نظرية عامة فى الإثبات

نظرية عامة فى الإثبات

أولا ـ تعريف الاثبات وأهميته ومكانه فى القانون

1 ـ تعريف الاثبات وأهميته :

10ـ تعريف الاثبات : الإثبات ـ بمعناه القانونى ـ هو إقامة الدليل

$14  أمام القضاء ، بالطرق التى حددها القانون ، على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها([1]) .

       11ـ ما يستخلص من هذا التعريف ـ أهمية الاثبات : ويستخلص من هذا التعريف الأمور الأربعة الآتية :

        (1)  الإثبات بمعناه القانونى هو غير الإثبات بمعناه العام . فالإثبات بالمعنى العام يتخصص بأن يكون أمام القضاء ولا بأن يكون بطرق محددة . بل هو طليق من هذه القيود.   فالباحث فى التاريخ يستجمع أدلته على صحة الوقائع التاريخية التى يقررها من المستندات التى تحت يده او من أية طريقة أخرى يراها كافية للإثبات. وهذا هو شأن الباحث فى أى علم . وقد غلب على العلم فى تطوراته الأخيرة أن تكون أدلته تجريبية ، يتلمسها الباحث فى المعامل وعن طريق الاستقصاء وبالاستخلاص الصحيح من الإحصاءات الدقيقة . فالإثبات التاريخى ، والإثبات العلمى ، والإثبات بوجه عام ، لا ترد عليه قيود الإثبات القضائى .

       ويختلف الإثبات القضائى عن الإثبات غير القضائى من وجوده . فالإثبات القضائى مقيد فى طرقه وفى قيمة كل طريقة منها . أما الإثبات غير القضائى فلا قيد عليه كما قدمنا. والإثبات القضائى متى استقام ملزم للقضاى ، فيتعين عليه ان يقضى بما يؤدى إليه هذا الإثبـات مـن النتـائج القانونيـة ، وإلا كـان فـى إمتنـاعه نكـول عـن أداء العدالـة

(deni de justice) . أما الإثبات غير القضائى فلا يتعين فيه على الباحث أن يأخذ بنتائج محددة ، بل هو حر فى البحث . ثم إن ما ثبت عن طريق القضاء يصبح حقيقة قضائية يجب التزامها ولا يجوز الانحراف عنها ، وهذا ما يسمى بحجية الأمر المقضى (autorite de la chose jugee). أما ما ثبت بطريق علمى أو بأى طريق آخر فإنه لا يعتبر حقيقة ثباتة لا تتغير

، فكثيراً    $15   ما يستبين أن الحقائق العلمية ليست إلا فروضاً غير دقيقة ، ثم ينكشف بعد ذلك خطؤها ، ويقوم مقامها حقائق أخرى هى أيضا قابلة للتغيير([2]) .

       (2) ولما كان الإثبات بمعناه القانوتى هو إقامة الدليل أما القضاء بالطرق التى حددها القانون ، وكان الإثبات القضائى مقيداً إلى هذا الحد ، فإن الحقيقة القضائية تصبح غير متفقة حتما مع الحقيقة الواقعية ، بل كثيراً ما تنفرج مسافة الخلف ما بين الحقيقتين ، وتجافى إحادهما الأخرى . وفى هذا ما يجعل الحقيقة القضائية فى بعض الحالات منعزلة عن الواقع ، بل بعيدة عن الحق ، أقرب إلى أن تكون مصطلحاً فنياً منها حقيقة واقعية([3]) . وسنعود إلى هذا المعنى فى موضع آخر .

       (3) ولما كان الإثبات القضائى إنما ينصب على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها ، فمحل الإثبات إذن ليس هو الحق المدعى به ولا أى أثر قانونى آخر يتمسك به المدعى فى دعواه ، وإنما هو المصدر القانونى الذى ينشئ هذا الحق أو هذا الأثر . والواقعة القانونية التى هى محل الإثبات يقصد بها هنا معناها العام ، أى كل واقعة أو تصرف قانونى يرتب القانون عليه أثراً معيناً . فالعمل غير المشروع واقعة مادية يرتب القانون عليها التزاماً بالتعويض . والعقد تصرف قانونى يرتب القانون عليه الالتزام الذى اتفق عليه المتعاقدان . وكل من العمل غير المشروع والعقد واقعة قانونية يرتب القانون عليها أثراً ، وهى ـ أى هذه الواقعة القانونية ـ دون الأثر الذى يترتب عليها ، التى تكون محلا للإثبات . ونسعود إلى هذه المسألة ببيان أوفى([4]) .

$ 16 (4) وما دام الإثبات القضائى هو إقامة الدليل أمام القضاء على الواقعة التى يرتب القانون عليها أثراً ، فمعنى ذلك أن هذه الواقعة إذا أنكرها الخصم لا تكون حقيقة قضائية إلا عن طريق هذا الإثبات القضائى . فالحق الذى ينكر على صاحبه ، ولا يقام عليه دليله القضائى ، ليست له قيمة عملية ، فهو والعدم سواء من الناحية القضائية . قد يكون للحق وجود قانونى حتى لو لم يقم عليه الدليل القضائى ، وقد ينتج هذا الوجود بعض الاثار القانونية ، ولكن هذا من الندرة بحيث لا يقام له وزن ولا يحسب له حساب .

       ومن ثم تتبين أهمية الإثبات القضائى من الناحية العملية . (( فالحق ـ كما تقول المذكرة الإيضاحية لمشروع التقنين المدنى الجديد([5]) ـ يتجرد من قيمته مالم يقم الدليل على الحادث المبدئ له ، قانونيا كان هذا الحادث أو مادياً ، والواقع أن الدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع منه )) . (( ونظرية الإثبات من أهم النظريات القانونية واكثرها تطبيقاً فى الحياة العملية . بل هى النظرية التى لا تنقطع المحاكم عن تطبيقها كل يوم فيما يعرض لها من أقضية )) ([6]) .

       ب  ـ مكان الاثبات فى القانون

       12ـ انقسام الشرائع إلى طوائف ثلاث : يتنازع قواعد الإثبات مكانان ، مكان فى التقنين المدنى وآخر فى تقنين المرافعات . ذلك أن لهذه القواعد ناحيتين ، ناحية موضوعية هى التى تحدد طرق الإثبات المختلفة وقيمة كل طريقة منها ومن الذى يقع عليه عبء الإثبـات ومـاذا يقـوم بإثباته ، وناحية شكلية هى التى تحدد ما يتبع من الإجراءات فى تقديم طـرق الإثبـات فللشهـادة  $17   وللأوراق المكتوبة والطعن فيها وللخبرة ولتحليف اليمين ولغير ذلك من طرق الإثبات إجراءات معينة رسمها القانون([7]) .

       وقد انقسمت الشرائع فى مكان الإثبات إلى طوائف ثلاث . بعضها يجمع قواعد الإثبات فى ناحيتيها الموضوعية والشكلية ويضعها جميعاً فى تقنين المرافعات ، كما فعل القانون الألمانى والقانون السويسرى([8]) . وبعضها يضع القواعد الموضوعية فى التقنين المدنى والقواعد الشكلية فى تقنين المرافعات ، كما فعل القانون المصرى والقانون الفرنسى وأكثر الشرائع اللاتينية([9]) . وطائفة ثالثة تفرد قواعد الإثبات جميعاً الموضوعية منها والشكلية بقانون خاص ، كما فعل

$18         القانون الإنجليزى فيما أسماء بقانون الإثبات (law of evidence) وكما فعل القانون السورى فيما أسماه بقانون البينات([10]) .

       13 ـ بروز القواعد الموضوعية فى الإثبات ووجوب بقائها فى التقنين المدنى : وتقضى سلامة النظر فى هذه المسألة بتخطى الشرائع التى تضع قواعد الإثبات بناحيتيها الموضوعية والشكلية فى تقين المرافعات . قد توضع هذه القواعد كلها فى التقنين المدنى تغليباً للناحية الموضوعية على الناحية الشكلية فيلتئم شملها([11]) . وقد توزع بين التقنين المدنى وتقنين المرافعات كما تقضى بذلك طبيعة كل طائفة من هذه القواعد . وقد تنفرد بمكان خاص تنعزل به عن سائر التقنينات حتى لا تطغى ناحية من الناحيتين على الأخرى . ولكن أن يستقل بها جميعاً تقنين المرافعات فهذا ما لا وجه للنظر فيه ([12]) . ولا يجوز تغليب الناحية    $19   الشكلية على الناحية الموضوعية  فالناحية الموضوعية من قواعد الإثبات هى دون شك الناحية البارزة : تعيين طرق الإثبات وتحديد قيمها وتحميل عبء الإثبات لأحد الخصمين ، هذا هو اللب فى قواعد الإثبات ، وهذه كلها مسائل موضوعية . ثم إن الناحية الشكلية من قواعد الإثبات قد لا تعرض إطلاقا ، ويقع ذلك عند إعداد طرق الإثبات فيما يعد منها مقدماً (prevue preconstituee) . وقع ذلك أيضا إذا لم يترافع الخصمان فيما تنزعا فيه إلى القضاء بل سويا النزاع بنهما بطريق ودى لا حاجة فيه إلى الإجراءات التى رسمها القانون لتقديم الأدلة([13]) .

       ومتى خلص أن دليل الحق تغلب فيه النزعة الموضوعية غلبة طاهرة ، كان المكان الطبيعى للقواعد التى تحكم هذا الدليل هو التقنين المدنى . فالدليل على الواقعة التى تنشئ الحق أقرب إلى أن يكون وضعاً شكلياً لهذه الواقعة . ولا يوجد فرق كبير من الناحية العملية بين عقد شكلى وعقد رضائى لا يجوز إثباته إلا بالكتابة . فالكتابة ضرورية فى الحالتين ، وإن كانت الكتابة فى العقد الشكلى تتميز بأنها ترسم على نحو خاص وبأنها واجبة لذاتها فلا يقوم

$20  مقامها الإقرار أو اليمين كما يصح ذلك فى الكتابة المطلوبة للإثبات وبأن الطرفين لا يجوز لهما الاتفاق على تعديل الشكل كما يجوز ذلك فى طرق الإثبات على النحو الذى سنبينه فيما يلى([14]) . ولكن يبقى بعد ذلك أن الكتابة للإثبات ضرورية من الناحية العملية ضرورة الكتابة للشكل . ويخلص من هذا أن القواعد التى تحكم الكتابة للإثبات يجب أن يكون مكانها بجانب القواعد التى تحكم الكتابة للشكل ، وأن قواعد الإثبات كقواعد الشكل يجب أن يكون مكان كل طائفة منهما هو التقنين المدنى([15]) .

       14 ـ مكان قواعد الاثبات الموضوعية فى التقنين المدنى ك على أن مكان قواعد الإثبات ، الموضوعية منها على الأقل ، فى التتقنين المدنى لا يتفق فيه النظر . فالتقنين المدنى الفرنسى وضعها بين القواعد التى تحكم نظرية العقد ، ولا شك فى أن مكان غير مناسب إذ أن قواعد الإثبات تسرى على العقد  $21   وعلى غيره من مصادر الالتزام الأخرى([16]) . والتقنين المدنى المصرى ـ القديم والجديد ـ وضع هذه القواعد فى النظرية العامة للالتزام([17]) ، وهذا مكان أليق . وقد يقال إن نظرية الإثبات ليست مقصورة على الالتزام ، بل هى نظرية عامة شاملة تتناول مصادر الالتزام ومصادر الحق العينى ومصادر روابط الأسرة ، ولا تقف عند المصادر فحسب إذ هى تحكم أيضا أسباب انقضاء روابط الأسرة ، ولا تقف عند المصادر فحسب إذ هى تحكم أيضا أسباب انقضاء الحقوق وكل سبب آخر ينشئ أثراً قانونياً ، بل هى تجاوز منطقة القانون المدنى إلى غيرها من مناطق القوانين الأخرى ([18]) . ولكن التقنين المدنى المصرى غلب الناحية العملية وآثرها على الناحية العلمية . فالإثبات كما رأينا ينصب على اى سبب ينشئ أثراً قانونيا ، وهذه الأسباب يمكن حصرها فى الواقعة القانونية والتصرف القانونى . فيكون المكان المنطقى للإثبات على هذا الوجه هوفى القسم العام منالتقنين المدنى حتى تنبسط قواعده على جميع نواحى هذا القانون وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ولكن الناس قد ألفت أن تبحث عن قواعد الإثبات فى النظرية العامة للالتزام . ثم إن هناك قواعد خاصة لإثبات الحقوق العينية وضعها التقنين المدنى الجديد فى مكانها من نظرية الحيازة . فأصبحت قواعد  $22   الإثبات الواردة فى نظرية الالتزام هى القواعد العامة للإثبات تسرى على الحقوق الشخصية والحقوق العينية على السواء . وتختص الحقوق العينية ، بالإضافة إلى ذلك ، بقواعد أخرى هى الواردة فى نظرية الحيازة . وفى هذا توزيع لقواعد الإثبات ، إذا لم يكن دقيقاً من الناحية العلمية ، ، فانه يستقيم من الناحية العملية ، وقد جرت به العادة ، وألفته الناس ، فلم يجد التقنين المدنى الجديد محلا للعدول عنه([19]) .

       جـ ـ مقابلة سريعة بين النصوص التقنين المدنى الجديد ونصوص التقنين المدنى القديم فى قواعد الإثبات

       15 ـ ترتيب التقنين القديم : لا يكاد التقنين المدنى الجديد يكون قد استحدث شيئاً هاماً فى قواعد الإثبات عن تلك التى كان التقنين القديم يقررها . وقد قدمنا أن مكان هذه القواعد فى التقنين الجديد بقى هو عين مكانها فى التقنين القديم .

$23  وكانت نصوص التقنين القديم غير مرتبة . فقد بدأت بنص فى شأن عبء الإثبات . ثم بينت المواطن التى يجب الإثبات فيها بالكتابة وتلك التى يجوز الإثبات فيها بالبينة وبالقرائن . وعرضت بعد ذلك لإثبات التخلص من الدين بتسليم السند وبوجوده تحت يد المدين وبالشروع فى الوفاء . ثم عادت لجواز إثبات أصل الدين بدفع الفوائد . ثم عرضت لليمين المتممة ثم لليمين الحاسمة . ثم رجعت إلى تعريف المحررات الرسمية والمحررات العرفية مع بيان حجية كل منهما وبيان حجية التاريخ ومتى يكون تاريخاً ثابتاً . ثم عرضت للتأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين ومدى حجية هذا التأشير . وعادت بعد ذلك إلى تحديد قيمة صور الأوراق الرسمية . وانتقلت فجأة إلى حجية الأمر المقضى . ثم عرضت للإقرار . وانتهت بنص يطلق الإثبات فى المواد التجارية .

16 ـ ترتيب التقنين الجديد : أما التقنين الجديد([20]) فقد رتب قواعد الإثبات ترتيباً منطقياً فى الباب السادس من الكتاب الأول . فقدم لهذه القواعد بنص فى تحميل عبء الإثبات . وفى فصول خمسة عرض للإثبات بالكتابة ، فالإثبات بالكتابة عرف الورقة الرسمية وبين حجيتها وحجية صورها ، ثم عرف الورقة العرفية وبين حجيتها وحجية التاريخ وثبوته ، ثم انتقل لقيمة بعض الأوراق العرفية فى الإثبات فعرض للرسائل والبرقيات ودفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية والتأشير على السند بما يفيد براءة المدين . وفى الإثبات بالبينة بين متى يجوز ذلك ومتى لا يجوز . وفى الإثبات بالقرائن عرف القرينة القانونية  $24  وبين حجيتها ، وانتقل إلى حجية الأمر المقضى كقرينة قانونية ، وإلى حجية الحكم الجنائى بالنسبة إلى القضاء المدنى ، ثم عرض للقرائن القضائية . وفى الإثبات بالإقرار عرف الإقرار ، وحدد حجيته ، وبين متى يتجزأ . وفى الإثبات باليمين عرض لليمين الحاسمة ، ثم لليمين المتممة .

       17 ـ لم يستحدث التقنين الجديد شيئاً جوهرياً فى قواعد الإثبات : وفى غير هذا الترتيب المنطقى المتسق لم يستحدث التقنين الجديد شيئاً جوهرياً فى قواعد الإثبات . بل اقتصر التنقيح على بعض المسائل التفصيلية ، مع تهذيب فى العبارة والأسلوب ، وتوضيح لما كان مقتضياً أو مبهماً ، وحتى فيما زاده التقنين الجديد من الأحكام ، كتحديد الورقة الرسمية والورقة العرفية ودفاتر التجار والأوراق المنزلية وجواز منع توجيه اليمين الحاسمة وجواز إثبات الحنث فيها ، لم يستحدث قواعد جديدة ، ولكنه اقتصر على تقنين القضاء المصرى فى هذه المسائل([21]) . وسنعود إلى كل مسألة فى موضعها .

       18 ـ سريان قواعد الاثبات من حيث الزمان : ومهما يكن من أمر ، فهناك بعض أحكام تفصيلية استحدثها التقنين الجديد كما قدمنا . فنذكر فى هذه المناسبة المبدأ العام فى سريان قواعد الإثبات من حيث الزمان . لنرى متى تسرى القواعد الجديدة بوجه عام ، تاركين تفصيل سريان كل قاعدة إلى موضعها من هذا الكتاب .

       أما القواعد الموضوعية للإثبات ، وهى تلك التى تعين طرق الإثبات وتبين متى يجوز قبولها وتحدد قيمة كل منها ، فالقانون الذى يطبق هو القانون الذى كان سارياً وقت نشوء الحق المراد إثباته . فلو كان هذا القانون يجيز الإثبات بالبينة مثلا ، جاز هذا الإثبات حتى لو كان القانون الجديد وقت رفع الدعوى لا يجيز الإثبات إلا بالكتابة . والعكس صحيح على خلاف فى الرأى ([22]) . وتطبيقاً لهذا  $25 المبدأ نصت المادة التاسعة من التقنين المدنى الجديد على أن (( تسـرى فـى شــأن الأدلة  $26 التى تعد مقدما النصوص المعمول بها فى الوقت الذى أعد فيه الدليل أو فى الوقت الذى كان ينبغى في إعداده ))([23]) .

       أما الإجراءات التى تتبع فى سلوك طريق الإثبات ، فهذه يسرى عليها القانون القائم وقت نظر الدعوى ولو كان جديداً ، لأن قوانين الإجراءات الجديدة تسرى على الماضى([24]) .


([1]) الموجز للمؤلف ص 614 ـ ص 645

([2]) أنظر فى مقارنة دقيقة بين الإثبات القضائى والإثبات التعليمى أو التاريخى بارتان على أوبرى ورو جزء 12 فقرة 749 حاشية رقم 2 مكرر ، وأنظر أيضاً : بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1407 ـ ص 828 ـ ص 829 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1138 ص 306 ـ الأستاذ عبد الباصط جميعى نظام الإثبات فى القانون المدنى المصرى ص 39 ـ ص 42 .

([3]) وقد مر الاثبات القضائى فى تاريخ الانسانية بمراحل يضيق المقام هنا عن الخوض فيها. فقد كانت الانسانيةفى طفولتها تلجأ فى الإثبات القضائى غلى ضروب من السحر والشعوذة . ثم لجأت إلى الدين ، من حلف واستدعاء لله وللقديسين على المبطل من الخصمين . وكان القتال ، بل الانتحار ، من الأدلة القضائية عند بعض الأمم فى فجر التاريخ (انظر فى هذا راؤول دى جراسيرى (Raoul de la Grasserie) فى الاثبات فى المواد المدنية والجنائية فى القانون الفرنسى والتشريعات الأجنبية ص 18 ـ الأستاذ أحمد نشأت فى الاثبات جزء أول ص 9 ـ ص 12) .

([4]) وقد تغلب العادة فيجرى القلم بذكر إثبات الحق ، والمقصود دائماً هو إثبات الواقعة القانونية التى أنشات الحق.

([5]) مجموعة الأعمال الحضيرية 3 ص 349 .

([6]) الموجز فقرة 614 ص 645 . وأنظر : بلانيول وريبير وجابولد 7 ص 1406 ص 825 وقد جاء فيه : (( الدليل وحده هو الذى يحيى الحق ويجعله مفيدا )) (La praeuve seule vivifie le droit et le rend utile) . وقد أثرت فى هذا المعنى أقوال مشهورة ، منها (( ما لادليل عليه هو والعدم سواء )) أو (( يستوى حق معدوم وحق لا دليل عليه )) (Idem est non esse aut non probari) ـ ويقول أهرنج ك (( الدليل هو قوة الحق )) (La prevue est la rancon des duoits) ـ أنظر أيضا : بيدان وبرو 9 ص 1139 ص 207 ـ الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الاثبات ص 1 ص 2 .

([7]) بودرى وبارد 3 فقرة 2059 .

([8]) ويذهب الأساتذة كولان وكابيتان ودى لامورانديير ( جزء 2 ص 718 وجزء 1 ص 105 وما بعدها ) إلى هذا الرأى . كذلك يبدو ان الدكتور محمد صادق فهمى ( الإثبات فى القانون المقارن ص 85 ـ ص 86 ) يميل إلى وضع قواعد الإثبات فى تقنين المرافعات . أنظر أيضاً بيدان ويرو 9 فقرة 1140 ، ص 208 .

([9]) الموجز ص 646 ـ وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية لمشروع التقنين المدنى الجديد فى هذا الصدد ما ياتى : (( والواقع أنه يتضح من استظهار تبويب التقنينات المختلفة ومقارنة كل منها بالآخر ، أن الإثبات والشهر لا ينزلان منها مكاناً واحدا . فبعض هذه التنقينات يفرد لهما مكانا فى تقنين المرافعات ( مذهب التشريعات الجرمانية ) ، وبعض منها يضمن أحكامها تشريعاً مستقلا ( مذهب التشريعات الانجليزية والأمريكية ) ، وبعض آخر يفرق هذه الأحكام بين التقنين المدنى وتقنين المرافعات ( مذهب التشريعات اللاتينية ) . ويقوم مذهب الفريق الأخير من التقنينات على التفريق بين طائفة القواعد المتعلقة بالتنظيم الموضوعى ، وبين طائفة القواعد المتعلقة بالشكل والإجراءات ، ويلحق الأولى بالتقنين المدنى ، ويقرر الثانية مكاناً فى تقنين المرافعات ز وتشتمل الطائفة الأولى على الأحكام المتعلقة بمحل الاثبات ، وبيان من يقع عليه عبؤه ، وتفصيل طرقه ، وأحوال أعمال كل من هذه الطرق . وغنى عن البيان أنه يقصد من هذه الأحكام بوجه عام إلى اتقاء المنازعات وتأمين ما ينبغى للتعامل من استقرار ، ولعل هذا الغرض الوقائى بذاته هو أبرز ما ينهض لتوجيه وضعها فى نصوص التقنين المدنى باعتباره الأصل الجامع للمبادئ العامة فى القانون . أما ما يتعلق من الأحكام باعمال طرق الإثبات فهو يتصل بناحية الشكل والإجراءات ولا سيما ما يقوم من هذه الطرق على التحقيق أو الخبرة . وبديهى أن مثل هذه الأحكام أخص نطاقاً من الأحكام الموضوعية ، وهى تتسم على وجه الافراد بطابع قضائى يجعل خطابها ينصرف بوجه خاص إلى من يعهد إليهم بتطبيق القانون والفصل فى المنازعات. فأخلق بها ، والحال هذه ، أن تحل مع سائ ما يتلعق بخصوصيات الشكل والإجراءات صعيداً واحداً فى تقنين المرافعات )) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 347 ـ ص 348 ) .

                                                                                                       ( م 2 الوسيط ج 2 )

([10]) وكذلك فعل القانون الأمريكى فى قانون الإثبات (Law of evidence) . أنظر فى مكان الإثبات فى كل من النظام اللاتينى والنظام الجرمانى والنظام الأنجلوسكسونى ، وذلك من ناحية التطور التاريخى ، رسالة الدكتور محمد صادق فهمى فى الإثبات فى القانون المقارن ص 20 ـ ص 55 .

([11]) وقد توضع القواعد الموضوعية للإثبات مع قواعد الشهر فى مكان واحد فى التقنين المدنى . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية لمشروع التقنين المدنى الجديد فى هذا المعنى ما يأتى : (( ليس شك فى أن التقنين المدنى هو أنسب مكان لكل ما يتعلق بالأحكام الموضوعية فى الإثبات ، بل وقد يكون فى هذا الوضع ما يدعو إلى التفكير فى الجمع بين هذه الأحكام وبين الأحكام الخاصة بشهر التصرفات فى كتاب قائم بذاته يكون عنوانه : فى الإثبات والشهر )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 347 ) .

([12]) وهذا ما سلم به واضعو تقنين المرافعات الجديد ، إذ قالوا فى المذكرة التفسيرية لمشروع التقنين المذكور إن قوانين المرافعات تجمع فى بعض البلاد الأوروبية بين قواعد الإثبات الموضوعية وبين إجراءات الإثبات وأوضاعه لشدة الاتصال بين القواعد وبين الإجراءات فى هذا الشأن . ومع ذلك رؤى أن يقتصر المشروع على الأحاطة بالإجراءات فى الأوضاع وأن تترك القواعد الموضوعية للقانون المدنى . وقد استتبع هذا رفع النصوص الموضوعية الموجودة فى قانون المرافعات الحالى مثل آثار عرض اليمين وحلفها والنكول عنها وعدم التعرض لبيان الأوراق التى تكون حجة حتى يطعن فيها بالتزوير والتى يكفى الإنكار للحيلولة دون الاحتجاج بها ، وترك ذلك كله للقانون المدنى .

       ويأخذ الأستاذ نشأت على واضعى تقنين المرافعات الجديد أنهم بالرغم مما قدموه قد عرضوا إلى بعض القواعد الموضوعية : (( مثلا نصت المادة 156 على أنه يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوى منتجة فيما جائزا قبولها . ونصت المادة 260 على أن المحكمة أن تقدر ما يترتب على الكشط والمحو والتحشير وغير ذلك من العيوب المادية فى الورقة من إسقاط قيمتها فى الاثبات أو إنقاصها ، والمادتان 262 و 284 أعطتا القاضى الحق فى أن يحكم بصحة الورقة التى أنكر توقيعها أو طعن فيها بالتزوير إذا اقتنع بذلك من وقائع الدعوى ومستنداتها أو أن يأمر بالتحقيق . وأجازت المادة 290 للمحكمة أن تحكم برد أية ورقة وببطلانها إذا ظهر لها بجلاء أنها مزورة ولو لم يدع أمامها بالتزوير )) ( الأستاذ نشأت فى الاثبات فقرة 23 ص 25 ) . وهذه الأمثلة التى ساقها الأستاذ نشأت إنما تدل على تعذر فصل القاعدة الموضوعية عن قواعد الإجراءات فى بعض الحالات الخاصة . فما كان باليسير على واضعى تقنين المرافعات الجديد أن يغفلوا ما أوردوه من هذه القواعد الموضوعية ، فهى متصلة اتصالا وثيقاً بما تلتها من قواعد الإجراءات ، هذا إذا استثنينا المادة 156 التى تنص على أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ، منتجة فيها ، جائزا قبولها ، فان المكان الطبيعى لهذا النص هو التقنين المدن .

       كذلك يوجد طريقان للإثبات ـ هما المعاينة والخبرة ـ تغلب فيهما الناحية الإجرائية ، فكان مكانهما اللائق من الناحية العملية هو تقنين المرافعات ( قانون الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرى 29 ) .

([13]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1406 ص 826 ـ بلانيول وريبير بولانجيه 2 فقرة 2157 .

([14]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1408 ص 830 .

([15]) أنظر فى هذا المعنى الستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 24 ـ فقرة 27 ـ ومما يؤكد هذا المعنى ، فى القانون الدولى الخاص ، أن القانون الذى يسرى على القواعد الموضوعية فى الإثبات هو عين القانون الذى يسرى على شكل العقود ، ذلك أن الإثبات ، من ناحية قواعد الإسناد ، هو فى منزلة الشكل ، فيسرى قانون البلد الذى تم فيه العقد أو قانون الموضوع أو قانون موطن المتعاقدين أو قانوهما الوطنى المشترك . وقد نصت المادة 20 من التقنين المدنى الجديد على أن (( العقود ما بين الأحياء تخضع فى شكلها لقانون البلد الذى تمت فيه ، ويجوز أيضاً أن تخضع للقانون الذى يسرى على أحكامها الموضوعية ، كما يجوز أن تخضع لقانون موطن المتعاقدين أو قانونهما الوطنى المشترك )) ( انظر فى هذه المسألة بيدان وبرو 9 فقرة 1156 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1431 ص 860 ـ 862 ) أما الإجراءات الشكلية للإثبات فيسرى عليها قانون القاضى (lex fori) ، وقد نصت المادة 22 من التقنين المدنى على أنه (( يسرى على قواعد فيه الإجراءات ))

       على أنه ، بالرغم من ذلك ، يجب أن يلاحظ أن الحق قد يقوم دون أن يقوم دليله ، بأن يستوجب القانون مثلا أن يكون الدليل كتابة لا توجد أو كتابة لها شكل خاص فتكون باطلة لعدم استيفائها الشكل المطلوب . وعند ذلك يبقى الحق قائما وإن سقط الدليل . وقد يهيأ لصاحب الحق أن يثبت وجوده من طريق آخر . ومن ثم كان للقول بقيام الحق مع سقوط دليله هذا الوجه من ناحية العمل ( انظر فى ذلك بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1408 ص 829 ص 830 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1139 ص 207 ) .

([16]) جوسران 2 فقرة 158 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1140 ص 207 ـ ص 208 ـ والسبب فى أن التقنين المدنى الفرنسى وضع الإثبات فى هذا المكان هو أن واضعى هذا التقنين اقتفوا أثر بوتييه (pothier) ، حتى دون أن يتدبروا أن بوتييه عنى بعبارة (( طرق الوفاء )) (paiements) فى صيغة الجمع إثبات جميع الأسباب التى ينقضى بها الالتزام دون أن يقتصر على الوفاء ( بودرى وبارد 3 فقرة 2053 ـ ما كارديه 5 ص 2ـ لارومبير 5 م 1315 فقرة 7 ت ديمولومب 29 فقرة 181 ـ لوران 19 فقرة 81 ) وكان دوما (domat) فى كتابه (( القوانين المدنية ـ الكتاب الثالث ـ الباب السادس )) مثلا أفضل للاحتذاء من بوتييه ، فإن هذا الفقيه الأخير إنما وضع الإثبات فى المكان الذى وضعه فيه لأنه لم يضع كتاباً فى القانون المدنى جملة واحدة ( بلانيول وريبير وبولانجيه فقرة 2155) .

([17]) الباب السادس من الكتاب الأول فى الالتزامات بوجه عام ، وهذا فى التقنين الجديد .

([18]) وقد جاء فى الموجز فى هذا المعنى ما يأتى : (( فليست نظرية الإثبات إذن مقصورة على الالتزامات التعاقدية كما قد يوهم ذلك موضعها من القانون المدنى الفرنسى . وليست مقصورة على الالتزامات بوجه عام ، تعاقدية كانت أو غير تعاقدية ، كما قد يدل على ذلك مكانها فى القانون المدنى المصرى . بل هى نظرية عامة شاملة ، تتناول العقود ، وتتناول غير العقود من مصادر الالتزامات الأخرى ، وتتناول مصادر الحقوق العينية ، ومصادر روابط الأسرة ن بل هى تجاوز القانون المدنى إلى غيره من القوانين )) ( الموجز فقرة 615 ص 645 ـ ص 646 ) .

([19]) قارن الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 30 ـ فقرة 35 . وهذه العادة وما ألفته الناس هما السبب فى أن التقنين المدنى الجديد قد عادل عن إفراد كتاب خاص للإثبات والشهر . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا اصد ما يأتى : (( على أن مسألة استحسان إفراد كتاب خاص للإثبات والشهر لا تزال جديرة بالنظر والتفكير ، ولا سيما إذا اللاتينية ، وأخصها التقنين الفرنسى والتقنين الإيطالى والتقنين البلجيكى والمشروع الفرنسى الإيطالى ، وعقد للإثبات باباً سادساً فى الكتاب الثانى الخاص بالتعهدات والعقود . ولم ير المشروع أن يشذ عن هذا النهج بعد أن استقر فى تقاليد البلاد . أما الشهر فقد نظم فى أكثر الدول بمقتضى تشريعات خاصة صدرت بعد العمل بالتقنينات المدنية ، ثم أدمجت فى هذه التقنينات فيما بعد عقب الأحكام الخاصة بالحقوق العينية . وقد اختار المشروع هذا الوضع . على أن توزيع أحكام الإثبات وقواعد الشهر على هذا النحو لم يقصد منه إلى قصر نطاق الأولى على الالتزام ووقف الثانية على الحقوق العينية فحسب . فمن المسلم ـ بوجه عام ـ أن تلك الأحكام عامة التطبيق ، تسرى على جميع الوقائع القانوية المبدئة للحقوق ، مالية كانت هذه الحقوق أو عينية أو معنوية ، ومن المسلم كذلك أن هذه القواعد لا تقتصر على الحقوق العينية العقارية ، بل ينبغى أن تتناول كل ما يهم الغير الوقوق عليه من الأوضاع القانونية ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 348 ) .  

([20]) ونوجه النظر منذ الآن إلى أن الذى وضع المشروع الابتدئى فى الإثبات هو الأستاذ استنويت (stenuit) الذى كان قاضياً بالمحاكم المختلطة ( انظر الوسيط جزء أول ص 17 هامش رقم 2 ) وقد وضع هذا المشروع الابتدائى فى اثنتين وخمسين مادة ، وأرفق بهذه النصوص مذكرة إيضاحية تتمشى معها بطبيعة الحال . وقد تناولت لجنة تنقيح القانون المدنى هذه النصوص بالمراجعة والتنقيح حتى حولتها إلى جزء من المشروع التمهيدى للقانون المدنى هذه النصوص بالمراجعة والتنقيح حتى حولتها إلى جزء من المشروع التمهيدى للقانون . ولكن المذكرة الإيضاحية التى وضعها الأستاذ استنويت أدرجت كما هى فى مجموعة الأعمال التحضيرية ، دون مراعاة لما أدخل على النصوص الأولى من تنقيح وتعديل . فأصبحت هذه المذكرة ، فى بعض المواضع ، لا تتمش مع النصوص النهائية . وسننبه إلى كل مسألة فى موضعها .

([21]) أنظر الوسيط جزء أول ص 71 .

([22]) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن القانون الذى كان معمولا به وقت إبرام التصرف هو الذى يسرى على هذا التصرف من حيث شروط صحته ومن حيث شلكه ومن حيث طرق إثباته ( 25 يونية سنة 1913 م 25 ص 471 ) . ويحدد حجية الورقة المكتوبة القانون القائم وقت صدورها ( استئناف مصر 24 فبراير سنة 1930 المحاماة 10 رقم 346 ص 696 ) وقد كانت المادة 19 من المشروع التمهيدى للتقنين المدنى الجديد تنص على أن (( تسرى فى شأن القرائن القانونية النصوص المعمول بها فى الوقت الذى تم فيه العمل أو الحادث الذى تترتب عليه القرينة القانونية )) ولكن هذه المادة حذفت فى لجنة المراجعة لوضوح حكمها ولعدم الحاجة إليها ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 227 ) أما طرق الإثبات التى هى ليست من عمل الطرفين بل يترك أمرها إلى القاضى ، كالاقرار واليمين ، فيسرى عليها القانون الجديد . فلو أن قانوناً جديداً منع اليمين فى حالة معينة ، فمان توجيه اليمين يكون غير جائز فى هذه الحالة حى عن واقعة حدثت قبل نفاذ القانون الجديد ( بيدان وبرو 9 فقرة 1157 ص 229 ) .

       وإذا خفض قانون جديد نصاب البيئة إلى خمسة جنيهات مثلا ، فالتصرفات المبرمة قبل نفاذ هذا القانون الجديد وتزيد على خمسة جنيهات ولا تزيد على العشرة يكفى فى إثباتها البيئة والقرائن , لأن القانون القائم وقت إبرام التصرف كان يجيز ذلك ( ديرانتون 1 فقرة 66 ـ ديمولومب 1 فقرة 54 ـ لوران 1 فقرة 176 . ) أما إذا رفع قانون جديد نصاب البيئة إلى عشرين جنيها مثلا ، فالأصل أن التصرفات المبرمة قبل نفاذ هذا القانون الجديد ، وتزيد على عشرة جنيهات ، لايجوز إثباتها بالبيئة ، وإن كانت لا تزيد على عشرين جنيهاً ، إعمالا للقانون القائم وقت إبرام هذه التصرفات دون نظر لأحكام القانون الجديد ، حتى لا يتأثر مركز الخصمين بهذه الأحكام . وبهذا الرأى يقول كثير من الفقهاء ( ديرانتون 1 فقرة 66 ـ ديمولومب 1 فقرة 54 ـ لوران 1 فقرة 176 ) . ولكن بعض الفقهاء يذهبون غلى جواز الإثبات بالبيئة فى هذه الحالة لأن فتح القانون الجديد لهذا الطريق للاثبات إ،ما كان المقصود منه الكشف عن الحقيقة بطرق أصلح ، ولا يجوز للمدين فى هذا الفرض أن يدعى أنه كسب حقاً فى أن يتخلص من التزامه بسبب عقم طرق الإثبات التى كانت قائمة وقت نشوء هذا الالتزام ( أوبرى ورو 1 طبعة خامسة ص 128 وهامش رقم 66 ـ بودرى وهوك فوركارد 1 فقرة 176 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1157 ص 229 ـ ص 230 . على أن القائلين بهذا الرأى الأخير يقصرونه على الحالة التى نحن بصددها ، ولا يعممونه حتى يتناول الأوراق المكتوبة والقرائن القانونية ، فهذه وتلك يحكمها القانون الذى يكون قائما وقت صدورها أو وقت تمام الحادث الذى ترتبت عليه ( أنظر فى هذا الموضوع جوريس كلاسير المدنى (Juris-classeur Civil) قسم 134 مادة 1316 فقرة 14 ـ فقرة 17 ) .

       أما الوقائع التى لا تتوافر أدلتها وقت نشوئها ـ وهى الوقائع المادية ـ فهذه يسرى عليها القانون الجديد حتى لو كان قد نشأت فى ظل القانون القديم . وكذلك جواز قبول الواقعة فى الإثبات يعتبر من النظام العام فيسرى عليه القانون الجديد ، وقد نصت على هذا الحكم الفقرة الثانية من المشروع التمهيدى للتقنين المدنى ، ولكن هذا النص حذفته لجنة المراجعة تجنبا للتفصيلات ولأن مكانه المناسب هو قانون المرافعات ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 225 ) . انظر فى هذا الموضوع الدكتور عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فى المواد المدنية فقرة 53 ـ فقرة 56 ص 61 ـ ص65 ) .

([23]) وكان النص فى المشروع يجرى على الوجه الآتى : (( تسرى فى شأن الأدلة التى تعد مقدما للنصوص المعمول بها فى الوقت الذى يعد فيه الدليل أو فى الوقت الذى يستطاع أو ينبغى فيه إعداده )) . ولكن لجنة مجلس الشيوخ حذفت عبارة (( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 227 ) .

([24]) وقد كانت الفقرة الأولى من المادة 17 من المشروع التمهيدى للتقنين المدنى تنص على ما يأتى : (( تسرى النصوص المتعلقة بإجراءات الاثبات من وقت العمل بها على جميع الدعاوى القائمة )) . ولكن هذا النص حذف فى لجنة المراجعة لأن مكانه المناسب هو تقنين المرافعات ( انظر المادة الأول من تقنين المرافعات الجديد ).

نقلا عن محامي أردني

انفساخ العقد بحكم القانون

انفساخ العقد بحكم القانون

487 – النصوص القانونية : نصت المادة 159 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضي التزام بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة له وينفسخ العقد من تلقاء نفسه ( [1] ) ” .

ويجب أن يقرا مع هذا النص نصان اخران متصلان به أوثق الاتصال ، هما المادتان 373 و215 .

فالمادة 373 تنص على ما يأتي : ” ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلا عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه ” .

والمادة 215 ، وقد سبق ذكرها ، تنص على ما يأتي : ” إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ، ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه ” .

