير ، تلزم الغير بعقد التعهد ذاته لا بعقد جديد . وفسرنا قصور قاعدة التعهد عن الغير في الوصول إلى هذه المرحلة من التطور بأن الضرورات العملية لم تقتض بعد ، كما اقتضت في قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير ، جواز أن يلتزم الغير من عقد لم يشترط فيه ، ولو اقتضت هذا لما حال المنطق القانونين دون ذلك .

وهذا ما سبق لنا أن قلناه في هذا الصدد : ” ويمكن القول بوجه عام أن القانون الحديث ، بعد تدرج في التطور ، أصبح يعترف بأن المتعاقدين يستطيعان بارادتهما أن يشترطا حقا للغير . ولكنه وقف عند ذلك ، فلم يعترف حتى اليوم بأن المتعاقدين يستطيعان بإرادتهما كذلك أن ينشئاً التزاما في ذمة الغير ، ولم يجر هذا التطور إلا تحت ضغط الضرورات العملية ، فهي التي اقتضت جواز أن يستفيد الغير حقا من عقد لم يكن طرفا فيه ، ولعلها لم قتض بعد جواز أن يلتزم الغير من عقد لم يشترك فيه ، ولو اقتضت هذا لما حال المنطق القانوني دون ذلك ” . ( نظرية العقد ص 863 – ص 864 ) .

ثم قلنا في الحاشية : ” والواقع من الأمر أن القاعدة التي تقضي بأن العقد لا ينصرف أثره إلى الغير قاعدة عتيقة باليه ، ورثناها عن القانون الروماني ، ونحن نستبقيها الآن اسماً لا فعلاً ، وإلا فنحن نخرج عليها كلما اقتضى تقدم المعاملات ذلك وكثيراً ما يقتضيه . . . وليس في المنطق القانونين ما يمنع من أن يشخصين يتفقان على إنشاء حق لشخص ثالث أو توليد التزام في ذمته . وليس هذا معناه أن هذا الشخص الثالث يصبح صاحب الحق أو المدين بالالتزام ولو لم يرض ذلك ، فقبوله ضروري في الحالتين حتى لا يكون دائناً أو مديناً بالرغم من إرادته ، ولكنه إذا قبل يعتبر الحق الذي كسبه أو الالتزام الذي تعلق في ذمته قد نشأ من نفس العقد الذي لم يكن طرفاً فيه . . ولا فرق بين الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير في ذلك . ولا يجوز أن يقال إن الاشتراط لمصلحة الغير ينشيء حقاً أما التعهد عن الغير فيولد التزاماً ، وأنه إذا صح أن الغير بكسب حقاً من عقد لم يكن طرفاً فيه ، فلا يصح أن يتعلق في ذمته التزام من عقد لم يصدر منه قبول به . ذلك لأن قبول الغير ضروري في الحالتين كما قدمنا . ففي الاشتراط لمصلحة الغير لا بد من قبول المنتفع كما سيرى . كذلك في العهد عن الغير لا بد من اشتراط قبول الغير ، فإذا صدر هذا القبول فما الذي يمنع ، من حيث المنطق القانونين ، من اعتبار الالتزام الذي نشأ في ذمة الغير ، وقد قبله التزاما في ذمته ، متوالداً من العقد الذي لم يكن طرفاً فيه ، كما هو الأمر في الاشتراط لمصلحة الغير ؟ ” ( نظرية العقد ص 864 هامش رقم 1 , 2 – أنظر أيضاً ص 871 هامش رقم 2 ) – هذا ولم يرض القانون المدني الجديد أن يسبق الزمن ، فأبقى قاعدة التعهد عن الغير عند مرحلتها القاصرة ، وسجل لقاعدة الاشتراط لمصلحة الغير تطورها الأخير ، وقال في المادة 152 : ” لا يرتب العقد التزاماً في ذمة الغير ، ولكن يجوز أن يكسبه حقاً ” .

 ( [23] ) أنظر ورمز ( Worms ) رسالة من باريس سنة 1891 ص 114 – بودري وبارد 1 فقرة 161 – كولان وكابيتان 2 ص 328 – جوسران 2 فقرة 304 .

 ( [24] ) وإلى هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إذ تقول : ” ينطوي الاشتراط لمصلحة الغير على خروج حقيقي على قاعدة اقتصار منافع العقود على المتاعقدين دون غيرهم . فالمتعهد يلتزم قبل المشترط لمصلحة المنتفع ، فيكسب الأخير بذلك حقاً مباشراً ولو أنه ليس طرفاً في التعاقد ، وبهذه المثابة يكون التعاقد ذاته مصدراً لهذا الحق . ولهذا التصوير على بساطته ووضوحه فضل الكشف عن وجه هذا النظام وإبراز مشخصاته من حيث شذوذه عن حكم القواعد العامة ، وهو فضلا عن ذلك يقبل من عناء استظهار سائر وجوه التفسير والتخريج التي جهد الفقه التقليدي في التماسها وتفصيل جزئياتها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 316 ) .

 ( [25] ) هيك 8 فقرة 51 – بودري وبارد 1 فقرة 204 – بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 362 – ديموج 7 فقرة 813 مكررة – والتون 2 ص 61 – ص 62 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 816 – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 244 – الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 328 – نقض فرنسي في 22 يونية سنة 1891 سيريه 92 – 1 – 177 – وفي ) مارس سنة 1896 داللوز 96 – 1 – 391 – وفي 29 يونية سنة 1896 سيريه 96 – 1 – 361 – محكمة المنيا الكلية في 30 سبتمبر سنة 1929 المحاماة 10 رقم 132 ص 460 – محكمة طنطا الكلية في 23 ابريل سنة 1931 المحاماة 12 رقم 83 ص 140 – استئناف مختلط في 11 فبراير سنة 1900 م 12 ص 111 – وفي 28 نوفمبر سنة 1904 م 14 ص 27 – وفي 7 ابريل سنة 1910 م 22 ص 249 – وفي 18 يناير سنة 1917 م 29 ص 163 – وفي 13 فبراير سنة 1927 م 39 ص 167 – قارن استئناف مختلط في أول مايو سنة 1924 م 36 ص 348 – وفي 2 يناير سنة 1930 م 42 ص 142 .

 ( [26] ) ومما يترتب أيضاً من النتائج على أن المتعهد أصبح مديناً للمنتفع لا للمشترط أن المتعهد لا يستطيع أن يتمسك بالمقاصة بين حق له على المشترط والتزامه نحو المنتفع ( استئناف مختلط في ) يونية سنة 1927 م 39 ص 536 ) . ويترتب أيضاً على ذلك أن المتعهد لا يستطيع عند رجوع المنتفع عليه أن يطلب تجريد المشترط ( استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1914 م 27 ص 71 ) .

 ( [27] ) استئناف مختلط في 18 يناير سنة 1917 م 29 ص 163 .

 ( [28] ) أنظر في الفرق ما بين الاشتراط لمصلحة الغير والانابة في الوفاء نظرية العقد للمؤلف ص 916 هامش رقم 1 .

 ( [29] ) وإذا كان العقد ما بين المشترط والمتعهد عقداً صورياً ، جاز في نظرنا للمتعهد أن يتمسك قبل المنتفع بالصورية حتى لو كان المنتفع حسن النية لا يعلم بصورية العقد . ذلك أن المنتفع لا يعتبر ” غيرا ” في هذه الصورية حتى يستطيع التمسك بالعقد الظاهر ، فهو قد استمد حقه من هذا العقد ، وشرط الغير في الصورية إلا يكون حقه الذي تراد حمياته من الصورية مستمداً من العقد الصوري ذاته . وقد سبقت الإشارة إلى هذه المسألة ، وسنعود إليها ببيان أو في عند الكلام في الصورية .

 ( [30] ) أنظر آنفاً فقرة 378 – وقد ضربنا مثلا لذلك أن تتعاقد الحكومة مع شركة احتكار مشترطة عليها شروطاً في مصلحة الجمهور ، ولكنها تحتفظ لنفسها ، دون أفراد الجمهور بحق إلزام الشركة بتنفيذ هذه الشروط ( أنظر في هذا المعنى استئناف مختلط في 3 يونية سنة 1896 م 8 ص 313 – وفي 17 مايو سنة 1905 م 17 ص 283 – والتون 2 ص 57 – ص 58 ) .

 ( [31] ) نقض مدني في 27 مارس سنة 1941 مجموعة عمر رقم 109 ص 337 – أنظر أيضاً استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1930 م 42 ص 567 .

 ( [32] ) أنظر مناقشات لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، وقد ذكر هذا المثل أمامها ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 315 ) .

 ( [33] ) استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1914 م 27 ص 71 – وفي 28 نوفمبر سنة 1918 م 31 ص 38 . أنظر أيضاً بلانيول وريبير وغسمان 1 فقرة 358 .

 ( [34] ) استئناف مختلط في 24 ابريل سنة 1904 م 16 ص 217 .

 ( [35] ) ومن قبل النقض الجزئي أن يرهن المؤمن له بوليصة التأمين لدائنه ، فلا يعود مبلغ التأمين إلى المنتفعين إلا بعد أن يستوفى الدائن حقه ( استئناف مختلط في 27 فبراير سنة 1902 م 14 ص 162 ) .

وقضت محكمة النقض بأنه إذا اتفق البائع والمشتري على أن يحتفظ المشتري ببعض الثمن تأميناً وضمانا لدين آخر على البائع ، فهذا الاتفاق يعتبر قانوناً اشترطاً لمصلحة الغير ، وحكمه أن للمشترط الحق في نقضه ما لم يعلن من حصل الشرط لمصلحته قبوله له . ولا يجب في نقض الاتفاق أن يكون بشكل مخصوص ، بل هو كما يقع صريحا يصح أن يكون ضمنياً ، ولا محل هنا لتطبيق المادة 141 من القانون المدني ( القديم ) لتمكين دائن البائع من استعمال حق مدينه والرجوع على المشتري ، فإن هذه المادة مجالها أن يكون حق المدين ( هنا البائع ) لا يزال باقياً في ذمة المتعهد ( هنا المشتري ) عند استعمال الدائن هذا الحق ، فإذا ما انقضى بالوفاء فلا يبقى للمدين بعد ذلك أي حق يصح للدائن أن يباشره اسمه ( نقض مدني في 11 يونية سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 171 ص 473 ) . ونلاحظ هنا أن دائن المشترط لا يجوز له أن يستعمل حق النقض باسم مدينه لما قدمناه من أن هذا الحق شخصي للمشترط ، وقد ورد نص القانون الجديد صريحاً في ذلك كما رأينا . فإذا امتنع على دائن البائع أن يستعمل حق النقض باسم مدينه ، فإن هذا يرجع الىش خصية حق النقض ، لا إلى أن الثمن لم يعد باقياً في ذمة المشتري كما ذهبت المحكمة .

 ( [36] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وللمشترط أن ينقض المشارطة قبل إقرار المنتفع لها إلا أن يكون ذلك منافياً لروح التعاقد . وله عند نقض المشارطة أن يعين منتفعاً آخر أرأب يستأثر لنفسه بمنفعتها ، ما لم تكن نية المتعقادين قد انصرفت صراحة أو ضمناً إلى أن الالغاء يترتب عليه أن تبرأ ذمة المتعهد قبل المشترط . ولما كان نقض المشارطة أمراً يرجع إلى تقدير المشترط ذاته ، فقد قصر استعمال هذه الرخصة عليه دون دائنيه أو ورثته . وإذا رفض المنتفع المشارطة نهائياً فيكون للمشترط عين الحقوق التي تقدمت الإشارة إليها في الفرض السابق ، والظاهر أنه يجوز له فوق ذلك أن يطلب فسخ العقد باعتبار أن المتعهد يستحيل عليه تفنيذ التزامه قبل المنتفع ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 317 ) .

 ( [37] ) وإذا صدر نقض من المشترط وإقرار من المنتفع قبل أن يعلم أحدهما بما فعل الآخر ، فالعبرة ليست بتاريخ صدور النقض والإقرار ، بل بتاريخ اعلانهما إلى المتعهد ، فمن أعلن المتعهد أولاً هو الذي يسري تصرفه ، ويعتبر حق المنتفع منقوضاً إذا سبق المشترط إلى إعلان النقض للمتعهد ، أو يعتبر قد تثبت غير قابل للنقض إذا سبق المنتفع إلى إعلان إقراره للمتعهد ( بلانيول وريبير وغسمان 1 فقرة 361 ) .

 ( [38] ) استئناف مختلط في 2 مارس سنة 1916 م 38 ص 184 – وفي 14 فبراير سنة 1918 م 30 ص 221 – وقضت محكمة النقض بأن المادة 137 من القانون المدني ( القديم ) نصت على أن من عقدت على ذمته مشارطة بدون توكيل منه فله الخيار بين قبولها ورفضها ، ولم يطلب القانون ممن حصل العقد على ذمته أن يظهر رغبته في قبولها في زمن معين ، وكل ما اقتضاه منه في حالة عدم القبول أن يعلن الرفض ، أما القبول فيكفي فيه السكوت ( نقض مدني في 17 ديسمبر سنة 1931 مجموعة عمر 1 رقم 18 ص 30 ) .

هذا ويجوز لكل من المشترط والمتعهد أن يحدد أجلا معقولا للمنتفع يختار فيه بين الإقرار والرفض ، فإذا انقضى الأجل عد رافضاً . وللقاضي الرقابة علىما إذا كان الأجل معقولا ( أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 317 ) .

