حجية الورقة الرسمية في الإثبات

حجية الورقة الرسمية في الإثبات

       88 ـ افتراض صحة الرسمية : متى كانت المظاهر الخارجية للورقة تنبئ أنها ورقة رسمية ، اعتبرت كذلك إلى أن يثبت ذو المصلحة أنها ليست لها صفة الرسمية لبطلانها أو لتزويرها ، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الطعن بالتزوير إلا إذا جاز إثبات البطلان عن طريق آخر .

       وبذلك يتم للورقة الرسمية السليمة في مظهرها قرينتان : قرينة بسلامتها المادية ، وأخرى بصدورها من الأشخاص الذين وقعوا عليها وهم الموظف العام وأصحاب الشأن([1]) . فهى إذن ، حتى يطعن فيها بالتزوير ، حجة بسلامتها المادية وبصدروها ممن صدرت منه دون حاجة إلى الإقرار بها . وهذا علا خلاف الورقة العرفية ، فسنرى أنها لا تكون حجة بما فيها قبل الإقرار بها([2]) .

       لكن إذا كانت المظاهر الخارجية للورقة تدل في ذاتها على أن بها تزويراً واصحاً كوجود كشط فيها أو حبر مختلف في اللون أو نحو ذلك ، أو على أنها 144 ورقة رسمية باطلة كعدم توقيعها من الموثق أو من أصحاب الشأن أو كوضوح أن الموثق غير مختص موضوعاً بتوثيقها ، جاز للقاضى أن يرد الورقة ، بإعتبارها مزورة باطلة([3]) . وقد نصت المادة 260 من تقنين المرافعات على ما يأتي : (( للمحكمة أن تقدر ما يترتب على الكشط والمحو والتحشير وغير ذلك من العيوب المادية في الورقة من إسقاط قيمتها في الإثبات أو إنقاصها . وإذا كانت صحة الورقة محل شك في نظر المحكمة ، جاز لها من تلقاء نفسها أن تدعو الموظف الذى صدرت عنه أو الشخص الذى حررها ليبدى ما يوضح حقيقة الأمر فيها )) ([4]) .

       89 ت مسائل ثلاث في حجية الورقة الرسمية : فإذا خلص للورقة صفتها الرسمية على النحو المتقدم ، كان لها في أصلها وفي صورها ، حجية في الإثبات إلى مدى بعيد ، فيما بين الطرفين ، وبالنسبة إلى الغير .

       فنتكلم إذن في مسائل ثلاث :  (1) حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين (2) حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير (3) حجية الورقة الرسمية فيما يتعلق بصورها .

المبحث الأول

حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين

       90 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 391 من التقنين المدني على ما يأتي :

       (( الورقة الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بـها محـررها 145 في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً )) ([5]) .

       ويقابل هذا النص في التقنين المدني القديم المادة 226/291([6]) ـ ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى : في قانون البينات السورى المادة السادسة ، وفي التقنين المدنى العراقي المادة 451 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المواد من 156 إلى 159 ، وفي التقنين المدني الليبى المادة 378([7])  ـ

146 ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1319([8]) .

       ويتبين من هذه النصوص :

       ( أولا ) أن الورقة الرسمية حجة على الناس كافة . وسنتناول هنا حجيتها فيما بين الطرفين ، على أن تكلم فيما يلى في حجيتها بالنسبة إلى الغير .

       ( ثانياً ) أن الورقة الرسمية حجة بما دون فيها من أمور قام بها محررها في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً . ويتضح من هذا أن هناك نوعين من البيانات في الورقة الرسمية : (1) بيانات تكون للورقة الرسمية فيها حجية إلى أن يطعن في الورقة بالتزوير 147 (2) بيانات دون ذلك فى القوة ، فهى ككل بيان يثبت في ورقة مكتوبة يعتبر صحيحاً حتى يوقم الدليل على ما يخالفه ([9]) . وقد كان المشروع التمهيدى يتضمن فقرة في هذا المعنى حذفت في لجنة الشيوخ اكتفاء بتطبيق القواعد العامة . فعلينا إذن أن نبحث : (1)

       91 ـ حجية الورقة الرسمية حتى يطعن فيها بالتزوير : تكون للورقة الرسمية حجية في الإثبات حتى يطعن فيها بالتزوير ، وذلك فيما دون فيها من أمور قام بها الموثق في حدود مهمه أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره . فهناك إذن طائفتان من البيانات لها هذه الحجية : بيانات عن الأمور التى قام بها الموثق في حدود مهمته ، وبيانات عن أمور وقعت من ذوى الشأن في حضوره.

       أما الأمور التى قام بها الموثق في حدود مهمته وبينها فى الورقة الرسمية التى وثقها فكثيرة . من ذلك تأكده من شخصية المتعاقدين بشهادة شاهدين أو بستند رسمى ، وتثبته من أهلية المتعاقدين ورضائهما ، وصدور الكتابة منه ، والبيانات العامة التى أثبتها في الورقـة وهـى التاريخ ([10]) واسم الموثق وبيان ما إذا كان التوثيق قد تم في المكتب أو في مكان آخر وحضور شاهدين واسم كل منهما وحضور أصحاب الشأن وأسماؤهم وحضور المترجم والمعين عند الاقتضاء وتلاوته الورقة لذوى الشأن والتوقيعات التى تحملها الورقة([11]) .

148 أما البيانات عن الأمور التى وقعت من وذى الشأن فى حضوره فأكثرها يتعلق بموضوع الورقة الرسمية التى قام بتوثيقها ، أي البيانات الخاصة بهذه الورقة بالذات . فإن كان الموضوع بيعاً ، فإن الموثق يثبت في الورقة أن البائع قرر أنه يبيع والمشترى دفع الثمن إلى البائع أمام الموثق فيذكر الموثق ذلك في الورقة الرسمية . كل هذه البيانات التى وقعت من ذوى الشأن في حضور الموثق وأثبتها في الورقة ، بعد أن أدركها بالسمع أو بالبصر de visu aut de auditi  ، تكون لها ححية في الإثبات إلى أن يطعن فيها بالتزوير([12]) .

       وسواء كانت البيانات متعلقة بالأمور التى قام بها الموثق أو بالأمور التى وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، فلا بد حتى تثبت لها هذه الحجية أن تكون في حدود مهمة الموثق . فإذا خرجت عن هذه الحدود ، كأن أثبت الموثق أن أصحاب الشأن أقارب أو أن أحدهم يبلغ كذا من العمر أو أنهم قرروا أمامه أنهم أجانب أقاموا مدة معينة في البلاد ، فلا تكون لهذه البيانات حجية لأنها لا تدخل في مهمة الموثق([13]) .

       149 وقد حصرت على هذا النحو في دائرة محدودة البيانات التى تكون لها حجية لا تدحض إلا إذا لجأ من ينكرها إلى طريق الطعن بالتزوير . ذلك أن طريق الطعن بالتزوير طريق معقد محفوف بالمصاعب والمخاطر ، وقد رسم له تقنين المرافعات إجراءات ومواعيد دقيقة شدد فيها من التزامات الطاعن بالتزوير، وفرض عليه غرامة إذا حكم بسقوط ادعائه أو برفض هذا الادعاء([14]). وليس أمام من تحتم عليه الطعن بالتزوير إلا سلوك هذا الطريق ، فليس له أن يستجوب خصمته تمهيداً للحصول على إقرار منه ، ولا أن يوجه له اليمين الحاسمة ، ولا أن يطلب إحالة الدعوى على التحقيق بغير الطريق المرسوم للطعن بالتزوير ، 150 ولا أن يطلب إثبات وقائع تتعارض مع البيانات الثابتة بالورقة الرسمية حتى لو كان يتمسك بمدبأ ثبوت بالكتابة ويريد أن يستكمله بالبينة أو بالقرائن([15]) .

151 وله أن يطعن بالتزوير في أية حالة كانت عليها الدعوى ، ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف([16]) ، ولكن لا لأول مرة أمام محكمة النقض ، وذلك كله بشرط ألا يكون الطعن بالتزوير كيدياً([17]) .

       92 ـ حجة الورقة الرسمية حتى يقوم الدليل على العكس أما ما أثبته الموثق في الورقة الرسمية باعتباره وارداً على لسان ذوى الشأن من بيانات ، فلا تصل الحجية فيه إلى حد الطعن بالتزوير . بل يعتبر ما ورد من ذلك صحيحاً في ذاته إلى أن يثبت صاحب المصلحة عكسه بالطرق المقررة فى قواعد الإثبات([18]) . ومن هذه القواعد أه لا يجوز إثبات عكس ما بالورقة المكتوبة إلا بالكتابة أو بمبدأ ثبوت بالكتابة مستكملا بالبينة أو بالقرائن . فلا يجوز إذن إثبات عكس ما ورد في الورقة الرسمية على لسان ذوى الشأن إلا إذا كانت هناك كتابة تثبت هذا العكس ، أو القليل مبدأ ثبوت بالكتابة تعززه البينة أو القرائن([19]) .

       152 والأصل في هذه المسألة أن كل طعن في بيان وارد بورقةرسمية ، يتضمن مساساً بأمانة الموثق وصدقه ، لا يكون إلا عن طريق الطعن بالتزوير كما رأينا . ذلك أن اختيار الموظف العام خاضع لشروط تتوافر بها الثقة فيه ، وهو معرض لعقوبات قاسية فيما إذا أحل بهذه الثقة([20]) . أما الطعن الذى لا يتضمن مساساً بأمانة الموثق أو بصدقه فيكفى فيه إثبات العكس على النحو الذى قررناه .

       ومن ثم يكون البيان المتعلق بتأكد الموثق من شخصية المتعاقدين وبتثبته من أهليتهما ورضائهما لا يجوز إنكاره إلا بطريق الطعن بالتزوير كما قدمنا . ولكن إذا اقتصر المدعى على إنكار شخصية المتعاقدين أو إنكار توافر الأهلية فيهما أو إنكار أن رضاءهما صحيح غير مشوب بعيب ، دون أن يتعرض لتثبت الموثق من كل ذلك ، جاز أن يثبت ما يدعيه بالطرق المقررة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ، لأن المدعى لا تشكك في ذمة الموثق ، إذ هو يسلم أن الموثق قد تأكد من كل ذلك ، ولكن بالرغم من هذا التأكد فإنه قد أخطأ عن حسن نية .

       وكذلك البانات العامة التى يثبتها الموثق بعضها لا يجوز إنكاره بتاتاً إلا بطريق الطعن بالتزوير ، كتاريخ الورقة الرسمية الذى يعتبر تاريخاً ثابتاً كما قدمنا ، واسم الموثق ، وبيان ما إذا كان التوثيق قد تم في المكتب أو في مكان آخر ، وحضور الشهود ، وحضور أضحاب الشأن ، والتوقيعات ، وقد تقدم ذكر ذلك . أم حقيقة أسماء أصحاب الشأن وأسماء الشهود وحقيقة ألقابهم وصناعاتهم ومحال إقامتهم ، فما قرروه من ذلك فى الورقة الرسمية له ناحيتان : واقعة التقرير في ذاته أى صحة الأسماء والألقاب والصناعات ومحال الإقامة وهذه يكفى فيها إثبات العكس لأن الإنكار في هذا كله لا يمس أمانة الموثق إذ هو لم يكتب إلا ما قرره هؤلاء على عهدتهم ، صادقين كانوا أو كاذبين .

       153 ثم إن البيانات الخاصة بموضوع الورقة الرسمية لها أيضاً ناحيتان : واقعة التقرير ـ أي أن أصحاب الشأن قرروا أمام الموثق كذا وكذا ـ وهذه لها حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ثم صحة التقرير في ذاته وهذه يجوز إنكارها وإثبات العكس لأن ذلك لا يمس أمانة الموثق . مثل ذلك أن يثبت الموثق أن أحد المتعاقدين قرر أنه باع للمتعاقد الآخر داراً وقرر المتعاقد الآخر أنه اشترى هذه الدار ، فواقعة التقرير من بيع وشراء لها حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ولكن هذا لا يمنع ذا المصلحة ، وهو لا يتعرض لواقعة التقرير في ذاتها ولا يمس بذلك أمانة الموثق ، من أن يتمسك بأن هذا البيع صورى بالرغم من أن المتعاقدين قررا أمام الموثق غير ذلك ، وله أن يثبت هذه الصورية بالطرق المقررة قانوناً دون حاجة إلى الطعن بالتزوير . ولو أثبت الموثق أن المشترى دفع أمامه الثمن وقدره كذا إلى البائع ، فواقعة دفع مبلغ قدره كذا له حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ولكن هذا ذا المصلحة من إثبات أن الدفع بالرغم من صحة واقعته فى ذاتها كان دفعاً صورياً ، بأن كانت النقود هى نقود البائع وأعطاها للمشترى ليسلمها هذا له أمام الموثق([21]) ، أو بأن النقود التى دفعها المشترى أمام الموثق أعادها له البائع بعد خروجهما ، وله أن يثبت ذلك بالطرق المقررة قانوناص دون حاجة إلى الطعن بالتزوير لأنه لا يمس في اعائه هذا أمانة الموثق([22]) .

       154 وكذلك قيام التصرف القانونى ذاته وصحته التى تفترض توافر الأهلية والخلو من عيوب الرضاء ووجود محل صالح وسبب مشروع ، ونفاذ التصرف القانوني فيما بين الطرفين وفي حق الغير ، كل ذلك لا شأن له بما قرره الموثق من وقع التصرف ، فلكل ذى مصلحة أن ينازع في أية مسألة من هذه وعليه إثبات ما يدعيه وفقاً للقواعد المقررة قانوناً([23]) .

المبحث الثاني

حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير

       93 ـ قاعدة عامة : رأينا أن المادة 391 من التقنين المدني تقضى بأن الورقة الرسمية حجة على الناس كافة. فهى إذن حجة بما جاء فيها ، لا على أصحاب الشأن وحدهم ، بل هى أيضاً على الغير([24]) .

       وقد رأينا فيما تقدم كيف تكون حجة على أصحاب الشأن ، فبسطنا متى تقوم هذه الحجية إلى حد الطعن بالتزوير ومتى تقوم حتى يقدم الدليل على العكس .

       ونستعرض هنا بالنسبة إلى الغير ما قدمناه بالنسبة إلى أصحاب الشأن ، فنذكر متى تكون الورقة الرسمية حجة على الغير إلى حد الطعن بالتزوير ، ومتى تكون حجة على الغير حتى يقوم الدليل على العكس .

155 94 ـ حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير إلى حد الطعن بالتزوير :

قد تكون هناك محل للاحتجاج على الغير بالورقة الرسمية . مثل ذلك مدين يبيع داراً له بورقةرسمية ، ويدعى الدائن أن هذا البيع الرسمى لم يصدر من مدينه ليتمكن بذلك من التنفيذ بحقه على الدار المبيعة . ومثل ذلك أيضاً مؤجر العقار يبيعه بورقة رسمية ، ويدعى المستأجر أن البيع لم يصدر من المؤجر وذلك حتى يقى في العين المؤجرة فلا يخرجه منها المشترى بالرغم من أن عقد الإيجار غير ثابت التاريخ ([25]) . أو يثبت مؤجر العقار الذى باعه الخالصة بالأجرة عن مدة مستقبلة فى ورقة رسمية ، فينكر المشترى صدور هذه المخالصة من المؤجر ليتمكن بعد أن يستبقى المستأجر فى العين من مطالبته بهذه الأجرة([26]) .

       فى هذه الفروض وغيرها تكون للورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير عين الحجية التى لها فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فيستطيع المشترى من المدين ، فى المثل الأول ، أن يحتج بالبيع الرسمى على دائن البائع ، ولا يجوز للدائن ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى الورقة الرسمية من أمور قام بها الموثق فى حدود مهمته أو بيانات وقعت من ذوى الشأن فى حضوره ، كصدور البيع من المدين وتاريخ الورقة الرسمية وحضور الشهود وصحة التوقيعات وما ذكره الموثق من أن المشترى دع أمامه الثمن إلى المدين وغير ذلك من الأمور التى فصلناها فيما تقدم فى صدد الكلام فى حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين . كذلك فى المثل الثاني لا يجوز للمستأجر ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى ورقة البيع الرسمية الصادرة من المؤجر على النحو الذى قدمناه . وفى المثل الثالث لا يجوز للمستأجر ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى ورقة البيع الرسمية الصادرة من المؤجر على النحو الذى قدمناه . وفى المثل الثالث لا يجوز للمشترى ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر المخالصة بالأجرة الصادرة من المؤجر إلى المستأجر .

       وظاهر من الأمثلة التى قدمناها أن  الغير الذى يحتج عليه بالورقة الرسمية هو نفس الغير الذى يحتج عليه بالتصرف القانوني ، فهو في المثلين الأولين الدائن وفى المثل الأخير الخلف الخاص.

ولما كان التصرف القانونى سارياً في حقه ، فقد 156 وجب إثباته بالنسبة إليه ، فيثبت بالورقة التى أثبت فيها التصرف على النحو الذى قدمناه([27]) .

       95 ـ حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير حتى يقوم الدليل على العكس : ولكن حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير ، كحجيتها فيما بين الطرفين ، لا تمنع الغير من إنكار صحة الوقائع التى أثبتها الموثق فى ذاتها ، دون أن يتعرض فى ذلك لأمانة الموثق أو صدقه . ولا يحتاج فى ذلك إلى الطعن بالتزوير ، بل يكفى أن يقيم الدليل على العكس بالطرق المقررة قانوناً . وله أن ينازع فى صحة التصرف أو فى نفاذه فى حقه وفقاً للقواعد التى قررها القانون . فدائن البائع له أن يطعن بالصورية في البيع الرسمى الصادر من مدينه ، وأن يثبت هذه الصورية بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لأنه من الغير([28]) . كذلك المستأجر له أن يطعن بالصورية فى البيع الرسمى الصادر من المؤجر ، وأن يثبت الصورية بجميع الطرق لأنه من الغير ، وله أيضاً دون أن يطعن فى البيع 157 بالصورية أن يتمسك بأنه لا يسرى فى حقه لأن عقد الإيجار ثابت التاريخ الصادرة من المؤجر إلى المستأجر بالصورية على النحو الذى قدمناه ، كما يستطيع باسم البائع أن يطعن فيها بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بنقص الأهلية أو بغير ذلك من العيوب التى تشوب التصرف القانوني .

       ونرى من ذلك أن حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير هى ذات حجيتها فيما بين الطرفين . وكل ما ذكرناه هناك يسرى هنا([29]) .

158 المبحث الثالث

حجية الورقة الرسمية فيما يتعلق بالصور

       96 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 392 من التقنين المدني على ما يأتى :

       (( 1 ـ إذا كان أصل الورقة الرسمية موجوداً ، فان صورتها الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية ، تكون حجة بالقدر الذى تكون فيه مطابقة للأصل )) .

       (( 2 ـ وتعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين . وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل )) .

       وتنص المادة 393 على ما يأتى :

       (( إذا لم يوجد أصل الورقة الرسمية ، كانت الصورة حجة على الوجه الآتى :

ا ) يكون للصور الرسمية الأصلية ، تنفيذية كانت أو غير تنفيذية ، حجية الأصل متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل . ب ) ويكون للصور الرسمية المأخوذة من الصور الأصلية الحجية ذاتها ، ولكن يجوز فى هذه الحالة لكل من الطرفين أن يطلب مراجعتها على الصورة الأصلية التى أخذت منها . جـ ) أما ما يؤخذ من صور رسمية للصور المأخوذة من الصور الأصلية فلا يعتد به إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف )) ([30]) .

159 ويقابل هذان النصان فى التقنين المدنى القديم المادة 231/ 296([31]) ـ ويقابلان فى القنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتان السابعة والثامنة ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 452 إلى 454 ، وفى تقنين 160 أصول المحاكات المدنية اللبناني المواد من 173 إلى 176 ، وفى التقنين المدني الليبى المادتين 379 و 380 ([32]) ـ ويقابلان فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 161 1334 و 1335([33]) .

162 97 ـ الأصل والصورة : وتعرض هذه النصوص لحجية صور الورقة الرسمية . ذلك أن كل ما قدمناه فى حجية الورقة الرسمية إنما يرد فى حجية أصل الورقة لا فى حجية صورها . والرفق بين الأصل والصورة أن الأصل هو الذى يحمل التوقيعات إذ أن جميع من وقعوا الورقة الرسمية إنما وقعوا على الأصل ، هذا إلى أن الأصل هو الورقة بعينها التى صدرت من الموثق . أما صورة الورقة الرسمية فهى لا تحمل التوقيعات وليست هى التى صدرت من الموثق ، بل هى منقولة عن الأصل بواسطة موظف عام مختص ، فهى من هذه الناحية ورقة رسمية ولكن رسميتها فى أنها صورة لا فى أنها أصل ([34]) . والمفروض أنها مطابقة للأصل مطابقة تامة ، بما ورد فى الأصل من بيانات وما يحمله من توقيعات .

       ولا فرق بين الصورة الخطية والصورة الفوتوغرافية ما دامـت كلتاهمـا صـورة 163 رسمية ، بل لعل الصورة الفوتوغرافية هى الأدق من الناحية الفعلية([35]) .

       أما إذا كانت صورة الورقة الرسمية ليست هى ذاتها صورة رسمية بل صورة عرفية ، فليست لها أية حجية .

       وتقل حجية الصورة الرسمية عن حجية الأصل . ولبيان ذلك يجب أن نميز بين فرضين : (أولا) إذا كان الأصل موجوداً (ثانياً) إذا كان الأصل غير موجود([36]) .

       98 ـ حجة الصورة إذا كان الأصل موجوداً : بينا فيما تقدم أن أصل الورقة الرسمية يبقى محفوظاً فى مكتب التوثيق الذى وثق الورقة . ومن ثم كانت الحالة الغالبة فى حجية اصورة هى حالة ما إذا كان الأصل موجوداً ، إذ قل أن ينعدم هذا الأصل .

       وإذن يشترط لقيام هذا الفرض شرطان : (1) أن يكون أصل الورقة الرسمية موجوداً حتى يمكن الرجوع إليه عند الحاجة . (2) أن تكون الورقة التى يحتج بها ليست هى هذا الأصل ، بل صورة من الأصل . ولكن يشترط فى هذه الصورة أن تكون صورة رسمية ، فلو كانت صورة عرفية فلا يعتد بها كما قدمنا . ويكفى أن تكون صورة رسمية ، دون حاجة إلى أن تكون صورة مأخوذة من الأصل بطريق مباشر . فقد تكون مأخوذة مباشرة من الأصل ، وفى هذه الحالة قد تكون هى الصورة التنفيذية (grosse) أوتكون صورة أولى بسيطة (expedition) . وقد تكون مأخوذة من صورة مأخوذة من الأصل ، أو من صورة مأخوذة عن صورة من الأصل ، أياً كان عدد الصور الرسمية التى توسطت بينها وبين الأصل . فما دام الأصل (minute) موجوداً فإنه يكفى فى الصورة أن 164 تكون صورة رسمية فحسب ، إذ يمكن دائماً مضاهاتها على الأصل .

       ومتى توافر هذان الشرطان ، كان للصورة الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية، حجية فى الإثبات بفضل قرينة قانونية وردت في الفقرة الثانية من المادة 390، إذ قضى هذا النص بأن (( تعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين ، وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل )) .

       ومن ذلك يتبين أن القرينة هنا قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس .

       فهى أولا قرينة قانونية على المطابقة . وصاحب المصلحة يقتصر على تقديم الصورة . وهى التى تكون معه غالباً ، دون الأصل المودع فى مكتب التوثيق . وعند ذلك يعتبرها القاضى مطابقة للأصل دون أى تحقيق ، ويجعل لها حجية الإثبات التى للأصل على التفصيل الذى قدمناه . ولكن الحجية هنا إنما تأتى من افتراض مطابقة الصورة للأصل ، فهى إذن حجية مستمدة من الأصل لا من الصورة .

       وهى ثانياً قرينة قابلة لإثبات العكس . فللخصم أن ينازع فى مطابقتها للأصل . ومجرد المنازعة يكفى لإسقاط القرينة([37]) .

وعند ذلك يتعين على المحكمة تحقيق 165 مطابقة الصورة المقدمة لأصلها . وتصدر لهذا الغرض قراراً بضم الأصل إلى ملف الدعوى ، وينتقل القاضى المنتدب إلى مكتب التوثيق ، ويحرر بحضوره صور مطابقة للأصل ويحرر بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، ثم يضم الأصل إلى ملف النزاع ، وتقوم الصورة مقام الأصل إلى ملف الدعوى أمكن للمحكمة مضاهاة الصورة عليه ، فان وجدت مطابقة للأصل ثبتت لها حجيته ، وإلا استبعدت وبقى الأصل هو المستند فى الدعوى بحجيته المعروفة .

       وهذا الذى قررناه فى شأن حجية الصورة الرسمية إذا كان الأصل موجوداً هو ما كان متبعاً دون نص فى التقنين المدنى السابق([38]) .

       166 99 ـ حجية الصورة إذا كان الأصل غير موجود : هذا يميز التقنين المدنى الجديد (م 393) بين حالات ثلاث : (1) حالة الصور الرسمية الأصلية ، أى الصور الرسمية المأخوذة مباشرة من الأصل . (2) حالة الصور الرسمية المأخوذة من الصور الرسمية الأصلية (3) حالة الصور الرسمية المأخوذة من الصور الرسمية للصور الرسمية الأصلية .

       وأصل الورقة الرسمية لا يفقد إلا نادراً كما قدمنا ، إذ هو دائماً محفوظ فى مكتب التوثيق أو فى قلم كتاب المحكمة الذى وثقه وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ولكن يقع أن يفقد الأصل إذا قدم العهد به ، أو قبل ذلك بسبب حريق أو سرقة أو أى عارض آخر . ويقع على الخصم المتمسك بالصورة عبء إثبات فقد الأصل([39]) .

       100 ـ حجية الصور الرسمية الأصلية : وهذه كما قدمنا الصور الرسمية التى تنقل مباشرة من الأصل (original, minute) وتشمل : (أولا) الصورة التنفيذية ، وهى الصورة الرسمية التى تنقل مباشرة من الأصل وتوضع عليها الصيغة التنفيذية ، ولا تعطى إلا لأصحاب الشأن ، ومرة واحدة ، فلا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية إلا بقرار من قاضى الأمور المستعجلة ( م 9 قانون التوثيق ) . ويسميها الفرنسيون (grosse) لأنها تكتب بحروف مكبرة ، بخلاف الأصل والصور الأخرى فهى تكتب بحروف عادية . ( ثانياً ) الصورة الأصلية الأولى (premiere expedition) ، وهى التى تنقل من الأصل عقب التوثيق لإعطائها لذوى الشأن دون أن توضع عليها الصيغة التنفيذية . وهى لا تعطى إلا لذى شأن([40])، ويؤشر الموثق بالتسليم فى أصل المحرر ويوقع هذا التأشير ( م 8 قانون التوثيق و م 19 لائحة قانون التوثيق ) . ( ثالثاً ) الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) ، وتنقل هى أيضاً مباشرة من الأصل ، 167 ولكنها لا تنقل إلا بعد التوثيق بمدة من الزمن . ويجوز دائماً إعطاؤها لذوى الشأن . ولا يجوز إعطاؤها للغير إلا بعد الحصول على إذن من قاضى الأمور الوقتية بالمحكمةالتى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها ( م 8 قانون التوثيق ) . ( رابعاً ) الصورة الرسمية التى تحرر بحضور القاضى المنتدب عند صدور قرار من سلطة قضائية بضم الأصل إلى ملف الدعوى . وهو صورة تحرر مطابقة للأصل ، ويحرر بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، وتقوم مقام الأصل إلى حين رده كما سبق القول ( م 10 فقرة 2 قانون التوثيق ) .

       هذه كلها صور رسمية أصلية ، ولها جميعاً حجية واحدة هى حجية الأصل المفقود ، وذلك متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل([41])  . أما إذا كان المظهر الخارجى للصورة يبعث على الشك فى أن يكون 168 قد عبث بها ، كما إذا وجد كشط أو محو أو تحشير أو نحو ذلك ، فان الصورة تسقط حجيتها فى هذه الحالة([42]) .

ويتبين من ذلك أن الصورة الرسمية الأصلية سليمة المظهر الخارجى تكون لها حجية الأصل على النحو الذى قدمناه . وتستمد هذه الحجية ، لا من الأصل فهو غير موجود فرضاً ، بل منها ذاتها([43]) ، وذلك بالرغم من أنها لا تحمل توقيع الخصم ولا تمكن مضاهاتها على الأصل المفقود . ومن ثم ندرك ما ينطوى عليه هذا الحكم من جرأة . ومن أجل هذا اتجه رأى لجنة مجلس الشيوخ فى البداية إلى استبعاد ، (( لأن فى بقائه خطورة إذ قد تكون الورقة خالية من الشوائب فى مظهرها

الخارجى ولكنها لا تطابق الأصل ، وعدم وجود هذا 169 الأصل سيكون حائلا دون تحقيق صحتها ، وإعطاؤها قوة الأصل فيه خطورة كبيرة )) . ولكن اللجنة عدلت عن هذا الرأة ، واستبقت الحكم بعد استيثاقها م أنه هو الحكم الصحيح ، وإن كان يعتبر استثناء من القواعد العامة([44]) .

       101 ـ حجية الصور الرسمية المأخوذ من الصورة الرسمية الأصلية : وهذه ليست الصور الرسمية الأصلية (expeditions) التى نقلت مباشرة من الأصل ، بل هى صور رسمية نقلت من الصور الرسمية الأصلية . فهى لا تعتبر صوراً من الأصل إلا بطريق غير مباشر .

       ولذلك لا يجوز أن تكون لها حجية أكبر من حجية الصور الأصلية التى هى ليست إلا صوراً منها ، وبشرط أن تكون الصور الأصلية موجودة حتى إذا طلب أحد الطرفين مضاهاتها على أصلها أمكن ذلك . ومن ثم لا تكون للصورة المأخوذة من الصورة الأصلية حجية مستمدة من ذاتها ، بل هى تقتصر على التمتع بقرينة المطابقة للصورة حجية مستمدة من ذاتها ، بل هى تقتصر على التمتع بقرينة المطابقة للصورة الأصلية ، وتنتفى القرينة بمجرد إنكار أحد الطرفين لهذه المطابقة([45]) ، وعندئذ يتعين إحضار الصورة الأصلية للمضاهاة . فان وجدت الصورة الثانية مطابقة لها ، كانت لها حجيتها على التفصيل الذى قدمناه فى حجية الصور الأصلية ، ذلك أن هذه الحجية مستدمة كما قدمنا من الصورة الأصلية لا من الصورة الثانية . أما إذا وجدت الصورة الثانية غير مطابقة للصورة الأصلية ، استبعدت تلك واستبقيت الصورة الأصلية وهى التى تكون لها الحجية فى كل حال .

       بقى فرض ما إذا كانت الصورة الأصلية غير موجودة فلا تمكن مضاهاة الصورة الثانية عليها. ونرى فى هذه الحالة ، أما سكوت النص ، ألا تكون للصورة الثانية حجية محددة ، ولا

يعتد بها إلا لمجرد الاستئناس ، شأنها فى ذلك 170 شأن صور الصور المأخوذة من الصور الأصلية ، وهى التى ننتقل الآن إليها([46]) .

       102 ـ حجية صور الصور المأخوذة من الصور الأصلية : وهنا تتعدد الحلقات ، وتنفرج المسافة ما بين الصورة والأصل . فالصورة التى يحتج بها ليست إلا صورة لصورة مأخوذة من الصورة الأصلية ز فهى بالنسبة إلى الأصل صورة الصورة ، أى الصورة الثالثة .

       فان كانت الصورة الأصلية موجودة وجب اسحضارها ، وهى التى تثبت لها حجية الأصل على التفصيل الذى قدمناه . بل إن الصورة الثالثة لا تتمتع بقرينة مطابقتها للصورة الأصلية فانها تتمتع بقرينة مطابقتها للأصل ، وقد تقدم ذكر ذلك . وسواء كانت الصورة الثالثة مطابقة للصورة الثانية فى حالة وجود هذه أو غير مطابقة ، فهذا لا أهمية له ، بل لا فائدة من تحقيق هذه المطابقة . والمهم هو مطابقة الصورة الثالثة للصورة الأصلية إن وجدت هذه .

       فان كانت الصورة الأصلية هى أيضاً مفقودة كالأصل ، فان الصورة الثالثة ـ طابقت

الصورة الثانية أو لم تطابق ـ لا تكون لها حجية ، ولا يعتد بها 171 إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف ، باعتبارها مجرد قرينة([47]) فهى إذن لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة .

       ومن ثم يتبين أن الصورة الثالثة ـ ومن باب أولى أية صورة دونها([48]) ـ لا حجية لها فى ذاتها . فان وجدت الصورة الأصلية ، كانت الحجية لهذه الصورة . وإن كانت الصورة الأصلية مفقودة ، سواء وجدت الصورة الثانية أو لم توجد ، فلا يعتد بالصورة الثالثة إللا لمجرد الاستئناس كما قدمنا([49]) .

       103 ـ أحكام التقنين المدنى السابق : أما التقنين المدنى السابق فقد تضمن نصاً واحداً فى هذه المسألة . فقد كانت المادة 231/296 تنص على أنه : (( إذا قدم الخصم صور سندات غير صروها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى ، ولم يقدم الأصل ، وكانت الصور المذكورة محررة بمعرفة أحد المأمورين العمومين ، فللقاضى النظر في درجة اعتماد تلك الصور . وعلى كل حال فانها تعتبر فى مقام مبادئ الثبوت بالكتابة )) . والنص الفرنسى لهذه المادة فى القانون الأهلى أدق من هذا النص العربى ، فقد كان يجرى على الوجه الآتى .

”La valeur probante des copies de titres autres que les  expeditions ececutoires ou premieres expeditions, quand ces copies auront ete faites par des officieres publics, sera appreciee par le juge si l’original n’est pas represente , ces copies vaudront au moins un commencement de prevue par  ecrit”.                                                                                                  ويتبين من المقابلة بين النصين العربى والفرنسى أن هناك خلافاً فيما بينهما . فالنص العربى يجعل الصور التنفيذية هى الصور الأولى ، إذ يقول : (( غير 172 صورها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى )) . أما النص الفرنسى فيجعل الصور الأولى شيئاً غير الصور التنفيذية ، إذ يقول (Ecpeditions executoires ou premieres expeditions) والصحيح هو النص الفرنسى ، فالصور الأولى ، كما تكون صوراً تنفيذية ، قد تكون صوراً غير تنفيذية ، وقد سبق ذكر ذلك ، والتقنين المدنى الفرنسى ، وهو الأصل الذى نقل عنه التقنين المدنى السابق ، صريح فى هذا التمييز([50]) . فيجب إذن الأخذ بالنص الفرنسى للتقنين المدنى السابق . وهو يميز بين حالتين : (1) حالة الاحتجاج بالصورة التنفيذية أو بالصورة الأولى غير التنفيذية ، وسكوت التقنين عن حكم هذه الحالة معناه أن لكل من الصورتين حجية الأصل([51]) (2) حالة الاحتجاج بصورة أصلية بسيطة ، أى بصورة أصلية غير الصورة التنفيذية وغير الصورة الأولى ، وفى هذه الحالة ينظر القاضى فى تقدير قمتها ولا ينزل بها عن مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة ، أى قد يعتبرها دليلا كاملا ، وقد يعتبرها مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن([52]) .

       173 ولم يعرض التقنين السابق للحالتين الأخريين اللتين عرض لها التقنين الجديد : الصورة الثانية والصورة الثالثة . ويبدو أن الصورة الثانية فى التقنين السابق ـ وهى صورة الصورة الأصلية ـ كانت لها حجية الصورة الأصلية على التفصيل المتقدم فى هذا التقنين بشرط أن تكون الصورة الأصلية موجودة وأن تكون صورتها مطابقة لها ، إذ ليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العام وهى نفس القواعد التى قررها التقنين الجديد . أما الصورة الثالثة ، وهى صورة الصورة الأصلية ، فتقتصر قيمتها على مجرد الاستئناس بها كقرنية بسيطة ، وذلك ما لم توجد الصورة الأصلية فتكون عندئذ الحجية لها لا لصورة صورتها . وهذا هو أيضاً تطبيق للقواعد العامة ، وقد قرر التقنين الجديد هذا الحكم كما رأينا([53]) .

       ويتبين من ذلك أنه لا يوجد خلاف بين التقنين الجديد والتقنين إلا فى حالة واحدة ، هى حالة الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) عند فقد الأصل . ففى التقنين الجديد تكون لهذه الصورة حجية الأصل إذا كان 174 مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل ، أما فى التقنين القديم فقد يكون لهذه الصورة حجية الأصل وقد تنزل إلى مرتبة إلى مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة وفقاً لتقدير القاضى . والقانون الذى يسرى هو القانون الذى أخذت الصورة الأصلية البسيطة فى ظله ، فان أخذت قبل 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 سرى التقنين القديم ، وإلا فالتقنين الجديد هو الذى يسرى .


([1]) أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 170 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1451 ص 886 ـ ص 887 .

([2]) وفي هذا تقول المذكرة الإيضاحية للشروع التمهيدى : (( والجوهرى في هذا الصدد أن الورقة الرسمية تكون حجة بكل ما يلحق به وصف الرسمية فيها دون حاجة إلى الإقرار بها ، على نقيض الورقة العرفية فهى لا تكون حجة بما فيها قبل الإقرار بها )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3ص 355) . وقد نصت المادة 157 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى على (( أن السند الرسمى الذى له شكل السند الرسمى ومظهره الخارجى يجب أن يعد رسمياً إلى أن يقوم بإثبات العكس الفريق المدعى عليه بهذا السند )) .

([3]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1451 ص 886 ـ ص 887 .

([4]) وقد كان هذا هو أيضاً حكم تقنين المرافعات القديم . وعندما كانت لجنة المراجعة تنظر في المشروع التمهيدى للتقنين المدني الجديد ، سأل أحد أعضاء اللجنة عما إذا كان يجوز للقاضى أن يحكم بتزوير الورقة من تلقاء نفسه دون أن يطعن فيها بالتزوير ، فأجيب بأن قانون المرافعات الحالي ( القديم ) يجيز للقاضي أن يستبعد الورقة التى يتضح تزويرها من تلقاء نفسه ، وهذا الاستبعاد يفضى بحكم الواقع إل زوال حجية الورقة ، رسمية كانت أو عرفية ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 358 ) .

([5]) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 528 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتي :

(( 1 ـ تكون الورقة الرسمية ، ما لم يطعن فهيا بالتزوير ، حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بها الموظف العام في حدود مهمته أو صدرت من ذوى الشأن في حضوره . 2 ـ أما ما ورد على لسان ذوى الشأن من بيانات فيعتبر صحيحاً حتى يقوم الدليل على ما يخالفه )) . وفي لجنة المراجعة حورى الفقرة الأولى من النص تحويراً جعلها تتفق مع النص الذى أقر نهائياً ، وأصبح رقم النص 404 في المشروع النهائى . ووافق مجلس النواب عليها دون تعديل . وفي لجنة مجلس الشيوخ قام نقاش حول الفقرة الثانية من المادة ، وهي التي تعتبر البيانات الواردة على لسان ذوى الشأن صحيحة حتى يقوم الدليل على ما يخالفها . وكانت نتيجة هذه المناقشة أن اتفقت الآراء على حذف هذه الفقرة ، لأن تلك البيانات يرجع في أمر صحتها أو عدم صحتها إلى القواعد العامة في الإثبات ، وإثباتها في ورقة رسمية لا يعطيها قوة خاصة في ذاتها بالنسبة لحقيقة وقوعها . فحذفت اللجنة الفقرة الثانية من المادة إكتفاء بالقواعد العامة ، وأصبح رقم النص 391 . ووافق عليه مجلس الشيوخ كما عدلته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 354 ـ ص 355 وص 357 ـ ص 359 ) .

([6]) ونعيد إيراد هذا النص من التقنين المدني القديم : (( المحررات الرسمية ، أي التي تحررت بمعرفة المأمورين المختصين بذلك ، تكون حجة على أى شخص ، ما لم يحصل الادعاء بتزوير ما هو مدون بها بمعرفة المأمور المحرر لها )) . وقد قدمنا أن النص الجديد يفضل هذا النص القديم من حيث إن يحدد ما يعتبر في الورقة الرسمية حجة إلى حد الطعن بالتزوير ، فهو ما دون الموثق من أمور قام بها في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره .

([7]) التقنينات المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 6 : 1 ـ تكون الأسناد الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أفعال مادية قام بها الموظف العام في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً . 2 ـ أما ما ورد على لسان ذوى الشأن من بيانات فيتعتبر صحيحاً حتى يقوم الدليل على ما يخالفه .

       التقنين المدني العراقي م 451 : تكون السندات الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بها الموظف العام في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً.

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى : م 156 ـ للسند الرسمي القوة التنفيذية ، وهو ـ إلى أن يدعى تزويره ـ مثبت لجميع الأفعال المادية التي تحققها المأمور الرسمى بذاته وكان من وظيفته أن يحققها كمحـل العقـد

                                                                                     ( م 10 الوسيط ـ جـ 2 )                    

 وتاريخ وصحة التوقيع وما يعزوه إلى المتعاقدين من التصريحات ـ م 157 ـ إن السند الرسمى الذى له شكل السند الرسمى ومظهره الخارجى يجب أن يعد رسمياً إلى أن يوقم بإثبات العكس الفريق المدعى عليه بهذا السند . والسند الرسمى مثبت أيضاً للأعمال التى صرح بها المتعاقدون ولها علافة مباشرة بالعقد إلى أن يثبت العكس ـ م 158 ـ لا يصلح السند الرسمى إلا كبداية بينة خطية فيما يختص بالتصريحات التى ليس لها علاقة مباشرة بموضوع العقد ـ م 159 ـ إن السند الرسمى لا يسرى مفعوله الثبوتى فيما يختص بتصرحات المتعاقدين إلا عليهم وعلى خلفائهم في الحقوق . وبالعكس فإن هذا السند يتعدى مفعوله الثبوتى إلى الغير ، سواء أكان لهم أم عليهم ، فيما يختص بالأفعال المادية التى يصرح بها المأمور الرسمى والتى تعد ثابتة إلى أن يدعى تزويرها .