ونرى من مجموع هذه النصوص أن الالتزام لا ينقضي بسبب استحالة تنفيذه إلا إذا كانت هذه الاستحالة ترجع إلى سبب أجنبي ، وأن العقد لا ينفسخ من تلقاء نفسه بحكم القانون إلا إذا انقضى الالتزام . فالعقد إذن لا ينفسخ إلا إذا استحال تنفيذ الالتزام بسبب أجنبي ، وما لم يثبت المدين هذا السبب الأجنبي بقى ملزماً بالعقد وحكم عليه بالتعويض .

ولم يستحدث القانون الجديد في هذه المسألة شيئاً ، فقد كان هذا هو أيضاً حكم القانون القديم ، إذ نصت المادتان 179 / 242 من هذا القانون على ما يأتي : ” إذا انفسخ التعهد بسبب عدم إمكان الوفاء تنفسخ أيضاً كافة التعهدات المتعلقة به بدون إخلال بما يلزم من التضمينات لمستحقيها في نظير ما حصل عليه غيرهم من المنفعة بغير حق . ولا يترتب على الفسخ إخلال بحقوق الدائنين المرتهنين الحسني النية ” .

ويتبين مما قدمناه أن استحالة تنفيذ الالتزام إذا لم ترجع إلى سبب أجنبي بقى المدين ملتزماً بالعقد . أما إذا رجعت الاستحالة إلى سبب أجنبي ، فإن العقد يفسخ من تلقاء نفسه بحكم لاقانون . وسنتعرض كلا من الحالتين .

488 – استحالة التنفيذ لا ترجع إلى سبب أجنبي : إذا استحال على المدين في العقد الملزم للجانبين تنفيذ التزامه ، ولم يستطيع أن يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، فإن المادة 215 تقضي كما أسلفنا بأن المدين يحكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه . وهذه هي المسئولية العقدية التي فصلنا قواعدها فيما تقدم . فالمدين الذي لم ينفذ التزامه يكون قد ارتكب خطأ عقدياً ، وهو لم يثبت السبب الأجنبي فتبقى علاقة السببية مفروضة ، وبذلك تتحقق مسئوليته العقدية على أساس قيام العقد . ويتبين من ذلك أن العقد لم ينفسخ في هذه الحالة ، بل على النقيض من ذلك قد بقى وتأكد وجوده ، إذا أصبح هو الأساس للمطالبة بالتعويض .

ولكن ذلك لا يمنع من تطبيق قواعد الفسخ القضائي . فالمدائن ، وقد أصبح تنفيذ التزام المدين مستحيلا ، أن يطلب فسخ العقد لعدم وفاء المدين بالتزامه ، بدلا من أن يطلب التعويض على أساس المسئولية التقصيرية . وفي هذه الحالة لا يسع القاضي إلا أن يجيبه إلى طلبه ، إذ لا محل لإمهال المدين لتنفيذ التزامه بعد أن أصبح هذا التنفيذ مستحيلا ، فيحكم بفسخ العقد . والحكم هنا منشئ للفسخ لا مقرر له ، والعقد لم ينفسخ بحكم القانون بل فسخ بحكم القاضي .

489 – استحالة التنفيذ ترجع إلى سبب أجنبي : أما إذا كانت استحالة التنفيذ ترجع إلى سبب أجنبي ، فإن الالتزام ينقضي طبقاً للمادة 373 التي تقدم ذكرها ، وينفسخ العقد من تلقاء نفسه طبقاً للمادة 159 ( [2] ) . والعلة في هذا واضحة ، فقد انقضى التزام المدين لاستحالة تنفيذه بسبب أجنبي ، فلم يعد ثمة محل للمسئولية العقدية ليختار الدائن بينها وبين فسخ لاعقد كما كان يفعل لو أن الاستحالة لا ترجع إلى سبب أجنبي . فلم يبق إلا فسخ العقد . ولذلك نص القانون على أن العقد ينفسخ من تلقاء نفسه ولا محل هنا للاعذار لأن الإعذار لا يتصور إلا إذا كان التنفيذ لا يزال ممكناً ولأن التنفيذ لم يعد ممكناً لا يكون هناك خيار للدائن بين التنفيذ والفسخ – وقد رأينا أن هذا الخيار يثبت للدائن في جميع صور الفسخ القضائي والاتفاقي – ولا يبقى ممكناً إلا فسخ العقد . كذلك لا ضرورة لحكم قضائي بالفسخ ، فالعقد ينفسخ من تلقاءنفسه بحكم القانون كما قررنا . وإذا التجأ الدائن للقضاء فإنما يكون ذلك ليتقرر أن استحالة التنفيذ بسبب أجنبي أمر محقق – فقد يقوم نزاع في ذلك – وأن العقد قد انفسخ ، فالحكم هنا يقرر الفسخ لا ينشئه ، على النحو الذي رأيناه في بعض صور الفسخ الاتفاقي ( [3] ) .

490 – مبدأ تحمل التبعة : فإذا انفسخ العقد بحكم القانون ، كانت التبعة في انقضاء الالتزام الذي استحال تنفيذه واقعة على المدين بهذا الالتزام . فهو لا يد له في استحالة التنفيذ لأن استحالة راجعة إلى سبب أجنبي ، ومع لك لا يستطيع أن يطالب الدائن بتنفيذه الالتزام المقابل . فالخسارة في نهاية الأمر تقع عليه وهو الذي يتحملها . وهذا هو مبدأ تحمل التبعة في العقد الملزم للجانبين .

ويرجع هذا إلى فكرة الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين ، وهي الفكرة التي انبنى عليها انفساخ العقد ( [4] ) . ولو أن العقد كان ملزماً لجانب واحد ، كالوديعة غير المأجورة ، واستحال تنفيذ التزام المودع عنده لسبب أجنبي ، بان هلك الشيء في يده بقوة قاهرة فاستحال عليه رده إلى الودع ، فإن الذي يتحمل التبعة هو الدائن لا المدين . والسبب في ذلك واضح ، إذ الدائن – وهو هنا المودع – ليس في ذمته التزام يتحلل منه في مقابل تحل المدين – وهو هنا المودع عنده – من التزامه . فالدائن هو الذي يتحمل الخسارة في آخر الأمر من جراء استحالة تنفيذ التزام المدين ، وهو الذي يتحمل تبعة هذه الاستحالة .

فيمكن القول إذن بوجه عام إن المدين هو الذي يتحمل التبعة في العقود الملزمة للجانبين ، والدائن هو الذي يتحملها في العقود الملزمة لجانب واحد ( [5] ) .

491 – الأثر الذي يترتب على إنفساخ العقد بحكم القانون : وإذا انفسخ العقد بحكم القانون ، ترتب على إنفساخه من الأثر ما يترتب على فسخه بحكم القاضي أو بحكم الاتفاق كما سبق القول . فيعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العد ( م 160 ) . ولا محل للتعويض لأن المدين قد انقضى التزامه بقوة قاهرة .

وكل ما سبق أن قررناه في هذا الصدد ، فيما عدا التعويض ، من انحلال العقد بأثر رجعي ، ومن أثر الفسخ فيما يبني المتعاقدين وبالنسبة إلى الغير ، ومن انعدام الأثر الرجعي بالنسبة إلى العقود الزمنية ، ينطبق هنا . فلا حاجة إلى التكرار ( [6] ) .

الفرع الثاني

الدفع بعدم تنفيذ العقد ( * )

 ( أو الامتناع المشروع عن الوفاء بالعقد )

 ( Exceptio non adimpleti contractus )

492 – النصوص القانونية : نصت المادة 161 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” في العقود الملزمة للجانبين إذا كانت الالتزامات المتقابلة التزامه إذا لم يقيم المتعاقد الأخر بتنفيذ ما التزم به ( [7] ) ” .

ولم يشتمل القانون المدني القديم على نص مقابل لهذا النص ، ولكن قاعدة الدفع بعدم تنفيذ العقد كانت مسلماً بها في ظله فقهاء وقضاء ، وانطوت نصوصه على تطبيقات تشريعية لها ( مثلا م 274 / 345 و م 279 / 350 و م 331 / 411 ) .

493 – تاريخ القاعدة : وتقوم قاعدة الدفع بعدم تنفيذ العقد على الاعتبار الآتي : إذا كان للدائن في العقد الملزم للجانبين أن يطلب فسخ العقد إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه ، فيتحلل الدائن بذلك من تنفيذ ما ترتب في ذمته من التزامه ، فله من باب أولى ، بدلا من أن يتحلل من تنفيذ التزامه ، أن يقتصر على وقف تنفيذه حتى ينفذ المدين التزامه . والفكرة التي بنى عليها الدفع بعدم التنفيذ هي عين الفكرة التي بنى عليها فسخ العقد : الارتباط فيما بين الالتزامات المتقابلة في العقد الملزم للجانبين ، مما يجعل التنفيذ من جهة مقابلا للتنفيذ من جهة أخرى ( [8] ) .

ولم يكن المبدأ معروفاً في القانون الروماني على النحو الذي عرف به فيما بعد . وإنما كان الرومان يقتصرون على إعطاء المدين الذي يطالبه الدائن بتنفيذ التزامه ، دون أن يقوم هو بما في ذمته من التزام بمقتضى عقد ملزم للجانبين ، دفعا بالغش ( exception de dol ) . ولم يكن لهذا الدفع قوام ذاتي نب ل كان هو الدفع بالغش المعروف في كل العقود المبنية على حسن النية . فلم يكن له اسم خاص ، ولم يطلق عليه اسم الدفع بعدم تنفيذ العقد ( exception non adimpleti contractus ) إلا في القانون الفرنسي القديم . فالاصطلاح لم يكن إذن رومانياً وإن كان لاتينياً . وقد وضعه المتأخرون من شراح القانون الروماني ( Postglossateurs ) في العصور الوسطى بعد أن صاغوا القاعدة ونسبوها إلى القانون الروماني ( [9] ) .

ولم يضع القانون المدني الفرنسي نصاً عاماً يقرر به القاعدة ، بل اقتصر على تطبيقات متفرقة للمبدأ . ونهج القانون المدني المصري القديم على منواله كما قدمنا .

أما التقنينات الحديثة فقد صاغت المبدأ في نص عام . فعل ذلك القانون الألماني ( م 320 ) ، وقانون الالتزامات السويسري ( م 82 ) ، والمشروع الفرنسي الإيطالي ( م 48 ) وسار القانون المدني المصري الجديد على نهج التقنينات الحديثة فأورد النص الذي قدمناه . كما صاغ نظرية الحبس في نصوص عامة ستبحث في مكانها ( [10] ) .

ونفصل قواعد الدفع بعدم تنفيذ العقد متبعين الخطة التي اتبعناها عند الكلام في الفسخ القضائي فنبحث : ( 1 ) متى يمكن التمسك بالدفع . ( 2 ) كيف يكون التمسك به . ( 3 ) ما يترتب على التمسك به من أثر .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 220 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة له ، وينفسخ العقد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائي ، مع عدم الإخلال بالتعويضات إن كان لها مقتض ” . وحذفت لجنة المراقبة عبارة ” من عدم الإخلال بالتعويضات إن كان لها مقتض ” ، وأصبح رقم المادة 163 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على النص . في لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ نوقشت عبارة ” دون حاجة إلى حكم قضائي ” فقيل في الدفاع عن بقائها إنها عبارة بيانية لأن الأصل في الفسخ أن يصدر به حكم من القضاء ، فإذا كان متفقاً عليه في العقد وقع من وقت تحقق سببه ، وإذا رفع الأمر إلى القضاء اقتصر على التحقق من قيام هذا السبب دون أن يملك حرية التقدير . ولكن اللجنة حذفت هذه العبارة ” لأنها تريد قد يوحى بتقييد حق الترافع إلى القضاء وهذا حق لم يقصد النص إلى حرمان أحد العاقدين منه ، وكل ما قصد إليه أن الفسخ يعتبر واقعاً بمجرد انقضاء الالتزام المقابل بسبب استحالة التنفيذ ” . وأصبح رقم المادة 159 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما عدلتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 324 – ص 326 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” يبقى بعد ذلك أمر الفسخ القانوني وهو يقع عند انقضاء الالتزام على اثر استحالة تنفيذه . فانقضاء هذا الالتزام يستتبع انقضاء الالتزام المقابل له لتخلف سببه ، ولهذه العلة ينفسخ العقد من تلقاء نفسه أو بحكم القانون بغير حاجة إلى التقاضي بل وبغير إعذار ، متى وضحت استحالة التنفيذ وضوحاً كافياً . على أن الترافع إلى القضاء قد يكون ضرورياً عند منازعة الدائن أو المدين في وقوع الفسخ . بيد أن موقف القاضي في هذه الحالة يقتصر على الاستيثاق من أن التنفيذ قد أصبح مستحيلا ، فإذا تحقق من ذلك يثبت وقوع الفسخ بحكم القانون ، ثم يقضي بالتعويض أو يرفض القضاء به ، تبعاً لما إذا كانت هذه الاستحالة راجعة إلى خطأ المدين أو تقصيره أو إلى سبب أجنبي لا يد له فيه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 328 ) – هذا ويلاحظ أن العبارة الأخيرة من المذكرة الإيضاحية التي وضعنا تحتها خطاً غير صحيحة ، لأنها تفترض أن الاستحالة التي ينفسخ بها العقد قد تكون راجعة إلى خطأ المدين ، والصحيح أن الاستحالة لا ينفسخ بها العقد من تلقاء نفسه إلا إذا كانت راجعة إلى سبب أجنبي .

 ( [2] ) قارن نظرية العقد للمؤلف فقرة 640 والهامش رقم 1 من ص 685 .

 ( [3] ) هذا وقد تكون استحالة تنفيذ الالتزام قائمة قبل نشوئه أو تكون قد جدت بعد ذلك ، فإن كانت قائمة قبل نشوئه وكانت استحالة مطلقة ، كان العقد باطلا لاستحالة المحل . أما إذا كانت الاستحالة نسبية ، سواء كانت قائمة قبل نشوء الالتزام أو جدت بعده ، وكذلك إذا كانت مطلقة ولكنها لم توجد إلا بعد نشوء الالتزام ، فإن العقد ينشأ صحيحاً ثم ينفسخ .

والمارد بالالتزام الذي استحال تنفيذه هو الالتزام الأساسي الناشيء من العقد ، دون الالتزام الثانوي أو التبعي . فالتزام البائع الأساسي هو نقل الملكية والتسليم ، والتزام المشتري الأساسي هو دفع الثمن . كذلك يعتبر التزاما أساسياً في عقد الإيجار التزام المؤجر بتسليم العين والتزامه بتمكين المستأجر من الانتفاع ، والتزام المستأجر بدفع الأجرة والتزامه بالمحافظة على العين .

 ( [4] ) أنظر في هذا المعنى رسالة الدكتور محمد زكي عبد البر في نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي القاهرة سنة 1950 فقرة 26 .

 ( [5] ) أنظر في الموضوع رسالة الدكتور محمد زكي عبد البر التي سبقت الإشارة إليها – والقانون الفرنسي يجعل التبعة في عقد البيع على الدائن لا على الدين ، فإذا هلك المبيع قبل تسليمه هلك على المشتري لا على البائع ، فالهلاك يكون إذن على المالك ( res perit domino ) أنظر م 1624 من القانون المدني الفرنسي ) . وكذلك فعل في عقد المقايضة ( م 1707 ) . ولكنه عدل عن هذا الحكم ، وجعل الهلاك على المدين ، إذا كان في العقد شرط واقف وهلك الشيء قبل تحقق الشرط . كذلك جعل تبعة الهلاك في عقد الشركة على المدين ( م 1867 فقرة أولى ) – والقانون المصري القديم كان في مثل هذا الاضطراب ، فهو في البيع يجعل تبعة الهلاك على المدين طبقاً للقاعدة العامة التي قدمناها في تحمل التبعة ( م 297 / 371 ) ، وكذلك يجعل التبعة على المدين في العقد المعلق على شرط واقف تمشياً مع هذه القاعدة العامة ( م 106 / 160 ) . ولكنه من جهة أخرى يجعل التبعة على الدائن في بيع المقدرات ( م 241 / 307 ) وفي عقد الشركة ( م 424 / 516 ) – أنظر في هذه المسألة نظرية العقد للمؤلف فقرة 660 .

وقد تجنب القانون المصري الجديد هذا الاضطراب ، وجعل القاعدة العامة التي تقضي بأن التبعة على المدين في العقد الملزم للجانبين قاعدة مضطردة . فطبقها في البيع ، سواء كان بيع عين معينة أو بيع مقدرات ( م 437 ) ، وطبقها في عقد الشركة ( م 511 ) ، وطبقها في العقد المعلق على شرط واقف ، بل إنه أنكر على الشرط أثره الرجعي إذا أصبح تنفيذ الالتزام قبل تحقق الشرط مستحيلا لسبب أجنبي ( م 270 فقرة 2 ) وطبقها في العقود غير المناقلة للملكية ، كالإيجار ( م 569 ) والمقاولة ( م 664 – 665 ) .

 ( [6] ) أنظر في الأثر الذي يترتب على إنفساخ العقد الزمني رسالة الدكتور عبد لاحي حجازي في عقد المدة ص 160 – ص 162 .

 ( [7] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 222 من المادة 222 من المشروع التمهيدي على النحو الآتي : ” 1 – في العقود الملزمة للجانبين يجوز لكل من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا يقم المتعاقد الآخر تنفيذ ما التزم به ، إلا إذا اختلف ميعاد الوفاء لكل من الالتزامين – 2 – على أنه لا يجوز للمتعاقد أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا كان ما لم ينفذ من الالتزام المقابل ضئيلا بحيث يكون امتناعه عن التنفيذ غير متفق مع ما يجب توفره من حسن النية ” وفي لجنة المراجعة حذف الفقرة الثانية لأنها تطبيق لنظرية التعسف في استعمال الحق ، وأدخلت تعديلات لفظية على الفقرة الأولى بحيث أصبحت مطابقة للنص الوارد في القانون الجديد ، وأصبح رقم المادة 165 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على النص ، كما وافقت عليه لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم المادة 161 ، ووافق عليه مجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 330 – ص 335 ) .

 ( [8] ) ويقول الفرنسيون تعبيراً عن هذا المعنى : ” التنفيذ مثلا بمثل ” ( execution trait pour trait ) . ويترجمون بذلك عن تعبير ألماني مشهور ( Erfullun Zug um Zug ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” فمن الأصول التي يقوم عليها نظام العقود الملزمة للجانبين ارتباط تنفيذ الالتزامات المتقابلة فيها على وجه التبادل أو القصاص . فإذا استحق الوفاء بهذه الالتزامات فلا يجوز تفريعاً على ما تقدم أن يجبر أحد المتعاقدين على تنفيذ ما التزم به قبل قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ الالتزام المقابل . وعلى هذا الأساس يتعين أن تنفيذ الالتزامات المتقابلة في وقت واحد . وتجوز الاستعانة بإجراءات العرض الحقيقي لمعرفة المتخلف عن الوفاء من المتعاقدين ، فلكل من المتعاقدين إزاء ذلك أن يحتبس ما يجب أن يوفي به حتى يؤدي إليه ما هو مستحق له ، وهو باعتصامه بهذا الحق أو الدفع إنما يوقف أحكام العقد لا أكثر . فالعقد لا يفسخ في هذه الصورة ، ولا تنقضي الالتزامات الناشئة عنه على وجه الإطلاق ، بل يقتصر الأمر على وقف تنفيذه . وهذا هو الفارق الجوهري بين الفسخ والدفع بعدم تنفيذ العقد ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 333 ) .

 ( [9] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 666 .

 ( [10] ) أنظر في الدفع بعدم تنفيذ العقد في الفقه الإسلامي رسالة الدكتور صلاح الدين الناهي في الامتناع المشروع عن الوفاء ص 306 وما بعدها

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

نقلا عن محامي أردني

الفسخ بحكم الاتفاق

الفسخ بحكم الاتفاق

480 – النصوص القانونية : نصت المادة 158 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه ، وهذا الاتفاق لا يعفي من الأعذار ، إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه ( [1] ) ” . ولا يقابل هذا النص في القانون القديم إلا نص ورد في عقد البيع ، هو المادتان 334 / 416 ، جرتا على النحو الآتي :

 ” إذا اشترط فسخ البيع عند عدم دفع الثمن ، فليس للمحكمة في هذه الحالة أن تعطي ميعاداً للمشتري ، بل ينفسخ البيع إذا لم يدفع المشتري الثمن بعد التنبيه عليه بذلك تنبيهاً رسمياً ، إلا إذا اشترط في العقد أن البيع يكون مفسوخاً بدون احتياج إلى التنبيه الرسمي “

ولم يستحدث القانون الجديد في هذا الصدد شيئاً إلا أنه عمم القاعدة التي وردت في عقد البيع ، وهذا ما كان القضاء المصري يجري عليه من قبل دون حاجة إلى نص .

481 – متى يكون الاتفاق على الفسخ – التدرج في هذا الاتفاق : قد يتفق المتعاقدان على فسخ العقد عند إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه . فإذا تم هذا الاتفاق بعد أن يخل المتعاقد بالتزامه فعلا – ويقع ذلك غالباً في ثنايا إجراءات التقاضي بأن يرفع الدائن دعوى الفسخ فيعلنه المدين بقبول الفسخ قبل صدور حكم في الدعوى – كان هذا بمثابة تقايل ذى اثر رجعي ( [2] ) . ويحل الاتفاق في هذه الحالة محل الحكم وله أثره ، ما لم يكن هناك تواطؤ بين المتعاقدين للإضرار بحقوق الغير ( [3] ) . ولكن الغالب في العمل أن المتعاقدين يتفقان على الفسخ مقدماً وقت صدور العقد .

وقد اظهر العمل أن المتعاقدين يتدرجان في اشتراط الفسخ وقت صدور العقد . فأدنى مراتب هذا الشرط هو الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته ، وقد يزيدان في قوة هذا الشرط بأن يتفقا على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه . بل قد يتدرجان في القوة إلى حد الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم . ثم قد يصلان إلى الذروة فيتفقان على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم . ثم قد يصلان إلى الذروة فيتفقان على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إنذار أو دون حاجة إلى إنذار .

ونبحث الآن في حكم كل شرط من هذه الشروط ، مستهدين في ذلك بما جرى عليه القضاء في عهد القانون القديم ، إذ لم يغير القانون الجديد من ذلك شيئاً كما قدمنا .

482 – الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً : حكم هذا الشرط يتوقف على نية المتعاقدين . فقد يكونان أرادا به تحتيم الفسخ إذا اخل المدين بالتزامه ، فيتحتم على القاضي في هذه الحالة أن يحكم بالفسخ . ولكن هذا لا يغني عن رفع الدعوى بالفسخ ولا عن الإعذار ( [4] ) .

إلا أنه من الصعب استخلاص نية كهذه من مجرد ورود شرط على هذا النحو . والغالب أن المتعاقدين لا يريدان بمثل هذا الشرط إلا أن يقررا في ألفاظ صريحة القاعدة العامة المتعلقة بالفسخ لعدم التنفيذ . وعلى ذلك لا يغني الشرط عن الإعذار ، ولا عن الالتجاء للقضاء للحصول على حكم بالفسخ ، ولا يسلب القاضي سلطته التقديرية ، فلا يتحتم عليه الحكم بالفسخ ، وله أن يعطي للمدين مهلة لتنفيذ التزامه إذا وجد من الظروف ما يبرر ذلك . بل هو لا يسلب المدين حقه من توقى الفسخ بدفع الثمن إلى أن يصدر الحكم النهائي بالفسخ . وهذا هو ما قررته محكمة النقض في أحكامها الأخيرة . فقد قضت بان شرط الفسخ لا يعتبر صريحاً في معنى المادة 334 من القانون المدني ( القديم ) إلا إذا كان يفيد انفساخ عقد البيع من تلقاء نفسه . أما إذا تعهد المشتري بأداء باقي ثمن المبيع في ميعاد عينه ، فإن لم يؤده في هذا الميعاد كان للبائع الحق في فسخ البعي ولو كان قد سجل ، فهذا ليس إلا ترديداً للشرط الفاسخ الضمني المنصوص عليه في المادة 332 من القانون المدني ( القديم ) ( [5] ) .

ويفسر هذا الشرط في اغلب الأحوال على أنه يسلب القاضي سلطته التقديرية ، فلا يستطيع إعطاء مهلة للمدين لتنفيذ التزامه ، ولا يملك إلا الحكم بلا فسخ . فيصبح الحكم بالفسخ محتماً كالحكم بالإبطال . ولكن الشرط لا يغني عن إعذار المدين ، ولا عن رفع الدعوى بالفسخ . ويكون الحكم منشئاً للفسخ لا مقرراً له ، كما هو الأمر في القاعدة العامة للفسخ .

ولا تعارض في هذه الحالة بين إعذار الدائن المدين وتكليفه بالتنفيذ ، وبين المطالبة بفسخ العقد بعد ذلك . فإن الإعذار لا يعتبر تنازلا عن المطالبة بفسخ العقد ، بل هو شرط واجب لرفع دعوى الفسخ . وهذا هو ما قررته محكمة النقض ، إذ قضت ” بأن المادة 334 من القانون المدني ( القديم ) تقتضي أنه إذا اشترط فسخ البيع من تلقاء نفسه عند عدم دفع الثمن ، كان على القاضي إيقاع الفسخ على المشتري إذا لم يدفع الثمن بعد إعذاره بإنذار ، ما لم يعف البائع بمقتضى العقد من هذا الإعذار . ومفهوم هذا بلا شبهة أن البائع يجب عليه إذا اختار الفسخ أن يعذر المشتري بإنذاره أي يكلفه الوفاء ، فإذا لم يدفع كان البائع في حل من إعمال خيراه في الفسخ . وإذن فباطل زعم المشتري أن الإنذار الموجه إليه من البائع بوفاء التزاماته في مدى أسبوع وإلا عد العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه يجب اعتباره تنازلا من البائع عن خيار الفسخ ، فإن ذلك الإنذار واجب قانوناً لاستعمال الشرط الفاسخ الصريح ( [6] ) ” .

484 – الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم : وهذا الشرط معناه أن فسخ العقد يقع من تلقاء نفسه إذا اخل المدين بالتزامه . فلا حاجة لرفع دعوى بالفسخ ولا لحكم ينشيء فسخ العقد . وإنما ترفع الدعوى إذا نازع المدين في أعمال الشرط وادعى أنه قام بتنفيذ التزامه . فيقتصر القاضي في هذه الحالة على التحقق من أن المدين لم ينفذ التزامه . فإذا تحقق من ذلك حكم بالفسخ ، ولكن حكمه يكون مقرراً للفسخ لا منشئاً له .

ولا يعفى الشرط من إعذار المدين . فإذا أراد الدائن إعمال الشرط ، وجب عليه تكليف المدين بالوفاءز فإذا لم يقم المدين بتنفذ التزامه بعد هذا الإعذار ، انفسخ العقد من تلقاء نفسه على النحو الذي بيناه فيما تقدم .

على أنه لا شيء يمنع الدائن من مطالبة المدين بتنفيذ العقد بدلا من فسخه ، فإن الفسخ لا يقع من تلقاء نفسه إلا إذا أراد الدائن ذلك ، ويبقى هذا بالخيار بين الفسخ والتنفيذ .

وتطبيقاً لما تقدم قضت محكمة مصر الكلية الوطنية بأن ” الاتفاق في عقد الإيجار علىان يفسخه تأخر المستأجر في دفع الأجرة ليس تعليقا للعقد على شرط فاسخ بكل معناه ، فإن النتيجة اللازمة لهذا التعليق هي أن يقع الفسخ بقوة القانون بمجرد التأخر في سداد الأجرة بغير خيار للدائن ، وقد يرغب الاستمرار في تنفذ العقد عيناً رغم التأخر في السداد ، وبذلك يكون فسخ العقد خاضعاً لمطل المستأجر ورغبته . إنما هو اتفاق مقصود به تحسين مركز المؤجر وتقوية ضمانه قبل المستأجر . فالفسخ هو حق له ، يجوز أن يتمسك به أو يتنازل عنه . وبذلك لا يقع الفسخ إلا إذا اختاره بالتنبيه على المستأجر بذلك ، إلا إذا اتفق على إعفائه من هذا التنبيه بنص صريح في العقد . وهذه الفكرة هي رجوع عن قاعدة الفسخ القضائي ، وهي قاعدة القانون الفرنسي المعروفة ، إلى قاعدة التشريع الألماني الذي يعلق فسخ العقد لا على قضاء القاضي ، بل على خيار الدائن وإعلان هذا الخيار للمدين ( [7] ) ” .

485 – الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إنذار : وهذا هو أقصى ما يصل إليه اشتراط الفسخ من قوة . وفي هذه الحالة يكون العقد مفسوخاً بمجرد حلول ميعاد التنفيذ وعدم قيام المدين به دون حاجة إلى إعذار المدين ، ولا إلى حكم بالفسخ إلا ليقرر أعمال الشرط على النحو الذي بيناه فيما تقدم ، ويكون الحكم إذن مقرراً للفسخ لا منشئاً له ( [8] ) . وهذا هو الحكم أيضاً فيما إذا اتفق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى إنذار . والاتفاق على الإعفاء من شرط الإعذار يجب أن يكون صريحاً ، كما يقضي نص المادة 158 ، فلا يجوز أن يستخلص ضمناً من عبارات العقد لما ينطوي عليه من خطورة بالنسبة إلى المدين .

ويلاحظ هنا أيضاً أن الشرط لا يمنع الدائن من طلب تنفيذ العقد دون فسخه ، وإلا كان تحت رحمة المدين ، إذا شاء هذا جعل العقد مفسوخاً بامتناعه عن تنفيذ التزامه . ويترتب على ذلك أن العقد لا يعتبر مفسوخاً إلا إذا اظهر الدائن رغبته في ذلك ، ولا يقبل من المدين التمسك بالفسخ إذا كان الدائن لم يتمسك به ( [9] ) .

ومن ثم نرى أن هذا الشرط هو وسط بين الفسخ القضائي والانفساخ بحكم القانون . فهو أعلى من الفسخ القضائي – وكذلك أعلى من اشتراط أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه – في أن الحكم بالفسخ فيه ، إذا قامت حاجة لصدوره ، يكون مقرراً للفسخ لا منشئاً له . وهو أدنى من الانفساخ بحكم القانون في أن العقد لا ينفسخ فيه إلا إذا اظهر الدائن رغبته في ذلك .

وهذه المبادئ قررتها محكمة لانقض . فقد قضت بأنه ” إذا كان العقد مشروطاً فيه أنه إذا خالف المستأجر أي شرط من شروطه ، فللمؤجر اعتبار العقد مفسوخاً بمجرد حصول هذه المخالفة بدون احتياج إلى تنبيه رسمي أو تكليف بالوفاء ، وله الحق في تسلم العين المؤجرة بحكم يصدر من قاضي الأمور المستعجلة ، فهذا شرط فاسخ صريح يسلب القاضي كل سلطة تقديرية في صدد الفسخ . ولا يبقى له في اعتبار الفسخ حاصلا فعلا إلا أن يتحقق من حصول المخالفة التي يترتب عليها . ولا يؤثر في مدلول هذا الشرط واثره القانونين أن يكون التمسك به من حق المؤجر وحده ، لأنه في الواقع موضوع لمصلحته هو دون المستأجر . والقول بأن نية المؤجر قد انصرفت عن الفسخ باقتصاره على طلب الأجرة في دعوى سابقة هو قول مردود ، لأن التنازل الضمني عن الحق لا يثبت بطريق الاستنتاج إلا من أفعال لا يشك في أنه قصد بها التنازل عنه . وليس في المطالب بالأجرة ما يدل على ذلك ، إذ لا تعارض بين التمسك بحق الفسخ والمطالبة بالأجرة التي يترتب الفسخ على التأخر في دفعها ( [10] ) ” .

486 – ما يترتب على الفسخ الاتفاقي من اثر : ذكرنا فيما تقدم أن نص المادة 160 هو نص عام يبين ما يترتب على الفسخ من اثر ، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو باتفاق المتعاقدين أو بمقتضى القانون .

فإذا فسخ العقد بحكم الاتفاق ، في أية صورة من الصور التي تقدم ذكرها ، سواء كان الفسخ بحكم منشيء أو بحكم مقرر أو بغير حكم أصلاً ، أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بتعويض ( م 160 ) .

وينحل العقد باثر رجعي ، سواء فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير ، وذلك فيما عدا العقود الزمنية ، كل هذا على التفصيل الذي تقدم بيانه عند الكلام في اثر الفسخ بحكم القاضي .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 219 من المشروع التمهيدي على وجه يكاد يكون مطابقاً لولا بعض خلاف لفظي . وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم المادة 162 من المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ بتعديل لفظي جعله مطابقاً للنص الوارد في القانون الجديد ، تحت رقم المادة 158 ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 322 – ص 323 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أما الفسخ الاتفاقي فيفترض اتفاق المتعاقدين على وقوع الفسخ بحكم القانون دون حاجة إلى حكم قضائي عند التخلف عن الوفاء . ويفضي مثل هذا الاتفاق إلى حرمان العاقد من ضمانتين : ( ا ) فالعقد يفسخ حتما دون أن يكون لهذا العاقد ، بل ولا للقاضي ، خيار بين الفسخ والتنفيذ . ( ب ) ويقع الفسخ بحكم الاتفاق دون حاجة للتقاضي . على أن ذلك لا يقيل المدين من ضرورة الترافع إلى القضاء عند منازعة المدين في واقعة تنفيذ العقد . بيد أن مهمة القاضي تقتصر ، في هذه الحالة ، على التثبت من هذه الواقعة ، فإذا تحققت لديه صحتها أبقى على العقد ، وإلا قضى بالفسخ . على أن حرمان المدين من هاتين الضمانتين لا يسقط عنه ضمانة أخرى ، تتمثل في ضرورة الإعذار ، ما لم يتفق المتعاقدان صراحة على عدم لزوم هذا الإجراء أيضاً ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 328 ) .

 ( [2] ) استئناف مختلط في 13 نوفمبر سنة 1913 م 26 ص 23 .

 ( [3] ) استئناف مختلط في 18 يناير سنة 1919 م 31 ص 126 – وهذه هي الدعوى البوليصية . أما إذا كسب الغير حقا عينيا قبل تسجيل دعوى الفسخ وكان حسن لانية ، فإن حقه يبقى نافذا قبل الدائن بالرغم من الفسخ حتى لو لم يكن هناك تواطؤ ، وقد تقدم بيان ذلك .

 ( [4] ) محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية في 16 مايو سنة 1925 المجموعة الرسمية 27 رقم 29 – محكمة مصرالكلية الوطنية في 9 فبراير سنة 1929 المجموعة الرسمية 30 رقم 58 – استئناف مختلط في 23 ابريل سنة 1924 م 36 ص 333 – وفي 27 يناير سنة 1931 جازيت 22 رقم 265 ص 931 – وقارن استئناف مختلط في 5 يناير سنة 1926 م 38 ص 159 .

 ( [5] ) نقض مدني في 17 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 25 ص 58 – وقضت محكمة النقض أيضاً بان الشرط الفاسخ لا يقتضي الفسخ حتما بمجرد حصول الإخلال بالالتزام إلا إذا كانت صيغته صريحة دالة على وجوب الفسخ حتما عند تحققه . ولما كانت عبارة الشرط الواردة في نهاية عقد الصلح ، ونصها ” إذا اخلت المشتريه بشروط هذه الصلح أو أحدها فيكون البيع لاغياً ” لا تفيد المعنى الذي يضهب إليه الطاعنان ، بل ما هي إلا ترديد للشرط الفاسخ الضمني المقرر بحكم لاقانون في العقود الملزمةلجانبين ( نقض مدني في 12 يناير سنة 1950 طعن رقم 82 سنة 18 قضائية لم ينشر – أنظر أيضاً محكمة الاستئناف الوطنية في 23 يناير سنة 1900 المجموعة 1 ص 83 – وفي 12 فبراير سنة 1928 المجموعة الرسمية 29 رقم 126 / 1 – استئناف مختلط في 17 مايو سنة 1900 م 12 ص 262 ) .

 ( [6] ) نقض مدني في 23 ديسمبر سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 356 ص 688 – أنظر أيضاً محكمة استئناف مصر الوطنية في 12 فبراير سنة 1928 المجموعة الرسمية 29 رقم 126 / 1 – وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم – و استئناف مختلط في 28 يناير سنة 1891 م 3 ص 165 – وفي 6 يونية سنة 1901 م 13 ص 362 – وفي 20 نوفمبر سنة 1902 م 15 ص 11 .

 ( [7] ) محكمة مصر الكلية الوطنية في 30 يولية سنة 1932 المحاماة 13 رقم 95 ص 216 – أنظر أيضاً محكمة أسيوط الكلية في 15 فبراير سنة 1928 المحاماة 9 رقم 420 ص 669 – استئناف مختلط في 12 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 100 – وفي 20 نوفمبر سنة 1930 جازيت 22 رقم 241 ص 209 – وفي 20 مارس سنة 1935 م 47 ص 211 – وفي 18 مايو سنة 1937 م 49 ص 226 .

وقضت محكمة مصر الكلية الوطنية أيضاً بأن ” الحالة الوحيدة التي يجوز للطرفين فيها الاتفاق على اختصاص قاضي الأمور المستعجلة بإخلاء المستأجر عند تأخره في أداء الأجرة هي التي ينص فيها على أن هذا التأخر يفسخ العقد بغير حاجة لاستصدار حكم بذلك ، فبهذا النص يقع الفسخ بمجرد التأخر في سداد الأجرة ” ( المحاماة 13 رقم 300 ص 587 ) .

 ( [8] ) ولكن للمحكمة الرقابة التامة للتحقق من انطباق شرط الفسخ ووجوب أعماله . وقد استعملت محكمة الاستئناف المختلطة حق الرقابة هذا في قضية اشترط فيها الدائن أنه إذا امتنع المصرف من صرف ” الشيك ” المحول إليه ، كان العقد مفسوخاً حتما من تلقاء نفسه دون إنذار ، فامتنع المصرف من صرف ” الشيك ” لبعض إجراءات شكلية ، وقد ثبت أن مقابل الوفاء موجود في المصرف وأن المدين عرض على الدائن أن يدفع له قيمة ” الشيك ” أو أن يعطيه ” شيك آخر ” ، فرفض الدائن وابى إلا اعتبار العقد مفسوخاً . وقد قضت المحكمة بأن الدائن متعنت في تقديره ، ,أن العقد لم يفسخ بل لا يزال قائماً ( 23 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 94 ) – وفي قضية أخرى اتفق الطرفان على مد الأجل بطريقة من شأنها أن تجعل الالتزام يتجدد ، فقضت المحكمة بأن هذا التجديد يبطل اثر شرط الفسخ الذي كان موجوداً في العقد الأول ، ولا يجوز لدائن التمسك به بعد أن تم التجديد ( استئناف مختلط في 20 نوفمبر سنة 1902 م 15 ص 11 ) – وفي قضية ثالثة قضت المحكمة بأنه إذا اشترط سقوط الأجل دون حاجة إلى حكم أو إنذار عند تأخر المدين في دفع قسط ، وقبل الدائن مع ذلك قبض أقساط تأخر فيها المدين عن الميعاد ، ثم تمسك فجأة بحقه في الفسخ عندما تأخر المدين عن ميعاد قسط ، فإن تساهله السابق يحمل على أنه غير متمسك بالشرط ، ولا يجوز له اعتبار العقد مفسوخاً ( استئناف مختلط في 28 مايو سنة 1942 م 54 ص 211 ) .

 ( [9] ) قارن في هذا الصدد ما قضت به محكمة استئناف مصر الوطنية من أنه ” إذا نص في عقد بيع أنه إذا تأخر المشتري عن دفع مبلغ كذا يعتبرعقد البيع لاغياً بدون حاجة إلى إنذار أو حكم قضائي ويصبح المبلغ المدفوع حقاً مكتسباً للبائع لا يرد بحال من الأحوال ، كان للمشتري الاستفادة من هذا النص واعتبار البيع لاغيا مثل ما للبائع سواء بسواء ( 27 نوفمبر سنة 1927 المحاماة 4 رقم 270 ص 329 ) . ولكن يلاحظ في هذه القضية أن المشتري قد دفع عربوناً للبائع ، فيحق له الرجوع في البيع ويصبح العربون حقاً مكتسباً للبائع .