 ( [39] ) وإلى هذا كله تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إذا تقول : ” وإذا صح عزم المنتفع على قبول الاشتراط ، فيجوز له أن يعلن المتعهد أن المشترط بإقراره ، ويراعى أن هذا الإقرار تصرف قانونين ينعقد بارادة منفردة . ولا يشترط له استيفاء شكل ما ، ولم يحدد المشرع أجلاً معيناً لصدوره ، ولكن يجوز إنذار المنتفع بالافصاح عما يعتزم في فترة معقولة . ويصبح حق المنتفع لازماً أي غير قابل للنقض بمجرد إعلان الإقرار . وهو حق مباشر مصدره العقد ، ويترتب على ذلك نتيجتان : الأولى أنه يجوز للمنتفع أن يطالب بتنفيذ الاشتراط ما لم يتفق على خلاف ذلك . ولما كان للمشترط مصلحة شخصية في هذا التنفيذ ، وهو يفترق عن الفضولي من هذا الوجه ، فيجوز له أيضاً أن يتولى المطالبة بنفسه إلا إذا قضى العقد بغير ذلك والثانية أنه يجوز للمتعهد أن يتمسك قبل المتنفع بالدفوع التي تتفرع عن العقد ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 317 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

التعهد عن الغير في القانون المدني

التعهد عن الغير

357 – النصوص القانونية : نصت المادة 153 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – إذا تعهد شخص بأن يجعل الغير يلتزم بأمر فلا يلزم الغير بتعهده . فإذا رفض الغير أن يلتزم ، وجب على المتعهد أن يعوض من تعاقد معه ، ويجوز له مع ذلك أن يتخلص من التعويض بأن يقوم هو بنفسه الالتزام الذي تعهد به ” .

 ” 2 – أما إذا قبل الغير هذا التعهد ، فان قبوله لا ينتج أثرا غلا من وقت صدروه ، ما لم يتبين أنه قصد صراحة أو ضمنا أن يستند أثر هذا القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد ” ( [1] ) .

ولا مقابل لهذا النص في القانون القديم . إلا أن النص لا يستحدث حكماً جديداً ، فقد كان الفقه والقضاء يجريان على مقتضاه قبل صدور القانون الجديد .

358 – الصور العملية للتعهد عن الغير : والتعهد عن الغير غير نادر الوقوع في الحياة العملية . ويراد به في الغالب علاج موقف لا يمكن فيه الحصول على رضاء ذى الشأن لسبب ، فيلتزم عنه غيره . مثل ذلك شركاء في الشيوع يتصرفون في الشيء الشائع وفيهم قاصر ويردون تجنب إجراءات المحكمة الحسبية ، أو كان أحدهم غير حاضر وقت العقد ولا يستطاع انتظاره خوف ضياع الصفقة ، أو كانوا يقتسمون الشيء الشائع وفيهم من هو ناقص الأهلية ويبغون توقى الإجراءات المعقدة للقسمة القضائية . في مثل هذه الأحوال يتعاقد الشركاء الذين يصح لهم التعاقد عن أنفسهم وملتزمين عن غيرهم من لا يستطيع التعاقد لسبب من الأسباب المتقدمة . كذلك الوكيل إذا رأى أن يجاوز حدود الوكالة ، ولم يتمكن من الحصول على إذن في ذلك من الموكل ، يستطيع فيما يجاوز فيه حدود الوكالة أن يتعاقد باسمه متعهداً عن الموكل .

359 – مقومات التعهد عن الغير وتمييزه عما يقاربه : ويجب حق يقوم التعهد عن الغير أن تتوافر المقومات الثلاثة الآتية :

 ( أولاً ) أن يتعاقد المتعهد باسمه لا باسم الغير الذي يتعهد عنه . ومن هنا كان الفرق بين المتعهد عن الغير وبين الوكيل والفضولي ، فالوكيل يعمل باسم الأصيل ، وينصرف اثر العقد إلى الأصيل لا إليه . والفضولي يعمل باسم رب العمل ولمصلحته ، فيلزمه بعمله . أما المتعهد عن الغير فيعمل باسمه ، وينصرف إليه هو اثر العقد .

 ( ثانياً ) أن يريد المتعهد من الغير أن يلزم نفسه بهذا التعهد لا أن يلزم الغير . ذلك أنه إذا تعاقد باسمه وأراد إلزام الغير بتعاقده ، فإن العقد يكون باطلا لاستحالة المحل ، إذ أنه لا يمكن قانوناً أن يلزم شخص آخر بعقد لم يكن المتزم طرفاً فيه . والتزام الغير إنما يأتي لا من تعاقد المتعهد بل من عقد آخر يتم بقبول الغير للتعهد كما سنرى . ومن هنا كان الفرق بين المتعهد عن الغير والمشترط لمصلحة الغير . فالمشترط لمصلحة الغير يريد أن يجعل للغير حقاً مباشراً يكسبه من ذات العقد الذي ابرمه المشترط ، وهذا ما يجعل الاشتراط لمصلحة الغير استثناء من القاعدة التي تقضي بأن العقد لا ينصرف أثره إلى الغير ، ويجعل التعهد عن الغير لا خروج فيه على هذه القاعدة ( [2] ) .

 ( ثالثاً ) أن يكون الالتزام الذي أخذه المتعهد على نفسه هو القيام بحمل الغير الذي تعهد عنه على قبول هذا التعهد . فالمتعهد إذن يلتزم دائماً بعمل شيء ( obligation de faire ) . أما الغير إذا قبل التعهد ، فإنه يلتزم بهذا التعهد . وقد يكون محله عمل شيء كأن يقوم ببناء منزل ، أو الامتناع عن شيء كأن يمتنع عن منافسة متجر ، أو نقل حق عيني كما إذا تعاقد الشركاء في الشيوع متعهدين عن شريك لهم على بيع الشيء الشائع . والتزام المتعهد بحمل الغير على قبول التعهد هو التزام بالوصول إلى غاية ( obligation de resultat ) وليس التزاماً ببذل عناية ( obligation de moyen ) . فليس يكفي أن يبذل المتعهد ما في وسعه لحمل الغير على قبول التعهد ، بل يجب أن يصل فعلا إلى هذه الغاية فيقبل الغير التعهد . ولكن إذا قبل الغير التعهد ، وقف التزام المتعهد عند هذا ، فلا يكفل تنفيذ الغير للتعهد . ومن هنا كان الفرق بين المتعهد عن الغير والكفيل . فالكفيل يكفل تنفيذ التزام المدين بعد أن يوجد ، ولا يكفل ايجاده أما المتعهد عن الغير فكيفل إيجاد الالتزام في ذمة الغير ولا يكفل تنفيذه ( [3] ) .

360 – للغير أن يقبل التعهد أو برفضه : والغير حر في قبول التعهد أو رفضه . ذلك أن التعهد لم يلزمه بشيء كما قدمنا . فهو أجنبي عن العقد أصلاً ( penitus extranei ) ، فلا ينصرف إليه أثره . وهذا ما يجعل التعهد عن الغير مجرد تطبيق للقواعد العامة كما مر .

ويبقى أن نستعرض الحالتين : ( 1 ) قبول الغير للتعهد . ( 2 ) ورفضه إياه .

1 – قبول الغير للتعهد

361 – كيف يكون القبول : يكون القبول صريحاً أو ضمنياً . ومثل القبول الضمني أن يقوم الغير بتنفيذ التعهد . والقبول تصرف قانونين ، فتشترط فيه الأهلية . ولا يشترط فيه شكل خاص إلا إذا اشترط القانون ذلك ، كما في الرهن الرسمي والهبة .

362 – اثر القبول : يعتبر التعهد – وهو عقد بين المتعهد والمتعاقد معه – بمثابة إيجاب معروض على الغير من جانب المتعاقد مع المتعهد . فإذا قبل الغير التعهد فقد قبل هذا الإيجاب ، وتم عقد جديد بين الغير والمتعاقد مع المتعهد ، وهذا العقد الجديد هو غير العقد الذي تم أولاً بين المتعهد والمتعاقد معه .

ويختلف العقدان من حيث أطراف التعاقد ، ومن حيث الالتزامات التي تنشأ ، ومن حيث الوقت الذي يتم فيه كل منهما .

أما من حيث أطراف التعاقد . فالعقد الأول طرفاه المتعهد والمتعاقد معه . والعقد الثاني طرفاه المتعاقد مع المتعهد والغير . فهناك طرف مشترك في العقدين ، هو المتعاقد من المتعهد . أما الطرف الآخر فمختلف ، وهو المتعهد فيا لعقد الأول والغير في العقد الثاني .

وأما من حيث الالتزامات ، فالعقد الأول ينشيء التزاماً بعمل شيء في ذمة المتعهد ، هو حمل الغير على قبول التعهد . والعقد الثاني ينشيء التزاما في جانب الغير قد يكون محله نقل حق عيني أو عملا أو امتناعاً عن عمل . وقد مر بيان ذلك .

وأما من حيث وقت تمام العقد ، فالعقد الأول يتم عند تلاقي الإيجاب والقبول من المتعهد والمتعاقد معه . والعقد الثاني لا يتم إلا عند صدور القبول من الغير . فليس للقبول إذن اثر رجعي ، إلا إذا تبين أن الغير قصد صراحة أو ضمناً أن يستند اثر القبول إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد ، كما هو صريح نص الفقرة الثانية من المادة 153 وقد مر ذكرها . فإذا تعاقد شركاء في الشيوع متعهدين عن قاصر فيهم ، وقبل القاصر التعهد بعد بلوغه سن الرشد ، فالمفهوم ضمناً أن القاصر قصد أن يكون لقبوله اثر رجعي ، يستند إلى وقت تعاقد الشركاء . وإذا قصد الغير أن يكون لقبوله اثر رجعي ، فإن هذا الأثر ينتفي بالنسبة إلى أي شخص كسب حقاً يؤثر فيه الأثر الرجعي . فإذا تعهد ( ا ) أن ( ب ) يبيع منقولا يملكه إلى ( ج ) ، ولكن ( ب ) باع المنقول إلى ( د ) ، ثم قبل التعهد الصادر من ( ا ) ، فإن ( ب ) يكون قد باع المنقول مرتين متتاليتين ، المرة الأولى إلى ( د ) ، والمرة الثانية إلى ( ج ) . فإذا كان قبوله للتعهد ذا أثر رجعي أضر هذا بالمشتري ( د ) إذا يتأخر عن المشتري ( ج ) . لذلك لا يكون للقبول اثر رجعي بالنسبة إلى ( د ) فيتقدم على ( ج ) . أما إذا كان المبيع عقاراً ، فالتفاضل يكون بالأسبقية إلى التسجيل ( [4] ) .

وإذا كان صدور القبول من الغير يرتب في ذمته التزاماً على النحو الذي بيناه ، فهذا الالتزام قد نشا من العقد الثاني كان هو طرفاً فيه . ومن ثم لا يكون التعهد عن الغير إلا محض تطبيق للقواعد العامة كما قدمنا ، فإن الغير لم يلتزم بالعقد الأول الذي كان أجنبياً عنه ، بل التزم بالعقد الثاني الذي كان طرفاً فيه . والتزام الغير بالعقد الثاني يقضي التزام المتعهد بالعقد الأول ، إذ أن المتعهد يكون نفذ التزامه بحمل الغير على قبول التعهد .

2 – رفض الغير للتعهد

363 – عدم مسئولية الغير : قدمنا أن الغير حرفي قبول التعهد أو رفضه . فإذا رفضه كان غير مسئول ، لأن التعهد لم يرتب في جانبه أي التزام ( [5] ) .

364 – مسئولية المتعهد : ولكن المتعهد يبقى مسئولا عن العقد الذي تم بينه وبين المتعاقد معه ( [6] ) . وهو لا يتخلص من التزامه العقدي إلا إذا اثبت أنه لم يستطع القيام به لسبب أجنبي . ولا يعتبر امتناع الغير عن قبول التعهد سبباً أجنبياً ( [7] ) . فإذا لم يستطع المتعهد إثبات السبب الأجنبي كان مسئولا . وجزاء هذه المسئولية دفع تعويض للطرف الآخر المتعاقد معه عما أصاب هذا من الضرر من جراء رفض الغير للتعهد . ويقدر التعويض طبقاً للقواعد العامة .

ولا يمكن إجبار المتعهد على تنفيذ الالتزام الذي كان يراد من الغير أن يقبله . ولكن يجوز للمتعهد إن شاء أن يقوم بتنفيذ هذا الالتزام ، إذا كان تنفذه ممكناً ولم يكن متصلا بشخص الغير . فالتزام المتعهد بتنفيذ هذا الالتزام هو إذن التزام بدلي . إذ التزامه الأصلي هو دفع التعويض ، ولكن يستطيع أن يبرئ ذمته من التعويض بأن ينفذ الالتزام المشار إليه ( م 278 ) ( [8] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 209 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – إذا وعد شخص بان يجعل الغير يلتزم بأمر فإنه لا يلزم الغير بوعده ولكن يلزم بنفسه . ويجب عليه أن يعوض من تعاقد معه إذا رفض الغير أن يلتزم . ويجوز له مع ذلك أن يتخلص من التعويض بأن يقوم هو نفسه بتنفيذ الالتزام الذي وعد به ، إذا كان ذلك في استطاعته من غير أن يضر بالدائن . 2 – أما إذا اقر الغير هذا الوعد فإن إقراره لا ينتج أثراً إلا من وقت صدوره ما لم يتبين أنه قصد صراحته أو ضمنا أن ينسحب اثر الإقرار إلى اليوم الذي صدر فيه الوعد ” وفي لجنة المراجعة أدخلت تعديلات لفظية على النص وأصبح رقمه 157 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ استبدلت كلمة ” تعهد ” ومشتقاته بكلمة ” وعد ” ومشتقاتها ، لأن التعهد يؤدي معنى الالتزام وهذا ما لا يفيده الوعد ، وحذفت عبارة ” إذا أمكن ذلك دون اضرار بالدائن ” من الفقرة الأولى ، وأدخلت تعديلات لفظية أخرى حتى أصبح النص مطابقاً لنص القانون الجديد ، وأصبح رقم المادة 153 . ووافق مجلس الشيوخ على النص كما عدلته لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 305 – ص 309 ) .

 ( [2] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وقد اشير ابتداء إلى الفارق الجوهري بين الاشتراط لمصلحة الغير والوعد بالتزام الغير ( التعهد عن الغير ) . فالأول يخول الغير حقاً مباشرا ، على نقيض الثاني فهو لا يلزم الغير بذاته ، فالواعد يلتزم شخصياً ، ويكون من واجبه أن يعوض من تعاقد معه عيناً أو نقداً إذا رفض الغير أن يتعاقد . ومؤدى هذا أن الغير لا يلتزم إلا بمقتضى إقراره للوعد ، ولا يكون لهذا الإقرار اثر إلا من وقت صدوره ما لم يتنصرف النية إلى غير ذلك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 269 – ص 270 ) .