التقنين المدني للمملكة الليبية المتحدة ـ م 378 : مطابقة للمادة 391 من التقنين المدني المصرى .
ويتبين من استعراض نصوص التقنينات المدنية العربية أنها تتفق في أحكامها مع أحكام التقنين المصرى في المسائل التى نحن بصددها .

([8]) التقنين المدني الفرنسى ـ م 1319 : (( تكون الورقة الرسمية ، بما تضمنته من اتفاق ، حجة على المتعاقدين والورثة والخلف . ومع ذلك إذا طعن بالتزوير في الورقة الرسمية ، وكان الطعن بالطريق الجنائى ، أوقف تنفيذ الورقة المطعون فيها منذ الإحالة على الاتهام . أما إذا كان الطعن بطريق فرعى ، فإنه يجوز للمحكمة ، تبعاً للظروف ، أن توقف مؤقتاً تنفيذ الورقة )) . وهذا هو النص في أصله الفرنسى :

((L’acte authentiaue fait pleine foi de la convention qu’il renferme entre les parties contractantes et leurs heritiers ou ayants cause. Neanmoins, en cas des plaints en faux principal, l’execution de l’acte argue de faux sera srspendere, par la mise en accusation; et, en cas d’inscription de faux faite incidemment, les tribumaucx pourront, suivant les circonstances, supendere proviosoirement l’execution l’acte.))                                           

([9]) وهذه القواعد لا تعتبر من النظام العام ، فلا يجوز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض ( أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 171 هامش رقم 51 مكرر رابعا ) .

([10]) ويعتبر تاريخاً ثابتاً لمجرد وروده في ورقة رسمية ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1453 ص 889 ـ ص 890 ) .

([11]) توقيعه هو وتوقيعات أصحاب الشأن والشهود والمترجم والمعين ـ هذا وما قرره المحضر من أنه أعلن الورقة إلى المحافظة لأنه لم يجد أحداً يسلمه الإعلان في محل إقامة ذى الشأن ، أو أنه سلم الإعلان إلى الخادم ، وما إلى ذلك مما فعله بنفسه أو وقع تحت بصره ، تبقى له الحجية إلى حد الطعن بالتزوير ( استئناف مختلط 23 مارس سنة 1910 م 32 ص 206 ـ 23 فبراير سنة 1911 م 23 ص 197 ـ 24 أبريل سنة 1913 م 25 ص 230 ـ 30 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 115 ) . أما ما ينقله عن الغير فيجوز إثبات عكسه دون طعن بالتزوير (استئناف مختلط 24 مارس سنة 1910 م 22 ص 231 ـ 15 مايو سنة 1913 م 25 ص 380 ـ 30 ديسمبر سنة 1913 م 26 ص 110 ـ 18 مارس سنة 1914 م 26 ص 287 ـ 4 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 69 ) . وقد قضت دائرة النقض الجنائية بأنه إذا كان الدين ثباتاً بسند رسمى ذكر فيه أن النقود دفعت أمام كاتب العقود ، فلا يمكن إثبات الصورية بشهادة الشهود ، ومن ثم لا يجوز إثبات أن مبلغ الدين يشتمل على فوائد ربوية ( نقض جنائى 4 يناير سنة 1924 المجموعة الرسمية 27 رقم 76 ) .

            وما ورد على لسان أصحاب الشأن من بيانات يملونها على الموظف المختص بتحرير شهادات لميلاد والوفاة يجوز إثبات عكسها دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ( استئناف مختلط 31 ديسمبر سنة 1925 م 38 ص 145 .

            هذا ويجوز النزول عن حجية الورقة الرسمية فيما يجب فيه الطعن بالتزوير ، فلا تعود هناك حاجة إلى هذا الطعن ( استئناف مختلط 13 أبريل سنة 1932 م 44 ص 271 ) .

([12]) استئناف مختلط 3 يناير سنة 1917 م 29 ص 133 ـ 6 فبراير سنة 1917 م 29 ص 199 ـ أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 171 ـ 172 .

([13]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1452 ص 887 ـ ص 889 ـ هذا وإذا ذكر في ورقة رسمية أو في جواز سفر أن سن العاقد أو صاحب الجواز هى كذا عاماً ، فإن ذلك لا يكون حجة على بلوغه هذه السن ، ولا تثبت السن إلا بشهادة الميلاد أو بتقدير طبيب . وقضت محكمة النقض بأن ذكر تايخ الوفاة في محضـر حصـر التركـة لا يكون حجة بحصول الوفاة فى ذلك التاريخ ، لأن هذا المحضر لم يعد لإثبات تاريخ الوفاة بل لإثبات عناصر التركة فقط ( نقض 8 فبراير سنة 1945المحاماة 27 رقم 430 ص 1074 ) . ومحضر حصر التركة الذى يذكر فيه أن التركة جميعها سلمت إلى بعض الورثة لا يعتبر دليلا على التسلم ( الأستاذ أحمد نشأت في الإثبات 1 فقرة 155 ). والمحاضر الرسمية التى تحرر لجمع الاستدلالات ـ محاضر التحقيق والجرد وحصر التركة ـ تكون قابلة لإثبات العكس دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ( الأستاذ أحمد نشأت 1 في الإثبات فقرة 155 ـ الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 48 ص 61 ) . ويجوز إثبات عكس ما ورد في الإشهاد الشرعى الصادر بوفاة شخص بجميع الطرق ، إذ هو ليس بحكم ولا بحجة في إثبات الوقائع المدرجة فيه ( استئناف وطنى 31 مارس سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 81 ـ استئناف مختلط 22 يناير سنة 1902 م 14 ص 86 ) .

            والحجية إلى حد الطعن بالتزوير مقصورة على المواد المدنية والتجارية . أما في المواد الجنائية فالأمر متروك لتقدير القاضي . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا عرض عى المحكمة الجنائية محضر كسر ختم المتوفى ، جاز لها ألا تأخذ بما جاء فيه إذا اقتنعت بعدم صحته ، وذلك دون حاجة إلى الحكم بتزويره ( نقض 7 يونية سنة 1943 المحاماة 26 رقم 65 ص 188 ) . وقضى أيضاً بأنه يجوز لكل ذى شأن أن يثبت بكافة الطرق القانونية ما يخالف ما دون في المحاضر التى يحررها رجال البوليس في المواد الجنائية دون أن يكون ملزماً بالطعن فيها بالتزوير ( نقض جنائى 4 يناير سنة 1943 المحاماة 24 رقم 103 ص 333 ـ 11 يناير سنة 1943 المحاماة 24 رقم 140 ص 441 ـ أسيوط الإبتدائية 22 فبراير سنة 1923 المجموعة الرسمية 24 رقم 57 ـ الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 58 هامش رقم 1 ) .

([14]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1452 ص 887 هامش رقم 3 . وعلة ذلك ـ كما تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ـ (( ما يولى القانون من ثقة لصحة الإقرارات الصادرة في حضور الموظف العام وصحة ما يتولى إثباته من البيانات التى تدخل في حدود مهمته . فإذا اقتضت مصلحة أحد من ذوى الشأن أن يقيل الدليل على عكس بيان من البيانات التى يلحق بها وصف الرسمية ، تعين عليه أن يلجأ إلى طريق الطعن بالتزوير )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 355 ـ ص 356 ) .

       هذا وتتلخص إجراءات الطعن بالتزوير في أنه إذا أدعى خصم أن الورقة الشاهدة عليه مزورة ، فله أن يطعن فيها بالتزوير في أية حالة تكون عليها الدعوى بتقرير في قلم الكتاب يعلن للخصم الآخر بمذكرة تبين فيها شواهد التزوير وإجراءات التحقيق التى يطلب إثباته بها . على أنه يجوز للمحكة ـ ولو لم يدع أمامها بالتزوير بالإجراءات المتقدمة ـ أن تحكم برد أية ورقة وبطلانها إذا ظهر لها بجلاء من حالتها أو من ظروف الدعوى أنها مزورة . فإذا طعن الخصم في الورقة بالتزوير ، وكان الإدعاء بالتزوير منتجاص في النزاع ، ولم تكف وقائع الدعوى ومستنداتها لاقتناع المحكمة بصحة الورقة أو بتزويرها ، ورأت أن إجراء التحقيق على الوقائع التى قبلت المحكمة تحقيقها والإجراءات التى رأت إثباتها بها ، وندب أحد قضاة المحكمة لمباشرة التحقيق ، وتعيين خبير أو ثلاثة خبراء ، والأمر بإيداع الورقة المطعون بتزويرها قلم الكتاب مع بيان حالتها . ويجرى التحقيق بالمضاهاة وبشهادة الشهود . وتكون المضاهاة على ماهو ثابت صدوره ممن تشهد عليه الورقة من أوراق رسمية أو أوراق معترف بها منه أو على خطه أو إمضائه الذى يكتبه أمام القاضى المنتدب للتحقيق . أما الشهود فيسمعون فيما يتعلق بصدور الورقة من صاحب التوقيع ، وتراعى في سماعهم القواعد المقررة في سماع شهادة الشهود . والحكم بالتحقيق يوقف صلاحية الورقة للتنفيذ دون إخلال بالإجراءات التحفظية . وإذا حكم بسقوط حق مدعى التزوير في إدعائه أو برفضه حكم عليه بغرمة مقدارها 25 جنيهاً مصرياً . ولا يحكم عليه بشئ إذا ثبت بعض ما ادعاه . ( أنظر المواد من 281 إلى 290 من تقنين المرافعات ) .

       وتنظم المادة 291 من تقنين المرافعات دعوى التزوير الأصلية فتنص على أنه (( يجوز لمن يخشى الاحتجاج عليه بورقة مزورة أن يختصم من بيده تلك الورقة ومن يستفيد منها لسماع الحكم بتزويرها ، ويكون ذلك بدعوى أصلية ترفع بالأوضاع المعتادة ، وتراعى الإجراءات المتقدمة )) .

([15]) أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 172 ـ ص 173 ـ وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى في صدد ما قدمناه من البيانات التى تقوم حجيتها إلى حد الطعن بالتزوير ما يأتى : (( وقد تكفل النص بتحديد هذه البيانات ، فقصرها على الأمور التى يثبتها الموظف العام في حدود مهمته أو التى تصدر من ذوى الشأن فى حضوره . وهي بهذا الوصف تتضمن : ( ا ) ما يثبت الموظف العام من وقائع أو أمور باعتبار أنه تولى ضبطها بنفسه . ومن قبيل هذه الوقائع أو الأمور : التاريخ وعتبر ثابتا من يوم تلقى الورقة وقبل قيدها في السجل المعد لذلك ، وبيان مكان تلقى الورقة ، والكتابة ، وتوقيع ذوى الشأن ، وتوقيع الموثق ، والبيانات المتعلقة بإتمام الإجراءات التى يتطلبها القانون . ( ب ) ما يصدر من ذوى الشأن في حضور الموظف ويدرك بالحس من طريق الاتصال بالسمع أو الوقوع تحت البصر ، كالإقرارات أو وقائع التسليم . ويراعى أن الموظف العام يثبت واقعة الإدلاء بهذه الإقرارات دون أن يمس في ذلك صحتها ، فلو قرر أحد المتعاقدين أنه باع وقرر الآخر أنه أدى الثمن ، أثبت الموثق هذيه الإقرارين ، وكان إثباته لهما دليلا على الإدلاء بهما لا على صحة الوقائع التى تنطوى فيهما .

       ويشترط أن تكون الوقائع أو الأمور المتقدم ذكرها مما يدخل في حدود مهمة الموثق ، لأن إلحاق الصفة الرسمية بما يثبت الموظف العام فى المحرر مشروط باقتصاره على هذه الحدود ، كما رسمها نص القانون ، فإن جاوزها انقطعت عنه الولاية ، وسقطت تبعاً لذلك قيمة ما يتولى إثباته على هذا الوجه . فلو أثبت الموثق أن المتعاقد متمتع بقواه العقلية مثلا ، فلا يكون لإثبات هذه الواقعة أثر في إمكان الاحتجاج بها ، لأن إثباتها ليس مما يدخل في مهمة من يتولى التوثيق )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 356 ) .

([16]) استئناف مختلط 22 يونية سنة 1939 م 52 ص 56 .

([17]) استئناف مختلط 10 أبريل سنة 1943 م 55 ص 111 .

([18]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1454 .

([19]) وقد تقضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن المحررات الرسمية تكون حجة على أى شخص ما لم يحصل الإدعاء بتزوير ما هو مدون بها بمعرفة المأمور المحرر لها ، وعلى ذلك فلا يجوز إثبات خلاف ما ورد فيها بالبينة أو بقرائن الأحوال مهما كانت قوة هذه القرائن للثقة الموجودة فى هذه الأوراق الرسمية ، إلا أنه فيما يختص بما يقرره الخصوم أمام المأمور المحرر لها ويدونه بمحضره عن وقائع حصلت بغير حضوره فيجوز إثبات ما يخالفها بالبينة أو بقرائن الأحوال بشرط أن يكون هناك مبدأ للثبوت بالكتابة ( استئناف مصر 29 يونية سنة 1925 ، المحاماة 6 رقم 100 ص 137 ) . أنظر أيضا في هذا المعنى : استئناف مصر 20 يناير سنة 1931 المجموعة الرسمية 32 رقم 4 ص 57 . استئناف مختلط 27 مارس سنة 1889 م 1 ص 164 ـ 31 نوفمبر سنة 1889 م 2 ص 24 ـ 6 مارس سنة 1890 م 2 ص 108 ـ 4 يونية سنة 1790 م 2 ص 417 ـ 26 ديسمبر سنة 1891 م 7 ص 98 ـ 16 نوفمبر سنة 1892 م 5 ص 9 ـ 18 أبريل سنة 1894 م 6 ص 233 ـ 14 يناير سنة 1897 م 9 ص 119 ـ 17 فبراير سنة 1897 م 9 ص 188 ـ 22 يناير سنة 1902 م 14 ص 86 .

([20]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1452 .

([21]) استئناف مختلط 7 يونية سنة 1917 م 29 ص 489 .

([22]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( وتكون إقرارات ذوى الشأن حجة على الكافة ( ما لم يطعن في صحتها بالتزوير ) . ويراعى أن المشروع قد استعاض بعبارة (( صحة الإقرارات )) عن اصطلاح (( صحة الإتفاق )) وهو الاصطلاح الذى اختاره التقنين الفرنسى والتقنين الإيطالى والمشروع الفرنسي الإيطالى في معرض التعبير . والواقع أنه ينبغى تحامى الخلط بين صحة واقعة انعقاد العقد وبين صحة هذا العقد في ذاته . فإذا قرر ذوو الشأن بمحضر من الموظف أن أحدهما باع وأن الآخر اشترى ، فالورقة الرسمية تعتبر حجة على صدور الإقرارين في ذاتهما ، من حيث مبلغ مطابقتهما للواقع ، فلا حيلة للموثق في العلم بها وإثباتها ، لأنها ليست لا يستتبع إمكان الاحتجاج بصحته الذاتية إلى أن يطعن فى هذه الورقة بالتزوير . على أن مثل هذا الإقرار يعتبر صحيحاً إلى أن يثبت العكس ، تفريعاً على أن الأصل في الإقرارات أن تكون صحيحة ، أما الصورية فهى استنثاء يتعين على من يتمسك به أن يقيم الدليل عليه وفقاً للقواعد العامـة

       في الإثبات )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 356 ـ ص 357 ) .

([23]) فلو أن ورثة البائع ادعوا أن مورثهم كان مجنوناً وقت إمضاء البيع ، فعليهم إثبات ما ادعوه ، ولهم أن يثبتوه بجميع الطرق دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ، وذلك بالرغم مما أثبته الموثق فى الورقة الرسمية من أن البائع كان سليم العقل ، لأن الورقة الرسمية ليست معدة لإثبات ذلك ( كولان وكابيتان 2 فقرة 744 ص 500 ) .

([24]) وقد جاء فى المذركة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( وتعتبر الورقة الرسمية حجة ، لا بالنسبة للمتعاقدين وحدهم ، بل وبالنسبة للغير كذلك ، شأنها فى ذلك شأن الورقة العرفية فيما عدا التاريخ. وقد نص التقنين المراكش ( م419 ) والتقنين المصرى ( م 226/291 ) صرحة على هذا الحكم ، وتبعهما المشروع في ذلك )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 355 ) .

([25]) أنظر المادة 604 فقرة أولى مدني .

([26]) أنظر المادة 604 فقرة ثانية مدني .

([27]) ويستوى فى الاحتجاج على الغير بالتصرف القانونى أن يكون ذلك باعتباره تصرفاً قانونياً أو بإعتباره واقعة مادية . فإذا اشترى شخص عقاراً من غير مالكه بعقد بيع أثبت فى ورقة رسمية ، فإن هذا البيع ، وهو تصرف قانونى ، يحتج به على مالك العقار كسبب صحيح للتملك بالتقادم القصير ، ويكون ذلك بإعتبار البيع بالنسبة إلى المالك واقعة مادية لا تصرفاً قانونياً . ومع ذلك تكون رسمية البيع حجة على المالك ، فلا يستطيع أن ينكر من هذه الورقة الرسمية ما يجب لإنكاره الطعن بالتزوير إلا عن هذا الطريق .

([28]) فيجب إذن التمييز ـ فى حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير كما في حجيتها فيما بين المتعاقدين ـ بين صحة صدور ما ذكر الموثق أنه رآه بعينه أو سمعه بأذنه (de visu aut de auditi)  والتشكك فى صحة صدوره يمس بأمانة الموثق وصدقه ومن ثم فلا يجوز الإنكار إلا عن طريق الطعن بالتزوير ، وبينصحة هذه الوقائع ذاتهاوهل هى جدية أو صوريةوهذا ليس فيه مساس بأمانة الموثق أو بصدقه ومن ثم جاز إنكاره دون طعن بالتزوير ويكفى تقديم الدليل على العكس بالطرق المقررة قانوناً ، وبين حكم القانون فى التصرف الثابت فى الورقة الرسمية وهل هو يسرى فى حق الغير وهل هو مشوب بعيب من عيوب الإدارة وهل له محل مشروع وسبب مشروعغ وكيف يفسر وما إلى ذلك وهنا لا نعرض للورقة الرسمية التى هى طريق للإثبات (instrumentum) بل نعرض للتصرف القانونى ذاته (negotium) وننزل عليه حكم القانون فلا محل الكلام فى الطعن بالتزوير أو الاكتفاء بتقديم الدليل على العكس فى هذا الصدد ( تولييه 8 فقرة 122 ـ ديرانتون 13 فقرة 84 ـ فقرة 85 ـ ديمولومب 29 فقرة 279 ـ أوبرى ورود 12 فقرة 755 ص 174 ـ ص 176 ) .

([29]) ومن ذلك أيضاً أن البيانات الواردة على سبيل الإخبار (enunciation) فى الورقة الرسمية في غير موضوعها ، ولكنها متصلة بالموضوع اتصالا مباشراً ، تكون لها حجية البيانات الواردة على سبيل التقرير (disposition) فى الموضوع ، بالنسبة إلى الغير ، كما أن لها هذه الحجية فيما بين الطرفين . وقد ضرب أوبرى ورو لذلك مثلا سبق ذكره : إقراراً بإيراد مؤبد فى ورقة رسمية ، وورد فى الورقة أن الإيراد قد نقص بسبب دفع جزء من رأس المال أو أن جميع أقساط الإيراد السابقة قد دفعت ، فهذه البيانات المتصلة بالموضوع اتصالا مباشراً لها حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين ، وكذلك تكون لها هذه الحجية بالنسبة إلى الغير ، ويتحقق ذلك إذا كان للدائن بالإيراد دائن حاجز أو كان الدائن بالإيراد قد نزل عنه لشخص آخر ، لما ورد فى الورقة الرسمية من أن جزءاً من رأس المال قد دفع أو أن الأقساط السابقة قد وفيت جميعها تكون له حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الدائن الحاجز أو المتنازل له عن الإيراد . وهذا كله فيما إذا كان الطرفان فى الورقة الرسمية يملكان قانوناً التأثير فى حقوق الغير ، بأن كان التصرف القانونى (negotium) الذى عقداه فيما بينهما من شأنه أن يسرى فى حقه . فإن لم يكن الأمر كذلك ، لم يكن لبياناتهما حجية بالنسبة إلى الغير . فلو ورد في البيع الرسمى أن للدار حق مطل على العقار المجاور ، لم يكن لهاذ البيان حجية بالنسبة إلى صاحب هذا العقار . ولو ورد فى هذا البيع الرسمى أن البائع يملك الدار بسند ذكر تاريخه ، لم يكن لهذا البيان أيضاً حجية بالنسبة إلى المالك الحقيقي للدار إذا أراد المشترى أن يحتج عليه بالتقادم القصير ويتمسك بحيازة البائع من التاريخ المذكور فى الورقة الرسمية ليضمها إلى مدة حيازته ( أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 177 ـ ص 179) .

       وقد ذكر أوبرى ورو ( فى هامش ص 177 ) أن بعض الفقهاء ( تولييه 8 فقرة 157 وفقرة 161 ـ ديرانتون 13 فقرة 98 ـ زاخارييه فقرة 751 مع هامش رقم 15 ) يذهبون إلى أنه لا حجية بالنسبة إلى الغير للبيانات المستقلة عن موضوع الورقة والورادة على سبيل الإخبار ولو كانت متصلة اتصالا مباشرا بهذا الموضوع ، ولو كان الطرفان يملكان التأثير فى حق الغير . ويقول أوبرى ورو يحق أن هؤلاء الفقهاء يخلطون بين صحة صدور هذه البيانات من الطرفين ، وهذا له حجية بالنسبة إلى الغير إلى حد الطعن بالتزوير ، وبين صحة الوقائع التى تتضمنها هذه البيانات فى ذاتها ، وهذه الوقائع يجوز للغير أن يقيم الدليل على عكسها بالطرق المقررة قانوناً دون حاجة إلى الطعن بالتزوير .

([30]) تاريخ النصوص ـ المادة 392 : ورد هذا النص فى المادة 535 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتـى : (( 1 ـ إذا كان أصل الورقة الرسمية موجوداً ، فان الصور الخطية أو الفوتوغرافية الصادرة من موظف عام كتب الأصل أو حفظه بين أوراقه ، تكون حجة بالقدر الذى يعترف فيه بمطابقة الصورة للأصل . 2 ـ ويجوز لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة الصورة على الأصل ، على أ يتم ذلك فى مواجهتهما . وفى هذه الحالة يجوز للقاضى أن يأمر ياستحضار الأصل )) . وفى لجنة المراجعة اقترح حذف عبارة (( الصادرة من موظف عام كتب الأصل أو حفظه بين أوراقه )) من الفقرة الأولى لعدم ضرورتها ، مع تعديل الفقرة تعديلا لفظياً . وكذلك اقترح تعديل الفقرة الثانية لاستظهار قرينة مطابقة الصورة للأصل ما لم ينازع أحد الطرفين في ذلك ، ولتحتيم مضاهاة الصورة على الأصل عند المنازعة وكان هذا الأمر جوازياً للقاضي فى المشروع التمهديى كما رأينا . فقبلت اللجنة الاقتراحين ، وأصبح النص النهائى للمادة مطابقاً لما جاء فى التقنين الجديد ، وصارت المادة رقمها 405 فى المشروع النهائى . ووافق مجلس النواب على النص دون تعديل . وكذلك فعلت لجنة الشيوخ ، وأصبح رقم المادة 392 ، ووافق عليها مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 359 ـ ص 362 ) .

       المادة 393 : ورد هذا النص فى المادة 536 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : (( أما إذا فقد الأصل ، فتكون الصورة الخطية أو الفوتوغرافية حجة على الوجه الآتى : ا ـ يكون للصورة التنفيذية أو للصورة الأولى حجية الأصل إذا صدرت من موظف عام مختص وكان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل . ب ـ ويكون للصور الخطية أو الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة التنفيذية أو الصورة الأولى ذات الحجية إذا صدرت هذه الصورة من موظف عام مختص . ويجوز فى هذه الحالة أن يطلب الطرفان إحضار الصورة التنفيذية أو الصورة الأولى ، كما يجوز للقاضى أن يأمر بإحضارها . جـ  ـ أما ما يؤخذ بعد ذلك من صور خطية أو فوتوغرافية ، فلا يكون إلا لمجرد الاستثناستبعا للظروف )) . وفى لجنة المراجعة عدل النص تعديلا يجعله أدق فى تأدية المعنى المقصود ، فأصبح يكاد يكون مطابقاً لما انتهى إليه . ووافق مجلس النواب على النصدون تعديل ، وجعل رقمه 406 . وفى لجنة مجلس الشيوخ اتجه الرأى أولا إلى استبعاد حكم السند (( ا )) من النص ، وقيل إن في بقائه خطورة إذ قد تكون الصورة خالية من الشوائب فى مظهرها الخارجى ولكنها لا تطابق الأصل ، وعدم وجود هذا الأصل سيكون حائلا دون تحقيق صحتها ، فإعطاؤها قوة الأصل ينطوى على مجازفة . ورأى أحد الأعضاء ، مع ذلك ، أنتكون للصورة الرسمية الأصلية قوة مبدأ الثبوت بالكتابة . ولكن اللجنة عادت فأبقت النص بعد أن تبينت صحة حكمه من واقع المراجع القانونية . ثم استبدلت فى البند (( ب )) عبارة (( الصورة الأصلية التى أخذت منها )) بعبارة (( الأصل الذى أخذت منه )) زيادة فى الإيضاح ، وحذفت عبارة (( كما يجوز للقاضى أن يأمر باحضارها )) كما أضاقت كلمة (( رسمية )) بعد كلمة (( صور )) في البنـد (( جـ )) . وأصبحت المادة رقمها 393 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 363 ـ ص 367 ) . هذا والمادة 393 من التقنين الجديد منقولة عن المادة 291 من المشروع الفرنس الإيطالى .

([31]) وكانت المادة 231/296 من التقنين المدنى القديم تنص على ما يأتى : (( إذا قدم الخصم صور سندات غير صورها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى ، ولم يقدم الأصل ، وكانت الصور المذكور محررة بمعرفة أحد المأمورين العموميين ، فللقاضى النظر في درجة اعتماد تلك الصور ، وعلى كل حال فانها تعتبر فى مقام مبادئ الثبوت بالكتابة )) . وسنبسط حكم هذا النص ونقارن ما بين التقنين القديم والحديث فيما يلي .

([32]) التقنينات العربية الأخرى ـ قانون البينات السورى م 7 : 1 ـ إذا كان أصل السند الرسمى موجوداً ، فإن الصور الخطية والفوتوغرافية التى نقلت منه وصدرت على موظف عام في حدود اختصاصه تكو لها قوة السند الرسمى الأصلى بالقدر الذى يعترف فيه بمطابقة الصورة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين ، وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل ـ م 8 : إذا لم يوجد أصل السند الرسمى ، كانت الصورة الخطية أو الفوتوغرافية حجة على الوحه الآتى : ا ـ يكون للصورة الأولى قوة الأصل إذا صدرت من موظزف عام مختص وكان مظهرها الخارجى لا يتطرق معه الشك فى مطابقتها للأصل . ب ـ ويكون للصورة الخطية أو الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة الأولى نفس القوة إذا صدرت من موظف عام مختص يصادق على مطابقتها للأصل الذى أخذت منه . ويكون لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة هذه الصورة على الصورة الأولى على أن تتم المراجعة فى مواجهة الخصوم . جـ  ـ أما الصورة المأخوذة عن الصورة الثانية فيمكن الاستئناس بها تبعاً للظروف .

       تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ـ م 173 : إن إبراز نسخة من السند مع وجود السند الأصلى لا يغنى عن إبراز هذا السند ، إذ أنه يجوز التشبث بإبراز السند الأصلى فى كل حين ـ م 174 : إذ فقد السند الأصلى يستعاض عنه بالنسخة الرسمية ـ م 175 : إن إدراج السند الرسمى فى السجلات الرسمية لا يصلح إلا كبداية بينة خجطية ، ويجب مع ذلك أن يثبت فقدان جميع الأصول المحفوظة عند الكاتب العدل والمختصة بالسنة التى يظهر أن السند أنشئ فى خلالها أو أن تقام البينة على أن فقدان أصل هذا السند نتج عن حادث خاص ـ 176 : إذا ظهر من نسهة السند فى الحالة المبينة فى المادة السابقة ـ أن السند أنشئ بحضور شهود ، وجب دعوة هؤلاء الشهود أمام القاضى .

       التقنين المدنى العراقى ـ م 452 : 1 ـ إذا كان أصل السند موجوداً ، فإن صورته الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية ، الصادرة من موظف عام مختص ، تكون حجة بالقدر الذى تكون فيه مطابقة للأصل . 2 ـ وتعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين ، وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل ـ م 453 ، إذا لم يوجد السند الرسمى ، كانت الصورة حجة على الوجه الآتى : ا ـ يكون للصورة الرسمية الأصلية ، تنفيذية كانت أو غير تنفيذية ، حجية الأصل إذا كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل . ب ـ وتكون للصورة الرسمية المأخوذة من الصورة الأصلية الحجية ذاتها . ولكن يجوز فى هذه الحالة لكل من الطرفين مراجعتها على الأصل الذى أخذت منه . جـ   ـ أما ما يؤخذ من صور للصورة المأخوذة من الصور الأصلية فلا يعتد به إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف ـ م 454 : الوثائق الرسمية ، كالبراءات والقوانين والإرادات الملكية وشهادات الاختراع والعلامة الفارقة والجنسية وأحكام المحاكم وسجلات التسوية وسنداتها وسجلات الطابو الدائمية وسنداتها ، تكون حجة على الناس كافة بما دون بها ، ما لم يطعن فيها بالتزوير .

       التقنين المدنى للملكة الليبة المتحدة : م 379 و 380 : مطابقتان للمادتين 392 و 393 من التقنين المدنى المصرى .

       ويتبين من مطالعة هذه النصوص أن أحكام التقنينات العربية الأخرى فى هذه المسألة تطابق أحكام التقنين المصرى ، وذلك فيما عدا فروقاً بسيطة فى التقنين اللبنانى .

([33]) التقنين المدنى الفرنسى ـ م 134 : إذا كان أصل السند باقياً ، فلا يكون لصوره من الحجية إلا بما ورد فى الأصل ، ويجوز دائماً المطالبة بابراز الأصل : 1335 : إذا فقد أصل السند ، كانت الصور حجة على الوجه الآتى : 1 ـ يكون للصور التنفيذية أو الصور الأولى حجية السند الأصلى . وكذلك الحال بالنسبة إلى الصور التى أمر بأخذها القاضى بحضور أصحاب الشأن أو بعد دعوتهم للحضور ، وبالنسبة إلى الصور التى أخذت بحضور أصحاب الشأن وبتراضى منهم . 2 ـ الصور التى أخذت ، بعد تسليم الصور التنفيذية أو الصور الأولى ، ومن غير أمر القاضى أو تراضى الخصوم ، من أصل السند بواسطة الموثق الذى تلقاها أو أحد من خلفائه أو موظف عام يحفظ بحكم وظيفته أصول السندات ، يجوز أن تكون لها حجية الأصل ، إذا فقد الأصل ، بشرط أن تكون قديمة . وتعتبر قديمة إذا كان قد مضى عليها أكثر من ثلاثين سنة . فإن كان قد مضى عليها أقل من ثلاثين سنة ، فلا تصلح إلا مبدأ ثبوت بالكتابة . 3 ـ إذا كانت الصور المأخوذة من أصل السند لم يأخذه الموثق الذى تلقاها أو أحد من خلفائه أو موظف عام يحفظ بحكم وظيفته أصول السندات ، فهى لا تصلح ، مهما كانت قدمية ، إلا مبدأ ثبوت بالكتابة . 4 ـ أما صور الصور فيجوز الاستئناس بها تبعاً للظروف . ( انظر أيضاً المادة 1336 من التقنين المدنى الفرنسى . وهى تقابل المادة 176 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، وقد تقدم ذكرها ) .

       وهذا هو الأصل الفرنسى لهذه النصوص :

Art.  1334:  Les copies, lorsque le titre original subsiste, ne font foi que de ce qui est contenu au titre, don’t sa representation peut tougours etre exigee.                                                                                               

Art.  L335:  Lorsque le titre original n’existe plus, les copies font foi        d’apres les distinctions suivantes:                                                           

Lo. Les grosses ou primieres expeditions font sq meme foi que l’original , ll en est de meme des copies qui ont ete tirees par l’autorite du magistrat, parties presentes ou dument appelees, ou de celles qui ont ete tirees en presence des parties et de leur consentiment reciprogue.     2o.  Les copies qui, sans l’autorite du magistrate, ou sans le consentement des parties, et depuis la deliverance des grosses ou primieres expeditions, auront ete tirees sur la minute de l’acte par le notaire aui l’a recu, ou par l’un de ses successeurs, ou par officiers publics publics qui, en cette qualite, sont depositaires des minutes, peuvent, en cas de perte de l’original, faire foi quand dlles sont anciennes Elles sont considerees comme anciennes quand elles ont plus de trente ans.  Si elles ont moins de trente ans, elles ne peuvent server aue de commencement de prevue par ecrit.                                  

        3o.  L orsque les copies tirees sur la minute d’un acte ne l’auront pas ete par le notaire aui l’a recu, ou par l’um de ses successeurs ou par officiers publics qui, en cette qualite, sont depositaires des minutes, elles ne peuvent server, quelle que soit leur anciennete, que de commencement de preuves par ecrit.                                                      

       4o.  Les copies des copies pourront, suivant les circonstances, etre considerees comme simples renseignements.                                 

([34]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( والأصل في حجية الورقة الرسمية أن تكون قاصرة على نسخها الأصلية ، كما تقضى بذلك صراحة المادة 1925 من التقنين الهولندى . ويتفرع على ذلك أن الصور الخطية أو الشمسية والصور التنفيذية والصور الأولى لا تكون بذاتها حجة فى الإثبات ، مع أن موظفاً عاماً يستوثق من مطابقتها للأصل . ولهذه العلة ذكر النص على وجه التحديد أن الصور تكون حجة بالقدر الذى يعترف فيه بمطابقتها للأصل ، مع مراعاة القيد الآتى : فلذى الشأن من الطرفين أن يطلب مراجعة الصورة على الأصل فى مواجهة الطرف الآخر . ومؤدى هذا أن مجرد إنكار مطابقة الصورة للأصل يكفى للإلزام بتقديم الأصل ولو لم يكن هذا الإنكار معززاً بدليل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 361 ) .

       والمشروع التمهيدى ـ كما رأينا ـ لم يلزم القاضى باستحضار الأصل ، بل أجاز له ذلك ، فجعل استحضار الأصل محلا لتقديره . ولكن المشروع النهائى جعل استحضار الأصل لزاماً على القاضى .

([35]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( ويراعى أن النص سوى فى الحكم بين الصور الشمسية ( الفوتوغرافية ) والصور الخطية إزاء شيوع الركون إلى طريقة التصوير الشمسى بالنسبة للأوراق الرسمية فى مصر . وقد قضت المادة 440 من التقنين المركشى على انسحاب الحكم نفسه على الصورة الشمسية للأوراق المنقولة عن الأصل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 360 ـ ص 361 ) .

([36]) حتى ولو لم يكن مفقوداً ، ما دام أن تقديمه متعذر . ومن هنا عدلت العبارة التى في صدر المادة 393 فصارت : (( إذا لم يوجد أصل الورقة الرسمية )) ، وكانت فى المشروع التمهيدى : (( أما إذا فقد الأصل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 363 ) .

([37]) وقد كان المشروع التمهيدى فى الفقرة الثانية من المادة 535 ، على ما رأينا ، يجرى على الوجه الآتى : (( ويجوز لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة الصورة على الأصل ، على أن يتم ذلك فى مواجهتهما . وفى هذه الحالة يجوز للقاضى أن يأمر باستحضار الأصل )) . فمجرد المنازعة فى المطابقة لا يكفى لإسقاط القرينة ، بل يترك ذلك إلى تقدير القاضى ، فأن رأى استبقاء القرينة قائمة دون مضاهاة فعل ، وإلا استحضر الأصل وضاهى عليه الصورة . وفى هذا المعنى تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ما يأتى : (( بيد أن العمل جرى على الاعتداء بحجية الصور الخطية والشمسية واعتبارها مطابقة للأصل متى انتفت كل شبهة فى حقيقة هذه المطابقة . فليست قيمة هذه الصور فى الإثبات بموقوتة أو مغياة بمجرد المنازعة فى مطابقتها لأصولها . على أن المشروع قصد إلى تحامى استغلال مجرد الإنكار فى إطالة أمد الخصومات واللدد فيها ، فنص فى الفقرة الثانية من المادة المتقدم ذكرها على أنه ( يجوز للقاضى أن يأمر باستحضار الأصل ) . فللقاضى والحال هذه سلطة تقدير جدية الإنكار ، دون أن يخل ذلك بواجه فى الاعتداء بما لمن يحتج عليه بالصورة الشمسية أو الخطية من حق غير منازع فى المطالبة بتقديم الأصل . فإذا انتفى كل شك فى أن الإنكار لا يقصد منه إلا إلى إطالة أمد النزاع ، كان للقاضى ألا يأمر باستحضار الأصل . وليس فى أن من الأنسب تخويل القاضى سلطة التقدير فى هذا الشأن ، ولا سيما أن شيوع طريقة التصوير الشمسى يقضى على الكثير من أسباب الخطأ فى الصور التى تنقل بالخط أو بالآلة الكاتبة )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 361 ) .

       وقد رأينا أن المشروع النهائى أدخل تعديلا على المشروع التمهيدى فى هذه المسألة ، وجعل لزاماً على القاضى استحضار الأصل للمضاهاة بمجرد منازعة الخصم فى المطابقة . وبهذا المعنى صدر التقنين الجديد . وبوجه هذا الرأى اعتبار منطقى : إن الاحتجاج بورقة ، ولو كانت رسمية ، على خصم إنما يكون بتوقيع هذا الخصم عليها ، والصورة لا تحمل هذا التوقيع ، والذى يحمل التوقيع هو الأصل ، فما دام الأصل موجوداً ، وطلب الخصم استحضاره ، فالأصل وحده هو الذى يحتج به عليه ، ووجب استحضاره لمضاهاة الصورة عليه . حتى إذا تبين من المضاهاة مطابقة الصورة للأصل ، فالأصل لا الصورة هو الذى يحتج به على الخصم فالحجية إذن ، حتى عند مطابقة الصورة للأصل ، إنما تثبت للأصل دون الصورة كما قدمنا .

([38]) وقد ورد فى الموجز للمؤلف شرحاً للتقنين القديم فى هذا الصدد ما يأتى : (( وقد رأينا فيما قدمناه أن ذوى الشأن فى الورقة الرسمية لا يحصلون إلا على صور منها ، أما الأصل فيبقى محفوظاً في قلم كتاب المحكمة . فإذا كان الأصل موجوداً لم تقم الصورة مقامه فى الإثبات إلا إذا سلم الخصم بمطابقة الصورة للأصل . فإذا لم يسلم بذلك ، وطلب الرجوع إلى الأصل وهو وحده الذى يحمل توقيعه ، أجيب إلى طلبه ، وانتدبت المحكمة قاضياً لاستلام الأصل مع كتابة صورة منه توضع مكان الأصل مؤقتاً حتى يرد الأصل )) . ( الموجز فقرة 629 ص 661 ـ ص 662 ) . وواضح ما ورد فى الموجز أن الصورة تنتفع بادئ ذى بدء بقرينة المطابقة ، وتنتفى هذه القرينة بمجرد إنكار الخصم مطابقة الصورة للأصل ، وعندئذ يؤتى بالأصل لمضاهاة الصورة عليه . والحجية ، حتى عند التحقق من المطابقة ، إنما تثبت ، فى التقنين القديم كما فى التقنين الجديد ، للأصل لا للصورة ( قارن استئناف مختلط 21 ديسمبر سنة 1948 م 61 ص 32 ) .

       وهذا هو أيضاً حكم القانون المدنى الفرنسى ( أوبرى ورو 12 فقرة 760 ص 279 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1498 ) .

([39]) وفى هذا تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : (( يقع على من يتمسك بالصور الخطية أو الشمسية عبء إقامة الدليل على فقد الأصل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 365 ) .

([40]) وعقب التوثيق كما قدمنا . ولا توضع عليها الصيغة التنفيذية ، إما لأن ذا الشأن لا حاجة به للتنفيذ ، وإما لأن موضوع الورقة لا يدع محلا للتنفيذ كالتوكيل الرسمى .

([41]) وهذا هو الرأى الذى ذهب إليه الأستاذ سليمان مرقس فى كتابه أصول الإثبات ( فقرة 502 مكررة ص 67 ـ ص 69 ) ، ونفى أن يكون المقصود من النص الاقتصار ، فى إعطاء حجية الأصل ، على الصورة التنفيذية (grosse) والصورة الأصلية الأولى (premiere expedition) ، بل جعل النص يعم الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) ، والصورة الرسمية التى تحرر بضور التقاضى المنتدب عند صدور قرار من سلطة قضائية بضم الأصل إلى ملف الدعوى . وهذا الرأى فى نظرنا هو الصحيح ، فإن عبارة (( الصور الرسمية الأصلية ، تنفيذية كانت أو غير تنفيذية )) الواردة فى النص عبارة عامة تشمل هذه الحالات جميعاً . ولا يوجد ما يبرر قصرها على الحالتين الأوليين ـ الصورة التنفيذية والصورة الأصلية الأولى ـ دون غيرهما . (أنظر أيضاً فى هذا المعنى الدكتور عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 95 ) .

       وقد قصر الأستاذ أحمد نشأت ( الإثبات ذ فقرة 172 ـ فقرة 172 ) هذه العبارة على الحالتين الأوليين (الصور التنفيذية والصورة الرسمية الأولى ) ، وأخرج من النص حالة الصورة الأصلية البسيطة ـ والظاهر أنه يرى وجوب اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة عن طريق الاجتهاد لا عن طريق النص انظر ص 163 ـ كما أخرج حالة الصورة الرسمية التى تحرر بحضور القاضى المنتدب ورجع فيها إلى المادة العاشرة من قانون التوثيق وتنص صراحة على أن تقوم الصورة مقام الأصل لحين رده .