 ( [10] ) نقض مدني في 18 يناير سنة 1945 مجموعة عمر رقم 192 ص 540 – أنظر أيضاً استئناف مصر الوطنية في 12 يناير سنة 1946 المحاماة 30 رقم 156 ص 163 – استئناف مختلط في 12 ابريل سنة 1877 المجموعة الرسمية للقضاء المختلط 2 ص 260 – وفي 13 مايو سنة 1886 بوريللي م 177 – وفي 6 يونية سنة 1901 م 13 ص 362 – وفي 20 نوفمبر سنة 1902 م 15 ص 10 – وفي 25 فبراير سنة 1904 م 16 ص 146 – وفي 20 مارس سنة 1913 م 25 ص 250 – وفي 27 نوفمبر سنة 1919 جازيت 10 رقم 17 ص 20 – وفي 3 ديسمبر سنة 1925 م 38 ص 81 – وفي 20 مارس سنة 1935 م 47 ص 211 – وفي 29 يناير سنة 1936 م 48 ص 92 .

وقضت محكمة النقض أيضاً في هذا المعنى بأنه ” متى كان الطرفان قد اتفقا في عقد البيع على أن يقع الفسخ في حالة تأخر المشتري عن دفع باقي الثمن في الميعاد المتفق عليه بدون حاجة إلى تنبيه رسمي أو غير رسمي ، فإن العقد ينفسخ بمجرد التأخير عملا بالمادة 334 مدني ( قديم ) . ولا يلزم إذن أن يصدر بالفسخ حكم مستقل بناء على دعوى من البائع ، بل يجوز لمحكمة أن تقرر أنه حصل بالفعل بناء على دفع البائع أثناء نظر الدعوى المرفوعة من المشتري . ومتى وقع الفسخ بمقتضى شرط العقد فإن إيداع الثمن ليس من شأنه أن يعيد العقد بعد انفساخه ” ( نقض مدني في 13 مايو سنة 1934 مجموعة عمر 4 رقم 60 ص 157 ) .

هذا وليس من الضروري أن يوضع الشرط الذي نحن بصدده في الصيغة المتقدم ذكرها . بل إن أية صيغة تدل على هذا المعنى كافية ، ومن ذلك ما قضت به محكمة لانقض من أنه ” إذا كان العقد المحرر بين مدين ودائنه ( بنك التسليف ) ينص على أن المدين تعهد بأن يسدد إلى البنك مطلوبه على أقساط وبأن يقدم له عقاراً بصفة رهن تأميناً للسداد ، وعلى أن البنك تعهد من جانبه برفع الحجزين السابق توقيعهما منه على منقولات المدين وعقاراته متى تبين بعد حصول الرهن وقيده واستخراج الشهادات العقارية عدم وجود أي حق عيني مقدم عليه ، ثم فسرت المحكمة ذلك بأن قبول البنك تقسيط الدين متوقف على قيام المدين بتقديم التأمين العقاري بحيث إذا لم يقدم هذا التأمين بشروطه المنصوص عليها في العقد كان لابنك في حل من قبول التقسيط ، وتعرفت نية المدين في عقد تقديمه التأمين من خطاب صادر منه ، وبناء على ذلك قضت بعدم ارتباط البنك بالتقسيط وبأحقيته في الاستمرار في التنفيذ بدينه على المنقولات والعقارات دون أن يكون ملزماً بتكليف المدين رسمياً بالوفاء ، فإن هذا الحكم لا يكون قد خالف القانون في شيء ” ( نقض مدني في 21 ديسمبر سنة 1939 مجموعة عمر 3 رقم 17 ص 36 ) . وقضت أيضاً ” بان القانون لم يشترط الفاظا معينة للشرط الفاسخ الصريح في معنى المادة 334 من القانون المدني ( القديم ) . وعلى ذلك فإذا ما اثبت الحكم أن طرفي عقد البيع قد اتفقا في العقد على أن يودع العقد لدى أمين حتى يوفى المشتري الثمن في الميعاد المتفق عليه . ونصا على أنه عند إخلال المشتري بشروط العقد يصرح الطرفان للمودع لديه باعدام هذا العقد ، ثم قرر الحكم أن المستفاد من ذلك أن نية المتعاقدين اتجهت عند تحرير هذا العقد إلى الشرط الفاسخ الصريح ، أي اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه عند الإخلال بشروطه ، فإنه لا يكون قد مسخ مدلول نص العقد لأن عبارته تحتمل ما استخلصه الحكم منها ” ( نقض مدني في 23 ديسمبر سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 356 ص 688 ) .

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

نقلا عن محامي أردني

فسخ العقد

فسخ العقد

462 – الفسخ والمسئولية العقدية : هناك اتصال بين الفسخ والمسئولية العقدية ، فكلاهما جزاء لعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه العقدي . فإذا كان العقد ملزماً للجانبين جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد جزاء عدم تنفيذ المدين لالتزامه كما قدمنا . وجاز له أيضاً أن يطالب بالتعويض ، ولكن لا على أساس فسخ العقد بل على أساس استبقائه والمطالبة بتنفيذه عن طريق التعويض ، وهذه هي المسئولية العقدية التي فصلنا أحكامها فيما تقدم .

على أنه إذا صح لأحد المتعاقدين أن يحاسب الآخر على عدم القيام بالتزاماته إما من طريق الفسخ وإما من طريق المسئولية العقدية ، فإن الطريق الأول مفتوح دائماً حيث يسد الطريق الثاني في بعض الأحوال . إذ يتفق أن يكون عدم قيام المدين بالتزامه إنما يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه . فتنتفي مسئوليته العقدية ، ولكن يبقى الفسخ ، بل إن العقد في هذه الحالة ينفسخ بحكم القانون كما سنرى .

463 – أساس نظرية الفسخ : وليست نظرية الفسخ بالنظرية التي تبده العقل القانوني ، فسلم بها بادئ ذى بدء ، بل هو ثمرة تطور طويل . فقد كان القانون الروماني يأبى التسليم بها . وكان العقد الملزم للجانبين في هذا القانون ينشيء التزامات مستقلة بعضها عن بعض ، ولا تقابل بينها ، كما قدمنا في نظرية السبب . فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ، لم يكن أمام المتعاقد الآخر إلا أن يطالب بالتفنيذ ، ولا يستطيع أن يتحلل هو من التزامه عن طريق الفسخ . ولكن الرومان بعد تطور افسحوا لفكرة الفسخ مجالا ضيقاً في قعد البيع بعد أن أصبح هذا العقد رضائياً . فأدخلوا فيه شرطاً صريحاً يجعل الحق للبائع في فسخ البيع إذا لم يدفع المشتري الثمن ( [1] ) . وفي الفقه الإسلامي لا يعرف الفسخ نظرية عامة ، وإنما أعطى للبائع خيار النقد كشرط لفسخ البيع إذا لم يستوف الثمن . وكذلك فعل فقهاء القانون الفرنسي القديم ، فقالوا بجواز الفسخ حتى لو لم يوجد شرط صريح ، ولكن الفسخ كان لا يتم إلا بحكم قضائي . وساعد على ذلك ظهور نظرية السبب في القانون الكنسي على النحو الذي قدمناه ، وقد ربطت فكرة السبب مابين الالتزامات المتقابلة في العقد الملزم للجانبين ، لا عند تكوين العقد فحسب ، بل أيضاً عند تنفيذه ومن ثم يكون الفسخ . ثم أخذت فكرة الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة تبرز بوضوح على أيدى فقهاء القانون الطبيعي حتى أصبحت أمراً مسلماً ، وقامت نظرية الفسخ على أساسها . ولكن القانون المدني الفرنسي عندما نقل قاعدة الفسخ نقلها متأثرة بالصياغة الرومانية ، فذكر في المادة 1184 على أن الشرط الفاسخ مفهوم مضناً في العقود الملزمة للجانبين في حالة ما إذا لم يقم أحد المتعاقدين بما في ذمته من التزام . وهو لم يرد بهذا أكثر من أن يقرر القاعدة التي تقضي بجواز فسخ العقد إذا لم يقم المدين بالتزامه . أما ذكر الشرط الفاسخ فهو مجرد تشبيه حملته عليه الاعتبارات الترايخية التي قدمناها .

وليس صحيحاً أن أساس الفسخ هو نظرية الشرط الفاسخ الضمني . ولو صح هذا لترتب عليه أن بمجرد عدم قيام المدين بالتزامه يتحقق الشرط فينفسخ العقد من تلقاء نفسه . وهذا غير صحيح لأن الفسخ لا يكون إلا بحكم قضائي أو باتفاق ، وللقاضي حق التقدير فيجيب طلب الفسخ أو يرفضه ، وللمدين أن يقوم بتنفيذ العقد فيتوقى الحكم بالفسخ ، وللدائن أن يعدل عن المطالبة بفسخ العقد إلى المطالبة بتفنيذه ، كل ذلك على النحو الذي سنبينه فيما يلي ( [2] ) .

ولا نميل إلى اتخاذ نظرية السبب أساساً لنظرية الفسخ ، كما تذهب جمهرة الفقهاء . ونؤثر ، كما بينا في نظرية السبب ، أن نجعل نظرية الفسخ مبينة على فكرة الارتباط ( interdependence ) ما بين الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين ، إذ أن طبيعة هذه العقود تقتضى أن يكون التزام أحد المتعاقدين مرتبطاً بالتزام المتعاقد الآخر فيبدو أمراً طبيعياً عادلا أنه إذا لم يقم أحد المتعاقدين بالتزامه ، جاز للمتعاقد الآخر اني وقف هو من جانبه تنفيذ ما في ذمته من التزام ، وهذا هو الدفع بعدم التنفيذ ، أو أن يتحلل نهائياً من هذا الالتزام ، وهذا هو الفسخ ( [3] ) .

464 – خطة البحث : والفسخ يكون بحكم القاضي ، وهذا هو الأصل . وقد يكون باتفاق المتعاقدين . ويكون في بعض الأحوال بحكم القانون ويسمى عند ذلك انفساخاً .

فنحن نبحث : ( 1 ) فسخ العقد بحكم القضاء ( 2 ) فسخ العقد بحكم الاتفاق ( 3 ) انفساخ العقد بحكم القانون .

المبحث الأول

الفسخ بحكم القضاء

465 – مسائل ثلاث : نتكلم في مسائل ثلاث : ( 1 ) شروط المطالبة بالفسخ ( 2 ) كيف يستعمل حق الفسخ ( 3 ) ما يترتب على الفسخ من أثر .

المطلب الأول

شروط المطالبة بالفسخ

466 – النصوص القانونية : نصت المادة 157 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – في العقود الملزمة للجانبين ، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعاقد الأخر بعد أعذاره المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسخه ، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض ” .

 ” 2 – ويجوز للقاضي أن تمنح المدين أجلا إذا اقتضت الظروف ذلك ، كما يجوز له أن رفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام في حملته ( [4] ) ” .

ولم يستحدث القانون الجديد شيئاً في هذا الموضوع . وقد كان القانون القديم ينص في المادتين 117 / 173 على ما يأتي : ” إذا امتنع المدين من وفاء ما هو ملزم به بالتمام ، فللدائن الخيار بين أن يطلب فسخ العقد مع اخذ التضمينات ، وبين أن يطلب التضمينات عن الجزءا الذي لم يقم المدين بوفائه فقط ” .

على أن نص القانون الجديد أكثر احاطة بالموضوع وأوضح بياناً . ومنه يتبين أن هناك شروطاً ثلاثة يجب توافرها حتى يثبت للدائن حق المطالبة بفسخ العقد ، اثنين منها يصرح بهما النص ، والشرط الثالث تقتضيه طبيعة المطالبة بالفسخ . وهذه الشروط هي : ( 1 ) أن يكون العقد ملزماً للجانبين ( 2 ) إلا يقوم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ( 3 ) أن يكون المتعاقد الآخر الذي يطلب الفسخ مستعداً للقيام بالتزامه من جهة ، وقادراً على إعادة الحال إلى أصلها إذا حكم الفسخ من جهة أخرى .

1 – لا يكون الفسخ إلا في العقود الملزمة للجانبين

467 – العقود الملزمة للجانبين هي وحدها التي يرد عليها الفسخ بمجميع أنواعه ، القضائي والاتفاقي والقانون : أن يكون العقد ملزماً للجانبين هو شرط عام في جميع أنواع الفسخ ، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو بحكم الاتفاق أو بحكم القانون . ذلك أن الفسخ ، بأنواعه الثلاثة ، مبنى على فكرة الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة كما قدمنا . وليس يوجد إلا العقود الملزمة للجانبين التي ينشأ عنها التزامات متقابلة . فهي وحدها التي تتوافر فيها حكمة الفسخ .

وقد قدمنا عند الكلام في تقسيم العقد إلى عقد ملزم للجانبين وعقد ملزم لجانب واحد أن بعض العقود التي كانت تعتبر عقوداً ملزمة لجانب واحد في عهد القانون المدني القديم ، كالعارية والقرض ورهن الحيازة ، يرد عليها الفسخ . وقدمنا أن الفقهاء اختلفت في أمر هذه العقود مذاهب شتى . فمنهم من ينكر فيها حق الفسخ . ومنهم من يقره ولكن يسميه اسقاطاً ( decheance ) لا فسخاً ( resolution ) . ومنهم من يقره على أنه فسخ ويذهب إلى أن حق الفسخ يكون في العقود الملزمة لجانب واحد . وعندنا أن الفسخ جائز في هذه العقود لأنها عقود ملزمة للجانبين حتى في عهد القانون المدني القديم ، وقد سبق لنا بيان ذلك .

أما العقود التي لا يمكن أن تكون إلا ملزمة لجانب واحد ، كالوديعة والكفالة إذا كانتا بغير أجر والهبة إذا كانت بغير عوض ، فقد قدمنا أنه لا يمكن تصور الفسخ فيها ، فإن طرفاً واحداً هو الملتزم ، فإذا لم يقم بتنفيذ التزامه لم يكن للطرف الآخر أية مصلحة في طلب الفسخ إذ ليس في ذمته أي التزام يتحلل منه بالفسخ ، بل مصلحته هي في أن يطلب تنفيذ العقد .

468 – وكل العقود الملزمة للجانبين برد عليها الفسخ : وإذا كانت العقود الملزمة للجانبين هي وحدها التي يرد عليها الفسخ من جهة أخرى يرد عليها جميعاً . وسنرى أن العقد الزمني يرد عليه الفسخ باثر يختلف عن أثر الفسخ في العقد الفوري .

وقد كان القانون المدني القديم يستثنى عقداً واحداً ملزماً للجانبين يمنع فيه الفسخ هو عقد الايراد المرتب مدى الحياة . فكانت المادتان 480 / 588 تنصان على أنه ” يجوز لصاحب الايراد في حالة عدم الوفاء أو عدم أداء التأمينات أو إعدامها أو إظهار إفلاس المدين بالايراد أن يتحصل فقط على بيع أموال هذا المدين وتخصيص مبلغ من أثمانها كاف لأداء المرتبات المتفق عليها ” ( [5] ) . فالدائن صاحب الايراد لا يجوز له أن يطلب فسخ العقد إذا اخل المدين بالتزامه ، وليس له إلا المطالبة بالتفنيذ العيني ، فيبيع من أموال المدين ما يكفي ريع ثمنه لأداء المرتب المتفق عليه . وقد كنا انتقدنا هذا النص في عهد القانون القديم ( [6] ) ، ورأيناه نصاً غريباً يخرج على القواعد العامة دون سبب ظاهر . وقد نقله المشرع المصري عن المشروع الفرنسي ( [7] ) . ومن أجل ذلك ورد القانون المدني الجديد قاطعاً في هذه المسألة ، وقد رد عقد الايراد المرتب مدى الحياة إلى القواعد العامة ، ولم يمنع فيه الفسخ ، فنصت المادة 746 على أنه ” إذا لم يقم المدين بالتزامه ، كان للمستحق أن يطلب تنفيذ العقد ، فإن كان العقد بعوض جاز له أيضاً أن يطلب فسخه مع التعويض إن كان له محل ” .

وذهب القضاء الفرنسي إلى أن عقد القسمة لا يجوز فيه طلب الفسخ إذا لم يقم أحد المتقاسمين بتنفذ التزامه من الوفاء بمعدل القسمة مثلا ، وإنما يطالب المتقاسم الذي اخل بالتزامه أن ينفذ هذا الالتزام . ويريد القضاء الفرنسي من ذلك أن يحافظ على مصلحة بقية المتقاسمين الذين يضرهم نقض القسمة بالفسخ ( [8] ) . وهذا القضاء أيضاً محل للنظر . والأولى أن يترك الأمر لتقدير القاضي ، وهو الذي يغلب المصلحة الراجحة فيقضي بالفسخ أو لا يقضي ، وهذه هي القاعدة العامة في الفسخ فلا محل لاستثناء عقد القسمة منها ( [9] ) .

2 – لا يكون الفسخ إلا إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه

469 – عدم التنفيذ يرجع إلى سبب أجنبي : إذا كان عدم التنفيذ يرجع إلى استحالته لسبب أجنبي ، فإن التزام المدين ينقضي فينقضي الالتزام المقابل له ، وينفسخ العقد بحكم القانون . وهذا ما سنعرض له بعد قليل .

ومن ذلك نرى أنه إذا أصبح التنفيذ مستحيلا لسبب أجنبي خرجنا من نطاق الفسخ إلى نطاق الانفساخ ( [10] ) .

470 – عدم التنفيذ يرجع إلى فعل المدين : فيجب إذن أن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى غير السبب الأجنبي ، بان يكون التنفيذ العيني أصبح مستحيلا بفعل المدين ، أو لا يزال ممكناً ولكن المدين لم يقم بالتنفيذ . ففي هذه الحالة يجوز للدائن أن يطالب بفسخ العقد . وقد رأينا أن المسئولية العقدية تتحقق أيضاً في هذا الفرض ، فيكون للدائن الخيار بين المطالبة بالتعويض على أساس المسئولية العقدية أو المطالبة بفسخ العقد . بل يجوز أن يتفق المتعاقدان على أن العقد لا يفسخ عند عدم التنفيذ ، وأن يقتصر الدائن على المطالبة بالتعويض على أساس المسئولية العقدية .

471 – عدم التنفيذ الجزئي : وإذا كان عدم التنفيذ جزئياً – ويعتبر في حكم عدم التنفيذ الجزئي أن يكون التنفيذ معيباً – فلا يزال للدائن حق المطالبة بالفسخ . والقاضي في استعمال حقه في التقدير ينظر فيما إذا كان الجزء الباقي دون تنفيذ يبرر الحكم بالفسخ ، أو يكفي إعطاء مهلة للمدين لتكملة التنفيذ . فإذا رأي القاضي أن عدم التنفيذ خطير بحيث يبرر الفسخ ، بقى عليه أن يرى هل يقصى بفسخ العقد كله أو يقتصر على فسخ جزء منه مع بقاء الجزء الآخر . ويقضي بفسخ العقد كله إذا أن التزام المدين لا يحتمل التجزئة ، أو كان يتحملها ولكن الجزء الباقي دون تنفيذ هو الجزء الأساسي من الالتزام .

3 – لا يكون الفسخ إلا إذا كان الدائن مستعداً للقيام بالتزامه وقادراً على إعادة الحال إلى أصلها

472 – وجوب أن يكون الدائن مستعدا للقيام بالتزامه وأن يكون من الممكن إعادة الشيء إلى أصله : ويجب أيضاً أن يكون الدائن طالب الفسخ مستعداً للقيام بالتزامه الذي نشأ من العقد الملزم للجانبين . فليس من العدل أن يخل هو بالتزامه ثم يطلب الفسخ لعدم قيام المدين بتنفيذ ما في ذمته من التزام .

أما إذا استحال على الدائن تنفيذ التزامه لسبب أجنبي ، فإن العقد ينفسخ بحكم القانون انفساخه فيما إذا كانت الاستحالة في جانب المدين .

ولما كان فسخ العقد من شأنه أن يعيد الشيء إلى أصله ، فلا بد للحكم بالفسخ أن يكون الدائن الذي يطلب ذلك قادراً على رد ما أخذ . فإذا كان قد تسلم شيئاً بمقتضى العقد ، وباعه من آخر ، فالتزامه بالضمان يحرمه من حق المطالبة بالفسخ ، لأنه لا يستطيع أن بنزع الشيء من يد المشترى ليرده إلى من تعاقد معه إذ في هذا إخلال بالتزام الضمان . وسنرى في العقود الزمنية أن الفسخ فيها لا يمس ما سبق تنفيذه من هذه العقود ، فليس من الضروري إذن للمطالبة بفسخها أن يرد ما سبق تنفيذه .

أما إذا كان المدين هو الذي استحال عليه أن يرد الشيء إلى أصله ، فإن ذلك لا يمنع من الفسخ ، ويقضي على المدين في هذه الحالة بالتعويض ( م 160 ) . وسيأتي بيان ذلك .

المطلب الثاني

كيف يستعمل حق الفسخ

473 – إعذار المدين : قضت الفقرة الأولى من المادة 157 بأن الدائن ، حتى يطالب بفسخ العقد ، يعذر المدين مطالباً إياه بالتنفيذ . ولم يكن في القانون القديم نص على الإعذار ، ومع ذلك كانت بعض المحاكم تقضي بضرورته ( [11] ) . على أن مجرد رفع الدعوى بالفسخ يعد إعذاراً ( [12] ) .

وإعذاراً الدائن للمدين قبل المطالبة بالفسخ له على كل حال أهمية عملية نظهر في أمرين : ( 1 ) يجعل القاضي أسرع استجابة لطلب الفسخ . ( 2 ) ويجعله أقرب إلى الحكم على المدين بتعويض فوق الحكم بالفسخ ( [13] ) .

ويلاحظ أنه لا ضرورة لاعذار المدين قبل المطالبة بالفسخ إذا صرح المدين كتابة أنه لا يريد القيام بالتزامه ، أو إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعل المدين بأن كان التنفيذ قد فات ميعاده أو بأن كان الالتزام هو امتناع عن عمل شيء وعمله المدين ( م 200 ) .

474 – صدور حكم بالفسخ : ولابد من رفع دعوى وصدور حكم بفسخ العقد . ونص المادة 157 من القانون الجديد صريح في هذا المعنى ، وقضاء المحاكم في عهد القانون القديم مضطرد في وجوب صدور حكم بالفسخ ( [14] ) .

وهنا يتجلى الفرق ما بين الفسخ بحكم القضاء والفسخ بحكم الاتفاق . ففي الفسخ بحكم الاتفاق ( وكذلك الانفساخ بحكم القانون ) يكون الحكم مقرراً للفسخ لا منشئاً له ، أما الفسخ بحكم القضاء فالحكم فيه منشيء للفسخ ومن ثم تعتبر المطالبة بالفسخ في هذه الحالة من أعمال التصرف ، وإذا رفع الوصى دعوى بالفسخ بدون إذن المحكمة الحسبية كانت الدعوى غير مقبولة ( [15] ) .

475 – الخيار بين الفسخ والتنفيذ : فإذا ما رفع الدائن دعوى الفسخ ، فإن الحكم بالفسخ لا يكون حتمياً ، بل يكون هناك خيار بين الفسخ والتنفيذ . وهذا الخيار يكون لكل ، الدائن والمدين والقاضي .

فالدائن بعد أن يرفع دعوى الفسخ له أن يعدل ، قبل الحكم ، عن طلب الفسخ إلى طلب التنفيذ . كما أنه إذا رفع دعوى التنفيذ فله أن يعدل عنه إلى الفسخ ( [16] ) . على أنه لا يجوز الجمع بين الفسخ والتنفيذ في طلب واحد ( [17] ) . كل هذا ما لم يكن قد نزل عن أحد الطلبين ، ولا يعتبر مجرد رفعه الدعوى بطلب منهما نزولا منه على الطلب الآخر ( [18] ) .

وللمدن كذلك ، قبل النطق بالحكم النهائي ، أن ينفذ التزامه فيتجنب الفسخ ( [19] ) . ولا يبقى في هذه الحالة إلا أن يقدر القاضي ما إذا كان هناك محل للحكم بتعويض للدائن عن تأخر المدين في تنفيذ التزامه . ومما يساعد على الحكم بالتعويض أن يكون الدائن قد أعذر المدين قبل رفع الدعوى ، وقد سبت الإشارة إلى ذلك .

كذلك القاضي ليس محتماً عليه أن يحكم بالفسخ . بل إن له في ذلك سلطة تقديرية . فقد يحكم بالفسخ إذا رأى الظروف تبرر ذلك . وقد لا يحكم به ويعطي المدين مهلة لتنفيذ التزامه ( [20] ) . وتنص الفقرة الثانية من المادة 157 على هذا الحكم صراحة إذ تقول : ” ويجوز للقاضي أن تمنح المدين أجلا إذا اقتضت الظروف ذلك ، كما يجوز له أن رفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام في حملته ” . ومما يحمل القاضي على الحكم بالفسخ أن يتضح له تعمد المدين عدم التنفيذ أو إهماله في ذلك إهمالا واضحاً رغماً من إعذار الدائن له قبل رفع الدعوى ( [21] ) . ومما يحمله على استبقاء العقد أن يكون ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام في جملته كما يقول النص ( [22] ) . ومما يحمله على إعطاء المدين أجلاً للتنفيذ أن يكون للمدين عذر في تأخره عن التنفيذ ، أو أن يكون الدائن لم يصبه إلا ضرر بسيط من جراء هذا التأخر ( [23] ) ، أو أن يكون الضرر الذي أصاب الدائن إنما نجم عن فعله هو لا عن فعل المدين ( [24] ) . ولا يمنع القاضي أن يعطي مهلة للمدين أن يكون الدائن قد اعذره قبل رفع الدعوى ( [25] ) . وإذا أعطى المدين مهلة وجب عليه القيام بتنفيذ الالتزام في غضونها ، وليس له أن يتعداها ، بل ليس للقاضي أن يعطيه مهلة أخرى ( [26] ) . ويعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه بعد انقضاء المهلة حتى لو لم ينص القاضي في حكمه على ذلك ( [27] ) . وهذا بخلاف الأجل الذي يمنحه القاضي في دعوى التنفيذ ، فإنه يجوز للقاضي في هذا الصدد – طبقاً للفقرة الثانية من المادة 346 – في حالات استثنائية إذا لم يمنعه نص في القانون ، أن ينظر المدين إلى أجل معقول أو آجال ينفذ فيها التزامه إذا استدعت حالته ذلك ولم يلحق الدائن من هذا التأجيل ضرر جسيم ( [28] ) .

476 – تقادم دعوى الفسخ : ودعوى الفسخ ليست لها مدة خاصة تتقادم بها . فتقادمها إذن يكون بخمس عشرة سنة من وقت ثبوت الحق بالفسخ ، ويكون ذلك عادة عند الإعذار ، طبقاً للقواعد العامة في التقادم المسقط . وهذا بخلاف دعوى الإبطال ، فقد رأينا إنها تتقادم بثلاث سنوات أو بخمس عشرة سنة على حسب الأحوال ( [29] ) .

المطلب الثالث

ما يترتب على الفسخ من اثر

477 – النصوص القانونية : نصت المادة 160 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” إذا فسخ العقد أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بالتعويض ( [30] ) ” .

ويلاحظ أن هذا النص عام ، يبين ما يترتب على الفسخ من اثر ، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو بحكم الاتفاق أو بحكم القانون . ويتبين من النص أيضاً أنه إذا حكم القاضي بفسخ العقد فإن العقد ينحل ، لا من وقت النطق بالحكم فحسب ، بل من وقت نشوء العقد . فالفسخ له اثر رجعي ، ويعتبر العقد المفسوخ كأن لم يكن ، ويسقط أثره حتى في الماضي . وإذا كان هذا مفهوماً في الفسخ بحكم الاتفاق أو بحكم القانون ، حيث يقتصر الحكم على تقرير أن العقد مفسوخ ولا ينشيء الفسخ . فإنه أيضاً مفهوم في الفسخ بحكم القاضي ولو أن الحكم هنا منشيء للفسخ لا مقرر له . ولا يوجد ما يمنع من أن يكون الحكم منشئاً للفسخ وأن يكون له اثر رجعي ، فالحكم بالشفعة حكم منشيء ولكنه ينقل ملكية العقار المشفوع فيه من وقت البيع لا من وقت النطق بالحكم .

والحكم بالفسخ له هذا الأثر الرجعي فيما بين المتعاقدين وبالنسبة إلى الغير .

478 – اثر الفسخ فيما بين المتعاقدين : ينحل العقد ويعتبر كأن لم يكن . وتجب إعادة كل شيء إلى ما كان عليه قبل العقد .

فإذا كان العقد بيعاً وفسخ ، رد المشتري المبيع إلى البائع ، ورد البائع الثمن إلى المشتري . ويرد المبيع بثمراته والثمن بفوائده القانونية ، وذلك كله من وقت المطالبة القضائية طبقاً للقواعد العامة ( [31] ) . واسترداد كل متعاقد لما أعطاه إنما يكون على أساس استرداد ما دفع دون حق ، كما رأينا في البطلان ويسترد المتعاقد ما أعطاه لا ما يقابله ( [32] ) .

وإذا بنى المشتري أو غرس في العين المبيعة طبقت القواعد العامة ( م 924 – 925 ) ، ويعتبر المشتري في هذا الخصوص حسن النية أو سيئها تبعاً لما إذا كان الفسخ حكم به له أو عليه ( [33] ) .

وإذا هلك المبيع ، وكان المشتري هو الذي يطالب بالفسخ ، لم يجب إلى طلبه إذ تتعذر عليه إعادة الشيء إلى أصله كما قدمنا ، ولكنه يستطيع المطالبة بتعويض على أساس المسئولية العقدية . أما إذا كان البائع هو الذي يطالب بالفسخ ، وهلك المبيع في يد المشتري ، فإن كان الهلاك بخطأ المشتري حكم عليه بالتعويض ، وقد قضت المادة 160 بأنه إذا استحال الرد حكم بالتعويض كما رأينا . فإذا كان الهلاك بسبب أجنبي ، وطبقت قواعد دفع غير المستحق في هذه الحالة كما طبقناها في حالة البطلان ، وجب القول بأن المشتري وقت أن تسلم المبيع ، والعقد قائم لم يفسخ ، كان حسن النية ، فلا يكون مسئولا عن هلاك المبيع إلا بقدر ما عاد عليه من منفعة ، كما إذا انتفع بأنقاض منزل في بناء منزل آخر . وللبائع أن يسترد الشيء التالف في الصورة التي آل إليها دون أن يتقاضى تعويضاً عن التلف . غير أنه لا يتصور أن البائع يبقى على طلب الفسخ بعد أن يعلم أن المبيع قد هلك بسبب أجنبي ، فخير له في هذه الحالة أن يستبقى البيع ، فيطالب بالثمن ، وبذلك يتحمل المشتري تبعة الهلاك ( [34] ) .

وللدائن الذي أجيب إلى فسخ العقد أن يرجع بالتعويض على المدين إذا كان عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه راجعاً إلى خطئه ، لإهمال أو تعمد ( [35] ) . والتعويض هنا يبني على المسئولية التقصيرية لا المسئولية العقدية ، فإن العقد بعد أن فسخ لا يصلح أن يكون أساساً للتعويض ، وإنما أساس التعويض هو خطأ المدين ، ويعتبر العقد هنا واقعة مادية لا عملا قانونيناً كما في البطلان . أما العاقد الذي لم يقم بتنفيذ التزامه فليس له أن يطالب بالتعويض ( [36] ) . وإذا كان ما طلبه الدائن هو تنفيذ العقد لا فسخه ، جاز الحكم له بالتعويض على أساس المسئولية العقدية كما قدمنا ، لأن العقد في هذه الحالة بقى قائماً ولم يفسخ . فيصح إذن للدائن أن يحصل على تعويض ، إما مع بقاء العقد على أساس المسئولية العقدية ، وإما بعد فسخ العقد على أساس المسئولية التقصيرية . وهذا هو ما عنته الفقرة الأولى من المادة 157 حين قضت بان اللدائن أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسخه ” مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض ” .

وإذا كان العقد زمنياً ، كالإيجار ، وفسخ ، لم يكن لفسخه اثر رجعي ، لأن طبيعة العقود الزمنية تستعصى على هذا الأثر . ذلك أن العقد الزمني يقصد الزمن فيه لذاته ، فالزمن معقود عليه ، وما انقضى منه لا يمكن الرجوع فيه ( [37] ) . ويترتب على ذلك أن المدة التي انقضت من عقد الإيجار قبل فسخه تبقى محتفظة باثارها ، ويبقى عد الإيجار قائماً طول هذه المدة ، ويعتبر العقد مفسوخاً من وقت الحكم النهائي بفسخه لا قبل ذلك . وتكون الأجرة المستحقة اعن المدة السابقة على الفسخ لها صفة الأجرة لا التعويض ( [38] ) ، فيبقى لها ضمان امتياز المؤجر ( [39] ) .

وليس فيما قررناه إلا تطبيق للقواعد العامة . وقد تحرينا أن نطبق هذه القواعد في حالة الفسخ كما طبقناها في حالة البطلان ( [40] ) .

479 – اثر الفسخ بالنسبة إلى الغير : ينحل العقد بالنسبة إلى الغير بأثر رجعي أيضاً . فإذا كان العقد بيعاً ، وباع المشتري العين إلى مشتر ثان أو رتب عليها حقاً عينياً كحق إرتفاق أو حق انتفاع ، ثم طالب البائع بفسخ البيع وأجيب إلى طلبه ، رجعت العين إليه خالية من هذه الحقوق .

على أنه يجب ، للوصول إلى هذه النتيجة ، تسجيل دعوى الفسخ على غرار تسجيل دعوى البطلان . وقد نصت المادة 15 من قانون الشعر العقاري على أنه ” يجب التأشير في هامش سجل المحررات واجبة الشهر بما يقدم ضدها من الدعاوى التي يكون الغرض منها الطعن في التصرف الذي تضمنه المحرر وجوداً أو صحة أو نفاذاً ، كدعاوى البطلان أو الفسخ أو الإلغاء أو الرجوع . فإذا كان المحرر الأصلي لم يشهر تسجل تلك الدعاوى ” . وتنص المادة 17 من هذا القانون على أنه ” يترتب على تسجيل الدعاوى المذكورة بالمادة الخامسة عشرة أو التأشير بها أن حق المدعى إذا تقرر بحكم مؤشر به طبق القانون يكون حجة على من ترتبت لهم حقوق عينية ابتداء من تاريخ تسجيل تلك الدعاوى أو التأشير بها . ولا يكون هذا الحق حجة على الغير الذي كسب حقه بحسن نية قبل التأشير أو التسجيل المشار إليهما ” .

ويتبين من ذلك أن الغير إذا تلقى حقاً عينياً بعد تسجيل دعوى الفسخ أو التأشير بها ، فإن حقه يزول بفسخ العقد ، سواء كان سيء النية أو حسنها . أما إذا تلقى الحق العيني قبل تسجيل دعوى الفسخ أو التأشير بها ، بأي سبب من أسباب كسب الحقوق العينية ، فإن حقه يزول إذا كان سيء النية ، ويبقى إذا كان حسن النية .

وقد ورد نص خاص لمصلحة الدائن المرتهن رهناً رسمياً ، هو المادة 1034 ، وتقضي بأنه ” يبقى قائماً لمصلحة الدائن المرتهن الرهن الصادر من المالك الذي تقرر إبطال سند ملكيته أو فسخه أو إلغاؤه أو زواله لأي سبب آخر ، إذا كان هذا الدائن حسن النية في الوقت الذي ابرم فيه الرهن ” . ويعتبر هذا النص تطبيقاً خاصاً للقاعدة العامة التي وردت في المادة 17 من قانون الشهر العقاري .

وقد سبق بيان كل ذلك في البطلان ، والفسخ مثل البطلان في الأثر .


 ( [1] ) lex Commissoria ( أنظر جيرار ص 733 ) .

 ( [2] ) ومن ثم نرى أن استعمال عبارتي ” الشرط الفاسخ الضمني ” و ” الشرط الفاسخ الصريح ” ، اللتين تردان كثيراً في لغة القضاء المصري وبخاصة في لغة محكمة النقض ، ليس بالتعبير الدقيق .

 ( [3] ) قارن نظرية العقد للمؤلف فقرة 633 .

 ( [4] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 218 من المشروع التمهيدي على وجه يكاد يكون مطابقاً . واقر في لجنة المراجعة مع تعديلات لفظية طفيفة جعلته مطابقاً ، وأصبح رقم المادة 161 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، فلجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم 157 ، فمجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 319 – ص 322 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” يفترض الفسخ وجود عقد ملزم للجانبين يتخلف فيه أحد العاقدين عن الوفاء بالتزامه فيطلب الآخر فسخه ، ليقال بذلك من تنفيذ ما التزم به . ويقع الفسخ بناء على حكم يقضي به أو بتراضى العاقدين أو بحكم القانون . وبذلك يكون الفسخ قضائياً أو اتفاقياً أو قانونياً على حسب الأحوال . ففي حالة الفسخ القضائي يتخلف أحد العاقدين عن الوفاء بالتزامه ، رغم أن الوفاء لا يزال ممكناً ، ويكون العاقد الآخر بالخيار بين المطالبة بتنفيذ العقد وبين طلب الفسخ ، على اني كون قد اعذر المدين من قبل . فإذا اختار الدائن تنفيذ العقد وطلبه ، وهو يدخل في حدود الإمكان ، كما هو حكم الفرض ، تعين أن يستجيب القاضي لهذا الطلب ، وجاز له أن يحكم بالتعويض إذا اقتضى الحال ذلك . أما إذا اختار الفسخ ، فلا يجبر القاضي على اجابته إليه ، بل يجوز له أن ينظر المدين إلى ميسرة إذا طلب النظرة ، مع الزامه بالتعويض عند الاقتضاء ، بل ويجوز له أن يقضي بذلك من تلقاء نفسه . وله كذلك ، ولو كان التنفيذ جزئياً ، أن يقتصر على تعويض الدائن عما تخلف عن تنفيذه إذا كان ما تم تنفيذه هو الجزء الاهم في الالتزام . على أن للقاضي أن يجيب الدائن إلى طلبه ويقضي بفسخ العقد مع إلزام المدين بالتعويض دائماً إن كان ثمة محل لذلك . ولا يكون التعاقد ذاته ، في حالة الفسخ ، أساساً للالزام بالتعويض إذ هو ينعدم انعداماً تاماً يستند أثره بفعل الفسخ ، وإنما يكون مصدر الإلزام في هذه الحالة خطأ المدين أو تقصيره . على أن القاضي لا يحكم بالفسخ إلا بتوافر شروط ثلاثة : اولها أن يظل تنفيذ العقد ممكناً ، والثاني أن يطلب الدائن فسخ العقد دون تنفيذه ، والثالث أن يبقى المدين على تخلفه ، فيكون من ذلك مبرر للقضاء بالفسخ . فإذا اجتمعت هذه الشروط تحقق بذلك ما ينسب إلى المدين من خطأ أو تقصير ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 327 – ص 328 ) .

 ( [5] ) أنظر أيضاً المادة 1978 من القانون المدني الفرنسي ، وهي لا تمنع الفسخ إلا في حالة عدم الوفاء بالايراد دون الحالات الأخرى المذكورة في نص القانون المصري القديم .

 ( [6] ) أنظر نظرية العقد للمؤلف فقرة 638 .