 ( [3] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” فإذا وعد شخص بان يجعل الغير يلتزم بأمر ، ونصب نفسه زعيماً بذلك ، فلا يكون من اثر هذا التعهد إلزام هذا الغير . وكل ما هنالك أن الواعد يتعهد بالوفاء بالتزام بعمل شيء هو الحصول على إقرار الغير للوعد الذي بذل عنه . ذلك هو مدى التزام الواعد على وجه الدقة . فليس يكفي عند رفض الإقرار أن يكون هذا الواعد قد بذل ما في وسعه للحصول عليه ، ولا يشترط كذلك أن يقوم من بذل الوعد عنه بتنفيذ تعهده إذا ارتضى إقراره . وهذا ما يفرق الوعد بالتزام الغير عن الكفالة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 306 ) .

هذا وقد قضى تقنين الالتزامات السويسري ( م 111 ) بأن المتعهد عن الغير لا يكفل إيجاد الالتزام في ذمة الغير فحسب ، بل يكفل أيضاً تنفيذ هذا الالتزام . فالتعهد عن الغير في القانون السويسري يتضمن الكفالة .

 ( [4] ) وقد كان الفقه في القانون القديم يميل إلى أن يجعل للقبول أثراً رجعياً ( أنظر نظرية العقد للمؤلف ص 870 – ص 871 وبنوع خاص الحاشيتين 1 و 2 في ص 871 ) – هذا وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويتحلل الواعد من التزامه بمجرد إقرار الغير للوعد . والواقع أن التزام الواعد ينقضي في هذه الصورة من طريق الوفاء . ويترتب على الإقرار أن يصبح الغير مديناً مباشرة للعاقد الآخر ، لا على أساس الوعد الذي قطعه الواعد ، بل بناء على عقد جديد يقوم بداهة من تاريخ هذا الإقرار ، ما لم يتبين أنه قصد صراحة أو ضمناً أن يستند اثر الإقرار إلى الوقت الذي صدر الوعد فيه . وغنى عن البيان أن الإقرار ينزل منزلة القبول من هذا العقد الجديد ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 306 – ص 207 ) .

 ( [5] ) استئناف مختلط في 10 ديسمبر سنة 1908 م 21 ص 66 .

 ( [6] ) استئناف مختلط في 28 يناير سنة 1914 م 26 ص 182 .

 ( [7] ) ولكن يعتبر سبباً أجنبياً ( قوة قاهرة ) أن يكون الغير قد أصبح في حالة لا يستطيع معها أن يصدر منه قبول صحيح بعد أن كان يستطيع ذلك وقت التعهد عنه ، بأن يكون قد حجر عليه أو مات وكان الالتزام متصلا بشخصه لا تستطيع ورثته أن تقوم به .

 ( [8] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وإذا امتنع الغير عن إجازة الوعد ، فلا تترتب على امتناعه هذا أية مسئولية ، ذلك أن الوعد لا يلزم إلا الواعد ذاته . ويكون من واجبه تنفيذ التزامه ، إما بتعويض العاقد الآخر الذي صدر الوعد لمصلحته ، وإما بالوفاء عيناً بالتعهد الذي ورد الوعد عليه إذا أمكن ذلك دون إلحاق ضرر بالدائن . ويستوي في هذا أن يكون الوعد متعلقاً بالتزام بنقل حق عيني أو بعمل شيء أو بالامتناع عنه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 306 ) .

هذا وقد كان الفقه المصري في القانون القديم متردداً في أن يجيز للغير أن يعدل عن التعويض إلى تنفيذ الالتزام عيناً ( أنظر في هذه المسألة نظرية العقد للمؤلف ص 873 هامش رقم 7 ) . وقد جاء نص القانون الجديد صريحاً في حسم هذا الخلاف ، وقضى بجواز ذلك

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

أثر العقد بالنسبة إلى الغير

أثر العقد بالنسبة إلى الغير

355 – الخلف قد يكون من الغير : قدمنا أن كلا من الخلف العام والخلف الخاص ينصرف إليه اثر العقد ، إلا في أحوال معينة يصبح فيها من الغير .

فالخلف العام يكون من الغير ، كما رأينا ، إذا اثبت أن التصرف الذي صدر من سلفه قد صدر في مرض الموت ، فلا يسري التصرف في حقه إلا على اعتبار أنه وصية .

والخلف الخاص يكون من الغير ، ولا ينصرف إليه اثر العقد ، إذا كان هذا العقد غير سابق على انتقال الشيء إلى الخلف ، أو كان الحق أو الالتزام الناشيء من العقد غير مكمل للشيء أو غير محدد له .

ونتبين من ذلك أنه إذا كانت القاعدة هي إلا يكون الخلف من الغير ، فينصرف إليه اثر العقد ، إلا أن الخلف ، عاما كان أو خاصا ، يصبح في أحوال معينة من الغير ، فلا ينصرف إليه اثر العقد أصلاً ، أو ينصرف إليه على اعتبار أنه وصية .

356 – الغير الأجنبي أصلاً عن العقد : أما الغير ، الذي لم يكن طرفاً في العقد ولا خلفاً لأحد من المتعاقدين ، وهو ما يسمى بالغير الأجنبي أصلاً عن العقد ( penitus extranei ) ، فلا ينصرف إليه اثر العقد ما دام بعيداً عن دائرة التعاقد . فالصلح الذي يقع بين الدائن وأحد الورثة لا يسري في حق بقية الورثة . والعقد الذي يصدر من أحد الشركاء في الشيوع لا يقيد بقية الشركاء إلا في حدود الفضالة . وبيع ملك الغير لا يسري في حق المالك الحقيقي الذي لم يكن طرفاً في العقد .

على أن اعتبارات ترجع إلى العدالة أو إلى استقرار التعامل قد تقضي بانصراف اثر العقد إلى الغير .

فالعدالة قد تقضي بأن يكون للغير دعوى مباشرة ( action directe ) هي دعوى أحد المتعاقدين على الآخر في عقد لم يكن هذا الغير طرفاً فيه . ولا يكون ذلك إلا بنص خاص في القانون . من هذا ما تقضي به المادة 596 من أن يكون المستأجر من الباطن ملزماً بان يؤدي للمؤجر مباشرة ما يكون ثابتاً في ذمته للمستأجر الأصلي وقت أن ينذره المؤجر . فللمؤجر يرجع إذن بدعوى مباشرة على المستأجر من الباطن ، هي دعوى المستأجر الأصلي في عقد الإيجار من الباطن ، مع أن المؤجر لم يكن طرفاً في هذا العقد . وكذلك يكون للمقاولين من الباطن وللعمال الذين يشتغلون لحساب المقاول في تنفيذ العمل حق مطالبة رب العمل مباشرة بما لا يجاوز المقدار الذي يكون مديناً به للمقاول الأصلي وقت رفع الدعوى ( م 662 ) . وللموكل ونائب الوكيل أن يرجع كل منهما مباشرة على الآخر ( م 708 ) . وسنعرض تفصيلا للدعوى المباشرة عند الكلام في الدعوى غير المباشرة .

واستقرار التعامل قد يقضي بأن ينصرف اثر العقد لمن لم يكن طرفاً فيه ، كالتصرف الذي يصدر من الوارث الظاهر فإنه يسري في حق الوارث الحقيقي مع أن هذا لم يكن طرفاً فيه ، وكالإيجار الذي يصدر من غير المالك دون غش لمستأجر حسن النية فإنه يسري في حق المالك الحقيقي في بعض الأحوال .

ولكن الأثر الذي انصرف إلى الغير في الأحوال المتقدمة اثر غير مقصود ، لم يرده المتعاقدان وقت التعاقد ، فهو مبنى على اعتبارات لا دخل للإرادة فيها .

أما أن العقد ينتج أثراً ينصرف إلى الغير ويكون أثراً مقصوداً أراده المتعاقدان ، فذلك ما تكفلت ببيان الحكم فيه المادة 152 من القانون الجديد ، إذ تقول :

 ” لا يرتب العقد التزاما في ذمة الغير ، ولكن يجوز أن يكسبه حقاً ” ( [1] ) .

فالتعهد عن الغير لا ينصرف أثره إلى اليغر ، ولا يرتب في ذمته التزاماً . والاشتراط لمصلحة الغير ينصرف أثره إلى الغير ، ويكسبه حقاً .

ونبحث الآن كلا من هاتين المسألتين : ( 1 ) التعهد عن الغير . ( 2 ) والاشتراط لمصلحة الغير .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 208 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق لنص القانون الجديد . وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم المادة 156 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة لتعديله ثم انتهت اللجنة إلى إقراره كما هو تحت رقم المادة 152 . ووافق عليه مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 301 – ص 304 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” الأصل في العقود أن تقتصر آثارها على عاقديها . فلا يترتب ما تنشيء من التزامات إلا في ذمة المتعاقدين ومن ينوب عنهم من الخلفاء والدائنين ، وليس الوعد بالتزام الغير إلا تطبيقاً لهذه القاعدة . وكذلك الشأن فيما ترتب العقود من حقوق ، فلا ينصرف نفعها إلا إلى المتعاقدين ومن ينوب عنهم . على أنه يجوز الاشتراط لمصلحة الغير ، وهذا هو الاستثناء الوحيد الذي يرد على القاعدة ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 302 ) .

ويقابل هذا النص في القانون الجديد النصوص الآتية في القانون القديم :

 ” م 141 / 202 : لا يترتب على المشارطات منفعة لغير عاقديها . . “

 ” م 142 / 203 : لا يترتب على المشارطات ضرر لغير عاقديها . . ” .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

أثر العقد بالنسبة للخلف الخاص

الخلف الخاص

349 – النصوص القانونية : نصت المادة 146 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص ، فان هذه الالتزامات والحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء ، إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه ” ( [1] ) .

وإذا كان هذا النص قد استحدثه القانون الجديد ، فإنه – كما تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي – ليس إلا ” تأصيلاً لتطبيقات القضائين المصري والفرنسي في هذا الشأن ” .

350 – وضع المسألة بالنسبة إلى الخلف الخاص : انصراف اثر العقد إلى الخلف الخاص يختلف في الوضع عن انصراف هذا الأثر إلى الخلف العام ويحسن بادئ الأمر أن نحدد تحديداً دقيقاً من هو الخلف الخاص . فقد قدمنا أنه هو من يتلقى من سلفه ملكية شيء معين بالذات أو حقاً عينياً على هذا الشيء . والشيء الذي يتلقاه الخلف قد يكون هو ذاته حقاً عينياً كما هو الغالب ، وقد يكون حقاً شخصياً . فالمشتري خلف خاص للبائع في الشيء المبيع ، وهذا استخلاف في ملكية عين معينة . وصاحب حق الانتفاع خلف خاص لمن تلقى منه هذا الحق ، وهذا استخلاف في حق عيني واقع على عين معينة . والمحال له خلف للمحيل في الحق المحال به ، وهذا استخلاف في حق شخصي . والمرتهن لدين خلف لصاحب هذا الدين الذي رهنه ، وهذا استخلاف في حق عيني واقع على حق شخصي . ويخلص من هذا أن الخلف الخاص هو من يتلقى شيئاً ، سواء كان هذا الشيء حقاً عينياً أو حقاً شخصياً ، أو يتلقى حقاً عينياً على هذا الشيء . أما من يترتب له حق شخصي في ذمة شخص آخر فلا يكون خلفاً خاصاً له ، بل يكون دائناً . فالمستأجر ليس بخلف للمؤجر ، بل هو دائن له ( [2] ) . والمستأجر من الباطن ليس بخلف للمستأجر الأصلي . إنما خلف المستأجر الأصلي هو المتنازل له عن الإيجار ، لأنه تلقى عنه حقاً شخصياً ، ولم يقتصر كالمستأجر من الباطن على أن يترتب له في ذمته حق شخصي . ولا يعتبر البائع الذي يسترد العين من المشتري بعد فسخ البيع أو إبطاله خلفاً خاصاً للمشتري ، لأن كلا من الفسخ والإبطال له اثر رجعي ، فلا يكون البائع متلقياً الملكية من المشتري كما في المقايلة ، بل تعتبر الملكية لم تنتقل منه أصلاً إلى المشتري فلا يصح أن يقال إنه تلقاها منه ثانية ( [3] ) .

والمثل المألوف في الخلف الخاص هو من يتلقى عيناً من سلفه ، كالمشتري يخلف البائع في العين المبيعة . فإذا كان البائع قد ابرم عقداً بشأن العين التي باعها ، فهل ينصرف اثر هذا العقد إلى المشتري ؟ بديهي أن العقد إذا كان قد ابرم بعد انتقال المبيع إلى المشتري فإن أثره لا ينصرف إلى المشتري إذ يعتبر من الغير . أما إذا كان العقد قد ابرم قبل انتقال البيع إلى المشتري ، فهنا يختلف الوضع . إذ يصح التساؤل هل ينصرف اثر هذا العقد إلى المشتري وقد تلقى المبيع والعقد في شأنه قائم ؟ فلا تعرض إذن مسألة انصراف اثر العقد إلى الخلف الخاص إلا إذا توافر شرطان : ( أولاً ) أن يكون العقد قد ابرم في شأن الشيء المستخلف فيه . أما إذا كان قد ابرم في شان آخر فلا تعرض المسألة ، كما إذا باع شخص عيناً وأصبح المشتري خلفاً خاصاً له في هذه العين ، فلا محل للتساؤل عما إذا كان هذا الخلف ينصرف إليه اثر قرض عقده البائع حتى لو كان هذا القرض سابقاً على البيع مما جعل العين المبيعة تدخل في الضمان العام للمقرض ، وليس للمقرض في هذه الحالة إلا الطعن في البيع بالدعوى البوليصية إذا توافرت شروطها . ( ثانياً ) أن يكون العقد قد ابرم قبل انتقال الشيء المستخلف فيه للخف الخاص . فيجب إذن أن يكون هذا العقد ثابت التاريخ وسابقاً على التاريخ الذي انتقل فيه الشيء إلى الخلف ( [4] ) .