       وقد تأثر الأستاذ أحمد نشأت فى رأيه هذا بما كان عليه التقنين القديم ، فسنرى أن هذا التقنين كان ، على غرار التقنين الفرنسى ، يفرق بين الصورة الأصلية الأولى تنفيذية كانت أو غير تنفيذية فيوليها حجية الأصل ، وبين الصورة الأصلية البسيطة فلا يوليها حتما حجية الأصل ولكن لا ينزل بها عن مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة (وفى التقنين الفرنسى تكون لها حجية الأصل إذا مضى عليها ثلاثون سنة وإلا فهى مبدأ ثبوت بالكتابة ) . وقد كان النص العربى للمشروع التمهيدى ـ كما لاحظ بحق الأستاذ سليمان مرقس فى كتابـه أصـول الإثبـات ص 69 ـ يؤيد هذا الرأى . فقد وردت المادة 536 من هذا المشروع ـ وهى أصل المادة 393 ـ على الوجه الآتى : (( يكون للصورة التنفيذية أو للصورة الأولى حجية الأصل )) ، ( أنظر أيضاً المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 365 ) ، وكان هذا يغاير الأصل الفرنسى للنص وهو : Les grosses et toutes expeditions font la meme foi que l’original :  فلم يفرق هذا النص الفرنسى بين صورة أصلية أولى وصورة أصلية بسيطة ، بل جعل لكل الصور الأصلية حجية الأصل ، وهذا نقلا عن المادة 291 من المشروع الفرنسى الإيطالى كما سبق القول . وقد عدل النص العربى فى لجنة المراجعة ـ كما رأينا ـ فأصبح الأصل )) . ومن ثم لم يعد هناك محل للتمييز بين الصورة الأصلية الأولى والصورة الأصلية البسيطة ، فكلاهما له حجية الأص .

       على أن الأستاذ سليمان مرقس ( أصول الإثبات ص 68 هامش رقم 1 ) لا يزال يفضل ـ من الناحية التشريعية لا من الناحية التفسيرية ـ للتشريع القائم ـ التمييز بين الصورة الأصلية الأولى ، ويوليها حجية الأصل ، والصورة الأصلية البسيطة ، ويجعلها خاضعة لتقدير القاضى ، (( إذ يمكن ـ كما يقول ـ أن نتصور أن يتواطأ الموظف المختصى مع أحد ذوى الشأن ويعطيه صورة محورة من عقد رسمى محفوظ لديه ليست هى الصورة المحورة حجية الأصل ويغطى ما وقع فيها من تحوير فلا يجز إثبات عدم صحتها إلا بالطعن بالتزوير )) . ومهما قيل من أن احتمال تواطؤ الموظف المختص يكون أكبر فى الصورة الأصلية البسيطة منه فى الصورة الأصلية الأولى ، فلا شك فى أن إثارة هذا التواطؤ ـ أياً كانت احتمالاته ـ لا يجوز أن تكون إلا عن طريق الطعن بالتزوير .

([42]) وقد تكون ، تبعاً للظروف ، مبدأ ثبوت بالكتابة ، إذا توافرت فيها الشروط الواجبة لذلك .

([43]) وذلك بخلاف ما إذا كان الأصل موجوداً ، فقد قدمنا أن الصورة تستمد حجيتها لا منها ذاتها بل من الأصل الموجود .

([44]) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 266 . وقد سبق ذكر ذلك .

([45]) وقد كان المشروع التمهيدى ( م 536 بندب ) يجيز أيضاً للقاضى ، من غير طلب الخصوم ، أن يأمر بإحضار الصورة الأصلية للمضاهاة . ولكن المشروع النهائى خرج خلواً من هذا الجواز ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( أنظر مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 364 وص 365 ) .

([46]) ويرى الأستاذ سليمان مرقس ( أصول الإثبات ص 70 ) أنه (( إذا كانت الصورة الأصلية فى هذه الحالة قد فقدت كما فقد أصل الورقة الرسمية ، أمكن اعتبار الصورة غير الأصلية بمثابة صورة أصلية من الصورة الأصلية المفقودة وإجراء حكم الفقرة (1) عليها ، فتكون لها حجية هذه الصورة الأخيرة متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها لها )) . ولا نميل للأخذ بهذا الرأى دون نص صريح يقضى به ، فقد رأينا أن الأخذ بحكم مماثل فى حال تحديد حجية الصورة الأصلية عند فقد الأصل كان مستنداً إلى نص صريح ، وعد مع ذلك نصاً جرئياً .

       ويرى الأستاذ أحمد نشأتت ( الإثبات 1 فقرة 173 ) أن الصورة الثانية فى هذه الحالة يجب أن يعترف لها بقيمة مبدأ الثبوت بالكتابة على الأقل . وهذا هو أيضاً رأى الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ( الإثبات ص 104 ) .

       وقد تقضى الظروف باعتبار الصورة الثانية إثباتاً كاملا للحق إذا كان صاحب الحق نفسه متعنتاً لا يريد تقديم المستند الأصلى . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا رفض التاجر المفلس أن يقدم السند الأصلى لعقد البيع الصادر له ، كان للسنديك أن يقدم صورة تسجيل هذا العقد ( والتسجيل ذاته صورة أصلية من السند الأصلى فصورته تكون إذن صورة للصورة الأصلية ) مستنداً لحق التاجر المفلس فى ملكية الشئ المبيع إذا رفع الغير دعوى استحقاق يطالب بهذه الملكية ( استئناف مختلط 2 يناير سنة 1901 م 13 ص 95 ) .

([47]) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 365 .

([48]) ويدخل فى ذلك أية صورة أخذت ، مباشرة أو بطريق غير مباشر ، من صورة مأخوذة من صورة للصورة الأصلية ، مهما تعددت التى تفصل ما بين الأصل والصورة التى يراد الاحتجاج بها .

([49]) وهذا هو الرأى الذى يقول به الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ( الإثبات ص 104 ) ـ هذا وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى بعد ذلك ما يأتى : (( أما المقتطفات والمستخرجات والصور الجزئية فللقاضى سلطة تقديرها . وغنى عن البيان أن هذه المقتطفات والصور تقتصر قيمتها على الشق الذى ينقل فيها عن الأصل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 365 ) .

([50]) ويقضى التقنين المدنى الفرنسى ( م 1335 وقد تقدم ذكرها ) بأنه إذا لم يوجد الأصل ، فإن الصور التى تكون لها حجية الأصل هى : (1) الصورة التنفيذية (grosse) . (2) الصورة الأولى (premiere expedition) . (3) الصورة الأصلية المحررة بأمر القاضى فى حضور أصحاب الشأن أو بعد دعوتهم للحضور (4) الصورة الأصلية المحررة فى حضور أصحاب الشأن وبتراضيهم . (5) الصورة الأصلية المحررة بغير أمر القاضى وبغير تراضى الخصوم وفى غير حضورهم إذا أخذت بواسطة الموثق (notaire) ، أو موظف عام مختص ، وكانت قديمة أى مضى على تحريرها أكثر من ثلاثين سنة . وهناك صور أصلية لا تكون قيمتها إلا مبدأ ثبوت بالكتابة ، وهى : (1) الصورة الأصلية المحررة على الوجه المتقدم الذكر فى الطائفة الخامسة من الصور التى تكون لها حجية الأصل إذا لم تكن الصورة قديمة ، أى لم يمض على تحريرها أكثر من ثلاثين سنة (2) الصورة الأصلية التى حررها غير الموثق وغير الموظف العام مهما يكن تاريخ تحريرها .

       أما صور الصور فلا يعتد بها إلا للاستئناس . ويستثنى من ذلك : (1) صورة التسجيل فى الورقة المسجلة ، وتعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة وذلك قبل قانون 21 يولية سنة 1921 (2) إذا حررت صورة تنفيذية ثانية أو أصل ثان بأمر رئيس المحكمة المدنية ( م 844 مرافعات فرنسى ) . فهذه صورة من الصورة ولكن لها حجية الأصل (أنظر بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1498 ـ فقرة ب1499 ص 946 ـ ص 947 ) .

([51]) وكذلك تثبت حجية الأصل للصورة التى يوقعها القاضى وكاتب الجلسة مع كاتب التوثيق عندخ تسلمهما الأصل لإجراء المضاهاة ( م 265/ 306 مرافعات قديم ) .

([52]) الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 172 ص 161 ـ ص 162 ـ الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 52 ص 64 ـ ص 66 ـ الأستاذ عبد المنعم فرج  الصدة فى الإثبات فقرة 93 ـ قارن الموجز للمؤلف ، وقد ورد فيه ، تفسيراً للمادة 231/ 296 من التقنين المدنى السابق ، ما يأتى : (( أما إذا فقد الأصل ، فإن الصورة التنفيذية (grosse) ، وهى الصورة الأولى التى يحصل عليها الخصوم وعليها الصيغة التنفيذية ، تقوم مقام الأصل فى الإثبات . وكذلك تقوم مقام الأصل تلك الصورة التى وضعت مكان الأصل مؤقتاً عند أخذ الأصل للرجوع إليه كما رأينا وذلك إذا ضاع الأصل . أما الصور الأخرى غير التنفيذية (ecpeditions) فللقاضى النظر فى درجة اعتمادها كما تقرر ذلك المادتان 231/296 ، فقد يعتبرها على الأقل مبدأ ثبوت بالكتابة )) ( الموجز ص 662 ) . ونستدرك على ما جاء فى الموجز أنه أغفل ذكر الصورة الأولى إذا لم تكن هى الصورة التنفيذية ، فهذه ، فى التقنين السابق ، كانت لها حجية الأصل شأنها فى ذلك شأن الصورة الأولى التنفيذية . والسبب فى أننا لم نر ، فى (( الموجز )) ، التمييز ما بين الصورة التنفيذية والصورة الأولى ، أننا اتبعنا فى عدم التمييز بينهما رأياً قديماً قال به لارومبيير ( جزء رابع م 1335 فقرة 1 ) ولوران ( جزء 19 فقرة 373 ) ـ أنظر أيضاً فى عدم التمييز بين الشيئين : كولان وكابيتان 2 فقرة 456 ص 431 ـ بودرى وبارد 4 فقرة 2491 ) .

([53]) قارن الاستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 173 ص 162 ـ ص 163 ـ وغنى عن البيان أن الأصل إذا كان موجوداً ، فى التقنين المدنى السابق ، فإن الحجية تنحصر فيه ، سواء عن طريق المضاهاة عليه أو عن طريق افتراض مطابقة الصورة له . ولا يختلف حكم التقنين المدنى السابق فى ذلك عن حكم التقنين المدنى الجديد .

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

نقلا عن محامي أردني

الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية

الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية

       70 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 390 من التقنين المدنى على ما يأتى :

       (( 1 ـ الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن ، وذلك طبقاً الأوضاع القانونية وفى حدود سلطته واختصاصه )) .

       (( 2 ـ فإذا لم تكسب هذه الورقة صفة الرسمية ، فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعوها بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم ([1]) .

112 ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 226/291 ([2]) .

       ويقابل فى التقنينات المدينة العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 5 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 450 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 154و155 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 377 ([3]) ـ

       113 ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1317و1318 ([4])

114 ويتبين من نص المادة 390 من نالتقين المدني المصرى أن هناك شروطاً ثلاثة يجب توافرها لتكون الورقة الرسمية صحيحة ([5]) .

       ( أولا ) أن يقوم بكتابة الورقة أو بتلقيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة .

       ( ثانياً ) أن يكون هذا الموظف أو الشخص مختصاً من حيث الموضوع ( في حـدود سلطته ) ومن حيث المكان ( في اختصاصه ) .

       ( ثالثاً ) أن يراعى في توثيق الورقة الأوضاع التى قررها القانون ([6].

       ونتناول بالبحث كلا من هذه الشروط الثلاثة ، ثم نبحث جزاء الإخلال بأى منها .

المبحث الأول

صدور الورقة الرسمية من موظف عام أو شخص مكلف . بخدمة عامة

       71 ـ كيف تصدر الورقة الرسمية ونوعا البيانات التي تتضمنها :

تقول المادة 390 أن الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن . وترجمت هذه 115 العبارة الأخيرة ، في الترجمـة الفرنسية التى قامت بها وزارة العدل للتقنين المدني الجديد ، على الوجه الآتي :

“…constate…  des faits qui ont eu lieu en sa presene ou des declarations a lui faites par les interesses”.

ومعناها : (( … يثبت … الوقائع التى حدثت في حضوره والأقوال التى ألقيت إليه من ذوى الشأن )) .

       فالورقة الرسمية يكون صدورها إذن من الموظف العام بأن يكون هو الذي يحررها . وليس من الضرورى أن تكون مكتوبة بخطه ، بل يكفى أن يكون تحريرها صادراً باسمه . ويجب على كل حال أن يوقعها بامضائه .

       ويثبت فيها نوعين من البيانات : (1) ما تم على يديه . أي أنه يثبت في الورقة الرسمية جميع الوقائع التى وقعت تحت نظره وبمشهد منه خاصة بالتصرف الذى يوثقه . فيثبت حضور ذوى الشأن ، وما قام به كل منهم كأن يكون المشترى مثلا سلم الثمن كله أو بعضه للبائع أمام الموثق ، وحضور الشهود أمامه مع ذكرهم بأسمائهم ، وتاريخ تحرير الورقة الرسمية ، وتلاوته الصيغة الكاملة للورقة ومرفقاتها مع بيان الأثر القانونى المترتب عليها ، وقيام ذوى الشأن والشهود بتوقيعها ، وغير ذلك من الوقائع التى تمت بمحضر منه وتحت بصره . (2) ما تلقاه من ذوى الشأن من أقوال وبيانات وتقريرات فى شأن التصرف القانوني الذي تشهد به الوقة ، أى ما وقع تحت سمعه . فالبائع مثلا قرر أنه باع عيناً بحدود معينة بثمن معين وتعهد بالتزامات معينة ، وقرر المشترى أنه قبل شراء هذه العين بهذا الثمن وأنه من جهته تعهد بالتزامات معينة ، وهكذا .

       وسنرى فيما يلى أن التمييز بين هذين النوعين من البيانات ـ ما وقع تحت بصره وما وقع تحت سمعه ـ له أهمية كبيرة من ناحية حجية الورقة الرسمية ، فالنوع الأول له حجية مطلقة إلى حد الطعن بالتزوير ، والنوع الثانى يجوز دحض وصحته باثبات العكس .

       72 ـ موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة : والموظف العام هو شخص عينته الدولة للقيام بعمل من أعمالها ، سواء آجرته على هذا العمل كالموثق ، أو لم تؤجره كالعمدة .

116 ويتنوع الموظفون العامون بتنوع الأوراق الرسمية فالموظف الذى يقوم بتحرير التصرفات هو المأمور الرسمى أو الموثق ، والموظف الذى يقوم بكتابة الأحكام هو القاضى ، والموظف الذى يثبت ما يدور في جلسة القضاء من إجراءات ومرافعات هو كاتب الجلسة ، والموظف الذى يقوم باعلان أوراق المرافعات المختلفة وتنفيذ الأحكام والأوراق الرسمية هو المحضر.

       ويبقى الموظف عاماً حى لو كان يعمل في إدارة حكومية يقوم عادة بعملها الشركات في البلاد الأخرى . كمصلحة السكك الحديدية ومصلحة البريد . ويترتب على ذلك أن أوراق النقل الخاصة بمصلحة السكك الحديدية وحوالات البريد تعتبر أوراقاً رسمية ، ويكون التزوير فيها جناية لا جنحة . وكذلك حال الموظفين الذين يعملون في إدارة الأموال الخاصة لدولة ( مصلحة الأملاك ) ، فتعتبر الوراق التى يكتبونها أوراقاً رسمية . وموظفوا وزارة الأوقاف والأشخاص المعنوية العامة الأخرى كالجامعات ودار الكتب ومجالس المديريات والمجالس البلدية والقروية ، كل هؤلاء يعتبرون موظفين عامين .

       وليس من الضرورى أن يكون من تصدر منه الورقة الرسمية موظفاً عاما، بل يكفى أن يكون مكلفاً بخدمة عامة ، وهذا تعديل في المشروع التمهيدى للتقنين المدني الجديد أجرته لجنة المراجعة . فالمأذون يقوم بتحرير عقود الزواج وإشهادات الطلاق . والخبير يقوم بتحرير محضر بأعماله وتقرير يقدمه عن المهمة التى انتدب لها ، وكذلك القسيس فيما يتعلق بزواج المسيحيين ، وقضاة المجالس الملية وكتبتها فيما تيعلق بأحكام هذه المجالس وبمحاضر حلساتها . وهؤلاء ليسو موظفين عامين ، ولكنهم أشخاص مكلفون بخدمة عامة .

       73 ـ الموظفون العامون الذين كانوا يقومون بالتوثيق قبل النظام الحالى : أنشئ النظام الحالي : أنشئ النظام الحالى للتوثيق في مصر بمقتض قانون رقم 68 لسنة 1947 ، وعمل به من أول يناير سنة 1948 . وقبل أن نبسط أحكام هذا القانون ، نذكر فى إيجاز من هم الموظفون العامون الذين كانوا يقومون بالتوثيق فى مصر قبل النظام الحالى ، أى إلى آخر شهر ديسمبر سنة 1947 . كان المنوط به القيام بتوثيق العقود والأوراق الرسمية في مصر جهات ثلاثاً :

       117(1) كتاب المحاكم المختلطة الكلية : وكانوا يعتبرون بمثابة موثقين للعقود ويسمون (greffiers-notaires) فيوثقون جميع أنواع التصرفات . ويستوى أن يكون أصحاب الشأن من المصريين أو الأجانب ، إذ كان اختصاص المحاكم المختلطة يمتد إلى الفريقين . والصيغة التنفيذية التى كان قلم كتاب المحكمة المختلطة يضعها على الورقة الرسمية يجعلها صالحة للتنفيذ على المصريين والأجانب جميعاً . فاذا كان التنفيذ على مصريين قام به محضر من المحاكم الوطنية . وإن وجد صالح أجنبى قام بالتنفيذ محضر من المحاكم المختلطة .

       (2) قضاة المحاكم الشرعية أو من يحيل هؤلاء القضاة عليه التوثيق من كتاب هذه المحاكم : والأوراق الرسمية التى كانت المحاكم الشرعية توثقها تسمى ((إشهادات )) ، وهى العقود والتصرفات التى تقرها الشريعة الإسلامية ، سواء كانت تتعلق بالأحوال الشخصية كالوصية والهبة والوقف ـ أما إشهادات الزواج والطلاق فكانت ولا تزال من اختصاص المأذونين الشرعيين ـ أو كانت تتعلق بالمعاملات المالية كالبيع والقسمة والوكالة . ويستوى هنا أيضاً أن يكون أصحاب الشأن من المصريين أو من الأجانب . ولم تكن المحاكم الشرعية تضع الضيغة التنفيذية على ما توثقه من إشهادات إذ لم يكن بها محضرون للتنفيذ . وكانت الجهة التى تضع الصيغة التنفيذية على إشهادات المحاكم الشرعية هى المحاكم الوطنية إذا كان ذوو الشأن جميعاً مصريين ، ويقوم بالتنفيذ محضر من هذه المحاكم . أما إذا كان بين ذوى الشأن أجنبى ، فالجهة التى كانت تضع الصيغة التنفيذية هى المحاكم المختلطة ، ويقوم بالتنفيذ محضر منها . ولا يزال ، حتى بعد نفاذ النظام الجديد ، للمحاكم الشرعية اختصاص فى التوثيق سنذكره فيما يلى .

       (3) كانت المادة 47 من اللائحة القديمة لترتيب المحاكم الأهلية تنص على أنه (( يلزم أن يكون بطرف كتبة المحاكم الابتدائية دفاتر للرهونات والتسجيل والقيد ، ويجب عليهم تحرير كافة العقود والمشارطات ، وتكون العقود التي يحررونها في قوة العقود الرسمية، ويحفظ أصلها بقلم كتاب المحكمة )) . ولكن هذا النص لم يعمل به ، وبقى معطلا إلى أن دخل النظام الجديد للتوثيق . ولم يعين بالمحاكم الأهيلية موظفون للتوثيق ولم تنظم له سجلات ، فيما عدا بعض المسائل الخاصة بقبول الإقرارات الرسمية وحق الاختصاص والشفعة . وقد جرى العمل على 118 توثيق أكثر التصرفات في المحاكم المختلطة ، وتوثيق بعضها لا سيما الوقف فى المحاكم الشرعية .

       74 ـ الموظفون العامون الذين يقومون بالتوثيق فى النظام الحالى : ظهر في العمل عيوب تعدد جهات التوثيق على النحو الذي أسلفناه . فصدر قانون رقم 68 لسنة 1947 ، بتاريخ 29 يونية سنة 1947 ( الوقائع المصرية عدد 3 يوليه سنة 1947 ) ، والمعمول به من أول يناير سنة 1948 ، يوحد جهات التوثيق ويعيد تنظيمه . وتقول المذكرة الإيضاحية لهذا القانون : (( وإذا كانت هذه الحالة ([7]) لم تعد موافقة لظروف العصر ، فقد اتجه الرأى من زمن إلى وضع نظام ثابت للتوثيق تتوحد به جهاته وتنتظم شؤونه على وجه يكفل تحقيق الطمأنينة التامة على الحقوق واستقرار المعاملات )) .

       وقد قضى قانون التوثيق ولائحته التنفيذية بتوحيد جميع جهات التوثيق فى جهة واحدة ، ليست هى أياً من المحاكم المتقدمة الذكر ، بل هى مكاتب مستقلة ([8]) تتولى توثيق المحررات التى يقضى القانون بأن يطلب المتعاقدون توثيقها . 119 وتتولى توثيق جميع هذه المحررات ، عدا ما كان مها متعلقاً بالوقف ([9])  والأحوال الشخصية للمسلمين ([10]) فيبقى توثيقها كما كان للمحاكم الشرعية([11]) . أما التوثيق من اختصاص هذه المكاتب الموحدة . ولكن غير المسلمين من الأجانب يكون لهم الخيار فى توثيق أوراقهم المتعلقة بالأحوال الشخصية بين مكاتب التوثيق أو جهاتهم القنصيلة ، إذ الشكل فى قواعد القانون الدولى الخاص قد يخضع للقانون الوطنى المشترك (م 20 مدنى ) كما يخضع لقانون البلد الذى تمت فيه أو قانون الموضوع أو قانون موطن المتعاقدين ([12])

       120 أما الموظفون العامون الذين يقومون بالتوثيق فى النظام الجديد فهم ـ عدا قضاة المحاكم الشرعية وكتبتها والمأذونين الشرعيين فيما يتعلق بالوقف والأحوال الشخصية للمسلمين ، وعدا القنصليات الأجنبية عند اخيارها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية لغير المسلمين الأجانب ـ موظفون معينون لهذا الغرض ، إذ تنص المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أن (( يقوم بالتوثيق موثقون وموثقون مساعدون يعينون بقرار من وزير العدل )) .

       ويتبين مما تقدم أن الذين يقومون بالتوثيق فى مصر هم ، كقاعدة عامة ، موظفون عامون يعينهم وزير العدل . وكانوا قبل ذلك أيضاً موظفين عامين يعينهم وزير العدل فى المحاكم المختلطة وفى الحاكم الشرعية . أما فى فرنسا فيقوم بالتوثيق طائفة تسمى (( بالموثقين )) (notaries) ، ولهم نظم خاصة ، وماض بعيد ، وتقاليد قوية . وهم ليسو بالموظفين الذين يتقاضون أجراً من الدولة ، بل يؤجرون على أعمالهم من أصحاب الشأن ، شأنهم فى ذلك شأن المحامين ومحضرى القضايا (avoues) وسائر أصحاب المهن المنظمة رسمياً (officiers ministeriels) ، ويوجد لهم نظير فى بعض البلاد العربية يسمى بالكاتب العدل . وأقرب نظير لهم فى مصر هم المأذونون الشرعيون ، إذ لا يتقاضى هؤلاء أجراً من الدولة ، وإن كان إختصاصهم محصوراً فى دائرة الأحوال الشخصية للمسلمين وفى بعض نواحيها ، فيضيق اختصاصهم كثيراً بل ويختلف عن اختصاص الموثقين فى فرنسا ([13]) .

121 المبحث الثاني

اختصاص الموظف من حيث الموضوع ومن حيث المكان

المطلب الأول

اختصاص الموظف من حيث الموضوع

75 ـ المقصود (( بالسلطة )) فى نص المادة 390 : لا يكفى لصحة الورقة الرسمية أن يوقم بتحريرها موظف عام ، بل يجب أيضاً أن يكون هذا 122 الموظف مختصاً بكتابتها من حيث الموضوع . وتشترط المادة 390 السابق إيرادها أن يكون الموظف العام قد عمل (( فى حدود سلطته واختصاصه )) . وفى رأينا أن المقصود (( بالسلطة )) فى هذا النص جملة أمور : (1) ولاية الموظف العام من حيث قيامها (2) أهلية الموظف العام من حيث عدم قيام مانع شخصى به يجعله غير صالح لتوثيق ورقة بالذات (3) الاختصاص الموضوعى للموظف العام من حيث نوع الأوراق

الرسمية التى يجوز له أن يقوم بتوثيقها . وهذا كله يدخل فى (( سلطة )) الموظف العام ([14]) . أما (( الاختصاص )) فنرى قصره على الاختصاص المكانى الذى سننتقل إليه فيما يلى ([15]) :

       ونستعرض هذه الأمور الثلاثة متعاقبة : الولاية والأهلية والاختصاص الموضوعى .

76 ـ الولاية : يجب أن تكون ولاية الموظف المختص قائمة ([16]) وقت تحرير الورقة الرسمية . فاذا كان قد عزل من وظيفته ، أو وقف عن عمله ، أو نقل منه ، أو حل غيره محله على أى وجه آخر ، فان ولايته تزول ، ولا يجوز له مباشرة علمه ، وتكون الورقة التى يحررها عندئذا باطلة للإخلال بشرط من شروط صحتها  ([17]) . وعلى أنه إذا كان الموظف لم يعلم بالعزل أو الوقف أو النقل أو انتهاء الولاية ، وكان ذوو الشأن هم أيضاً حسنى النية لا يعلمـون بشـئ من ذلك ، 123 فان الورقة الرسمية التى يحررها الموظـف فى هذه الظروف تكون صحيحة رعاية للوضع الظاهر المصحوب بحسن النية  ([18]) .

       وتطبيقاً لحماية الوضع الظاهر يكفى أيضاً أن يكون الموظف قد ولى وظيفته ولو فى الظاهر ، حتى لو كان تعيينه فى هذه الظيفة قد وقع مخالفاً للقانون ، فانه فى هذه الحالة يعتبر موظفاً فعلياً (fonctionnaire de fait) ، أى موظفاً من حيث الواقع . ويعتبر أيضاً موظفاً فعلياً الموظف الذى عينته سلطة غير شرعية قد استقر سلطانها ، كحكومة الثورة أو حكومة دولة أجنبية غازية . ففى جميع هذه الأحوال يكون توثيق الموظف المعين تعييناً باطلا أو المولى من قبل سلطة غير شرعية توثيقاً صحيحاً ، تطبيقاً لنظرية الموظف الفعلى وهى نظرية معروفة فى القانون الإدارى ([19]) .

       77 ـ الاهلية  ([20]) : متى ثبت للموثق الولاية على النحو المتقدم ، وجب أن يكون ، بالنسبة إلى كل ورقة رسمية يوثقها ، أهلا لتوثيقها . وهو فى الأصل أهل لتوثيق جميع الأوراق الرسمية التى تدخل فى اختصاصه . غير أن اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق سلبته الأهلية فى أية ورقة رسمية بالذات تكون له فيها مصلحة شخصية أو تربطه بأصحاب الشأن فيها صلة معينة من قرابة أو مصاهرة . فنصت المادة الرابعة من هذه اللائحة على أنه (( لايجوز للموثق أن يباشر توثيق محرر يخصه شخصياً أو تربطه وأصحاب الشأن فيه صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة )) .

       فلا يجوز إذن أن يكون الموثق نفسه طرفاً فى الورقة الرسمية التى يوثقها ، بائعاً أو مشترياً فى عقد بيع مثلا ، أو وكيلا أو موكلا فى عقد وكالة ، أو نحو ذلك . 124 ولا يجوز له ذلك لا بنفسه ولا بشخص مسخر عنه ، كأن يكون البائع أو المشترى يبيع أو يشترى لحسابه ولو بغير توكيل ظاهر . ولا يجوز بوجه عام أن تكون له مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة التى يوثقها ، كأن يكون شريكاً لذوى الشأن فى الصفقة التى تثبتها الورقة الموثقة ([21]) ، فان المادة الرابعـة من اللائحة التنفيذية ، عند ما سلبته الأهلية فى الحالات التى نصت عليها ، كان ذلك (( لرفع مظنة المحاباة أو التأثير فى إرادة أحد المتعاقدين )) كما تقول المذكرة الإيضاحية لهذه اللائحة ، ومظنة المحاباة أو التأثير قائمة إذا وجدت للموثق فى الورقة التى يوثقها مصلحة شخصية مباشرة . وجزاء ذلك بطلان الورقة الرسمية ، حتى فى الأجزاء التى لا مصلحة للموثق فيها .

       كذلك لا يجوز أن يكون بين الموثق وأصحاب الشأن صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة ، دفعاً لمظنة المحاباة أو التأثير . فلا يجوز للموثق أن يوثق بيعاً مثلا يكون فيه البائع أو المشترى فرعاً أو أصلاً له لغاية الدرجة الرابعة ، بدخول الغاية ، أو يكون أخاً أو أختاً أو فرعاً لأيهما كذلك . ومثل القرابة المصاهرة . فلا يجوز أولا ـ ولو من غير نص صريح فى المادة الرابعة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق ـ أن يوثق الموثق لزوجته أو لزوجه . ثم لا يجوز له بعد ذلك أن يوثق لأحد من أقارب زوجته أو زوجه لغاية الدرجة الرابعة على النحو الذى قدمناه ، لقيام صلة المصاهرة بين الموثق وهؤلاء ([22]) .

       125 وتنص المادة الثامنة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أنه (( لا يجوز توثيق محرر إلا بحضور شاهدين كاملى الأهلية مقيمين بالمملكة المصرية ولهما إلمام بالقراءة والكتابة ولا صالح لهما فى المحرر المطلوب توثيقه ولا تربطهما بالمتعاقدين أو بالموثق صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة )) . فيجب إذن ألا يكون بين الموثق وشاهدى الورقة الرسمية صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة على النحو الذى قدمناه فيما يتعلق بأصحاب الشأن فى الورقة الرسمية ، فهم والشاهدان

من هذه الناحية بمنزلة سواء ([23]) . ولكن لا يشترط انتفاء صلة القرابة أو المصاهرة لغاية الدرجة الرابعة فيما بين الشاهدين نفسيهما .

       78 ـ الاختصاص الموضوعى : ويجب أن يكون الموثق مختصاً من الناحية الموضوعية بنوع الورقة الرسمية التى يقوم بتوثيقها . والموثق ، طبقاً للمادة الأولى من قانون التوثيق ، مختص بتوثيق جميع المحررات التى يقضى القانون أو يطلب المتعاقدون توثيقها . فلك تصرف قانونى يشترط القانون فيه ورقة رسمية ، كالهبة والرهن الرسمى ، يختص الموثق بتوثيقه . وكذلك جميع التصرفات القانونية التى لا يشترط فيها القانون ورقة رسيمة ، بل تكون تصرفات رضائية ويجوز إثباتها فى ورقة عرفية ، كالبيع والإيجار والوكالة والقسمة والصلح ، يجوز لأصحاب الشأن إثباتها فى ورقة رسمية ، وعندئذ يكون الموثق مختصاً بتوثيقها . ولا يخرج من الاختصاص الموضوعى للموثق إلا الوقف والأحوال الشخصية للمسلمين فهذه يكون التوثيق فيها من اختصاص المحاكم الشرعية 126 قضاة وكتبة ومن اختصاص المأذونين كما سبق القول ، وإلا الأحوال الشخصية للأجانب غير المسلمين فهذه يكون التوثيق فيها جوزاً لا وجوباً من اختصاص القنصليات الأجنبية ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ويترتب على ما تقدم أنه لا يجوز ، وفقاً لوقاعد الاختصاص الموضوعى ، أن يوثق القاضى الشرعى عقد بيع ، ولا المأذون عقد هبة ، ولا الموثق حجة وقف .

       وفى الحدود المتقدمة الذكر يقوم الموثق ، فيما يتعلق بتوثيق الأرواق الرسمية ، بما يأتى : (1) تلقى المحررات وتوثيقها (2) إثباتها فى الدفاتر المعدة لذلك (3) حفظ أصولها ،ن وموافاة المكتب الرئيسى بصور منها ، وإعطاء ذوى الشأن صورها ، وإعداد فهارس لها (4) وضع الصيغة التنفيذية على صور المحررات الرسمية الواجبة التنفيذ ([24]) .

المطلـب الثانـي

اختصاص الموظف من حيث المكان

       79 ـ الاختصاص المكانى : ولا يكفى أن يكون الموثق مختصاً من حيث الموضوع ، بل يجب أيضاً أن يكون مختصاً من حيث المكان . وقد نصت المادة الرابعة من قانون التوثيق على أنه (( لا يجوز للموثق أن يباشر عمله إلا فى دائرة اختصاصه )) . فلكل مكتب للتوثيق دائرة معينة يقوم فى حدودها الموثقون ومساعدوهم المعينون فى هذا المكتب بتوثيق الأوراق الرسمية التى يطلب إليهم توثيقها .

       ونبادر إلى القول بأن هذا الاختصاص المكانى إنما يفيد مكتب التوثيق وحده ، أى أن الموثقين ومساعديهم الملحقين بمكتب معين لا يجوز لهم مباشرة عملهم خارج دائرة اختصاصهم . ولكن أصحاب الشأن من يطلبون توثيق 127 أوراقهم غير مقيدن بدائرة اختصاص معينة ، فيجوز لشخص مقيم بأسوان أن يطلب إلى مكتب للشهر فى القاهرة أو فى طناطا أو فى أية جهة أخرى توثيق أية ورقة رسمية يريد توثيقها . فالقيد المكانى يرد إذن على مكاتب التوثيق ولا يرد على أصحاب الشأن . فلا يجوز لموظفى مكتب التوثيق أن يوثقوا ورقة رسمية إلا فى الدائرة المكانية لاختصاصهم . بل يجب أن يكون التوثيق فى مكتب التوثيق بالذات ، وفى مواعيد العمل الرسمية ، إلا إذا كان أحد أصحاب الشأن فى حالة لا تسمح له بالحضور إلى الكتب ، فيجـوز عندئذ للموثق أن ينتقل إلى محل إقامته لإجراء التوثيق وذلك بعد دفـع الرسـم المقرر للانتقال ، وعليه

إثبات هذا الانتقال فى الدفاتر المعدة لذلك ([25]) .

       80 ـ انتشار مكاتب التوثيق فى أنحاء البلاد : ومكاتب التوثيق ، وفقاً للنظام الجديد ، منتشرة فى جميع أنحاء الدولة . ولكل مكتب منها دائرة معينة لاختصاصه الكانى . ويعين عدد هذه الكاتب ومقر كل منها واختصاصه المكانى بقرار من وزير العدل ([26]) .

       وقد صدر فعلا قرار من وزير العدل فى 21 من شهر أكتوبر سنة 1947 ـ عمل به من أول يناير سنة 1948 تاريخ تنفيذ قانون الشهر ـ يقضى بإنشاء مكاتب للتوثيق فى جميع عواصم المديريات والمحافظات ([27]) ، ويتناول اختصاص كل مكتب منها المديرية أو المحافظة التى تقع فى دائرتها ([28]) .

       128 ثم أنشئ لكل مكتب منها فروع فى مختلف الجهات التى بها محاكم جزئية أو مأموريات للشهر العقارى ([29].

       فأصبح الاختصاص المكانى لكل مكتب للتوثيق ، بفضل هذا التنظيم ، محدداً معروفاً . وأصبحت هذه المكاتب وفروعها منتشرة فى كل مكان وجد فيه سابقاً قلم للتوثيق (( حتى لا يتكبد جمهور المتعاملين مشقة فى الانتقال إلى المكتب الواقع فى عاصمة المديرية لإجراء ما كان يتم فى المحاكم الجزئية أو الشرعية فى المراكز وامتنع عليها إجراؤه اعتباراص من تاريخ تنفيذ النظام الجديد ))  ([30].

المبحـث الثالـث

مراعاة الأوضاع التى قررها القانون

       81 ـ الاوضاع والاجراءات التى قررها قانون التوثيق ولائحته التنفيذية : لما كان التوثيق فى مصر ، فى الكثرة الغالبة منه ، تقوم به مكاتب التوثيق ، فنبسط هنا الأوضاع والإجراءات التى قررها قانون التوثيق ولائحته التنفيذية فى توثيق الأوراق الرسمية  ([31]) .

130 ويمكن تقسيم هذه الأوضاع والإجراءات إلى مرحل ثلاث :

       ( المرحلة الأولى ) مرحلة ما قل التوثيق : دفع الرسم والتثبت من أهلية المتعاقدين ورضائهم .

       ( المرحلة الثانية ) مرحلة التوثيق : ما يراعى فى كتابة الورقة الرسمية والشهود وتلاوة الورقة وتوقعها .

       ( المرحلة الثالثة ) مرحلة ما بعد التوثيق : حفظ الأصول وتسليم الصور .

       82 ـ مرحلة ما قبل التوثيق : لا يقوم الموثق بتوثيق ورقة رسمية إلا إذا دفع الرسم المستحق عنها ( م3 لائحة تنفيذية ) . فاذا ما دفع الرسم وجب على الموثق قبل إجراء التوثيق أن يتأكد من شخصية المتعاقدين بشهادة شاهدين بالغين عاقلين معروفين له ، أو أن تكون شخصيتهما ثابتة بمستند رسمى ( م 7 لائحة تنفيذية ) ، وذلك تحاشياً للتلاعب وتفادياً من وقوع التزوير ما أمكن ( المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية ) . ثم يجب بعد ذلك أن يتثبت من أهلية المتعاقدين ورضاهئهم . وله أن يطلب ـ إثباتاص لأهلية المتعاقدين ـ تقديم ما يؤيد تلك الأهلية من مستندات كشهادة ميلاد أو شهادة طبية أو أى مستند آخر ( م 5 لائحة تنفيذية ) . والمقصود بالأهلية هنا البلوغ والعقل وعدم وجود مانع قانونى لدى أحد المتعاقدين ، كأن يباشر وصى أو قيم التعاقد على مال قاصر أو محجور عليه بدون إذن فى ذلك من الجهة المختصة ( المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية ) . وإذا تم التعاقد بوكيل ، فعلى الموثق أن يتأكد من أن مضمون الورقة المطلوب توثيقها لا يجاوز حدود الوكالة ( م6 لائحة تنفيذية ) .

       فاذا اتضح للموثق عدم توافر الأهلية أو الرضاء لذى المتعاقدين ، أو إذا كانت الورقة الرسمية المطلوب توثيقها ظاهرة البطلان كما إذا كانت تثبت بيعاً على أرض موقوفة وقفاً خيرياً ، كان للموثق أن يرفض التوثيق وأن يعيد الورقة إلى ذوى الشأن بكتاب موصى عليه مع إبداء الأسباب ( م6 قانون التوثيق ) . ولا شك أن منح الموثق هذه السلطة من مقتضيات ما توخاه قانون التوثيق من ضبط المحررات ومراعاة صحتها والدقة فيها ، لما تتمتع به من خصائص ومميزات . ولا يتحقق ذلك إذا كانت وظيفة الموثق تنحصر فى تلقى إرادة ذوى الشأن ، دون التأكد منها 131 أو مراجعتهم فيها ( المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق ) . ولمن رفض توثيق ورقته أن يتظلم إلى قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائراتها فى خلال عشرة أيام من إبلاغ الرفض إليه . ويكون التظلم بعريضة يبين فيها أوجه تظمله . وله أن يطعن فى القرار الذى يصدره قاضى الأمور الوقتية أمام غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية . وقرار القاضى باجراء التوثيق أو رفضه وكذلك قرار غرفة المشورة فى هذا الشأن لايجوز حجية الأمر المقضى فى موضوع المحرر ( م 7 قانون التوثيق ) ([32]) .

       83 ـ مرحلة التوثيق : فاذا تم التثبت من أهلية ذوى الشأن ورضائهم على الوجه المبين فيما تقدم ، انتقل الموثق إلى توثيق الورقة الرسمية ذاتها . ويجب أن تكون مكتوبة بخط واضح غير مشتمل على إضافة أو تحشير أو كشط ، وذلك لإبعاد كل شبهة عن المحرر ، وإذا اقتضى الأمر إضافة أو حذفاً فيجب ذكر ذلك فى آخر المحرر موقعاً عليه من ذوى الشأن أو وكلائهم من المحامين ، ويكتفى الموثق بمراجعتها وتلاوتها والاستيقاع والتوقيع عليها كما سيأتى .

       أما البيانات التى تتضمنها الورقة فهى نوعان : ( أولا ) البانات الخاصة بموضوع الورقة ، أى البيانات الخاصة بالبيع أو الرهن أو الوكالة أو غير ذلك من التصرفات التى قصد إثباتها فى الورقة . ( ثانياً ) البيانات العامة التى يجب ذكرها في كل ورقة رسمية أياً كان موضوعها ، وهذه هى :

       (1) ذكر السنة والشهر واليـوم والسـاعة التـى تم فيهـا التوثيـق ويكـون ذلـك بالأحـرف (2) اسـم الموثـق ولقبه ووظيفته (3) بيان ما إذا كان التوثيق قد تم فـى

132 المكتب أو فى أى مكان آخر (4) أسماء الشهود ([33]) (5) أسماء أصحاب الشأن وأسماء آبائهم وأجدادهم لآبائهم وصناعاتهم ومحال ميلادهم وإقامتهم ، وأسماء وكلائهم ، ومن تقضى الحال بوجودهم للمعاونة فيما إذا كان أحد ذوى الشأن ضريراً أو ضعيف البصر أو أبكم أو أصم إذ يجب فى هذه الحالة على الموثق أن يتأكد من إستعانته بمعين يوقع المحرر معه ([34]) .