 ( [7] ) ويعلل الفرنسيون النص الذي ورد في قانونهم بتعليلين كل منهما محل للنظر : ( الأول ) أن عقد الايراد المرتب مدى الحياة عقد احتمالي . فإذا سمحنا بفسخ العقد وإعادة الشيء إلى أصله ، وامكن الدائن أن يرد إلى المدين ما قبضه من الايراد ، فماذا يسترد المدين ؟ إذا اكتفى باسترداد رأس المال ، يكون قد حرم من جزء من الغلة المدة التي بقى فيها رأس المال عند المدين هو الفرق ما بين غلة رأس المال جميعه وغلة المقبوض من الايراد . وإذا قيل إن الدائن يستبقى ما قبضه من الايراد ولا يسترد من رأس المال إلا بنسبة ما بقى من عمره إلى ما انقضى منه منذ قبض الايراد ، تعذرت معرفة الباقي من عمره إذ ليس لقانون الاحتمال أثر في حادث فردي – ولم نر هذا التعليل مقنعاً ، فمن السهل عند فسخ العقد أن نجعل الدائن يرد ما قبضه من الايراد مع فوائده القانونية ويسترد رأس المال مع فوائده القانونية ، وبذلك نعيد كل متعاقد إلى حالته الأصلية قبل التعاقد ( قارن ما أوردناه في هذا الخصوص في نظرية العقد ص 684 هامش رقم 1 ) . ( والتعليل الثاني ) أن الدائن يكون عادة في حاجة إلى الايراد يؤثره على رأس المال ، ففيه ضمان لحاجته وامن من تقلبات سعر الاستغلال فيما لو استرد رأس المال ، والفسخ يضيع عليه ذلك – ولكن هذا التعليل هو أيضاً غير مقنع ، فإن الفسخ إنما يكون جائزاً للدائن ولا واجباً عليه ، فما عليه إذا رأى المصلحة في عدم الفسخ إلا أن يعدل عنه إلى طلب التنفيذ ، ويطلب الفسخ إذا كان في مصلحته كما إذا رأى أنه يستطيع أن يستغل رأس المال عند استرداده على وجه أكثر نفعاً .

 ( [8] ) نقض فرسي في 9 مايو سنة 1832 سيريه 32 – 1 – 367 .

 ( [9] ) على أن القضاء الفرنسي ذاته أجاز اشتراط جواز الفسخ في عقد القسمة ( نقض فرنسي في 6 يناير سنة 1846 داللوز 46 – 1 – 16 ) .

 ( [10] ) أنظر في هذا المعنى محكمة مصر الوطنية في 10 مايو سنة 1905 الاستقلال 4 ص 467 – نقض فرنسي في 5 مايو سنة 1920 جازيت دي باليه 15 يونية سنة 1920 – قارن نظرية العقد للمؤلف ص 685 هامش رقم 1 والمراجع المشار إليها في هذا المكان .

 ( [11] ) محكمة الاستئناف الوطنية في أول ابريل سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 78 ص 149 – محكمة الاستئناف المختلطة في 28 يناير سنة 1891 م 3 ص 165 .

 ( [12] ) محكمة مصر الكلية الوطنية في 30 يولية سنة 1932 المحاماة 12 رقم 95 ص 216 – محكمة الاستئناف المختلطة في 30 مايو سنة 1914 م 26 ص 404 .

 ( [13] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 14 يونية سنة 1900 م 1 ص 35 .

 ( [14] ) قضت محكمة النقض بأنه من المتفق عليه فقهاً وقضاء أن الشرط الفاسخ الضمني ، كالتأخر عن دفع الثمن في ميعاده ، لا يققتضي بذاته الفسخ ، بل لا بد لفسخ العقد من حكم قضائي بذلك ، وهذا الحكم يصدر بناء على طلب البائع لجواز اختياره تنفيذ العقد لا فسخه ( 8 ديسمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 81 ص 152 – أنظر أيضاً في هذا المعنى محكمة الاستئناف الوطنية في 9 يناير سنة 1922 المجموعة الرسمية 24 رقم 42 – وفي 28 ابريل سنة 1930 الحاماة 11 رقم 25 ص 48 – محكمة الاستئناف المختلطة في 17 مايو سنة 1900 م 12 ص 262 – وفي 30 مايو سنة 1914 م 26 ص 404 – وفي 28 فبراير سنة 1922 34 ص 208 – وفي 19 مايو سنة 1925 م 37 ص 437 – وفي 19 يناير سنة 1926 م 38 ص 187 – وفي 4 مارس سنة 1941 م 53 ص 123 .

 ( [15] ) استئناف مصر في 28 يناير سنة 1936 المحاماة 18 رقم 323 ص 671 .

وقضت محكمة النقض بأن شرط الفسخ الصريح وشرطه الضمني يختلفان طبيعة وحكماً . فالشرط الفاسخ الضمني لا يستوجب الفسخ حتما إذ هو خاضع لتقدير القاضي ، وللقاضي أن يمهل المدين حتى بعد رفع دعوى الفسخ عليه ، بل المدين نفسه له أن يتفادى الفسخ بعرض دينه كاملا قبل أن يصدر ضده حكم نهائي بالفسخ . أما الشرط الفاسخ الصريح فهو فيما تقضي به المادة 334 من القانون المدني ( القديم ) موجب للفسخ حتما ، فلا يملك معه القاضي إمهال المشتري المتخلف عن أداء الثمن ، ولا يستطيع المشتري أن يتفادى الفسخ بأداء الثمن أو عرضه بعد إقامة دعوى الفسخ عليه متى كان قد سبقها التنبيه الرسمي إلى الوفاء ، بل قد يكون الشرط الفاسخ الصريح موجباً للفسخ بلا حاجة إلى تنبيه إذا كانت صبغته صريحة في الدلالة على وقوع الفسخ عند تحققه بلا حاجة إلى تنبيه ولا إنذار . وعلى ذلك فإنه إذا كانت محكمة الدرجة الأولى قد اقامت قضاءها بفسخ العقد على أن المشتري إذ قصر في الوفاء بجزء من الثمن كان البائع محقاً في طلب الفسخ بناء على الشرط الفاسخ الضمني المفترض في جميع العقود التبادلية ، ثم جاءت محكمة الاستئناف فقالت إن الفسخ كان متفقاً عليه جزاء للتخلف عن أداء الثمن وأنه قد ثبت لها تخلف المشتري فهي تقرر حق البائع في الفسخ نزولا على الشرط الفاسخ الصريح عملا بنص المادة 334 مدني ( قديم ) . ثم لم تلبث أن قالت في آخر حكمها إنها تؤيد الحكم المستانف لاسبابه وتاخذ منه أسباباً لحكمها ، فحكمها هذا يكون قد أقيم على أمرين واقعيين متغايرين لا يمكن أن يقوم حكم عليهما مجتمعين لاختلاف شرطي الفسخ الصريح والضمني طبيعة وحكماً ، وهذا تعارض في أسباب الحكم يعيبه ويستوجب نقضه ( نقض مدني في 2 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 16 ص 35 ) – على أنه قد يجتمع الفسخ بحكم القضاء والفسخ بحكم الاتفاق في عقد واحد . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان عقد البيع مذكوراً فيه أن البائع قد اشترط لمصلحة نفسه أن عدم دفع القسط الأول يجعل البيع لاغياً ، ورأت محكمة الموضوع أن هذا الشرط ليس معناه أن القسط الأول إذا دفع ولم تدفع الاقساط الباقية يكون البائع محروماً مما يخوله له القانون من طلب فسخ البعي عند عدم دفع المتأخر من الثمن ، بل إن هذا الحق ثبات له بنص القانون وباق له من غير أي اشتراط في العقد بخصوصه ، فإن تفسيرها لا غبار عليه ( نقض مدني في 2 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 259 ص 750 ) .

 ( [16] ) استئناف مختلط في 13 نوفمبر سنة 1913 م 26 ص 137 – وفي 12 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 96 – وفي 19 يناير سنة 1929 م 38 ص 187 .

 ( [17] ) استئناف مختلط في 12 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 96 وقد سبقت الإشارة إليه – وفي 18 ديسمبر سنة 1917 م 30 ص 88 .

 ( [18] ) ولمحكمة الموضوع أن تقدر هل تعتبر العمل الذي صدر من المدين نزولا عن أحد الطلبين ، كما إذا تقدم في توزيع لمال المدين ويراد أن يفهم من ذلك نزوله عن الفسخ : نقض فرنسي في 16 مارس سنة 1840 سيريه 140 – 1 – 121 – وكما إذا رضى ببيع صدر من المشتري منه فنزل بذلك عن حقه في المطالبة بفسخ البيع الأول : نقض فرنسي في 15 مارس وسنة 1909 سيريه 1909 – 1 – 391 – وكما إذا أجرى المشتري اصلاحات في العقار الذي اشتراه فنزل بذلك ضمنا عن حقه في طلب فسخ البيع : استئناف مختلط في 3 ابريل سنة 1912 م 24 ص 249 – وكما إذا طالب البائع المشتري بدفع الثمن واتخذ إجراءات تحفظية لذلك فنزل ضمنا عن الفسخ : استئناف مختلط في 12 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 96 و سبقت الإشارة إليه – وكما إذا تقدم البائع كدائن بالثمن في تفليسة المشتري فلا يجوز له يطلب استرداد الشيء المبيع بعد ذلك : استئناف مختلط في 18 ديسمبر سنة 1917 م 30 ص 88 وقد سبقت الإشارة إليه .

 ( [19] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه يسوغ للمستأجر أن يمنع الحكم بفسخ الإيجار إذا عرض عرضاً حقيقياً دفع المبلغ المستحق قبل صدور الحكم النهائي ( 23 يناير سنة 1900 المجموعة الرسمية 1 ص 283 ) . وقضت بأنه إذا طلب البائع من المحكمة فسخ البيع لعدم قيام المشتري بدفع ثمن المبيع ، فللمشتري أن يتدراك فسخ البيع بعرض الثمن ، ولو بعد صدور الحكم عليه ، وإنما قبل اكتساب هذا الحكم قوة الشيء المحكوم به أو تأييده استئنافياً . وهذا الحق الذي للمشتري يرجع إليه بمجرد قبول المحكمة طلب التماس تقدم بعد حكمت ، ولو كانت المحكمة قد حكمت بالفسخ ، لأن قبول الالتماس يعيد إلى الخصوصم حقوقهم التي كانت لهم قبل صدور الحكم المنقوض ( 25 مايو سنة 1905 المجموعة الرسمية 7 رقم 49 – أنظر أيضاً في هذا المعنى محكمة الاستئناف الوطنية في 9 يناير سنة 1922 المجموعة لارسمية 24 رقم 42 – وفي 20 ديسمبر سنة 1929 المجموعة الرسمية 29 رقم 39 / 2 – محكمة الاستئناف المختلطة في 31 ديسمبر سنة 1917 م 30 ص 114 ) – على أن كثيرا من أحكام القضاء المختلط كان يذهب إلى عكس ذلك ، ولا يجعل المدين يتجنب الفسخ بأن ينفذ التزامه قبل صدور الحكم النهائي : استئناف مختلط في 21 نوفمبر سنة 1916 م 29 ص 58 – وفي 12 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 101 – وفي 9 يناير سنة 1918 جازيت 8 رقم 109 ص 47 – وفي 27 ابريل سنة 1922 م 34 ص 371 . ولكن محكمة النقض حسمت الأمر ، فقضت بأنه إذا كان الشرط الذي تضمنه العقد شرطاً فاسخاً ضمنياً ، فللمشتري – لي أن يصدر الحكم النهائي بالفسخ – الحق في توقى الفسخ بدفع الثمن – وإذا كان المشتري يعرض على البائع باقي الثمن إلا عند رفعه الاستئناف عن الحكم الصادر بالفسخ ، فمن الخطأ أن تحمل محكمة الاستئناف البائع كل مصروفات الدرجتين في حكمها برفض دعوى الفسخ ، إذ هو كان محقاً في طلب الفسخ حتى اتقاه المشتري بهذا العرض ، فلا يلزم بمصروفات الدرجة الأولى ولا بمصروفات الاستئناف إلى وقت حصول العرض ( نقض مدني في 17 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 25 ص 58 ) .

 ( [20] ) محكمة الاسنكدرية الوطنية في 27 مارس سنة 1917 المجموعة الرسمية 18 رقم 94 – محكمة طنطا الكلية في 19 يناير سنة 1922 المحاماة 2 رقم 135 ص 418 – استئناف مختلط في 26 ينايرس نة 1911 م 23 ص 139 – وفي أول ابريل سنة 1915 م 27 ص 258 – وفي 28 فبراير سنة 1922 م 34 ص 208 – وفي 19 مايو سنة 1925 م 37 ص 437 – ومع ذلك أنظر استئناف مختلط في 18 يونية سنة 1890 م 2 ص 350 – ولكن القانون الجديد صريح في جواز عدم استجابة القاضي لطلب الفسخ وإعطاء المدين مهلة لتنفيذ التزامه .

 ( [21] ) أو أن يكون الفسخ مشترطاً صراحة إذا تحققت ظروف معينة على وجه التحديد استئناف مختلط في 23 نوفمبر سنة 1937 م 50 ص 26 ) .

 ( [22] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا لم يتفق على شرط فاسخ صريح ، وكان الفسخ مقاما على الشرط الفاسخ الضمني ، فإن محكمة الموضوع تملك رفض هذا الطلب في حالة الإخلال الجزئي إذا ما بان لها أن هذا الإخلال هو من قلة الشأن بحيث لم يكن يستأهل في قصد العاقدين فسخ العقد . وسلطة المحكمة في استخلاص هذه النتيجة مطلقة لا معقب عليها ( نقض مدني في 4 ديسمبر سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 237 ص 498 ) .

 ( [23] ) استئناف مختلط في أول ابريل سنة 1915 م 27 ص 258 ( ولم يتسلم المشتري السندات ، ولكن ذلك لم يصبه بضرر ما وكان في إمكانه تسلمها ) – وفي 9 نوفمبر سنة 1930 م 33 ص 8 ( أراد البائع الأرض انتهاز فرصة أن المشتري تأخر قليلا عن دفع جزء من ليفسخ الصفقة بعد أن ارتفع ثمن الأراضي ) .

 ( [24] ) وإذا كان هناك خطأ في جانب كل من الطرفين ، فقد يدعو ذلك القاضي إلى عدم الحكم بالفسخ والاكتفاء بالتعويض ( استئناف مختلط في 3 فبراير سنة 1904 م 16 ص 120 ) . وقد يخطئ المدين في تفسير العقد فيتأخر وهو حسن النية عن تنفيذ التزامه ، فلا يكون هذا التأخر مبرراً للفسخ ( محكمة مصر المختلطة الجزئية في أول فبراير سنة 1913 جازيت 3 ص 173 ص 190 ) .

 ( [25] ) فللقاضي إذن سلطة التقدير ، فله أن يفسخ العقد ، وله أن يعطي المدين مهلة لتنفيذ التزامه . وسلطته هذه مسألة موضوعية لا معقب عليها من محكمة النقض . وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بأن فصل محكمة الموضوع في صدد كتابة الأسباب لفسخ التعاقد أمر موضوعي خارج عن رقابة محكمة النقض . فلا تثريب عليها إذا هي رأت أن عدم تنفيذ أحد الالتزامات لا يوجب فسخ التعاقد ، وبينت الأسباب التي استندت إليها في ذلك ( نقض مدني في 18 مايو سنة 1939 مجموعة عمر رقم 158 ص 566 ) . وقضت أيضاً بالا يكون الشرط الفاسخ مقتضيا الفسخ حتماً إلا إذا كانت صيغته صريحة دالة على وجوب الفسخ عند تحققه بغير حاجة إلى تنبيه أو انذار أما الشرط الضمني الفاسخ فلا يلزم القاضي به ، بل هو يخضع لتقديره . فللقاضي إلا يحكم بالفسخ ، وأن يمكن الملتزم من الوفاءي بما تعهد به حتى بعد رفع الدعوى عليه بطلب الفسخ ( نقض مدني في 2 ابريل سنة 1936 مجموعة عمر رقم 343 ص 1086 ) . وقضت أخيراً بأنه لما كان القانون لا يوجب على القاضي في خصوص الشرط الفاسخ الضمني أن يقضي به ، إنما خوله سلطة تقديرية ، فله أن يحكم به ، وله أن يعطي المدين مهلة للقيام بتنفيذ الالتزام في غضونها ، وإلا اعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه ( نقض مدين في 23 مارس سنة 1950 طعن رقم 155 سنة 18 قضائية لم ينشر – أنظر أيضاً نقض مدني في 8 يونية سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 151 ص 419 – وفي 31 مايو سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 262 ص 712 ) .

 ( [26] ) على أنه يجوز إعطاء مهلة ثانية إذا كانت المهلة الأولى أعطيت في دعوى بالتنفيذ لا في دعوى بالفسخ ( نقض فرنسي في 8 يناير سنة 1929 جازيت دي باليه 1929 – 1 – 497 ) .

 ( [27] ) نقض ندني في 23 مارس سنة 1950 طعن رقم 155 سنة 18 قضائية وقد سبقت الإشارة إليه – استئناف مختلط في 13 ابريل سنة 1922 م 34 ص 230 .

 ( [28] ) ونرى من ذلك أن القاضي يجوز له أن ينظر المدين إلى آجال ، أي إلى أجل بعد أجل ، إلى أجل واحد .

 ( [29] ) ويوجد بين الفسخ والإبطال ، إلى جانب هذا الفرق ، فرقان اخران : ( أ ) يرجع سبب الفسخ إلى عدم قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ، ويرجع سبب الإبطال بوجه عام إلى نقص في الأهلية أو عيب الإرادة ( ب ) فسخ العقد موكول إلى تقدير القاضي كما بينا ، أما إذا توافر سبب الإبطال فالقاضي ليست له سلطة تقديرية ولا يملك إلا الإبطال .

 ( [30] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 221 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – إذا فسخ العقد أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فإذا كان ذلك مستحيلا استبدلا به تعويضا يعادله . 2 – على أن فسخ العقود الناقلة للملكية لا يضر بالغير حسن النية إذا ترتب له حق على عقار قبل تسجيل صحيفة دعوى الفسخ ” . وفي لجنة المراجعة حذفت الفقرة الثانية من النص اكتفاء بورود حكمها في نص عام في التسجيل هو المادة 137 ، وأدخلت تعديلات لفظية على العبارة الأخيرة من الفقرة الأولى ، فصارت كالآتي : فإذا استحال ذلك جاز الحكم بتعويض معادل ” ، وأصبح رقم المادة 164 في المشروع النهائي . ووافق عليها مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ بعد حذف كلمة ” معادل ” الواردة آخر النص نفيا لشبهة الاتجاه إلى تقرير حكم يخالف القواعد العامة في التعويض ، وأصبح رقم المادة 160 ، ثم جلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 326 – ص 330 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويترتب على الفسخ قضائياً كان أو اتفاقيا أو قانونينا ، انعدام العقد النعداما يستند أثره ، فيعتبر كأن لم يكن . وبهذا يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد فيرد كل منهما ما تسلم بمقتضى هذا العقد ، بعد أن تم فسخه . وإذا أصبح الرد مستحيلا وجب التعويض على الملزم وفقاً للأحكام الخاصة بدفع غير المستحق . ومع ذلك فقد استثنى المشروع من حكم هذه القاعدة صورة خاصة تعرض في فسخ العقود الناقلة لملكية العقارات ، فنص على أن هذا الفسخ لا يضر بالغير حسن النية إذا كان قد تلقى من العاقد الذي آلت إليه ملكية العقار بمقتضى العقد المفسوخ حقا على هذا العقار قبل تسجيل صحيفة دعوى الفسخ ( أنظر المادة 375 من المشروع ) . ومؤدى هذا أن يظل حق الغير قائما ، ويرد العقار مثقلا به ، رغم فسخ العقد الناقل للملكية . وغنى عن البيان أن هذا لاستثناء يكفل قسطا معقولا من الحماية للغير حسن النية ، ويهيئ بذلك للتعامل ما يخلق به من سباب الاستقرار ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 329 ) .

 ( [31] ) هذا وقد تضمن المشروع التمهيدي نصا ، هو المادة 224 من هذا المشروع ، ويقضي إذا انحل العقد بسبب البطلان أو الفسخ أو بأي سبب آخر ، وتعين على كل من المتعاقدين أن يرد ما استولى عليه نجاز لكل منهما أن يحبس ما أخذه ما دام المتعاقد الآخر لم يرد إليه ما تسلمه منه ، أو يقدم ضماناً لهذا الرد وذلك طبقاً للقواعد المقررة في حق الحبس ” . وقد حذفت لجنة المارجعة هذا النص لأنه تطبيق للقاعدة في حق الحبس . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 331 في الهامش ) – فإذا اعتبرنا أن التزام البائع برد الثمن قد ترتب في ذمته بسبب التزام المشتري برد المبيع وارتبط كل التزام بالآخر ( م 246 ) ، كان لكل من الطرفين أن يحبس ما بيده حتى يسترد ما بيد الآخر . ويكون هذا صحيحاً أيضاً في حالة البطلان .

 ( [32] ) استئناف مختلط في 17 ابريل سنة 1912 م 24 ص 284 .

 ( [33] ) استئناف مختلط في 5 ديسمبر سنة 1922 م 35 ص 70 – و 18 ديسمبر سنة 1923 جازيت 14 رقم 218 ص 138 – حلمي عيسى باشا في البيع فقرة 1648 – نجيب الهلالي باشا في البيع فقرة 700 ص 481 .

 ( [34] ) قارن نظرية العقد للمؤلف فقرة 656 – وإذا استبقى المشتري المبيع في ديه بعد فسخ البيع ولم يقبل رده فأصبح سيء النية ، ثم هلك المبيع بسبب أجنبي ، وجب على المشتري أن يرد للبائع قيمة المبيع وقت الهلاك ، إلا أن يثبت أن المبيع كان يهلك حتى لو كان قد رد إلى البائع وقت الفسخ ( م 984 ) . وهذا هو الحكم في استرداد ما دفع دون حق إذا هلك في يد من تسلمه وهو سيء النية .

 ( [35] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه ” ينفسخ حتما عقد البيع باستحالة تنفيذه ، يستوي في ذلك أن تكون الاستحالة بتقصير المشتري أو بتقصير البائع . ولا يبقى بعد إلا الرجوع بالتضمينات من أحد العاقدين على الآخر . فإذا كان المشتري قد انذر البائع له وكلفه بالحضور أمام الموثق للتوقيع على عقد البيع فلم يحضر ، ثم رفع عليه دعوى لإثبات التعاقد بينهما ليقوم الحكم فيها مقام عقد رسمي قابل للتسجيل ، وبسبب مطل المدعى عليه وتسويفه لم يحكم نهائياً للمدعى إلا بعد نزع الملكية جبراً ورسو مزاده بالفعل على الدائن المرتهن ، فإن هذا يكفي لإثبات أن استحالة تنفيذ عقد البيع وعدم إمكان الوفاء جاء بعد تكليف المشتري للبائع رسمياً بالوفاء بالتزامه ، مما ينفسخ به البيع حتما من تاريخ نزع الملكية ، ويجعل البائع مسئول عن النتائج التي ترتبت على هذا الفسخ من رد الثمن مع التضمينات . فإذا حكمت المحكمة في هذه الحالة برفض طلب المدعى التضمينات ، واسترداد ثمن المبيع استنداً إلى قيام الحكم الصادر بصحة التعاقد مع سقوط هذا الحكم لخروج المبيع جبراً من ملك البائع ، كان حكمها خاطئاً متعيناً نقضه ” ( نقض مدني في 15 ديسمبر سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 148 ص 442 ) .

والحكم فيما قضى به صحيح ، لأن البائع في القضية هو المقصر بعد أن كلف بالوفاء رسمياً ، ولم تنزع الملكية جبراً عنه إلا بعد هذا التكليف . فالعقد يفسخ عليه ويلتزم بالتعويض . ولكن الذي يؤخذ على الحكم أنه قرر في قاعدة عامة أن العقد ينفسخ باستحالة التنفيذ ولو كانت الاستحالة راجعة إلى تقصير المشتري . وقد رأينا أن الاستحالة إذا رجعت إلى تقصير المشتري ، كان للبائع أن يطالبه بالتعويض إما على أساس المسئولية العقدية ، وفي هذه الحالة يبقى العقد قائماً ، وإما على أساس فسخ العقد مع التعويض .

 ( [36] ) وقد قضت محكمة النقض بأن فسخ العقد بسبب خطأ أحد العاقدين لا يجعل له الحق في المطالبة بتعويض ( نقض مدني في 27 ديسمبر سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 215 ص 520 ) .

 ( [37] ) أنظر في هذا المعنى رسالة الدكتور عبد الحي حجازي في عقد المدة ص 189 – ص 100 ، وما أشار إليه من أحكام القضائين الفرنسي والمصري ومن أقوال الفقهاءز وقارن نظرية العقد للمؤلف فقرة 656 – وقارن أيضاً محكمة استئناف مصر الوطنية في 29 يونية سنة 1925 المحاماة 6 رقم 98 ص 131 .

 ( [38] ) أنظر في تقرير التعويض عن فسخ العقد الزمني رسالة الدكتور عبد الحي حجازي في عقد المدة ص 200 – ص 209 .

 ( [39] ) وهذا بخلال إبطال العقد الزمني ، فإن العقد يعتبر كأن لم يكن بالإبطال ، ويكون المستحق عن المدة السابقة على الحكم بالإبطال تعويضا لا أجرة ، فلا يكفله امتياز المؤجر ، وقد سبق بيان ذلك عند الكلام في البطلان .

 ( [40] ) ودعوى الفسخ كعدوى الإبطال دعوى شخصية ، لا يطالب فيها إلا الحكم يفسخ العقد . فإذا اقترنت بطلب رد الشيء كانت الدعوى شخصية أيضاً ، لأن الطلب يكون مبيناً على التزام شخصي هو رد ما تسلمه المدين دون حق كما قدمنا .

ويلاحظ أن دعوى الفسخ من شأنها أن تجعل الدائن في مقام الدائن الممتاز من الناحية العملية . ذلك لأنه يسترد ما أعطاه دون أن يشترك معه فيه بقية دائني المدين ، فهو ممتاز من هذه الناحية ، بعكس ما إذا اقتصر على طلب تنفيذ العقد ، فإنه يصبح في هذه الحالة كبقية الدائنين ، ويشترك هؤلاء معه شركة غرماء . فدعوى الفسخ والمقاصة والحق في الحبس وحق الامتياز ، كل هذه تخدم غرضاً عملياً واحداً .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

زوال العقد

زوال العقد

456 – كيف يزول العقد : العقد يزول بالانقضاء ( extinction ) والانحلال ( dissolution ) والإبطال ( annulation ) .

فهو ينقضي بتنفيذ الالتزامات التي ينشئها ، وهذا هو مصيره المألوف .

ولكنه قد يزول قبل تمام تنفيذه ، أو قبل البدء في تنفيذه ، فينحل ، الفرق إذن بين انحلال العقد وانقضائه أن الانحلال يكون قبل أن ينفذ العقد أو قبل أن يتم تنفيذه ، والانقضاء لا يكون إلا عند تمام التنفيذ .

وانحلال العقد غير إبطاله ، كلاهما زوال ( disparition ) للعقد ، ولكن الانحلال يرد على عقد ولد صحيحاً ثم ينحل بأثر رجعي أو دون أثر رجعي ، أما الإبطال فيرد على عقد ولد غير صحيح ثم يبطل بأثر رجعي في جميع الأحوال . والعقد ، في حالة الأبطال وفي حالة الانحلال بأثر رجعي ، لا يزول فحسب ، بل يعتبر كأن لم يكن .

وقد رأينا فيما مر كيف يبطل العقد . ونبحث الآن كيف ينقضي وكيف ينحل .

457 – انقضاء العقد : يجب التمييز هنا بين العقد الفوري والعقد الزمني .

فالعقد الفوري ، ولو كان مؤجل التنفيذ ، ينقضي بتنفيذ ما ينشأ عنه من الالتزامات . فالبيع مثلا ينقضي بنقل ملكية المبيع إلى المشتري وتسلمه للعين ودفع الثمن والوفاء بالضمان وجميع ا لالتزامات الأخرى التي تنشأ عن العقد . وكل هذه الالتزامات ، عندما يحل وقت الوفاء بها ، تنفذ فوراً ، جملة واحدة أو على أقساط .

والعقد الزمني انقضاؤه معقود بانقضاء الزمن ، لأن الزمن كما قدمنا عنصر جوهري فيه . فالإيجار ينقضي بانتهاء المدة المحددة ، فإذا لم تحدد له مدة انقضى بإنهائه من أحد المتعقادين مع مراعاة ميعاد الأخطار الذي يعينه القانون أو الاتفاق . وكالإيجار الشركة وعقد العمل ( [1] ) .

458 – انحلال العقد : وينحل العقد قبل انقضائه ، بل وقبل البدء في تنفيذه في كثير من الأحيان ، باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون . فالانحلال باتفاق الطرفين هو التقايل ( resiliation conventionnelel ) . أما الأسباب التي يقررها القانون لانحلال العقد فأهمها الإلغاء بارادة منفردة ( resiliation unilaterale ) والفسخ ( resolution ) .

459 – التقايل : قد يتقايل المتعاقدان بأن يتفقا على إلغاء العقد . والتقايل يكون بإيجاب وقبول ، صريحين أو ضمنيين كما هو الأمر في العقد الأصلي ( [2] ) . والأصل أن التقايل ليس له أثر رجعي ، فيكون هناك عقدان متقابلان . فإذا تقايل المتبايعان البيع ، كان هناك عقد بيع أول من البائع إلى المشتري ، يعقبه عقد بيع ثان من المشتري إلى البائع . وقد يتراضى المتبايعان على أن يكون للتقايل أثر رجعي ، فيعتبر البيع بهذا التقايل كأن لم يكن .

وسواء كان للتقايل أثر رجعي أو لم يكن له هذا الأثر ، فهو على كل حال ، بالنسبة إلى الغير ثم بالنسبة إلى التسجيل ، عقد ثان اعقب العقد الأول . ويترتب على ذلك إنه إذا كان العقد الذي حصل التقايل فيه قد نقل ملكية عين ورتب من انتقلت إليه الملكية حقوقاً للغير على هذه العين ، فالتقايل لا يمس حقوق الغير ، وترجع العين إلى مالكها الأصلي مثقلة بهذه الحقوق . كذلك يجب تسجيل التقايل كما سجل العقد الأصلي حتى تعود الملكية إلى صاحبها الأول .

460 – الالغاء بارادة منفردة : وقد يجعل القانون لأحد المتعاقدين الحق في أن يستقل بإلغاء العقد . نص القانون على ذلك في عقود نذكر منها الوكالة والعارية والوديعة والمقاولة والقرض والايراد المؤبد وعقد التأمين والهبة والشركة .

ففي الوكالة ، يجوز للموكل في أي وقت أن ينهي الوكالة ( م 715 ) ، كما يجوز للوكيل أن ينزل في أي وقت عن التوكيل ( م 716 ) .

وفي العارية ، يجوز للمستعير أن يرد الشيء المعار قبل انقضاء العارية ( م 643 فقرة 3 ) ، ويجوز للمعاير أن يطلب إنهاء العارية قبل انقضائها في أحوال معينة ( م 644 ) .

وفي الوديعة ، يجب على المودع عنده أن يسلم الشيء إلى المودع بمجرد طلبه إلا إذا ظهر في العقد أن الأجل عين لمصلحة المودع عنده ، وللمودع عنده أن يلزم المودع بتسليم الشيء في أي وقت إلا إذا ظهر من العقد أن الأجل عين لمصلحة المودع ( م 722 ) .

وفي المقاولة ، لرب العمل أن يتحلل من العقد ويقف التنفيذ في أي وقت قبل اتمامه ، على أن يعوض المقاول عن جميع ما انفقه من المصروفات وما أنجزه من الأعمال وما كان يستطيع كسبه لو أنه اتم العمل ( م 663 فقرة 1 ) .

وفي القرض ، إذا اتفق على الفوائد كان للمدين إذا انقضت ستة أشهر على القرض أن يعلن رغبته في إلغاء العقد ورد ما اقترضه ، على أن يتم الرد في أجل لا يجاوز ستة أشهر من تاريخ هذا الإعلان ، وفي هذه الحالة يلزم المدين باداء الفوائد المستحقة عن ستة الأشهر التالية للإعلان ( م 544 ) .

وفي الدخل الدائن ، يجوز استبدال الدخل في أي وقت شاء المدين بعد انقضاء سنة على إعلانه الرغبة في ذلك ( م 546 ) .

وفي عقد التأمين على الحياة ، يجوز للمؤمن له الذي التزم بدفع أقساط دورية اني تحلل في أي وقت من العقد باخطار كتابي يرسله إلى المؤمن قبل انتهاء الفترة الجارية ، وفي هذه الحالة تبرأ ذمته من الاقساط اللاحقة ( م 759 ) . ويجوز له أيضاً ، متى كاىن قد دفع ثلاثة أقساط سنوية على الأقل . أن يصفى التأمين بشرط أن يكون الحادث المؤمن منه محقق الوقوع ، هذا ما لم يكن التأمين مؤقتاً ( م 762 ) .

وفي الهبة ، يجوز للواهب أن يرجع إذا قبل الموهوب له ذلك ، وهذا يعتبر تقايلا . فإذا لم يقبل الموهوب له ، جاز للواهب أن يطلب من لاقضاء الترخيص له في الرجوع ، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول ، ولم يوجد مانع من الرجوع ( م 500 – 503 ) . والرجوع في هذه الحالة الأخيرة أقرب إلى الفسخ ، لأنه يقع بترخيص من القضاء ويترتب عليه أن تعتبر الهبة كأن لم يكن .

وفي الشركة . يجوز للمحكمة أن تقضي بحلها بناء على طلب أحد الشركاء لسبب خطير يسوغ الحل ، وهذا ضرب من الفسخ كما يجوز لاي شريك إذا كانت الشركة معينة المدة أن يطلب من القضاءي اخراجه من الشركة متى استند في ذلك إلى أسباب معقولة ، وفي هذه الحالة تنحل الشركة ما لم يتفق الشركاء على استمرارها ( م 531 ) ، وهذا أيضاً ضرب من الفسخ لأنه لا يتم إلا بحكم القضاء ( [3] ) .

461 – الفسخ ووقف التنفيذ : وفي العقود الملزمة للجانبين . إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ، جاز للمتعاقد الآخر أن يطلب من القاضي فسخ العقد ، وللقاضي سلطة تقدير هذا الطلب ( [4] ) . ويجوز للمتعاقد أيضاً أن يقف تنفيذ العقد من جانبه حتى يوقم الطرف الآخر بالتنفيذ ، وهذا هو الدفع بعدم تنفيذ العقد .

ونقف عند الفسخ والدفع بعدم التنفيذ لاهميتها ، ونفصل ما يتعلق بهما من الأحكام .


 ( [1] ) أنظر في الإيجار م 563 ، وفي الشركة م 529 ، وفي عقد العمل م 694 فقرة 2 – هذا وقد يبقى العقد حتى بعد انتهاء مدته ، ويكون هذا إجراء استثنائياً يقضي به القانون في ظروف استثنائية ، كما في التشريعات الخاصة بعقود إيجار المباني عند اشتداد أزمة المساكن عقب حرب أو نحو ذلك . وقد ينقضي العقد حتى قبل انتهاء مدته بموت أحد المتعاقدين إذا روعيت شخصيته عند التعاقد ، كما في الشركة والمزارعة والإيجار الذي تراعى فيه شخصية المستأجر .

 ( [2] ) وقد قضت محكمة النقض بان التفاسخ ( التقايل ) كما يكون بإيجاب وقبول صريحين يكون بإيجاب وقبول ضمنين ، وبحسب محكمة المضووع إذا هي قالت بالفسخ الضمني أن تورد من الوقائع والظروف ما اعتبرته كاشفاً عن ارادتي طرفي التعاقد ، وأن تبين كيف تلاقت هاتان الارادتان على حل العقد ( نقض مدني في 16 أكتوبر سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 221 ص 470 ) . وقضت أيضاً بأن حصول التفاسخ من المسائل الموضوعية التي يستقل قاضي المضووع بتقديرها ، فإذا كانت المحكمة قد استخلصت حصول التفاسخ من عبارات واردة في أوراق الدعوى مؤدية إليه ، فلا سبيل عليها لمحكمة النقض فإذا كان كل ما شرطه المشتري في انذاره البائع لقبول التفاسخ هو عرض الثمن المدفوع مع جميع المصاريف والملحقات عرضاً حقيقياً على يد محضر في ظرف أسبوع ، وكانت هذه العبارة لا تدل بذاتها على أن الإيداع أيضاً في ظرف الأسبوع كان شرطاً للتفاسخ : وكان الثابت بالحكم أن المشتري تمسك بأن العرض لا يتحقق به فسخ البيع مستنداً في ذلك إلى أن المبلغ المعروض لم يكن شاملا الرسوم التي دفعت توطئة للتسجيل دون أية إشارة إلى شرط الإيداع في الأسبوع ، فإنه لا يجوز للمشتري أن يأخذ على الحكم أنه قد أخطأ إذ قال بصحة العرض في حين أن إيداع المبلغ المعروض لم يتم في الأسبوع ( نقض مدني في 15 أبريل سنة 1 948 مجموعة عمر 5 رقم 301 ص 601 ) .

 ( [3] ) وقد تضمن المشروع التمهيدي ثلاثة نصوص في إلغاء العقد ، حذفتها لجنة المراجعة جميعاً في المشروع النهائي لأنها تطبيق للقواعد العامة ، ويمكن الاستغناء عنها بالمادة 213 من هذا المشروع ( تقابلها المادة 147 من القانون الجديد ) .

وهذه النصوص هي :

م 255 من المشروع التمهيدي : لا يجوز إلغاء العقد إلا باتفاق المتعاقدين جميعاً ، وذلك فيما عدا العقود التي تنتهي بموت أحد المتعاقدين .

م 226 من المشروع التمهيدي : 1 – ومع ذلك يجوز أن ينفرد أحد المتعاقدين بإلغاء العقد إذا كان هذا الحق قد اشترط في العقد أو نص عليه في القانون . 2 – فإذا كان من أعطى الحق في إلغاء العقد قد تسف في استعمال هذا الحق جاز الرجوع عليه بالتعويض .

م 227 من المشروع التمهيدي : إذا ألغى العقد فلا ينتهي إلا من يوم انحلاله دون أن يكون لذلك أثر رجعي .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” والأصل أن إلغاء العقود لا يقع إلا بتراضي المتعاقدين ، فيجوز مثلا إلغاء عقد الإيجار إذا كان محدد المدة قبل انقضاء الأجل المعين له باتفاق المؤجر والمستأجر على ذلك ، ولكن يجوز أن يقع الإلغاء دون حاجة إلى التراضي في أحوال ثلاث : أولاها حالة العقود التي تكون فيها شخصية المتعاقد ملحوظة لذاتها كالزراعة ، فيقع الغاؤها بموت من كانت شخصيته محلا للاعتبار . والثانية حالة العقود التي يحتفظ فيها أحد المتعقادين لنفسه بحق الالغاء ، فيكون له أن يلغى العقد بارادته المنفردة ، ويكون للعاقد الآخر أن يقتضي ما يجب له من التعويض عند اساءة استعمال هذا الحق . أما الحالة الثالثة فهي حالة العقود التي ينص القانون بصددها على تخويل حق الإلغاء بارادة منفردة ، والأصل في هذه العقود أن تكون غير محددة المدة ( كالشركة والإجارة ) ، أو أن تكون قابلة للنقض بطبيعتها ( كالوكالة ) ، ويقع الإلغاء في هذه الحالة بالإرادة المنفردة التي خولها القانون ذلك ، في غير إخلال بما يكون للعاقد الآخر من حق في التعويض عند الاساءة في استعمال الحق ” .

 ( أنظر في كل هذا مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 331 – ص 332 في الهامش ) .

هذا ويتبين مما نقلناه من نصوص المشروع التمهيدي ومذكرته الإيضاحية أن إلغاء العقد بارادة منفردة قد يكون مشترطاً في العقد ذاته ، لا آتياً من نص في القانون ، فيستمد من له حق إلغاء العقد بارادته المنفردة هذا الحق من اتفاق سابق . وهذا ضرب من التقايل يتم باتفاق ارادتين سابقتين مقرونتين بصدور إرادة لاحقة ، ويشترط فيه ألا يتعسف صاحب حق الإلغاء في استعمال حقه .