ونأتي بمثلين يبينان الأهمية العملية للمسألة التي نحن بصددها : امن شخص على منزله من الحريق ثم باعه . فهل ينتقل للمشتري حق البائع في التأمين ؟ باعت شركة أرضا واشترطت على المشتري أن يكون البناء على نحو معين ، ثم باع المشتري الأرض لمشتر ثان ، فهل ينتقل إلى المشتري الثاني التزام المشتري الأول بالبناء على نحو معين ؟

351 – متى ينصرف اثر العقد إلى الخلف الخاص : وقد وضع القانون الجديد معياراً يعرف به متى ينصرف اثر العقد إلى الخلف الخاص . فذكر أن الحقوق والالتزامات التي تنشأ من العقد تنتقل إلى الخلف الخاص في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء ” إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه ” . وقد قدمنا أن هذا المعيار ليس إلا تأصيلا لما جرى عليه القضاء في مصر وفي فرنسا قبل صدور القانون الجديد .

وتعتبر الحقوق من مستلزمات الشيء إذا كانت مكملة له . كما تعتبر الالتزامات من مستلزمات الشيء إذا كانت محددة له . يبرر ذلك أن الحقوق المكملة للشيء إنما هي في الواقع من الأمر تعتبر من توابع هذا الشيء ، والتابع ينتقل مع الأصل . أما الالتزامات التي تحدد الشيء فيجب أن تنتقل أيضاً معه ، لأن السلف لا يستطيع أن ينقل إلى الخلف أكثر مما يملك . ومن ثم كانت الحقوق المكملة للشيء والالتزامات المحددة له هي من مستلزمات هذا الشيء ، تنتقل معه إلى الخلف الخاص . وننظر الآن في تطبيقات عملية لهذين المعيارين الفرعيين .

352 – الحقوق المكملة للشيء : الحق ، حتى ينتقل من السلف إلى الخلف ، يجب أن يكون مكملا للشيء الذي انتقل إلى الخلف كما قدمنا . وعلى ذلك ينتقل إلى الخلف .

 ( 1 ) الحقوق العينية التي ترتبت لمصلحة الشيء . فإذا كان السلف قد رتب بمقتضى عقد حق ارتفاق للعين ، فإن الخلف الذي تنتقل إليه العين يتلقاها متمتعة بهذا الحق ( [5] ) .

 ( 2 ) الحق الذي يكون تأميناً للشيء ، سواء كان هذا التأمين عينياً أو شخصياً ، لأن التأمين يعد مكملا للشيء ، إذا هو يحفظه ويقويه . فإذا حول الدائن حقه ، انتقل للمحال له مع هذا الحق تأميناته من كفالة أو رهن أو غير ذلك ( [6] ) .

 ( 3 ) وينتقل أيضاً إلى الخلف الحقوق الشخصية التي يكون الغرض منها درء ضرر عن الشيء ، لأن الحق الذي يقصد به وقاية الشيء من الضرر يعد مكملا لهذا الشيء إذ هو يحفظه كما في التأمينات . فإذا تعاقد شخص مع شركة لتأمين منزله من الحريق ، ثم باع المنزل ، فإن حقه قبل شركة التأمين ينتقل مع المنزل المشتري ( [7] ) . وينتقل تبعاً لذلك التزام البائع بدفع أقساط التأمين ( [8] ) . ومثل حق البائع في التأمين حقه قبل البائع له في ضمان الشيء ضمان استحقاق أو ضمان عيب ، فالبائع لشيء ينقل ع هذا الشيء إلى المشتري حقه في الضمان ( [9] ) . ومثل هذا أيضاً حق بائع المتجر في عدم منافسة شخص آخر للمتجر أو في تقييد موظف قديم في حريته في العمل حتى يمتنع عن هذه المنافسة ، هذه الحقوق كسبها صاحب المتجر ليردأ خطر المنافسة عن متجره فهي مكملة للمتجر وتنتقل معه إلى المشتري .

أما إذا كان الحق لا يمكن اعتباره مكملا للشيء فإنه لا ينتقل إلى الخلف . وعلى ذلك لا ينتقل :

 ( 1 ) حق السلف إذا لم يكن من شأنه تقوية الشيء الذي انتقل إلى الخلف أو درء الخطر عنه . فإذا تعاقد السلف مع مقاول لإقامة بناء على الأرض التي انتقلت إلى الخلف لم ينتقل حق السلف إلى الخلف ز ومثل هذا حق صاحب السيارة إذا استأجر مكانا تأوى إليه السيارة ( جراج ) ، فإذا باعها لم ينتقل هذا الحق إلى المشتري .

 ( 2 ) حق السلف إذا اعتبرت فيه شخصيته . فإذا اشترى طبيب أرضا يقيم عليها مستشفى منتقلا ، وتعاقد مع بعض المعامل على توريد أدوية معينة في أوقات محددة لهذا المستشفى ، فحقه قبل هذه المعامل لا ينتقل إلى المشتري للأرض بعد نقل المستشفى ، لأن هذا الحق متصل بشخص الطبيب وبالمستشفى لا بالأرض التي بيعت . وإذا باع شخص جزءاً من قطعة أرض وبني المشتري على هذا الجزء مصنعاً لتوليد الكهرباء ، واشترط البائع على المشتري أن يورد الكهرباء لبقية الأرض بسعر مخفض ، فإن هذا الشرط لا ينتفع به المشتري لبقية الأرض لأنه شرط خاص بشخص البائع .

353 – الالتزامات المحددة للشيء . والالتزام ، حتى ينتقل من السلف إلى الخلف ، يجب أن يكون محدداً للشيء ( [10] ) . وعلى ذلك ينتقل إلى الخلف :

 ( 1 ) الإرتفاقات العينية التي ترتبت على الشيء إذا كانت قد شهرت طبقاً لما يقتضيه القانون . فإذا كان السلف قد رتب بمقتضى عقد حق إرتفاق على العين ، فإن العين تنتقل مثقلة بهذا الحق إلى الخلف ، أما إذا كان ما رتبه السلف التزاماً شخصياً كالتزام المؤجر ، بأن يكون قد اجر العين قبل بيعها ، فلا تنتقل التزاماته إلى المشتري إلا بنص في القانون أو باتفاق خاص بين السلف والخلف ( [11] ) .

 ( 2 ) الالتزام الذي يقيد من استعمال ملكية العين ويكيف هذا الاستعمال . فإذا التزم السلف بعقد إلا يستعمل المنزل الذي يملكه في حي للسكنى مقهى أو مطعماً ، انتقل هذا الالتزام إلى الخلف . كذلك إذا فرضت قيود معينة تحد من حق مالك العقار في البناء عليه كيف شاء ، كأن يمنع من تجاوز حد معين في الارتفاع بالبناء أو في مساحة رقعته ، فإن هذه القيود ، سواء اعتبرت التزامات شخصية أو ارتفاقات عينية ، تنتقل إلى المشتري بمقتضى هذه القاعدة أو بمقتضى القاعدة السابقة . وقد اعتبرها القانون الجديد ( م 1018 ) ارتفاقات عينية ما لم يوجد اتفاق يقضي بغير ذلك .

 ( 3 ) التزام السلف الذي يغل يده عن استعمال بعض حقوق المالك ، كمن اشترى أرضا من شركة تعمل في استخراج المعادن فاشترطت عليه الشركة إلا يرجع عليها بتعويض إذا أصابه ضرر بسبب ما تقوم به الشركة من الأعمال ، وكصاحب المتجر يلتزم أن يمتنع عن مباشرة التجارة في جهة معينة كفاً للمنافسة ( [12] ) .

أما إذا كان الالتزام لا يحدد الشيء الذي ا نتقل إلى الخلف ، فلا ينتقل مع الشيء إلى الخلف . وعلى ذلك لا ينتقل :

 ( 1 ) التزام السلف إذا كان لا يثقل العين أو يكيف من استعمالها أو يمنع من استعمال بعض حقوقها . فالتزام بائع الأرض الذي اتفق مع مقاول على البناء لا ينتقل إلى مشتري الأرض كما لا ينتقل الحق على النحو الذي قدمناه . والتزام بائع السيارة نحو صاحب ” الجراج ” لا ينتقل إلى من اشترى السيارة كما لا ينتقل الحق ( [13] ) . كذلك لا ينتقل التزام السلف بتعويض ما أحدثه الشيء الذي انتقل إلى الخلف من الضرر ، سواء كان هذا التعويض ناشئاً عن عقد قدر فيه الضرر أو كان ناشئاً عن العمل الضار ذاته ( [14] ) .

 ( 2 ) التزام السلف إذا اعتبرت فيه شخصيته . فليس على من اشترى ما وهب لبائعه ، على أن يقوم البائع بالنفقة على الواهب أو بخدمته ، قضاء شيء من ذلك .

354 – وجوب علم الخلف بالالتزامات والحقوق حتى تنتقل إليه : وغنى ، البيان أن الخلف لا تنتقل إليه التزامات سلفه أو حقوقه إلا إذا كان عالماً بها وقت انتقال الشيء إليه . وأهمية هذا العلم تظهر بنوع خاص في انتقال الالتزامات ، لأنها قيود تنتقل إلى الخلف فمن العدل أن يكون عالماً بها وقت انتقالها إليه .

ويشترط العلم اليقيني لا مجرد استطاعة العلم . وقد كان كل من المشروع التمهيدي والمشروع النهائي للقانون الجديد يكتفي باستطاعة العلم ، ولكن لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ عدلت النص حتى يقتصر حكمه على ما يعلم به الخلف من الحقوق والالتزامات دون أن يجاوزه إلى ما كان يستطيع أن يعلم به ( [15] ) .

ويغني عن العلم التسجيل أو القيد في الحقوق العينية التي يجب شهرها ، طبقاً للقواعد المقررة في هذا الشأن .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 206 من المشروع التمهيدي بما يتفق مع نص القانون الجديد مع تحوير لفظي بسيط . ووافقت أغلبية لجنة المراجعة على استبقائه في المشروع النهائي تحت رقم المادة 150 – ووافق عليه مجلس النواب – وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ استبدلت بعبارة ” إذا أنشأ العقد حقوقاً والتزامات ” عبارة ” إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقاً شخصية ” لأن النص يتعلق بالخلافة الخاصة لاو ينتقل من طريق هذه الخلافة إلا ما كان شخصياً منم الحقوق التي يولدها العقد . وحذف من الشق الأخير من النص عبارة ” أو يستطيع أن يعلم به ” حتى يقتصر حكم النص على ما يعلم به الخلف من الحقوق والالتزمات دون أن يجاوزه إلى ما كان يستطيع أن يعلم به لدقة الوضع . وأصبح رقم المادة 146 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 274 – ص 278 ) .

 ( [2] ) فيجوز أن يستعمل حقوق مدينه بطريق الدعوى غير المباشرة ، كأن يقطع التقادم ضد شخص وضع يده على العين المؤجرة ، ويجوز كذلك أن يطعن في تصرف مدينه بالدعوى البوليصية ، كما إذا باع المؤجر العين متواطئاً مع المشتري حتى يتخلص من حق المستأجر بفرض أن الإيجار غير ثابت التاريخ .

 ( [3] ) والظاهر أن انتقال الشيء من السلف إلى الخلف يجب أن يكون بعمل إرادي ، كعقد أو وصية ، فمن يكسب عيناً بالتقادم لا يكون خلفاً خاصاً للمالك الأصلي ( دي هلتس 1 في الخلف فقرة 22 – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 201 – قارن لابورد لاكوست فقةر 116 وما بعدها ) . والأدق من الناحية الفنية أن يقال إن انتقال الشيء إلى الخلف يكون بأي سبب من أسباب انتقال الملك كالعقد والوصية والتقادم ، ولكن لا ينصرف اثر العقد من السلف إلى الخلف إلا إذا كان انتقال الشيء يعمل إرادي ، فهو وحده الذي يتمشى مع فكرة حوالة الحق أو الدين وهي الفكرة التي يؤسس عليها عادة انصراف اثر العقد إلى الخلف كما سنرى .

 ( [4] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” الخلف الخاص هو من يكتسب ممن يستخلفه حقاً عينياً على شيء معين كالمشتري والموهوب له والمنتفع ، فإذا عقد المستخلف عقداً يتعلق بهذا الشيء انتقل ما يرتب هذا العقد من حقوق والتزامات إلى الخلف الخاص بشروط ثلاثة : أولها أن يكون تاريخ العقد سابقاً على كسب هذا الخلف لملكية الشيء ويراعى أن العقد يجب أن يكون ثابت التاريخ . . . ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 275 ) .

والحكم كالعقد لا يتعدى أثره إلى الخلف الخاص إلا إذا صدر قبل انتقال الشيء إلى الخلف ، ولا يكفي أن تكون الدعوى قد رفعت قبل انتقال الشيء إذا كان الحكم قد صدر بعد ذلك ( أنظر في هذا المعنى محكمة مصر الكلية الوطنية في 15 مايو سنة 1940 المحاماة 20 رقم 621 ص 1428 ) .

 ( [5] ) ونحن في هذا لم نفرق بين ما إذا كان الحق الذي انتقل إلى الخلف حقاً شخصياً أو حقاً عينياً ، خلافاً لما ورد في الأعمال التحضيرية أمام لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ ( قارن أيضاً الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 204 – فقرة 204 مكررة ) .

 ( [6] ) وكالتأمينات دعاوى الفسخ فهي من شأنها تأكيد الحق ، فالمحال له بالثمن ينتقل إليه حق البائع في الفسخ إذا لم يستوف الثمن من المشتري ، بخلاف دعاوى البطلان فهي لا تنتقل إذ هي تتنافى مع لاحق لا تؤكده . كذلك ينتقل الحق في الحصول على سند تنفيذي بالدين المحال به ( محكمة استئناف أسيوط في 9 مارس سنة 1948 المحاماة 28 رقم 428 ص 1048 ) .