       ويجب أن تكون الورقة مكتوبة باللغة العربية . فاذا كان أحد المتعاقدين يجهل هذه اللغة أو لا يعرفها معرفة كافية ، استعان الموثق بمترجم يقدمه المتعاقدون ويكون محل ثقتهم . ويجب أن يوقع المترجم الورقة مع المتعاقدين والشهود والموثق ، ويجب ذكر اسمه من بين من تقضى الحال بوجودهم للمعاونة ([35])   .

       133 فاذا تم كل ذلك ، وجب على الموثق قبل توقيع ذوى الشأن على الورقة التى توثق أن يتلو عليهم الصيغة الكاملة للورقة ومرفقاتها ، وأن يبين لهم الأثر القانوني المترتب عليها دون أن يؤثر فى إرادتهم . فاذا كانت الورقة مكونة من عدة صفحات ، وجب عليه أن يرقم صفحاتها ([36]) .

       فاذا تمت التلاوة على هذا النحو ، وقع الموثق هو وأصحاب الشأن والشهود ـ وكذلك عند الاقتضاء المترجم ومن استعان به ذو الشأن إذا كان ضريراً أو ضعيف البصر أو أبكم أو أصم ـ الورقة صفحة صفحة وكذلك المرفقات ([37]) .

       84 ـ مرحلة ما بعد التوثيق : وأهم ما فى هذه المرحلة هو حفظ الأصول وتسليم الصور . فيحفظ بمكتب التوثيق أصول الأوراق الرسمية التى توثق على حسب أرقامها فى ملفات خاصة بكل سنة ( م18 اللائحة التنفيذية ) . ولا يجوز أن تنقل من مكاتب التوثيق هذه الأصول ولا الدفاتر أو الوثائق المتعلقة بها . على أنه يجوز للسلطات القضائية الاطلاع عليها . فاذا أصدرت سلطة قضائية قراراً بضم أصل ورقة رسمية موثقة إلى دعوى منظورة أمامها ، وجب أن ينتقل القاضى المنتدب إلى المكتب ويحرر بحضوره صورة مطابقة لأصل الورقة الرسمية ، ويعمل بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، ثم يضم الأصل إلى ملف النزاع ، وتقوم الصورة مقام الأصل لحين رده ( م10 اللائحة التنفيذية ) ([38]) . ويتولى المكتب غرسال صورة من كل ورقة رسمية تم 134 توثيقها إلى المكتب الرئيسى بالقاهرة لحفظنا فيه ( م20 اللائحة التنفيذية والمادة 2 بند 4 من قانون التوثيق ) .

       ولا تسلم صورة الورقة الرسمية التى تم توثيقها إلا لأصحاب الشأن . ولا تنسخ الصورة لتسليمها لأصحاب الشأن إلا بعد دفع الرسم . ويوضع على هذه الصورة رقم التوثيق وتاريخه وصيغة التسليم وتاريخها ، ويوقعها الموثق ، ويوضع عليها خاتم المكتب ، ويؤشر الموثق على أصل الورقة بالتسليم ويوقع هذا التأشير ( م 8 فقرة أولى من قانون التوثيق وم 19 اللائحة التنفيذية ) . ويجوز تسليم صورة من الورقة الرسمية للغير بعد الحصول على إذن من قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها ( م8 فقرة 2 من قانون التوثيق ) .

       وإذا كانت الورقة الرسمية واجبة التنفيذ ، وسلمت منها الصورة التنفيذية ، وضع مكتب التوثيق عليها الصيغة التنفيذية ( م 2 بند 3 قانون التوثيق ) . ثم لا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية إلا بقرار من قاضى الأمور المستعجلة ( م9 قانون التوثيق ) ([39]) .

135 المبحث الرابع

جزاء الاخلال بشرط من هذه الشروط

       85 ـ الجزاء هو البطلان : بينا فيما تقدم الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية . فاذا اختل شرط من هذه الشروط ، كانت الورقة الرسمية باطلة كورقة رسمية .

       ويترتب على ذلك أنه إذا كان الذى قام بتوثيق الورقة ليس موظفاً عاماً ، أو كان موظفاً عاماً ولكنه عند توثيقه للورقة كان قد عزل أو وقف عن عمله أو نقل أو حل محله أحد آخر لأى سبب ، فان الورقة التى وثقها فى جميع هذه الأحوال تكون باطلة . وقد قدمنا أن الموظف الفعلى (fonctionnaire de fait) إذا وثق ورقة رسمية كان توثيقه صحيحاً وفقاً لنظرية معروفة فى القانون الإدارى . وقدمنا كذلك أن الموظف العام إذا كان قد عزل أو وقف أو نقل ولم يكن يعلم بانقطاع ولايته وقت توثيق الورقة الرسمية ، وكان أصحاب الشأن غير عالمين أيضاً بذلك أى كانوا حسنى النية ، فان الورقة تكون صحيحة .

       ويترتب على ذلك أيضاً أن الموظف العام إذا لم تكن له سلطة فى التوثيق ، بأن كانت له مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة الموثقة ، أو ربطته بأصحاب الشأن أو بالشهود قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة ، أو وثق ورقة من نوع لا اختصاص له فيه ، فوثق مثلا حجة وقف كان الواجب أن يكون موثقها هو القاضي الشرعى أوكاتبه ، و وثق القاضى الشرعى عقد بيع أو نحو ذلك ، فان الورقة تكون باطلة فى جيمع هذه الأحوال . وقد رأينا فيما يتعلق برابطة القرابة أو المصاهرة أن الشهرة العامة قد يكون من شأنها تصحيح الورقة .

       ويترتب على ذلك أيضاً أن الموثق إذا قام بتوثيق الورقة فى غير دائرة اختصاصه المكانى ، أو فى غير مكتب التوثيق أو فى غير مواعيد العمل إلا لمانع يبرر انتقاله ، كانت الورقة باطلة ([40]) .

       136 ويترتب على ذلك أخيراً أن الأوضاع والإجراءات الواجب مراعاتها فى توثيق الورقة إذا لم تراع كانت الورقة باطلة . ولكن هنا يجب التمييز بين الأوضاع والإجراءات الجوهرية وتكون هى التى جزاؤها البطلان ، وبين الأوضاع والإجراءات غير الاجوهرية ولا يترتب البطلان عليها . ويعتبر من الأوضاع والإجراءات الجوهرية البيانات العامة الواجب ذكرها فى الورقة الرسمية ـ تاريخ التوثيق واسم الموثق وأسماء أصحاب الشأن والشهود ([41]) ـ وكذلك حضور الشاهدين وقت توثيق الورقة ، وحضور المترجم عند الاقتضاء وحضور المعين بالنسبة إلى المصاب باحدى العاهات الثلاث ، وكون التوثيق باللغة العربية ، وإثبات أن الورقة الرسمية قد تليت وأن الأثر القانونى للورقة قد بين لأصحاب الشأن ([42]) ، والتوقيعات التى نص عليها ([43]) . ولا يعتبر جوهرياً ، فلا يترتب عليه البطلان ، عدم دفع الرسم ([44]) ، وعدم تثبت الموثق من شخصية المتعاقدين عن طريق شاهدين أو عن طريق مستند رسمى ([45]) ومجاوزة الورقة لحدود الوكالة إذا كان التعاقد بوكيل ([46]) ، وترقيم الصفحات صفحة صفحة ([47]) ، والإضافة والتحشير والكشط ([48]) .

       76 ـ ما يترتب على البطلان : قلنا إذا اختل شرط من شروط صحة الورقة الرسمية ترتب على ذلك بطلان الورقة ، فما الذى يترتب على هذا البطلان ؟

        الأصـل أن الورقـة الرسميـة إذا كانـت باطلـة تكـون جميـع أجزائهـا باطلـة ،

137 فلا يبطل جزء ويصح جزء . فاذا كان للموثق مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة مثلا ، فان الورقة تكون كلها باطلة ولا يقتصر البطلان على الجزء الذى يثبت للموثق فيه هذه المصلحة الشخصية المباشرة . وإذا لم يوقع أحد الشهود على الورقة ، أو لم يوقع المترجم أو المعين ، ومن باب أولى إذا لم يوقع الموثق أو أحد أصحاب الشأن ، كانت الورقة كلها باطلة حى تاريخها ، مع أن التاريخ لم يقع فيه بطلان . ومن ثم لا يعتبر التاريخ ثابتاً ، بل يكون تاريخاً عرفياً لا حجية فيه على الغير .

       على أنه يجب التمييز بين الورقة التى تثبت التصرف القانونى والتصرف القانونى ذاته . فاذا كانت الورقة باطلة ، فلا يستدعى ذلك حتما أن يكون التصرف القانونى باطلا . بل يبقى هذا التصرف قائماً وإن كان إثباته عن طريق الورقة الرسمية قد انعدم . وقد يصح إثباته عن طريق آخر غير الكتابة ، بل قد يصح إثباته بالورقة الرسمية الباطلة ذاتها إذا صحت كورقة عرفية على النحو الذى سنبينه فيما يلى . ويستثنى مما قدمناه الفرض الذى يكون فيه التصرف القانوني شكلياً ، أى يجب لانعقاده أن يكتب فى ورقة رسمية كالهبة والرهن الرسمى ، فعندئذ تصبح الورقة الرسمية ركناً فى التصرف ، فاذا كانت باطلة بطل التصرف ذاته ([49]) .

وكذلك الأمر فيما إذا اتفق المتعاقدان على أن يكون تعاقدهما بورقة رسمية إذا ما قد قصدا أن تكون الرسمية ركناً فى العقد .

       وقد يقع ان الورقة الرسمية يكون ظاهرها الصحة ، ثم يطعن بالتزوير فى جزء من أجزائها ، ويتبين من إجراءات الطعن أن هذا الجزء مزور ، فهل ينبنى على ذلك أن تصبح الورقة الرسمية كلها باطلة كورقة رسمية ؟ مثل ذلك أن يذكر الموثق فى الورقة الرسمية أن المشترى دفع الثمن أمامه للبائع ، ويتبين بعد الطعن بالتزوير فى هذه العبارة أن المشترى لم يدفع شيئاً أمام الموثق . ومثل ذلك أيضاً 138 أن يطعن بالتزوير فى تاريخ الورقة أو فى توقيعات بعض الشهود أو بعض ذوى الشأن ، ويتبين من إجراءات الطعن بالتزوير أن هذه الاجزاء فعلا مزورة . نرى في مثل هذه الأحوال التمييز بين ما إذا كان الجزء من الورقة الذى ثبت تزويره جوهرياً لصحة الورقة الرسمية فتكون الورقة باطلة فى جميع أجزائها ، وبين ما إذا كان هذا الجزء غير جوهرى فتبقى الأجزاء الأخرى للورقة الرسمية صحيحة ، ففى المثلين المتقدمين ، إذا ثبت تزوير العبارة التى تثبت أن المشترى دفع الثمن للبائع فان هذا الجزء وحده هو الذى يفقد قوته فى الإثبات وتبقى سائر أجزاء الورقة الرسمية صحيحة محتفظة بقوتها فى الإثبات ، أما إذا ثبت أن تاريخ الورقة أو توقيع أحد الشهود أو أحد أصحاب الشأن مزور فان هذا الجزء الذى ثبت تزويره جوهرى لصحة الورقة الرسمية ومن ثم يكون الورقة باطلة فى جميع أجزائها .

       87 ـ قيمة الورقة الرسمية الباطلة : قدمنا أن الفقرة الثانية من المادة 390 تقضى بأن الورقة إذا لم تكسب صفة الرسمية فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعهوها بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصباعهم .

       والورقة لا تكسب صفة الرسمية إذا كانت باطلة لسبب من الأسباب التى قدمناها . يستوى فى ذلك ورقة لم يوقعها الموثق ، وورقة وقعها موثق مسلوب الولاية ، وورقة وقعها موثق غير مختص موضوعاص بتوثقها ، وهذه حالات يمكن القول أن الورقة فيها تكون منعدمة كورقة رسمية . ويستوى فى ذلك أيضاً ورقة وثقها موثق ثبتت له الولاية والاختصاص الموضوعى ولكن نقصه الاختصاص المكانى ، وورقة اختل فيها إجراء جوهرى كما إذا شهد عليها شاهد واحد لا شاهدان ، وهذه حالات لا يمكن القول أن الورقة فيها تكون منعدمة ولكنها تكون قطعاً باطلة كورقة رسمية . لم يفرق التقينين المصرى الجديد بين هذيه الفرضين ـ فرض انعدام الورقة كورقة رسمية وفرض بطلانها ـ ففيهما معاً لا تكسب الورقة صفة الرسمية ، ومن ثم لا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من أصحاب الشأن . وهذا حكم بديهى فى القانون المصرى ، فان الورقة فى الاحوال التى قدمناها ، إذا كانت قد فقدت شرطاً 139 من شروط الصحة لقيامها كورقة رسمية ، فانها مع ذلك قد استوفت شروط الورقة العرفية . فهى ورقة مكتوبة وقعها من صدرت منه ، والتوقيع وحده كاف لصحة الورقة العرفية فى التقنين المصرى ومن ثم تكون لها حجية الورقة العرفية ، فتعتبر صادرة ممن وقعها ما لم يطعن فيها بالإنكار ( م 394 مدنى ) ([50]) . وهذا ضرب من ضروب التحول (conversion) شبيه بتحول التصرف الباطل إلى تصرف آخر صحيح توافرت فيه أركانه وشروط صحته ( م 144 مدنى ) ، فالورقة الرسمية الباطلة قد تحولت هنا إلى ورقة عرفية صحيحة لتوافر شروط صحة الورقة العرفية فيها . ولكن لا يكون تاريخها تاريخاً ثابتاُ كما قدمنا .

       هذا الحكم البديهى لم يكن فى حاجة إلى نص ، فما هو إلا تطبيق للقواعد العامة . ويقطع فى ذلك أن التقنيـن القديـم لم يكـن يتضمـن نصـاً فـى هـذا المعـنى ، ومـع ذلك فقـد كـان الحكـم فيـه هـو عيـن الحكـم الذى قدمنـاه  ([51]) . ومـا كنـا لنسهـب

140 فى هذه المسألة لولا أن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهدى للتقنين المدنى الجيد أوردت عبارات يفهم منها وجوب إعمال نوع من التمييز بين الورقة الرسمية المنعدمة ـ حيث يكون الموظف العام غير مختص موضوعاً أو حيث تكون له مصثلحة شخصية مباشرة أوحيث يكون قد أغفل التوقيع على الورقة أو نحو ذلك ـ وفى هذه الحال تبطل الورقة كورقة رسمية ثم لا تكون لها قيمة الورقة العرفية ، وبين الورقة الرسمية الباطلة ـ إذا لم يكن للموثق مثلا اختصاص فى توثيقها من حيث المكان ـ وفي هذه الحالة تبطل الورقة كذلك كورقة رسمية ولكن تكون لها قيمة الورقة العرفية ([52])  .

       وهذا التمييز يقوم حقاً في التقنين املدنى الفرنسى . والسبب في ذلك أن هذا التقنين لا يكتفي في صحة الورقة العرفية أن تكون موقعة من أصحاب الشأن ، ب يشرط فوق ذلك ، كما سنرى ، تعدد النسخ الأصلية في العقوج الملزمة للجانبين وكتابة كل الإلتزام بالحروف لا بالأرقام مع اعتماد المدين لها بخصه في القود الملزمة لجانب واحد . فإذا كانت الورقة الرسمية الموقع عليها من أصحاب الشأن باطلة ، لم يكن التوقيع عليها وحده كافياً لإعتبارها بمنزلة الورقة العرفيـة ، 141 إذ ينقصها شرط آخر هو تعدد النسخ أو اعتماد المدين . ومن ثم كان جعل مثل هذه الورقة الرسمية الباطلة بمنزلة الورقة العرفية لا بد فيه من نص هو الذي ينشئ لها هذه القيمة . وقد وجد فعلا هذا النص في التقنين المدني الفرنسي في المادة 1318 على النحو الآتي : (( الورقة التي لا تكسب صفة الرسمية بسبب عدم اختصاص الموظف العام أو بسبب عدم أهليته أو بسبب عيب في الشكل تكون لها قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من ذوى الشأن )) ([53]) . ولما كان هذا النص منشئاً ، فهو الذي يضفى على الورقة الرسمية الباطلة قيمة الورقة العرفية ، ولولاه لما كانت لها هذه القيمة من تلقاء نفسها ، فقد عمد الفقه الفرنسي إلى عدم التوسع في تفسيره ، وميز بين ورقة رسمية منعدمة([54]) ، حيث لا يكون للورقة وجود أصلا فلا تصلح أن تكون ورقة عرفية([55]) ، وبين ورقة رسمية باطلة([56]) حيث توجد وتكون لها قيمة الورقة العرفية ، ولو أن شرط تعدد النسخ أو إعتماد المدين ينقصها ، وذلك بفضل نص المادة 1318 الذى أنشأ لها هذه القيمة .

       هذا التمييز هو إذن مستساغ في التقنين الفرنسي . ولكنه غير مستساغ في التقنين المصري . فقد قدمنا أن الورقة العرفية في هذا التقنين لا يشترط في صحتها إلا توقيع أصحاب الشأن ، دون حاجة إلى تعدد النسخ أو إلى إعتماد المدين . فمتى وجد هذا التوقيع على الورقة الرسمية الباطلة ، أيا كن سبب بطلانها ، ولو 142 كانت ورقة رسمية منعدمة ، فقد إستوفت شرط صحة الورقة العرفية وصار لها قيمتها ، لا بفضل نص منشئ كما في التقنين الفرنسي ، بل بفضل تطبيق القواعد العامة ، وليست الفقرة الثانية من المادة 390 إلا كاشفة عن هذا التطبيق ولم تكن هناك حاجة إليها كما سبق القول . فمن أين إذن أتت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى بهذا التمييز ؟ .

       الواقع من الأمر أنه هذا تمييز لا يستقيم في التقنين المصرى . والمذكرة الإيضاحية في القول به جد خاطئة . والسبب في هذا الخطأ أن مشروعاً أولياً للتقنين المصرى في الإثبات كان يحوى شروطاً للورقة العرفية هى نفس شروط التقنين الفرنسى . ومن ثم كان التمييز مستساغاً في هذا المشروع الأولى كما هو مستساغ في التقنين الفرنسي وقد كتبت المذكرة الإيضاحية للمشروع الأولى على هذا الأساس . ثم عدل المشروع الأولى ، ورجع المشروع التمهيدى للتقنين المصرى إلى الاكتفاء بتوقيع المدين لصحة الورقة العرفية وأغفل الشرط الآخر ، فلم يعد التمييز مستساغاً في هذا الوضع . ولكنه بقى مع ذلك بارزاً في المذكرة الإيضاحية التى أدمجت كما هى في مجموعة الأعمال التحضيرية ، وكان ذلك سهواً ، إذ كان من الواجب حذف هذا التمييز بعد تعديل المشروع الأولى على الوجه الذى أشرنا إليه([57]) .


([1]) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 527 من المشروع التمهدى على الوجه الآتى :

(( 1 ـ الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام ، طبقاً للأوضاع القانونية ، وفى حدود سلطته واختصاصه ، ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن .  2 ـ فاذا لم تستوف هذه الورقة الشروط الورادة فى الفقرة السابقة ، فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية ، بشرط أن يكون قد وقع عليها ذوو الشأن جميعاً باضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم )) . وفى لجنة المراجعة حور النص تحويراً لفظياً فجاء على وجه مطابق لما ورد فى التقنين الجديد ، وأصبح المادة 403 من المشروع  النهائى . ووافق عليه مجلس النواب تحت رقم 403 . وكذلك فعلت لجنة مجلس الشيوخ ومجلس الشيوخ تحت رقم 390 ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 351 ـ ص 354 ) .

       وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى صدد هذا النص ما يأتى : (( … ويراعى أن الورقة الرسمية لا تكون على الدوام من صنع المتعاقدين أنفسهم ، فقد يتولى الموظف العام تحريرها وتوثيقها دون أن يقتصر عمله على تلقيها . وقد عرضت المادة 1905 من التقنين الهولندى والمادة 2422 من التقنين البرتغالى والمادة 1207 من التقنين الكندى لهذا التفصيل . بيد أن المشروع لم ير محلا لإيراده . وتناول الفرة الأولى من المادة 527 بيان الشرطين الواجب توافرهما فى الورقة الرسمية . ويراعى أن هذين الشرطين هما قوام ما شرع القانون من ضمانات هى مرجع ما يتوافر لتلك الورقة من حجية بالغة فى الإثبات ، وعلة إيكال أمرها إلى موظف عام يثبت له القانون سلطة واختصاصاً فى هذا الشأن ، سواء من الناحية النوعية أم من الناحية المكانية ….. ولما كان صحة الدليل غير منفكة عن صحة التصرف نفسه أن اشترط للرضا فيه شكل خاص ، فغنى البيان أن هذه الفقرة لا تنطبق على التصرفات التى تشترط فيها الرسمية بوصفها ركناً من أركان الشكل )) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 352 ـ 353 ) .

([2]) كانت المادة 226/291 من التقنين المدنى القديم تنص على ما يأتى : (( المحررات الرسمية ، أى التى تحررت بمعرفة المأمورين المختصين بذلك ، تكون حجة على أى شخص ما لم يحصل الادعاء بتزوير ما هو مدون بها بمعرفة المأمور المحرر لها )) . وقد جمع هذا النص بين شروط الورقة الرسمية وحجيتها فى الإثبات . فجاء قاصراً فى الناحيتين : (1) فمن ناحية الشروط ، جاء النص قاصراً من حيث إنه أغفل شرط وجوب مراعاة الأوضاع المقررة قانوناً ، ومن حيث إنه لم يبين أن اختصاص الموظف العام هو اختصاص نوعى ( وهذا ما عبر عنه التقنين الجديد بالسلطة ) واختصاص مكانى ، بل أطلق لفظ (( المختصين )) على كلا النوعين من الاختصاص . (2) ومن ناحية الحجية فى الإثبات ، لم يميز النص ـ كما ميزت المادة 391 من التقنين المدنى الجديد ـ بين ما يكون حجة إلى حد الطعن بالتزوير وما يجوز دحضه باثبات عكسه . وسيأتى بيان ذلك فيما يلى .

([3]) التقنينات المدنية العربية الأخرى ـ قانون البينات السورى م 5 : 1 ـ الأسناد الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ، طبقاً للأوضاع القانونية ، وفى حدود سلطته واختصاصه ، ما تم على يديه أو ما تلقاه من أولى الشأن . 2 ـ فاذا لم تستوف هذه الأسناد الشروط الواردة فى الفقرة السابقة ، فلا يكون لها إلا قيمة الاسناد العادية ، بشرط أن يكون ذوو الشأن قد وقعوا عليها بتواقيعهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم .

       التقنين المدنى العراقى م 450 : ( 1 ـ السندات الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو تلقاه من ذوى الشأن ، وذلك طبقاً للأوضاع القانونية وفى حدود سطلته واختصاصه . 2 ـ فاذا لم يكتسب السند صفة رسمية ، فلا يكون له إلا قيمة السند العادى متى كان ذوو الشأن قد وقعوه بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم )) .

       تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى : م 154 : (( السند الرسمى هو مخطوطة ثبوتية صادة عن مأمور رسمى ذى صلاحية ، وموضوعة وفاقاً للقواعد المقررة . أما إطلاق الصفة الرسمية على السند أو عدم إطلاقها عليه فيخضع لقانون المحل الذى أنشىء فيه السند )) ـ م 155 : (( إن السند الرسمى ، يعد كسند ذى توقيع خاص إذا كان محتوياً على تواقيع جميع المتعاقدين ذوى الشأن وإن لم تراع فيه القواعد المنصوص عليها فى المادتين 146 و 147 .

       التقنين المدنى للملكة الليبية المتحدة م 377 : (( 1 ـ الورقة الرسمية هى التي يثبت فيها موظف أو شخص مكلف بخدمة عامة ماتم علىيديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن ، وذلك طبقاً للأوضاع القانونية وفي حدود سلطته واخصاصه 2 ـ فاذا لم تكسب هذه الورقة صفة الرسمية ، فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعوها بامضاءاتهم أو ببصمات أصباعهم . وينبغى لإثبات صحة بصمة الأصبع أن توضع بحور شاهدين يوقعان على الورقة )) .

       ويلاحظ أن نصوص التقنينات المدنيةالعربية تكاد تكون متفقة ، حتى في اللفظ ، مع نص التقنين المدني المصرى . فأحكامها جميعاً واحدة . إلا أن التقنين اللبناني ، وهو يشترط في المادتين 146 و 147 تعدد النسخ الأصلية في العقود الملزمة لجانب واحد على غرار التقنين المدني الفرنسي ، يميز تبعاً لذلك في السند الرسمى الباطل ما إذا كان البطلان راجعاً لوجود عيب في الشكل أو لانعدام الاختصاص المكانى فيصلح سنداً عرفياً إذا كان موقعا عليه ، أو كان البطلان راجعاً لغير ذلك من الأسباب فلا يصلح سنداً عرفياً . وسيأتى تفصيل ذلك في مكانه . كما يلاحظ أن التقنين الليبى يشترط لإثبات صحة بصمة الأصبع أن توضع بحضور شاهدين يوقعان على الورقة ، ويشترط هذا الشرط فى الورقة الرسمية ، دون الورقة العرفية ( انظر المادة 381 ليبى ) . ثم ان التقنين الليبي لا يعتد بالختم كما تعتد به التقنينات العربية الأخرى .

([4]) التقنين المدني الفرنسى م 1317 : (( الورقة الرسمية هى التى تلقاها ، وفقاً للأوضاع الشكلية المطلوبة ، موظف عام له حق التوثيق في لجهة التى كتبت فيها الورقة )) . م 1318 : (( الورقة التى لم تكسب صفة الرسمية بسبب عدم اختصاص الموظف العام أو عدم أهليته أو لعيب في الشكل ، تكون لها قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من الطرفين )) .

       وهذه هى نصوص التقنين المدنى الفرنس فى أصلها الفرنسى :

Art. 1317 :  l’acte authentique est celui qui a ete recu par officiers publics ayant le droit d’instrumenter dans le lieu ou l’acte a ete redige, avec les solennites requises. Art. 1318:  L’acte aui n’est point authentique par l’incompetence ou l’incapacite de l’offcier , ou par un defaut de form  vaut comme ecriture privee, s’il a ete signe des partie.                           

( م 8 ـ الوسيط جـ 2 )                                                                                  

([5]) جاء فى الموجز للمؤلف ما يأتي : (( ونلاحظ من الآن أن هناك فرقاً بين الورقة الرسمية ، وهى الورقة التى تتوافر فيها الشروط الثلاثة المتقدمة ، والورقة المسجلة ، وهي ورقة أعلنت للناس من طريق حفظها في سجل خاص وإعطاء صور منها لمن يريد الاطلاع عليها طبقاً للأوضاع المقررة . وينبغى ألا نخلط الرسمية بالتسجيل . فالرسمية لاستيفاء الشكل أو للزيادة في قوة الإثبات . أما التسجيل فللإعلان والشهر . وقد تكون هناك ورقة رسمية غير مسجلة كتوكيل رسمى ، كما قد تكون هناك ورقة عرفية مسجلة كعقد بيع عرفي مسجل . والرسمية لا تغنى عن التسجيل ، فاذا كتب عقد البيع فى ورقة رسمية ، فلا بد من تسجيله أيضا حتى ينقل الملكية )) . ( الموجز ص 656 هامش رقم 1 ) .

([6]) وتضيف الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد إلى هذه الشروط شرطين آخرين : (1) أن يكون الموظف العام ، وهو يكتب الورقة الرسمية ، له حق مباشرة وظيفته ، فلا يجوز أن يكون معزولا أو موقوفا أو أن يكون قد حل أحد محله . وهذا الشرط مفهوم بداهة من (( صفة الموظف العام )) . (ب) أن يكون الموظف العام أهلا ، ويكون غير أهل إذا كانت له مصلحة شخصية في الورقة . وهذا أيضا شرط مفهوم ضمنا ويدخل في شروط (( الموظف العام )) ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1437 ص 869 ) .

([7]) أى حال تعدد جهات التوثيق . وتقول المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق تمهيداً لهذه الإشارة ما يأتى : (( ولم يغب عن المشرع المصرى ما للتوثيق من عظيم الأثر في تثبيت المعاملات ، فقد نص فى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة فى سنة 1880 على توثيق جميع الإشهادات كما نص على ذلك فى اللوائح التالية التى صدرت في سنى 1897 و 1910 و1931 . ولما أنشئت المحاكم المختلطة نص فى المادة 33 من لائحة ترتيبها على أن التعهدات والهبات وعقود إنشاء الرهن والعقود الناقلة للملك التى تتم أمام كاتب المحكمة الابتدائية يكون لها قوة العقود الرسمية . وأنه وإن كان التوثيق لم ينص عليه بلفظ فى هذه اللائحة ، فانه قد وضعت لتنظيم إجراءاته تعليمات لأقلام الكتاب صدر بها أمر عال فى فبراير سنة 1876 . وجرى العمل على أن يقوم بالتوثيق أحد كتاب المحكمة . وعند إنشاء المحاكم الوطنية نص فى المادة 47 من لائحة ترتيبها على أن كتاب المحاكم الابتدائية يجب عليهم تحرير جميع العقود وأن العقود التى يحررونها تكون فى قوة العقود الرسمية . ولكن هذا النص لم يجربه العمل فى الواقع إذا استثنينا ما كان من قبول الإقرارات الرسمية فى بعض حالات . وإذ كانت هذه الحال لم تعد موافقة لظروف العصر … )) .

([8]) وقد نصت المادة ب11 من قانون التوثيق على أن (( تلغى أقلام التوثيق بالمحاكم الوطنية والمختلطة ، ويحال إلى مكاتب التوثيق جميع أصول العقود الموثقة والوثائق والدفاتر المعلقة بها )) . أما التوثيق فى المحاكم الشرعية فلا يزال باقياً فى نطاق ضيق كما سيأتى . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق فى هذا الصدد : (( وتنص المادة الثانية عشرة ( وصحتها الحادية عشرة ) على إلغاء أقلام التوثيق بالمحاكم الوطنية والمختلطة . ولما كان المشروع قد احتفظ بالمحاكم الشرعية كجهة توثيق فى الحالات المعينة التى سبقت الإشارة إليها فى المادة الرابعة ، فقد اكتفى بأن يلغى من أقلام التوثيق من هذه المحاكم كل ما يدخل ضمن اختصاص مكاتب التوثيق الجديدة ، بهذا يمتنع على أقلام كتاب المحاكم الشرعية توثيق أى محرر لا يدخل فى نطاق المسائل التى استبقيت لها فى هذا المشروع . وتنص المادة المذكورة على إلغاء أقلام التوثيق وإحالة أصول العقود الموثقة والوثائق والدفاتر المتعلقة بها إلى مكاتب التوثيق الجديدة ، ومن المفهوم بالبداهة أن إجراء موجب الإلغاء وتنظيم ما يتعلق

به موكول إلى وزير العدل )) .

([9]) على أنه فيما يتعلق بالوقف وما يلحق به من تحكير فمها لا نزاع فيه أن ما كان منه ذا صفة مدنية كإجارة الوقف يوثق أمام المكاتب الجديدة ( المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق ) . وغنى عن البيان أن اختصاص المحاكم الشرعية فى توثيق المحررات المتعلقة بالوقف قد قلت أهميته كثيراً بالغاء الوقف الأهلى ، ولم يبقى الآن إلا الوقف الخيرى تباشر فيه هذه المحاكم اختصاصها التوثيقى .

([10]) وأهمها الإقرار بالنسب ونفيه . أما الزواج والطلاق وما يتعلق بهما فيوثق محرراتها المأذون الشرعى وهو تابع للمحكمة الشرعية .

([11]) وتقول المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق فى هذا الصدد ما يأتى : (( وقد كان مقتضى توحيد جهات التوثيق أن تكون مكاتب التوثيق الجديدة هى التى تتولى توثيق جميع المحررات أياً كانت . إلا أنه لاعتبارات خاصة بالمحاكم الشرعية قد احتفظ المشروع بهذه المحاكم كجهة توثيق فى نطاق ضيق ، فنصت المادة ( الثالثة ) على إخراج المحررات المتعلقة بالوقف أو بمواد الأحوال الشخصية من اختصاص مكاتب التوثيق ، وبذلك يستمر توثيقها فى المحاكم الشرعية . والمقصود بالأحوال الشخصية فى هذا المقام هو مسائل الزواج والطلاق وما يتعلق بمهما والإقرار بالنسب ونفيه … )) ثم تقول المذكرة الإيضاحية بعد ذلك : (( وأخيراً فان هذا المشروع وإن كان لم يوحد جهات التوثيق توحيداً كلياً للاعتبارات التى سبق بيانها ، إلا أنه قد خطا خطوة كبيرة فى سبيل هذا التوحيد ، وحقق بذلك أمنية طالما جالت فى الخواطر )) .

([12]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق فى هذا الصدد ما يأتى : (( وتقضى المادة المذكورة (الثالثة) بأن هذه المكاتب توثق المحررات المتعلقة بمواد الأحوال الشخصية بالنسبة إلى غير المسلمين . إلا إنه بالنسبة إلى الأجانب يكون لهم الخيار فى توثيق محرراتهم المتعلقة بأحوالهم الشخصية لدى مكاتب التوثيق أو لدى جهاتهم القنصلية تطبيقاً لقواعد القانون الدولى الخاص )) .

       ويلاحظ أن توثيق الأوراق الرسمية المتعلقة بالأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين فى مكاتب التوثيق لا يتعارض مع ما تستوجبه قوانين أحوالهم الشخصية من شروط أخرى لصحة تصرفاتهم فى هذه المسائل ، فتدخل الكنيسة فى عقود الزواج وعدم إباحة الطلاق أو إباحته فى حدود ضيقة يبقى معمولا به ، ولا يجوز الاكتفاء بتحرير ورقة رسمية فى مكتب التوثيق بزواج أو طلاق حتى يصح هذا أو ذاك ( انظر الدكتور سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 46 هامش رقم 3 ) .

([13]) ونظام الموثقين (notariat) نظام فرنسى محض . أعيد تنظيمه فى عهد الثورة بقانون 15 فانتوس السنة التاسعة . ولا يزال هذا القانون معمولا به حتى اليوم ، وإن كان قد عدل بقوانين 21 يونية سنة 1843 و12 أغسطس سنة 1912 و21 فبراير سنة 1926 . ومهنة التوثيق فى فرنسا مهنة منظمة تنظيماً دقيقاً وتخضع لرقابة شديدة .

       واختصاص الموثق (notaire) الموضوعى اختصاص عام شامل . فهو وحده الذى يوثق العقود والتصرفات ما بين الأفراد . وقل أن يوثق هذه العقود والتصرفات غيره ، فقد يقع أن يسجل اتفاق ما بين خصمين أمام المحكمة فى محضر الجلسة أو يصطلح خصمان أمام قاضى المصالحات (juge de paix) فيسجل هذا الصلح فى محضره ، ولكن هذا نادر . وتنعدم أهلية الموثق إذا وقف عن عمله أو حل غيره محله . كذلك تنعدم أهليته إذا وثق ورقة له فيها مصلحة شخصية ، هو أو أحد أقاربه أو أصهاره فرعاً وأصلا ، والحواشى للدرجة الثالثة . أما الاختصاص المكانى فيتسع ويضيق بحسب الأحوال ، فمن الموثقين من يتناول اختصاصه دائرة محكمة من محاكم الاستئناف ، ومنهم من يتناول اخصاصه دائرة محكمة ابتدائية (arrondissement) ، ومنهم من يتناول اختصاصه دائرة إحدى محاكم الصلح (canton) .

       ويوثق الموثق الورقة من أصل (minute) وصور (copies) ، ويحتفظ بالأصل ويسلم الصور إلى أصحاب الشأن . وهناك نوعان من الصور : الصورة التنفيذية (gosse) وتوضع عليها الصيغة التنفيذية وتسلم للطرف الذى له مصلحة فى التنفيذ ، والصورة الأصلية (expedition) ولا توضع عليها الصيغة التنفيذية وتسلم لكل ذى شأن وهناك أوراق محدودة الأهمية ، كالتوكيلات والمخالصات بالأجرة ، وتحرر من أصل (brevet) دون صور ، وسلم الأصل لصاحب الشأن .

       وجميع الأوراق الموثقة يجب تسجليها فى خلال مدة قصيرة ( 10 أيام أو 15 يوماً ) حتى يمتنع على الموثق تقديم تاريخها ، فتاريخ الورقة الموثقة ـ لا تاريخ التسجيل ـ هو التاريخ الثابت الرسمى . ولكن يعاقب الموثق الذى لا يقوم بتسجيل الورقة ، وعقوبته الغرامة .

       وللموثقين أتعاب يتقاضونها مباشرة من عملائهم ، وتحددها المراسيم .

       ( أنظر في نظام التوثيق فى فرنسا بودرى وبارد 3 فقرة 2112 ـ فقرة 2258 ص 464 ـ ص 661 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1438 ـ فقرة 1448 ص 870 ـ ص 885 ) .

([14]) وإذا اعترض على هذا التفسير بأن النص ذكر ، إلى جانب (( السلطة )) لفظ ((الاختصاص)) مطلقا فيشمل كلا من الاختصاص الموضوعى والاختصاص المكانى ، كان ردنا أن إيراد النص للفظ (( السلطة )) متقدما على لفظ ((الاختصاص)) يقتضى أن يكون لكل لفظ معناه ، وسلطة الموثق فى التوثيق لا تقتصر على ولايته فحسب بل تشمل أيضا مدى هذه الولاية من حيث نوع الأوراق التى يوثقها ، فهو مسلط على توثيق أوراق رسمية معينة . ومن ثم فقد آثرنا أن ندخل الاختصاص الموضوعى للموثق تحت لفظ (( السلطة )) ، ونجعل لفظ (( الاختصاص )) مقصوراً على الاختصاص المكانى .

([15]) قارن الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات فقرة 105 ـ والدكتور سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 41 .

([16]) وحتى يستطيع الموثق مباشرة ولايته فى التوثيق ، يجب عند تعيينه وقبل مباشرة أعماله أن يحلف اليمين على الوجه المبين فى المادة 2 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق .

([17]) أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 156 .

([18]) أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 156 هامش رقم 7 ـ بوردى وبارد 3 فقرة 2070 ص 432 وفقرة 2107 ص 462 .

([19]) أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 157 ـ بودرى وبارد 3 فقرة 2073 ص 434 .

([20]) نستعمل لفظ (( الأهلية )) هنا مسايرة للتعبير الدارج ، وإلا فقد قدمنا فى الجزء الأول من هذا الوسيط ( فقرة 147 ) أن الأهلية بالمعنى الصحيح مناطها التمييز ، أما ما سنذكره هنا فليس إلا موانع قانونية تمنع الموثق من توثيق ورقة رسمية معينة بالذات .

([21]) كما لا يجوز له أن يوثق أوراقا رسمية لشركة مساهمة يحمل عدداً كبيراً من أسهمها ، ولا أن يكون كفيلا أو وكيلا لأحد ذوى الشأن فى الورقة التى يوثقها ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1440 ) .

([22]) وقد يتم التعاقد بوكيل ، وتنص المادة السادسة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أنه ((إذا تم التعاقد بوكيل ، فعلى الموثق أن يتأكد من أن مضمون المحرر المطلوب توثيقه لا يجاوز حدود الوكالة )) . ولكن يصح أن يكون الوكيل ممن تربطه بالموثق صلة القرابة أو المصاهرة ، ولو للدرجة الرابعة ، ولا تكون الورقة الرسمية باطلة لهذا السبب . ويختلف هذا الوضع عن الوضع الذى يكون فيه الموثق نفسه وكيلا عن أحد ذوى الشأن ، فقد قدمنا أن الورقة الرسمية تكون باطلة فى هذه الحالة لوجود مصلحة شخصية للموثق . وغنى عن البيان أن الورقة لا تكون باطلة إذا ربط الوكيل بأصحاب الشأن رابطة قرابة أو مصاهرة ولو للدرجة الرابعة .

([23]) وتقضى الفقرة الثانية من المادة الثامنة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق بجواز الاكتفاء بالشاهدين اللذين يعرفان شخصية أصحاب الشأن ( أنظر المادة السابعة من اللائحة وسيأتى ذكرها ) ، فيكونان شاهدى معرفة وفى الوقت ذاته شاهدين فى الورقة الرسمية ، متى توافرت فيهما الشروط المبينة فى الفقرة الأولى من المادة الثامنة. وبديهى أن من هذه الشروط انتفاء صلة القرابة أو المصاهرة . وينبنى على ذلك أن شاهدى المعرفة ، وإن كانا فى الأصل لا يشترط فيهما انتفاء صلة القرابة أو المصاهرة ، لكن إذا كانا فى الوقت ذاته شاهدى الورقة الرسمية فإن انتفاء صلة القرابة أو المصاهرة لغاية الدرجة الرابعة يصبح عندئذ شرطا فيهما .

       هذا وجزاء عدم أهلية الشهود بطلان الورقة الرسيمة ، ما لم يصححها المبدأ القاضى بأن الغلط الشائع ينشئ الحقوق (error communis facit jus) ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1445 ص 880 ـ ص 881 ) .

([24]) انظر المادة الثانية من قانون التوثيق . ويختص الموثق أيضا ، بمقتضى هذه المادة ، فى غير التوثيق ، بما يأتى : (1) التصديق على توقيعات ذوى الشأن فى المحررات العرفية (2) إثبات تاريخ المحررات العرفية (3) إعطاء الشهادات بحصول التصديق على التوقيعات أو إثبات التاريخ فى المحررات العرفية .