 ( [4] ) والفسخ هو انحلال العقد؟؟؟؟؟؟؟؟

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

علاقة السببية بين الخطأ والضرر في القانون المدني

علاقة السببية بين الخطأ والضرر

454 – عب الإثبات : لا يكفي أن يكون هناك خطأ وضرر ، بل يجب أيضاً أن يكون الخطأ هو السبب في الضرر ، أي أن تكون هناك علاقة سببية ما بين الخطأ والضرر . فقد يكون هناك خطأ من المدين ، كما قد يكون هناك ضرر أصاب الدائن ، دون أن يكون ذلك الخطأ هو السبب في هذا الضرر . مثل ذلك أن يقود عامل النقل المركبة التي ينقل فيها بضائع الدائن بسرعة أكبر مما يجب ، ولكن البضائع كانت قابلة للكسر ولم يصفها صاحبها بحيث يأمن عليها من التلف حتى لو كان عامل النقل يسير بسرعة معتدلة ، فتتكسر البضائع ، فيكون الضرر الذي أصاب الدائن في هذه الحالة غير ناشيء من خطأ المدين بل من خطأ الدائن نفسه .

والمفروض أن علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر قائمة ، فلا يكلف الدائن إثباتها . بل إن المدين هو الذي يكلف بنفي هذه العلاقة إذا ادعى إنها غير موجودة فعبء الإثبات يقع عليه لا على الدائن . والمدين لا يستطيع نفي علاقة السببية إلا بإثبات السبب الأجنبي ، وذلك بأن يثبت أن الضرر يرجع إلى قوة قاهرة أو حادث فجائي ، أو يرجع إلى خطأ الدائن ، أو يرجع إلى فعل الغير . والنص صريح في هذا المعنى . فقد قضت المادة 215 بأنه ” إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ، ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه ( [1] ) .

455 – إحالة : يبين مما تقدم أن السببية ركن مستقل عن الخطأ ، وينعدم ركن السببية مع بقاء ركن الخطأ قائماً ، إذا كان الضرر لا يرجع إلى الخطأ ، بل يرجع كما قدمنا إلى سبب أجنبي . كذلك ينعدم ركن السببية حتى لو كان الخطأ هو السبب ولكنه لم يكن السبب المنتج ، أو كان السبب المنتج ، ولكنهن لم يكن السبب المباشر .

والكلام في السبب الأجنبي ، وفي السبب المنتج والسبب المباشر ، تشترك فيه المسئوليتان العقدية والتقصيرية . لذلك نرجئ بحث هذه المسائل حتى نعرض للمسئولية التقصيرية ، فنستوفى هناك بحثها تفصيلاً .


 ( [1] ) أنظر أيضاً المادة 1147 من القانون المدني الفرنسي .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

الضرر

الضرر

442 – عبُ إثبات الضرر : الركن الثاني في المسئولية العقدية هو الضرر . فلا بد من وجود ضرر حتى تترتب هذه المسئولية في ذمة المدين . والدائن هو الذي يحمل عبء إثبات الضرر ، لأنه هو الذي يدعيه . ولا يفترض وجود الضرر لمجرد أن المدين لم يقم بالتزامه العقدي ، فقد لا ينفذ المدين التزامه ولا يصيب الدائن ضرر من ذلك . ففي عقد النقل مثلاً ، إذا تأخر أمين النقل في تسليم البضاعة ، أو تأخر الراكب عن الوصول في الميعاد ، فإن مجرد التأخر لا يكفي لاستخلاص وجود الضرر ، بل يجب على الدائن أن يثبت أنه قد أصابه ضرر معين من جراء هذا التأخر ( [1] ) .

ويستثنى من ذلك فوائد النقود . فإذا استحقت فوائد عن التأخير ، قانونية كانت أو اتفاقية ، فإن الضرر مفترض ولا يكلف الدائن إثباته . بل لا يجوز للمدين أ ، يثبت أن الدائن لم يلحق به ضرر ليتخلص من المسئولية . وقد نصت المادة 228 على هذا الحكم فقالت : ” لا يشترط لاستحقاق فوائد التأخير ، قانونية كانت أو اتفاقية ، أن يثبت الدائن ضرراً لحقه من هذا التأخير ” .

أما الشرط الجزائي فلا يغني عن إثبات الضرر . ولكنه ينقل عبء الإثبات من الدائن إلى المدين . فالضرر مفروض إلا إذا أثبت المدين أنه لم يقع . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 224 على هذا الحكم إذ تقول : ” لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر ” .

443 – مسألتان للبحث : والضرر إما أن يكون مادياً أو أدبياً . والتعويض عن الضرر في المسئولية العقدية محدود المدى ، فلا تعويض إلا عن الضرر المتوقع .

فنبحث إذن مسألتين : ( 1 ) الضرر المادي والضرر الأدبي . ( 2 ) مدى التعويض عن الضرر .

 $ 1 – الضرر المادي والضرر الأدبي

444 – كيف يتحقق كل من الضرر المادي والضرر الأدبي : قد يصيب الدائن في المسئولية العقدية ضرر مادي في ماله أو في جسمه ، كالمعير لا يستطيع استرداد الشيء المعار ، وكالراكب يؤذي في سلامته عند النقل . والضرر المادي هو الأكثر الأغلب . ولكن قد يكون الضرر ، وهذا نادر في المسئولية العقدية ، أدبياً يصيب الدائن في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو نحو ذلك .

ويجب على كل حال في الضرر أن يكون واقعاً أو محقق الوقوع . ونبحث هذا الشرط في الضرر المادي لأن ظهور الحاجة إليه أكثر وضوحاً فيه . ثم نبحث الضرر الأدبي .

أ – الضرر المادي ( prejudice materiel ) :

445 – الضرر الحال ( prejudice actuel ) : الضرر الحال هو الضرر الذي وقع فعلاً . والأصل أن التعويض يكون عن الضرر الحال . ويعوض عن الضرر المستقبل إذا كان محقق الوقوع كما سنرى .

أما إذا لم يقع أصلاً فلا تعويض . مثل ذلك تأخر الراكب في الوصول قد لا ينجم عنه ضرر ، فلا يرجع الراكب بتعويض على أمين النقل . وإذا كلف الموكل وكيله أن يقيد رهناً لمصلحته ، فلا يقوم الوكيل بقيد الرهن ، ويتبين بعد ذلك أن العقار المرهون كان قبل الرهن مستغرقاً بالدين ، فلا تعويض للموكل إذا لم يلحقه ضرر .

446 – الضرر المستقبل ( Prejudice futur ) : وقد لا يقع الضرر في الحال ، ولكن يكون محقق الوقوع في المستقبل . مثل ذلك مصنع يتعاقد على استيراد خامات يدخرها للمقبل من الأيام ، فيخل المورد بالتزامه نحوه . فالضرر هنا لا يلحق المصنع في الحال إذ عنده خامات كافية ، ولكن يلحق به الضرر مستقبلاً عندما ينفذ ما عنده ويصبح في حاجة إلى الجديد الذي تعاقد على استيراده . ولما كان الضرر في هذا المثل محقق الوقوع في المستقبل ، ويستطاع تقدير التعويض عنه في الحال ، فإن للمصنع أن يرجع فوراً بالتعويض على المورد . ولكن قد يحث أن الضرر المستقبل يكون محقق الوقوع ولا يستطاع تقدير التعويض عنه في الحال ، إذ يتوقف مدى الضرر على عامل مجهول لما يعرف . مثل ذلك راكب يصاب بحادث في أثناء النقل ولا تعرف مدى إصابته إلا بعد وقت غير قصير ، فإذا رجع على أمين النقل بتعويض ، وجب التربص حتى يعرف مدى الضرر ليتقاضى عنه تعويضاً كافياً . وسنعالج هذه المسألة بتفصيل أو في المسئولية التقصيرية .

447 – الضرر المحتمل ( prejudice eventuel ) : وقد يكون الضرر محتملاً : لا هو قد تحقق فعلاً ، ولا هو محقق الوقوع في المستقبل . مثل ذلك أن يحدث المستأجر بالعين المؤجرة خللاً يخشى معه أن تتهدم العين . فالخلل ضرر حال ، ولكن تهدم العين ضرر محتمل . ويعوض المؤجر عن الضرر الحال فوراً . أما الضرر المحتمل فلا يعوض عنه إلا إذا تحقق . وسنرى عند الكلام في المسئولية التقصيرية أنه يجب التمييز أيضاً بين الضرر المحتمل ، ولا يعوض عنه إلا إذا تحقق كما قدمنا ، وتفويت الفرصة ، ويعوض عنه في الحال .

ب – الضرر الأدبي ( prejudice moral ) :

448 – أمثلة على الضرر الأدبي في المسئولية العقدية : سنرى عند الكلام في المسئولية التقصيرية أن الضرر الأدبي قد يصيب الجسم فيما يلحق به من ألم أو يحدث فيه من تشويه ، وقد يصيب الشرف والاعتبار والعرض ، وقد يصيب العاطفة والحنان والشعور . وهو إذا كان يقع كثيراً في المسئولية التقصيرية ، فإن وقوعه في المسئولية العقدية نادر . إذ الأصل أن الشخص يتعاقد على شيء ذي قيمة مالية .

ولكن هذا لا يمنع من أن تكون هناك مصلحة أدبية للمتعاقد في تنفيذ العقد ، فإذا أخل المدين بالتزامه لحق الدائن من ذلك ضرر أدبي . فالراكب إذا أصيب بجرح في أثناء النقل لحقه من ذلك ضرر أدبي في جسمه . والطبيب إذا أساء علاج المريض أصابه كذلك بضرر أدبي في صحته . وقد يذيع الطبيب سراً للمريض لا تجوز إذاعته ، فيصيب المريض بضرر أدبي في سمعته . كذلك قد يذيع الوكيل عن موكله ما يؤذيه في اعتباره . وقد يشتري شخص تذكاراً عائلياً ليست له إلا قيمة أدبية محضة بالنسبة إليه ، فإذا أخل البائع بتنفيذ التزامه كان الضرر الذي يصيب المشتري من جراء ذلك ضرراً أدبياً . والناشر إذا نشر كتاباً لمؤلف فشوهه ، قد يصيب المؤلف بضرر مادي ، ولكن المحقق أن يصيبه بضرر أدبي . والفنان إذا تعاقد مع شخص على عمل فني ، ففسخ المتعاقد معه العقد فسخاً تعسفياً ، قد يرى في هذا الفسخ إضراراً أدبياً بسمعته . والقطار إذا تأخر عن الوصول في ميعاده ، فلم يستطع أحد الركاب أن يشيع جنازة عزيز عنده بسبب هذا التأخر ، يكون قد أحدث ضرراً أدبياً للراكب في عاطفته . بل إن امتناع المدين عمداً عن تنفيذ العقد يجعل التعويض أوسع مدى ، إذ يمتد إلى الضرر غير المتوقع ، وليس هذا إلا ضرباً من التعويض عن ضرر أدبي أصاب الدائن بسبب سوء نية المدين .

449 – جواز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية : وقد ناقش الفقهاء في فرنسا جواز التعويض عن الضرر الأدبي بوجه عام ، وعن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية بوجه خاص . وإذا لم يكن الآن لجواز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية التقصيرية خصوم يعتد بهم ، فإن بعضاً من الفقهاء لا يجيز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية . ويرجع السبب في ذلك إلى أن تقاليد القانون الفرنسي القديم كانت لا تجيز هذا التعويض ، وقد ردد دوماً وبوتييه هذا الحكم زاعمين خطأ أنه هو حكم .القانون الروماني . ولكن الكثرة في الفقهاء الفرنسيين تجيز التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية ( [2] ) .

أما في القانون المصري ، فقد كان التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية العقدية جائزاً فقهاً وقضاء ( [3] ) . وأورد القانون الجديد نصاً صريحاً في جواز التعويض عن الضرر الأدبي في كل من المسئوليتين التقصيرية والعقدية ، فنصت الفقرة الأولى من المادة 222 من هذا القانون على ما يأتي : ” يشمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً ، ولكن لا يجوز في هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق أو طالب الدائن به أمام القضاء ” .

450 – إحالة : وسنستوفى بحث التعويض عن الضرر الأدبي عند الكلام في المسئولية التقصيرية . فما يقال هناك ينطبق هنا ، وبخاصة في تعيين من له حق المطالبة بتعويض عن الضرر الأدبي ومتى يمكن انتقال هذا الحق .

 $ 2 – مدى التعويض عن الضرر

451 – الضرر المباشر المتوقع هو الذي يعوض عنه في المسئولية العقدية : الضرر غير المباشر ( indirect ) لا يعوض عنه أصلاً ، لا في المسئولية العقدية ولا في المسئولية التقصيرية ، فلا يعوض إذن في المسئوليتين إلا عن الضرر المباشر ( direct ) .

ولكن في المسئولية التقصيرية يعوض عن كل ضرر مباشر ، متوقعاً كان ( previsible ) أو غير متوقع ( imprevisible ) أما في المسئولية العقدية فلا يعوض إلا عن الضرر المباشر المتوقع في غير حالتي الغش والخطأ الجسيم . وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 221 صراحة على هذا الحكم إذ تقول :

 ” ومع ذلك إذا كان الالتزام مصدره العقد ، فلا يلتزم المدين الذي لم يرتكب غشاً أو خطأ جسيماً إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد ( [4] ) ” .

ونأتي بمثال يوضح ذلك ننقله عن ” نظرية العقد ( [5] ) ” : يضطر المستأجر لإخلاء المنزل قبل انقضاء مدة الإيجار لعدم قيام المؤجر بالتزامه من ترميم اشترطه عليه المستأجر . فينتقل إلى منزل مساو للمنزل الأول ولكنه أعلى اجرة ، وتتلف بعض المفروشات في أثناء النقل . ثم يكون في المنزل الجديد ” ميكروب ” مرض معد ينقل إليه هذا المرض . فالفرق في الأجرة ما بين المنزلين هو الضرر المباشر المتوقع . وقيمة المفروشات التي تلفت هي الضرر المباشر غير المتوقع . وما يتسبب عن المرض هو الضرر غير المباشر . والمؤجر لا يكون مسئولا إلا عن الضرر المباشر المتوقع ، ما لم يكن قد أخل بالتزامه عمداً أو عن خطأ جسيم فيكون مسئولا عن الضرر المباشر المتوقع . وقيمة المفروشات التي تلفت هي الضرر المباشر غير المتوقع . وما يتسبب عن المرض هو الضرر غير المباشر . والمؤجر لا يكون مسئولا إلا عن الضرر المباشر المتوقع ، ما لم يكن قد أخل بالتزامه عمداً أو عن خطأ جسيم فيكون مسئولا عن الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع كما في المسئولية التقصيرية . ولا يكون المدين مسئولا عن الضرر غير المباشر أصلاً حتى في المسئولية التقصيرية ( [6] ) ” .

ومن المهم إذن أن نحدد عند اللبس ما إذا كانت المسئولية عقدية لا تعويض فيها إلا عن الضرر المتوقع ، أو هي مسئولية تقصيرية يكون التعويض فيها حتى عن الضرر غير المتوقع . فإذا أصيب الراكب في حادث وتحققت مسئولية أمين النقل العقدية ، لم يكن أمين النقل مسئولا قبل الراكب وورثته من بعده إلا عن الضرر المتوقع عن هذا الحادث . أما إذا طالبت الورثة بتعويض باسمهم الشخصي ، لا باعتبارهم ورثة ، فإن ذلك يكون على أساس المسئولية التقصيرية ، ويستطيعون على هذا الأساس أن يحصلوا على تعويض ما أصابهم هم ، لا ما أصاب مورثهم من ضرر متوقع أو غير متوقع ( [7] ) .

452 – ماذا يبرر قصر التعويض في المسئولية العقدية على الضرر المتوقع : ويقال عادة في تبرير قصر التعويض على الضرر المتوقع إن المتعاقدين لم يتعاقدا إلا على ما يتوقعانه من الضرر . فالضرر غير المتوقع لا يدخل في دائرة التعاقد ، فلا تعويض عنه . أما إذا كان هناك غش – أو ما يعادل الغش من خطأ جسيم – في جانب المدين ، فمسئولية المدين تنقلب إلى مسئولية تقصيرية تشمل الضرر غير المتوقع . وينتقد الاستاذان هنري وليون مازو فكرة انقلاب المسئولية العقدية بالغش إلى مسئولية تقصيرية ، إذ لا يزال المدين مسئولا بالعقد ، حتى لو كان سيء النية في عدم تنفيذه . ويريان أن المسئولية عن الضرر غير المتوقع في هذه الحالة ليست إلا عقوبة مدنية نص عليها القانون ( [8] ) .

ونرى من جانبنا أن تلمس مبرراً للقاعدة في الاعتبارات الآتية : الأصل في المسئولية ، عقدية كانت أو تقصيرية ، وجوب التعويض عن الضرر المباشر أكمله ، حتى لو كان غير متوقع . ذلك أن المدين مسئول عن كل هذا الضرر ، فهو الذي أحدثه مباشرة بخطأه . إلا أن المسئولية العقدية تتميز بأنها تقوم على العقد ، فإرادة المتعاقدين هي التي تحدد مداها . وقد افترض القانون أن هذه الإرادة قد انصرفت إلى جعل المسئولية عن الضرر مقصورة على المقدار الذي يتوقعه المدين ، فهذا هو المقدار الذي يمكن اني فترض افتراضاً معقولاً أن المدين قد ارتضاه . ويكون هذا الافتراض المعقول بمثابة شرط اتفاقي يعدل من مقدار المسئولية بقصرها على مقدار معين هو مقدار الضرر المتوقع . ولكن لما كان هذا الشرط باطلا في حالتي غش المدين وخطأه الجسيم كما قدمنا ، أصبح المدين في هاتين الحالتين ملتزماً بالتعويض عن كل الضرر ، متوقعاً كان أو غير متوقع ، لأنه رجع إلى الأصل بعد أبطال الشرط الاتفاقي الذي يعدل من مقدار المسئولية . ولعل هذا التبرير يعين على تفسير القواعد التي سنبسطها الآن في تحديد الضرر المتوقع .

453 – تحديد الضرر المتوقع – توقع سبب الضرر ومقداره – معيار موضوعي : لما كان مفروضاً أن المدين في المسئولية العقدية لم يزم نفسه إلا بالضرر المتوقع كما قدمنا ، وجب ، جرياً وراء هذا القرض المعقول ، أن يكون المدين قد توقع الضرر ، لا في سببه فحسب ، بل أيضا في مقداره . فإذا تعهدت شركة نقل ينقل ” طرد ” ، ثم ضاع ” الطرد ” في الطريق ، وتبين أنه يحتوى على أشياء ثمينة لم تكن الشركة تتوقعها عند إبرام العقد ، فلا تكون الشركة مسئولة عن كل القيمة بدعوى إنها كانت تتوقع سبب الضرر ، وهو وقع خطأ من عمالها قد يسبب ضياع ” الطرد ” ، بل لا تكون مسئولة إلا عن القيمة المعقولة ” للطرد ” ، إذ هي لا تسأل إلا عن الضرر الذي كانت تتوقعه في سببه وفي مقداره ( [9] ) .

وينبني أيضاً على هذا الفرض المعقول من أن المدين لم يلتزم إلا بالضرر المتوقع ، أن الوقت الذي ينظر فيه إلى توقع الضرر هو وقت إبرام العقد فلو أن المدين لم يتوقع الضرر في هذا الوقت ، ثم توقعه بعد ذلك ، فإنه لا يكون مسئولا عنه ، لأنه لم يلتزم به وقت إبرام العقد . وهذا هو ما ورد صراحة في الفقرة الثانية من المادة 221 ، إذ تنص على أن المدين الذي لم يرتكب غشاً أو خطا جسيما لا يلتزم ” إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد ” .

وتوقع المدين للضرر يقاس بمعيار موضوعي لا بمعيار ذاتي . فالضرر المتوقع هو – كما يقول النص – الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة ، أي الضرر الذي يتوقعه الشخص المعتاد في مثل الظروف الخارجية التي وجد فيها المدين ، لا الضرر الذي يتوقعه هذا المدين بالذات . فإذا أهمل المدين في تبين الظروف التي كان من شأنها أن تجعله يتوقع الضرر ، فإن الضرر يعتبر متوقعاً . لأن الشخص المعتاد لا يهمل في تبين هذه الظروف . أما إذا كان عدم توقع المدين للضر يرجع إلى فعل الدائن ، كأن سكت الدائن عن إخطار شركة النقل بأن ” الطرد ” يحتوى على أشياء ثمينة بالرغم من مظهره ، فإن الشركة لا تكون مسئولة عن هذا الضرر ، إذ من حقها إلا تتوقعه ، وهذا ما كان الشخص المعتاد يفعله ، كذلك إذا أعطى الدائن للمدين ببيانات غير صحيحة ، للحصول مثلا على تعريفة مخفضة للنقل ، فلا ينتظر من المدين أن يتوقع الضرر الذي يترتب على عدم صحة هذه البيانات . بل إن سكوت المدين عن إعطاء بيانات لازمة قد يعتبر في بعض الأحوال إخفاء للضرر ، فيكون المدين معذوراً إذا لم يتوقعه . فإذا سكت الراكب عن أن يبين لأمين النقل أنه يريد الوصول في الميعاد لأنه سيشترك في سباق ، أو سيؤدي امتحاناً ، أو سيحضر اجتماعاً هاماً ، أو سيمضي عقداً ، أو سيتقدم في مزاد ، أو نحو ذلك من الأشياء العاجلة التي يجب أن تتم في وقت محدد ، فلا يكون أمين النقل مسئولا عما يقع من ضرر لم يكن يتوقعه إذا وصل الراكب متأخراً عن الميعاد ، وإنما يكون مسئولا عن الضرر الذي ينجم عن التأخر في الظروف المعتادة . أما إذا رجع عدم توقع الضرر لا إلى فعل المدين ولا إلى فعل الدائن ، بل إلى سبب أجنبي عنهما معاً ، فإن المعيار الموضوعي للشخص المعتاد هو الذي يطبق في هذه الحالة ، وينظر هل كان الشخص المعتاد في مثل هذه الظروف الخارجية يتوقع الضرر أو لا يتوقعه ( [10] ) .


 ( [1] ) أنظر فيما يتعلق بعقد النقل مازو 2 فقرة 1682 .

 ( [2] ) أنظر في الفقه الفرنسي مازو 1 فقرة 329 – فقرة 334 .

 ( [3] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 853 ص 959 .

 ( [4] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في الفقرة الثانية من المادة 299 من المشروع التمهيدي على وجه مطابق . وقد أقرته لجنة المراجعة تحت رقم المادة 228 في المشروع النهائي . وأقره مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم المادة 221 ، ثم مجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 563 – ص 566 ) .

ويقابل هذا النص في القانون المدني القديم المادتان 122 / 180 من هذا القانون ، ويجريان على الوجه الآتي : ” ومع ذلك إذا كان عدم الوفاء ليس ناشئاً عن تدليس من المدين ، فلا يكون ملزماً إلا بما كان متوقع الحصوص عقلا وقت العقد ” .

وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويكون للمسئولية التعاقدية ، في حالتي الغش والخطأ الجسيم ، حكم المسئولية التقصيرية . أما في غير هاتين الحالتين فلا يسأل المدين عن النتيجة الطبيعية للتخلف عن الوفاء بمجردها ، بل يشترط أن تكون النتيجة مما يمكن توقعه عادة وقت التعاقد . فإذا لم يتحقق في النتيجة هذا الشرط ، خرجت بذلك من نطاق المسئولية التعاقيدة وسقطت وجوب التعويض عنها ، ويراعى في هذا الصدد أن توقع المتعاقدين للضرر الواجب تعويضه يجب إلا يقتصر على مصدر هذا الضرر أو سببه ، بل ينبغي أن يتناول فوق ذلك مقداره أو مداه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 565 ) .

 ( [5] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 854 ص 959 .

 ( [6] ) استئناف مختلط في 8 ابريل سنة 1897 م 9 ص 263 – وفي 10 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 – وفي 9 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 51 – نقض فرنسي في 18 مايو سنة 1915 سيريه 1917 – 1 – 38 .

 ( [7] ) مازو 3 فقرة 2377 .

 ( [8] ) أنظر مازو 3 فقرة 2375 – 3 إلى فقرة 2376 .

 ( [9] ) نقض فرنسي في 7 يولية سنة 1924 سيريه 1925 – 1 – 321 – ومع ذلك أنظر نقض فرنسي في 11 يونية سنة 1928 جازيت دي باليه 1928 جازيت دي باليه 1928 – 2 – 327 – مازو 3 فقرة 2388 .

 ( [10] ) أنظر انتقاداً لقاعدة قصر المسئولية العقدية على الضرر المتوقع في مازو 3 فقرة 2391 .

نقلا عن محامي أردني

المسئولية العقدية ( جزاء العقد ) في القانون المدني

المسئولية العقدية ( جزاء العقد )

424 – نطاق المسئولية العقدية ( [2] ) : المسئولية العقدية تقابل المسئولية التقصيرية . فالأولى جزاء العقد ، والثانية جزاء العمل غير المشروع : ويعنينا هنا المسئولية العقدية ، أما المسئولية التقصيرية فستكون محل البحث عند الانتقال إلى العمل غير المشروع كمصدر للالتزام .

وقيام المسئولية العقدية يفترض أن هناك عقداً صحيحاً واجب التنفيذ لم يقم المدين بتنفيذه . ففي هذه الحالة تقول الفقرة الأولى من المادة 199 : ” ينفذ الالتزام جبراً على المدين ” . وتقول الفقرة الأولى من المادة 203 : ” يجبر المدين بعد إعذاره طبقاً للمادتين 219 و 220 على تنفيذ التزامه تنفيذاً عينياً متى كان ذلك ممكناً ” فإذا أمكن التنفيذ العيني – وطلبه الدائن – أجبر المدين عليه . وإلى هنا لا تقوم المسئولية العقدية ، إذ نحن في صدد التنفيذ العيني للالتزام لا في صدد التعويض عن عدم تنفيذه . أما إذا لم يكن التنفيذ العيني – أو أمكن ولكن الدائن طلب التعويض ولم يبد المدين استعداده للتنفيذ العيني – ففي هذه الحالة لا يسع القاضي إلا أن يحكم بالتعويض إذا توافرت شروطه ، جزاء عدم تنفيذ الالتزام . وهنا تقوم المسئولية العقدية . فالدائن يطالب المدين بالتعويض . فعلى القاضي أن يبحث هل المدين مسئول حقاً عن عدم تنفيذ التزامه العقدي . وتجيب المادة 215 – وهي نص جوهري في كل من المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية ومن ثم وضعت في الباب المعقود لآثار الالتزام – بأنه ” إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عيناً حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ، ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه ” . فما هي إذن الأركان التي تقوم عليها المسئولية العقدية؟ وما هي الآثار التي تترتب عليها إذا قامت أركانها؟ هذه هي في إيجاز المسائل التي تشتمل عليها المسئولية العقدية .

ويتبين مما تقدم أن المسئولية العقدية لا شأن لها بالتنفيذ العيني للالتزام العقدي ( [3] ) . وهي أيضاً لا تتحقق إذا أثبت المدين أن الالتزام قد استحال تنفيذه بسبب أجنبي . وإنما تتحقق المسئولية العقدية إذا لم ينفذ المدين التزامه العقدي تنفيذاً عينياً ولم يستطع أن يثبت أن التنفيذ قد استحال بسبب أجنبي .

425 – تشتت مسائل المسئولية العقدية – خطة البحث : ومسائل المسئولية العقدية على النحو الذي بسطناه موزعة في أمكنة متفرقة ونحن قلم شتاتها هنا . ولكنا مع ذلك نترك الكلام في التمييز بينها وبين المسئولية التقصيرية . وهل تتعدد المسئوليتان . وهل تجوز الخيرة بينهما إذا تعددتا ، إلى باب العمل غير المشروع . ونترك كذلك الكلام في تقدير التعويض تقديراً قضائياً أو اتفاقياً أو قانونياً . وما يسبق استحقاق التعويض من إعذار ، إلى الجزء الذي نتناول فيه الكلام في آثار الالتزام ( [4] ) .

ويبقى بعد ذلك من مسائل المسئولية العقدية أركانها وآثارها كما قدمنا . ولكنا – توخياً للإيجاز – سندمج آثار المسئولية العقدية في أركانها ، على خلاف الخطة التي سنتبعها في المسئولية التقصيرية إذ يقتضي المقام هناك الإسهاب والتبسيط .

وأركان المسئولية العقدية – كأركان المسئولية التقصيرية – ثلاثة : ( 1 ) الخطأ العقدي . ( 2 ) الضرر . ( 3 ) علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر . ونبحثها الآن ركناً ركناً .

المطلب الأول

الخطأ العقدي

 ( La faute contractuelle )

426 – مسائل ثلاث : الأصل أن يكون المدين مسئولاً عن خطأه الشخصي . ولكنه قد يكون مسئولاً عن عمل الغير أو عن الأشياء التي في حراسته ، كما هو الأمر في المسئولية التقصيرية . وقد تعدل قواعد المسئولية العقدية بالاتفاق أو عن طريق التأمين .

فنحن نبحث إذن مسائل ثلاثاً : ( 1 ) الخطأ العقدي في مسئولية المدين عن عمله الشخصي . ( 2 ) المسئولية عن الغير أو عن الأشياء . ( 3 ) تعديل قواعد المسئولية العقدية بالاتفاق أو عن طريق التأمين .

 $ 1 – الخطأ العقدي في مسئولية المدين عن عمله الشخصي

427 – ما هو الخطأ العقدي : نبادر إلى القول بأن الخطأ العقدي هو عدم تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ من العقد . فالمدين قد التزم بالعقد . فيجب عليه تنفيذ التزامه . والنصوص كثيرة في هذا المعنى . تقول المادة 147 فقرة أولى : ” العقد شريعة المتعاقدين ” . وتقول المادة 148 فقرة أولى : ” يجب تنفيذ العقد طبقاً لما أشتمل عليه ” . وتقول المادة 199 فقرة أولى : ” ينفذ الالتزام جبراً على المدين ” . وتقول المادة 203 فقرة أولى : ” يجبر المدين بعد إعذاره طبقاً للمادتين 219 و 220 على تنفيذ التزامه تنفيذاً عينياً متى كان ذلك ممكناً ” . وتقول المادة 215 : ” إذا استحال على المدين أن ينفذ التزامه عيناً حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ” .

فإذا لم يقم المدين في العقد بالتزامه كان هذا هو الخطأ العقدي . ويستوي في ذلك أن يكون عدم قيام المدين بالالتزام ناشئاً عن عمده ، أو عن إهماله ، أو عن فعله ( أي دون عمد أو إهمال ) . بل إن الخطأ العقدي يتحقق حتى لو كان عدم قيام المدين بالالتزام ناشئاً عن سبب أجنبي لا يد له فيه كالقوة القاهرة . ولكن يلاحظ في هذه الحالة الأخيرة أنه إذا تحقق الخطأ العقدي ، فإن علاقة السببية – وهي ركن في المسئولية العقدية – تنعدم ، ولا تتحقق المسئولية على ما سنرى . وعلى هذا الوجه ينبغي فهم المادة 373 ، وهي تنص على أنه ” ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء أصبح مستحيلاً عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه ” . فانقضاء الالتزام هنا إنما يكون نتيجة لاستحالة تنفيذه عيناً ولعدم تحقق المسئولية العقدية بانعدام أحد أركانها .

ويتبين مما قدمناه أن الخطأ العقدي ليس هو إلا عدم قيام المدين بالتزامه الناشئ عن العقد ، أيا كان السبب في ذلك .

428 – نوعان من الالتزامات : الالتزام بتحقيق غاية والالتزام ببدل عناية : ولكن يجب في هذا الصدد أن نميز بين نوعين من الالتزامات .

فهناك التزام تنفيذه لا يكون إلا بتحقيق غاية معينة هي محل الالتزام . فالالتزام بنقل حق عيني – أياً كان محل الحق – والالتزام بعمل معين – تسليم عين أو إقامة مبنى أو نحو ذلك – والالتزام بالامتناع عن مل معين ، كل هذه الالتزامات يقصد بها تحقيق غاية معينة ، هي نقل الحق أو القيام بالعمل أو الامتناع عن العمل ، فتنفيذها لا يكون إلا بتحقيق هذه الغاية . فإذا لم تتحقق الغاية – أياً كان السبب في ذلك – بقى الالتزام غير منفذ . وقد اصطلح على تسمية هذا النوع من الالتزام في الفقه الفرنسي بعبارة ( Obligation de resultat ) ونسميه نحن ” الالتزام بتحقيق غاية ” .

وهناك التزام لا يرمي إلى تحقيق غاية معينة ، بل هو التزام ببذل الجهد للوصول إلى غرض ، تحقق الغرض أو لم يتحقق . فهو إذن التزام بعمل ، ولكنه عمل لا تضمن نتيجته . والمهم فيه أن يبذل المدين لتنفيذه مقداراً معيناً من العناية . والأصل أن يكون هذا المقدار هو العناية التي يبذلها الشخص العادي ، ويزيد هذا المقدار و ينقص تبعاً لما ينص عليه القانون أو يقضي به الاتفاق . فمتى بذل المدين العناية المطلوبة منه ، يكون قد نفذ التزامه ، حتى لو لم يتحقق الغرض المقصود . فالمستأجر يجب عليه أن يبذل من العناية في استعمال العين المؤجرة وفي المحافظة عليها ما يبذل الشخص المعتاد ( م 583 فقرة أولى ) . وعلى المستعير أ ،يبذل في المحافظة على الشيء العناية التي يبذلها في المحافظة على ماله دون أن ينزل في ذلك عن عناية الرجل المعتاد ( م 641 فقرة أولى ) . وإذا كانت الوديعة بغير أجر وجب على المودع عنده أ ، يبذل من العناية في حفظ الشيء ما يبذله في حفظ ماله دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد ، أما إذا كانت الوديعة بأجر فيجب أ ، يبذل في حفظ الوديعة عناية الرجل المعتاد ( م 720 ) . وإذا كانت الوكالة بلا أجر وجب على الوكيل أ ، يبذل دائماً في تنفيذها عناية الرجل المعتاد ( م 704 ) . وقد عرضت المادة 211 لهذا النوع من الالتزام في عمومه ، فنصت على ما يأتي : ” 1 – في الالتزام يعمل ، إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء أو أن يقوم بإدارته أو أن يتوخى الحيطة في تنفيذ التزامه ، فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي . ولو لم يتحقق الغرض المقصود . هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غيره . 2 – وفي كل حالة يبقى المدين مسئولاً عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم ( [5] ) ” . وقد اصطلح على تسمية هذا النوع من الالتزام في الفقه الفرنسي بعبارة ( Obligation de moyen ) أو بعبارة ( obligation generale de prudence et diligence ) ونسميه نحن ” الالتزام ببذل عناية ( [6] ) ” .

فإذا قلنا بعد ذلك إن الخطأ العقدي هو عدم تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ من العقد ، وجب أن نميز في هذا الصدد بين هذين النوعين من الالتزام . فالالتزام بتحقيق غاية يكون الخطأ العقدي فيه هو عدم تحقيق هذه الغاية ( [7] ) . والالتزام ببذل عناية يكون الخطأ العقدي فيه هو عدم بذل العناية المطلوبة ( [8] ) .

429 – إثبات الخطأ العقدي : والأصل أن الدائن هو المكلف بإثبات الدين ، والمدين هو المكلف بإثبات التخلص منه ( م 389 ) . ولكن مجال تطبيق هذه القاعدة يكون ندما يطالب الدائن المدين بتنفيذ التزامه عيناً فعلى الدائن في هذه الحالة أن يثبت مصدر الالتزام ( العقد مثلاً ) ، فإذا أدعى المدين أنه نفذه فعليه هو أن يثبت ذلك . وإلا حكم عليه بالتنفيذ العيني . أما في إثبات الخطأ العقدي فالأمر مختلف : الدائن لا يطالب المدين بتنفيذ الالتزام عيناً ، بل يطالبه بتعويض لعدم تنفيذ الالتزام . فالدائن هو الذي يدعى أن المدين لم ينفذ التزامه ومن أجل ذلك يطالبه بالتعويض . فعلى الدائن إذن يقع عبء إثبات أن المدين لم ينفذ التزامه ( [9] ) . فإذا أثبت ذلك كان هذا إثباتاً للخطأ العقدي على النحو الذي أسلفناه . ولما كان على الدائن أيضاً أن يثبت الضرر ، وكانت علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر مفروضة كما سنرى ، فإن الدائن متى أثبت عدم تنفيذ الالتزام وأثبت الضرر الذي أصابه يكون قد اضطلع بما يقع على عاتقه من إثبات . فاستحق التعويض . وهذا ما لم ينف المدين السببية المفترضة بإثبات السبب الأجنبي .

ونطبق هذه القواعد على الالتزام بغاية والالتزام بعناية .

ففي الالتزام بغاية ، كالتزام البائع بنقل ملكية المبيع ، يثبت الدائن – وهو هنا المشتري – عقد البيع وعدم انتقال ملكية المبيع إليه . فيثبت بذلك في جانب البائع خطأ عقدياً ، لا يستطيع هذا أ ، ينفيه بإثبات أن بذل كل ما في وسعه لنقل ملكية المبيع إلى المشتري فلم يستطع . لأنه ملزم بتحقيق غاية . وليس أمامه إلا أ ، يثبت السبب الأجنبي لنفي علاقة السببية ، وإلا فالخطأ ثابت في جانبه ومسئوليته العقدية متحققة . ولا نقول هنا – كما كان يقال عادة – إن عدم تنفيذ البائع لالتزامه يجعل الخطأ العقدي مفروضاً في جانبه ، بل نقول إن عدم تنفيذ الالتزام هو بعينه الخطأ العقدي ، وقد أثبته الدائن ، فليس هو بالخطأ المفروض في جانب المدين ، بل هو خطأ ثابت ( [10] ) . وللبائع ، عند ما يثبت المشتري عقد البيع ، ألا يقف موقفاً سلبياً ويترك المشتري يثبت الخطأ العقدي على النحو الذي بيناه ، بل يقف موقفاً إيجابياً ويثبت أنه قد قام بتنفيذ التزامه عيناً ونقل ملكية المبيع إلى المشتري فلا محل إذن لمطالبته بالتعويض ، فنخرج بذلك من نطاق المسئولية العقدية إلى نطاق التنفيذ العيني .

وفي الالتزام بعناية . كالتزام الطبيب بعلاج المريض ( [11] ) ، يثبت المريض أن الطبيب التزم بعلاجه – وهذا هو العقد الصريح أو الضمني – ويثبت إلى جانب ذلك أن الطبيب لم ينفذ التزامه فلم يبذل في علاجه العناية المطلوبة ، بأن يثبت على الطبيب إهمالاً معيناً أو انحرافاً على أصول الصنعة . فإذا أثبت ذلك كان هذا إثباتاً لخطأ الطبيب العقدي . وما على المريض بعد ذلك إلا أن يثبت الضرر ليستحق التعويض ، ما لم يثبت الطبيب أن عدم تنفيذه لالتزامه وقعوده عن بذل العناية المطلوبة إنما يرجع إلى سبب أجنبي ، فتنعدم علاقة السببية ، ولا تتحقق المسئولية العقدية . وللطبيب هنا أيضاً ، عندما يثبت المريض العقد ، ألا يقف موقفاً سلبياً ويترك المريض يثبت عليه الخطأ العقدي ، بل ينتقل من نطاق المسئولية العقدية إلى نطاق التنفيذ العيني ، فيثبت أنه قد نفذ التزامه تنفيذاً عينياً وبذل كل العناية المطلوبة منه في علاج المريض ( [12] ) .

430 – نظرية مهجورة – تدرج الخطأ ( gradation des fautes ) : وهناك نظرية قديمة مهجورة تقسم الخطأ العقدي غير العمد إلى أقسام ثلاثة : خطأ جسيم ( culpa lata ) وهو الخطأ الذي لا يرتكبه حتى الشخص المهمل ، وهو خطأ أقرب ما يكون إلى العمد ويلحق به – وخطأ يسير ( culpa levis ) وهو الخطأ الذي لا يرتكبه شخص معتاد – وخطأ تافه ( culpa levissima ) وهو الخطأ الذي لا يرتكبه شخص حازم حريص . وهذه النظرية تقسم أيضاً العقود إلى طوائف ثلاث : عقد لمنفعة الدائن وحده كالوديعة ، وفيه لا يسأل المدين إلا عن الخطأ الجسيم – وعقد لمنفعة المتعاقدين معاً كالإيجار ، وفيه يسأل المدين عن الخطأ اليسير – وعقد لمنفعة المدين وحده ، وفيه يسأل المدين حتى عن الخطأ التافه .