 ( [7] ) وهذا ما استقر عليه القضاء الفرنسي أولاً ، ثم عدل عن ذلك وأصبح الأمر الآن يتعلق بتفسير عقد التأمين ويرد فيه عادة شرط يقضي بانتقال الحقوق الناشئة عنه إلى الخلف بقيود معينة ( بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 331 ص 454 هامش رقم 4 ) . أما القضاء المصري فالظاهر أنه يرى أن الحق الناشئ عن عقد التأمين لا ينتقل مع الشيء المؤمن عليه إلى الخلف ( محكمة مصر الوطنية مستعجل في 10 يولية سنة 1932 المحاماة 13 رقم 570 ص 1143 – استئناف مختلط في 16 ابريل سنة 1931 م 34 ص 35 ) . . ولكن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي تشير صراحة إلى عكس ذلك فتقول : ” . . . أن تكون الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد مما يعتبر من مستلزمات هذا الشيء ، ويتحقق ذلك إذا كانت هذه الحقوق مكملة له كعقود التأمين مثلا ، أو إذا كانت هذه الالتزامات تحد من حرية الانتفاع به كما هو الشأن في الالتزام بعدم البناء ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 275 ) . أنظر أيضاً في هذا المعنى قانوناً خاصاً صدر في سويسراً سنة 1908 .

 ( [8] ) بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 331 ص 455 .

 ( [9] ) وللمشتري أن يرجع بدعوى مباشرة على البائع لبائعه بضمان الاستحقاق أو بضمان العيب أو بأي ضمان اشترطه البائع لنفسه . ويترتب على ذلك أنه إذا اشترط البائع عدم الضمان ، فإن هذا لا يمنع المشتري من الرجوع بالضمان على البائع للبائع .

 ( [10] ) ويقال عادة إن الالتزام ينتقل إلى الخلف عن طريق حوالة الدين ، كما ينتقل الحق إليه عن طريق حوالة الحق . وقد كان القانون المدني القديم لا يعرف حوالة الدين ولم يكن فيه نص يقضي بانصراف اثر العقد إلى الخلف الخاص ، ومن ثم كانت هناك مشقة في تأصيل انتقال الالتزام إلى الخلف ، فلجأ الفقه إلى قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير مصوراً أن السلف اشترط على الخلف أن يقوم بالالتزام لمصلحة الدائن ( نظرية العقد للمؤلف ص 741 هامش رقم 1 – قارن الدكتور حلمي بهجت بدوي بك ص 207 وما بعدها ) ، أما في القانون الجديد فلا حاجة بنا إلى هذا التصوير بعد أن اعترف هذا القانون بحوالة الدين ونظمها في نصوصه . بل إن نص المادة 146 من القانون الجديد أصبح الآن يكفي وحده سنداً لانصراف اثر العقد إلى الخلف ، وتكون حوالة الحق أو الدين تمت بحكم القانون .

 ( [11] ) كذلك التزام صاحب المتجر نحو مستخدميه لا ينتقل إلى المشتري للمتجر ، فلا يجبر المشتري على احترام عقود هؤلاء المستخدمين إلا إذا اشترط عليه ذلك ، ويبقى البائع وحده مسئولا نحوهم ، كما أن حق البائع قبلهم لا ينتقل إلى المشتري – هذا ويلاحظ أن المتجر في ذاته مجموع من المال ، فلو اعتبرنا أن المشتري يخلف البائع في هذا المجموع فيصبح بهذا الاعتبار خلفاً عاماً ، لانتقلت جميع حقوق المتجر والتزاماته إلى المشتري ، وقد يدخل في ذلك حقوق المتجر والتزاماته نحو المستخدمين إذا اعتبرناها داخلة في هذا المجموع من المال ، ولكنا نعتبر مشتري المتجر خلفاً خاصاً لمانع ، لأن المتجر وإن كان في ذاته مجموعاً من المال ، إلا أنه بالنسبة إلى مجموع مال البائع لا يخرج عن أن يكون عيناً معينة وليس بجزء شائع في هذا المجموع .

 ( [12] ) أنظر مع ذلك محكمة الاستئناف المختلطة وقد قضت بأنه إذا اشترى شخص من آخر حق صنع مواد معينة والتزم بأن يمتنع عن تصدير هذه المواد إلى الخارج قطعاً للمنافسة ، ثم باع الحق الذي اشتراه إلى مشتر ثان ، فإن الالتزام الذي ترتب في ذمته لا ينتقل إلى المشتري الثان ( 4 ابريل سنة 1923 م 35 ص 338 – 26 فبراير سنة 1930 م 42 ص 327 ) .

ويقع أن تبيع الحكومة أرضا ، وتشترط على المشتري إنها ” إذا نزعت ملكيتها للمصلحة العامة في خلال مدة معينة فلا تلتزم إلا برد الثمن فقط ” فإذا باع المشتري الأرض لمشتر ثان التزم المشتري الثاني بهذا الشرط باعتباره خلفاً خاصاً للمشتري الأول .

 ( [13] ) ويمكن القول بوجه عام أنه ما لم ينتقل الحق ، فإن الالتزام هو أيضاً لا ينتقل .

 ( [14] ) استئناف مختلط في 10 ابريل سنة 1901 م 13 ص 223 – ولا ينتقل إلى المشتري الالتزام الذي نشا عن وعد بالبيع صدر من البائع قبل أن يبيع العين للمشتري .

 ( [15] ) أنظر الأعمال التحضيرية التي سبقت الإشارة إليها آنفاً فقرة 349 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 277 – ص 278 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

الخلف العام في القانون المدني

الخلف العام

345 – النصوص القانونية : نصت المادة 145 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” يتصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام ، دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ، ما لم يتبن من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام ” ( [1] ) .

346 – انصراف اثر العقد إلى الخلف العام : ويتبين من النص المتقدم أن اثر العقد ينصرف إلى الخلف العام . ومعنى ذلك أن الحقوق التي ينشئها العقد تنتقل إلى الوارث بعد موت المورث المتعاقد . أن الالتزامات فيلاحظ في شأنها أن في الشريعة الإسلامية – وهي الشريعة التي تطبق في مصر في أكثر الأحوال في مسائل الميراث – مبدأ خاصاً يقضي بألا تركة إلا بعد سداد الدين . ومقتضى هذا المبدأ أن يبقى الالتزام في التركة ، دون أن ينتقل إلى ذمة الوارث ، حتى ينقضى . ومتى أصبحت التركة خالية من الديون انتقلت ملكيتها إلى الوارث . ومن ثم عنى القانون الجديد بتنظيم تصفية التركة ، فأورد نصوصاً هامة في هذا الشأن ( م 875 – 914 ) تنظم سداد ديون التركة ، وتكفل حقوق دائنيها ، وتحمي الغير الذي يتعامل مع الوارث .

ويترتب على انصراف اثر العقد إلى الخلف العام أنه يسري في حقه ما يسري في حق السلف بشأن هذا العقد ، فلا يشترط ثبوت تاريخ العقد حتى يكون هذا التاريخ حجة له وعليه ( [2] ) ، وفي الصورية يسري في حقه العقد الحقيقي دون العقد الصوري .

347 – متى لا ينصرف اثر العقد إلى الخلف العام مع بقائه خلفا . على أنه يستثنى من القاعدة المتقدمة أحوال اشير إليها في المادة 145 ، وفيها لا ينصرف اثر العقد إلى الخلف العام مع بقائه خلفاً ، وهي ثلاث :

 ( الحالة الأولى ) إذا اتفق المتعاقدان على ذلك لأن العقد شريعة المتعاقدين ، فإذا أرادا حقاً أن التزاماً نشأ من العقد يقتصر أثره على شخص المتعاقد ، فلا ينتقل إلى الوارث من بعده ، صح الشرط إذا لم يكن مخالفاً للنظام العام أو للآداب . فيجوز مثلا أن يتفق المتعاقدان في بيع على أن يمنح المشتري أجلاً لسداد الثمن دون أن ينتقل هذا الحق إلى ورثته ، فإذا مات المشتري وجب على الورثة دفع الثمن في الحال من التركة . كذلك يجوز الاتفاق على أن يكون للبائع الحق في استئجار العين المبيعة بأجرة معينة لمدة معينة ، على إلا ينتقل هذا الحق إلى ورثة البائع ( [3] ) .

 ( الحالة الثانية ) إذا كانت طبيعة الحق أو الالتزام الناشيء من العقد تأبى أن ينتقل من المتعاقد إلى خلفه العام . وقد يكون المانع من الانتقال قانونياً أو مادياً . فإذا حصل شخص على حق انتفاع بموجب عقد ، فإن هذا الحق لا ينتقل من بعده إلى ورثته ، لأن حق الانتفاع تقضي طبيعته القانونية بأن ينقضي بموت صاحبه . وإذا حصل شخص بمقتضى عقد على إيراد مرتب طول الحياة ، فهذا الإيراد لا ينتقل إلى ورثته ، لأن طبيعة الإيراد القانونية والمادية معاً تقضي بانتهائه بموت صاحب الإيراد . كذلك كل التزام نشأ من عقد ، ولوحظت فيه شخصية الملتزم أو صفة خاصة به ، ينقضي بموت الملتزم ولا ينتقل إلى الورثة نظراً لطبيعة الالتزام المادية ، كفنان أو جراح أو مهندس أو محام يلتزم بالعقد أن يقوم بعمل من أعمال مهنته ، فلا ينتقل التزامه هذا إلى ورثته ولو في التركة .

 ( الحالة الثالثة ) إذا كان هناك نص في القانون يقضي بألا ينصرف اثر العقد إلى الخلف العام . والقانون ينص على ذلك في مسائل يفهم من ظروفها أن المتعاقدين قد أرادا هذا ضمناً . من ذلك ما قضت به المادة 528 من أن الشركة تنقضي بموت أحد الشركاء ، وما قضت به المادة 602 من أن لايجار ينقضي بموت المستأجر إذا لم يعقد إلا بسبب حرفته أو لاعتبارات أخرى تتعلق بشخصه ، وما قضت به المادة 626 من أن المزارعة تنقضي بموت المزارع ، وما قضت به المادة 714 من أن الوكالة تنقضي بموت الموكل أو الوكيل .

348 – متى لا ينصرف اثر العقد إلى الخلف العام باعتباره من الغير : وهناك فرض ينظر فيه إلى الخلف العام باعتباره من الغير . وذلك أن القانون يعطي للوارث حقوقاً يتلقاها منه مباشرة لا بطريق الميراث عن سلفه ، ويقصد بها حماية الوارث من تصرفات مورثه الضارة به . ولذلك ويعتبر الوارث في هذه الفروض من الغير بالنسبة إلى هذه التصرفات . فالقانون يبيح للمورث التصرف في جميع أمواله حال حياته ، معاوضة أو تبرعاً ، حتى لو أضر هذا التصرف بالورثة ، وحتى لو تعمد المورث هذا الأضرار . أما إذا تصرف في ماله لما بعد الموت بطريق الوصية ، وهو تصرف لا يكلفه شيئاً في حياته ، فيتحكم بذلك في حظوظ ورثته تحكماً يأباه النظام العام ، فإن القانون – والمقصود به هنا الشريعة الإسلامية إذ هي التي تطبق في مصر غالباً في هذه المسألة – يتقدم لحماية الوارث ، ويقيد من تصرفات المورث ، فلا يبيح له أن يتصرف في ماله بطريق الوصية إلا بقدر الثلث . وكالوصية كل تصرف صدر في مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع ( م 916 جديد ) ( [4] ) .

ويترتب على ذلك أنه إذا باع المورث عينا وهو في مرض موته لوارث أو لغير وارث ، وكانت العين تزيد على ثلث التركة ، فإن البيع لا يسري في حق الورثة فيما يزيد على الثلث إلا إذا أجازوه ، ومن ثم لا يكون عقد البيع حجة عليهم إلا إذا كان ثابت التاريخ . فلو أن تاريخ العقد العرفي يرجع إلى عهد كان المورث فيه غير مريض ، لم يكن هذا التاريخ حجة عليهم ، ولهم أن يثبتوا بجميع طرق الإثبات أن هذا التاريخ قد قدم عمداً حتى لا يظهر أن العقد قدر صدر في مرض الموت . وقد نص القانون الجديد على ذلك صراحة في الفقرة الثانية من المادة 916 إذ يقول : ” وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات بجميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا ” ( [5] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 205 من المشروع التمهيدي على الوجه الوارد في القانون الجديد ( فيما عدا تحويراً لفظياً ) ، وأقرته لجنة المراجعة بعد هذا التحوير اللفظي تحت رقم 149 فأصبح مطابقاً لنص القانون الجديد ثم أقره مجلس النواب ، فلجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم 145 ، فمجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 271 – ص 273 ) . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” لا تقتصر آثار العقد على المتعاقدين بذواتهم ، بل تجاوزهم إلى من يخلفهم خلافة عامة من طريق الميراث أو الوصية ما لم تكن العلاقة القانونية شخصية بحتة . ويستخلص ذلك من إرادة المتعاقدين ، صريحة كانت أو ضمنية ، أو من طبيعة العقد كما هو الشأن في شركات الأشخاص والايراد المرتب مدى الحياة ، أو من نص في القانون ، كما هي الحال في حق الانتفاع . وعلى ذلك ينتقل إلى الوارث ما يرتب العقد من حقوق والتزامات . أما الحقوق فيكون انتقالها كاملا . بيد أن حكم الالتزامات يقتضي تحفظاً خاصاً يتصل بأحكام الميراث . ذلك أن الوارث لا يلتزم بديون مورثه وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية إلا بقدر ما يؤول إليه من التركة . . . فليس ينبغي أن يعزل هذا النص عن النصوص التي تضمنها المشروع بشأن تصفية التركات ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 272 ) .

 ( [2] ) وسنرى أن هناك فروضاً يكون فيها الخلف العام من الغير ، فلا يكون العقد حجة عليه إلا إذا كان ثابت التاريخ .

 ( [3] ) ولكن لا يجوز أن يشترط البائع على المشتري أن ما يتبقى من أقساط الثمن بعد موت البائع يدفع إلى أحد الورثة دون الآخرين ، إلا في حدود الوصية .

 ( [4] ) وهذا بخلاف الدائن فإن القانون يحميه أكثر مما يحمي الوارث ، فلا يبيح للمدين أن يتصرف في ماله ولو معاوضة إذا قصد الأضرار بالدائن . وفرق ما بينهما أن الوارث يتلقى المال من غير عوض ، أما الدائن فيتلقاه بعوض .