([25]) انظر المادة 13 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق ـ وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق ، فى شأن تقييد الاختصاص المكانى لمكاتب التوثيق دون أصحاب الشأن ، ما يأتى : (( ولابد من التنبيه هنا إلى أنه لم يرد بتحديد اختصاص كل مكتب إجبار ذى الشأن على أن يتقدم بمحرره إلى مكتب بعينه ، بل إن له أن يتقدم به إلى أى مكتب يشاء لتوثيقه . وإنما أريد من هذا التحديد منع الموثق فى أحد المكاتب من أن يباشر مأمورية التوثيق خارج دائرة اختصاص هذا المكتب )) .

([26]) أنظر المادة الأولى من قانون التوثيق .

([27]) وقد أنشئ ، بمقتضى المادة الأولى من القرار الوزارى المشار إليه ، مكاتب للتوثيق فى العواصم الآتية : أسوان ـ الأقصر ـ سوهاج ـ أسيوط ـ المنيا ـ الفيوم ـ بنى سويف ـ الجيزة ـ القاهرة ـ بنها ـ شبين الكوم ـ طنطا ـ المنصورة ـ الزقازيق ـ دمنهور ـ الإسكندرية ـ بورسعيد ـ دمياط ـ السويس .

([28]) انظر المادة الثانية من القرار الوزارى الصادر بإنشاء مكاتب التوثيق .

([29]) وقد أنشئ ، بمقتضى المادة الثالثة من القرار الوزارى الصادر بإنشاء مكاتب التوثيق ، فروع ثلاثة لمكتب القاهرة : فرع السيدة زينب ( أقسام باب الشعرية والخليفة والوايلى ومصر القديمة والسيدة والبلاد التابعة فيما يتعلق بالشهر لمحافظة القاهرة من مركز الجيزة الواقعة شرقى النيل ) ـ فرع مصر الجديدة ( مصر الجديدة ومنشية البكرى ونواحى كفر فاروق والمطرية والقبة ) فرع شبرا ( قسما روض الفرج وشبرا ونواحى منية السيرج وجزيرة بدران والأميرية والزاوية الحمراء والوايلى الصغرى والوايلى الكبيى ) . ولم ينشأ فى الاسكندرية والمحافظات الأخرى فروع لمكاتبها . أما عواصم المديريات فقد أنشئ لمكتب كل عاصمة فروع فى المراكز التى بها محاكم جزئية أو مأموريات للشهر العقارى . فأنشئت فروع فى الدر وأدفو لمكتب أسوان ، وفى أسنا وقوص وقنا ودشنا ونجع حمادى لمكتب الأقصر ، وفى البليا والمنشأة وجرجا وأخميم وطهطا وطما لمكتب سوهاج ، وفى البدارى وأبى تيج وأبنوب ومنفلوط وديروط وملوى لمكتب أسيوط ، وفى أبى قرقاص وسمالوط وبنى مزار ومغاغة والفشن لمكتب المنيا ، وفى أطسا وسنورس وأنشواى لمكتب الفيوم ، وفى ببا وأهناسيا الجديدة والواسطى لمكتب بنى سويف ، وفى الصف والعياط وإمبابة لمكتب الجيزة ، وفى شبين القناطر وقليوب وطوخ لمكتب بنها ، وفى منيا القمح وأبى حماد وبلبيس وههيا وكفر صقر وفاقوس لمكتب الزقازق ، وفى أجا وميت غمر والسنبلاوين ودكرنس والمنزلة وفارسكور لمكتب المنصورة ، وفى أشمون ومنوف والشهداء وتلا وقويسنا لمكتب شبين الكوم ، وفى المحلة الكبرى وزفتى والسنطة وسمنود وبيلا كفر الزيات ودسوق وفوة وطلخا وشربين وبلقاس لمتب طنطا ، وفى كوم حمادة وايتاى البارود والدلنجات وشبراخيت وأبى حتمص والمحمودية وكفر الدوار ورشيد وأبى المطامير لمكتب دمنهور .

       ويلاحظ أنه منذ صدرو القرار الوزارى بإنشاء مكاتب للتوثيق ( فى 21 من شهر أكتوبر سنة 1947 ) أنشئت مديرتان جديدتان ، إحداهما بالوجه البحرى وهى مديرية الفؤادية والأخرى بالوجه القبلى وهي مديرية الفاروقية ، وقد ترتب على إنشائهما تعديل فى التنظيم المتقدم .

([30]) المذكرة الإيضاحية للقرار الوزارى الصادر بإنشاء مكاتب التوثيق .

([31]) أما الأوضاع والإجراءات التى جرت ـ ولا تزال تجرى عليها ـ المحاكم الشرعية ، وكذلك الأوضاع التى كانت المحاكم المختلطة تجرى عليها ، فقد أوردنا بصددها فى الموجز ما يأتى : (( فالأوضاع التى تجرى عليها المحاكم الشرعية مبينة فى لائحة ترتبيها . وتتلخص فى أن الإشهادات ( أى العقود الرسمية ) تكتب فى دفاتر معدة ذلك تسمى بالمضابط . ويعرض الكاتب صيغة الإشهاد على من باشره من القضاة أو على من أذنه بمباشرته منهم . وبعد استيفاء كتابة الصيغة وقراءاتها يضع كل من ذوى الشأن والشهود إمضاءه أو ختمه على المضبطة ، وكذلك يفعل من باشر الإشهاد من القضاة وكاتب الإشهاد . ثم ينقل الإشهاد حرفياص فى دفتر آخر يسمى السجل ، ويوقع عليه الناقل . ومن هذا السجل تحرر الحجج الشرعية )) . (( أما الأوضاع التى تجرى عليها المحاكم المختلطة فمبنية فى المواد 124 إلى 136 من التعليمات الصادر بها الأمر العالى فى 27 يناير سنة 1876 . وتتلخص فى أن العقد الرسمى يجب أن يحتوى على ذكر التاريخ والمحل الذى كتب فيه والموظف الذى قام بكتابته وأسماء المتعاقدين وشهود العقد وشهود المعرفة ، ثم تكتب وقائع العقد ، ويوقع عليه ذوو الشأن من أطراف وشهود ومترجم وكاتب . وقد جرت العادة أن يكتب المحامون العقود الرسمية مقدماً ، ويكتفى الموظف الرسمى بتلاوة ما أعده المحامون من ذلك على ذوى الشأن وإتمام ما ينقص من الأوضاع . فإذا ما تمت كتابة العقد على النحو المتقدم ، احتفظ بالأصل فى قلم كتاب المحكمة ، ويعطى للأطراف صور منه )) . ( الموجز للمؤلف ص 658 ـ ص 659 وانظر أيضاً الدكتور عبد السلام ذهنى فى الأدلة جزء أول ص 127 ـ ص 141 ) . وغنى عن البيان أن الأوراق الرسمية التى وثقت قبل نفاذ قانون التوثيق تسرى عليها النظم التى كانت موجودة وقت توثيقها ، وهى ما قدمناه ( استئناف مختلط 29 يناير سنة 1890 م 2 ص 387 ـ 9 مايو سنة 1895 م 7 ص 265 ـ 23 يناير سنة 1896 م 8 ص 92 ـ 23 أبريل سنة 1896 م 8 ص 252 ) ـ وقد كانت المحاكم المختلطة توثق الأوراق الرسمية بإحدى اللغات القضائية التى كانت مقررة ، وبخاصة اللغة الفرنسية .

                                                                                                       ( م 9 الوسيط ـ جـ 2 )

([32]) بل يجوز تجديد طلب التوثيق متى زال السبب الذى منع من قبوله ( انظر الدكتور سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 51 هامش رقم 1) . أو يقال إن الحكم لا يحوز حجية الأمر المقضى فى موضوع التصرف ، فيجوز الاحتجاج أمام محكمة الموضوع بتوافر الأهلية أو بقيام الرضاء أو بصحة التصرف رغماص من حكم قاضى الأمور الوقتية أو غرفة المشورة بعدم توافر  الأهلية أو بعدم قيام الرضاء أو ببطلان التصرف ، لأن هذا الحكم إنما هو حكم فى مسألة عاجلة ، هى جواز التوثيق أو عدم جوازه ، ولا أثر له فى الموضوع .

([33]) وتنص الماد 7 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أنه (( يجب على الموثق أن يتأكد من شخصية المتعاقدين بشهادة بالغين عاقلين معروفين له أو أن تكون شخصيتهما ثابتة بمستند رسمى )) . وتنص المادة 8 من اللائحة على أنه (( لا يجوز توثيق محرر إلا بحضور شاهدين كاملى الأهلية مقيمين بالملكة المصرية ولهما إلمام بالقراءة والكتابة ولا صالح لهما فى المحرر المطلوب توثيقه ولا تربطهما بالمتعاقدين أو بالموثق صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة . ويجوز للموثق أن يكتفى بالشاهدين المنصوص عليهما فى المادة السابقة متى توافرت فيهما هذه الشروط . وعلى الشاهدين أن يوقعا المحرر مع أصحاب الشأن والموثق )) والمحكمة فى هذا ظاهرة ، وهى أن يكون هناك شاهدا عدل إذا ما أثير نزاع حول العقد الذى حصل توثيقه ( المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية لقانون التوثيق ) .

([34]) المادة 12 من اللائحة التنفيذية لقانونن التوثيق . وتقول المذكرة الإيضاحية لهذه اللائحة فى هذا الصدد ما يأتى : (( وتنص المادة الثانية عشرة على أنه إذا كان أحد المتعاقدين ضريراً أو ضعيف النظر أو أصم أو أبكم ، فعليه أن يستعين بمن يكون واسطته فى التفاهم والتعبير عن القصد الذى يرمى إليه من التعاقد ، وذلك على غرار ما ورد فى قانون المحاكم الحسبية الأخير )) . ولكن يلاحظ أن قانون المحاكم الحسبية المشار إليه لا يشترط (( مساعداً قضائيا )) إلا لمن كان أعمى أصم ، أو أصم أبكم ، أو أعمى أبكم ، أي يكون قد جمع بين عاهتين من هذه العاهات الثلاث ( المادة 47 من قانون المحاكم الحسبية وانظر أيضاً المادة 117 من التقنين المدني ) .

([35]) المادة 11 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق . وتقول المذكرة الإيضاحية لهذا اللائحة فى هذا الصدد ما يأتى : (( وإذا كانت اللغة العربية هى لغة البلاد الرسمية ، فقد نصت المادة الحادية عشرة على أن يكون توثيق المحررات بهذه اللغة . فاذا كان من المتعاقدين من يجهلها فليستعن بمترجم ملم بها ، على شرط أن يرتضيه الطرف الآخر حتى لا يكون ثمة مجال للطعن بوقوع تحريف فى الألفاظ والمعانى التى كانت مقصود المتعاقدين )) .

([36]) المادة 10 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق ، وتقول المذكرة الإيضاحية لهذه اللائحة فى هذا الصدد ما يأتى : (( ولقد أوجبت المادة العاشرة على الموثق أن يتلو المحرر على المتعاقدين ، وأن يبين لهم الأثر القانوني المترتب عليه ، ليتبينوا بوضوح النتائج التى قد تترتب على تعهداتهم ، وذلك بالبداهة دون أ، يصدر منه ما يؤثر فى إرادة المتعاقدين أو ما يوجههم توجيهاً لا يريدونه )) .

([37]) المادة 10 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق .

([38]) وتقول المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق فى هذا الصدد ما يأتى : (( وإمعاناً فى المحافظة على أصول المحررات التى توثق نصت المادة الحادية عشرة ( صحتها العاشرة ) على عدم جواز نقل هذه الأصول أو الوثائق المتعلقة بها أو الدفاتر الخاصة باجراء التوثيق من مكاتب التوثيق . ولا يرد على ذلك أن لهذه المحررات صوراً بالمكتب الرئيسى ، فان وجود هذه الصور لا يمكن أن يبرر أى تهاون فى المحافظة على أصول المحررات التى تحوى توقيعات ذوى الشأن والشهود والموثق لما قد تتعرض له أثناء النقل من العبث أو الضياع )) .

([39]) وتقول المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق فى هذا الصدد ما يأتى : (( ولا يخفى أن العقود الموثقة هى فى الأصل خاصة بذوى الشأن فيها . ولذلك نصت المادة التاسعة ( صحتها الثامنة ) من المشروع على أن صور المحررات الموثقة لا تسلم إلا لهم . ولكن قد يقع أن يكون لغير ذوى الشأن صالح فى المحرر ويهمه الحصول على صورة منه ، لذلك رخصت هذه المادة للغير فى الحصول على صورة من المحرر الذى تم توثيقه بإذن من قاضى الأمور الوقيتة بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها . وقررت المادة العاشرة ( صحتها التاسعة ) من المشروع أنه لا يجوز تسليم أكثر من صورة تنفيذية واحدة من المحرر الذى تم توثيقه إلا بعد الحصول على قرار من قاضى الأمور المستعجلة بالمحكمة التى يقع فى دائرتها مكتب التوثيق . ومرد ذلك أن صاحب الشأن يختصم فى طلب الصورة التنفيذية الثانية مكتب التوثيق ، فعليه أن يبين الأسباب التى تبرر سحب الصورة التنفيذية الثانية ويستصدر بذلك حكما )) .

       هذا وقد نصت المواد من 14 إلى 16 من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أن يعد بكل مكتب من مكاتب التوثيق فى عواصم المديريات والمحفاظات الدفاتر الثلاثة الآتية : (1) دفتر تبين فيه من واقع الأوراق الرسمية الموثقة بعد ترقيمها بأرقام متتابعة أسماء المتعاقدين وأسماء آبائهم وأجدادهم لآبائهم ومحال إقامتهم ونوع المحرر وموضوعه واسم الموثق . ويبين على أصل المحرر رقم إدراجه بهاذ الدفتر . (2) دفتر هجائى للفهارس تدرج فيه أسماء جميع أصحاب الشأن فى المحررات ورقم المحرر الخاص بهم وتاريخه . (3) دفتر يخصص للصور تدرج فيه أرقام المحررات وتواريخها وأسماء ذوى الشأن فيها وتاريخ تسليم صورة المحرر إلى صاحبه بعد توقيعه منه .

([40]) على أنه إذا انتقل لسبب يبرر الانتقال ، ولكنه لم يثبت انتقاله فى الدفاتر المعدة لذلك ، فان البطلان لا يترتب على هذا الإجراء غير الجوهرى . والعبرة بوجود المبرر للانتقال فعلا ، فان وجد كانت الورقة صحيحة ، وإلا فهى باطلة .

([41]) أما ذكر أن التوثيق قد تم فى المكتب أو فى أيى مكان آخر فيبدو أنه غير جوهرى .

([42]) ويكفى إثبات ذلك. فإن أنكر أحد أصحاب الشأن صحة الواقعة كان عليه أن يطعن بالتزوير . فان نجح فى الطعن اعتبرت الورقة مزورة فى هذه الواقعة ، ثم اعتبرت أيضا باطلة للأخلال بهذا الإجراء الجوهرى .

([43]) توقيعات الموثق وأصحاب الشأن والشهود والمترجم والمعين .

([44]) ولكن يبقى واجب الدفع ، ويكون ديناص للخزانة العامة .

([45]) ويكفى أن تثبت الشخصية فعلا .

([46]) ولكن إذا بقيت الورقة رسمية فى هذه الحالة ، فان التصرف القانوني يكون مع ذلك غير نافذ فى حق الموكل .

([47]) وربما أيضا توقيها صفحة صفحة .

([48]) ولكن قد يكون هذا دليلا على تزوير الورقة .

([49]) وفى هذا المعنى تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : (( ولما كانت صحة الدليل غير منفكة عن صحة التصرف نفسه أن اشترط للرضا فيه شكل خاص ، فغنى عن البيان أن هذه الفقرة ( وهى الفقرة التى تقضى بتحول الورقة الرسمية الباطلة إلى ورقة عرفية ) لا تنطبق على التصرفات التى تشترط فيها الرسمية بوصفها ركناً من أركان الشكل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية ص 353 ) .

([50]) على أنه إذاكانت الورقة الرسمية الباطلة صادرة من عدة مدينين متضامنين ولم يوقع عليها إلا بعض هؤلاء ، فأنها لا تصلح ورقة عرفية ، لا بالنسبة إلى من لم يوقعها لعدم التوقيع ، ولا بالنسبة إلى من وقعها لأنه لم يوقع إلا كمدين متضامن مع آخرين فلو صحت مستنداً ضده لقد الرجوع على من لم يوقع من هؤلاء المذينين . وتبقى الورقة باطلة فى هذه الحالة حتى لو نزل الدائن عن حقه قبل المدينين الذين لم يوقعوها . ( أنظر فى هذا المعنى أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 184) .

       وإذا كانت الورقة الرسمية الباطلة غير موقعة من المدين ، وكان بطلانها راجعاً إلى سبب غير عدم التوقيع ، فلا تكون لها قوة الورقة العرفية ، حتى لو كان الموثق الذى قام بتوثيق هذه الورقة قد ذكر فيها عجز المدين عن التوقيع . ذلك أن إثبات الموثق فى ورقة باطلة عجز المدين عن التوقيع لا قيمة له لبطلان الورقة ، فتصبح الورقة بمنزلة ورقة عرفية غير موقعة أصلا دون ذكر لعجز المدين عن التوقيع ، ومن ثم تنعدم حجيتها كورقة عرفية . هذا إلى أن عجز المدين عن توقيع الورقة العرفية بامضائه لا يعفيه من توقيعها بختمه أو ببصمة أصبعه كما سنرى . ( أنظر فى هذه المسألة الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات فقرة 129 ـ الدكتور سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 44 ص 55 ) .

([51]) وقد جاء فى الموجز للمؤلف عن هذه المسألة فى التقنين المصرى القديم ما يأتى : (( ولكن إذا كانت الورقة الرسمية عقداً وكانت باطلة ، فقد تصلح أن تكون ورقة عرفية يصح تقديمها لإثبات هذا العقد ، ما لم تكن الرسمية شرطاً شكلياً فى الانعقاد كما هو الأمر فى الهبة والرهن . ولكن يشرتط حتى تكون للورقة الرسمية الباطلة قيمة الروقة العرفية من حيث الإثبات أن تكون هذه الروقة قد وقع عليها ذوو الشأن ، لأن التوقيع شرط فى الورقة العرفية كما سنرى . ولا يعتبر تاريخ الورقة الرسمية الباطلة تاريخاً رسمياً ثابتاً ، حتى لو صلحت هذه الورقة الباطلة أن تكون ورقة عرفية صحيحة )) ( الموجز فقرة 626 ص 659 ) .

([52]) ونذا ما جاء في المذكرة الإيضاحية في هذا الصدد : (( والواقع أن م يولى القانون من سلطة خاصة للموظف العام هو عماد ما يتوافر للرقة الرسمية من قوة في الإثبات ، وهو بذاته مناط العلة من هذه القوة . بيد أنه لم ير من العدل حرمان المتعاقدين من الإستناد إلى الورقة إذا كانوا قد عهدوا بأمرها إلى موظف ليست له سلطة توثقها بالنسبة للمكان ، متى كانوا قد اعتقدوا خلاف ذلك بناء على سبب مشروع . على أن مثل الورقة لا يكون لها إلا قيمة ورقة عرفية وفقا لما تقضى به الفقرة الثانية من المادة 527 م المشروع . ويشترط لتطبيق هذه الفقرة : ( ا ) أن تكون ثمة ورقة تلقاها موظف عام له سلطة توثقها بالنسبة لطبيعتها ( الإختصاص النوعي ) . ( ب ) وأن يكون ذوو الشأن جميعاً قد وقعوا على هذه الورقة بإمضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم . على أن هذه الحكم ليس إلا استثناء من نطاق القواعد العامة . ولذلك ينبغى تحامى التوسع فى تفسيره . فهو لا ينطبق حيث يكون الموظف العام غير مختص بالنسبة لطبيعة الورقة ( كما لو تلقى أحد الحضرين عقد بيع ) ، أو حيث يكون هذا الموظف قد أغفل التوقيع على الورقة لأنها تكون خلوا في هذه الحالة مما يثبت أنه تلقاها ، أو حيث يكون أحد المتعاقدين قد أغفل التوقيع على هذه الورقة بإمضائه أو ختمه أو بصمته . وهو لا ينطبق كذلك إذا كان الموظف العام قد تدخل بوصفه طرفاً في التعاقد ، إذ ليس من المتصور ان يتولى الموظف العام ضبط ورقة رسمية لنفسه ، وليس للمتعاقدين في هذه الحالة أن يعتقدا إعتقادا مشروعاً في رسمية هذه الورقة )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 352 ـ ص 253 .

([53]) وهذا هو النص في أصله الفرنسى : Art.  1318.- L’acte aui n’est point authentiaue par l’incompetence ou l’incapacite de l’officier public lu par un defaut de forme vaut comme ecriture priveem s’il a ete signe des parties.        

([54]) بأن كان الموثق مثلا غير مختص موضوعاً بتوثيقها ، أو كان لم يوقعها ، أوكان طرفاً فيها ( أنظر تفصيل ذلك في بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1455 ص 891 ـ ص 893 ـ أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 180 ـ ص 183 ) .  

([55]) إذا إذا توافرت فيها جميع شروط الورقة العرفية بأن كانت موقعة من أصحاب الشأن ، ثم تعددت نسخها الأصلية إذا كان العقد ملزماً للجانبين أو كتبت قيمة الالتزام بالحروف دون الأرقام واعتمدها المدين بخطه إذا كان العقد ملزماً لجانب واحد .

([56]) بأن كان الموثق ـ كما تقول المادة 1318 من التقنين المدني الفرنسي ـ غير مختص بتوثيقها من ناحية المكان ، أو كان غير متوافر الأهلية لتوثقها ، أو كانت تنطوى على عيب في الشكل . ويشترط على كل حال ، لتكون لهذه الورقة الرسمية الباطلة عيمة الورقة العرفية ، أن تكون موقعة من ذوى الشأن ، وقد نصت المادة 1318 صراحة على هذا الشرط ( أوبرى ورو 12 فقرة 755 ص 183 ) .

([57]) وقد قدمنا أن الأستاذ استنويت (Stenuit) هو الذى وضع المشروع الأولى في الإثبات وأرفق به مذكرة إيضاحية تتمشى معه . وقد أخذ في هذه المسألة بأحكام القانون الفرنسي ، فنص في المادة 12 من مشروعه على وجوب تعدد النسخ الأصلية للورقة العرفية إذا كان العقد ملزما للجانبين ، ونص في المادة 13 على وجوب كتابة القيمة واعتمادها بخط المدين إذا كان العقد ملزماً لجانب واحد . ومن ثم أعمل التمييز المدون في التقنين المدني الفرنسي ، فنص في المادة السادسة من مشروعه على ما يأتي : (( السند الذى لم يكسب صفة الرسمية ، لعيب في الشكل أو بسبب أن الموظف العام الذى وثقه وكانت له صفة فى توثقه لم يكن أهلا أو لم يكن مختصا من حيث المكن ، تكون له قيمة الورقة العرفية ، ما دام يحمل جميع توقيعات ذوى الشأن من المتعاقدين أويحمل بصمات أختامهم )) . فقصر الأستاذ استنويت ، كما نرى ، منطقة تطبيق هذا النص على الورقة الرسمية الباطلة إذا كان البطلان آتيا من الإخلال بإجراء جوهرى أو من عدم أهلية الموثق أو عدم اختصاصه المكانى ، ففى هذه الأحوال تكون للورقة الرسمية الباطلة قيمة الورقة العرفية بالرغم من أن شروط صحة الورقة العرفية لم تستوف كلها ، وهى الشروط المبنية في المادتين 12 و 13 من مشروعه . وكان طبيعيا أن يذكر الأستاذ استنويت هذا التمييز في المذكرة الإيضاحية التى أعدها لهذا المشروع ، ومن ثم لا يجعل للورقة الرسمية الباطلة بسبب إنعدام ولاية الموثق أو بسبب عدم توقيعه أو بسبب عدم اختصاصه الموضوعي ـ وهذه هي الورقة الرسيمة المنعدمة في عرف الفقه الفرنسي ـ أية قيمة ، حتى ولا قيمة الورقة العرفية . وأدمجت هذه المذكرة الإيضاحية في مجموعة الأعمال التحضيرية دون مراعاة لما أدخل على النصوص من تعديلات ، فأصبحت المذكرة لا تتمشى مع النصوص النهائية في بعض المواضع ، وهذا موضع منها ننبه إليه ( أنظر في هذه المسألة الدكتور سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 44 ص 51 ـ ص 53) .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

المسئولية عن الأعمال الشخصية

المسئولية عن الأعمال الشخصية

523 – مسئولية تقوم على خطأ واجب الإثبات : المسئولية عن الأعمال الشخصية . أي عن عمل شخصي يصدر من المسئول نفسه ، هي مسئولية تقوم على خطأ واجب الإثبات . فالخطأ هنا غير مفروض ، بل يكلف الدائن إثباته فيجانب المدين . وهذه هي القاعدة العامة في المسئولية التقصيرية ، لم ينحرف القانون عنها إلى مسئولية تقوم على خطأ مفروض إلا في حالات معينة حصرتها النصوص .

والمسئولية ، في قاعدتها العامة ، لها أركان إذا توافرت ترتبت على المسئولية آثارها . فنحن نتكلم في أركان المسئولية ، ثم في آثار المسئولية .

الفرع الأول

أركان المسئولية التقصيرية

524 – أركان ثلاثة : تنص المادة 162 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض ( [1] ) ” .

ويتبين من هذا النص أن المسئولية التقصيرية ، كالمسئولية العقدية ، لها أركان ثلاثة : ( 1 ) الخطأ ( 2 ) الضرر ( 3 ) علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر . فنتكلم عن هذه الأركان الثلاثة تباعاً .

المبحث الأول

الخطأ ( * )

 ( La faute )

525 – مسألتان : تحدد أولاً فكرة الخطأ الذي يوجب المسئولية التقصيرية ، ثم نستعرض تطبيقات مختلفة لهذه الفكرة .

المطلب الأول

تحديد فكرة الخطأ في المسئولية التقصيرية

526 – آراء مختلفة في تحديد فكرة الخطأ : تضاربت الآراء في تحديد معنى الخطأ في المسئولية التقصيرية ، ونستعرض من هذه الآراء أكثرها ذيوعاً ، وهي أربعة :

فرأى شائع بين الفقهاء يقول إن الخطأ هو العمل الضار غير المشروع ، أي العمل الضار المخالف للقانون ( [2] ) . وهذا رأي لا يقدمنا كثيراً في تحديد معنى الخطأ . إذ يبقى أن نعرف ما هي الأعمال التي تلحق ضرراً بالغير وينهى عنها القانون . وإذا كانت هناك نصوص تعين بعض هذه الأعمال فإن الكثرة الغالبة منها لم يرد فيها نص . فيكون علينا أن نرسم لها ضوابط تعينها ، وهذا ما نتلمسه فلا نجده في هذا الرأي .

ورأى ثان – قال به الأستاذ بلانيول – يعرف الخطأ بأنه هو الإخلال بالتزام سابق ( [3] ) . يبقى هنا أيضاً أن نعرف ما هي هذه الالتزامات التي يعتبر الإخلال بها خطا . يحاول بلا نيول أن يحصرها في أربعة : الامتناع عن العنف ، والكف عن الغش ، والاحجام عن عمل لم تتهيأ له الأسباب من قوة أو مهارة ، واليقظة في تأدية واجب الرقابة على الأشخاص أو على الأشياء . وليس هذا تعريفاً للخطأ ، بل هو تقسيم لأنواعه .

ورأي ثالث للأستاذ إيمانوييل ليفى يقول إن تحديد الخطأ يقتضي التوفيق ما بين أمرين : مقدار معقول من الثقة توليه الناس للشخص فمن حقهم عليه أن يحجم عن الأعمال التي تضر بهم ، ومقدار معقول من الثقة يوليه الشخص لنفسه فمن حقه على الناس أن يقدم على العمل دون أن يتوقع الإضرار بالغير . فالشخص ما بين الإقدام والاحجام يشق لنفسه طريقاً وسطاً يساير ثقته بنفسه ، ولا يتعارض مع ثقة الناس به . ويدعى هذا المذهب بمذهب الإخلال بالثقة المشروعة ( confiance legitime trompee ) وهو كما نرى لا يتضمن ضابطاً بين هذا الطريق الوسط الذي يعصم الشخص من الخطأ إذا هو سلكه .

ورأى رابع يحلل الخطأ إلى عنصرين ، فهو اعتداء على حق يدرك المعتدى فيه جانب الاعتداء كما يقول ديموج ، أو هو إخلال بواجب يتبين من اخل به أنه اخل بواجب كما يقول سافاتييه ، أو هو انتهاك لحرمة حق لا يستطيع من انتهاك حرمته أن يعارضه بحق أقوى أو بحق مماثل كما يقول جوسران . والاعتداء على الحق ، والإخلال بالواجب ، والحق الأقوى أو الحق المماثل كل هذه الألفاظ لا تحدد معنى الخطأ ، بل هي ذاتها في حاجة إلى تحديد .

527 – الخطأ له ركنان – ركن مادي وركن معنوي : والرأي الذي استقر فقها وقضاء يقرب معنى الخطأ في المسئولية التقصيرية من معناه في المسئولية العقدية هو إخلال بالتزام عقدي . وقد رأينا أن الالتزام العقدي الذي يعد الإخلال به خطأ في المسئولية العقدية إما أن يكون التزاماً بتحقيق غاية ( obligation de resultat ) ، وإنما أن يكون التزاماً ببذل عناية ( obligation de moyen ) ( المصدر محامي شركات ). . أما الالتزام القانوني الذي يعتبر الإخلال به خطأ في المسئولية التقصيرية فهو دائماً التزام ببذل عناية . وهو أن يصطنع الشخص في سلوكه اليقظة والتبصر حتى لا يضر بالغير . فإذا انحرف عن هذا السلوك الواجب ، وكان من القدرة على التمييز بحيث يدرك أنه قد انحرف .ن كان هذا الانحراف خطأ يستوجب مسئوليته التقصيرية .

ومن ثم يقوم الخطأ في المسئولية التقصيرية على ركنين : الركن الأول مادى وهو التعدى ( culpabilite ) ، والركن الآخر معنوى وهو الإدراك ( imputabilite , discernament ) .

1 – الركن المادي : التعدى

528 – مقياس التعدى مقياس موضوعي لا مقياس ذاتي : نستظهر مما تقدم أن الخطأ انحراف في السلوك . فهو تعد يقع من الشخص في تصرفه ، ومجاوزة للحدود التي يجب عليه التزامها في سلوكه . فكيف يقع هذا الانحراف ؟ وما هو ضابطه ؟

يقع الانحراف إذا تعمد الشخص الإضرار بالغير ما يسمى بالجريمة المدنية ( delit civil ) – أو إذا هو دون أن يتعمد الإضرار بالغير أهمل وقصر – وهذا ما يسمى بشبه الجريمة المدنية ( quasi – delit civil ) .

أما الضابط في الانحراف فيتصور أن يرد إلى إحدى وجهتين : وجهة ذاتية ( subjectif ) أو وجهة موضوعية ( objectif ) . فيقاس التعدي الذي يقع من الشخص مقياساً شخصياً ( in concreto ) إذا اخترنا الوجهة الذاتية ، أو مقياساً مجرداً ( in abstracto ) إذا آثرنا الوجهة الموضوعية .

والمقياس الشخصي يستلزم أن ننظر إلى شخص المعتدي نفسه ، لا إلى التعدي في ذاته . أو نحن ننظر إلى التعدى من خلال شخص المتعدى . فنبحث هل ما وقع منه يعتبر بالنسبة إليه انحرافاً في السلوك ، أي في سلوكه هو . فقد يكون على درجة كبيرة من اليقظة وحسن التدبير ، فأقل انحراف في سلوكه يكون تعدياً . وقد يكون دون المستوى المعادي في الفطنة والذكاء ، فلا يعتبر متعدياً إلا إذا كان الانحراف في سلوكه انحرافاً كبيراً بارزاً . وقد يكون في المستوى العادي المألوف . فالتعدي بالنسبة إليه لا يكون انحرافاً في السلوك بهذا القدر من البروز أو على تلك الدرجة من الضآلة ، ولكنه انحراف إذا وقع يعتبره جمهور الناس انحرافاً عن السلوك المألوف . والمقياس الشخصي على هذا النحو لا شك في عدالته . فهو يأخذ كل شخص بجريرته ، ويقيس مسئوليته بمعيار من فطنته ويقظته . وهو في الوقت ذاته يربط ما بين الخطأ القانوني والخطأ الأدبي . فالشخص لا يكون قد ارتكب خطأ قانونياً إلا إذا احس أنه ارتكب خطأ أدبياً . فضميره دليله ووازعه ، يشعره بما يهم أن يرتكب من خطأ ، ويثنيه عنه ، أو يسجله عليه ولكن المقياس الشخصي فيه عيب جوهري لا يصلح معه أن يكون مقياساً منضبطاً وافياً بالغرض . فهو يقتضي أن ننسب الانحراف في السلوك إلى صاحبه ، فننظر إلى الشخص ، ونكشف عما فيه من يقظة وما خلص له من فطنة ، وما درج عليه من عادات . وهذا كله أمر خفي ، بل لعله أن يكون من الخفاء بحيث يستعصى على الباحث المدقق كشفه . ثم هو بعد ذلك يختلف من شخص إلى شخص فالانحراف عن السلوك المألوف ، تراه الناس في العادة انحرافاً محققاً ، يكون تعدياً بالنسبة إلى شخص ذى فطنة أو شخص عادي ، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى شخص دون الاثنين في الفطنة . فما ذنب ذحية هذا الانحراف ؟ وما الذي يعنيه – وقد حاق به الضرر – من أن يكون المتسبب فيه شخصاً فوق المستوى العادي أو دون هذا المستوى وهل التعويض جزاء جنائي ينظر فيه إلى شخص المجرم قبل أن ينظر إلى الجريمة . فيصيب المجرم في نفسه قبل أن يصيبه في ماله ؟ أو هو جزاء مدني ينظر فيه إلى التعدي قبل أن ينظر إلى المتعدى ، فيصيب المسئول في ماله قل أن يصيبه في نفسه ؟ لا شك في أن التعويض جزاء مدني لا عقوبة جنائية . ولا شك كذلك في أن الدائن بمقتضى العمل غير المشروع ، كالدائن بمقتضى العقد ، ما تعنيه الظواهر النفسية بقدر ما تعنيه الظواهر الاجتماعية . فالخطأ كالإرادة شيء اجتماعي قبل أن يكون ظاهرة نفسية ، وكما يقف الدائن في العقد عند الإرادة الظاهرة يستخلص منها الإرادة الباطنة دون أن يعبأ بما يكنه مدينه من سريرة خفية ، كذلك الدائن في العمل غير المشروع ينبغي أن يقف عند الانحراف عن السلوك المألوف لا يعبأ بما ينطوي عليه مدينه من تراخ أو يقظة .

من أجل هذا كله رجح لأخذ بالمقياس المجرد دون المقياس الشخصي . فيقاس الانحراف بسلوك شخص تجرده من ظروفه الشخصية . هذا الشخص المجرد هو الشخص العادي الذي يمثل جمهور الناس ، فلا هو خارق الذكاء شديد اليقظة فيرتفع إلى الذروة ، ولا هو محدود الفطنة خامل الهمة فينزل إلى الحضيض : وهو الشخص الذي اتخذناه من قبل مقياساً للخطأ العقدي في الالتزام ببذل عناية ، حيث يطلب من المدين في الأصل أن يبذل عناية الرجل العادي . وهو شخص عرفه القانون الروماني ، وسماه برب الأسرة العاقل ( bon pere de famille ) ننظر إلى المألوف من سلوك هذا الشخص العادي ، ونقيس عليه سلوك الشخص الذي نسب إليه التعدي . فإن كان هذا لم ينحرف في سلوكه عن المألوف من سلوك الشخص العادي . فهو لم يتعد ، وانتفى عنه الخطأ ، ونفض المسئولية عن كاهله . أما إذا كان قد انحرف ، فمهما يكن من أمر فطنته ويقظته ، فقد تعدى ، وثبت عليه الخطأ ، وترتبت المسئولية في ذمته . بهذا وحده يسلم لنا مقياس منضبط صالح واف بالغرض . فلا نحن في حاجة إلى البحث عن خبايا النفس والكشف عن خفايا السرائر ، ولا المقياس يختلف في تطبيقه من شخص إلى شخص . بل يصبح التعدي أمراً واحداً بالنسبة إلى جميع الناس ، إذ أن معياره لا يتغير . فإذا جاوز الانحراف المألوف من سلوك الناس صار تعدياً ، يستوي في ذلك أن يصدر من فطن ذكي أو وسط عادي ، أو خامل غبي . ويصبح الخطأ شيئاً اجتماعياً لا ظاهرة نفسية ، فتستقر الأوضاع ، وتنضبط الروابط القانونية ( [4] ) .

ولا نريد في دفاعنا عن المقياس المجرد – وهو المقياس الذي أخذ به الجمهور من رجال الفقه والقضاء – أن تخفى ما ينطوي عليه من تسليم جزئي بقيام المسئولية على تحمل التبعة ( risqué ) . ذلك أن الشخص الذي هو دون المستوى العادي من الفطنة واليقظة . إذا اخذ بهذا القياس ، كان عليه أن يتحمل تبعة نشاطه فيما ينزل فيه عن المستوى العادي . فقد يكون استنفد ما وسعه من جهد ، وبذل ما في طاقته من حرص ويقظة ، ولكن ذلك كله لم ينهض به إلى مستوى الشخص العادي . فبعد انحرافه عن هذا المستوى تعديا ، ويصبح مسئولا . ومسئوليته هنا إذا كانت تقوم على خطأ قانوني بالنسبة إلى المقياس المجرد ، فهي لا تقوم على أي خطا بالنسبة إلى المقياس الشخصي ، ومن هنا يجيء تحمل التبعة . فكأن المطلوب من الناس جميعاً ، وهم مأخوذون بهذا المقياس المجرد ، أو يبلغوا من الفطنة واليقظة ما بلغ أوساطهم من ذلك . فمن علا عن الوسط كان علوه غنما ، ومن نزل عنه كان نزوله غرما . هكذا يعيش الإنسان في المجتمع ، وهذا هو الثمن الذي يدفعه للعيش فيه .

529 – التجرد من الظروف الداخلية لا من الظروف الخارجية : وهذا المقياس المجرد – مقياس السلوك المألوف من الشخص العادي – قد تجرد كما قلنا من جميع الظروف الذاتية الملابسة لشخص المتعدى ، إذ هي ظروف داخلية متصلة به ، فهو مأخوذ بمقياس السلوك المألوف من الشخص العادي حتى لو كان هو محدود الذكاء ، قليل الفطنة ، ضعيف الإدراك ( [5] ) ، وهو مأخوذ به أيضاً حتى لو كان بطيء الحركة ، خامل الهمة ، بليد الطبع . و هو مأخوذ به كذلك حتى لو كان عنيف التصرف ، ثائر الطبع ، عصبي المزاج – ولو أن سائق السيارة ليلا في المدينة كان ضعيف النظر ، أو كان صبياً صغيراً في السنن أو كان ريفياً لم يتعود القيادة في المدن ، أو كان امرأة لا تضبط أعصابها ، فإن شيئاً من هذا لا يغير من وجه المسألة . فما زال السائق مأخوذاً بمقياس السلوك المألوف من الشخص العادي . والشخص العادي هنا رجل سليم النظر . تعود القيادة ، يستطيع عند الاقتضاء أن يضبط أعصابه . هذه هي الصفات التي ألفتها الناس ، وما تنتظر بحق أن يكون عليها سائق السيارة ليلا في المدينة .

نقول : سائق السيارة ليلا في المدينة ، ولم نقل سائق السيارة إطلاقاً دون تحديد . ذلك أن الشخص العادي الذي جعل مقياساً مجرداً ، إذا كنا قد جردناه من جميع الظروف الملابسة لشخص المتعدى إذ هي ظروف داخلية تتصل بهذا الشخص بالذات ، فليس لنا أن نجرده من الظروف الخارجية إذ هي ظروف عامة تتناول جميع الناس . فلا نجرده أولاً من ظروف الزمان . فهو يسوق السيارة ليلا . وظرف الزمان هذا ظرف عام خارجي ، لا ينفرد به ، بل يستوي فيه مع سائر سائقي السيارات . ولا نجرده ثانياً من ظروف المكان . فهو يسوق السيارة في المدينة . وظرف المكان هذا هو أيضاً ظرف عام خارجي كظرف الزمان . وهناك ظروف أخرى خارجية عامة قد تحيط بسائق السيارة ، فيجب الاعتداد به ، وعدم التجرد منها . فهو قد يسوق سيارته في منعطفات ضيقة ، أو في شوارع مزدحمة بالناس ، أو على أرض مبللة . ففي مثل هذه الظروف الخارجية يجب عليه أن يصطنع الحيطة والأناة في السير . وهو قد يسوق سيارته في شوارع فسيحة أو في طرق خالية من الناس ، أو يخترق صحراء في طريق ممهد ، ففي مثل هذه الظروف الخارجية لا ضير عليه إذا هو أسرع .

نستظهر إذن مما قدمناه القاعدة الآتية : إن الشخص العادي ، الذي نجعل سلوكه المألوف مقياساً للخطأ . يجب أن يتجرد من الظروف الداخلية الذاتية الملابسة لشخص المتعدى دون أن يتجرد من الظروف الخارجية العامة التي تحيط بالتعدى . وأهم الظروف الخارجية العامة التي لا يجوز التجرد منها هي ظروف الزمان وظروف المكان .