وقد نسبت هذه النظرية خطأ إلى القانون الروماني ، وهي ليست منه ، بل هي من خلق القانون الفرنسي القديم . نرى دوماً يرسم خطوطها الرئيسية ( [13] ) ، ونراها مبسوطة بوضوح عند بوتييه ( [14] ) . ولكنها هجرت في القانون الجديد . وهي نظرية منتقدة من ناحيتين : ما تشتمل عليه من العموم ، وما تقول به من التدرج .

أما من ناحية العموم فالنظرية ليست صحيحة؛ فهي لا محل لتطبيقها في الالتزام بتحقيق غاية . وقد رأينا أن الخطأ العقدي في هذه الطائفة من الالتزامات ليس إلا عدم تنفيذ الالتزام . فإذا لم ينفذ المدين التزامه العقدي ، ولم يحقق الغاية المتفق على تحقيقها ، فهناك خطأ عقدي في جانبه ، أياً كانت درجة تقصيره . فقد يكون معتمداً ألا ينفذ التزامه . وقد يكون مقصراً تقصيراً جسيماً . وقد يكون مقصراً تقصيراً يسيراً . وقد يكون مقصراً تقصيراً تافهاً بل قد لا يكون هناك أي تقصير في جانبه . فالخطأ العقدي قائم ما دام المدين لم ينفذ التزامه ، وهو مسئول عن خطأه في جميع هذه الأحوال . وقد ذهبنا إلى أبعد من ذلك ، فقلنا إن المدين قدي منعه من تنفيذ التزامه سبب أجنبي كالقوة القاهرة ، ومع ذلك يبقى خطأه العقدي قائماً لأنه لم ينفذ إلتزامه ، وإن كانت رابطة السببية تنتفي بوجود السبب الأجنبي ، فتنعدم المسئولية لانعدام السببية لا لانعدام الخطأ ، ومن هنا نرى أن التناقض الذي يستظهره الفقه عادة بين نصين من نصوص القانون المدني الفرنسي ، هما المادتان 1147 و1137 ، تناقض ظاهري لا حقيقة له . فالمادة 1147 من هذا القانون تقرر أن المدين مسئول عن تنفيذ التزامه حتى يثبت أنه امتنع عليه ذلك لسبب أجنبي لا يد له فيه . والمادة 1137 تقضي بأن الالتزام بالعناية في المحافظة على الشيء يلزم الشخص الموكول إليه ذلك أن يبذل فيه عناية الشخص المعتاد . ولا تناقض ما بين النصين كما قدمنا . فلكل نص نطاق خاص به . فالمادة 1147 تقرر في عبارة عامة أن عدم تنفيذ المدين لالتزامه هو خطأ عقدي . وهذا صحيح وهو يصدق في الالتزام بغاية وفي الالتزام بعناية . ويكون المدين مسئولاً عن هذا الخطأ إلا إذا نفى علاقة السببية بإثبات السبب الأجنبي . أما المادة 1137 فهي لا تعرض لشيء مما تعرض له المادة 1147 ، بل هي تحدد مدى التزام المدين في الالتزام ببذل عناية ، وتقرر أن العناية المطلوبة هي في الأصل عناية الرجل المعتاد . فالمادة 1147 تنطبق إذن على جميع الالتزامات ، سواء ما كان منها التزاماً بغاية أو كان التزاماً بعناية ، وتعرض للمسئولية العقدية في ركنين من أركانها ، ركن الخطأ وركن السببية . والمادة 1137 لا تتناول إلا طائفة الالتزام ببذل عناية ، وتتناولها لا لتحديد المسئولية العقدية ، بل لتحديد مدى الالتزام ( [15] ) . وقد أتى القانون المصري الجديد بنصين يقابلان المادتين 1147 و1137 من القانون المدني الفرنسي ( [16] ) . فالمادة 215 تقضي بأن المدين يحكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبيه لا يلد له فيه ، فهي تقابل المادة 1147 من القانون المدني الفرنسي . والمادة 211 ، وتقابل المادة 1137 من القانون المدني الفرنسي ، توجب في الالتزام بعناية أن تكون العناية المبذولة هي عناية الرجل المعتاد ولو لم يتحقق الغرض المقصود . ولا تناقض ما بين هذين النصين ، كما لا تناقض ما بين نصي القانوني الفرنسي .

وأما من ناحية التدرج فالنظرية أيضاً ليست صحيحة . فنحن ، حتى إذا قصرنا نظرية تدرج الخطأ على الالتزام بعناية ، لا نتبين أن الخطأ يتدرج من خطأ جسيم إلى خطأ يسير إلى خطأ تافه تبعاً لما إذا كان العقد لمصلحة الدائن وحده أو لمصلحة المتعاقدين معاً أو لمصلحة المدين وحده . وقد هدم القانون المدني الفرنسي في المادة 1137 التي سبق ذكرها هذه التقسيمات جملة واحدة فقال إن الالتزام بالعناية في المحافظة على الشيء ، سواء كان الغرض من العقد مصلحة أحد المتعاقدين أو مصلحة الاثنين معاً ، يلزم المدين ببذل عناية الرجل المعتاد . فقضى هذا النص على التقسيم في شقيه ، تقسيم العقود إلى طوائف ثلاث وتقسيم الخطأ إلى أنواع ثلاثة . وأوجب في جميع العقود ، كأصل عام ، أن تكون العناية المطلوبة هي عناية الرجل المعتاد . وذلك هو شأن القانون المصري الجديد ( [17] ) . فقد جاء واضحاً كل الوضوح في نفي نظرية تدرج الخطأ . والأصل عنده أن العناية المطلوبة هي عناية الرجل المعتاد ( م 211 ) . ولكن يجوز الخروج على هذا الأصل إما بنص القانون وإما بالاتفاق . وقد نص القانون فعلاً في بعض العقود على عناية تزيد أو تقل عن عناية الرجل .المعتاد كما رأينا فيما تقدم ( [18] ) . كذلك يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على مقدار من العناية أزيد أو أقل . بل يجوز لهما الاتفاق على الإعفاء من المسئولية العقدية إلا إذا ثبت في جانب المدين غش أو خطأ جسيم ( م 217 فقرة 2 ) . وسنرى تفصيل ذلك عند الكلام في الإعفاء من المسئولية ( [19] ) .

 $ 2 – المسئولية العقدية عن الغير وعن الأشياء

1 – المسئولية العقدية عن الغير :

431 – نطاق المسئولية العقدية عن الغير : المسئولية العقدية عن الغير قد تتحقق إذا استخدم المدين أشخاصاً غيره في تنفيذ التزامه العقدي ، فيكون مسئولاً مسئولية عقدية عن خطأ هؤلاء الأشخاص الذي أضر بالدائن في الالتزام العقدي . فيوجد إذن : 1 ) المسئول وهو المدين في الالتزام العقدي . 2 ) والمضرور وهو الدائن في هذا الالتزام . 3 ) والغير وهم الذين استخدمهم المدين في تنفيذ التزامه . وتقوم المسئولية العقدية عن الغير حيث يوجد عقد صحيح بين المسئول والمضرور وحيث يكون الغير مكلفاً بتنفيذ هذا العقد . فالمستأجر مسئول عن المستأجر من الباطن قبل المؤجر : المسئول هنا هو المستأجر ، والمضرور هو المؤجر ، وقد قام بينهما عقد صحيح هو عقد الإيجار الأصلي ، والغير المكلف بتنفيذ هذا العقد من قبل المسئول هو المستأجر من الباطن . ويتبين من ذلك أن هناك حدين لنطاق المسئولية العقدية عن الغير : الحد الأول أن يكون هناك بين المسئول والمضرور عقد صحيح ، والحد والثاني أن يكون الغير معهوداً إليه في تنفيذ هذا العقد .

أما أن يكون هناك بين المسئول والمضرور عقد صحيح ، فذلك لأن مسئولية المسئول نحو المضرور هي مسئولية عقدية ، فوجب أ ، تنشأ هذه المسئولية عن عقد تم بينهما . فإذا كان العقد قد تم بين المسئول والغير الذي أحدث الضرر ، لا بين المسئول والمضرور ، كالتابع يربطه بمتبوعه عقد ثم يلحق الضرر بالمضرور في أثناء تأدية وظيفته ، فهذه مسئولية تقصيرية لا عقدية ،سنفصلها في مكانها . كذلك المؤجر لا يكون مسئولاً مسئولية عقدية عما يحدثه مستأجرة من الضرر لشخص لا يربطه عقد بالمؤجر . وإذا تولى الغير ، نيابة عن المسئول ، المفاوضة في عقد ثم قطعت المفاوضة ، فأصاب قطعها الطرف الآخر بالضرر ، فالمسئولية عن الغير هنا لا تكون عقدية ، لأن العقد بين المسئول والمضرور لميتم إذ هو لمي جاوز مرحلة المفاوضات . ويجوز أ ، تقوم في هذا المثل مسئولية تقصيرية ، هي مسئولية المتبوع عن تابعه ، إذا توافرت أركانها . وإذا انعقد العقد غير صحيح في المثل الذي نحن بصدده ، فإن المسئولية لا تكون هنا أيضاً مسئولية عقدية . إذ أن العقد غير الصحيح يزول بإبطاله ، فلا تنشأ المسئولية – إذا تحققت – من العقد ، بل تكون مسئولية تقصيرية . ويتحقق ذلك بأن يكون الغير الذي أبرم العقد غير الصحيح نيابة عن المسئول هو المتسبب في البطلان ، فيكون مسئولاً مسئولية تقصيرية نحو الطرف الآخر ، ويكون من أبرم العقد باسمه مسئولاً عنه مسئولية تقصيرية هي مسئولية المتبوع عن التابع ، فلا بد إذن لقيام المسئولية العقدية عن الغير أن يكون هناك عقد صحيح بين المسئول والمضرور .

ويجب أيضاً أن يكون الغير قد عهد إليه في تنفيذ هذا العقد . فلو كان الغير لم يعهد إليه في ذلك ، فإن تدخله في الإخلال بتنفيذ العقد قد يحقق مسئولية المدين ، ولكن هذه المسئولية تكون مسئولية شخصية لا مسئولية عن الغير . فالمؤجر يلتزم بعقد الإيجار أن يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين الانتفاع المقصود من العقد ، فإذا تدخل جيران المستأجر من تلقاء أنفسهم ، حتى لو كانوا مستأجرين من نفس المؤجر ( [20] ) ، في انتفاع المستأجر بالعين ومنعوه من ذلك ، فإن مسئولية المؤجر نحو المستأجر تكون مسئولية عقدية ، ولكنها مسئولية شخصية لا مسئولية عن الغير ، إلا أن يثبت المؤجر أن تدخل الجيران هو سبب أجنبي ، فعندئذ تنتفي مسئولية المؤجر بتاتاً . كذلك المستأجر يلتزم بعقد الإيجار نحو المؤجر أن يحافظ على العين ، وهو مسئول عما يصيب العين من تلف بفعله أو بفعل أحد ممن يسكن معه ، ومسئوليته في الحالتين مسئولية عقدية عن عمله الشخصي لا عن عمل الغير . فلا بد إذن لقيام المسئولية العقدية عن الغير أ ، يكون هذا الغير مكلفاً من المدين بتنفيذ العقد ، فيصبح المدين بهذا التكليف مسئولاً عن الغير مسئولية عقدية . مثل ذلك المقاول مسئول عن عماله وعن المقاول من الباطن نحو رب العمل ، والمستأجر مسئول عن المستأجر من الباطن نحو المؤجر ، والوكيل مسئول عن نائبه في تنفيذ الوكالة نحو الموكل وقد يكون التكليف بتنفيذ العقد غير آت من قبل المدين بل من القانون ، كالولي أو الوصي أو القيم يقوم بتنفيذ عقد أحد طرفيه الصغير أو المحجور ، فهنا أيضاً تكون مسئولية الصغير أو المحجور عن الولي أو الوصي أو القيم مسئولية عقدية عن عمل الغير .

432 – نصوص القانون المدني الجديد الواردة في المسئولية العقدية عن الغير : لا يوجد نص يقرر بطريق مباشر القاعدة العامة في المسئولية العقدية عن الغير ، على غرار النص الذي يقرر القاعدة العامة في المسئولية التقصيرية عن عمل الغير ( [21] ) . ولكن يوجد نص يقرر بطريق غير مباشر مبدأ المسئولية العقدية عن الغير ، وهذا النص هو الفقرة الثانية من المادة 217 وتجري بما يأتي : ” وكذلك يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسئولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه العاقدين إلا ما ينشأ عن غشه أو عن خطأه الجسيم . ومع ذلك يجوز للمدين أن يشترط عدم مسئوليته عن الغش أو الخطأ الجسيم الذي يقع من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه ” . ونقول بطريق غير مباشر ، لأن مبدأ المسئولية العقدية عن الغير إنما يستخلص ضمناً من هذا النص ، فما دام أنه يجوز للمدين أن يشترط عدم مسئوليته عن الخطأ الذي يقع من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه ، فذلك لا يستقيم إلا إذا كان هو في الأصل مسئولاً عن خطأ هؤلاء الأشخاص ، فيستطيع بالاتفاق أن ينفي عن هذه المسئولية . ومن ثم يمكن القول بأن الفقرة الثانية من المادة 217 تقرر مبدأ عاماً ، هو أن المذين مسئول مسئولية عقدية عن خطأ الأشخاص الذين يستخدمهم في تنفيذ التزامه العقدي .

وقد ورد تطبيقات تشريعية متعددة لهذا المبدأ في صدد عقود مختلفة :

من ذلك عقد الإيجار . فقد نصت المادة 571 على ما يأتي : ” 1 – على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ، ولا يجوز له أن يحدث بالعين أو بملحقاتها أي تغيير يخل بهذا الانتفاع . 2 – ولا يقتصر ضمان المؤجر على الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه ، بل يمتد هذا الضمان إلى كل تعرض أو إضرار مبني على سبب قانوني يصدر من أي مستأجرآخر أو من أي شخص تلقي الحق عن المؤجر ) ومسئولية المؤجر عن أعمال المستأجرين الآخرين أو عمن تلقوا الحق منه إنما هي مسئولية عقدية عن عمل شخصي ، أما مسئوليته عن الأعمال التي تصدر من أتباعه ممن يكلفهم بتنفيذ عقد الإيجار فهي مسئولية عقدية عن عمل الغير ( [22] ) .

وفي عقد المقاولة نصت المادة 661 على ما يأتي : ” 1 – يجوز للمقاول أ ، يكل تنفيذ العمل في جملته أو في جزء منه إلى مقاول من الباطن إذا لم يمنعه من ذلك شرط في العقد أو لم تكن طبيعة العمل تفترض الاعتماد على كفايته الشخصية . 2 – ولكنه يبقى في هذه الحالة مسئولاً عن المقاول من الباطن قبل رب العمل ” . فهذا نص صريح في مسئولية المقاول نحو رب العمل عن عمل المقاول من الباطن ، وهي مسئولية عقدية عن عمل الغير .

وفي عقد الوكالة نصت الفقرة الأولى من المادة 708 على ما يأتي : ” إذا أناب الوكيل عن غيره في تنفيذ الوكالة دون أن يكون مرخصاً له في ذلك كان مسئولاً عن عمل النائب كما لو كان هذا العمل قد صدر منه هو ، ويكون الوكيل ونائبه في هذه الحالة متضامنين في المسئولية ” وهنا أيضاً نص صريح في مسئولية الوكيل عن عمل نائبه نحو الموكل ، وهي مسئولية عقدية عن عمل الغير .

433 – شروط المسئولية العقدية عن الغير وأحكامها : ويتبين مما تقدم أن الغير الذي يكون المدين مسئولاً عنه هو كل من كان مكلفاً – اتفاقاً؟ قانوناً – بتنفيذ العقد . فالعمال والمقاولون من الباطن يكون المقاول مسئولاً عنها نحو رب العمل . والمستأجرم ، الباطن والمتنازل له عن الإيجار يكون المستأجر مسئولاً عنهما نحو المؤجر . وعمال أمين النقل وأمناء النقل المتتابعون يكون أمين النقل الأصلي مسئولاً عنهم نحو العميل . والبواب يكون صاحب المنزل مسئولاً عنه نحو المستأجرين ( [23] ) . ونائب الوكيل يكون الوكيل مسئولاً عنه نحو الموكل . والولي والوصي والقيم يكون الصغير أو المحجور مسئولاً عنه نحو المتعاقد الآخر . وبوجه عام كل من كلف ، اتفاقاً أو قانوناً ، بال؟ محل المدين في تنفيذ الالتزام ، كالمستأجر من الباطن ونائب الوكيل والوصي أو بمساعدته في تنفيذه . كالعمال وأمناء النقل المتتابعين ، يكون هو ” ؟ في المسئولية العقدية عن الغير . ولا يشترط في الغير هنا ، كما يشترط في المسئولية التقصيرية ، أن يكون تابعاً . فقد رأينا أن الولي والوصي ؟ يعتبرون ” غيراً ” في هذه المسئولية العقدية ولا يعتبرون ” تابعين ” في المسئولية التقصيرية .

ويجب أن يكون الغير قد أحدث الضرر في حال تنفيذ العقد أو ؟؟ تنفيذه ، على النحو الذي سنراه في مسئولية المتبوع عن التابع . وخطأ في الالتزام بغاية يكون بعدم تحقيق الغاية المتفق عليها ، وفي الالتزام يكون بعدم بذل العناية المطلوبة ، فخطأه هو وخطأ الأصيل سواء .

فإذا توافرت هذه الشروط تحققت المسئولية العقدية عن الغير ، ؟ المدين مسئولاً عن خطأ الغير الذي استخدمه في تنفيذ التزامه ، واختلف الأساس الذي تبنى عليه هذه المسئولية . فمنهم من يقيمها على خطأ؟ فرضاً غير قابل لإثبات العكس . ومنهم من يرتبها على فكرة تحمل التبعة . ومنهم من بينها على فكرة حلول الغير محل الأصيل فيعتبر نائباً عنه فيما ارتكب من خطأ . ومنهم من يؤسسها على فكرة الضمان . وهذا الخلاف عينه نجده في تأصيل مسئولية المتبوع عن التابع . وسنتكلم فيه هناك بالتفصيل .

وغني عن البيان أنه إذا تحققت مسئولية المدين عن الغير ، جاز للأول أ ، يرجع على الثاني إما بالمسئولية العقدية إذا كان هو الذي كلفه بتنفيذ العقد ، وإما بالمسئولية التقصيرية إذاك أن الثاني مكلفاً بتنفيذ العقد بمقتضى القانون .

ب – المسئولية العقدية عن الأشياء :

434 – نطاق المسئولية العقدية عن الأشياء : إذا لم يقم المدين بتنفيذ العقد كان هذا خطأ عقدياً كما قدمنا . فإذا كان عدم تنفيذه للعقد راجعاً لا إلى فعله الشخصي بل إلى ” فعل الشيء ” ( fait de la chose ) ،أي إلى تدخل إيجابي من شيء أفلت من حراسته على النحو الذي سنبينه في المسئولية التقصيرية عن الأشياء ، كان المدين مسئولاً مسئولية عقدية ولكن لا عن ” فعله الشخصي ” بل عن ” فعل الشيء ” . ويتحقق ذلك في الفروض الآتية :

 ( 1 ) يسلم المدين الشيء محل العقد للدائن – البائع يسلم الآلة المبيعة للمشتري فتنفجر الآلة في يد المشتري وتصيبه بضرر في نفسه أو في ماله . هنا يصبح البائع مسئولاً بمقتضى التزامه العقدي من ضمان العيوب الخفية . ولم ينشأ هذا الضمان عن حالة سلبية للآلة المبيعة كوجود عيب فيها ، بل عن حالة إيجابية هي انفجار الآلة . فيكون البائع مسئولاً مسئولية عقدية ، ولكن لا عن ف عله الشخصي ، بل عن فعل الشيء .

 ( 2 ) يكون المدين مسئولاً عن رد الشيء محل العقد للدائن ، كالمستأجر يلتزم برد العين المؤجرة ، فيتدخل شيء آخر في حراسة المستأجر – كمواد متفجرة – تدخلاً إيجابياً يتسبب عنه حريق العين . فهنا لم ينفذ المستأجر التزامه العقدي برد الشيء ، فيكون مسئولاً مسئولية عقدية ، ولكن لا عن فعله الشخصي ، بل عن فعل الشيء ، والشيء هنا هو المواد المتفجرة لا العين المؤجرة .

 ( 3 ) يقوم المدين بتنفيذ العقد عن طريق استعمال شيئا ، فيؤذي هذا الشيء الدائن ، ويكون المدين مسئولاً عن سلامة الدائن بمقتضى العقد . مثل ذلك عقد النقل . ينفذه أمين النقل بوسائل المواصلات المختلفة ، قطار أو سيارة أو طيارة أو غير يذلك ، فيصطدم القطار أو تنفجر السيارة أو تسقط الطيارة ، فيصاب الراكب بالضرر . هنا أيضاً لم ينفذ أمين النقل التزامه نحو الراكب ، إذ هو ملتزم بسلامته ، فيكون مسئولاً مسئولية عقدية ، ولكن لا عن فعله الشخصي ، بل عن فعل الشيء .

435 – المسئولية العقدية عن الأشياء كالمسئولية العقدية عن الفعل الشخصي تحكمها قواعد واحدة : والفروض الثلاثة التي قدمناها لا فرق في الحكم بينها وبين المسئولية عن الفعل الشخصي . فالمدين بالعقد مسئول عن عدم تنفيذ التزامه مسئولية عقدية . وسواء كان هذا راجعاً إلى فعله الشخصي أو إلى فعل شيء في حراسته ، فمسئوليته متحققة في الحالتين ، وتطبق القواعد ذاتها في كل منهما . ويعتبر ” فعل الشيء ” في الفروض المتقدمة هو فعل شخصي للمتعاقد . لأن الشيء في حراسته ، وهو مسئول عنه . فالمسئولية العقدية عن الأشياء هي كالمسئولية العقدية عن الأعمال الشخصية تقوم على خطأ شخصي ( [24] ) .

 $ 3 – تعديل قواعد المسئولية العقدية

436 – تعديل قواعد المسئولية العقدية عن طريق التأمين على المسئولية : يستطيع المدين أن يؤمن على مسئوليته العقدية كما يؤمن على مسئوليته التقصيرية . ويؤمن على كل خطأ يصدر منه عدا الفعل العمد ، وعلى كل خطأ يصدر من أتباعه أو ممن يستخدمهم في تنفيذ التزامه حتى عن الفعل العمد . فيستوي التأمين في المسئوليتين . وتستوي قواعد التأمين أيضاً ، وسنفصلها عند الكلام في المسئولية التقصيرية .

437 – تعديل قواعد المسئولية العقدية عن طريق الاتفاق – النصوص القانونية : تنص المادة 217 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – يجوز الاتفاق على أن يتحمل المدين تبعة الحادث المفاجئ والقوة القاهرة ” .

 ” 2 – وكذلك يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسئولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي إلا ما ينشأ عن غشه أو عن خطأه الجسيم . ومع ذلك يجوز للمدين أن يشترط عدم مسئوليته عن الغش أو الخطأ الجسيم الذي يقع من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه ” .

 ” 3 – ويقع باطلاً كل شرط يقضي بالإعفاء من المسئولية المترتبة على العمل غير المشروع ( [25] ) ” .

ونصت الفقرة الثانية من المادة 211 – بعد أن قضت الفقرة الأولى بأن مدى العناية الواجبة في الالتزام ببذل عناية هي عناية الشخص المعتاد ما لم يوجد اتفاق مخالف – على ما يأتي : ” وفي كل حال يبقى المدين مسئولاً عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم ” . وقد سبق ذكر النص بأكمله ( [26] ) .

ولم يستحدث القانون الجديد شيئاً فيما نص عليه من الأحكام المتقدمة ، بل اقتصر على تقنين ما كان الفقه والقضاء في مصر يجريان عليه من المبادئ في شأن التعديل الاتفاقي من قواعد المسئولية العقدية ، وعلى تثبيت هذه المبادئ وتأكيدها في نصوص تشريعية .

438 – الأصل هو الحرية في تعديل قواعد المسئولية العقدية بالاتفاق : ولما كانت المسئولية العقدية منشأها العقد ، وكان العقد وليد إرادة المتعاقدين ، فالإرادة الحرة هي إذن أساس المسئولية العقدية . وغذا كانت الإرادة الحرة هي التي أنشأت قواعد هذه المسئولية ، فإن لها أن تعدلها . فالأصل إذن هو حرية المتعاقدين ، في تعديل قواعد المسئولية العقدية ، وذلك في حدود القانون والنظام العام والآداب .

أما المسئولية التقصيرية فهي ليست وليدة الإرادة الحربة ، بل هي حكم القانون . وسنرى لذلك أنه لا يجوز تعديل قواعدها بالاتفاق ، كما جاز في المسئولية العقدية .

439 – الأحكام التي قررها النصوص في جواز تعديل المسئولية العقدية بالاتفاق : والأحكام التي قررتها النصوص . والتي كان الفقه والقضاء في مصر يجريان عليها في غير اضطراد فاستقرت بعد أن قننتها نصوص تشريعية ، يمكن ردها إلى مبدأين رئيسيين :

المبدأ الأول : يقضي بحرية المتعاقدين في التعديل من قواعد المسئولية العقدية فلهما أن يتفقا على التشديد من هذه المسئولية ، بأن يجعل المدين مسئولاً حتى عن السبب الأجنبي ، ويكون هذا بمثابة تأمين للدائن ( [27] ) . ولهما أن يتفقا على التخفيف منها بألا يجعل المدين مسئولاً حتى عن تقصيره .

والمبدأ الثاني : يقضي بأن النظام العام يقيد من حرية المتعاقدين ، فلا يجوز التخفيف من المسئولية العقدية إلى حد الإعفاء من الفعل العمد أو ما يلحق بالفعل العمد وهو الخطأ الجسيم ، وذلك أنه لو صح للمدين أن يعفى نفسه من المسئولية عن الفعل العمد في عدم تنفيذ التزامه العقدي ، لكان التزامه معلقاً على شرط إرادي محض . وهذا لا يجوز . والخطأ الجسيم ملحق بالفعل العمد ، ويأخذ حكمه . ولكن يجوز للمدين أن يعفى نفسه من المسئولية عن عمل الغير ، حتى لو كان هذا العمل عمداً أو خطأ جسيماً ، فإن عمد الغير لا ينزل منزلة الشرط الإرادي المحض ( [28] ) .

440 – تحليل لهذه الأحكام وتطبيقها على الالتزام بغاية والالتزام بعناية : وإذا حللنا الأحكام التي قدمناها في ضوء ما عرفناه من قواعد المسئولية العقدية ، رأينا أن الأمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقدار العناية المطلوبة من المدين في تنفيذ التزامه العقدي . تتدرج هذه العناية تدرجاً ملحوظاً ( [29] ) .

ففي الالتزام بغاية ، حيث يبلغ مقدار العناية المطلوبة الدرجة القصوى . إذ يطلب دائماً تحقيق الغاية المتعاقد عليها ، لا ترفع مسئولية المدين إلا في حالة السبب الأجنبي . ويكون المدين مسئولاً عن الفعل العمد . وعن أي خطأ . جسيماً كان أو يسيراً أو تافهاً ، بل وعن الفعل مجرداً من أي خطأ . ويمكن تبعاً لهذا التدرج أن نتصور الاتفاق على تشديد المسئولية العقدية حتى تشمل المسئولية عن السبب الأجنبي ، وهذا كما قدمنا ضرب من التأمين يلتزم به المدين نحو الدائن . كذلك يمكن أن نتصور الاتفاق على تخفيف المسئولية العقدية في أدنى صورة من صوره ، فلا يكون المدين مسئولاً عن فعله المجرد من الخطأ . وعن ذلك ينقلب الالتزام بغاية إلى التزام بعناية ، ولا يكون المدين مسئولاً إلا إذا أثبت الدائن أنه ارتكب خطأ ولو تافهاً ( [30] ) . وقد يتدرج المدين في التخفف من المسئولية ، فيشترط إعفاءه من المسئولية عن الخطأ التافه . ثم عن الخطأ اليسير . فإذا وصل إلى هذا المدى لا يكون مسئولاً إلا إذا أثبت الدائن في جانبه العمد أو الخطأ الجسيم . ولكن إلى هنا يستطيع أن يصل في التخفف من مسئوليته . ولا يستطيع أن يصل إلى مدى أبعد . فلا يجوز أن يشترط إعفاءه من المسئولية عن فعله العمد أو عن خطأه الجسيم ، ما لمت كن المسئولية مترتبة على فعل الغير فيجوز له ذلك ( [31] ) . وقد ورد نص تشريعي في ضمان استحقاق المبيع ، وهو التزام بغاية ، يعتبر تطبيقاً لهذه الأحكام . إذ نصت الفقرة الأولى من المادة 445 على أنه ” يجوز للمتعاقدين باتفاق خاص أن يزيدا ضمان الاستحقاق ، أو أن ينقصا منه ، أو أ ، يسقطا هذا الضمان ” . ثم نصت الفقرة الثالثة من المادة ذاتها على أنه ” يقع باطلاً كل شرط يسقط الضمان أو ينقصه إذا كان البائع قد تعمد إخفاء حق الأجنبي ” . وكذلك الأمر في ضمان العيوب الخفية في المبيع ، حيث نصت المادة 453 على أنه ” يجوز للمتعاقدين باتفاق خاص أ ، يزيدا في الضمان أو ينقصا منه أو أن يسقطا هذا الضمان ، على أن كل شرط يسقط الضمان أو ينقصه يقع باطلاً إذا كان البائع قد تعمد إخفاء العيب في المبيع غشاً منه ” .

وفي الالتزام بعناية تكون درجة العناية المطلوبة . حيث لا يوجد نص أو اتفاق خاص ، هي عناية الشخص المعتاد . فلا يكون المدين مسئولاً عن السبب الأجنبي ، ولا عن الفعل المجرد من الخطأ . ولا عن الخطأ التافه . ويكون مسئولاً عن فعله العمد ، وعن خطأه الجسيم ، وعن خطأه اليسير . وقد يشدد باتفاق خاص من هذه المسئولية ، فيصبح مسئولاً عن الخطأ التافه ، ثم عن الفعل المجرد من الخطأ . وهنا ينقلب الالتزام بعناية إلى التزام بغاية ، إذ يصبح المدين مسئولاً عن تحقيق غاية لا يتخلص من المسئولية عنها إلا بإثبات السبب الأجنبي . وقد يشدد في مسئوليته إلى مدى أبعد فيصبح مسئولاً حتى عن السبب الأجنبي ، وهذا ضرب من التأمين كما قدمنا . وقد يتخفف من مسئوليه ، فلا يكون مسئولاً عن الخطأ اليسير ، ويبقى مسئولاً عن الفعل العمد وعن الخطأ الجسيم ، فلا يستطيع أن يعفى نفسه بشرط خاص من المسئولية عنهما ، ما لم تكن المسئولية مترتبة على فعل الغير .

ونرى من ذلك أن الالتزام بغاية قد ينقلب إلى التزام بعناية ، وأن الالتزام بعناية قد ينقلب إلى التزام بغاية ، وأن المهم في كل ذلك هو مقدار العناية المطلوبة من المدين . فمن السبب الأجنبي ، إلى الفعل المجرد من الخطأ ، إلى الخطأ التافه ، إلى الخطأ اليسير ، إلى الخطأ الجسيم ، إلى الفعل العمد ، يتدرج المدين في مسئوليته العقدية عن نفسه أو عن الغير ، وفقاً لما ينص عليه القانون أو يقضي به الاتفاق . ولا يقف دون ذلك حتى هذا التقسيم الجوهري للالتزام إلى التزام بغاية والتزام بعناية ( [32] ) .

441 – الآثار التي تترتب على شروط الإعفاء من المسئولية العقدية : إذا كان شرط الإعفاء من المسئولية العقدية صحيحاً على النحو الذي فصلناه ، فإنه يعفى المدين من المسئولية بالقدر الذي يتسع له الشرط . ويبقى المدين مسئولاً فيما وراء ذلك . ولكن القضاء الفرنسي – واقتدى به القضاء المصري في ظل القانون القديم – يضيق من أثر شرط الإعفاء . فعنده أن المسئولية التقصيرية تجتمع مع المسئولية العقدية ، وللدائن الخيرة بين هاتين المسئوليتين . فإذا كان هناك شرط يعفى من المسئولية العقدية ، بقيت المسئولية التقصيرية ، وعلى الدائن أن يثبت خطأ في جانب المدين حتى يطالبه بالتعويض ، لا على أساس المسئولية العقدية وقد أعفى المدين منها ، بل على أساس المسئولية التقصيرية وشرط الإعفاء لا يتناولها ولا يجوز أن يتناولها لأن الإعفاء من المسئولية التقصيرية يتعارض مع النظام العام . فكأن شرط الإعفاء من المسئولية العقدية لم يفعل إلا أن نقل عبء الإثبات من المدين إلى الدائن . وهذه النتيجة تلزم من يقول بالخيرة بين المسئوليتين العقدية والتقصيرية . أما نحن فلا نقول بالخيرة كما سنبين عند الكلام في المسئولية التقصيرية . ولذلك نرى أن شرط الإعفاء إذا كان صحيحاً أعفى المدين من المسئولية العقدية ، ولا محل للمسئولية التقصيرية إذ أن هذه لا تجتمع مع تلك ( [33] ) .

وعلى المدين الذي يتمسك بشرط الإعفاء أن يثبت وجود هذا الشرط . ويصعب في كثير الأحوال على المدين إثبات أن الدائن قبل شرط الإعفاء ، لا سيما إذا كان هذا الشرط منزوياً في ورقة مطبوعة هي ” بوليصة شحن ” أو ” تذكرة سفر ” ، أو في ورقة موضوعة في مكان غير ظاهر في فندق أو مطعم أو نحو ذلك . وتقوم صعوبتان في مثل هذه الحالات لقبول شرط الإعفاء : أولاهما احتمال أن يكون الدائن لم ير هذا الشرط فلا يعتبر قابلاً له وفقاً لنظرية الإرادة الباطنة ، والثانية أن الشرط – بفرض أن الدائن قد رآه ولم يعترض عليه – قد يعتبر شرط إذعان تعسفى للقاضي أن يبطله .

أما إذا كان شرط الإعفاء من المسئولية العقدية باطلاً وفقاً للقواعد التي تقدم ذكرها ، فشرط الإعفاء وحده هو الذي يبطل ويبقى العقد قائماً دون شرط الإعفاء ( [34] ) .


 ( [1] ) بعض المراجع : مازو في المسئولية المدنية التقصيرية والعقدية – سافاتبيه في المسئولية المدنية – بنكاز ( ملحق بودري ) جزء 2 – ديموج في الالتزامات جزء 6 – بالنيول وريبير وإسمان جزء 1 – بنواييه مذكرات لقسم الدكتوراه – هنرى مازو مذكرات لقسم الدكتوراه – جرانمولان رسالة من رن سنة 1892 – مينييه ( Meynie ) رسالة من ليل سنة 1924 – فإن رين ( Van ryn ) رسالة من بروكسل سنة 1933 – ماري مادلين ديفور ( Marie – mad . dufort ) رسالة من باريس سنة 1937 – رينولت ( Renault ) رسالة من باريس سنة 1938 – أميو ( Amiot ) رسالة من باريس غير مطبوعة سنة 1945 – رابيت ( Rabut ) رسالة من باريس غير مطبوعة سنة 1946 – ليفبفر ( Lefebvre ) مقال في المجلة الانتقادية سنة 1886 – إميل بيكيه ( Emile becque ) مقال في مجلة القانون المدني الفصلية سنة 1914 ص 251 – ص 320 – كروزيل ( Crouzel ) مقال في المجلة العامة سنة 1926 ص 11 وص 65 – هنري مازو مقال في مجلة القانون المدني الفصلية سنة 1929 ص 551 – إسمان مقال في مجلة القانون المدني الفصلية سنة 1933 ص 627 و ما بعدها – فيني ( vigny ) مقال في مجلة القانون المدني الفصلية سنة 1935 ص 42 وما بعدها – بيندكس ( Beindix ) مقال في المجلة الانتقادية سنة 1939 ص 657 – جاردينا ( Gardenat ) تعليق في الأسبوع القانوني ( Sem .jur ) 1939 – 1 – 102 – تونك ( Tune ) مقال في مجلة القانون المدني الفصلية سنة 1945 ص 235 وما بعدها – صليب سامي باشا مقال في المحاماة سنة 12 عدد ) – نصيف زكي بك مقال في المحاماة سنة 13 عدد 2 – نظرية العقد للمؤرلف فقرة 848 وما بعدها – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 286 وما بعدها – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت بك فقرة 361 وما بعدها .

 ( [2] ) سنحدد بالتفصيل نطاق المسئولية العقدية عند مقابلتها بالمسئولية التقصيرية ( أنظر ما يلي فقرة 513 ) .

 ( [3] ) ويترتب على ذلك ألا قيام للمسئولية العقدية إذا كان محل الالتزام العقدي هو دفع مبلغ من النقود ، فالتنفيذ العيني هنا ممكن دائماً ، ولا محل للمسئولية العقدية ( بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 687 ) .

 ( [4] ) وننبه إلى أن كثيراً من أحكام المسئولية التقصيرية تسرى على المسئولية العقدية . ونستطيع أن نقرر بوجه عام أن كل ما سيقال في المسئولية التقصيرية ينطبق على المسئولية العقدية . إذا إلا تعارض مع القواعد الخاصة التي تقررها في المسئولية العقدية . فمن المسائل التي تتحد فيها أحكام هذين النوعين من المسئولية : علاقة السببية والسبب الأجنبي – السبب المنتج والسبب المباشر – دعوى المسئولية – تقدير الضرر – التأمين من المسئولية إلخ إلخ .

 ( [5] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 288 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – في الالتزام بعمل إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء ، أو أن يقوم بإدارته ، أو كان مطلوباً منه أن يتوخى الحيطة في تنفيذ التزامه ، فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية ما يبذله الشخص المعتاد ، حتى لو لم يتحقق الغرض المقصود – 2 – ومع ذلك يكون المدين قد وفى بالالتزام إذا هو بذل في تنفيذه من العناية ما يبذله في شؤونه الخاصة ، متى تبين من الظروف أن المتعاقدين قصدا ذلك . وفي كل حال يبقى المدين مسئولاً عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم ” . وفي لجنة المراجعة أضيفت العبارة الآتية في آخر الفقرة الأولى : ” هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك ” ، وحذف صدر الفقرة التالية اكتفاء بهذه الإضافة ، وأدخلت بعض تحويرات لفظية ، فأصبح النص مطابقاً لما ورد في القانون الجديد ، وأصبح رقمه المادة 217 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . ثم وافقت عليه لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، وأصبح رقمه 211 . ووافق عليه مجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 531 – ص 534 ) .

 وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ترد المادة 288 صور الالتزام بعمل إلى طائفتين جامعتين . تنتظم أولاهما ما يوجب على الملزم المحافظة على الشيء أو إدارته أو توخى الحيطة في تنفيذ ما التزم الوفاء به ، وبعبارة أخرى ما يتصل الإلزام فيه بسلوك الملزم وعنايته . أما الثانية فيدخل فهيا ما عدا ذلك من صور العمل ، كالالتزام بإصلاح آلة . وتقتصر المادة 288 على حكم الطائفة الأولى ، فتحدد مدى العناية التي يتعين على المدين أن يبذلها في تنفيذ الالتزام . والأصل في هذه العناية أن تكون مماثلة لما يبذل الشخص المعتاد ، فهي بهذه المثابة وسط بين المراتب ، يناط بالمألوف في عناية سواد الناس بشؤونهم الخاصة . وعلى هذا النحو يكون معيار التقدير معياراً عاماً مجرداً ، فليس يطلب من المدين إلا التزام درجة وسطى من العناية ، أياً كان مبلغ تشدده أو اعتداله أو تساهله في العناية بشؤون نفسه . على أن نية المتعاقدين قد تنصرف إلى العدو عن هذا المعيار العام المجرد إلى معيار خاص معين . ومن ذلك ما يقع في الوكالة والوديعة غير المأجورة . فغالباً ما يستخلص من الظروف أن العناية التي يقصد اقتضاؤها من الوكيل أو الوديع هي عناية كل منهما بشؤونه الخاصة ، دون ا ، تجاوز في ذلك درجة العناية الوسطى به وعلى نقيض ذلك يقصد في عارية الاستعمال عادة إلى إلزام المدين ببذل ما يبذل من العناية في شؤونه الخاصة ، على ألا يقصر في ذلك عن درجة العناية الوسطى . ومتى تقررت درجة العناية الواجب اقتضاؤها من المدين ، اعتبر كل تقصير في بذل هذه العناية ، مهما يكن طفيفاً ، خطأ يرتب مسئولية المدين . ومهما يكن من أمر فمن المسلم أن المدين يسأل على وجه الدوام عما يأتي من غش أو خطأ جسيم ، سواء أكان معيار العناية الواجبة معياراً عاماً مجرداً أم خاصاً معيناً ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 532 – ص 533 ) .