 ( [5] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه لا يعتبر الواث قائماً مقام المورث في صدد حجية التصرف الذي صدر منه لأحد الورثة إلا في حالة خلو هذا التصرف من محل طعن ، فإذا كان التصرف يمس حق وارث في التركة عن طريق الغش والتدليس والتحيل على مخالفة أحكام الإرث ، فلا يكون الوارث ممثلا للمورث بل يعتبر من الاغيار ، ويباح له الطعن في التصرف واثبات صحة طعنه بكافة الطرق ( نقض مدني في 15 ابريل سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 52 ص 150 ) .

ويلاحظ أن الورثة لا يكونون من الغير إلا إذا اثبتوا أن التصرف صادر في مرض الموت ، ولذلك كان عبء الإثبات عليهم في ذلك . وقبل هذا الإثبات يكون التاريخ العرفي للتصرف حجة عليهم لانهم لم يصبحوا بعد من الغير ، حتى إذا ما اثبتوا أن التصرف صدر في رمض الموت اصبحوا من الغير ، ولا يكون عندئذ حجة عليهم إلا التاريخ الثابت للتصرف – وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن التصرف في مرض الموت إما أن يكون بمحرر ذى تاريخ ثابت أو غير ثابت ، فإذا كان تاريخه ثابتاً فلا يصح الاحتجاج به على الوارث إلا من اليوم الذي اكتسب فيه هذا التاريخ الثابت بناء على أنه من الاغيار ، ولا عبرة في هذه الحالة بالتاريخ العرفي الذي يحمله المحرر طبقاً للمادة 288 مدني ( قديم ) . أما إذا كان تاريخه غير ثابت كان للوارث الحق في أن يثبت بكل الطرق القانونية أن هذا التاريخ صوري وأن التصرف واقع في مرض الموت . وظاهر أن هذا ترخيص يمنح للوارث المذكور في هذه الحالة لإثبات ما يدعيه لأنه أجنبي عن التصرف بحيث إذا لم يقم بإثباته كان التاريخ العرفي المعترف به من المورث حجة عليه ( 19 أكتوبر سنة 1947 المحاماة 31 رقم 133 ص 357 – أنظر أيضاً في هذا المعنى محكمة مصر الكلية الوطنية في 16 ابريل سنة 1930 المحاماة 11 رقم 378 ص 740 – استئناف مختلط في 8 مايو سنة 1890 م 2 ص 409 )

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

.

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

اثر تقرير البطلان للعقد

اثر تقرير البطلان

336 – النصوص القانونية : نصت المادة 142 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – في حالتي إبطال العقد وبطلانه يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فإذا كان هذا مستحيلا جاز الحكم بتعويض معادل ” .

 ” 2 – ومع ذلك لا يلزم ناقص الأهلية ، إذا أبطل العقد لنقص أهليته ، أن يرد غير ما عاد عليه من منفعة بسبب تنفيذ العقد ” ( [1] ) .

ويتبين من ذلك أن العقد الباطل أو القابل للإبطال ، إذا تقرر بطلانه ، يعتبر كأن لم يكن فيما بين المتعاقدين وبالنسبة إلى الغير . ونستعرض كلا من هاتين الحالتين .

1 – فيما بين المتعاقدين

337 – زوال كل اثر للعقد : إذا تقرر بطلان العقد زال كل اثر له ( [2] ) ، وارجع كل شيء إلى أصله . وجاز الحكم بتعويض على أساس المسئولية التقصيرية لا المسئولية العقدية .

فإذا كان العقد بيعاً وتقرر بطلانه ، رد المشتري المبيع إلى البائع ، ورد البائع الثمن إلى المشتري . ويرد المشتري المبيع بثمراته من وقت المطالبة القضائية إذا كان حسن النية ، وفي مقابل ذلك لا يلتزم البائع بالفوائد عن الثمن الذي يرده إلا من وقت المطالبة القضائية كذلك . وهكذا يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد . واسترداد كل متعاقد لما أعطاه إنما يكون على أساس استرداد ما دفع دون حق بعد أن تقرر بطلان العقد .

أما إذا أصبح الاسترداد مستحيلا بأن هلك المبيع مثلا في يد المشتري وبخ ” ا منه ( [3] ) ، حكم القاضي بتعويض معادل ، فألزم المشتري برد قيمة المبيع وقت الهلاك طبقاً لقواعد المسئولية التقصيرية لا على أساس العقد الذي تقرر بطلانه ، وألزم البائع برد الثمن على أساس دفع غير المستحق .

وإذا كان العقد زمنيا كالإيجار وتقرر بطلانه ، فالمنفعة التي استوفاها المستأجر قبل تقرير البطلان يجب أن يعوض عنها . وقد يقدر التعويض بمقدار الأجرة ولكنه لأي كون أجرة فلا يكفله حق الامتياز .

بقى أن نشير إلى حالتين خاصتين : ( 1 ) حالة عدم المشروعية ( 2 ) وحالة نقص الأهلية .

338 – حالة عدم المشروعية : ( * ) أشتمل المشروع التمهيدي للقانون الجديد على نص في هذا الصدد . فقضت الفقرة الثالثة من المادة 201 من هذا المشروع بأنه ” لا يجوز لمن وفى بالتزام مخالف للآداب أن يسترد ما دفعه إلا إذا كان هو في التزامه لم يخالف الآداب ” . فحذفت هذه الفقرة في المشروع النهائي ” لا نها لا تتمشى مع منطق البطلان ” . ذلك أن منطق البطلان تقضي في العقد الباطل ، أي أكان سبب البطلان ، بإعادة كل شيء إلى أصله ، فإذا كان أحد المتعاقدين سلم شيئاً للأخر تنفيذاً للعقد الباطل جاز له استرداده .

إلا أن قاعدة رومانية قديمة كانت لا تسلم بهذه النتيجة المنطقية في العقد الباطل لعدم المشروعية . فإذا سلم أحد المتعاقدين للأخر شيئاً تنفيذاً لعقد غير مشروع ، لم يكن له أن يسترد ما سلم إلا إذا كان عدم المشروعية غير ات من جهته . مثل ذلك شخص يعطي للأخر مالا ليرد له ما سرقه منه ، فيستطيع أن يسترد المال لأن عدم المشروعية غير ات من جهته . أما في الرشوة والاتصال الجنسي غير المشروع والمقامرة وما إلى ذلك ، فمن أعطى المال لا يستطيع أن يسترده ، لأن عدم المشروعة ات من جهته أو هو شريك فيه ، فهو طرف ملوث لا يجوز له أن يحتج بغش صدر من جانبه ( Nemo auditor propriam turpitudenem allegans ) . وقد احترم الفقه الفرنسي هذه القاعدة بادئ الأمر ( [4] ) . ثم تحول عنها لأن المشرع الفرنسي لم ينقلها إلى نصوصه ( [5] ) . أما القضاء الفرنسي فقد كان يحترمها كذلك ، ثم أخذ هو أيضاً يتحول عنها ، وأصبح الآن لا يطبقها إلا في العقود المخالفة للآداب ( [6] ) .

ولا يزال القضاء المصري يحترم القاعدة ( [7] ) ، ولم يخرج عليها إلا في الحكام قليلة ( [8] ) .

وقد أخذت التقنينات الحديثة بالقاعدة الرومانية ، من ذلك التقنين الألماني ( م 817 ) وتقنين الالتزامات السويسري ( م 66 ) والمشروع الفرنسي الإيطالي ( م 27 فقرة 2 ) ( [9] ) .

ومهما يكن من أمر فإن القاعدة الرومانية التي كانت أساساً لهذه الحركة الفقهية والقضائية والتشريعية هي قاعدة معيبة من الوجهتين المنطقية والعملية ، فمنطق البطلان يفضي بأن يكون الاسترداد جائزاً في كل الأحوال ، حتى لا يترتب اثر على العقد الباطل . وإذا كان الرومان يأبون الاسترداد على من كان ملوثاُ من الطرفين ، فذلك يرجع إلى خاصية في القانون الروماني قد زالت . وذلك أن العقد في هذا القانون كان يستمد قوته الملزمة من شكليته ، فإذا أعطى المتعاقد الذي سلم الشيء حق استرداده ، فلم يكن ذلك لأن العقد الشكلي غير ملزم ، بل كان عن طريق إعطاء المتعاقد دعوى خاصة ( condictio ob turpem causam ) ، من العدل أن تنكر على من كان ملوثاُ من الطرفين إذ لا يصبح جديراً بها . أما الآن فالوضع القانونين للمسالة قد يتغير ، وأصبح العقد غير المشروع ليست له قوة ملزمة حتى بالنسبة إلى الطرف الملوث ، ولم يعد هناك محل للنظر في إعطائه دعوى الاسترداد أو إنكارها عليه ما دام العقد غير ملزم له . والوجه العملي للمسالة ، كوجهها المنطقي ، يقضي هو أيضاً بأن يكون الاسترداد جائزاً في كل الأحوال . فما دام الغرض محاربة العقود غير المشروعة ، فلن يكون ذلك بمنع الطرف الملوث من استرداد ما سلمه لطرف ملوث مثله ، إذ يكون بقاء المال في يد هذا الطرف الآخر – كالموظف يستبقى الرشوة ، والمأجور على جريمة يستبقى الأجر – ابلغ في التشجيع على الفساد من سلبه إياه . وما على المجرمين إذن إلا أن يتعاملوا نقداً حتى يأمنوا غائلة القانون !!

لذلك أحسن القانون الجديد صنعاً في إغفاله النص الذي كان المشروع التمهيدي يشتمل عليه ، وقد حذف في المشروع النهائي كما قدمنا ، لأنه نص لا يتمشى مع منطق البطلان . وإذا كانت هناك أحوال تقتضي النظر ، فإن القواعد العامة تكفي في معالجتها ، كما إذا كان هناك ضرر أحدثه الطرف الذي يريد الاسترداد بالطرف الآخر . مثل ذلك شخص اتصل بامرأة اتصالا غير مشروع في مقابل مال أعطاه إياه ، وهو يريد الآن استرداد هذا المال . في مثل هذه الحالة لا نتردد في إنكار الاسترداد عليه ، وتستبقى المرأة المال ، ولا بمقتضى العقد فهو باطل لا ينتج أثراً ، ولا بمقتضى القاعدة الرومانية فهي قاعدة عتيقة لا يجوز الأخذ بها بعد أن زالت مقتضياتها ، بل على سبيل التعويض عن الضرر الذي أصاب المرأة من هذا الاتصال غير المشروع ( [10] ) .

339 – حالة نقص الأهلية : وإذا كان العقد قابلا للإبطال لنقص أهلية أحد المتعاقدين ، وأبطل ، فإن ناقص الأهلية يسترد ما دفع تطبيقاً للقواعد التي قدمناها . أما المتعاقد الآخر فلا يسترد من ناقص الأهلية إلا مقدار ما عاد عليه من منفعة بسبب تنفيذ العقد ، كما تقول الفقرة الثانية من المادة 142 وقد تقدم ذكرها . والأصل في ذلك قاعدة عامة قررتها المادة 186 من القانون الجديد في دعوى غير المستحق ، إذ قضت بأنه ” إذا لم تتوافر أهلية التعاقد فيمن تسلم غير المستحق فلا يكون ملتزماً إلا بالقدر الذي أثرى به ” . وسيأتي بيان ذلك تفصيلا عند الكلام في حالة الوفاء لناقص الأهلية في دعوى غير المستحق .

2 – بالنسبة إلى الغير

340 – تأثر حق الغير بالبطلان : ولا يقتصر اثر البطلان على العلاقة اشتراها بعقد باطل أو قابل للإبطال حقاً عينياً ، رهناً أو حق ارتفاق مثلا ، ثم تقرر بطلان البيع ، فإن البائع يسترد العين خالية من الحقوق العينية التي رتبها المشتري . كذلك لو باع المشتري العين من آخر ، فإن البائع بعد تقرير البطلان يستردها من المشتري الثاني .

341 – وجوب تسجيل دعوى البطلان : على أن البائع في المثل المتقدم ، حتى يستوثق من الوصول إلى هذه النتيجة ، يجب عليه أن يسجل دعوى البطلان أو أن يؤشر بها على هامش تسجيل العقد الباطل . فقد نصت المادة 15 من قانون الشهر العقاري على أنه ” يجب التأشير في هامش سجل المحررات واجبة الشهر بما يقدم ضدها من الدعاوى التي يكون الغرض منها الطعن في التصرف الذي يتضمنه المحرر وجوداً أو صحة أو نفاذاً ، كدعاوى البطلان أو الفسخ أو الإلغاء أو الرجوع ، فإذا كان المحرر الأصلي لم يشهر تسجل تلك الدعاوى ” . وتنص المادة 17 من هذا القانون على أنه ” يترتب على تسجيل الدعاوى المذكورة بالمادة الخامسة عشرة أو التأشير بها أن حق المدعى إذا تقرر بحكم مؤشر به طبق القانون يكون حجة على من ترتبت لهم حقوق عينية ابتداء من تاريخ تسجيل تلك الدعاوى أو التأشير بها . ولا يكون هذا الحق حجة على الغير الذي كسب حقه بحسن نية قبل التأشير أو التسجيل المشار إليهما ” .