وقبل أن نترك هذا الموضوع ، نعود إلى ظروف ثلاثة سبق أن اعتبرناها ظروفاً داخلية شخصية يجب التجرد منها . وهي ظرف السن ، وظرف الجنس ، وظرف الحالة الاجتماعية . فقد أسلفنا أن سائق السيارة ، حتى لو كان صبياً أو امرأة أو ريفياً ، يجب أن يقاس سلوكه بسلوك الرجل العادي المجرد من هذه الظروف الثلاثة . وإذا صح هذا النظر في شأن قيادة السيارة . حيث لا يختص بهذا العمل الصبيان أو النساء أو الريفيون دون غيرهم ، فإنه لا يصح في شأن الأعمال التي تعتبر عادة من أعمال الصبيان أو النساء أو أهل الريف ، فإن الصبي الصغير إذا لعب مع رفقائه لا ينبغي أن يقاس سلوكه بسولك الشخص الناضج في السن . كذلك المرأة إذا باشرت عملا تباشره النساء عادة . كالتعليم والتوليد والتمريض ، لا يقاس سلوكها فيه بسلوك الرجل . والريفي الساذج . وهو يعيش في قريته النائية عيشته المألوفة ، لا يقاس سلوكه بسلوك المتحضر المثقف ، ذلك أن الصبي الصغير فيما يقوم به من أعمال الصبيان ، والمرأة فيما تباشره من أعمال النساء ، والريفي فيما يسكن إليه من حياة قروية ، ينبغي أن يعتبر كل منهم منتمياً إلى طبقة قائمة بذاتها ، فيتجرد ، من كل طبقة من هذه الطبقات الثلاث ، شخص عادي يكون سلوكه المألوف هو المقياس الذي يقاس به سلوك جميع الأفراد التي تنتمي إلى هذه الطبقة . فالمقياس المجرد للصبيان ، فيما هو من أعمال الصبيان ، صبي مثلهم ، يتجرد عن الظروف الداخلية الشخصية التي تتعلق بصبي بالذات . والمقياس المجرد للسناء ، فيما تباشر النساء عادة من أعمال ، امرأة منهن من وسطياتهن تتجرد عن الظروف الداخلية الشخصية التي تتعلق بامرأة بالذات . والمقياس المجرد لأهل القرى ، فيما يدخل في حياتهم الريفية ، قروى منهم ومن أوسطهم يتجرد عن الظروف الداخلية الشخصية التي تتعلق بقروى بالذات . أما قيادة السيارة فلا تدخل في أعمال الصبيان ، ولا هي من الأعمال التي تباشرها النساء عادة ، وليست محصورة في أهل القرى . لذلك كانت ظروف السن والجنس والحالة الاجتماعية بالنسبة إليها ظروفاً داخلية شخصية لا ظروفاً خارجية عامة . ومن ثم يتبين أن الظرف الواحد قد يكون ظرفاً داخلياً شخصياً بالنسبة إلى شيء معين ، ثم ينقلب إلى ظرف خارجي عام بالنسبة إلى شيء آخر . وفي هذه النسبية التي نقول بها ما يجعل المقياس المجرد أوفر مرونة وأكثر مطاوعة لمقتضيات الظروف ( [6] ) .

530 – عبء الإثبات في ركن التعدي : والتعدي على الوجه الذي بسطناه ، إذا وقع من شخص فألحق ضرراً بآخر ، كان على المضرور عبء إثبات وقوعه من المتعدى . فإن المسئولية هنا قد ترتبت على عمل شخصي صدر من المسئول ، وقد أسلفنا أن المسئولية عن الأعمال الشخصية تقوم على خطأ واجب الإثبات . فعلى الدائن في هذه الحالة أن يثبت أن المدين قد انحرف عن السلوك المألوف للرجل العادي ، فترتبت المسئولية في ذمته . وهذا هو عين ما قررناه في المسئولية العقدية . فقد قدمنا أن الدائن في العقد هو الذي يثبت إخلال المدين بالتزامه العقدي ، كما أن المدين هو الذي يثبت أنه قام بالتزامه ( [7] ) . وهنا ، في المسئولية التقصيرية ، يثبت الدائن أن المدين قد أخل بالتزامه القانوني ، فلم يصطنع الحيطة الواجبة في عدم الإضرار بالغير ، بأن انحرف عن السلوك المألوف للرجل العادي فألحق الضرر بالدائن ( [8] ) .

531 – حالات ثلاث تجعل التعدي عملا مشروعا : وإذا اثبت الدائن في المسئولية التقصيرية وقوع التعدى من المدين . رجع عليه بتعويض الضرر الذي أحدثه هذا التعدي . إلا أن المدين يستطيع أن يزيل عن التعدي صفة عدم المشروعية . فيقلبه إلى عمل مشروع لا يوجب مسئوليته . إذ هو أثبت أنه وقت أن ارتكب هذا العمل كان في إحدى حالات ثلاث : حالة الدفاع الشرعي ( etat de legitime defense ) . أو حالة تنفيذ لأمر صادر من الرئيس ( execution d’un ordre emanant d’un superieur hierarchique ) .

وقد عرض القانون المدني الجديد لهذه الحالات الثلاث بنصوص صريحة . وهي حالات نقلت عن القانون الجنائي ، وتعتبر هناك أسباباً للإباحة . ونستعرضها هنا في إيجاز .

532 – حالة الدفاع الشرعي : نصت المادة 166 من القانون المدني الجديد على أنه ” من أحدث ضرراً وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله ، أو عن نفس الغير أو ماله ، كان غير مسئول ، على ألا يجاوز في دفاعه القدر الضروري ، وإلا أصبح ملزماً بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة ( [9] ) ” .

فالدفاع الشرعى عن النفس أو المال يبيح التعدى ويجعله مشروعاً . ولكن يجب في ذلك توافر الشروط المعروفة للدفاع الشرعي وهي : ” ( أولاً ) أن يكون هناك خطر حال على نفس الدافع أو ماله ، أو على نفس الغير أو مال هذا الغير إذا كان عزيزاً عليه إلى درجة كبيرة . ولا يشترط وقوع الاعتداء على النفس أو المال بالفعل ، بل يكفي أن يكون قد وقع فعل يخشى منه وقوع هذا الاعتداء . ويترك هذا لتقدير الدفاع متى كان هذا التقدير مبنياً على أسباب معقولة ( [10] ) . ( ثانياً ) أن يكون إيقاع هذا الخطر عملا غير مشروع . فليس لمن ألقى القبض عليه بطريق قانوني أن يقاوم رجال الشرطة بحجة الدفاع الشرعي . ( ثالثاً ) أن يكون دفع الاعتداء بالقدر اللازم دون مجاوزة أو افراط . فإن جاوز الشخص حدود الدفاع الشرعي كان متعدياً ، وثبت في جانبه الخطأ . ولكن هذا الخطأ من جانب المعتدى عليه يقابله خطأ من جانب المعتدى ، فتكون مسئولية من جاوز حدود الدفاع الشرعي مسئولية مخففة ، والتعويض الذي يدفعه ” تراعى فيه مقتضيات العدالة ” كما يقضى النص ، وذلك طبقاً لقواعد المسئولية عن الخطأ المشترك ، وسيرد ذلك ذلك .

ومتى توافرت شروط الدفاع الشرعي ، كان دفع الاعتداء باعتداء مثله لا يعتبر تعدياُ ، بل هو عمل مشروعي لا تترتب عليه المسئولية . ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم . ويمكن تخريج هذا الحكم على أحد وجهين :

 ( الوجه الأول ) أن دفع الاعتداء إذا اعتبر تعدياً فثبت الخطأ في جانب المعتدى عليه ، فإنه يبقى بعد ذلك أن هذا الخطأ قابله من جانب المعتدى خطأ اكبر منه ، إذ كان هو البادئ . والقواعد المعروفة في نظرية الخطأ المشترك تجعل الخطأ الأكبر يستغرق الخطأ الاصغر . ولكن تخريج الحكم على هذا الوجه لا ينفي التعدى في جانب المعتدى عليه ، إذ يعتبر دفعه للاعتداء خطأ وإن استغرقه خطأ أكبر منه .

 ( الوجه الثاني ) أن دفع الاعتداء لا يعتبر تعدياً ، وليس هو بخطأ أصغر استغرقه خطأ أكبر منه . بل هو عمل مباح مشروع . وتطبيق المقياس المجرد الذي يقاس به ركن التعدى يؤدي إلى هذه النتيجة . فما هو السلوك المألوف للشخص العادي إذا دهمه خطر ؟ إنه يدفع دون شك هذا الخطر بما وسعه من جهد ، مراعياً في ذلك تناسباً معقولا بين الخطر الذي يتهدده والوسيلة التي يدفع بها الاعتداء . فإذا لم ينحرف المعتدى عليه عن هذا السلوك لم يكن متعدياً . أما إذا انحرف عنه ، بأن لم يراع التناسب المعقول بين الخطر والوسيلة لدفعه ، اعتبر عمله تعدياً يخفف منه الاعتداء الذي بودئ به طبقاً لقواعد الخطأ المشترك .

ونحن نؤثر هذا التخريج ، لأنه هو الذي يتمشى مع المقياس المجرد لكن التعدي على النحو الذي أسلفناه ( [11] ) .

533 – حالة تنفيذ أمر صادر من الرئيس : نصت المادة 167 من القانون المدني الجديد على أنه ” لا يكون الموظف العام مسئولا عن عمله الذي اضر بالغير إذا قام به تنفيذا لأمر صدر إليه من رئيس ، متي كانت أطاعه هذا الأمر واجبة عليه ، أو كان يعتقد أنها واجبة ، وأثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه ، وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة ، وانه راعي في عمله جانب الحيطة ( [12] ) ” .

فإطاعة أمر صادر من الرئيس يجعل التعدي عملا مشروعاً بشروط ثلاثة : ( أولاً ) أن يكون من صدر منه العمل موظفاً عاملا ( [13] ) . ( ثانياً ) أن يكون قد صدر له أمر بتنفيذ هذا العمل من رئيس ، ولو غير مباشر ، طاعته واجبة عليه . وليس يكفي أن يعتقد الموظف أن طاعة الرئيس واجبة – وهذا ما كان المشروع التمهيدي للقانون الجديد يكتفي به – بل يجب إلى ذلك أن يعتقد أن طاعة الأمر ذاته الذي صدر إليه من الرئيس واجبة . فقد يصدر رئيس واجب طاعته إلى مرؤوسه أمراً غير واجب الطاعة ، فلا يجوز للمرؤوس في هذه الحالة أن ينفذ هذا الأمر غير المشروع ، وإلا كان تعدياً تترتب عليه مسئولية الموظف . مثل ذلك أن يصدر مأمور المركز أمراً لأحد الضباط بالقبض على متهم وحبسه دون أن يستصدر بذلك أمراً من النيابة العامة . ( ثالثاً ) أن يثبت الموظف أمرين : أولهما أنه كان يعتقد مشروعية الأمر الذي نفذه وأن هذا الاعتقاد مبنى على أسباب معقولة لا على مجرد الظن ( [14] ) . والثاني أنه راعى في عمله جانب الحيطة ، فلم يرتكب العمل إلا بعد التثبت والتحرى .

بهذه الشروط وفي هذه الحدود يكون تنفيذ الموظف لأمر غير مشروع عملا مشروعاً لا يوجب مسئوليته ، وإن كان يوجب بطبيعة المقياس المجرد ، مقياس السلوك المألوف من الشخص العادي . فإن الشخص العادي إذا وجد في الظروف التي حددتها الشروط المشار إليها لا يجد بداً من تنفيذ أمر رئيسه ، فالموظف إذن لم ينحرف عن هذا السلوك المألوف ، فلا يكون متعدياً ولا تترتب مسئوليته ( [15] ) .

وما يقال في إطاعة أمر الرئيس يقال أيضاً في إطاعة أمر القانون . فيكفي أن يكون الموظف العام قد اعتقد بحسن نية أنه قام بالعمل تنفيذا لما أمرت به القوانين أو لما اعتقد أن اجراءه داخل في اختصاصه ، وأن يثبت أن اعتقاده هذا مبنى على أسباب معقولة وانه لم يقدم العلى العمل إلا بعد التثبت والتحري ، حتى يكون عمله مشروعاً لأنه لم ينحرف به عن السلوك المألوف للرجل العادي ( [16] ) .

534 – حالة الضرورة : نصت المادة 168 من القانون المدني الجديد على أن ” من سبب ضررا للغير ليتفادى ضررا أكبر ، محدقا به أو بغيره ، لا يكون ملزما إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا ( [17] ) ” .

فالشروط التي يتطلبها النص حتى تتحقق حالة الضرورة هي : ( أولاً ) أن يكون الشخص الذي سبب الضرر ، هو أو غيره ، مهدداً بخطر حال . ولا فرق بين خطر يهدد النفس وخطر يهدد المال من حيث المسئولية المدنية . أما المسئولية الجنائية فلا ترتفع إلا إذا كان الخطر يهدد النفس ( م 61 عقوبات ) . ( ثانياً ) أن يكون هذا الخطر الحال مصدره أجنبي ، فلا يد فيه لمن سبب الضرر ولا لمن وقع عليه الضر رز فإذا كان الخطر مصدره من سبب الضرر فإن الحاقه الضرر بالغير لكي يتقى خطراً هو الذي جلبه على نفسه يعتبر تعدياً يوجب مسئوليته كاملة . وإذا كان الخطر مصدره هو من وقع عليه الضرر ، فإن دفع الخطر ولو بإلحاق ضرر بمن كان مصدراً لهذا الخطر يعتبر دفاعاً شرعياً يعفي من المسئولية أصلاً . ( ثالثاً ) أن يكون الخطر المراد تفاديه اشد بكثير من الضرر الذي وقع . ونرى هنا وجوب التمييز بين فروض أربعة : الفرض الأول أن يكون الضرر الذي وقع لا يعد شيئاً مذكوراً بجانب الخطر المراد تفاديه . فالشخص الذي يخشى الغرق لا يحجم عن إتلاف مال زهيد القيمة ، كأن يقتلع شجرة مملوكة للغير يمسك بها حتى ينقذ نفسه من الغرق . فإذا ارتفع الخطر إلى هذا الحد من الجسامة ، ونزل الضرر إلى هذا الحد من التفاهة ، أمكن القول إن الخطر هنا يعد قوة قاهرة تنفي المسئولية بتاتاًن فلا يرجع صاحب الشجرة بدعوى المسئولية التقصيرية ، وكل ما يرجع به هو دعوى االاثراء بلا سبب إذا توافرت شروطها . والفرض الثاني أن يكون الخطر المراد تفاديه اشد بكثير من الضرر الذي وقع ، وهذا هو الفرض المألوف في حالة الضرورة فالشخص الذي يستولى على دواء لا يملكه ، يعالج به نفسه من مرض دهمه ، يتفادى خطر المرض ، وهو في العادة اشد بكثير من الخسارة التي تصيب صاحب الدواء . ولم يبلغ الخطر منزلة القوة القاهرة – ومن ثم وجب التفريق بين القوة القاهرة وحالة الضرورة – ولكن المريض الذي استولى على الدواء يعتبر في حالة ضرورة ملحة تعفيه من المسئولية التقصيرية ، وإن كانت لا تعفيه من رجوع صاحب الدواء عليه بدعوى الإثراء بلا سبب . والفرض الثالث أن يكون الخطر المراد تفاديه اشد من الضرر الذي وقع ، ولكنه لم يبلغ حد القوة القاهرة ولا حد الضرورة الملحة فالشخص الذي يتلف مالا للغير ذا قيمة لا يستهان بها ، ليطفئ حريقاً شبت في داره ، لا يعفي من المسئولية التقصيرية جملة واحدة . وتقدر الضرورة بقدرها ، فيلزمه الاقاضي بتعويض مناسب ، أي بتعويض مخفف ، عن المسئولية التقصيرية – وهذا ما يقضي به النص صراحة – إلى جانب رجوع صاحب المال عليه بدعوى الإثراء بلا سبب . والفرض الرابع أن يكون الخطر المراد تفاديه مساوياً للضرر الذي وقع ، أو دونه في الجسامة ، وفي هذه الحالة لا يجوز لشخص أن يلحق بغيره ضرراً ليتفادى خطراً لا يزيد على هذا الضرر . ومن فعل ذلك كان متعدياً ، وتحققت مسئوليته التقصيرية كاملة ( [18] ) . ونحن في التمييز ما بين هذه الفروض الأربعة إنما نقيس المسئولية بمقياسها المجرد ، وهو السلوك المألوف للشخص العادي ، فحيث وقع انحراف عن هذا السلوك قامت المسئولية .

ولم يقع انحراف في الفرضين الأول والثاني ، لذلك لم تقم المسئولية . ووقع انحراف في الفرض الثالث ، ولكن خفف منه قيام الضرورة ، فجاء النص مخففاً للمسئولية . ووقع الانحراف كاملا في الفرض الرابع ، لم يخفف منه ضرورة تبرره ، فكانت المسئولية من أجل ذلك مسئولية كاملة ( [19] ) .

2 – الركن المعنوي : الإدراك

535 – مناط المسئولية التمييز : الإدراك هو الركن المعنوي في الخطأ . فلا يكفي ركن التعدي ليقوم الخطأ ، بل يجب لقيامه أن يكون من وقعت منه أعمال التعدي مدركاً لها . ولا مسئولية دون تمييز . فالصبي غير المميز ، والمجنون ، والمعتوه عتهاً تاماً ، ومن فقد رشده لسبب عارض كالسكر والغيبوبة والمرض ، والمنوم تنويماً مغنيطيسياً ، والمصاب بمرض النوم ، كل هؤلاء لا يمكن أن ينسب إليهم خطأ لأنهم غير مدركين لأعمالهم .

وهذه مسألة كاد الإجماع ينعقد عليها منذ تقررت في القانون الروماني ، وانتقلت منه إلى العصور الوسطى ، ومن هذه إلى العصور الحديثة . واعتبر سقوط المسئولية عن عديم التمييز من الناحيتين الجنائية والمدنية معاً خطوة خطاها القانون إلى الإمام .

536 – ركن الإدراك ينفي الخطأ عن عديم التمييز : ولكن تيار النظرية المادية في المسئولية التقصيرية ، وهي النظرية التي تبني المسئولية على تحمل التبعة لا على الخطأ . بدا في العهد الأخير يعيد إلى ميدان البحث مسئولية عديم التمييز . فأنصار النظرية المادية يقولون بالمسئولية حتى إذا انعدم التمييز ، فغير المميز إذا لم يكن قادراً على ارتكاب الخطأ يستطيع إحداث الضرر . والمسئولية عندهم إنما تقوم على الضرر . ونعوا إلى المتمسكين بالخطأ أساساً للمسئولية أن منطقهم يستلزم عدم المساءلة إذا انعدم التمييز . وأشاروا إلى حالات يكون من القسوة فيها إلا يعوض عديم التمييز إذا كان واسع الثراء ما أحدثه من ضرر جسيم لفقير معدم . فعمد بعض أنصار المسئولية المبنية على الخطأ إلى تعديل موقفهم من عديم التمييز . ورأوا في المقياس المجرد الذي اتخذوه معياراً للتعدى ما ظنوه يعينهم على القول بمسئولية عديم التمييز في نطاق الخطأ . فقالوا إن عديم التمييز ليس قادراً فحسب على إحداث الضرر ، بل هو أيضاً قادر على ارتكاب الخطأ . إذ الخطأ عندهم له ركن واحد هو التعدي والتعدي له هذا المقياس المجرد الذي سبق بيانه . وعديم التمييز . صغيراً غير مميز كان أو مجنوناً أو معتوهاً أو غير ذلك ، إذا قيس سلوكه بالسلوك المألوف للشخص العادي . بدا انحرافه ، ووضح شذوذه . ولم يدع مجالا للقول بأنه يتصرف تصرف المميزين . فهو إذا صدر منه عمل يضر بالغير ، كان العمل تعدياً يستوجب المساءلة . أما انعدام التمييز فهو ظرف داخلي شخصي لا يجوز أن يقوم له اعتبار . وقد تقدم أنه يجب تجريد الشخص العادي الذي جعل مقياساً للتعدي من جميع الظروف الداخلية الشخصية .

ونبادر إلى القول إنه حتى لو قيل إن الخطأ ليس له إلا ركن واحد هو ركن التعدي ، فإن المقياس المجرد لهذا الركن لا يسعف في نظرنا القائلين بمسئولية عديم التمييز . فقد قدمنا أنه لا يصح اعتبار ظرف عام تشترك فيه طائفة من الناس ظرفاً داخلياً خاصاً بكل فرد من أفراد هذه الطائفة . عند تقدير ما يصدر عادة عن هذه الطائفة من أعمال . فالصبية والنساء والريفيون مقياسهم المجرد ، في الأعمال التي تصدر منهم في العادة ، لا يتجرد من عوامل السن والجنس والحالة الاجتماعية . ومقياس كل طائفة من هؤلاء شخص من أوسطهم ينتمي إلى الطائفة بالذات ، فلا يتجرد من المميز العام لهذه الطائفة ، وإن تجرد من الظروف الداخلية الشخصية التي تتعلق بفرد منها بعينه . وكذلك عديمو التمييز هم أيضاً طائفة من الناس تشترك في مميز عام هو انعدام التمييز ، فلا يجوز أن يتجرد مقياسهم من هذا التمييز في تقدير الأعمال التي تصدر منهم في العادة ولما كان عديمو التمييز لا يتصور فيهم أن يتصرفوا تصرف المميزين ، فإن كل عمل يصدر منهم ، مهما كان غريباً شاذاً ، يدخل ضمن أعمالهم المعتادة ، ويجب إلا يتجرد المقياس فيه من عامل انعدام التمييز ( [20] ) . فإذا قيس سلوكهم في أي عمل يصدر منهم إلى السلوك المألوف من شخص عديم التمييز ، فإن هذا السلوك لا ينحرف عن مقياسه ، ولا يعتبر تعدياً . وعلى هذا الوجه يكون عديم التمييز غير مسئول .

هذا كله لو قيل إن الخطأ لا ينطوي إلا على ركن التعدي . والصحيح في نظرنا أن للخطأ ركناً آخر هو ركن الإدراك . ولا تزال المسئولية المدنية ، مهما جردناها من العوامل الأدبية ، مرتبطة بهذا العامل الأدبي لا يجوز أن تنفك عنه . فهي تقوم على التمييز . والشخص الذي لا يدرك ما يصدر عنه من عمل لا تجوز مساءلته لا ادبياً ولا جنائياً ولا مدنياً ، مادامت المسئولية تقوم على الخطأز وهذا هو فضل النظرية الشخصية . فهي تربط المسئولية بالخطأن وتربط الخطأ بالتمييز ، فتشيع في المسئولية عاملا أدبياً لا يجوز الاستغناء عنه ، إذ هو عنصر ذاتي يخفف من حدة العنصر الموضوع الذي يهيمن على مقياس الشخص المجرد ( [21] ) .

ويبقى أخيراً أن نلاحظ أن التمييز في المسئولية التقصيرية لا يكيف على أنه أهلية يجب توفرها . كالأهلية في العقد ، إنما التمييز هو ركن الإدراك في الخطأ . وبدونه لا يكون التعدي خطأ . وقد سبق ذكر ذلك عند الكلام في الأهلية .

ونستعرض الآن ركن الإدراك في الشخص الطبيعي ، ثم في الشخص المعنوي .

1 – الشخص الطبيعي :

537 – النصوص القانونية : نصت المادة 164 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

1 – يكون الشخص مسئولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز ” .

2 – ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ، ولم يكن هناك من هو مسئول عنه . أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول ، جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل ، مراعيا في ذلك مركز الخصوم ( [22] ) ” .

538 – التمييز ضروري وهو في الوقت ذاته يكفي – عديمو التمييز : فالأصل إذن أن الشخص ، حتى يكون مسئولا مسئولية تقصيرية ، يجب أن يكون مميزاً . والتمييز ضروري ، وهو في الوقت ذاته يكفي . أما أنه يكفي فيظهر ذلك في أن الصبي المميز يكون مسئولا مسئولية تقصيرية كاملة دون حاجة إلى أن يكون قد بلغ سن الرشد . وأما أنه ضروري فيظهر ذلك في أن الشخص غير المميز لا يكون مسئولا عن أعماله الضارة ، لأن الإدراك ركن في الخطأ ، فلا خطا من غير إدراك . وهذا الحكم ينطبق على كل شخص غير مميز ، أياً كان السبب في انعدام التمييز .

فالصبي غير المميز ، وهو الذي لم يبلغ الساعة من عمره ( [23] ) ، لا تصح مساءلته مساءلة تقصيرية . أما من بلغ السابعة فيفرض فيه التمييز وتصح مساءلته حتى يقوم الدليل على انعدام التمييز فيه لمرض عقلي أو لسبب عارض .

كذلك المجنون ( [24] ) لا تصح مساءلته ( [25] ) . ويفرض في المجنون استصحاب حالة الجنون ، إلا أن يقوم الدليل على أنه ارتكب العمل الضار وهو في لحظة من لحظات الافاقة ( intervalles lucides ) .

والمعتوه عتها كاملا عديم التمييز فلا تصح مساءلته . أما المعتوه المميز فتجوز مساءلته حتى لو كان محجوراً لتوافر ركن الإدراك فيه .

أما ذو الغفلة والسفيه ، ولو كانا محجورين ، والأصم والأبكم والأعمى ، ولو تعين لواحد منهم مساعد قضائي طبقاً لأحكام المادة 117 من القانون المدني الجديد . فتجوز مساءلتهم جميعاً ، لأنهم يدركون ما يصدر عنهم من أعمال ، ويميزون بين الخير والشر ( [26] ) .

وتنتفي المسئولية حتى لو كان انعدام التمييز يرجع إلى سبب عارض يزول . كالمنوم تنويماً مغنيطيسياً والمصاب بمرض النوم والمدمن على السكر أو المخدرات والمصاب بالصرع ونحو ذلك فمتى ثبت أن الشخص الذي ارتبك العمل الضار كان فاقد الوعي أو منعدم التمييز وقت ارتكابه لهذا العمل . فإنه لا تصح مساءلته لأن ركن الإدراك غير قائم .

539 – نطاق انعدام المسئولية لانعدام التمييز : وانعدام المسئولية لانعدام التمييز ذو نطابق ضيق . إذ يجب لانعدام المسئولية أن يكون الشخص قد انعدم فيه التمييز انعداماً تاماً بغير خطأ منه وأن يكون عديم التمييز هو المسئول وحده عن خطا غير مفروض ، ويترتب على ذلك ما يأتي :

 ( أولاً ) ما سبق أن قدمناه من أن المعتوه المميز وذا الغفلة وغيرهما من ناقصي التمييز تصبح مساءلتهم لأن التمييز فيهم لم ينعدم انعداماً تاماً .

 ( ثانياً ) إذا كان انعدام التمييز ليسبب عارض ، كالخمر والمخدرات ونحو ذلك . فإن عديم التمييز لا تنتفي مسئوليته إلا إذا كان سبب انعدام التمييز لا يرجع إلى خطأ منه . فإذا ثبت أن من فقد التمييز لسكر أو لمخدر كان يعلم أن السكر أو المخدر يفقده التمييز . فإنه يكون مسئولا عن عمله حتى لو ارتكبه وهو فاقد الوعي . وفاقد التمييز لسبب عارضه هو الذي يحمل عبء الإثبات ، فعليه أن يثبت أنه فقد التمييز بغير خطا منه . ولا يكلف المضرور أن يثبت أن فقد التمييز كان خطا من المسئول ( [27] ) .

 ( ثالثاً ) ويجب لانعدام المسئولية أن يكون عديم التمييز في مكان المسئول . فإن كان في مكان المضرور ، ونسب إليه إهمال ساعد على وقوع الضرر . فلا يرى القضاء المصري في بعض أحكامه أن يسقط هذا الإهمال من اعتباره عندما يزن المسئولية ، بل يعتبر أن هذا الإهمال هو خطا من المضرور عديم التمييز يستوجب تخفيف المسئولية طبقاً لقواعد الخطأ المشترك ( [28] ) .

 ( رابعاً ) ويجب أن يكون عديم التمييز في مكان المسئول وحده . فإذا وجد مسئول عنه كالأب أو المعلم أو نحو ذلك ( [29] ) ، فلا بد من نسبة الخطأ إلى عديم التمييز حتى تتحقق بذلك مسئولية المسئول عنه ، ويكون هذا مسئولا عن خطا الغير لا عن خطئه الشخصي . وسيأتي بيان ذلك بتفصيل أوفى .

 ( خامساً ) ويجب أخيراً ألا تكون مسئولية عديم التمييز قائمة على خطا مفروض فرضاً لا يقبل إثبات العكس . فإن كان عديم التمييز مسئولا عن تابعه أو عن أشياء في حراسته كحيوان أو آلة ميكانيكية . وأخذنا بالرأي الذي يقول إن المسئولية في هذه الحالة تقوم على خطأ مفروض فرضاً لا يقبل إثبات العكس . فإن الخطأ المفروض يكون قائماً في جانب عديم التمييز ، ولا ينفيه انعدام تمييزه . مثل ذلك الصغير غير المميز يكون مسئولا عمن هم في خدمته مسئولية المتبوع عن التابع ، وقد فرض الخطأ في جانبه ولو أنه عديم التمييز ( [30] )

540 – مسئولية عديم التمييز في حالات استثنائية : ثم إن القانون الجديد قد تدارك ما قد ينجم من ضرر من وراء انتفاء المسئولية لانعدام التمييز حتى فى هذا النطاق الضيق الذي رسمنا حدوده فيما تقدم . فقضى فى الفقرة الثانية من المادة 164 بأنه ” إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ، ولم يكن هناك من هو مسئول عنه ، أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول ، جاز للقاضى أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل ، مراعياً فى ذلك مركز الخصوم ” .

ونبادر إلى القول بأن مسئولية عديم التمييز هنا لا يمكن أن تكون مبنية على خطأ . فالخطأ كما قلنا ركنه الإدراك ، وعديم التمييز لا إدراك عنده . وإنما تقوم المسئولية فى هذه الحالة على تحمل التبعة . فالشخص غير المميز ، بالشروط التي وردت فى النص ، يتحمل تبعة ما يحدثه من ضرر . ولذلك جاءت مسئوليته مشروطة ومخففة .

فهي أولاً مسئولية مشروطة . وشرطها ألا يجد المضرور سبيلاً للحصول على التعويض من شخص آخر غير عديم التمييز . والغالب أن يكون عديم التمييز موكولاً إلى رقابة شخص يكفله فالصغير غير المميز يكون عادة في كفالة أبيه أو جده أو أمه أو أحد من أقاربه والمجنون يكون في كفالة أحد من هؤلاء أو في كفالة أحد المستشفيات المعدة لعلاج الأمراض العقلية . فالمعهود إليه بالرقابة على غير المميز هو المسئول عما يحدثه غير المميز من ضرر كما سنرى . فإن وجد . كان هو المسئول وحده نحو المضرور ، ورجع المضرور عليه بالتعويض كاملاً . أما إذا لم يوجد ، أو وجد ولكنه استطاع أن ينفى الخطأ عن نفسه إذ هو خطأ قابل لإثبات العكس كما سيأتي ، أو لم يستطع نفى الخطأ ولكنه كان معسراً لم يستطع المضرور أن يحصل منه على التعويض ، فعند ذلك يرجع المضرور بالتعويض على عدم التمييز نفسه .

ومسئولية عديم التمييز في هذه الحالة مسئولية مخففة . فهو لا يكون مسئولاً حتماً عن تعويض ما أحدثه من الضرر تعويضاً كاملاً . ذلك لأن مسئوليته لا تقوم على خطأ كما قدمنا ، بل على تحمل التبعة ، فالقانون لا يحمله التبعة عن أعماله الضارة إلا في حدود عادلة . وأهم ما يراعيه القاضى في تقدير التعويض هو مركز الخصوم من الغني والفقر . فهو يقضى بتعويض كامل إذا كان عديم التمييز موفور الثراء وكان المضرور فقيراً معدماً وأصيب بضرر جسيم بسبب العمل الذي صدر من عديم التمييز . وهو يقضى ببعض التعويض إذا كان عديم التمييز ميسر العيش من غير وفر وكان المضرور في حاجة إلى التعويض ويجب على القاضى في هذه الحالة أن يترك لعديم التمييز من ماله مورداً كافياً للنفقة على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم . وقد لا يقضى بتعويض أصلاً – لأن الحكم بالتعويض في الحالة التي نحن بصددها جوازى لا وجوبى – إذا كان عديم التمييز فقيراً لا مال عنده ، وبخاصة إذا كان المضرور في سعة من العيش . ويكون كذلك محل اعتبار في تقدير التعويض مقدار ما بذله المضرور من العناية لتوقي الضرر الذي أصابه من عديم التمييز ، فإن تعريض المضرور نفسه في غير حيطة لما عسى أن ينزل به من جراء عبث شخص لا تمييز عنده يعد خطأ منه قد يستغرق في بعض الحالات ما أتاه عديم التمييز . ولا عبرة بجسامة ما صدر من عديم التمييز من عمل ، فهو فاقد الإدراك ويستوي أن يصدر عنه الجسيم وغير الجسيم ( [31] ) . ولكن جسامة الضرر قد تكون محل اعتبار في تقدير التعويض ، فإن كان الضرر جسيماً بدا التعويض عنه أكثر عدلاً وأعلى قيمة . ويسترشد القاضى بوجه عام بجميع الظروف التي تلابس القضية يستعين بها على تقدير التعويض العادل .

والقانون المدنى الجديد . في استحداثه لهذه المسئولية الخاصة التي لم يكن القانون المدنى القديم يعرفها ( [32] ) . قد جارى في ذلك كثيراً من التقنينات الحديثة ( [33] ) .

ب – الشخص المعنوى

541 – جواز مساءلة الشخص المعنوى : المبدأ الذي استقر عليه القضاء والفقه في مصر هو جواز مساءلة الشخص المعنوى عن الأخطاء التي يرتكبها ممثلوه عند القيام بإدارة شؤونه . ولم يقع تردد في هذا المبدأ . وإذا كانت المسئولية الجنائية للشخص المعنوي يصعب التسليم بها لصعوبة تصور عقوبة جنائية تنزل بالشخص المعنوي إلا فيما يتعلق بالغرامة والمصادرة والحل ، فإن المسئولية المدنية يسهل التسليم بها . فإنها تقع في مال الشخص المعنوي والأمثلة كثيرة على الأخطاء التي يرتكبها ممثلو الشخص المعنوي . فيصبح هذا مسئولاً عنها : مدير شركة يفصل عاملاً في وقت غير لاحق فتكون الشركة مسئولة عن هذا الفصل ، سائق قطار يدهس أحد المارة بإهماله فتكون مصلحة السكك الحديدية مسئولة عن إهمال السائق . عامل البريد يضيع رسالة عهد إليه بتسليمها إلى صاحبها فتكون مصلحة البريد مسئولة عن العامل ( [34] ) .

ولما كان الشخص المعنوي يختلف عن الشخص الطبيعي في أنه لا يمكن أن ينسب له التمييز . فإن كثيراً من الأحكام تجعل مسئولية الشخص المعنوي عن أعمال ممثليه هي مسئولية المتبوع عن التابع . فتصل بذلك إلى تقرير المسئولية بالتضامن بين الشخص المعنوي وممثليه .

على أن هناك أحوالاً يصعب فيها الوصول إلى مساءلة الشخص المعنوى عن هذا الطريق غير المباشر . فقد يحدث أن الخطأ الذي يوجب المساءلة يكون قراراً صادراً من إحدى هيئات الشخص المعنوي ( مجلس إدارة الشركة أو جمعيتها العامة مثلاً ) . فلا يد إذن من نسبة الخطأ مباشرة إلى الشخص المعنوي ذاته . كذلك قد يكون الخطأ بحيث لا تجوز نسبته إلا إلى الشخص المعنوي . كما إذا قوضيت شركة لمنافسة تجارية غير شريفة أو لتقليد مزور ( [35] ) ففي مثل هذه الأحوال تكون مسئولية الشخص المعنوي مسئولية عن عمل شخصي ، لا مسئولية المتبوع عن تابعه . ولابد حينئذ من الاقتصار على ركن التعدى في الخطأ دون ركن التمييز . ويكفى لتحديد ما إذا كان الشخص المعنوى قد أخطأ أن يقاس تصرفه إلى تصرف شخص معنوى مجرد فى الظروف الخارجية التي تصرف فيها ، فإذا انحرف عن هذا المقياس المادى . كان هناك خطأ ، وتحققت المسئولية ( [36] ) .

542 – مساءلة الشخص المعنوى العام ( [37] ) : وقد يكون الشخص المعنوي المراد مساءلته هو الدولة ذاتها أو شخص معنوي عام كمجلس من مجالس المديريات أو المجالس البلدية أو غيره من الأشخاص العامة . وتتحقق مسئولية الشخص المعنوي في مصر على النحو الذي تتحقق به مسئولية الأفراد والهيئات الخاصة . وقواعد المسئولية التقصيرية واحدة للفريقين . ذلك أن الأقضية التي تقوم على هذه المسئولية بالنسبة إليهما معاً تدخل في اختصاص القضاء العادى؛ ولم يمتد حتى اليوم اختصاص محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة إلى مسئولية السلطات العامة عن أعمالها المادية ، ولا يزال هذا الاختصاص مقصوراً على المسئولية عن القرارات الإدارية . والقضاء العادى في مصر يطبق على مسئولية الدولة والسلطات العامة قواعد المسئولية التقصيرية التي يطبقها على الأفراد والهيئات الخاصة . وقد وصل في بعض الحالات إلى جعل الدولة مسئولة عن الخطأ مسئولية شخصية لا مسئولية المتبوع عن التابع ( [38] ) .

أما في فرنسا فمجلس الدولة هو صاحب الولاية العامة في جميع المنازعات الإدارية . فدخل في اختصاصه النظر في مسئولية الدولة مسئولية تقصيرية . وأخذت قواعد هذه المسئولية تتحور بالتدريج عندما تغير ميدان تطبيقها من النطاق المدني الخاص إلى النطاق الإداري العام . وقد كان مجلس الدولة الفرنسي بادئ الأمر يضيق من مسئولية الدولة عندما كان يتطلب خطأ على قدر معين من الجسامة لمساءلة الدولة ، وعندما كان يفرق بين الخطأ الشخصي والخطأ المصلحي . ثم انتهى إلى التوسع في هذه المسئولية عندما ترك المبادئ المدنية ووضع مبادئ إدارية خاصة ، فجعل الدولة مسئولية عن الخطأ في سير العمل الإداري ( faute du service ) لا في الخطأ المصلحي ( faute de service ) فحسب ، ووصل بهذه المسئولية في بعض الحالات إلى حد جعل الدولة مسئولة عن تبعات الأعمال التي تولد أخطاراً جسيمة كالأشغال العامة ( travaux publics ) فبنى المسئولية في هذه الحالات على مبدأ تحمل التبعة ( risque ) .

543 – رقابة محكمة النقض على ركن الخطأ : ولمحكمة النقض الرقابة على قيام ركن الخطأ في المسئولية التقصيرية . وإذا كان التعدى كعمل مادي يعتبر من مسائل الواقع . إلا أن وصفه القانوني بأنه تعد لأنه انحراف عن المألوف من سلوك الشخص العادى يعتبر من مسائل القانون . كذلك انتفاء المسئولية في حالة الدفاع الشرعى وتنفيذ أمر الرئيس وحالة الضرورة ، واشتراط التمييز لقيام الخطأ ، والحدود التي يسأل فيها عديم التمييز ، كل هذا يعتبر من مسائل القانون ويخضع لرقابة النقض ( [39] ) .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 230 من المشروع التهيدي على الوجه الآتي : ” كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكب الخطأ بتعويض الضرر ” . وفي لجنة المراجعة عدلت المادة تعديلا لفظياً فصارت مطابقة للنص الوارد في القانون الجديد ، وأصبحت المادة 167 ف يالمشروع النهئاي . وقد وافق عليها مجلس النواب ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم 163 ، ثم مجلس الشيوخ . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 353 – ص 356 ) .

وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” تنص المادة 230 من المشروع ( م 163 من القانون الجديد ) في عبارة أكثر ما تكون ايجازا ووضوحاً حكم المسئولية التقصيرية في عناصرها الثلاثة . فترتب الإلزام بالتعويض على ( كل خطأ سبب ضرراً للغي ر 9 . فلا بد أن من توافر خطأ وضرر ثم علاقة سببية تقوم بينهما . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 354 ) .

وتقابل المادة 163 من القانون الجديد المادة 151 من القانون الوطني القديم والمادة 212 من القانون المختلط القديم . وهذا نص كل منهما :

م 151 من القانون الوطني القديم : ” كل فعل نشأ عن ضرر للغير يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر . . . . ” .

م 212 من القانون المختلط القديم : ” كل فعل مخالف للقانون يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر الناشيء عنه ما لم يكن الفاعل غير مدرك لأفعاله ، سواء لعدم تمييزه بالنسبة لسنه أو لأي سبب آخر ” .

 ( [2] ) أنظر المادة 321 من القانون المختلط القديم ، وتقول : ” كل فعل مخالف للقانون . . ” . وقد سبق ذكرها .

 ( [3] ) وهذه هي عبارة بلانيول ذاتها : La fauto est un manquement a une obligation preexistante ( بلانيول 2 فقرة 863 ) .

 ( [4] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويعني لفظ ( الخطأ ) في هذا المقام عن سائر النعوت والكنى التي تخطر للبعض في معرض التعبير كاصطلاح ( العمل غير المشروع ) ، أو ( العلم المخالف للقانون ) أو ( الفعل الذي يحرمه القانون ) الخ . . فهو يتناول الفعل السلبي ( الامتناع ) والفعل الايجابي ، وتنصرف دلالته إلى مجرد الإهمال والفعل العمد على حد سواء . وغنى عن البيان أن سرد الأعمال التي يتحقق فهيا معنى خطا في نصوص التشريع لا يكون من ورائه إلا إشكال وجه الحكم ، ولا يؤدي قط إلى وضع بيان جامع مانع . فيجب أن يترك تحديد الخطأ لتقدير القاضي . وهو يسترشد في ذلك بما يستخلص من طبيعة نهي القانون عن الإضرار من عناصر التوجيه ، فثمة التزام يفرض على الكافة عدم الإضرار بالغير ، ومخالفة هذا النهي هي التي ينطوي فيها الخطأ . ويقضي هذا الالتزام تبصراً في التصرف ، يوجب أعماله بذل عناية الرجل الحريص ( إقرأ الرجل العادي ) .