 ( [6] ) وهذا التمييز لا يقتصر على الالتزامات العقدية ، فالالتزام بعدم الإضرار بالغير ، وهو التزام قانوني ، التزام ببذل عناية . والالتزام بعدم الإثراء على حساب الغير ، وهو أيضاً التزام قانوني ، التزام بعناية .

 ( [7] ) أنظر مازو 1 فقرة 669 – 2 والحواشي والمراجع المشار إليها في هذه الفقرة . وعند مازو يكون خطأ عقدياً في الالتزام بغاية ألا ينفذ المدين التزامه عمداً أو بإهماله أو بفعله . فلا توجد منطقة بين الإهمال والسبب الأجنبي هي انعدام الخطأ ( absence de faute ) ، وما لم يوجد سبب أجنبي فالخطأ العقدي قائم ليغطي منطقة الإهمال ومنطقة انعدام الخطأ معاً . وما يقوله الأستاذان صحيح ، بل صحيح أيضاً أن الخطأ العقدي يكون قائماً حتى مع وجود السبب الأجنبي ، فالسبب الأجنبي لا ينفي الخطأ بل ينفي علاقة السببية كما هو معروف . ( أنظر الدكتور سليمان مرقص في الأسباب القانونية للإعفاء من المسئولية المدنية ص 93 – ص 96 ) – ويقول مازو إن معيار الخطأ العقدي في الالتزام بتحقيق غاية هو بعينه معيار الخطأ التقصيري ، فعدم تحقيق الغاية المتفق عليها يعد انحرافاً عن السلوك المألوف للرجل المعتاد ، وسنرى أن هذا هو أيضاً معيار الخطأ التقصيري ( مازو 1 فقرة 673 – 2 ) .

 ( [8] ) وقد سجلت محكمة استئناف الإسكندرية الوطنية هذا المذهب في حكم حديث لها جاء فيه ما يأتي : ” إن الخطأ في المسئولية التعاقدية هو بذاته واقعة الإخلال التي يتكون منها وينحصر فيها عدم تنفيذ الالتزام ، وذلك طالما لم يثبت الملتزم قيام السبب الخارجي الذي يدعى به . وفي هذه الحالة يتبين أن تلك الواقعة وحدها هي كل ما يتعين على طالب التعويض إثباته ، وأنه متى قام بإثباتها فإنه يكون قد أثبت الخطأ الذي تبنى عليه مسئولية الملتزم . أما ما يتحقق به وجود الإخلال بالالتزام حتى يمكن القول بثبوته ، فإنه بالنسبة للالتزام بغاية – ومثله كما هو مقرر فقهاً الالتزام الضمني في عقد النقل بسلامة الراكب في أثنائه – ينحصر في مجرد فعل الإخلال ذاته أي عدم تنفيذ ما التزم به الملتزم ، دون نظر إلى ما قد يدعى بأنه قد بذله من جهد أو عناية أو احتياط لتحقيق الغاية التي تعهد بها ، لأن هاذ إنما يكون بالنسبة للالتزام بوسيلة حيث يقوم ثبوت الإخلال به على ما يبين من سلوك الملتزم ومطابقته لما يسلكه الرجل الحريص ( استئناف إسكندرية في 5 فبراير سنة 1950 المحاماة 30 رقم 276 ص 501 ) .

 ( [9] ) مازو 1 فقرة 694 والمراجع المشار إليها في هذه الفقرة .

 ( [10] ) مازو 1 فقرة 662 – 2 ص 619 – ص 620 .

 ( [11] ) التزام الطبيب بعلاج المريض ليس التزاماً بتحقيق غاية هي شفاء المريض ، بل هو التزام ببذل العناية الواجبة في علاج المريض وفقاً لأصول صنعة الطب .

 ( [12] ) أنظر مازو 1 فقرة 662 وما بعدها – بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 377 – الدكتور سليمان مرقص في الأسباب القانونية للإعفاء من المسئولية المدنية ص 89 – ص 97 – ومع ذلك قارن بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 699 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 851 – الدكتور حلمي بهجت بدوي فقرة 296 – فقرة 303 وفقرة 315 – فقرة 321 .

 وأصحاب الرأي الآخر يذهبون إلى أن عبء الإثبات يقع على المدين ، سواء كان ذلك في نطاق التنفيذ العيني أو كان في نطاق المسئولية العقدية . فالدائن يثبت الالتزام . وعلى المدين بعد هذا أ ، يثبت أنه قد قام بتنفيذه . فإن عجز عن ذلك حكم عليه بالتنفيذ العيني أو بالتعويض غير أنه في الالتزام ببذل عناية ، إذا عجز المدين عن إثبات أنه قد قام بتنفيذ التزامه ، فالغالب أن التنفيذ العيني يصبح مستحيلاً ، ولا يبقى إلا الحكم بالتعويض . فالمدين في المسئولية العقدية هو الذي يقع عليه إذن عبء الإثبات . أما في المسئولية التقصيرية فالدائن هو الذي يقع عليه عبء إثبات الخطأ التقصيري . ويبرر ذلك أن الخطأ التقصيري هو إخلال بالتزام قانوني عام بالامتناع عن الإضرار بالغير ، ولما كان هذا الالتزام يترتب في ذمة الناس كافة ، فمن المعقول أ ، نفرض أنه مرعى منفذ حتى يثبت الدائن أ ، شخصاً بالذات لم ينفذه . أما الخطأ العقدي فهو إخلال بالتزام عقدي مترتب في ذمة مدين بالذات ، فعلى هذا المدين أن يثبت أنه قد قام بتنفيذ التزامه طبقاً للقواعد المقررة في الإثبات ، وإلا ألزم بالتنفيذ العيني أو بالتعويض .

 ومهما يكن من أمر هذا الخلاف ، فإن أثره محدود من الناحية العملية . ففي العمل يبدأ الدائن بإثبات الالتزام . ثم هو لا يقف مكتوف اليد بعد ذلك ، ينتظر حتى يثبت المدين أنه نفذ الالتزام أو حتى يعجز عن هذا الإثبات ، بل هو يبادئ المدين مقدماً ما عنده من الأدلة على عدم تنفيذ الالتزام . والمدين من جهته لا ينتظر حتى يفرغ الدائن من تقديم ما عنده من الأدلة ، بل يتقدم بأدلته هو أيضاً ليثبت أنه قد قام بتنفيذ الالتزام . وهكذا يتقدم كل من الدائن والمدين بأدلته ، والقاضي يوازن ما بينها ، ويحكم لمن ترجح أدلته أدلة الآخر . فإن كان هو الدائن ، حكم له بالتنفيذ العيني أو بالتعويض بعد أن ثبت عنده أن المدين لم يقم بتنفيذ التزامه . وإن كان هو المدين ، رفض طلب الدائن بعد أن ثبت عنده أن المدين قد قام بتنفيذ الالتزام . ( قارن مازو 1 ص 645 – 653 ) .

 ( [13] ) القوانين المدنية : الكتاب الأول الباب الأول الفرع الثالث الفقرة الرابعة .

 ( [14] ) الالتزامات فقرة 142 .

 ( [15] ) أنظر مازو 1 فقرة 659 – فقرة 661 ، وأنظر في هامش فقرة 659 عرضاً للآراء المختلفة في محاولة التوفيق ما بين النصين – الدكتور سليمان مرقص في الأسباب القانونية للإعفاء من المسئولية المدنية ص 74 – ص 100 – وقارن نظرية العقد للمؤلف فقرة 851 .

 ( [16] ) أما القانون المصري القديم فلم يتضمن نصين يقابلان تماماً نصي القانون الفرنسي المتقدم ذكرهما ، وإن كان قد أورد في بعض نصوصه ما يفيد أن المدين لا يكون مسئولاً عن عدم تنفيذ التزامه إلا إذا كان عدم التنفيذ بخطأ منه ( أنظر المواد 119 / 177 و 177 – 178 / 240 – 241 ) . ولكن الفقه والقضاء في مصر ، في ظل القانون القديم ، كانا يفسران هذه النصوص بما تفسر به المادة 1147 من القانون المدني الفرنسي ، فكان عدم تنفيذ المدين لالتزامه في العقد يعد خطأ في جانبه ( أنظر الدكتور سليمان مرقص في الأسباب القانونية للإعفاء من المسئولية المدنية ص 107 – ص 112 ) .

 ( [17] ) أما القانون المصري القديم فلم يتضمن نصاً كنص المادة 1137 من القانون المدني الفرنسي ، ولكنه كان في العقود المختلفة يطلب تارة عناية الشخص بملكه ( مثلاً المادتان 376 / 461 في الإيجار والمادتان 482 / 590 في الوديعة ) ، ويطلب طوراً العناية التامة فيحاسب حتى على الخطأ اليسير ( مثلاً 468 – 469 / 569 – 571 في عارية الاستعمال ) ، فلم يكن واضحاً لا في إثبات نظرية تدرج الخطأ ولا في نفيها .

 ( [18] ) أنظر مثلاً المادة 521 في الشركة ، والمادة 583 فقرة 1 في الإيجار ، والمادة 641 في العارية ، والمادة 685 في عقد العمل ، والمادة 704 في الوكالة ، والمادة 720 في الوديعة .

 ( [19] ) وهذه بعض أمثلة تشريعية من القانون الجديد للمسئولية العقدية في بعض العقود المسماة : عقد البيع ( التزام البائع بتسليم المبيع هو التزام بغاية م 431 و 437 و 438 – والتزام البائع بضمان الاستحقاق وبضمان العيوب الخفية هو التزام بغاية م 439 و 447 ) – عقد الإيجار ( التزام المستأجر بالمحافظة على العين المؤجرة هو التزام بعناية م 583 – والتزام المستأجر بالمحافظة على العين من الحريق هو التزام بغاية م 584 – والتزام المستأجر برد للعين المؤجرة هو التزام بغاية م 590 ) – عقد العارية ( التزام المعير بتسليم العين التزام بغاية م 636 – والتزام المستعير بالمحافظة على العين التزام بعناية م 641 – والتزام المستعير برد العين التزام بغاية م 642 ) – عقد الوكالة ( التزام الوكيل بتنفيذ الوكالة التزام بعناية م 704 ) – عقد الوديعة ( التزام المودع عنده بالمحافظة على العين التزام بعناية م 720 – والتزام المودع عنده برد العين التزام بغاية م 722 ) – عقد رهن الحيازة ( التزام الدائن المرتهن بالمحافظة على الشيء المرهون التزام بعناية والتزام برده التزام بغاية م 1103 وقد تضمنت الالتزامين معاً ) .

 ( [20] ) أنظر المادة 571 فقرة 2 من القانون المدني الجديد .

 ( [21] ) وهو نص المادة 174 الذي يقرر مسئولية المتبوع عن تابعه .

 ( [22] ) أنظر أيضاً في مسئولية المستأجر نحو المؤجر عن أعمال المستأجر من الباطن أو المتنازل له عن الإيجار المواد 595 – 597 .

 ( [23] ) أنظر في المسئولية العقدية عن البواب ، في صديد مسألتين هامتين هما سرقة ؟ المراسلات ، مازو 1 فقرة 997 – 2 .

 ( [24] ) أنظر في الموضوع مازو 2 ص 325 – ص 341 .

 ( [25] ) تاريخ النص : ورد هاذ النص في المادة 295 من المشروع التمهيدي على وجه مماثل بخلاف لفظي طفيف . وقد أدخل هذا التعديل اللفظي في لجنة المراجعة فأصبح النص مطابقاً للنص الوارد في القانون الجديد ، وأصبح رقم النص هو المادة 224 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم 217 ، ثم مجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 552 – ص 554 ) .

 وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ليست أحكام المادة 295 إلا تقنينا للقواعد التي جرى القضاء المصري على إتباعها في هذا الشأن . فقد يجعل عبء المسئولية أشد وقراً بالاتفاق على تحمل تبعة الحادث الفجائي ، وبهذا يكون المدين مؤمناً للدائن من وجه . وقد تخفف المسئولية ، على نقيض ذلك ، باشتراط الإعفاء من تبعة الخطأ التعاقدي ، إلا أن تكون قائمة على غش أو خطأ جسيم ، فليس للأفراد حرية مطلقة في الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية ، فكما أن الاتفاق على الإعفاء من الخطأ الجسيم والغش لا يجوز في المسئولية التعاقدية ، كذلك يمتنع اشتراط الإعفاء من المسئولية التقصيرية ، أياً كانت درجة الخطأ ، ويعتبر مثل هذا الاشتراط باطلاً لمخالفته للنظام العام . على أن ذلك لا ينفي جواز التأمين على الخطأ ، ولو كان جسيماً ، بل وفي نطاق المسئولية التقصيرية ذاتها ، متى كان لا يرتفع إلى مرتبة الغش . كما أن للأفراد أن يتفقوا على الإعفاء من المسئولية الناشئة عن خطأ من يسألون عن أعمالهم ، بل وعن الغش الواقع من هؤلاء ، سواء أكانت المسئولية تعاقدية أم تقصيرية ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 553 ) .

 ( [26] ) أنظر آنفاً فقرة 428 – وأنظر تاريخ النص في هامش هذه الفقرة .

 ( [27] ) استئناف مختلط في 5 فبراير سنة 1918 م 30 ص 209 .

 ( [28] ) استئناف مختلط في 21 ديسمبر سنة 1894 م 7 ص 11 – وفي 16 نوفمبر سنة 1898 م 11 ص 14 – وفي 30 ديسمبر سنة 1908 م 21 ص 93 – والتون 2 ص 270 – ص 272 – الدكتور عبد السلام ذهني بك فقرة 273 – الدكتور محمد صالح بك في أصول التعهدات فقرة 47 .

 وفي عقود النقل كان القضاء المصري يحرم الإعفاء من المسئولية عن العمد والخطأ الجسيم ( استئناف مختلط في 31 يناير سنة 1917 جازيت 7 رقم 322 ص 73 ) . وكان من شأن الإعفاء من المسئولية عن الخطأ اليسير أ ، ينقل عبء الإثبات فيجعله في جانب الدائن كما كان الأمر في فرنسا قبل قانون رايبيه ( Rabier ) ( استئناف مختلط في 2 أبريل سنة 1896 م 8 ص 198 – وفي 18 يناير سنة 1900 م 12 ص 90 – وفي 16 مايو سنة 1900 م 12 ص 251 ) . ولكن قضت محكمة الاستئناف المختلطة بعد ذلك بأ ، شرط الإعفاء من المسئولية في عقود النقل غير جائز حتى عن الخطأ اليسير ، بل ليس من شأن هذا الشرط أن ينقل عبء الإثبات إلى الدائن ( استئناف مختلط في 8 ديسمبر سنة 1921 م 34 ص 45 – قارن استئناف مختلط في 12 مايو سنة 1920 م 32 ص 320 – أنظر والتون 2 ص 279 – ص 280 ) . وبذلك سارت محكمة الاستئناف المختلطة على حكم قانون رايبيه دون أن يكون في مصر قانون مماثل ، وذلك لاعتبارات خاصة في عقود النقل تجعل التشددي في مسئولية أمين النقل أمراً مرغوباً فيه ( أنظر في هذه الاعتبارات والتون 2 ص 280 – ص 283 ) . وقد تصلح نظرية عقود الإذعان سبباً لإبطال الإعفاء من المسئولية في عقود النقل .

 أما الإعفاء الاتفاقي من المسئولية العقدية عن عمل الغير في الخطأ اليسير فجائز في مصر في القضاء والفقه ( استئناف مختلط في 2 أبريل سنة 1896 م 8 ص 198 – والتون 2 ص 272 – ص 274 ) . وإذا كان خطأ الغير جسيماً أو عمدياً ، فكان القضاء في مصر لا يجيز الإعفاء من المسئولية ( استئناف مختلط في 16 نوفمبر سنة 1898 م 11 ص 14 – وفي 31 يناير سنة 1917 جازيت 7 رقم 222 ) ، ويجيزه الفقه في الخطأ الجسيم ( والتون 2 ص 271 – ص 272 ) ، والقانون المدني الجديد يجيزه حتى في العمد كما بينا ( قارن مازو 3 فقرة 2527 ) . هذا ولا يعتبر خطأ من عمل الغير خطأ مدير الشركة ، فالمدير أداة ( oragane ) الشركة لا وكيل عنها ، فلا يجوز للشركة أ ، تعفى نفسها من العمد أو الخطأ الجسيم إذا صدر من مديرها . ولكن يجوز أن تعفى نفسها من العمد أو الخطأ الجسيم إذا صدر من عمالها .

 ( [29] ) تدرج مقدار العناية المطلوبة من المدين ، بحيث تندرج المسئولية معها عن أخطاء متدرجة ، من الفعل العمد إلى الخطأ الجسيم إلى الخطأ اليسير كثافة ، هو القدر الذي يصلح للبقاء في رأينا من نظرية تدرج الخطأ المهجورة . أما توزيع هذه الأخطاء المتدرجة على طوائف مقسمة من العقود ، وهو الأساس الذي قامت عليه هذه النظرية ، فهذا هو الذي ظهر فساده وكان السبب في هجر النظرية .

 ( [30] ) ويقع عبء الإثبات في المسئولية العقدية المخففة على الدائن ، وقد رأينا أن هذا العبء يقع عليه في المسئولية العقدية الكاملة ، فأولى أن يقع في المسئولية المخففة . ففي عقد النقل – حيث يلتزم أمين النقل بسلامة الراكب ، والتزامه التزام غاية فيكون مسئولاً إلا إذا أثبت السبب الأجنبي – إذا اشترط أمين النقل إعفاءه من المسئولية العقدية وأمكن تفسير ذلك على أنه إعفاء من المسئولية عن الفعل المجرد من الخطأ وعن الخطأ التافه ، فلا يكون أمين النقل مسئولاً إلا إذا أثبت الراكب في جانبه خطأ يسيراً ، ومن ثم يصبح عبء الإثبات على الراكب لا على أمين النقل . أما القضاء الفرنسي فيذهب هذا المذهب ، ولكن على أساس أن شرط الإعفاء من المسئولية يسقط المسئولية العقدية ، فتبقى المسئولية التقصيرية إذا أثبت الراكب خطأ في جانب أمين النقل . وعيب هذا التأسيس أنه يسمح بالخيرة بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية ، وسنرى عند الكلام في المسئولية التقصيرية أنه لا خيرة بين المسئوليتين ، وأن المسئولية العقدية إذا تحققت لا تفسح للمسئولية التقصيرية مكاناً إلى جانبها ( أنظر في هذا الموضوع مازو 3 فقرة 2545 وما بعدها ) . وسنعود إلى هذه المسألة فيما يلي ( فقرة 441 ) .

 ( [31] ) قارن مازو 3 فقرة 2527 – ويرى الأستاذان أن المدين ، يستطيع أن يشترط إعفاءه من الفعل العمد أو الخطأ الجسيم حتى لو كان صادراً من الغير ، لأن الخطأ الصادر من الغير يعتبر صادراً منه هو .

 ( [32] ) هذه القواعد التي بسطناها في الإعفاء الاتفاقي من المسئولية العقدية في حاجة إلى مزيد من التأمل في فروض ثلاثة ، حيث تستهدف لاعتراضات يسهل دفعها :

 ( أ ) قد تشترط شركة إعفاءها من المسئولية العقدية عن الغش أو الخطأ الجسيم الصادر من مديرها . وقد أخذ على قواعد الإعفاء الاتفاقي المتقدم ذكرها أنها تجعل هذا الشرط صحيحاً لأنه إعفاء من المسئولية عن فعل الغير ، وكان الواجب أ ، شرطاً كهذا لا يصح . وردها على ذلك ما قدمناه من أن مدير الشركة لا يعتبر وكيلاً عنها ، بل يعتبر أداة لها ( organe ) ، فمسئولية الشركة عن فعله تعتبر مسئولية عن فعل شخصي لا عن فعل الغير ، فلا يجوز إذن للشركة أن تعفى نفسها من المسئولية عن الغش أو الخطأ الجسيم الصادر منها أو من مديرها ، فهذا وذاك بمنزلة سواء .

 ( ب ) تستطيع شركات النقل أن تعفى نفسها من المسئولية عن السرقات التي ترتكبها عمالها ، إذ أن هذا يعتبر إعفاء من المسئولية عن فعل الغير وهو صحيح وفقاً للقواعد المتقدم ذكرها . وردنا على ذلك أن مثل هذا الشرط إذا فرضته شركات النقل الكبرى على عملائها يعتبر شرط إذعان يجوز للقاضي إبطاله وفقاً للمادة 149 .

 ( ج ) يستطيع المدين أ ، يعفى نفسه من المسئولية العقدية عن الضرر الذي يحدثه بالدائن في جسمه بخطأه اليسير ، ويكون الإعفاء صحيحاً طبقاً للقواعد المتقدم ذكرها ، مع أن هناك ميلاً إلى جعل الإعفاء من المسئولية لا يجوز إلا في الضرر الذي يلحق المال دون الجسم ( أنظر مازو 3 فقرة 2529 وما بعدها ) . وعلاج ذلك أ ، نميز بين ما إذا ورد هذا الشرط في عقد من عقود الإذعان ، كعقد النقل أو العقد الذي يتم بين الطبيب والمريض ، فيجوز للقاضي أن يبطله ، وما إذا ورد في غير عقود الإذعان فيصح ، والقضاء الفرنسي يعتبر الشرط صحيحاً في جميع الأحوال . ويحسن ، بالنسبة إلى عقد النقل ، أن يصدر في شأنه تشريع خاص يواجه ملابساته المختلفة .

 ( [33] ) هذا وقد قدمنا أنه يمكن تفسير الإعفاء من المسئولية العقدية في بعض العقود ، وبخاصة في عقد النقل ، على أنه إعفاء من الفعل المجرد من الخطأ ومن الخطأ التافه ، فإذا استقام هذا التفسير في عقد ، جاز القول في نظرنا إن مسئولية المدين العقدية – لا التقصيرية – تحقق إذا أثبت الدائن في جانب المدين خطأ يسيراً . ويكون الخطأ في هذه الحالة خطأ عقدياً لا خطأ تقصيرياً ( أنظر سابقاً فقرة 440 في الهامش ) . ولكن يغلب أن يتناول شرط الإعفاء من المسئولية العقدية كل ما يمكن الإعفاء منه في هذه المسئولية ، فيشمل المسئولية عن الفعل المجرد من الخطأ وعن الخطأ النابع عن الخطأ اليسير ، دون المسئولية عن الفعل العمد أو الخطأ الجسيم ، فهذان لا يجوز الإعفاء من المسئولية عنهما كما قدمنا .

 ( [34] ) مازو 3 فقرة 2562 – فقرة 2564 . وهذا إلا إذا ثبت أن شرط الإعفاء من المسئولية العقدية كان هو الدافع إلى التعاقد ، فيبطل العقد كله ، ولا يتحقق هذا نادراً .

 وتسري القواعد التي قدمناها في صورتين تعتبران إعفاء اتفاقياً محوراً من المسئولية العقدية : ( الصورة الأولى ) أن يشترط المدين في المسئولية العقدية ألا تجاوز مسئوليته ، إذا تحققت ، مبلغاً معيناً من المال أقل من الضرر الذي وقع . ولكن يشترط أ ، يكون المبلغ المتفق عليه جدياً ، لا رمزياً يقصد به الإعفاء الكامل من المسئولية . أما إذا قصد أن يكون المبلغ معادلاً للضرر ، فهذا هو الشرط الجزائي . ( والصورة الثانية ) أن يشترط المدين في المسئولية العقدية مدة لتقادم التزامه العقدي تكون أقصر من المدة المقررة قانوناً .

نقلا عن محامي أردني

نظرية الحوادث الطارئة في القانون المدني

نظرية الحوادث الطارئة

414 – النصوص القانونية : نصت الفقرة الثانية من المادة 147 من القانون المدني الجديد على ما يأتي : ” ومع ذلك إذا طرأت حوادث استئنافية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي ، وأن لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ، جاز للقاضي تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول . ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ( [1] ) ” . وهذا نص مستحدث لم يكن له نظير في القانون القديم .

415 – وضع النظرية : ونظرية الحوادث الطارئة تفترض الوضع الآتي : عقد يتراخى وقت تنفيذه إلى أجل أو إلى آجال ، كعقد نوريد . ويحل أجل التنفيذ ، فإذا بالظروف الاقتصادية التي كان توازن العقد يقوم عليها وقت تكوينه قد تغيرت تغيراً فجائياً لحادث لم يكن في الحسبان ، فيختل التوازن الاقتصادي للعقد اختلالا خطيراً . وليكن الحادث خروج السلعة التي تعهد المدين بتوريدها من التسعيرة ، فيرتفع سعرها ارتفاعاً فاحشاً بحيث يصبح تنفذ المدين لعقد التوريد يتهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف في خسائر التجار . فهل يؤخذ المدين في هذه الحالة بتنفيذ التزامه مهما بلغت الخسارة ؟

لو أن هذا الحادث الطارئ قد جعل تنفيذ الالتزام مستحيلا ، لكان قوة قاهرة ينقضي بها الالتزام أو لو أنه لم يكن من شأنه إلا أن يجعل تنفيذ الالتزام يعود بخسارة على التجار لا تخرج عن الحد المألوف .في التجارة ، لما كان له من أثر ، فالتاجر يكسب ويخسر ، وكل من الكسب والخسارة أمر متوقع ، ولالتزام المدين بتنفيذ التزامه كاملا . ولكنا نفرض فيما قدمناه أن تنفيذ الالتزام من جهة لم يصبح مستحيلا ، ومن جهة أخرى صار مرهقاً يهدد التاجر بخسارة تخرج عن الحد المألوف . ثم إننا نفرض أن هذا كله لم يكن قائماً وقت نشوء العقد ، بل جد عند تنفيذه ( [2] ) . فماذا يكون الحكم ؟ تقول نظرية الحوادث الطارئة : لا ينقضي التزام المدين لأن الحادث الطارئ ليس قوة قاهرة ، ولا يبقى التزامه كما هو لأنه مرهق ، ولكن يرد القاضي الالتزام إلى الحد المعقول حتى يطيق المدين تنفيذه ، يطيقه بمشقة ولكن في غير إرهاق .

هذه هي نظرية الحوادث الطارئة . وتراها وهي تقوم في مرحلة تنفيذ العقد تقابل نظرتي الاستغلال والاذعان في مرحلة تكوين العقد ( [3] ) . فهي مثل نظيرتيها تصلح اختلال التوازن : هاتان يصلحان التوازن عن طريق الضرب على يد المتعاقد القوى أثناء تكوين العقد ، وهذه تصلح التوازن عن طريق الأخذ بيد المتعاقد الضعيف أثناء تنفيذ العقد . على أن اختلال التوازن في نظرية الحوادث الطارئة يرجع إلى حادث لا يد فيه لأي من المتعاقدين ، ومن ثم تتوزع تبعته بينهما . وفي النظريتين الأخريين يرجع اختلال التوازن إلى استغلال القوى من المتعاقدين للضعيف منهما ، ومن ثم يرفع عن الضعيف كل ما أصابه من الغبن ( [4] ) .

ونظرية الحوادث الطارئة لها تطور معروف ، وقد أخذ بها القانون المدني . الجديد نظرية عامة وطبقها تطبيقاً تشريعياً في حالات معينة . فنحن نتكلم : ( أولاً ) في التطور التاريخي لنظرية الحوادث الطارئة . ( ثانياً ) في نظرية الحوادث الطارئة في القانون المدني الجديد .

1 – التطور التاريخي لنظرية الحوادث الطائرة

416 – النظرية في العصور الوسطى : لما كانت نظرية الحوادث الطارئة ذات جانب أدبي بارر . فهي تعسف المتعاقد المنكوب عندما يختل التوازن الاقتصادي للعقد ، فإن ظهورها لا يستغرب في القوانين المشبعة بالروح الدينية . ظهرت في العصور الوسطى في القانون الكنسي ، ولها أثر ملحوظ في الفقه الإسلامي ( [5] ) .

فقد كان رجال الكنيسة في العصور الوسطى يرتبون على الحوادث الطارئة التي تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين أثراً قانونياً . فهنك غبن يقع على المدين المرهق ، والغبن لا يجوز سواء عاصر تكوين العقد أوجد عند تنفذه . إذ هو ضرب من الربا المحرم لا يحل أكله ، وهو إثراء دون حق للدانئ على حساب المدين المرهق . وقامت الصياغة الفنية للنظرية في القانون الكنسي على أساس قاعدة تغير الظروف ( rebus sic stantibus ) . فالعقد يفترض فيه شرط ضمني هو أن الظروف الاقتصادية التي عقد في ظلها تبقى عند تنفذه ولا تتغير تغيراً جوهرياً . فإذا ما تغيرت بحيث يصبح تنفيذ العقد جائراً بالنسبة إلى أحد المتعاقدين ، وجب تعديل العقد ليزول الحيف الناشيء من هذا التغيير المفاجئ في الظروف الاقتصادية .

وسم رجال الفقه الإسلامي بنظرية الحوادث الطارئة في بعض العقود ، وبخاصة في عقد الإيجار . فيتفسخ الإيجار بالعذر في مذهب الحنفية ، لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد ، فكان الفسخ في الحقيقة امتناعاً من التزام الضرر ( [6] ) .

417 – النظرية في القانون الحديث – اندثارها في القانون الخاص : ولما كانت نظرية الحوادث الطارئة ثغرة ينفذ منها القاضي إلى العقد فينال من قوته الملزمة ، إذ هو يعدل العقد بطلب من أحد المتعاقدين دون رضاء الآخر ، لم تلبث النظرية أن انتكصت على أيدي المدنين من رجال القانون الفرنسي القديم ، واندثرت بعد ذلك أمام النظرية المعارضة ، نظرية القوة الملزمة للعقد . وثبت القانون المدني الحديث على هذا الموقف ، فلم يقر النظرية لافقهاً – على خلاف في الرأي – ولا قضاء .

أما في الفقه فقد انبرى لتأييدها بعض الفقهاء ، وحاولوا أن يجدوا لها سنداً في المبادئ العامة للقانون المدني . فقيل إن النظرية تقوم على أساس المبدأ القاضي بأن العقود يجب تنفذها بحسن نية ، وليس من حسن النية أن يتعسف الدائن بالمدين إذا أصبح التزام هذا مرهقاً لظروف طارئة لم تكن في حسبانه ( [7] ) . ولكن خصوم النظرية يردون بأن حسن النية يقضي بأن ينفذ المتعاقدان ما اتفقا عليه ، لا أن يعدل القاضي هذا الاتفاق ، فينفتح الباب واسعاً للتحكم – وقيل إن النظرية تفسر في ضوء المبدأ القاضي بأن المدين في التزام تعاقدي لا يدفع تعويضاً إلا عن الضرر المتوقع ، فلا يجوز إذن أن يحاسب المدين عن ظروف طارئة سببت ضرراً جيماً لم يكن متوقعاً وقت التعاقد ( [8] ) . ويرد الخصوم بأن هذا حكم لا يطبق إلا عند عدم تنفذ العقد بخطأ المدين ، لا عند تنفيذه كما هي الحال في نظرية الحوادث الطارئة – وقيل إن النظرية ترجع إلى مبدأ الإثراء بلا سبب ، فالقاضي بتعديله العقد المرهق يمنع الدائن من أن يثري على حساب المدين ( [9] ) . ويرد على ذلك بأن الدائن لم يثر بلا سبب ، بل إن هناك سبباً لاثرائه هو العقد – وفيل إن نظرية السبب تصلح سنداً ، إذ متى وصل التزام المدين إلى حد الإرهاق أصبح لا يستند إلى سبب كامل ووجب إنقاصه . ولكن نظرية السبب لا تشترط وجود التعادل الاقتصادي ولا استمراره إذا وجد ، وإلا لكان الغبن سبباً في بطلان العقد – وقيل أخيراً إن نظرية الحوادث الطارئة يمكن اسنادها إلى مبدأ التعسف في استعمال الحق ، فالدائن يتعسف في استعمال حقه إذا طلب المدين بتنفيذ التزام أصبح مرهقاً لظروف طارئة لم يكن أحد يتوقعها . ويرد خصوصم النظرية بأن الدائن قد أراد بتراخي التعاقد إلى مدة من الزمن أن يأمن جانب تغير الظروف ، فإذا هي تغيرت وطالب بحقه الذي تعاقد من أجله كان متبصراً لا متعسفاً ( [10] ) – ثم تقول جمهرة رجال الفقه إن نظرية الحوادث الطائرة مكانها هو التشريع . فإذا جدت أحوال تقتضي تدخل المشرع ، عولجت بالتشريع المناسب وبقدر الحاجة . وهذا ما فعله المشرع في مصر وفي فرنسا على اثر الحربين العالميتين في تأجيل الديون ( moratorium ) ، وفي عقود الإيجار ، وفي تحديد أسعار الحاجيات والمواد الغذائية ، وفي بعض العقود التجارية ( [11] ) .

أما القضاء المدني فلم يقر النظرية ، لا في فرنسا ولا في مصر .

وقد أبدت محكمة النقض الفرنسية أن تعدل عقداً يرجع إلى القرن السادس عشر حيث كان متفقاً أن تروى مياه ترعة الأراضي المجاورة بمقابل أصبح بعد أن تغيرت الظروف الاقتصادية تافهاً كل التفاهة ( [12] ) . وأبت أيضاً أن تعدل عقود التامين من خطر التجنيد وقت أن كانت الجندية في فرنسا بالاقتراح ، ثم زيد عدد الجيش إلى النصف تقريباً مما جعل التجنيد بطريق الاقتراع أكثر احتمالا ، فزاد الخطر الذي تتعرض له شركة التأمين زيادة جسيمة بسبب هذا الحادث الطارئ ( [13] ) .

والقضاء المصري ، في ظل القانون القديم ، كالقضاء الفرنسي لم يأخذ بنرظية الحوادث الطارئة . وقد اضطرد القضاء المختلط في هذا المعنى فعنده أن الالتزام لا ينقضي إلا إذا صار تنفيذه مستحيلا ، أما إذا كان التنفيذ ممكناً فإنه يجب القيام به حتى لو كان مرهقاً للمدين ( [14] ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة في حكم أخير بأن التعاقد وقت الحرب يجعل صعوبات التنفيذ متوقعة ، فلا يجوز الاحتجاج بها للتخلص من الالتزام ( [15] ) .

والقضاء الوطني أيضاً لم يقر نظرية الحوادث الطارئة . وقد كانت محكمة استئناف مصر الوطنية أخذت بالنظرية في حكم لها معروف ، ثبت فيه من وقائع القضية أن مصلحة الحدود تعاقدت مع شخص على أن يورد لها كمية من ” الذرة العويجة ” بسعر معين ، فورد بعض ما تعهد به ، ثم طالبته المصلحة بتوريد جزء آخر ، فامتنع بعد أن ارتفع سعر هذا الصنف من الاذرة على اثر إلغاء التسعيرة الجبرية من جنيهين وربع إلى ما فوق الخمسة الجنيهات وقد قررت المحكمة في حكمها : ” أنه وإن كان من المقرر احترام العقود باعتبارها قانون المتعاقدين مادام لم يصبح تنفيذها مستحيلا استحالة مطلقة لحادث قهري ، إلا أنه يجب أن يكون ذلك مقيداً بمقتضيات العدالة وروح الإنصاف . فإذا طرأت عند التنفيذ ظروف لم تكن في حسبان المتعاقدين وقت التعاقد ، وكان من شأنها أن تؤثر على حقوق الطرفين وواجباتهما بحيث تخل بتوازنها في العقد إخلالاً خطيراً ، وتجعل التنفيذ مرهقاً لدرجة لم يكن يتوقعها بحال من الأحوال ، فإنه يكون من الظلم احترام العقد في مثل هذه الظروف ، ويجب عدلا العمل على مساعدة المدين وإنقاذه من الخراب . وإن نظرية الطارئ بما لم يكن في حسبان المتعاقدين تختلف عن نظرية الحادث الجبري ، إذ أن هذه تتطلب لأجل أن تتحقق استحالة التنفيذ كلية ، وتلك تتطلب استحالة نسبية ، أو بالأحرى ظرفاً يجعل التنفيذ أفدح خسارة وأعظم إرهاقا للمدين . وإن الروح التي أملت نظرية الإثراء على حساب الغير بغير سبب مشروع ونظرية الأفراط في استعمال الحق مع عدم وجود نصوص في القانون خاصة بهما هي نفسها التي تملي نظرية احترام الظروف الطارئة التي لم يكن يتوقعها المتعاقدان وقت التعاقد . وقد أخذ بتطبيقاتها في نظرة الميسرة وفي الضرر غير المتوقع ” ( [16] ) . ونرى من ذلك أن محكمة الاستئناف أسندت النظرية إلى مبادئ العدالة ، وقرنتها بنظريتي الإثراء بلا سبب والتعسف في استعمال الحق من حيث أن النظريات الثلاث لم ترد فيها نصوص في القانون القديم ومع ذلك أخذ القضاء بها . ولكن هذا الحكم الفذ ما لبث أن نقضته محكمة النقض . وقد قررت هذه المحكمة في حكمها : ” أنه لا ينقضي الالتزام العقدي بالفسخ إلا إذا أصبح الوفاء غير ممكن لطروء حادث جبري لا قبل للملتزم بدفعه أو التحرز منه ، فإن كان الحادث الطارئ لا يبلغ أن يكون كذلك ، بل كان كل أثره هو أن يجعل التنفيذ مرهقاً للمدين فحسب ، فلا ينقضي الالتزام . وإذن فالحكم الذي يقرر المساواة بين هاذين الحادثين من حيث أخذه بالفسخ في كليهما ، زعماً بأن القانون المصري ، وإن لم يقرر نظرية انفساخ الالتزام بالظروف الطارئة التي لم يكن يتوقعها المتعاقدان وإن جعل التنفيذ مرهقاً للمدين ، إلا أنه قد أباح الأخذ بها في بعض الحالات حيث تدعو مقتضيات العدالة وروح الإنصاف إلى ذلك ، وبأن في نظريتي الإثراء على حساب الغير والافراط في استعمال الحق ما يؤكد هذا النظر – الحكم بذلك على هذا الزعم مخالف للقانون متعين نقضه ، لأن الشارع وإن كان قد أخذ نظرية حساب الطوارئ في بعض الأحيان ، إلا أنه قد استبقى زمامها بيده ، يتدخل به فيما يشاء وقت الحاجة ، وبالقدر المناسب ، ولمصلحة العاقدين كليهما ، فما يكون للقضاء بعد ذلك إلا أن يطبق القانون على ما هو عليه ” ( [17] ) . ويلاحظ أن محكمة النقض أبت الأخذ بنظرية الحوادث الطارئة كسبب لانقضاء الالتزام ، لا لرده إلى الحد المعقول ، وعلى أساس أن نصوص القانون المدني القديم تتعارض مع إقرار النظرية . فهي إذن لا تأبى أن يوضع للنظرية نص تشريعي عام يجعل الجزاء إنقاص الالتزام لا انقضاءه . بل هي تصرح بذلك في الحكم ذاته إذ تقول : ” ومن حيث إنه وإن كانت هذه النظرية تقوم على أساس من العدل والعفو والإحسان ، إلا أنه لا يصح لهذه المحكمة أن تستبق الشارع إلى ابتداعها ، فيكون عليها هي وضعها وتبيان الظروف الواجب تطبيقها فيها ، وتحديد ما ينبغي على قاضي الموضوع اتخاذه من الوسائل القانونية في حق العاقدين كليهما توزيعاً للغرم بينهما ” . وقد رأينا أن القانون المدني الجديد قد سد هذا النقص ، وأتى بالتشريع الذي كانت محكمة النقض تبتغيه . ومهما يكن أمر ، فإن القضاء الوطني بقي ، في ظل القانون القديم ، عند موقفه من نظرية الحوادث الطارئة . فقضت محكمة استئناف أسيوط بأنه ليس للمحاكم في مصر أن تأخذ بنظرية الطوارئ ، بل عليها أن تحكم بتنفيذ العقود كما هي وتفسيرها ، لا إدخال أي تعديل في الشروط المتفق عليها بين الطرفين ( [18] ) . وعادت محكمة النقض إلى رفض النظرية مرة أخرى ، فقضت بأنه ” ليس في أحكام القانون المدني ( القديم ) ما يسوغ للقاضي نقض الالتزام التي ربتها العقد ، بل إن هذا مناف للأصل العام القائل بأن العقد شريعة المتعاقدين . ولئن كان هذا القانون في المادة 168 قد أجاز للقاضي في أحوال استثنائية أن يأذن في الوفاء على أقساط أو بميعاد لائق إذا لم يترتب على ذلك ضرر جسيم لرب الدين ، وأجاز له في المادة 514 أن ينظر في اجر الوكيل المتفق عليه وتقديره بحسب ما يستوصبه ، فهذا وذاك استثناء من الأصل كان لا بد لتقريره من النص عليه . ثم إن ما كان من الشارع المصري إبان الحرب العالمية الأولى وفي اعقابها وفي أثناء الحرب الثانية وعقب انتهائها من إصدار تشريعات مختلفة بوقف الآجال وإعطاء المهل والتدخل في عقود الإجارة وتحديد أسعار الحاجيات والمواد الغذائية – ذلك يدل على أنه أراد أن يستبقى بيده زمام نظرية الطوارئ ، فيتدخل فيما شاء وقت الحاجة ، وبالقدر المناسب ، ولهذا فليس للقضاء ، يسبق الشارع إلى ابتداع هذه النظرية ، بل عليه أن يطبق القانون كما هو . وعلى ذلك فالحكم الذي يرفض القضاء بفسخ العقد بالرغم من أن ظروف الحرب العالمية وطوارئها قد جعلت تنفيذ التزام العاقد عسيراً عليه مرهقاً له ، لا يكون مخطئاً في تطبيق القانون ( [19] ) ” .