ويتبين من ذلك أن الغير إذا تلقى حقاً عينياً بعد تسجيل دعوى البطلان ، فإن حقه يزول بتقرير بطلان العقد ، سواء كان سيء النية أو كان حسن النية . أما إذا تلقى الحق العيني قبل تسجيل دعوى البطلان ، فالظاهر من نص المادة 17 أن حقه يزول إذا كان سيء النية ، ويبقى إذا كان حسن النية . ومهما يكن من أمر – وليس هنا مجال التفصيل في ذلك – فإن القانون أورد حكماً خاصاً لمصلحة الدائن المرتهن رهناً رسمياً ، فنص في المادة 1034 على أن ” يبقى قائماً لمصلحة الدائن المرتهن الرهن الصادر من المالك الذي تقرر إبطال سند ملكيته أو فسخه أو الغاؤه أو زواله لأي سبب آخر ، إذا كان هذا الدائن حسن النية في الوقت الذي أبرم فيه الرهن ” .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 201 من المشروع التمهيدي علىالوجه الآتي : ” 1 – إذا تقرر بطلان العقد بطلانا مطلقاً أو نسبياً ، اعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد . فإذا كان ذلك مستحيلا استبدلا به تعويضاً يعادله . 2 – ومع ذلك لا يلزم ناقص الأهلية ، إذا أبطل العقد لنقص أهليته ، أن يرد غير ما عاد عليه من منفعة بسبب تنفيذ العقد . 3 – لا يجوز لمن وفي بالتزام مخالف لابداب أن يسترد ما فدعه ، إلا إذا كان هو في التزامه لم يخالف الآداب ” . وفي لجنة المراجعة حور النص تحويراً لفظياً لتجنب استعمال ألفاظ البطلان المطلق والبطلان النسبي ، وحذفت الفقرة الثالثة لأنها لا تتمشى مع منطق البطلان . فأصبح النص مطابقا للوجه الوارد في القانون الجديد ، وأصبح رقم المادة 146 في المشروع النهاي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . ووافق لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ عليها دون تعديل أيضاً ، وأصبح رقمها 142 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 254 – ص 259 ) .

هذا وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” بيد أن عبء إثبات البطلان يقع دائماً على عاتق من يتمسك به . وتتبع القاعدة نفسها ، بل ويكون اتباعها أولى فيما يتعلق بالبطلان المطلق . فإذا حم بالبطلان المطلق أو النسبي استند أثره واعتبر العقد باطلا من وقت نشئوه ، دون أن يخل ذلك بما يكون الغير حسن النية قد اكتسب من حقوق عقارية ، سجلت قبل تسجيل إعلان التصريح بالبطلان في حالة البطلان النسبي ( وقد اتبع المشروع التمهيدي نظام تقرير البطلان النسبي عن طريق الإعلان كما رأينا ) . ويلتزم كل من المتعاقدين بأن يرد ما تسلمه بمقتضى العقد . ويستثنى من هذه القاعدة حالتان : أولهما حالة ناقص الأهلية ، فهو لا يسال عن الرد إلا وفقاً لقواعد الإثراء بلا سبب . والثانية حالة وفاء أحد المتعاقدين بالتزام في عقد باطل لسبب مخالفته للآداب ، فلا يجوز لمثل هذا المتعاقد أن يسترد ما أدى إذا نسب إليه ما يخالف الآداب . وعلى هذا النحو ابان المشروع وجه الحكم في مسألة أثير بشأنها خلال شديد ( أنظر المادتين 1305 و 1306 من التقنين الأسباني ، والمادة 692 من التقنين البرتغالي ، والمادة 27 من المشروع الفرنسي الإيطالي والمادتين 77 / 72 من التقنينين التونسي والمراكشي ، والمادة 817 من التقنين الألماني ، والمادة 66 من تقنين الالتزامات السويسري ، والمادة 132 من التقنين البولوني ، والمادة 971 من التقنين البرازيلي ، والمادة 180 من التقنين الصيني ، والمادة 147 من التقنين السوفييتي ) .

 ( [2] ) فيما عدا ما قدمناه من آثار عرضية أو أصلية تترتب على العقد الباطل .

 ( [3] ) أما إذا هلك المبيع في يد المشتري بقوة قاهة ، فلما كان البائع إنما يرجع على المشتري طبقاً لأحكام دفع غير المستحق كما قدمنا ، كان الواجب في هذه الحالة تطبيق هذه الأحكام . وهي تقضي – كما سنرى عند الكلام في دفع غير المستحق – بان المشتري إذا كان حسن النية ، أي يعتقد أنه تسلم ما هو مستحق له ، فلا يكون مسئولا إلا بقدر ما عاد عليه من منفعة ترتبت على هلاك العين ، وللبائع في جميع الأحوال أن يسترد المبيع التالف في الصورة التي آل إليها بعد التلف دون أن يتقاضى تعويضاً عن التلف . أما إذا كان المشتري سيء النية ، أي يعلم أنه تسلم شيئاً غير مستحق له ، التزم برد قيمة المبيع وقت الهلاك ، ولا يعفيه من هذه المسئولية إلا أن بثبت أن المبيع كان يهلك ولو كان في يد البائع ( قارن نظرية العقد للمؤلف ص 653 هامش رقم 1 ) .

 ( [4] ) تولييه 6 فقرة 126 و 11 فقرة 62 – 1 اوبري ورو 6 فقرة 46 مكرر ص 322 هامش رقم 8 – لارومبيير م 1133 فقرة 10 .

 ( [5] ) ديمولومب 27 فقرة 43 – لوران 16 فقرة 164 – هيك 8 فقرة 392 – بفنوار ص 654 – بودري وبارد 1 فقرة 316 – ديموج 2 فقرة 878 ص 810 .

 ( [6] ) أنظر تحليلا تفصيلياً في القضاء الفرنسي في كابيتان في السبب فقرة 115 – فقرة 118 . ويستخلص كابيتان من استعراض القضاء الفرنسي في هذه المسألة أن هذا القضاء لا يطبق القاعدة الرومانية في جميع العقود غير المشروعة ، بل يقصر تطبيقها على العقود المخالفة للآداب دون العقود المخالفة للقوانين أو للنظام العام . ويذهب في ذلك إلى أن العقود المخالفة للآداب لا يليق أن تنظر فيها المحاكم ، بل الجدير أن تغسل يدها من مثل هذه القضايا الملوثة ، فلا تحكم فيها بقبول أو برفض : أنظر بنوع خاص في هذا المعنى محكمة بورج الإستئنافية في 13 يونية سنة 1889 داللوز 89 – 5 – 329 – محكمة الجزائر الإستئنافية في 5 مايو سنة 1894 سيريه 94 – 2 – 302 – وانظر محكمة النقض الفرلنسية في 4 يناير سنة 1897 داللوز 97 – 1 – 126 في الاتصال الجنسي غير المشروع – وفي 15 مارس سنة 1911 داللوز 1911 – 1 – 382 في الرشوة – وانظر أيضاً ديموج 2 فقرة 877 .

 ( [7] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 18 ابريل سنة 1911 المجموعة الرسمية 12 رقم 85 ص 160 – محكمة الاستئناف المختلطة في 14 مارس سنة 1888 المجموعة الرسمية للقضاء المختلط 13 ص 115 – وانظر في القضاء المصري تفصيلا نظرية العقد للمؤلف ص 655 هامش رقم 3 ومرجع القضاء ملحق م 147 رقم 5277 – 5283 – بسطوروس 2 ص 435 – ص 436 – . هذا وقد ضهبت بعض الأحكام في مصر إلى مدى أبعد مما ذهبت إليه القاعدة الرومانية ذاتها ، فقضت بأن من يدفع فوائد تربو على النصاب القانونين ليس له أن يطلب استنزال ما دفعه زيادة عن ذلك النصاب من أصل دينه ( استئناف وطني في 16 فبراير سنة 1915 المجموعة الرسمية 16 رقم 66 – وفي ) مارس سنة 1915 الشرائع 2 ص 217 رقم 229 – استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1902 م 15 ص 62 – وفي 14 مارس سنة 1917 م 29 ص 288 ) . ذلك أن المدين الذي دفع الفوائد الربوية غير ملوث ، والملوث هو الدائن الذي اضطر المدين إلى ذلك ( أنظر في جواز استرداد الفوائد الربوية استئناف مختلط في 4 مارس سنة 1896 م 8 ص 147 – والمادة 227 فقرة أولى من القانون الجديد ) .

 ( [8] ) محكمة مصر الكلية الوطنية في 5 يونية سنة 1901 المجموعة الرسمية 3 رقم 85 / 3 ص 224 – وقضت محكمة العطارين الجزئية في 17 ديسمبر سنة 1932 ( ا لمحاماة 12 رقم 307 ص 603 ) بأنه وإن اختلفت الآراء في جواز استرداد ما دفع تنفيذاً لتعهد قائم على سبب مخالف للآداب أو للنظام العام ، إلا أنه مما لا شك فيه أن نتيجة الرأي القائل بعدم جواز الاسترداد يؤدي حتما إلى إقرار حالة يأباها القانون ، لأن حرمان أحد المتعاقدين من استرداد ما دفعه عقاباً له على ما فرط منه معناه تمكين العاقد الآخر من الاستمتاع بما حصل عليه جزاء على إجرامه أو تدليسه أو خروجه على الآداب العامة ومهما قال أنصار هذا الرأي في تأييده فإن الأوفق والأكثر انطباقا على القانون إلا يرتب على العقد ذى السبب غير المشروع أي اثر قانونين وأن تعود الحالة إلى ما كانت عليه قبل العقد ، ويكفي المسترد عقاباً ما يناله من تشهير يترتب على أذاعت محتويات العقد وما كان يدبره في الخفاء مخالفاً للقانون والآداب .

 ( [9] ) وأخذت بها بعض التقنينات الأقدم عهداً : القانون النمساوي ( م 1174 ) والقانون الأسباني ( م 1305 – 1306 ) والقانون البرتغالي ( م 671 – 692 – ويقضي بأن المال الذي لا يسترد يكون ملكاً للخزينة تصرفه في أغراض خيرية ) .

 ( [10] ) هذا وإذا اعتبرنا أن القانون الجديد قد جاء مفسراً للقاعدة القانونية التي يجب اتباعها في صدد العقود غير المشروعة وجواز استرداد ما دفع تنفيذاً لها ، فإنه يطبق بأثر رجعي ، شأن سائر القوانين المفسرة ، ويسري على جميع العقود ، حتى التي ابرم منها في ظل القانون القديم . أما إذا اعتبرنا القانون الجديد قد استحدث الحكم الذي أتى به ، فإن هذا الحكم لا يسري على العقود التي أبرمت في ظل القانون القديم فلا يجوز فيها الاسترداد ، ويسري على العقود التي أبرمت في ظل القانون الجديد فيجوز الاسترداد فيها . ونحن نميل إلى اعتبار الحكم مستحدثاً ، لأنه أتى مخالفاً لما جرت عليه الكثرة من الأحكام .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

كيف يتقرر البطلان للعقد

كيف يتقرر البطلان

1 – العقد الباطل

332 – لا حاجة إلى حكم لتقرير البطلان : لما كان العقد الباطل ليس له وجود قانونين ، فلا حاجة إذن لصدور حكم بابطاله ، ولا ضرورة للحكم بالعدم على معدوم . وهذه نتيجة منطقية تستقيم في كثير من الأحوال ، فلا يحتاج من له مصلحة في تقرير البطلان أن يرفع دعوى بذلك ، وما عليه إلا أن يعتبر العقد الباطل معدوماً ، ويصدر في تصرفه عن هذا الاعتبار . فلو كان العقد الباطل بيعاً ، كان للبائع دون أن يحصل على حكم ببطلان البيع أن يتصرف في المبيع ، فهو لا يزال في ملكه ، ويكون بيعه صحيحا ًز وإذا رفع المشتري في هذا المثل دعوى يطالب فيها بالمبيع ، أمكن البائع أن يدفع هذه الدعوى ببطلان البيع .

فالذي يتمسك بالبطلان في العقد الباطل يفعل ذلك في أكثر الأحوال عن طريق الدفع لا عن طريق الدعوى .

333 – ولكن قد تقضي ا لضرورة ؟؟؟ بالحصول على حكم : وذلك يتحقق إذا قضت الضرورة على المتمسك ببطلان عقد باطل أن يبادر إلى رفع دعوى البطلان . ويعرض هذا في بعض فروض عملية . منها أن يكون البائع في بيع باطل قد سلم المبيع إلى المشتري ، وأراد أن سترده ، فهو بين أن يرفع دعوى البطلان في مدى خمس عشرة سنة أو يرفع دعوى الاستحقاق في أي وقت ، فإذا رفع دعوى البطلان حصل على حكم ببطلان العقد . ومنها أن يكون وجه البطلان فيها خفاء ، لا سيما إذا كان البطلان يرجع إلى تقدير القاضي كما إذا كان سببه مخالفة النظام العام أو الآداب ، ففي مثل هذه الحالة تدعو الضرورة من له مصلحة في التمسك بالبطلان أن يرفع دعوى بذلك حتى يطمئن إلى تقدير المحكمة فيما ذهب إليه .

والحكم الذي يصدر في دعوى البطلان لا يبطل العقد الباطل ، بل يقتصر على الكشف عن بطلانه .

2 – العقد القابل للإبطال

334 – لا يتقرر البطلان إلا بالاتفاق أو بالقضاء : أما العقد القابل للإبطال فله وجود قانونين إلى أن يتقرر بطلانه . ومن ثم لا بد في تقرير البطلان من التراضي أو التقاضي . أما التراضي فيتم بين المتعاقدين بشرط أن يتتوافر الأهلية في كل منهما . فإذا لم يتم الاتفاق على إبطال العقد ، فالعقد لا يبطل حتى يرفع ذو المصلحة من المتعاقدين دعوى البطلان ويحصل على حكم بذلك . وحكم القاضي هو الذي يبطل العقد ، أي ينشيء البطلان ، ولا يقتصر على الكشف عنه كما في العقد الباطل . ولكن إذا رفعت دعوى الإبطال ووجد سببه قائماً ، فالقاضي لا يملك إلا أن يبطل العقد ، وليس له حق التقدير الذي سنراه له في حالة الفسخ ( [1] ) .

335 – فلا يتقرر بإرادة منفردة : ويتبين من ذلك أن المتعاقد ذا المصلحة إذا لم يستطيع الاتفاق مع المتعاقد الآخر على إبطال العقد ، فليس امامه إلا أن يرفع دعوى البطلان ليحصل على حكم بإبطال العقد . ولا يجوز له أن يستقل بإعلان البطلان بإرادته المنفردة ، كما أجاز لذلك كل من القانون الألماني وقانون الالتزامات السويسري ( [2] ) . وقد كان المشروع النهائي للقانون الجديد يتضمن نصاً يجيز إبطال العقد في حالة نقص الأهلية عن طريق الإعلان بالإرادة المنفردة ، فكانت الفقرة الثانية من المادة 142 من هذا المشروع تنص على ما يأتي : ” ويكفي لإبطال العقد بسبب نقص الأهلية إعلان المتعاقد الآخر بذلك إعلاناً رسمياً يبين فيه سبب البطلان وأدلته ، فإذا تم الإعلان على هذا الوجه اعتبر العقد باطلا من وقت صدوره ، دون إخلال بحق المتعاقد الآخر في التمسك بصحة العقد بدعوى يرفعها في خلال سنة من وقت وصول الإعلان ” . وقد حذفت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ هذا النص ” توخياً لتعميم القواعد المتعلقة بطلب الإبطال ، وتجنباً لما يحتمل أن ينشأ عن تطبيق النص المقترح من صعوبات عملية ” ( [3] ) .