وقد أقر التقنين النمساوي هذا الضابط التوجيهي إقراراً تشريعياً ، فنص في المادة 1297 على أنه ( يفترض فيمن يتمتع بقواه العاقلة أن تتوافر لديه درجة الانتباه والعناية التي تتوقع في سواد الناس . ويتحقق معنى الخطأ في كل عمل ينشأ عنه ضرر بحقوق الغير إذا لم يلتزم من وقع منه هذا العمل تلك الدرجة ) . وقد عرض التقنين البولوني ، بعد أن وضع المبدأ العام في المسئولية التقصيرية ، لصورة التحريض والإعانة على الإضرار وصورة الافادة من الضرر . فقرر في المادة 136 مسئولية من يحرض شخصاً آخر على لااضرار بالغير أو يعينه على ذلك ، كما قرر مسئولية من يفيد عن بينة من ضرر يصيب الغير ، أما حكم الصورة الأولى ، وهي الخاصة بمسئولية الشريك ، فلا وجه للشك فيه ، لأن الاشتراك في ذاته يعتبر خطأ مستقلا ، ولكن حكم الصورة الثانية لا يزال محلا للنظر من وجوه ، فإذا لم يكن قد وقع ممن أثرى على هذا النحو خطأ معين ، ولم يجاوز أمره حدود الانتفاع عن بينة من ضرر أصاب الغير ، فلا تجوز مساءلته إلا بمقتضى قواعد الاثراء بلا سبب ( أنظر المادة 50 من تقنين الالتزامات السويسري ) ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 354 – ص 355 ) .

 ( [5] ) بحيث لا يصل ضعف الإدراك إلى حد انعدام التمييز ، وإلا انعدم الركن المعنوي للخطأ . وسنرى ذلك فيما يلي :

 ( [6] ) ولا يقتصر تطبيق المقياس المجرد على الخطأ غير العمدي ( الإهمال أو التقصير ) نفى الخطأ العمدي أيضاً يطبق المقياس المجرد . ولا يكفى لتطبيقه أن يقال إن الشخص العادي في سلوكه مألوف لا يقصد الإضرار بالغير ، فيكون الخطأ العمد انحرافاً عن هذا السلوك المألوف ( أنظر مازو 1 فقرة 439 ) . ذلك أن من يتعمد الإضرار بالغير لا يكون مخطئاً في جميع الأحوال . فالتاجر الذي ينافس تاجراً آخر منافسة شريفة لا يكون مسئولا حتى لو تعمد الإضرار بمنافسة . وإنما يكون من يتعمد الإضرار بالغير متعديا إذا هو انحرف في سلوكه عن السلوك المألوف للشخص العادي . فها نحن هنا نطبق المقياس المجرد ، ولا يعنينا عنه قصد الإضرار بالغير . ( قارن الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 30 ) .

 ( [7] ) أنظر آنفاً فقرة 429 .

 ( [8] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ولما كان الأصل في المسئولية التقصيرية بوجه عام أن تناط بخطأ يقام الدليل عليه ، لذلك ألقى عبء الإثبات فيها على عاتق المضرور ، وهو الدائن ، ويراعى أن المشروع لم يبلغ في هذه الناحية شأو التقنين السوفيتي في ابتناء تلك المسئولية على أساس الخطأ المفروض . فقد انتهى هذا التقنين ، تفريعا على ذلك ، إلى تقرير قاعدة أخرى بشان الإثبات فقضى في المادة 403 بان ( من اضر بالغير في شخصه أو ماله يلزم بتعويض الضرر ، ويبرأ من التزامه هذا إذا أقام الدليل على أنه لم يكن في مقدوره أن يتقى هذا الضرر ، أو أنه كانت له سلطة إحداثه قانونا ، أو أنه حدث من جراء سبق إصرار المضرور أو إهماله الفاضح ) . ويراعى من ناحية أخرى أن الشقة بين أحكام المشروع وبين المسئولية على ساسا تبعة المخاطر المستحدثة لا تزال أبعد مدى ، مما يفرق تلك الأحكام عن المسئولية على أساس الخطأ المفروض . ذلك أن الأوضاع الاقتصادية في البلاد لا تقتضي تطوراً يبلغ في عمقه مثل هذا المدى . وقصارى ما هناك أن المشروع قنع بتطبيق المسئولية على أساس الخطأ المفروض في نطاق الأحكام الخاصة بالمسئولية عن عمل الغير والمسئولية الناشئة عن الأشياء . أما المسئولية على أساس تبعة المخاطر المستحدثة فلا يوجد في شأنها سوى تشريعات خاصة تناولت تنظيم مسائل بلغت من النضوج ما يؤهلها لهذا الضرب من التنظيم ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 395 ) .

 ( [9] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 233 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” من أحدث ضرراً وهو في حالة دفاع شرعي ، سواء تعلق هذا الدفاع به أو بغيره ، كان غير مسئول ، عن ألا يجاوز في ذلك القدر الضروري ، وإلا أصبح ملزماً بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة ” . وفي لجنة المراجعة تناقش الأعضاء فيما هو الدفاع الشرعي ، واستقر الرأي على أن الدفاع الشرعي هو المحدد بشروطه في القانون الجنائي ، وقد أصبح نص المادة النهائي كما يأتي : ” من أحدث ضررا وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو عن غيره كان غير مسئول ، على ألا يجاوز في دفاعه القدر الضروري ، وإلا أصبح ملزماً بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة ” . وأصبح رقمها 170 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ اقترح النص ، في حالة مجاوزة حدود الدفاع الشرعي ، على أن يكون التعويض بقدر المجاوزة ، فأجيب بأن نص المشروع يفيد هذا المعنى ومن المتفق عليه أن التعويض يقتصر على مقدار المجاوزة في الدفاع ، وقد وافقت اللجنة على هذا التفسير ، ثم استعيضت عبارة ” في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو عن غيره ” بعبارة ” في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله ” لإظهار أن الدفاع يشمل المال أيضاً وتمشياً مع الأحكام المقررة في هذا الشأن في قانون العقوبات . وأصبح رقم المادة 166 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما عدلتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 369 – ص 372 ) . أنظر أيضاً الفقرة الأولى من المادة 72 من المشروع الفرنسي الإيطالي .

ولا يوجد مقابل لهذا النص في القانون القديم ، ولكن القاعدة كمان معمولاً بها ، والقانون الجديد لم يفعل غير أن قنن أحكام القضاء في ذلك . وورد نصوص في قانون العقوبات عن الدفاع الشرعي نذكر منها ما يأتي :

م 245 عقوبات : ” لا عقوبة مطلقاً على من قتل غيره أو اصابة بجراح أو ضربه أثناء استعماله حق الدفاع الشرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس غيره أو ماله ” . ( وتراجع المواد من 246 إلى 250 وقد بينت الظروف التي ينشأ عنها هذا الحق والقيود التي يرتبط بها ) .

م 251 – عقوبات : ” لا يعفى من العقاب بالكلية من تعدى بنية سليمة حدود حق الدفاع الشرعي أثناء استعماله إياه دون أن يكون قاصداً إحداث ضرر اشد مما يستلزمه هذا الدفاع . ومع ذلك يجوز للقاضي إذا كان الفعل جناية أن يعده معذوراً إذا رأى لذلك محلا وأن يحكم عليه بالحبس بدلا من العقوبة المقررة في القانون ” .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ولمن أحدث الضرر كذلك أن يتنصل من تبعة عمله ويدفع المسئولية عن نفسه . . . إذا اثبت توافر سبب من أسباب الإباحة وهي ثلاثة : الدفاع الشرعي ، وصدور أمر من رئيس ، والضرورة : أما حالة الدفاع الشرعي فقد عرفها التقنينان التونسي والمراكشى في المادتين 104 – 95 بأنها ( حالة يجبر فيها الشخص على العمل لدرء اعتداء حال غير مشروع موجه إلى شخصه أو ماله ، أو موجه إلى شخص الغير أو ماله ) . فمن يقوم بالدفاع الشرعي في مثل هذه الحالة ، فيحدث ضرراً للمعتدى ، لا يكون مسئولا ، ولا يعتبر ما وقع منه خطا يوجب المسألة . وقد نص التقنين الألماني صراحة على ذلك ، فقضى في المادة 227 بأن ” كل عمل يفرض على الشخص جبراً في سبيل الدفاع عن النفس لا يعتبر مخالفاً للقانون ” . ولم يقتصر القانون البرتغالي على تخويل الشخص حق الدفاع عن نفسه فحسب ، بل جاوز هذه الحدود ، وجعل من ذاك الدفاع واجباً يقع على عاتق من يشهد الاعتداء . وليس هذا الواجب مجرد واجب أدبي ، وإنما هو واجب قانوني تترتب عليه تبعات قانونية . وقد نصت المادة 2368 من هذا التقنين على أن ” كل من يمتنع عن مقاومة عمل غير مشروع ، وكان لا يعرض نفسه لخطر لو أنه قاومه ، يسأل عن التعويض مسئولية احتياطية ” . وبديهي أن المسئولية لا ترتفع في حالة الدفاع الشرعي إلا إذا كان من ألجئ إليه قد اقتر على القدر اللازم لدفع الخطر في غير إفراط . فإذا جاوز هذا القدر اعتبر ما وقع منه من قبيل الخطأ ، وقاسم المعتدى بذلك تبعة خطأ مشترك يتردد بينهما . وفي هذه الصورة يقضي للمضرور بتعويض عادل ولكنه تعويض مخفف يقدره الثاني وفقاً لقواعد الخطأ المشترك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 378 – ص 379 ) .

 ( [10] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه لا يشترط في القانون لقيام حالة الدفاع الشرعي أن يكون قد وقع اعتداء على النفس أو المال بالفعل ، بل يكفي أن يكون قد وقع فعل يخشى منه وقوع هذا الاعتداء . وتقدير الدفاع أن الفعل يستوجب الدفاع يكفي فيه أن يكون مبنياً على أسباب معقولة من شأنها أن تبرر ذلك . وما دامت العبرة في التقدير بما يراه الدافع في ظروفه التي يكون فيها ، فإن رأى المحكمة وهي تصدر الحكم في الدعوى يجب إلا يحسب له حساب في ذلك . وإذن فقول الحكم بأن المتهم لم يصب لا هو ولا أ؛د من الأهالي بأية إصابة ، وأن قصد العساكر المجني عليهم من إطلاق النار وتصويب البندقية إليه كان مجرد التهديد – هذا القول على اطلاقه لا يصلح سبباً لنفي ما تمسك به المتهم من أنه كان في حالة دفاع شرعي ، إذ هو لو كان اعتقد في الظروف التي كان فيها أن العيار الذي أطلق كان مقصوداً به أصابته أو إصابة أحد ممن كانوا معه بمحل الواقعة لكان اعتقاده له ما يبرره ولكن كافياً في تبرير فعل القتل الذي وقع منه ( نقض جنائي في 28 ديمسبر سنة 1942 المحاماة 24 رقم 98 ص 321 – أنظر أيضاً نقض جنائي في 5 ابريل سنة 1943 المحاماة 25 رقم 83 ص 493 ) . وقضت كذلك بأنه إذا كانت الواقعة الثابتة بالحكم هي أن المتهم لم يطلق المقذوف الناري الذي أصاب المجنى عليه إلا حين رآه عند الفجر في زراعته يسرق منها فهذا ، متى كانت الاصابة غير مميتة ، مما يسوغ القول بأن المتهم كان في حالة دفاع شرعي عن ماله ( نقض جنائي في 18 يناير سنة 1943 المحاماة 24 رقم 149 ص 460 ) .

 ( [11] ) أنظر جازو 1 فقرة 489 – هذا ولو أخذنا بالتخريج الأول ، واعتبرنا دفع الاعتداء خطأ استغرقه خطأ أكبر ، فتعذر تبرير الإعفاء من المسئولية التقصيرية في حالة الضرورة ، ولكان العمل الضار الذي يقع في هذه الحالة خطا قائماً لم يقابله خطا يستغرقه من جانب المضرور ( أنظر فقرة 534 فيما يلي ) .

 ( [12] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 234 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – لا يكون الموظف العام مسئولا عن عمله الذي اضر بالغير ، إذا قام به تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيس تجب عليه طاعته أو من رئيس يعتقد أن الطاعة واجبة له . 2 – على من أحدث الضرر أن يثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي قام به ، بأن يقيم الدليل على أنه راعى في ذلك جانب الحيطة وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة ” . وفي لجنة المراجعة أبدلت عبارة ” من رئيس تجب طاعته أو من رئيس يعتقد أن الطاعة واجبة له ” بعبارة ” من رئيس نظامي متى كانت اطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو متى كان يعتقد إنها واجبة ” ، وذلك لأن الرئيس ليس هو الذ يتجب طاعته ، بل الأمر الذي صدر من هذا الرئيس هو الذي تجب له الطاعة . وأصبح رقم المادة 172 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ حذفت كلمة ” نظامي ” لأنها تزيد ، وادمجت الفقرة الثانية في الفقرة الأولى بعد أن عدلت على الوجه الآتي : ” وأثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنياً على أسباب معقولة ، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة ” وقد توخت اللجنة في التعديل إلا تفصل بين شقي الحكم فضلا يثير في لاذهن أن الأمر لا يعدو مجرد الإثبات كما كان يفهم ذلك من النص قبل التعديل ، فالواقع أن المسئولية لا ترتفع إلا إذا توافرت جميع العناصر التي يتضمنها النص ” . وأصبح رقم المادة 167 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 373 – ص 376 ) .

ولم يشتمل القانون المدني القديم على نص في هذه المسألة ، ولكن القضاء كان يسير على مقتضى هذا الحكم لانطباقه على القواعد العامة ( أنظر استئناف مختلط في 3 مارس سنة 1898 م 10 ص 174 – وفي 21 يونية سنة 1923 م 35 ص 521 ) .

ويشتمل قانون العقوبات على نص يقابل نص القانون المدني الجديد ، هو المادة 63 ، وتجري على الوجه الآتي :

 ” لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أميرى في الأحوال الآتية : ( أولاً ) إذا ارتكب الفعل تنفيذاً لأمر صادر إليه من رئيس وجبت عليه اطاعته أو اعتقد إنها واجبة . ( ثانياً ) إذا حسنت نيته وارتكب فعلا تنفيذاً لما أمرت به القوانين أو ما اعتقد أن اجراءه من اختصاصه . وعلى كل حال يجب على الموظف أن يثبت أنه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبت والتحري وأنه كان يعتقد مشروعيته وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة ” .

وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وترتفع المسئولية كذلك إذا كان العمل الضار قد وقع تنفيذاً لأمر صادر من رئيس إداري لانتفاء الخطأ في هذه الصورة . ويشترط لاعمال هذا الحكم شرطان . فيجب أولاً أن يكون محدث الضرر موظفاً عاما . ويجب ثانياً أن يكون العمل الضار قد وقع تنفيذاً لأمر صادر من رئيس إداري ولو لم يكن الرئيس المباشر . وعلى من أحدث الضرر أن يقيم الدليل ، لا على اعتقاده وجوب طاعة هذا الرئيس فحسب ( وقد رأينا أن المشروع النهائي جعل الطاعة واجبة أيضاً للآمر الصادر من الرئيس ) ، بل وكذلك على اعتقاده وجوب تنفيذ الأمر الصادر منه . وعليه كذلك أن يقم الدليل على أن اعتقاده هذا كان مبنياً على أسباب معقولة وانه راعى جانب الحيطة فيما وقع منه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 379 ) .

 ( [13] ) ولما كان القانون المدني القديم لم يشتمل على نص في هذه المسألة كما قدمنا ، فقد كان الفضاء لا يجعل صفة الموظف العام أمراً ضرورياً ( استئناف مختلط في 3 مارس سنة 1898 م 10 ص 174 – محكمة مصر المختلطة في 9 مارس سنة 1925 جازيت 17 رقم 18 من 24 ) . وكان يبحث هل الوكيل يكون مسئولا شخصياً وهو ينفذ تعليمات موكله ( استئناف مختلط في 17 مارس سنة 1920 م 32 ص 302 – وف ي 10 مايو سنة 1922 م 34 ص 389 ) ، وهل مدير الشركة يكون مسئولا شخصياً وهو ينفذ قرارات مجلس الإدارة ( استئناف مختلط في 28 مايو سنة 1900 م 12 ص 279 ) ، فكان يقضي بأن هؤلاء يكونون مسئولين متى كانوا يعلمون أن العمل الذي ينفذونه هو عمل غير مشروع .

 ( [14] ) وظاهر أنه لو اتضح أن الموظف العام كان يعلم عدم مشروعية العمل الذي ارتكبه ، فإنه يكون مسئولا ( استئناف مختلط في 21 يونية سنة 1923 م 35 ص 521 وقد سبقت الإشارة إلى هنا الحكم ) .

 ( [15] ) أنظر مازو 1 فقرة 497 .

 ( [16] ) أنظر المادة 63 من قانون العقوبات الفقرة ( ثانياً ) – وانظر في الموضوع : استئناف مختلط في 27 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 106 .

هذا وإذا كان الأمر الصادر من رئيس إداري يجعل العمل مشروعاً ، فإن الترخيص الإداري لا يعفى من المسئولية المدنية . فإذا حصل صاحب المصنع على رخصة بإدارة مصنعه بعد استيفائه الشروط المقررة ، فإنه يبقى مسئولا إذا اضر الغير بخطئه ، ولا يستطيع أن يدفع مسئوليته بأنه حصل على ترخيص بإدارة المصنع واستوفى الشروط التي تطلبتها الإدارة ( مازو 1 فقرة 498 ) .

 ( [17] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 235 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” من سبب ضرراً للغير ، وقاية لنفسه أو لغيره من ضرر محدق يزيد كثيراً على الضرر الذي سببه ، لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسب ” . واقرت لجنة المراجعة هذا النص ، وأصبح رقم المادة 172 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب عليه . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ عدل النص حتى أصبح مطابقاً للنص الوارد في القانون الجديد ، وأصبح رقم المادة 168 . ووافق عليه مجلس الشيوخ كما عدلته لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 377 – ص 381 ) . وانظر أيضاً في هذه المسألة المادة 77 فقرة 2 من المشروع الفرنسي الإيطالي ، والمادة 228 من القانون الألماني ، والمادة 52 فقرة 2 من قانون الالتزامات السويسري والمادة 130 من القانون البولوني .

ولم يشتمل القانون المدني القديم على نص يقابل هذا النص في القانون المدني الجديد . ولكن قانون العقوبات تضمن النص الآتي :

م 61 عقوبات : ” لا عقاب على من ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ، ولم يكن لإرادته دخل في حلوله ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى ” .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويراعى اخيراً أن حالة الضرورة قد تستتبع التخفيف من المسئولية أو نفيها . فهي تؤدي إلى التخفيف إذا لم يكون للمضرور نصيب في قيامها . ويظل محدث الضرر مسئولا في هذه الحالة ، ولكنه لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً ، باعتبار أنه أجلئ إلى ارتكاب العمل الضار وقاية لنفسه أو لغيره من ضرر محدق اشد خطراً . فهو من هذه الناحية أيسر تبعة وأخف وزراً . أما الغير الذي وقع الضرر وقاية له فيكون مسئولا قبل محدث الضرر أي قبل المضرور وفقاً لقواعد الإثراء بلا سبب ، وينبغي التحرز ، في هذا المقام ، في التفريق بين حالة الضرورة وبين القوة القاهرة من ناحية ، وبين هذه الحالة وحالة الدفاع الشرعي من ناحية أخرى . ففي حالة الضرورة يكون لمحدث الضرر مندوحة عن إحداثه لو أنه وطن نفسه على تحمل الضرر الذي كان يتهدده . أما القوة القاهرة فهي على النقيض من ذلك تلجئ إلى الإضرار الجاء لا قبل للفاعل بدفعه . ثم أن الخطر الداهم الذي يقصد إلى توقيه في حالة الضرورة لا يكون للمضرور يد في إحداثه . ويختلف عن ذلك وضع المضرور في حالة الدفاع الشرعي ، فهو بذاته محدث ذلك الخطر . ويتفرع على ما تقدم أن حالة الضرورة قد تختلط بحالة الدفاع الشرعي إذا كان العمل الضار لم يدفع إليه خطر خارجي ، وإنما استلزمه خطر صادر من المضرور نفسه . ففي مثل هذه الحالة تنتفي المسئولية بتاتاً ، ويكون للضرورة حكم الدفاع الشرعي من هذا الوجه . وقد لمح التقنين الألماني هذه التفرقة ، فنص في المادة 228 على ا ، ( كل من اتلف أو خرب شيئاً مملوكاً للغير لدرء خطر يتهدده أو يتهدد غيره من جراء هذا الشيء لا يعد بذلك مخالفاً للقانون ، متى كان الإتلاف أو التخريب قد استلزمه دفع الخطر وكان الضرر متناسباً مع هذا الخطر . فإذا كان الفاعل قد أحدث الخطر بفعله سئل عن تعويض الضرر ) . وقد اتبع التفنين البولوني هذه التفرقة نفسها مع اختلاف في التعبير ، فنص في المادة 140 على أن ( كل من خرب أو اتلف شيئاً مملوكا للغير ، أو قتل أو جرح حيواناً مملوكا للغير ، وقاية لنفسه أو لغيره من خطر يتهدده أو يتهدد هذا الغير مباشرة من جراء هذا الشيء أو ذاك الحيوان لا يسأل عما يحدث من ضرر ، إذا كان لم يستجلب هذا الخطر ، وكان الفعل الذي ترتب عليه الضر لازماً ) . ويلاحظ أن التقنينين المتقدم ذكرهما يفرقان بين حالة إحداث الخطر من جراء شيء يملكه المضرور وبين حالة إحداث الخطر بخطأ من وقع الضرر منه . ففي الحالة الأولى تنتفي المسئولية بتاتاً ، في حين أنها تظل في الحالة الثانية كاملة غير منقوصة . على أن المشروع قد عرض لحالة أدق من الحالتين السابقتين ، فواجه صورة من صور الخطر تنجم عن ظروف خارجية لا يكون لمحدث الضرر أو المضرور يد فيها ، وقضى بتخفيف المسئولية في هذه الصورة عوضاً عن الإبقاء عليها أو نفيها في جملتها . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 379 – ص 380 ) .

أنظر في حالة الضرورة : مازو 1 فقرة 492 – فقرة 495 – ديموج 3 فقرة 240 و 6 فقرة 628 وما بعدها – سافاتييه 1 فقرة 98 وما بعدها ، وكذلك مقالا له نشر في مجموعة من الدراسات في القانون المدني لذكرى كابيتان ص 729 – وما بعدها – ريبير في القاعدة الأدبية في الالتزامات المدنية فقرة 46 – بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 567 – لالو فقرة 302 وما بعدها – لالمان ( Lallement ) رسالة من باريس سنة 1922 – ابوف ( Aboaf ) رسالة من باريس سنة 1941 – ستارك ( Starck ) رسالة من باريس سنة 1947 .

 ( [18] ) نقض أول فبراير سنة 1937 المحاماة 17 رقم 488 ص 963 – وفي 17 نوفمبر سنة 1941 المحاماة 22 رقم 158 ص 468 .

 ( [19] ) بقيت مسألة أخيرة في ركن التعدى ، هي المقارنة ما بين وضعين لا تتحقق المسئولية في أي منهما مع إنهما وضعان مختلفان . فهناك وضع لم يقم فيه ركن التعدي فانتفى الخطأ ، ووضع انتفت فيه علاقة السببية لقيام السبب الأجنبي . ويخطئ من يظن أن هذين الوضعين متماثلان ، لا شك في أن قيام السبب الأجنبي تنتفي به المسئولية ، فلا محل عندئذ للبحث عما إذا كان هناك خطأ ، فهو حتى إذا كان موجوداً لا تتحقق به المسئولية . ولكن العسك غير صحيح . فإن السبب الأجنبي إذا لم يقم ، بقى محل للبحث هل الخطأ منتف أو موجود .

وتظهر الأهمية العملية لما تقرره في حالة ما إذا كان الخطأ مفروضاً فرضاً قابلا لإثبات العكس ، كما في مسئولية من تولى الرقابة على الغير . فإن المسئولية في هذه الحالة لا يطلب منه إثبات السبب الأجنبي ( cause etrangece ) ، بل يكفي أن يثبت انتفاء الخطأ ( absence de faute ) . وهذه مرحلة أيسر في الإثبات إذ يستطيع من فرض في جانبه الخطأ أن يثبت أن الطريق الذي سلكه لم ينحرف فيه عن الطريق المألوف الذي يسلكه الشخص العادي ، وبذلك ينتفي الخطأ . أما من يثبت السبب الأجنبي فإنه يثبت أن الطريق الذي سلكه هو الطريق الوحيد الذي كان يتحتم عليه أن يسلكه . والفرق ظاهر بين الوضعين .

فانتفاء الخطأ هو إذن مرحلة وسطى بين مرحلتين : وقوع الخطأ وقيام السبب الأجنبي ( أنظر مازو 1 فقرة 624 – فقرة 633 ) .

 ( [20] ) فالمجانين مقياسهم المجرد ، فيما هو من أعمال المجانين ، مجنون منهم تقاس تصرفاتهم إلى تصرفاته . ويلاحظ أن كل عمل يصدر من المجنون يعتبر من أعمال المجانين ، وأن المجانين سواسية في انعدام التمييز ، فأي مجنون يصلح أن يكون هو المقياس المجرد .

 ( [21] ) أنظر بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 968 – كولان وكابيتان ص 222 – ص 224 – بلانيول وريبير وغسمان 1 فقرة 498 – الموجز للمؤلف ص 325 – ص 327 – مصطفى مرعى بك ص 49 – ص 52 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت بك ص 311 – ص 313 – أنظر عكس ذلك مازو 1 فقرة 456 وما بعدها – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار ص 35 – ص 37 – ومع ذلك أنظر ص 64 الدكتور عبد المعطي خيال بك مذكرات غير مطبوعة مشار إليها في مؤلف حشمت بك ص 312 .

هذا وقد بينا ما ينطوي عليه مقياس الشخص المجرد من تسليم جزئي يتحمل التبعة ، فلو قلنا بمساءلة عديم التمييز ، لسلمنا بالنسبة إليه بنظرية تحمل التبعة تسليماً كاملاً .

 ( [22] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 231 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – يكون الشخص مسئولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز ، حتى لو لم يكن أهلاً للتعاقد . 2 – إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ، وتعذر رجوع المصاب بالتعويض على من نيضت به الرقابة على هذا الشخص ، جاز للقاضي انيلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل ، مراعياً في ذلك مركز الخصوم . 3 – إذا أحدث شخص ضرراً في وقت فقد فيه التمييز التزم بتعويض الضرر ، ما لم يثبت أنه كان قد فقد التمييز بغير خطأ منه ” . وفي لجنة المراجعة اقترحت تعديلات اللفظية ، واقترح أيضاً تعديل عبارة ” تعذر الرجوع على المسئول ” بعبارة ” تعذر الحصول على تعويض من المسئول ” حتى يتبين بوضوح أن التعذر ينصب على جواز الرجوع قانوناً وعلى إمكان الحصول على التعويض فعلا . ونوقشت الفقرة الأخيرة من المادة ، ورؤى بعد المناقشة أن تحذف هذه الفقرة لعدم الحاجة إليها ، ولأنها لو أقرت لوجب البحث في الحالة التي يفقد الشخص التمييز فيها بغير خطأ منه فيما إذا كان هذا الشخص يبقى مسئولا بمقتضى الفقرة الثانية ، وقد رأت اللجنة أن المسئولية تبقى في هذه الحالة ولكن كل ذلك يستفاد من تطبيق القواعد العامة فلا حاجة إلى هذه الفقرة الأخيرة . وقد أصبح نص المادة بعد هذه التعديلات كالآتي : ” 1 – يكون الشخص مسئولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز ولو لم يكن هناك أهلاً للالتزام بالعد . 2 – ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ، ولو لم يكن هناك هو مسئول عنه أو تعذر الحصول على تعوض من المسئول ، جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل ، مراعياً في ذلك مركز الخصوم ” . وأصبح رقم المادة 168 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ حذف من الفقرة الأولى عبارة ” ولو لم يكن أهلاً للالتزام بالعقد ” لأنها تزيد لا تقتضيه ضرورة ( المؤلف : ويمكن القول بأن في هذا الحذف تجنباً للخلط بين الأهلية وركن الإدراك في الضرر ) . ووافقت اللجنة على الفقرة الثانية ولو أن حكمها مخالف للقواعد المعمول بها ، وإنما تقضي به العدالة ، وله سند من الشريعة الإسلامية . إذ جاء في المادة 916 من المجلة ما يأتي : ” وإذا أتلف صبي مال غيره فيلزم الضمان من ماله ، فإن لم يكن له مال ينتظر إلى حال يساره ، ولا يضمن وليه ” . ولما اعترض في اللجنة على التعبير ” بتعويض عادل ” أجيب على هذا الاعتراض بأن مبدأ مسئولية الصبي غير المميز مأخوذ من الشريعة الإسلامية ، وهو في الواقع مبدأ جديد على القانون المدني ، والتعويض العادل أريد به أن يكون أقل من التعويض العادي وأن تراعى فيه اعتبارات قد لا تراعى في التعويض العادي . فوافقت اللجنة على إبقاء التعبير كما هو . وأصبح رقم المادة 164 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 356 – ص 361 ) .

وفي القانون المدني القديم نصت المادة 212 من القانون المختلط على ما يأتي : ” كل فعل مخالف للقانون يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر الناشئ عنه ، ما لم يكن الفاعل غير مدرك لأفعاله ، سواء لعدم تمييزه بالنسبة لسنه أو لا يسبب آخر ” .

أنظر أيضاً المادتين 75 و 76 من المشروع الفرنسي الإيطالي والمادة 54 من قانون الالتزامات السويسري والمادتين 138 و 143 من قانون الالتزامات البولوني والمادة 122 الفقرتين الثانية والثالثة من القانون اللبنانين .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” جعل التمييز مناطاً للأهلية ( المؤلف : وقد بينا عدم الدقة في هذا القول ) في المسئولية التقصيرية . فمتى كان الشخص قادراً على تمييز الخير من الشر وجبت مساءلته عن خطئه ، فمرجع الأمر في هذا الشأن فكرة ذاتية أو شخصية يناط بها الحكم ولو وقع العمل الضار بعد فقد التمييز بصورة موقوتة متى كان هذا الفقد راجعاً إلى خطا الفاعل ، ويتعين على محدث الضرر ، إزاء ذلك ، أن يقيم الدليل على أن زوال التمييز طرأ عليه بغير خطأ منه إذا أراد أن يدفع المسئولية عن نفسه . فالخطأ يفترض في هذه الحالة ، والضرر لا يأتي إلا في المرتبة الثانية من حيث تسلسل النتائج ووصل رباط السببية بها ، إذ هو ينجم عن فقد التمييز وهذا بدوره يترتب على الخطأ . وقد أورد التقنينان التونسي والمراكشي تطبيقاً لهذا الحكم فنصا في المادتين 102 / 93 على أن ( حالة السكر لا ترفع المسئولية المدنية في الالتزامات الناشئة عن الجنح وأشباهها ، متى كانت هذه الحالة اختيارية . وترتفع المسئولية إطلاقاً إذا كان السكر غير اختياري ، ويقع عبء الإثبات على عاتق المدعى عليه ) . ويختلف عن ذلك حكم زوال التمييز بغير خطأ ممن أحدث الضرر ، إذ تستبدل بتلك الفكرة الذاتية فكرة موضوعية أو مادية . وإذا كانت المسئولية تظل قائمة في هذا القرض فهي مسئولية مخففة . وعلى هذا النحو تستأثر المسئولية الموضوعية أو المادية بالصدارة على المسئولية الشخصية أو الذاتية دون أن تحل محلها على وجه كامل وفلا تترتب مسئولية من زال عنه التمييز إلا بتوافر شرطين : أولهما أن يتعذر على المصاب الرجوع بالتعويض على من نيطت به الرقابة على من أحدث الضرر ، إما لعدم إقامة الدليل على مسئوليته وإما لإعساره . والثاني أن يسمح مركز الخصوم للقاضي بأن يقرر للمضرور تعويضاً عادلا . فيجوز رفض الحكم بالتعويض إذن ، إذا لم يكن غير المميز قادراً على ادائه ، بل ويجوز عند الاقتدار انقاص التعويض عدالة حتى يكون في حدود سعته . ويراعى في ذلك كله مركز المضرور نفسه من الناحية المادية وجسامة الخطأ ( ؟ ) ومدى الضرر ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 357 – ص 358 ) .

 ( [23] ) نصت الفقرة الثانية من المادة 45 من القانون المدني الجديد على أن ” كل من لم يبلغ السابعة يعتبر فاقداً للتمييز ” .

 ( [24] ) أنظر في مسئولية المجنون : وينز ( Weenz ) مقال له في المجلة الانتقادية سنة 1935 ص 87 – نيجي ( Neagu ) رسالة من باريس سنة 1929 – ليموزوني ( Limouzoanu ) رسالة من ديون سنة 1932 .

 ( [25] ) استئناف مختلط في 17 مارس سنة 1897 م ) ص 241 .

 ( [26] ) استئناف مختلط في 6 ابريل سنة 1882 بوريللي م 213 رقم 11 .

 ( [27] ) رأينا أن المشروع التمهيدي تضمن نصاً يقضي بأن فاقد التمييز لسبب عارض هو الذي يثبت أنه كان قد فقد التمييز بغير خطأ منه . وقد حذف هذا النص في المشروع النهائي اكتفاء بتطبيق القواعد العامة . ونرى أن الأصل في المميز أنه إذا فقد التمييز لسكر أو لمخدر يكون قد عرف ذلك في نفسه من قبل ، فأقدامه على السكر والمخدرات يعد خطأ منه ، إلا إذا اثبت أنه كان مضطراً أو أنه لم يعهد في نفسه من قبل أن يفقد الوعي . ويترتب على ذلك أن المصاب بمرض النوم أو الصرع لا حاجة به أن يثبت أن فقد التمييز لم يكن بخطأ منه ، فإن أمره واضح . وكثير من التقنينات الحديثة تقرر الحكم الذي تضمنه النص المحذوف من المشروع التمهيدي : أنظر م 102 / 93 من القانونين التونسي والمراكشي والمادة 54 من قانون الالتزامات السويسري والمادة 138 من قانون الالتزامات البولوني .

 ( [28] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا كان هناك خطا مشترك من سائق السيارة وهو يسير بسرعة ومن جهة الشمال ومن المضرور وهو طفل صغير سنه ست سنوات وقد تركه أبوه في الشارع فدهسته السيارة ، فإن مسئولية السائق ( ومخدومته ) تنزل إلى النصف باعتبار أن هناك خطا مشتركا من السائق ومن والد الطفل الذي ترك طفله في الشارع ( استئناف مختلط في 15 ديسمبر سنة 1948 م 61 ص 28 – وانظر أيضاً استئناف مختلط في 15 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 74 – وفي 5 مارس سنة 1931 م 43 ص 266 ) . ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا تبين أن حادثة ما ترجع إلى خطأ مشترك بين سائق الترام والمصاب ، وكان المصاب المنسوب إليه الخطأ صبياً غير مميز ، فإن شركة الترام وسائقها يسألان متضامنين قبل المصاب ( الطفل ) عن التعويض كاملا ، ولا يخفف من مسئوليتهما ما هو منسوب للصغير من الخطأ ، لأن الخطأ لا تصح نسبته له . وللشركة إذا شاءت أن ترجع على والد الصغير بمقتضى قواعد التضامن ( استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1922 م 34 ص 426 ) . أنظر في نقد هذا الحكم الأخير مصطفى مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 61 . ونرى أن عمل الطفل إذا لم يعتبر خطا فهو على كل حال عمل مادي تجب مراعاته عند تقدير خطا المسئول .

 ( [29] ) وهذا هو الغالب ، لأن عديم التمييز يكون عادة في كفالة شخص يراقبه ويكون مسئولا عنه . ومن ثم تخف في العمل حدة انتفاء المسئولية عند انعدام التمييز .

 ( [30] ) وقد قضت محكمة النقض بما يأتي : ” حيث إن المادة 152 من القانون المدني ( القديم ) ، إذ نصت بصفة مطلقة على أنه يلزم السيد بتعويض الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمته متى كان واقعاً منهم في حال تأدية وظائفهم ، قد أفادت أنه لا يجب ثبوت أي تقصير أو إهمال من جانب المتبوع الذي يلزم بالتعويض ، بل يكفي لتطبيقها أن يقع الخطأ المنتج للضرر من التابع أثناء تأدية وظيفته ، فتصح إذن مساءلة القاصر بناء عليها عن تعويض الضرر الذي ينشأ من أعمال خدمة الذين عينهم له وليه أو وصيه أثناء تأدية أعمالهم لديه . ولا يحق للمساءل فى هذه الحالة أن يرد على ذلك بأنه هو بسبب عدم تمييزه لصغر سنه لا يمكن أن يتصور أي خطأ في حقه ، إذ المسئولية هنا ليست عن فعل وقع من القاصر فيكون للإدراك والتمييز حساب ، وإنما هي عن فعل وقع من خادمه أثناء تأدية أعماله في خدمته ” . ( نقض جنائى في 25 مايو سنة 1942 مجموعة عمر للأحكام الجنائية 5 رقم 411 ص 665 – مصطفى مرعى بك فى المسئولية المدنية فقرة 61 مكررة ) .

 ( [31] ) قارن ما ذكر خطأ فى المذكرة الإيضاحية من مراعاة جسامة الخطأ ( أنظر آنفاً فقرة 537 في الهامش ) . وأنظر في الاعتبارات التي يراعيها القاضى في تقدير التعويض المادة 1310 من القانون النمساوى ، وهي تذكر خطأ المسئول وإهمال المضرور في درء الخطر عنه وخطأ .

 ( [32] ) ولما كان النص الذي يقرر هذه المسئولية قد استحدثه القانون المدنى الجديد ، فليس له أثر رجعى . والعبرة باليوم الذي وقع فيه العمل الضار ، فإن كان قبل يوم نفاذ القانون الجديد ( 15 أكتوبر سنة 1949 ) فالقانون القديم هو الذي يسرى ولا مسئولية على عديم التمييز ، وإلا فإن القانون الجديد هو الذي يسرى وتتحقق مسئولية عديم التمييز المخففة .

 ( [33] ) أنظر المادتين 75 و 76 من المشروع الفرنسى الإيطالى والمادة 829 من القانون الألمانى والمادة 1310 من القانون النمساوى والمادة 54 من قانون الالتزامات السويسرى والمادة 122 من القانون اللبناني والمادة 406 من القانون السوفييتى والمادة 187 من القانون الصيني والمادة 2377 من القانون البرتغالى والمادة 2047 من القانون الإيطالي الجديد وقانون 16 أبريل سنة 1935 في بلجيكا .

وفي الفقه الإسلامي إذا كان الإتلاف مباشراً لا يشترط فيه التعمد أو التعدى ” حتى أن طفلاً يوم ولد لو انقلب على مال إنسان فأتلفه يلزم الضمان ، وكذا المجنون الذي لا يفيق إذا مزق ثوب إنسان يلزمه الضمان : الهندية ” ( الموجز في النظرية العامة للالتزامات للمؤلف ص 327 هامش رقم 1 ) .

 ( [34] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة في أحكام كثيرة بمسئولية الشركات عن أعمال ممثليها ، وذلك كشركات السكك الحديدية ( استئناف مختلط في 28 أبريل سنة 1896 م 8 ص 255 – وفي مارس سنة 1906 م 18 ص 137 ) ، وشركات التزام ( استئناف مختلط في 19 مايو سنة 1928 م 40 ص 3709 ، وشركات الملاحة ( استئناف مختلط في أول أبريل سنة 1903 م 15 ص 221 ) ، وشركات المياه والنور والغاز ( استئناف مختلط في 14 يونية سنة 1913 م 25 ص 447 ) .

والوقف يعتبر شخصاً معنوياً وناظر الوقف هو الممثل له ، فيكون الوقف مسئولاً عن اخطاء ناظر . وقد قضت محكمة النقض بأن الوقف بأحكامه المقررة في الفقه الإسلامي هو في فقه القانون المدنى شخص اعتبارى تكاملت فيه مقومات الشخصية القانونية . والشخص الاعتبارى كما أن له وجوداً افترضه القانون له إرادة مفترضة هي إرادة الشخص الطبيعي الذي يمثله . فالخطأ اذي يقع من ممثله بصفته هذه يعتبر بالنسبة إلى الغير الذي أصابه الضرر خطأ من الشخص الاعتبارى . فالحكم الذي يرتب المسئولية على جهة الوقف عن خطأ وقع من الناظر عملاً بالمادة 151 من القانون المدنى ( القديم ) لايكون مخطئاً ( نقض مدنى في 11 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 287 ص 565 ) . على أن محكمة الاستئناف المختلطة قد قضت بأنه لا يكون الوقف مسئولاً عن خطأ الناظر إذا لم يكن معيناً من قبل المستحقين لأن الناظر في هذه الحالة لا يكون تابعاً للوقف ( استئناف مختلط في 19 يونية سنة 1930 م 42 ص 576 – وانظر أيضاً استئناف مختلط في 19 يونية سنة 1930 م 42 ص 576 – وانظر أيضاً استئناف مختلط في 24 ديسمبر سنة 1879 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 5 ص 83 ) . وسنرى أنه يمكن مساءلة الشخص المعنوى مباشرة لا باعتباره متبوعاً ، وعلى هذا الوجه تسقط الحجة التي وردت في الحكم من أن ناظر الوقف إذا لم يعينه المستحقون لا يكون تابعاً للوقف .

 ( [35] ) بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 973 .

 ( [36] ) بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 972 – فقرة 973 – كولان وكابيتان 2 فقرة 374 .

 ( [37] ) أنظر في مسئولية السلطات العامة : دويز ( duez ) في مسئولية السلطة العامة – تيرار ( Tirard ) رسالة من باريس 1906 – ديبير ( Debeyre ) رسالة من ليل سنة 1936 – كليار ( colliard ) رسالة من إكس سنة 1938 .

 ( [38] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بمسئولية الدولة عن الخطأ الذي ترتكبه في أعمال الري ( استئناف مختلط في 24 ديسمبر سنة 1896 م 9 ص 74 – وفي 21 مايو سنة 1901 م 13 ص 315 – وفي 17 أبريل سنة 1930 م 42 ص 428 ) ، وفي أعمال الطرق والتنظيم ( استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1896 م 8 ص 327 – وفي 22 مارس سنة 1900 م 12 ص 177 – وفي 18 فبراير سنة 1906 م 28 ص 127 ) ، وفي أعمال البوليس والأمن ( استئناف مختلط في 25 أبريل سنة 1901 م 13 ص 263 – وفي 4 نوفمبر سنة 1914 م 27 ص 7 – وفي 11 مايو سنة 1918 م 30 ص 420 ) ، وفي أعمال الجمرك ( استئناف مختلط في 18 أبريل سنة 1900 م 12 ص 192 – وفي 21 يونية سنة 1911 م 23 ص 379 – وفي 4 يناير سنة 1923 م 35 ص 130 م 35 ص 130 ) . وقضت كذلك بمسئولية المجالس البلدية ( استئناف مختلط في 4 مايو سنة 1892 م 4 ص 294 ) .