418 – ازدهارها في القانون العام : على أن نظرية الحوادث الطارئة إذا كانت قد اندثرت في القانون الخاص ، فقد ازدهرت في القانون العام . بدأت في القانون الدولي العام شرطاً ضمنياً مفروضاً في المعاهدات الدولية ، فهي تنقضي بتغير الظروف ( rebus sic stantibus ) ، على ما هو معروف في هذا القانون .

ثم انتقلت من القانون الدولي العام إلى القانون الإداري . وكانت الحرب العالمية الأولى هي المناسبة التي وافت مجلس الدولة الفرنسي للأخذ بها في قضية معروفة ، ثبت فيها أن شركة الغاز في مدينة بوردو كانت ملزمة بتوريد الغاز للمدينة بسعر معين ، ثم ارتفع سعر الغاز عقب نشوب الحرب من ثمانية وعشرين فرنكاً للطن في سنة 1913 إلى ثلاثة وسبعين فرنكاً في سنة 1915 ولما رفع الأمر إلى مجلس الدولة قضى بتعديل العقد بما يتناسب مع السعر الجديد ( [20] ) . ثم أعقب هذا الحكم أحكام أخرى من القضاء الإداري في هذا المعنى ( [21] ) .

وقد أخذ القضاء الإداري – دون القضاء المدني – بنظرية الحوادث الطارئة لسببين :

 ( السبب الأول ) أن الاقضية التي تعرض على القضاء الإداري تتصل اتصالا وثيقاً بالصالح العام . ولذلك يحرص القضاء الإداري على أن يوفق في أحكامه بين تطبيق القواعد القانونية الصحيحة والمصلحة العامة . فإذا نظر قضية كقضية شركة الغاز التي اشرنا إليها ، وجب أن يحسب حساباً للخدمة العامة التي تقدمها الشركة للجمهور ، إذ هي تقوم بمرفق عام ، فلا يجوز أخذها بالعنت وإلا أفلست ، وقاسي الجمهور من ذلك أكثر مما يقاسيه لو عدل عقد الالتزام نزولا على حكم الحوادث الطارئة . أما القضاء المدني فالكثرة الغالبة من أقضيته تتعلق بمصالح الأفراد دون أن يكون لها مساس بالمصلحة العامة . فليس أمامه هذا الاعتبار الذي يصرفه على التطبيق الدقيق للقواعد القانونية إلى ما تقتضيه المصلحة العامة .

 ( والسبب الثاني ) أن القضاء الإداري ليس مقيداً بنصوص تشريعية كالقانون المدني . فهو يتمتع بكثير من الحرية تجعل بعض أحكامه أقرب إلى التشريع ، وتيسر له على كل حال أن يماشي تطور الظروف . أما القضاء المدني فمقيد بنصوص لا يستطيع الانحراف عنها إلا في كثير من الجهد والمداورة . وهو يعرف القوة القاهرة ، ويعرف أن أهم شرط لها هو أن تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا ، وإلا فإن الالتزام يبقى كما هو دون أن يعدل . فلا يسهل على القضاء المدني أن يغير من هذه القواعد حتى يدخل شيئاً من المرونة على فكرة القوة القاهرة ، ويتدرج بها من المستحيل إلى المرهق ، ويجعل لكل منزلة حكمها . وحتى إذا كان هذا القضاء المدني يختص بالنظر في اقضية إدارية – كما كانت الحال في مصر قبل إنشاء مجلس الدولة ، بل كما هي الحال الآن إذ القضاء المدني في مصر لا يزال مختص بالنظر في أقضية إدارية مشتركاً في ذلك مع مجلس الدولة – فإنه ينزع إلى تطبيق نصوص القانون المدني على هذه الاقضية الإدارية . وهذا ما فعلته محكمة النقض المصرية في قضية توريد الأذرة إلى مصلحة الحدود وهي القضية التي سبقت الإشارة إليها . فقد كان من حق محكمة النقض بل من واجبها – والقضية التي تنظرها قضية إدارية – أن تسير وراء مجلس الدولة في فرنسا فتأخذ بنظرية الحوادث الطارئة . ولكنها سارت وراء محكمة النقض الفرنسية فلم تأخذ بها .

وقد جد في مصر ، لمصلحة تطبيق نظرية الحوادث الطارئة ، أمران : ( أولهما ) إنشاء القضاء الإداري ، وهو أكثر استعداداً لقبول هذه النظرية من القضاء المدني . ( والثاني ) ظهور القانون المدني الجديد ، وقد وجد فيه القضاء المدني ذاته النص الذي كان يتلسمه للأخذ بالنظرية .

419 – ظهورها أخيراً في القانون الخاص : ومن ثم أخذت نظرية الحوادث الطارئة تنتعش في السنين الأخيرة ، حتى في دائرة القانون الخاص . فبدأت تظهر في التقنينات الحديثة . ظهرت في قانون الالتزامات البولوني ، ثم في القانون المدني الإيطالي الجديد ، ثم في القانون المدني المصري الجديد ( [22] ) .

أما قانون الالتزامات البولوني فهو أول تقنين حديث أشتمل على نص عام في نظرية الحوادث الطارئة . فقد نص في المادة 269 على ما يأتي : ” إذا جدت حوادث استثنائية ، كحرب أو وباء أو هلاك المحصول هلاكاً كلياً أو غير ذلك من النوازل الطبيعية ، فأصبح تنفيذ الالتزام محوطاً بصعوبات شديدة أو صار يهدد أحد المتعاقدين بخسارة فادحة لم يكن المتعاقدان يستطيعان توقعها وقت إبرام العقد ، جاز للمحكمة ، إذا رأت ضرورة لذلك ، تطبيقاً لمبادئ حسن النية ، وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ، أن تعين طريقة تنفيذ الالتزام ، أو أن تحدد مقداره ، بل وأن تقضي بفسخ العقد ” .

ثم تلى قانون الالتزامات البولوني القانون المدني الإيطالي الجديد ، فنص في المادة 1467 على ما يأتي : ” في العقود ذات التنفيذ المستمر أو التنفيذ الدوري أو التنفيذ المؤجل إذا أصبح التزام أحد المتعاقدين مرهقاً على اثر ظروف استثنائية ، جاز للمتعاقد المدين بهذا الالتزام أن يطلب فسخ العقد . وللمتعاقد الآخر أن يدرأ طلب الفسخ بأن يعرض تعديلا لشروط العقد بما يتفق مع العدالة ” .

وثالث التقنينات الحديثة التي اشتملت على نص عام في نظرية الحوادث الطارئة هو القانون المدني المصري الجديد . وقد مر بنا النص الذي وضعه لهذه النظرية في الفقرة الثانية من المادة 147 .

وترى من ذلك أن نظرية الحوادث الطارئة أخذت تسلك طريقها إلى التقنينات الحديثة ، وأن ثلاثة من أحدث هذه التقنينات أو ردت نصاً عاماً يقررها ( [23] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في الفقرة الثانية من المادة 213 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية لا يمكن توقعها ، وترتب على حوادثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي ، وإن لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ، جاز للقاضي ، بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ، أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ، إن اقتضت العدالة ذلك ” . وأضافت لجنة المراجعة كلمة ” عامة ” بعد عبارة ” حوادث استثنائية ” ، والمراد بإضافة هذا الوصف أن الحوادث الاستثنائية ينبغي إلا تكون خاصة بالمدين ، بل يجب أن تكون عامة شاملة لطائفة من الناس كفيضان عال غير منتظر يكون قد اغرق مساحة واسعة من الأرض أو غارة غير منتظرة للجراد أو انتشار وباء . وحذفت اللجنة العبارة الأخيرة من المادة وهي ” أن اقتضت العدالة ذلك ” على أن يحل محلها عبارة ” ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ” . وأصبح رقم المادة 151 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة كما وردت ف يالمشروع النهائي . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ قيل في إيضاح النص الحواثد الاستثنائية العامة تتصرف إلى ما كان عاماً من هذه الحوادث كالفيضان والجراد ، ولا تتصرف إلى الحوادث الفردية – كحريق المحصول مثلا – ولا يعد انتشار الدودة حادثاً استثنائياً عاما لأنه خطر متوقع . وقيل أيضاً إن أساس النظرية هو تضحية من الجانبين وليس اخلاء أيهما من التزامه ، بل يتحمل كل منهما شيئاً من الخسارة لا أن يتحملها أحدهما بإبطال العقد . وذكر أن المشروع قنع في تحديد الحادث غير المتوقع بوضع ضابط للتوجيه دون أن يورد أمثلة تطبيقية فقهية الصيغة وبذكل غاير القانون البولوني الذي اخذ عنه نص المادة لأن هذا التقنين قد أخطأ التوفيق في هذا الصدد غذ جمع بين الحرب والوباء وبين هلاك المحصول بأسره في بعض ما ساق من تطبيقات فخلط بذلك بين العلة والمعلول . وقيل كذلك إن استعمال القاضي للرخصة في إنقاص الالتزام المرهق خاضع لمراقبة محكمة النقض من حيث توافر الشروط التي تبيح استعمال هذه الرخصة . ولما اعترض على عبارة ” ينقص الالتزام المرهق ” لأن القاضي قد يرى زيادة الالتزام المقابل لا إنقاص الالتزام المرهق كان الرد أن الإنقاص غير مقصود به الإنقاص المادي وإنما قصد به التعديل وينسب دائماً إلى عبء الالتزام ، فاستعاضت اللجنة عن عبارة ” ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ” بعبارة ” يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ” . ثم قام اعتراض على النص في ذاته بدعوى أنه يخرج القاضي عن وظيفته ، إذ أن وظيفته هي تفسير إرادة المتعاقدين لا تعديل هذه الإرادة ، وبدعوى أن النص يثير مشاكل ومنازعات تهدد المعاملات لأن أقل حادث سياسي قد يترتب عليه تارة رفع الأسعار وأخرى انهيارها ، فأجيب على هذه الاعتراضات بأن القاضي يحكم طبقاً لقواعد العدالة عندما لا يجد نصاً في العقد وهو في هذا يعمل في حدود وظيفته . وبعد مناقشة لم تر اللجنة الأخذ بهذه الاعتراضات ، وأقرت النص تحت رقم المادة 147 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 278 – ص 286 .

 ( [2] ) فلو أن الالتزام نشأ في ذمة المدين مرهقاً فادحاً منذ تكوين العقد ، كمن يتعهد بحفر بئر تبلغ تكاليف حفرها أضعاف ما قدره ( دي باج فقرة 574 ص 491 ) ، لبقينا في دائرة تكوين العقد ولم تخرج إلى مرحلة تنفيذه ، ولكان علينا أن نلتمس العلاج في عيوب الرضاء من غلط أو تدليس أو نحو ذلك .

 ( [3] ) وفي هذا تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي : ” فيلاحظ أولاً أن نظرية الطوارئ غير المتوقعة ليست على وجه الاجمال إلا بسطة في نطاق نظرية الاستغلال . فالغبن عاصر انعقاد العقد ( وهو الاستغلال ) أو كان لاحقا له ( وهي حالة الحادث غير المتوقع ) لا يعدم أثره فيما يكون للتعاقد من قوة الإلزام . فقد يكون سبباً في بطلانه أو في انتقاصه على الأقل ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 281 ) .

 ( [4] ) وتعين نظرية الظروف الطارئة على التوازن ما بين التنفيذ العين للعقد وتنفيذه من طريق التعويض . ففي تنفيذ العقد من طريق التعويض لا يلتزم المدين إلا بتعويض الضرر الذي كان يمن توقعه عادة وقت التعاقد . وها نحن ، بفضل نظرية الظروف الطارئة ، تقرر ما يقرب من ذلك في التنليذ العيني ، فلا يلتزم المدين بتنفيذ التزامه التعاقدي تنفيذا عينياً إلا بالقدر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد ، وما زاد على هذا القدر المتوقع فلا يتحمل تبعته كاملة . وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا المعنى ما يأتي : ” ويلاحظ من ناحية أخرى أن نظرية الطوارئ غير المتوقعة تقيم ضربا من ضروب التوازن بين تنفيذ الالتزام التعاقدي تنفيذا عينيا وتنفيذه من طريق التعويض . إذ تقضي الفقرة الثانية من المادة 299 ( من المشروع التمهيدي وتقابل الفقرة الثانية من المادة 221 من القانون الجديد ) بأن المدين لا يلتزم إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن نوقعه عادة وقت التعاقد . ويجوز بفضل هذه النظرية أن يقتصر التنفيذ العيني إلى حد بعيد عما كان في الوسع أن يتوقع عقلا وقت انعقاد العقد ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 282 ) .

هذا وتختلف نظرية الظروف الطارئة ومعها نظرية الإذعان عن نظريةق الاستغلال في أن نظرية الاستغلال ذات معيار شخصي : استغلال هوى جامح أو طيش بين . أما نظريتا الحوادث الطارئة والإذعان فلهما معيار مادي : حادث طارئ عام واحتكار لسلعة أو مرفق .

 ( [5] ) أم في القانون الروماني فلا نسمع لها صدى إلا في اقوال الفلاسفة من امثال شيشرون ( cicerone ) وسينيك ( seneque ) .

 ( [6] ) البدائع 4 ص 197 – والعذر إما أن يرجع للعين المؤجرة كمن استأجر حماماً في قرية مدة معلومة ، فنفر الناس ووقع الجلاء ، فلا يجب الأجر ( الفتاوى الهندية 4 ص 463 ) . وإما أن يرجع للمؤجر ، كأن يلحقه دين فادح لا يجد قضاءه إلا من ثمن العين المؤجرة ، فيجعل الدين عذراً في فسخ الإجارة ، وكذلك لو اشترى شيئاً فآجره ثم الطع على عيب به له أن يفسخ الإجارة ويرده بالعيب ( البدائع 4 ص 198 – ص 199 – الفتاوى الهندية 4 ص 459 – ص 463 ) . وإما أن يرجع العذر للمستأجر ، نحو أن يفلس فيقوم من السوق ، أو يريد سفرا ، أو ينتقل من الحرفة إلى الزراعة ، أو من الزراعة إلى التجارة ، أو ينتقل من حرفة إلى حرفة ( البدائع 4 ص 197 ) ، وكما إذا كانت الإجارة لغرض ولم يبق ذلك الغرض ، أو كان عند تمنعه من الجري على موجب العقد شرعاً ، تنتقض الإجارة عمن غير نقض ، كما لو استأجر انساناً لقطع يده عند وقوع الأكلة أو لقلع السن عند الوجع ، فبرأت الأكلة وزال الوجع ، تنتقض الإجارة ( لافتاوى الهندية 4 ص 458 – ابن عابدين 5 ص 76 ) .

ونظرية العذر في الفقه الإسلامي – كما نرى – واسعة . وقد وضع الفقهاء للعذر معياراص مرناً ، فقال ابن عابدين ( جزء 5 ص 76 ) : ” والحاصل أن كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله يثبت له حق الفسخ ” . فالنظرية تنتظم ما يعتبره القانون الحديث قوة قاهرة ، وما يعتبره حوادث طارئة ، وما يعتبره دون هذه وتلك . قارن أيضاً تصقيع الحكر ( عقد الإيجار للمؤلف فقرة 161 ص 209 ) .

 ( [7] ) ريبير في القاعدة الأدبية فقرة 84 وما بعدها – بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 396 .

 ( [8] ) قارن بلانيول وريبير وغسمان 1 فقرة 396 ص 554 .

 ( [9] ) بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 396 ص 555 .

 ( [10] ) بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 462 .

 ( [11] ) أنظر قانون فايو ( Faillot ) الصادر في فرنسا في 21 يناير سنة 1918 – وراجع في التشريع الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية مذكرات غير مطبوعة لقسم الدكتوراه للأستاذ موران ( Morin ) – وأنظر في اقتصار المشرع على التدخل عند الاقتضاء في حالات استثنائية الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 329 – ص 415 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت بك فقرة 358 – فقرة 359 – وأنظر عكس ذلك في وجوب تدخل المشرع بنص عام يقرر النظرية في جملتها الدكتور حامد زكي ( باشا ) في رسالته في الحوادث الطائرة في القانون الانجليزي ص 375 ونظرية العقد للمؤلف ص 976 هامش رقم 1 .

 ( [12] ) نقض فرنسي في 6 مارس سنة 1876 سيريه 1876 – 1 – 961 – أنظر حكماً آخر في 8 أغسطس سنة 1900 سيريه 1903 – 1 – 46 .

 ( [13] ) نقض فرنسي في 9 يناير سنة 1856 سيريه 56 – 1 – 129 – أنظر أيضاً أحكاماً رفضت الأخذ بنظرية الظروف الطارئة : نقض فرنسي في 17 يونية سنة 1907 سيريه 1908 – 1 – 109 – وفي 6 يونية سنة 1921 سيريه 1921 – 1 – 193 .

 ( [14] ) استئناف مختلط في 13 ديسمبر سنة 1899 م 12 ص 39 – 29 مايو سنة 1912 م 24 ص 368 – 16 فبراير سنة 1916 م 38 ص 155 – 15 مارس سنة 1916 م 28 ص 414 – 7 يونية سنة 1916 م 28 ص 416 – 17 يناير سنة 1917 م 29 ص 1500 – 7 مايو سنة 1921 م 33 ص 308 – 8 مارس سنة 1922 م 34 ص 226 – 30 مارس سنة 1922 م 34 ص 279 – 6 يونية سنة 1922 م 34 ص 468 – 13 يونية سنة 1922 م 34 ص 481 – 29 ديسمبر سنة 1917 م 40 ص 112 – 26 نوفمبر سنة 1931 م 44 ص 35 – 6 ديسمبر سنة 1934 م 47 ص 53 – قارن استئناف مختلط في 9 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 51 – 4 مارس سنة 1925 ( مشار إليه في رسالة الدكتور حامد زكي ( باشا ) ص 140 – ص 141 ) .

 ( [15] ) 2 يونية سنة 1948 م 60 ص 133 .

 ( [16] ) استئناف مصر الوطنية في 9 ابريل سنة 1931 المحاماة 12 رقم 41 ص 63 – وانظر تعليقاً للدكتور حامد زكي ( باشا ) في مجلة القانون والاقتصاد السنة الثانية .

 ( [17] ) نقض مدني في 14 يناير سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 32 ص 52 .

 ( [18] ) 15 يناير سنة 1942 المحاماة 22 رقم 238 ص 683 .

 ( [19] ) نقض مدني في 15 مايو سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 200 ص 435 .

 ( [20] ) مجلس الدولة الفرنسي في 30 يونية سنة 1916 سيريه 1916 – 3 – 17 .

 ( [21] ) مجلس الدولة الفرنسي في 8 فبراير سنة 1918 سيريه 1924 – 3 – 2 – وفي 25 نوفمبر سنة 1921 سيريه 1923 – 3 – 33 – وفي 27 مارس سنة 1926 سيريه 1926 – 3 – 108 .

 ( [22] ) أنظر في هذه النظرية في القانون الانجليزي مقالا للأستاذ ليفي اولمان في حوليات القانون التجاري سنة 1921 ص 279 وسنة 1922 ص 41 – ورسالة الدكتور حامد زكي ( باشا ) في نظرية الحوادث الطارئة في القانون الانجليزي باريس سنة 1930 .

 ( [23] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وقد استحدث المشروع . . . حكما بالغ الأهمية ، إذ استثنى مبدأ الطوارئ غير المتوقعة من نطاق تطبيق القاعدة التي تحجر على القضاء تعديل العقود . وقد بادر القضاء الإداري في فرنسا إلى قبول هذا المبدأ هن ومضى في هذا السبيل قدماً مخالفاً في ذلك ما جرى عليه القضاء المدنين ولما طرح الأمر على محكمة النقض المصرية اختارت مذهب القضاء المدني في فرنسا ، فلم تر الأخذ بنظرية الطوارئ غير المتوقعة ، وألغت في هذه المناسبة حكما أصدرته محكمة الاستئناف على خلاف هذا الرأي . وقد احتذى المشروع مثال التقنين البولوني ( م 269 ) فيما أورد من أحكام تشريعية في هذا الشأن ، إلا أنه تقدم على هذا التقنين من ناحيتين : ( ا ) فيراعى من ناحية أن رسم في وضوح ما يفرق بين حالة الطوارئ غير المتوقعة وحالة القوة القاهرة من حدود . ففي الحالة الأولى يصبح تنفيذ الالتزام التعاقدي على حد تعبير المشروع مرهقاً يجاوز حدود السعة دون أن يكون مستحيلا ، ومؤدى ذلك أن الحالة الثانية هي التي تتحقق فيها هذه الاستحالة . ( ب ) ويراعى من ناحية أخرى أنه قنع في تحديد الحادث غير المتوقع بوضع ضابط للتوجيه ، دون أن يورد أمثلة تطبيقية فقهية الصبغة ، إذ جمع بين الحرب والوباء ، وبين هلاك المحصول بأسره ، في بعض ما ساق من ؟؟؟ فنخلط بذلك بين العلة والمعلول ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 280 )

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

إلزام المتعاقدين بتنفيذ العقد في القانون المدني

إلزام المتعاقدين بتنفيذ العقد

 ( العقد شريعة المتعاقدين )

409 – القاعدة العامة والاستثناء منها : القاعدة العامة هي أن العقد شريعة المتعاقدين ، فالواجب تنفيذ العقد في جميع ما أشتمل عليه . وقد أورد القانون الجديد ، عند الكلام في آثار العقد ( [1] ) ، على هذه القاعدة استثنائيين . الاستثناء الأول ما تقضي به نظرية الحوادث الطارئة من جواز تعديل القاضي للعقد ( م 147 فقرة 2 ) ، والاستثناء الثاني ما تقضي به نظرية عقود الإذعان من جواز تعديل القاضي للشروط التعسفية أو الإعفاء منها ( م 149 ) .

ولا نعود إلى عقود الإذعان فقد سبق الكلام فيها ( [2] ) . ونقتصر هنا على ملاحظة أن العقد إذا تم بطريق الإذعان وأشتمل على شروط تعسفية ، فإن العيب الذي يلحق العقد في هذه الحالة يلحقه منذ تكوينه ، لا عند تنفيذه كما هو الأمر في نظرية الحوادث الطارئة . فنظرية عقود الإذعان أقرب إلى نظرية عيوب الرضاء . وما الإذعان إلا ضرب من الإكراه أو الاستغلال يرتب عليه القانون نتائج محدودة . وكان المنطق يقضي بأن يوضع النص الخاص بعقود الإذعان في المكان الذي وضع فيه النص الخاص بنظرية الاستغلال ، فهذه أشكل بتلك .

فإذا تركنا عقود الإذعان بقى أن نبحث مسالتين : ( 1 ) القاعدة وهي تنفيذ العقد في جميع ما أشتمل عليه ( 2 ) ثم الاستثناء وهو ما تقضي به نظرية الحوادث الطارئة .

1 – تنفيذ العقد في جميع ما أشتمل عليه

410 – النصوص القانونية : نصت الفقرة الأولى من المادة 147 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – العقد شريعة المتعاقدين ، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين ، أو للأسباب التي يقررها القانون ( [3] ) ” .

ونصت الفقرة الأولى من المادة 148 على ما يأتي :

 ” يجب تنفيذ العقد طبقاً لما أشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية ( [4] ) ” .

411 – العقد شريعة المتعاقدين : بعد أن يفسر القاضي العقد ويحدد نطاقه ، لا يبقى إلا أن يلزم المتعاقدين بتنفيذ جميع ما أشتمل عليه ، مادام العقد قد نشأ صحيحاً ملزماً . وهو لا يكون صحيحاً ملزماً إلا في الدائرة التي يجيزها القانون ، أي في نطاق لا يصطدم فيه مع النظام العام ولا مع الآداب .

ويطبق القاضي العقد كما لو كان يطبق قانونا ، لأن العقد يقوم مقام القانون في تنظيم العلاقة التعاقدية فيما بين المتعاقدين . بل هو ينسخ القانون في دائرة النظام العام والآداب ، وقد رأينا أن الحكام القانونية التي تخرج عن هذه الدائرة ليست إلا أحكاماً تكميلية أو تفسيرية لإرادة المتعاقدين ، فإذا تولى المتعاقدان بارادتهما تنظيم العلاقة فيما بينهما في العقد ، كان العقد هو القانون الذي يسري عليهما ، وتوارى البديل أمام الأصيل . وهذا هو المعنى الذي قصدت إليه الفقرة الأولى من المادة 147 حين قالت : ” العقد شريعة المتعاقدين ” . وتقول المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي في هذا المعنى : ” الاتفاقات التي تمت على وجه شرعي تقوم بالنسبة إلى من عقدوها مقام القانون ” . ( Les conventions legalement formees tiennent lieu de loi a ceux qui les not faites ) . وقد نقل المشرع الفرنسي هذا النص عن دوما ( Domat ) كما قدمنا ( [5] ) .

412 – فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون : ” والنتيجة المباشرة للمبدأ القاضي بأن العقد شريعة المتعاقدين ، هي أن العقد لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون .

لا يجوز نقض العقد ولا تعديله من جهة القاضي ، فلا يجوز لهذا أن ينقض عقداً صحيحاً أو يعدله بدعوى أن النقض أو التعديل تقتضيه العدالة ، فالعدالة تكمل إرادة المتعاقدين ولكن لا تنسخها . ولا يجوز نقض العقد ولا تعديله من جهة أي من المتعاقدين فإن العقد وليد إرادتين ، وما تعقده إرادتان لا تحله إرادة واحدة .

هذا هو الأصل . ومع ذلك يجوز نقض العقد أو تعديله باتفاق المتعاقدين أو الأسباب يقررها القانون .

فيكون نقض العقد أو تعديله من عمل المتعاقدين معاً ، إما باتفاقهما على ذلك عند النقض أو التعديل ، أو باتفاقهما عند التعاقد على إعطاء هذا الحق لأحدهما . والقواعد التي تطبق على توافق الإرادتين في إيجاد العقد هي ذاتها التي تطبق على توافق الإرادتين في نقضه أو في تعديله .

وقد يكون نقض العقد أو تعديله لسبب يقرره القانون . فهناك عقود ينص القانون على أنه يجوز لأحد المتعاقدين أن يستقل بإلغائها ، كالوكالة والوديعة والعقود الزمنية التي لم تحدد لها مدة كالشركة والايجار وعقد العمل . وقد ينص القانون في بعض الأحوال الاستثنائية على جواز تعديل العقد نزولا عند اعتبارات عادلة ، كما فعل في جواز تعديل الشرط الجزائي ( م 224 ) ، وفي جواز منح المدين نظرة الميسرة ( م 346 ) . وفي جواز الرجوع في الهبة ( م 500 ) ، وفي جواز تعديل اجر الوكيل ( م 709 ) ، وفي جواز رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول في نظرية الحوادث الطارئة التي سنتناولها بالبحث بعد قليل ( [6] ) .

413 – ولكن يجب تنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية : كان المشروع التمهيدي للقانون الجديد ينص على أنه يجب تنفيذ العقد بطريقة تتفق ما يفرضه حسن النية وما يقتضيه شرف التعامل . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع في هذا الصدد ما يأتي : ” فإذا تعين مضمون العقد وجب تنفيذه على وجه يتفق مع ما يفرضه حسن النية وما يقتضيه العرف في شرف التعامل . وبهذا يجمع المشروع بين معيارين : أحدهما ذاتي قوامه نية العاقد وقد اختاره التقنين الفرنسي ، والآخر مادي يعتد بعرف التعامل وقد اخذ به التقنين الألماني ” . ( [7] ) ومن ثم نرى أن لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، عندما حذفت المعيار الثاني الخاص بنزاهة التعامل من المشروع النهائي ، قد استبقت في الواقع المعيار الذاتي دون المعيار المادي . أما ما ذكرته في تقريرها من إنها حذفت العبارة التي تقرر المعيار المادي ” لأن في عموم تعبير حسن النية ( وهذا هو المعيار الذاتي ) ما يغني عنها ” ( [8] ) فغير صحيح ، لأن المعيار الذاتي لا يغني عن المعيار المادي . لذلك يجب ، بعد هذا التعديل ، الاقتصار على المعيار الذاتي ، وهو معيار حسن النية .

فالقاضي عندما يلزم المتعاقدين بتنفيذ العقد يقتضي منهما أن ينفذاه بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية . ذلك أن حسن النية هو الذي يسود في تنفيذ جميع العقود . ولم يعد هناك ، كما كان الأمر في القانون الروماني ، عقود حرفية التنفيذ ( contrats de droit strict ) وعقود رائدها حسن النية ( contrats de bonne foi ) بل العقود جميعها في القانون الحديث قوامها في التنفيذ حسن النية ( [9] ) .

ويرتب القضاء الفرنسي على وجوب مراعاة حسن النية في تنفيذ العقد أن المقاول إذا تعهد بتوصيل أسلاك الكهرباء وجب عليه أن يقوم بتوصيلها من اقصر طريق ممكن ( [10] ) ، وأن أمين النقل يجب عليه أن ينقل البضاعة من الطريق الأصلح بالنسبة إلى صاحبها ( [11] ) .

ويجزى القانون حسن النية فيما يتعلق بتنفيذ العقد ، فيمنح المدين نظرة الميسرة إذا كان في عدم تنفيذه للعقد حسن النية ( م 346 فقرة 2 ) . ويجازي سوء النية في عدم تنفيذ العقد ، فيلزم المدين في المسئولية العقدية بالتعويض عن الضرر الذي كان لا يمكن توقعه وقت التعاقد إذا كان هذا المدين في عدم تنفيذه للعقد في ارتكب غشاً أو خطأ جسيما ( م 221 فقرة 2 ) . وهذا وذاك ينمان عما وراءهما من قاعدة مستترة تنهي عن البش وتأمر حسن النية في تنفيذ العقد .

وهناك عقود يتجلى فيها واجب حسن النية في التنفيذ في صورة التزام بالتعاون ، وهو التزام يقضي على كل من المتعاقدين أن يتعاون مع صاحبه في تنفيذ العقد . ففي عقد الشركة واجب التعاون ما بين الشركاء في تنفيذ العقد أمر ملحوظ ، حتى أن القانون يجيز حل الشركة لو أخل أحد الشركاء بهذا الواجب ( م 530 – 531 من القانون المدني الجديد والمادة 1871 من القانون المدني الفرنسي ) . وفي عقد التأمين يلزم واجب التعاون المؤمن له أن يخطر المؤمن بما يقع من حوادث أثناء سريان العقد وأن يبذل ما في وسعه للتخفيف من الضرر المؤمن عليه إذا وقع ( قانون 13 يولية سنة 1930 في فرنسا : م 17 و 19 و 21 ) . ويقضي واجب التعاون على الناشر أن يخطر المؤلف عما تم في بيع كتابه . وعلى المشتري أن يخطر البائع بدعوى استحقاق المبيع في وقت ملائم ( م 440 جديد ) . وإذا كشف عيباً في المبيع وجب عليه أن يخطر البائع به في خلال مدة معقولة ( م 449 ) . ولا يجوز للمستأجر أن يمنع المؤجر من إجراء الترميمات المستعجلة التي تكون ضرورية لحفظ العين المؤجرة ( م 570 ) . ويجوز للمستأجر أن يضع بالعين المؤجرة أجهزة لتوصيل المياه والنور الكهربائي والغاز والتليفون والراديو وما إلى ذلك ، فإذا كان تدخل المؤجر لازماً فتمام شيء من ذلك جاز للمستأجر أن يقتضى منه هذا التدخل ( م 581 ) . ويجب على المستأجر أن يبادر إلى إخطار المؤجر بكل أمر يستوجب تدخله ، كأن تحتاج العين إلى ترميمات مستعجلة أو ينكشف عيب فيها أو يقع اغتصاب عليها أو يعتدى أجنبي بالتعرض لها أو بإحداث ضرر بها ( م 585 ) . وعلى الوكيل أن يوافى الموكل بالمعومات الضرورية عما وصل إليه في تنفيذ الوكالة ( م 705 ) . وعلى أن ي وجه كان انتهاء الوكالة يجب على الوكيل أن يصل بالأعمال التي بدأها إلى حالة لا تتعرض معها للتلف ( م 717 ) ( [12] ) .

ويمكن القول بوجه عام إن التزام المتعاقد بتنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية يغني في بعض الأحوال عن الالتجاء إلى نظرية التعسف في استعمال الحق . فإن المتعاقد الذي يحيد عن حسن النية في المطالبة بحقه يكون مسئولا على أساس المسئولية العقدية لإخلاله بالتزامه العقدي من وجوب مراعاة حسن النية في تنفيذ العقد ، قبل أن يكون مسئولا على أساس المسئولية التقصيرية للتعسف في استعمال الحق ( [13] ) .


 ( [1] ) وإلا فإن القانون أورد استثناءات أخرى كثيرة تفرقت في أماكن مختلفة كما سنرى .

 ( [2] ) أنظر آنفاً فقرة 118 وما بعدها .

 ( [3] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في الفقرة الأولى من المادة 213 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” العقد شريعة المتعاقدين ما دام قد انعقد صحيحاً ، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون ” . وأقرته لجنة المراجعة بعد حذف عبارة ” مادام قد انعقد صحيحاً ” لعدم الحاجة إليها ، وأصبح رقم النص الفقرة الأولى من المادة 151 من المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم 147 فقرة أولى ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 278 – ص 286 ) .

 ( [4] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في الفقرة الأولى من المادة 214 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” يجب تنفيذ العقد طبقاً لما أشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية وما تقتضيه نزاهة التعامل ” ، وأصبح رقم النص المادة 152 فقرة أولى في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ قيل تعليقاً على النص إنه وإن كان العقد شريعة المتعاقدين فليس ثمة عقود تحكم فيها المباني لا المعاني كما كان الشأن في بعض العقود عند الرومان ، فحسن النية يظل العقود جميعاً سواء فيما يتعلق بتعيين مضمونها أم فيما يتعلق بكيفية تنفيذها . وحذفت اللجنة عبارة ” وما قتضتيه نزاهة التعامل ” ، وعللت هذا الحذف في تقريرها بأن ” في عموم تعبير حسن النية ما يغني عنها ” ، وأصبح رقم المادة 148 فقرة أولى . ووافق عليها مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 287 – ص 290 ) .

 ( [5] ) وإذا كان العقد شريعة المتعاقدين ، فليس هذا معناه أن نصوص العقد تأخذ حكم نصوص القانون على وجه مطلق . وقد عقد جوسران ( جزء 2 فقرة 247 – فقرة 248 ) مقارنة بين العقد والقانون . أما وجوه الشبه ففي أن كلا منهما ملزم ، وفي أن كلا منهما يجوز أن يخرج على قانون أو على عرف ، وفي أنه يجوز حل العقد كما يجوز إلغاء القانون بعين الطريقة التي صنع بها كل منهما ، وفي أن العقد يفسر كما يفسر القانون طبقاً لمقتضيات العدالة وحسن النية . ووجوه الخلاف هي أن العقد لا يجوز أن يخرج على قانون يعتبر من النظام العام أما القانون فيلغي قانوناً آخر مثله ولو كان معتبراً من النظام العام ، والعقد قد يحل فإرادة واحدة فيمكن إذن حله بطريقة غير التي صنع بها في أحوال استثنائية بخلاف القانون فلا يلغي إلا بالطريقة التي صنع بها ، وتفسير العقد مسألة موضوعية ( على تفصيل سبق بيانه ) لا رقابة لمحكمة النقض عليها أما تفسير القانون فمسالة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض .

 ( [6] ) وتقو المذكرة الإيضاحية في هذا الصدد ما يأتي : ” العقد شريعة المتعاقدين ، ولكنه شريعة اتفاقية ، فهو يلزم عاقديه بما يرد الاتفاق عليه متى وقع صحيحاً . والأصل أنه لا يجوز لأحد طرفي التعاقد أن يستقل بنقضه أو تعديله ” ، بل ولا يجوز ذلك للقاضي ، لأنه لا يتولى إنشاء العقود عن عاقديها وإنما يقتصر عمله على تفسير مضمونها بالرجوع إلى نية هؤلاء العاقدين . فلا يجوز إذن نقض العقد أو تعديله إلا بتراضي عاقديه – ويكون هذا التراضي بمثابة عقد جديد – أو لسبب من الأسباب المقررة في القانون كما هو الشأن في أسباب الرجوع في الهبة ” مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 279 ، ص 280 ) .

 ( [7] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 288 .

 ( [8] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 290 .

 ( [9] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويستخلص مما تقدم أن العقد وإن كان شريعة المتعاقدين ، فليس ثمة عقود تحكم فيها المباني ون المعاني كما كان الشأن في بعض العقود عند الرومان ، فحسن النية يظل العقود جميعاً سواء فيما يتعلق بتعين مضمونها أم فيما يتعلق يكفية تنفيذها ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 288 ) – وتقول الاساتذة بلانيول وريبير وبولانجيه في وسيطهم ( جزء 2 فقرة 455 – فقرة 457 ) إن القاضي كما يمنع التدليس ( dol ) في تكوين العقد ، كذلك يمنع الغش ( fraude ) في تنفيذه . والتدليس والغش شيء واحد يتخذ اسمين مختلفين ، فهو تدليس عند تكوين العقد ، وهو غش عند تفيذه .

 ( [10] ) نقض فرنسي في 19 يناير سنة 1925 داللوز الأسبوعي 1925 ص 77 .

 ( [11] ) نقض فرنسي في 31 يناير سنة 1887 سيريه 87 – 1 – 420 .

 ( [12] ) الدكتور حلمي بهجت بدوي بك ص 391 – ص 399 . وقد أورد تطبيقات كثيرة لفكرة التعاون .

 ( [13] ) بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 455 – فقرة 457 .

نقلا عن محامي أردني