 ( [1] ) استئناف مختلط في 11 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 93 .

 ( [2] ) تقضي الفقرة الأولى من المادة 143 من القانون الألماني بأن البطلان يتقرر بإعلان يتوجه إلى الطرف الآخر . وتقضي المادة 31 من قانون الالتزامات السويسري بأن العقد إذا شابه غلط أو تدليس أو إكراه يعتبر قد أجيز إذا كان الطرف الذي لا يلزمه هذا العقد سكت سنة دون أن يعلن للطرف الآخر تصميمه على إبطاله ، أو دون أن يسترد ما دفعه ، وتسري السنة من وقت انكشاف الغلط أو التدليس أو من وقت زوال الإكراه ( أنظر في ترجيح هذا الحكم نظرية العقد للمؤلف ص 648 هامش رقم 2 وهامش رقم 3 ) .

 ( [3] ) كان هناك نصان في المشروع التمهيدي هما اللذان يقابلان المادة 138 من القانون الجديد ، وكان يجريان على الوجه الآتي : ” م 196 – ليس لغير الأشخاص الذين تقرر البطلان النسبي لمصلحتهم أن يتمسكوا بأوجه البطلان الواردة في المادة السابقة . وهذا البطلان تلحقه الإجازة ويزول بالتقادم . م 197 – 1 : يكفي في تقرير البطلان النسبي إعلان الطرف الآخر به اعلاناً رسمياً – 2 : وإذا كان العقد بالاط بطلاناً نسبياً ، وتقرر بطلانه ، اعتبر باطلا من وقت صدوره لوكنه يبقى منتجاً لاثاره حتى يتقرر الطبلان – 3 : على أن إبطال العقود الناقلة للملكية لا يضر بالغير حسن النية إذا ترتب له حق على عقار قبل تسجيل الإعلان بالبطلان ” . وفي لجنة المراجعة ادمج النصان في مادة واحدة ، بعد حذف الفقرة الثالثة من المادة 197 لأن حكمها وارد في مكان آخر ، وبعد جعل جواز إبطال العقد بمجرد الإعلان مقصوراً على حالة نقض الأهلية مع إعطاء الحق للطرف الآخر في التمسك بصحة العقد بدعوى يرفعها في خلال سنة ، وبعد تحوير في اللفظ يجعل النص أقرب إلى التطبيق العملي من التقرير الفقهي ، فأصبح النص في المشروع النهائي ( م 142 ) يجري على الوجه الآتي : ” 1 – إذا جعل القانون لأحد المتعاقدين حقاً في إبطال العقد ، فليس للمتعاقد الآخر أن يتمسك بهذا الحق . 2 – ويكفي لإبطال العقد بسبب نقص الأهلية إعلان المتعاقد الآخر بذلك اعلاناً رسمياً يبين فيه سبب البطلان وأدلته ، فإذا تم الإعلان على هذا الوجه اعتبر العقد باطلا من وقت صدوره دون إخلال بحق المتعاقد الآخر في التمسك بصحة العقد بدعوى يرفعها في خلال سنة من وقت وصول الإعلان ” . ووافق مجلس النواب على هذا النص – وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ دارت مناقشات طويلة حول تقرير بطلان العقد لنقص الأهلية عن طريق الإعلان ، وانقسمت اللجنة في ذلك ، ثم وافقت الأغلبية على عدم قبول هذا الحكم وعلى حذف الفقرة الثانية توخياً لتعميم القواعد المتعلقة بطلب الإبطال وتجنباً لما تحتمل أن ينشأ عن تطبيق النص المقترح من صعوبات عملية ، وأصبح رقم المادة 138 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 235 – ص 240 ) .

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

دعوى البطلان

تقرير البطلان

 ( دعوى البطلان )

324 – مسائل ثلاث : يعنينا في تقرير البطلان أن نبحث مسائل ثلاثا : ( 1 ) من الذي يتمسك ببطلان العقد . ( 29 وكيف يتقرر البطلان . ( 3 ) وما الأثر الذي يترتب على تقريرها .

المطلب الأول

من الذي يتمسك بالبطلان

325 – العقد الباطل والعقد القابل للإبطال : في العقد الباطل يجوز أن يتمسك بالبطلان كل من له مصلحة في ذلك ، بل وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها . أما في العقد القابل للإبطال ، فلا يتمسك بالبطلان إلا المتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته دون المتعاقد الآخر ( [1] ) .

ونفصل ما أجملناه .

1 – العقد الباطل

326 – النصوص القانونية : نصت الفقرة الأولى من المادة 141 على ما يأتي :

 ” إذا كان العقد باطلا جاز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان ، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ولا يزول البطلان بالإجازة ” ( [2] ) .

وقد كان المشروع التمهيدي أوضح بياناً في تعيين ذوى المصلحة الذين لهم أن يتمسكو بالبطلان . فكانت المادة 194 من هذا المشروع تنص على أن ” للمتعاقدين وللخلف العام والخاص وللدائنين التمسك بأوجه البطلان الواردة في المادة السابقة ” .

327 – يتمسك بالبطلان كل ذي مصلحة وللمحكمة من تلقاء نفسها أن تقضي به : العقد الباطل لا وجود له كما قدمنا . وسنري أن بطلانه يتقرر عادة عن طريق الدفع ، وقد تقضي الضرورة العملية في بعض الحالات أن يكون تقرير البطلان عن طريق الدعوى . وسواء كان تقرير البطلان عن طريق الدفع أو عن طريق الدعوى ، فإن الذي يستطيع أن يتمسك بالبطلان هو كل شخص له مصلحة في ذلك ( [3] ) .

والمصلحة هنا يراد بها حق يؤثر فيه صحة العقد أو بطلانه . ويترتب على ذلك أن مجرد المصلحة . دون قيام هذا الحق . لا يكفي . فلا يجوز مثلا أن يتمسك الجار ببطلان ببيع صدر من جاره لآخر بحجة أن له مصلحة في التخلص من الجوار المشتري الجديد . ولا يحق لتاجر أن يطلب تقرير بطلان شركة ليتخلص من منافستها له .

ولكن إذا كان صاحب المصلحة له حق يؤثر فيه بطلان العقد جاز له التمسك بالبطلان . ففي البيع الباطل يستطيع كل من المتعاقدين أن يتمسك بالبطلان : البائع حتى يسترد المبيع ، والمشتري حتى يسترد الثمن . ودائنو كل من البائع والمشتري لهم أن يتمسكوا بالبطلان ، لا بطريق الدعوى غير المباشرة فحسب ، بل أيضاً بطريق مباشر ، وذلك ليستردوا المبيع أو الثمن فينفذوا عليه بحقوقهم . وورثة كل من البائع والمشتري يتمسكون بالبطلان لرد المبيع أو الثمن إلى التركة ، ولذلك أيضاً بمقتضى حق مباشر لهم ، وكل شخص رتب له البائع أو المشتري حقاً عينياً أو حقاً شخصياً بالنسبة إلى العين المبيعة يجوز له أن يتمسك بالبطلان ، فالمرتهن من البائع يطلب البطلان حتى يسلم له حق الرهن ، والمرتهن من المشتري يطلب البطلان حتى يسترد الدين ، ومستأجر العين المبيعة من البائع يطلب البطلان حتى يبقى في العين ولو كان عقد الإيجار غير ثابت التاريخ ، ومستأجرها من المشتري يطلب البطلان حتى يسترد الأجرة . وكل هؤلاء يطلبون البطلان ، لا عن طريق استعمال حق مدينهم بالدعوى غير المباشرة . بل بمقتضى حق مباشر لهم .

فالذين يجوز لهم التمسك بالبطلان إذن هم المتعاقدان والدائنون والخلف العام والخلف الخاص .

بل للمحكمة أيضاً أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها ، لأن العقد الباطل ليس له وجود قانونين ، والقاضي لا يستطيع إلا أن يقرر ذلك .

328 – متى يجوز التمسك بالبطلان : إذا كان التمسك بالبطلان عن طريق الدعوى ، فلا بد من رفعها في خلال خمس عشرة سنة من وقت صدور العقد ، وإلا سقطت بالتقادم ، أما إذا كان التمسك بالبطلان عن طريق الدفع ، فيجوز ذلك في أي وقت كما سبق القول ، ويجوز إبداء الدفع في أية حالة كانت عليها الدعوى ، كما يجوز إبداؤه لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ( [4] ) .

2 – العقد القابل للإبطال

329 – النصوص القانونية : نصت المادة 138 من القانون الجديد على ما يأتي :

 ” إذا جعل القانون لأحد المتعاقدين حقا في إبطال العقد فليس للمتعاقد الآخر أن يتمسك بهذا الحق ” ( [5] ) .

وقد كان المشروع التمهيدي يورد هذا النص على وجه يبين الحكمة فيه ، فكانت المادة 196 من هذا المشروع تنص على أنه ” ليس لغير الأشخاص الذين تقرر البطلان النسبي لمصلحتهم أن يتمسكوا بأوجه البطلان الواردة في المادة السابقة ” .

330 – لا يتمسك بالبطلان إلا المتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته : العقد القابل للإبطال لم تتقرر قابليته للإبطال إلا لمصلحة أحد المتعاقدين . فهذا المتعاقد وحده ، دون المتعاقد الآخر ، هو الذي يجوز له أن يتمسك بالبطلان . فإذا كان سبب القابلية للإبطال نقص الأهلية ، فناقص الأهلية وحده هو الذي يتمسك بالبطلان ( [6] ) . وإذا كان السبب هو عيب شاب الإرادة ، فمن شاب إرادته العيب هو الذي يتمسك بإبطال العقد . وفي بيع ملك الغير المشتري وحده هو الذي يتمسك بالبطلان .

ولا يستطيع أن يطلب إبطال العقد لا الدائن ولا الخلف العام ولا الخلف الخاص بمقتضى حق مباشر لهم ، ولكن يستطيعون ذلك باعتبارهم دائنين للمتعاقد ، فيستعملون حقه في طلب إبطال العقد عن طريق الدعوى غير المباشرة .

كذلك لا تستطيع المحكمة أن تقضي بإبطال العقد من تلقاء نفسها إذا لم تتمسك بالإبطال المتعاقد ذو المصلحة .

331 – متى يجوز التمسك بالبطلان : ويجوز التمسك بالبطلان ، دعوى أو دفعا ، ما دام البطلان لم يسقط بالتقادم بانقضاء المدة المقررة ، ثلاث سنوات من وقت زوال العيب أو خمس عشرة سنة من وقت نشوء العقد . ويجوز إبداء الدفع بالبطلان في أية حالة كانت عليها الدعوى على النحو الذي بيناه في العقد الباطل .


 ( [1] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” فما دام البطلان المطلق يستتبع اعتبار العقد معدوما – وليس ثمة محل للتفريق بين العقد الباطل والعقد المعدوم – فيجوم لكل ذي مصلحة أن يتمسك بهذا البطلان ولو لم يكن طرفاً في التعاقد ، كالمستاجر مثلا في حالة بطلان بيع الشيء المؤجر بطلاناً مطلقاً ، بل ويجوز للقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه . أما البطلان النسبي فلا يجوز أن يتمسك به إلا طرف من اطراف التعاقد هو الطرف الذي يشرع البطلان لمصلحته ، ويكون من واجبه أن يقم الدليل على توافر سببه ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 256 ) . وكان المشروع التمهيدي يقضي في المادة 200 منه بأن ” كل من ادعى سبباً للبطلان المطلق أو النسبي يكون عليه إثباته ” ، فحذف هذا النص في المشروع النهائي لعدم الحاجة إليه ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 254 – ص 255 في الهامش ) .

 ( [2] ) أنظر تاريخ النص آنفاً فقرة 319 في الهامش .

 ( [3] ) محكمة المنصورة الكلية الوطنية في 14 فبراير سنة 1943 المحاماة 23 رقم 112 ص 247 .

 ( [4] ) استئناف مختلط في 27 نوفمبر سنة 1946 م 59 ص 35 ( وكان الدفع بالبطلان للغلط ، وهو في هذا مثل الدفع بالبطلان المطلق ) . وقضت محكمة النقض بأن الدفع بالبطلان ، الذي جوزت المادة 133 من قانون المرافعات ( قديم ) إبداءه قبل الدخول في موضوع الدعوى وقضت المادتان 138 و 139 مرافعات ( قديم ) بسقوط الحق فيه بالحضور أو بالرد على الورقة الباطلة ، بما يفيد اعتبارها صحيحة ، إنما هو الدفع الخاص ببطلان صحيفة افتتاح الدعوى وبطلان أوراق الإجراءات والمرافعات . فليس يصح تعدية هذه الأحكام إلى الدفع ببطلان العقود ، لأن الدفع يكون عندئذ من الدفوع الموضوعية التي يجوز تقديمها في أية حالة تكون عليها الدعوى أو تطبق عليه أحكام الإجازة الخاصة إذا كان البطلان نسبياً لا مطلقاً ( نقض مدين في 20 ديسمبر سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 213 ص 510 ) .

 ( [5] ) أنظر تاريخ النص فيما يلي ( فقرة 335 في الهامش ) .

 ( [6] ) وقد يكون كل من المتعاقدين ناقص الأهلية فلكل منهما أن يتمسك بالبطلان ، ولا يكون العقد لذلك باطلا بل يبقى قابلا للإبطال ، فتصح إجازته ويزول بطلانه بالتقادم ، ولو كان العقد باطلا لما حاز ذلك\

منشور في مقال أقوى محامي الأردن