 ( [39] ) وقد قضت محكمة النقض بأن تحقيق حصول الفعل أو الترك أو عدم حصوله هو من الأمور الواقعية اتلي تدخل في سلطة قاضى الموضوع ، ولا معقب على تقديره ، أما ارتباط الفعل أو الترك بالضرر الناشئ ارتباط المسبب بالسبب والمعلول بالعلة ، وكذلك وصف ذلك الفعل أو الترك بأنه خطأ أو غير خطأ ، فهما كالهما من المسائل القانونية التي يخضع في محلها قاضى الموضوع لرقابة محكمة النقض ( نقض مدنى في 11 يناير سنة 1934 المحاماة 14 ص 219 ) أنظر أيضاً الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار ص 54 – ص 55 – بلانيول وريبير وبولانجيه فقرة 956 وفقرة 967 .

نقلا عن محامي أردني

طرق الاثبات ذات القوة المطلقة

طرق الاثبات ذات القوة المطلقة

الـكتابة

       66 ـ الورقة والسند والتصرف : يقوم لبس فى لغة القانون الفرنسية من شأنه أن يخلط ما بين التصرف وأداة إثباته ، فالشيئان يطلق عليهما لفظ واحد ، هو لفظ (acte) . وقد تسرب هذا اللبس إلى لغة القانون العربية ، فأطلق لفظ (( العقد )) على التصرف ، ثم استعمل اللفظ عينه فى أداة إثباته فقيل ((عقد رسمى)) و ((عقد عرفى)) وقصد بذلك الورقة الرسمية أو العرفية الورقة التى تعد لإثبات التصرف ([1]) .

       وحتى لا يقوم هذا اللبس نقصر لفظ (( العقد )) على الوع المعروف من التصرفات القانونية . أما أداة الإثبات فلها لفظان فى اللغة العربية : السند والورقة . ولما كان لفظ ((الورقة)) أعم فى المعنى من لفظ ((السند)) إذ السند معناه كما قدمنا الورقة المعد للاثبات ، أى الدليل المهيأ (prevue preconstituee) ، فالأولى أن نقف عند لفظ ((الورقة)) ، فنستعمل هذا اللفظ فى الأجلة الكتابية جميعاً ، سواء أعدت للإثبات أو لم تكن معدة . ونقول ((الورقة الرسمية )) ((والورقة العرفية)) ، قاصدين بذلك الدليل الكتابي الذى يثبت به التصرف ولو لم يكن معداً للإثبات ، كالرسائل والبرقيات والدفاتر التجارية . وفرق ما بين التصرف والورقة المثبتة له ، فقد يكون التصرف صحيحاً والورقة باطلة ،  $106 وعلى  العكس من ذلك قد يكون التصرف باطلا الورقة صحيحة ([2]) .

       67 ـ أنواع الاوراق وقوتها فى الاثبات : والأوراق ـ كأداة للإثبات ـ قسمان : (1) أوراق رسمية (actes authentiques) ، ويقوم بتحريرها موظف عام محتص وفقاً لأوضاع مقررة . وهى كثيرة متنوعة : منها الأوراق الرسمية المدنية كتلك التى تثبت العقود والتصرفات المدنية ، ومنها الأوراق الرسمية العامة كالقرارات الإدارية والقوانين والمعاهدات ،ومنها الأوراق الرسمية القضائيةكعرائض الدعوى وأوراق المحضرين ومحاضر الجلسات والأحكام ـ (2) أوراق عرفية (actes sous seing prive)  ، ويقوم بتحريرها الأفراد فيما بينهم . وهى نوعان : (1) أوراق معدة للإثبات كالأوراق المعدة لإثبات التصرفات القانونية من بيع وإيجار ونحوهما وتسمى أيضاً (( بالسندات )) (ب) وأوراق غير معدة للإثبات كدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية والرسائل والرقيات .

       والكثرة الغالبة من الأوراق الرسمية والعرفية هى (( سندات )) أو أوراق معدة للإثبات ، فهى دليل مهيأ (prevue preconstituee) ، وقد تقدم ذكر ذلك ([3]) . والأصل أن الورقة التى تعد لإثبات تصرف تكتب عقب إبرام هذا التصرف ، فالمتبايعان مثلا يبرمان عقد البيع فيما بينهما ثم يعدان ورقة لإثباته . ولكن يقع كثيراً أن المتعاقدين يبرمان العقد وقت كتابة الورقة والتوقيع عليها ، ولا يعتبر العقد قد تم إلا بالتوقيع . بل ليس ما يمنع أن تكتب ورقة إعداد $107 لإثبات تصرف لم يتم إبرامه ، فلا يعتبر العقد فى هذه الحالة قد أبرم بمجرد كتابة الورقة ولو وقعت . وقد قضت محكمة استئناف أسيوط فى هذا المعنى بأن (( التعاقد لا يعتبر تاماً ملزماً بمجرد تدوين نصوصه كتابة ولو حصل التوقيع عليها ، بل إنه لا بد من قيام الدليل على تلاقى إرادة المتعاقدين على قيام الالتزام ونفاذه ، وهذا ما يقتضى تسليم السند المثبت له لصاحب الحق فيه ، بحيث لو تبين أنه لم يسلم إليه مطلقاً لما صلح هذا الالتزام ، كما أنه إذا تبين أنه قد تحرر مكتوب بالتعاقـد ولكنه سلم لأميـن فانه يتعين البحث فى ظروف وشـروط تسليـم ذلـك المكتـوب للأمين )) ([4]) .

 والأوراق ـ رسمية كانت أو عرفية ـ لها حجية فى الإثبات يحددها القانون ، وهى تتفاوت قوة وضعفا . وأقوى الأوراق فى الإثبات هى الأوراق الرسمية . فهى حجة على الناس كافة على الوجه الذى سنبينه فيما بعد . أما الأوراق العرفية المعدة للإثبات فقوتها أقل من قوة الأوراق الرسمية ، إذ هى لا تنهض حجة إذا أنكرها من صدرت منه ، وعند ذلك يرسم القانون إجراءات معينة لتحقيق صحة صدورها ([5]) . وسنعود إلى هذه المسألة فى موضعها ببيان أوفى . والأوراق العرفية غير المعدة للإثبات لا يكون لها من الحجية إلا القدر الذى يعينه القانون ، كما هو الأمر فى شأن الرسائل والبرقيات ودفاتر التجار .

       وحجية الأوراق ـ رسمية كانت أو عرفية ـ لا تقتصر على ما تثبته هذه الأوراق عن طريق التقرير (disposition) ، بل تتناول أيضاً ما تثبته عن طريق الاخبار (enunciation) إذا اتصل اتصالا مباشراً بما تثبته عن طريق التقرير . وفى هذا المعنى تنص المادة 1320 من التقنين المدنى الفرنسى على ما يأتى : (( تكون الورقة ـ رسمية كانت أو عرفية ـ حجة على الطرفين حتى فيما لم تذكره إلا على سبيل الاخبار ، ما دام الاخبار متصلا اتصالا مباشراً بما ذكر على سبيل التقرير ، أما إذا كان الاخبار أجنبياً عن التقرير ، فلا يصلح إلا مبـدأ

ثبوت $108 بالكتابة ([6]) . والورقة المعدة للإثبات إنما أعدت أصلا لتثبت ما قرره الطرفان من بيع أو إيجار أو وفاء أو تجديد أو غير ذلك من التصرفات القانونية ، وهذا هو ما تثبته الورقة عن طيق التقرير . ثم إنه قد يرد فى الورقة ذكر لبعض الوقائع ليست هى التى أعدت الورقة أصلا لإثباتها ، ولكنها تتصل بها ، وقد ذكرت على سبيل التمهيد والإيضاح . وتأتى الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد ([7]) بمثلين لما يذكر فى الورقة على سبيل الأخبار : (1) ورقة أعدت لإثبات دين قديم ، وذكر فيها على سبيل الأخبار أن فوائد هذا الدين مدفوعة إلى يوم تحرير الورقة . فهذا الاخبار له صلة مباشرة بالدين الذى أعدت الورقة لإثباته على سبيل التقرير ، ومن ثم يكون للإخبار هنا حجية كاملة ، فهو دليل كتابى على الوفاء بفوائد الدين إلى اليوم الذى حررت فيه الورقة . (2) ورقة أعدت لتجديد مرتب (rente) عن طريق تغير المدين ، فذكر فيها على سبيل الإخبار صلته بالمرتب قبل التجديد صلة غير مباشرة ، ولا يصلح دليلا كاملا لمجرد أن المدين الجديد قد تعهد بدفع المرتب مستقبلا ، ومن ثم لا يكون الإخبار هنا إلا مبدأ ثبوت بالكتابة يجب استكماله بالبينة أو بالقرائن .

       68 ـ الفروق ما بين الورقة الرسمية والورقة العرفية : وقبل أن نفصل الكلام فى الورقة الرسمية والورقة ، نورد هنا أبرز ما بينهما من فروق . فالورقة الرسمية تختلف عن الورقة العرفية من ناحية الشكل ومن ناحية  $109 الحجية فى الإثبات ومن ناحية القـوة فـى التنفيذ .

       1 ـ فمن ناحية الشكل : يشترط فى الورقة الرسمية أن يقوم بتحريرها موظف عام مختص وفقاً لأوضاع مقررة . أما الورقة العرفية فالشرط الوحيد لصحتها هو توقيع المدين ، هذا إذا كانت معدة للإثبات ، أما إذا لم تكن معدة فلا ضرورة حتى لهذا التوقيع .

       2 ـ ومن ناحية الحجية فى الإثبات : كل من الورقة الرسمية والروقة العرفية حجة على الكافة ( أولا ) من حيث صدورها من موقعها . ولكن الورقة الرسمية لا تسقط حجيتها هنا إلا من طريق الطعن بالتزوير ، أما الورقة العرفية الرسمية لا تسقط حجيتها هنا إلا من طريق الطعن بالتزوير ، أما الروقة العرفية فيكفى فيها إنكار الخط أو التوقيع . (ثانياً) من حيث صحة ما ورد فيها . ولكن الورقة الرسمية حجة إلى حد الطعن بالتزوير فيما ورد على لسان الموظف العام أنه علمه بنفسه ، أما صحة ما قرره رواية عن الغير فيجوز دحضها باثبات العكس وفقاً للقواعد المقررة ، وتاريخ الورقة الرسمية يعتبر صحيحاً إلى حد الطعن بالتزوير . والورقة العرفية يجوز دحض صحة ما ورد فيها جميعاً باثبات العكس ، لا فرق فى ذلك بين ما قرر موقها أنه علمه بنفسه وما قرره رواية عن الغير ، وتاريخ الورقة العرفية يكون حجة على موقعيها ولكنه لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان تاريخاً ثابتاً .

       3 ـ ومن ناحية القوة في التنفيذ الورقة الرسمية يمن النفيذ بها مباشرة دون حاجة إلى حكم ، ويكون ذلك بالصورة التنفيذية للورقة ([8]) . فيستطيع البائع مثلا أن ينفذ بالثمن بموجب الصورة التنفيذية للبيع الرسمى ، كما يستطيع المشترى أن ينفذ بحقه فى تسلم المبيع . ولا يجوز الشروع فى التنفيذ قبل إعلان الورقة الرسمية إلى الخصم ، ويشتمل الإعلان على تكليف المدين بالوفاء وبيان $110المطلوب منه (م 460 مرافعا) . هذا هو تنبيه بالوفاء (commandement) لا مجرد إنذار (summation) . وينبنى على ذلك أن للمدين أن يعارض فى هذه التنبيه ، وأن يتقدم بوجوه الطعن التى يتمسك بها إلى المحكمة المختصة . وإذا بدئ فى تنفيذ الورقة الرسمية جاز للمدين رفع إشكال فى التنفيذ لوقفه ، ويكون ذلك أمام محكمة الموضوع ( م 479 مرافعات ) . أما الورقة العرفية فليست لها ، على خلاف الورقة الرسمية ، قوة تنفيذية . فاذا كان سند الدين ورقة عرفية ورفض المدين تنفيذ التزاماته طوعاً ، فانه لا يمكن إجباره على التنفيذ حى لو كان معترفا ً بالورقة ، إلا إذا حصل الدائن على حكم قابل للتنفيذ ، والحكم لا الورقة هو الذى ينفذ ([9]) . وتفصيل القول فى الأوراق من ناحية القوة فى التنفيذ هو من مباحث قانون المرافعات .


([1]) وقد اقترح الآستاذان أوبرى ورو ( جزء 12 فقرة 754 ص 155 هامش رقم 2 ) ، حتى يرتفع هذا اللبس ما بين التصرف ذاته (negotium) وأداة الإثبات (instrumentum) ، تسمية أداة افثبات باللفظ الآتى : (acte instrumentaire)

([2]) الدكتور سليمان مرقس فى أصول افثبات فقرة 35 ـ بلانيول وريبير وجابولد جزء 6 فقرة 1434 ـ وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهدى ( م 527 من هذا المشروع ) فى هذا الصدد ما يأتى : (( تصرف عبارة السند تارة إلى الواقعة القانونية ، أى العمل أو التصرف القانونى ، وطوراً إلى أداة الإثبات ، أى إلى الورقة التى يجرى الإثابت بمقتضاها . وقد رؤى استعمال عبارة الورقة الرسمية للتمييز بين مصدر الحق أو الالتزام وبين أداة إثباته )) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية جزء 3 ص 352 ) .

([3]) وأكثر ما تعد الأوراق لإثبات التصرفات القانونية (actes juridiques) . وقل أن تعد لإثبات الوقائع المادية (faits materiels) ، ويقع ذلك عادة فى الشهادات التى تعد لإثبات الميلاد والوفاة وفى اعلامات الوراثة وفى المحاضر التى تعد لإثبات الحالة ( بلانيول وريبير ) وبولانجيه 2 فقرة 2196 ) .

([4]) استئناف أسيوط 3 يونية سنة 1948 المحاماة 28 رقم 805 ص 273 .

([5]) ويجوز أن تصلح الورقة العرفية حجة للغير ، لا لإثبات واقعة مادية فحسب ، بل أيضاً لإثبات تصرف قانونى ، كما إذا حصر الورثة فيما بينهم التركة بمتقتضى محضر عرفى وأوردوا فيه ديوناً للتركة ذكروا أنها قد دفعت ، فهذا المحضر يصلح دليلا لمدينى التركة وهم من الغير على أنهم وفوا ديونهم ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1436 ص 868 هامش رقم 1 ) .

([6]) وهذا هو النص فى أصله الفرنسى : “L’acte, soit authentique soit sous seing privem fait foi entre les parties, meme de ce qui n’y est exprime qu’en termes enonciatifs pourvu que l’enonciation ait un rapport direct avec la disposition.  Les enonciations etrangeres a la disposition ne peubent server que de commencement de prevue”.                                              

([7]) الجزء السابع فقرة 1435 ـ ويورد الأستاذان أوبرى ورو ( 12 فقرة 755 ص 177 ) مثلا : مدين بايراد مؤبد يقر بهذا الإيراد فى ورقة رسمية ، ويذكر فى الورقة عبارة إخبارية مؤداها أن الإيراد قد نقص بسبب دفع جزء من رأس المال أو أن أقساط افيراد السابقة قد دفعت جميعها إلى تاريخ معين ، فهذه العبارة افخبارية تتصل اتصالا مباشراً بموضوع الإقرار فتكون لها الحجية إلى حج الطعن بالتزوير .  

([8]) أما الأوراق الرسمية الموثقة فى المحاكم الشرعية ـ الإشهادات ـ فهذه تضع عليها المحاكم الوطنية الصيغة التنفيذية لخلو المحاكم الشرعية من أقلام محضرين للتنفيذ ، ولذلك يقوم بتنفيذها محضرو المحاكم الوطنية . وعندما كانت المحاكم المختلطة قائمة ، كانت الصيغة التنفيذية تطلب من المحكمة المختلطة ويقوم بالتنفيذ محضر من هذه المحكمة إذا كان أحد ذوى الشان فى الورقة الرسمية أجنبياً .

       أما فى نظام التوثيق الجديد ، فقد جعل قانون التوثيق ( م 2 ثالثاً ) وضع الصيغة التنفيذية من اختصاص مكاتب التوثيق .

([9]) الموجز للمؤلف فقرة 642 ص 674 .

نقلا عن محامي أردني  

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

طرق الاثبات    

طرق الاثبات    

1ـ ما هى طرق الاثبات (سلطة الخصوم وسلطة محكمة النقض فى شأنها)

58 ـ طرق الاثبات التى رسمها القانون واجراءاتها وقوو كل طريق منها : رسم القانون طرق افثبات المختلفة . وهو ستة : (1) الكتابة ecrit (2) الشهادة أو البينة temoignage (3) القرائن presomptions (4) الاقرار aveu (5) اليمين serment (6) المعاينة constatation .

ونبادر إلى استبعاد المعاينة من بين موضوعات القانون المدنى ، إذ هى لا تنطوى إلا على إجراءات اصطلح على جعلها كلها من مباحث قانون المرافعات ، سواء فى ذلك ما تعلق منها بانتقال المحكمة للمعاينة visite des lieux  (م 185 ـ 188 مرافعات ) أو ما تعلق بالمعاينة الفنية التى يقوم بها الخبراء (expertise) ([1])  (م 225ـ $90 252 مرافعات ) . فتكون طرق الاثبات التى تعالج فى القانون المدنى هى الخمسة الأولى . وتعيين هذه الطرق وتحديد قيمة كل طريق منها من مسائل القانون المدنى ، أما الإجراءات التى رسمها القانون للسير فى كل طريق فمن مسائل قانون المرافعات ولا شأن لنا بها هنا .

       والكتابة من أقوى طرق الإثبات ، ولها قوة مطلقة إذ يجوز أن تكون طريقاً لاثبات الوقائع القانونية والتصرفات القانونية دون تمييز كما سنرى ولم تكن لها هذه القوة قديماً ، بل كان المقام الأول للشهادة فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة بل كانت الغلبة للأمية ، فكان الاعتماد على الرواية دون القلم . هكذا كان الأمر فى الفقه الإسلامى وفى سائر الشرائع . ثم أخذت الكتابة تنتشر ، وساعد على ذلك اختراع الطباعة ، فعلت الكتابة على الشهادة وصار لها المقام الأول . ومن مزايا الكتابة أن يمكن إعدادها مقدماً للإثبات منذ نشوء الحق دون التربص إلى وقت المخاصمة فيه ، ولذلك سميت بالدليل المعد prevue preconstituee . وقد أوجبها القانون بوجه عام طريقاً للإثبات فى الأحوال التى يمكن فيها إعدادها مقدماً ، وهى الأحوال التى يكون فيها مصدر الحق تصرفاص قانونياً ، فان التصرف القانونى يسهل اعداد كتابة لإثباته من وقت صدوره . أما الواقعة القانونية ، وهى عمل مادى ، فقد لا يتيسر إعداد كتابة لإثباتها ، لذلك يجوز بوجه عام إثباتها بجميع طرق الإثبات لا بالكتابة وحدها . ومن مزايا الكتابة أيضاً أنها لا يتطرق إليها من عوامل الضعف ما يتطرق إلى الشهادة ، فالشهود يجوز عليهم الكذب ، وعوزهم الدقة على كل حال ، وتتعرض ذاكرتهم للنسيان . على أن الكتابة ، إذا خلت مما يلحق الشهادة من كذب$91 .أو اضطراب أو نسيان ، لا تخلو هى أيضاً من احتمال التزوير . وقد رسم قانون المرافعات إجراءات معينة للطعن فى الكتابة بالانكار أو بالتزوير (م253 ـ 291 مرافعات ) .

       أما الشهادة أو البينة فقد كانت من أقوى الأدلة فى الماضى كما قدمنا ، ثم تزلت للأسباب التى بيناها إلى مكان أدنى . فهى طريق للإثبات ذو قوة محدودة ، إذ لا يجوز إثبات التصرفات القانونية بها إلا فى حالات استثنائية ، ولا يثبت بها إلا الوقائع القانونية لأنها أعمال مادية فجاز إثباتها بالبينة لموقع الضرورة ([2]) . وقد حاطها المشرع بضمانات عدة ، فرسم إجراءات دقيقة لسماع الشهود ( م189 ـ 224 مرافعات ) ، وفرض عقوبة على شهادة الزور ، وترك للقاضى التقدير الأعلى فى الأخذ بها إذا أقنعه أو فى اطراحها إذا هو لم يقتنع .

       أما القرائن فهى طريق للإثبات غير مباشر ، لأن الخصم لا يثبت فيها الواقعة ذاتها محل النزاع بل واقعة أخرى متصلة بها يرى القانون أو القاضى أن فى إثباتها إثباتاً للواقعة الأولى ـ وهو الواقعة محل النزاع ـ إثباتاً غير مباشر . والقرائن قسمان : قرئان قانونية يقررها القانون بنص فيه ، وقرائن قضائية يستنبطها القاضى من وقائع الدعوى وظروفها وله حرية واسعة فى تقديرها . والقرائن القانونية إما أن تكون قرئان بسيطة تقبل إثبات العكس ، أو قرائن قاطعة لا يجوز إثبات عكسها ([3]) . أما القرائن القضائية فكلها قابلة لإثبات العكس . وإذا كانت $92 القرائن تنطوى فى كثير من الأحوال على وقائع مادية ملموسة لا يتطرق إليها الكذب أو الاضطراتب كما يتطرق إلى الشهادة ، إلا أنها تقوم على أساليب دقيقة من الاستنباط لا يؤمن فيها العثار . ومن ثم جعلت القرائن ، من حيث قوتها فى الاثبات ، بمنزلة الشهادة ذات قوة محدودة ، ولايجوز قبولها إلا حيث تقبل الشهادة . ولم يرسم قانون المرافعات للقرائن إجراءات معينة ، فجميع الأحكام الخاصة بها أحكام موضوعية وهى متناثرة فى جميع نواحى القانون .

       أما الاقرار فانه إذا صدر من الخصم على نفسه بحق لخصمه ، لا يكون فى الواقع من الآمر طريقاً لاثبات هذا الحق ، بل إعفاء من إثباته ، ونزولا من الخصم المقر عن حقف فى مطالبة خصمه باثبات ما يدعيه . ولما كان الاقرار نزوى عن حق المطالبة بالاثبات ، فهو من جهة يقبل فى الوقائع المادةي والتصرفات القانونية على السواء ، وهو من جهة أخرى يكون حجة قاصرة على المقر دون غيره ، فهو وحده الذى نزل عن حق المطالبة بالاثبات ، وقد يكذب فى إقراره فيقر بشئ فى حق نفسه تخلصاً مما هو أشد أو إلحاقاً للضرر بغيره . وقد رسم قانون المرافعات إجراءات خاصة تمهد للإقرار ، هى إجراءات استجواب الخصوم .

$93 (interrogatoire) واستحضارهم شخصياً أمام القاضى (comparution persnnelle) ( م 166 ـ 174 مرافعات ) .

   174 مرافعات) .

       بقيت اليمن . ويمكن القول منها إنها طريق للإثبات من وجوه أربعة : إذا إذا حلفها من وجهت إليه فقد ثبت حقه بيمينه ، وإذا نكل دون أن يردها فقد ثبت حق خصمه بنكو له ، وإذا ردها إلى الخصم فحلف فقد ثبت حق الخصم بيمينه ، وإذا ردها إلى الخصم فلم يحلف فقد ثبت حقه بنكول خصمه . على أن الواقع من الأمر أن اليمين كالإقرار ليست طريقاً للإثبات ، لأن توجيه اليمين إلى الخصم أو ردها عليه إنما هو احتكام إلى ذمته ، فان حلف كان هذا تحملا للحق ، وإن نكل كان هذا بمثابة الإقرار . ومن ثم يقبل توجيه اليمين فى الوقائع المادية والتصرفات القانونية على السواء ، شأن اليمين فى ذلك شأن الإقرار . وقد رسم قانون المرافعات الإجراءات اللازمة فى تحليف اليمين (م 175 ـ 184 مرافعات ) .

       ونرى مما تقدم أن القانون قد عين طرق الإثبات المختلفة ، وحدد لكل طريق قوته ، بمقتضى قواعد وضعها لذلك ([4]) . فهل تعتبر هذه القواعد من النظام العام لا سلطان للخصوم عليها ، أم هى قواعد قابلة للتعديل بالاتفاق فيما بين الخصوم ؟ هذا ما ننتقل الآن إليه .

$94  59 ـ الاتفاقات الخاصة بطريق الاثبات ([5]) : يذهب الفقه الفرنسى إلى القول ببطلان هذه الاتفاقات . وحجته فى ذلك أن طرق الاثبات تتعلق بحسن تنظيم القضاء والتعرف على خير السبل التى يهتدى بها القضاة إلى الحقائق ، ومن ثم تكون القواعد التى تعين هذه الطرق وتحدد قوة كل منها قواعد تتعلق بالنظام العام ، ولا يجوز للخصوم الاتفاق على مخالفتها ([6]) . بل يذهب فريق من الفقهاء فى فرنسا إلى بطلان الاتفاقات المعلقة بقواعد الاثبات كافة ، ليس فحسب القواعد المتعلقة بطرق الاثبات ، بل أيضاً القواعد المتعلقة بتحديد الواقعة المراد إثباتها وبتعيين من من الخصوم يحمل عبء الاثبات ([7]) ، وهى القواعد التى سبق أن قررنا أنها لا تتعلق بالنظام العام . ولكن القضاء الفرنسى يذهب إلى القول بصحة الاتفاقات الخاصة بطرق الاثبات كغيرها التى تتعلق بعبء الاثثبات وبالواقعة المراد إثباتها . ولا يستثنى من ذلك إلا الاتفاقات الخاصة بقواعد لا يختلف أحد فى أنها متعلقة بالنظام العام ، كالقواعد الخاصة باثبات الميلاد والوفاة والزواج وإثبات النسب والقوعد الخاصة بوجوب مناقشة الأدلة التى يقدمها الخصوم وبقوة الأوراق الرسمية ونحو ذلك ([8]) . وينهض لتوجيه الرأى الذى يذهب إليه القضاء الفرنسى اعتباران : أولهما أن الأصل فى موقف القاضى من الدعوى الحياد كما تقدم القول ، والخصمان هما اللذان يقفان موقفاً إيجابياً ، فلهما أن يسيرا على القواعد التى رسمها القانون للإثبات ، ولكن لا عليهما أن يخالفا هذه القواعد باتفاق بينهما إلى قواعد أخرى يريانها أقرب إلى أداء العدالة $95 ومحيص الحقائق ([9]) . والاعتبار الثانى أن إثبات الحق لا يزيد فى الخطر عن الحق ذاته ، وما دام صاحب الحق يستطيع النزول عنه ، فيكف لا يستطيع الاتفاق مع خصمه على طريق معين لاثبات هذا الحق !

       ومن ثم فقد حكم القضاء الفرنسى بصحة الاتفاق الخاص بإثبات براءة ذمة الوكيل بطرق أيسر من تلك التى رسمها القانون فى القواعد العامة للإثبات وفى القواعد الخاصة بعقد الوكالة ([10]) . وحكم أيضاً بجواز الاتفاق على الاثبات بطريق أيسر مما قرره القانون : كالبينة بديلا من الكتابة ([11]) ، أو بطريق أصعب ([12]) ، أو بطريق لم يرسمه القانون ([13]) ، وهذا ما لم يكن هناك اعتبار واضح من النظام العام ([14]) .

       أما فى مصر فيمكن القول بأن الفقه يذهب إلى أن أكثر قواعد الاثبات لا تعتبر من النظام العام . وكان القضاء ، فى ظل القانون القديم ، يميز بين الاتفاق على الاثبات بالكتابة حيث يبيح القانون الاثبات بالبينة ، وهذا اتفاق جائز مستساغ ، وبين الاتفاق على الاثبات بالبينة حيث يحتم القانون الاثبات بالكتابة ، وهذا كان القضاء يجيزه إذا تم بعد وقوع الخصومة ولا يجيزه إذا أبرم مقدماً قبل  $96  وقوع الخصومة . وسنعود إلى هذه المسألة ببيان أوفى ([15]) .

       والذى يعنيان هنا أن نبينه هو أنه يمكن القول إجمالا إن قواعد الاثبات ليست من النظام العام لما سبق ذكره من الاعتبارات التى سقناه فى توجيه القضاء الفرنسى . يوجد حقاً من هذه القواعد ما توحى طبيعته أنه من النظام العام ، كأن تكون الورقة الرسمية حجة على الناس كافة إلى أن يطعن فيها بالتزوير ، وكأن تكتون الورقة العرفية حجة على الغير فى تاريخها الثابت ، وكحجية القرائن القانونية القاطعة فى كثير من الأحوال . ولكن أكثر القواعد لا تعتبر من النظام العام ، فيصح الاتفاق على ما يخالفها . ومن ثم يجوز الاتفاق على نقل عبء الاثبات كما قدمنا . ويجوز الاتفاق أيضاً على ألا تكون للرسائل الموقع عليها ولا للرقيات ولا للدفاتر والأوراق المنزلية قوة الورقة العرفية من حيث الاثبات ( م396 و398 مدنى ) .ويجوز بوجه عام الاتفاق على عدم إعمال القرائن القانونية البسيطة وهى التى تقبل إثبات العكس . ويجوز أخيراً الاتفاق على أن يكون الاثبات بالكتابة حيث يجيز القانون الاثبات بالبينة، أو أن يكون الاثبات بالبينة حيث يحتم القانون الاثبات بالكتابة ([16]) ، وهذه هى المسألة التى سنتناولها ببيان واف عند الكلام فى قوة البينة والقرائن فى الاثبات .

          $97      60 ـ سلطة محكمة النقض فيما يتعلق بطرق الاثبات : تعيين طرق الإثبات ، وبيان متى يجوز استعمال كل منها ، وتحديد قوة كل طريق من هذه الكرق ، هذه جميعها مسائل قانون تخضع لرقابة محكمة النقض . ولكن متى قبل القاضى طريق افثبات الذى رسمه القانون فى الوضع الذى أجازه فيه وجعل أنه قوته المحددة قانوناً ، فان تقدير مبلغ اقتناع القاضى بالدليل يعتبر من المسائل الموضوعية التى لا تعقيب لمحكمة النقض عليها ([17]) . وأخص ما يظهر ذلك فى قوة الإقناع التى تسمد من شهادة الشهود ، وفى القرائن القضائية التى يستنبطها القاضى من وقائع الدعوى وظروفها ، ما دام قاضى الموضوع قد بين فى حكمه الاعتبارات المعقولة التى أسس عليها الحكم ، ولم يعتمد واقعة بغير سند ، ولم يستخلص من الوقائع نتيجة غير مقبولة عقلا . فان بنى حكمه على واقعة لا سند لها ، أو استخلص نتيجة غير مقبولة عقلا ، كان حكمه معيباً وتعين تقضه ([18]) .

$98  ب ـ تقسيم طرق الاثبات ( تقسيمات خمسة )

       61 ـ طرق مباشرة وطرق غير مباشرة : يمكن أن تنقسم طرق الإثبات إلى طرق مباشرة (preuves directes) وطرق غير مباشرة (preuves indirectes) .

       فالطرق المباشرة هى التى تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها . وهذه هى الكتابة والبينة . فالكتابة تسجل الواقعة المراد إثباتها بالذات ، سواء  $99 كانت تصرفاً قانونياً كما هو الغالب أو كانت واقعة قانونية ، فتكون طريقاً مباشراً لإثبات هذه الواقعة . والشهود إذا انصبت شهادتهم على صحة الواقعة المراد إثباتها بالذات ، تصرفاً قانونياً كانت أو واقعة قانونية ، يثبتون هذه الواقعة بطريق مباشر . ويلاحظ أن المعاينة والخبرة طريقان مباشران للإثبات ، بل هما الطريقان اللذان يتصلان اتصالا مادياً مباشراً بالواقعة المراد إثباتها ، ولكنهما من مباحث قانون المرافعات كما قدمنا .

       والطرق غير المباشرة هى التى لا تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها ، ولكن تستخلص من طريق الاستنباط . وهذه هى القرائن وافقرار واليمين . أما القرائن فقد قدمنا أن الإثبات فيها لا ينصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على واقعة أخرى متصلة بها اتصالا وثيقاً ، بحيث يعتبر إثبات الواقعة الثانية ( الواقعة البديلة ) إثباتاً للواقعة الأولى (الواقعة الأصيلة) استنباطاً .ومن ثم تنطوى القرائن على استبدال (deplacement) محل آخر فى الإثبات بالمحل الأصلى . فهى إذن تثبت المحل الأصلى ـ أى الواقعة المراد إثباتها ـ بطريق غير مباشر . وكل من الإقرار واليمين لا يعتبر طريقاً مباشراً للإثبات ، فهو وإن تناول  $100 . الواقعة المراد إثباتها بالذات ، إلا أن صحة هذه الواقعة لا تستخلص منه مباشرة بل عن طريق الاستنباط . فالإقرار لا يثبت صحة الواقعة المراد إثباتها مباشرة ، بل هو يعفى الخصم من إثباتها ، فتصبح ثابتة بطريق غير مباشر . وكذلك اليمين ، إذ هى احتكام إلى ذمة الخصم ، فان حلف لم يكن هذا معناه أن الواقعة التى حلف عليها هى صحيحة حتما ، بل تعتبر صحيحة نزولا على مقتضى الاحتكام ، وإن نكل كان نكوله بمثابة إقرار يعفى خصمه من الاثبات ، ففى حالة الحلف يكون خصمه قد أعفاه من الاثبات ، وفى حالة النكول يكون هو الذى أعفى خصمه ، وفى الحالتين تكون الواقعة المراد إثباتها قد ثبتت بطريق غير مباشر . ولما كان الإعفاء من الإثبات ، سواء فى الاقرار أو فى اليمين ، مقصوراً على الخصمين ، قان حجية الإقرار واليمين حجية قاصرة عليهما غير متعدية إلى الغير . أما حجية القرائن فهى حجية متعدية ([19]) .

       62 ـ طرق مهيأة وطرق غير مهيأة : ويمكن أيضاً تقسيم طرق الإثبات إلى طرق مهيأة (preuves preconstituees) وطرق غير مهيأة (preuves casuelles) .

       فالطرق المهيأة هى التى أعدها صاحب الشأن مقدماً لإثبات حقه فى حالة المنازعة فيه . والطرق المهيأة هى عادة الكتابة ، يعدها صاحب الشأن مقدماً لإثبات تصرف قانونى كعقد بيع ، أو لإثبات واقعة قانونية كميلاد أو موت أو ميراث . لذلك تسمى الكتابة فى هذه الحالة سنداً (acte) لأنها أعدت لتكون دليلا يستند إليه عند قيام النزاع .

       والطرق غير المهيأة هى التى لا تهيأ مقدماً ، بل تتهيأ وقت قيام النزاع فى الحق المراد إثباته . وكل طرق الإثبات فيما عدا الكتابة تكون عادة طرقاً غير مهيأة . فالشهود لا تعد فى العادة إلا عند قيام النزاع . والقرائن لا تستخلص من وقائع القضية وظروفها إلا أما القاضى وهو ينظر الدعوى . وكذلك الإقرار واليمين ، لا يجديان إلا إذا كانا فى مجلس القضاء وقت نظر النزاع . أما الإقرار غير القضائى  $101 فان ثبت بالكتابة كانت الكتابة فى هذه الحالة دليلا مهيأ ، وإن ثبت بالبينة فالعبرة بها وهى عادة دليل غير مهيأ ([20]) ، وغنى عن البيان أن المعاينة والخبرة دليلا لا يتهيئان إلا بعد قيام النزاع ونظر الدعوى أمام القضاء .

       على أن الدليل المهيأ قد يصبح دليلا مهيأ إذا أعده صاحب الشأن مقدماً ، وذلك كالبينة فقد يعد صاحب الحق مقدماً شهوداً على حقه وقت نشوئه ليهيء الدليل على هذا الحق إذا توزع فيه . وكذلك الدليل المهيأ قد يصبح دليلا غير مهيأ إذا لم يعد فى الأصل ليكون دليلا للاثبات ، وذلك كدفاتر التجار فهى قد أعدت أصلا لضبط معاملات التجار ولكن قد تستخدم عرضاً كدليل للإثبات . ومن ثم لا تسمى الكتابة سنداً (acte) إلا إذا كانت دليلا مهيأ .

       63 ـ طرق ذات حجية ملزمة وطرق ذات حجية غير ملزمة : ويمكن كذلك تقسيم طرق الاثبات إلى طرق حجيتها ملزمة وطرق حجيتها غير ملزمة .

       فالطرق ذات الحجية الملزمة هى الطرق التى حدد القانون مبلغ حجيتها ولم يتركها لمحض تقدير القاضى . وهذه هى الكتابة والاقرار واليمين والقرائن القانونية . وبعض هذه الأدلة حجيتها قاطعة لا تقبل إثبات العكس ، وهى اليمين والقرائن القانونية القاطعة . وبعضها حجيتها غير قاطعة فتقب لإثبات العكس ، وهذه هى الكتابة إذ تقبل الانكار والطعن بالتزوير ، والاقرار إذ يجوز للمقر أن يثبت أن إقراره غير صحيح ، والقرائن القانونية البسيطة ، إذ يجوز دحضها باثبات ما يخالفها .

       والطرق ذات الحجية غير الملزمة هى البينة والقرائن القضائية . وقد قدمنا أن حجية هذين الطريقين غير ملزمة للقاضى ، فهو حر فى تكوين مبلغ اقتناعه بشهادة وفى استنباط القرائن القضائية من وقائع الدعوى وظروفها ، ولا رقابة عليه لمحكمة النقض فى ذلك ([21]) .

$102    64 ـ طرق أصلية وطرق تكميلية وطرق احتياطية : وتنقسم أيضاً طرق الاثبات إلى طرق أصلية وطرق تكميلية وطرق احتياطية .

       فالطرق الأصيلة هى الدلة التى تقوم بذاتها دون أن تكون مكملة لأدلة موجودة . وهى قد تكون كافية وحدها ، كالكتابة وكالبينة والقرائن القضائية فى الوقائع القانونية وفى الصرفات القانونية التى لا تزيد قيمتها على عشرة جنيهات . وقد تكون غير كافية ولابد من استكمالها بطرق تكميلية ، كمبدأ الثبوت بالكتابة فهو طريق أصلى ولكنه غير كاف ولابد من استكماله بالبينة أو بالقرائن القضائية أو بهما معاً ([22]) .

       والطرق التكميلية هى الأدلة التى لا تقوم بذاتها ، بل تكون مكملة لأدلة موجودة . وذلك كالبينة والقرائن القضائية واليمين المتممة ، فهذه يستكمل لها مبدأ الثبوت بالكتابة فى التصرفات القانونية التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات . ويلاحظ أن البينة والقرائن القضائية قد تكون طرقاً أصلية ، وذلك فى الوقائع القانونية وفى التصرفات القانونية التى لا تزيد قيمتها على عشرة جنيهات كما سلف القول ، وقد تكون طرقاً تكميلية ، وذلك فى التصرفات القانونية التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة كما قدمنا . ويلاحظ أيضاً أن البينة والقرائن القضائية قد تكون أدلة بدلية لا تكميلية ، فتحل محل الكتابة لا تكملها ، وذلك فى حالة وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه . ويلاحظ أخيراً أن اليمين المتممة يستكمل بها لا مبدأ الثبوت بالكتابة فحسب ، بل أيضاً أى تدليل أصلى آخر يراه القاضى فى حاجة إلى استكمال كالبينة والقرائن القضائية فى الوقائع القانونية وفى التصرفات القانونية إذا لم تزد قميتها على عشرة جنيهات .

             والطرق الاحتياطية هى الطرق التى يلجأ إليها الخصم عندما يعوزه أى طريق

$103 آخر . وهذه هى الإقرار واليمين الحاسمة . فاذا عدم الخصم الدليل على دعواه ، لم يقى أمامه إلا أن يلجأ إلى استجواب خصمه عساه يحصل على إقرار منه ، أو أن يوجه إليه اليمين الحاسمة وبذلك يحتكم إلى ضميره . والطرق الاحتياطية قد تسعف فى بعض الأحيان وهذا هو القليل النادر ، ولكنها فى الكثرة الغالبة من الأحوال تقضى على من لجأ إليها . ولذلك لا يلجأ إليها الخصم إلا فى الضرورة الصوى ، عندما تلجئه الحاجة الملحة إليها . وهى فى الواقع ليست طرقاً للإثبات ، بل طرقاً للاعفاء من الإثبات كما قدمنا ([23]) .

       65 ـ طرق ذات قوة مطلقة وطرق ذات قوة محدودة وطرق معفية من الاثبات : وتنقسم أخيراً طرق الإثبات إلى طرق ذات قوة مطلقة وطرق ذات قوة محدودة وطرق معفية من الاثبات :

       أما الطرق ذات القوة المطلقة فى الاثبات فهى الطرق التى تصلح لاثبات جميع الوقائع ، سواء كانت وقائع مادية أو تصرفات قانونية ، وأيا كانت قيمة الحق المراد إثباته . ولا يوجد من الطرق التى نعالجها ما هو ذو قوة مطلقة فى الاثبات على هذا النحو إلا الكتابة ، فهى تصلح لاثبات جميع الوقائـع المادية وجميع التصرفـات القانونية مهما بلغت قيمـة الحق ([24]) .

       والطرق ذات القوة المحدودة فى الاثبات هى الطرق التى تصلح لاثبات بعض الوقائع القانونية دون بعض ، فهى إذن محدودة القوة . وهذه هى البينة والقرائن القضائية ، إذ هى لا تصلح لإثبات التصرفات القانونية إذا زادت قميتها على عشرة جنيهات إلا فى حالات استثنائية معينة . وكذلك اليمين المتممة طريق للإثبات ذات قوة محدودة فهى لا تصلح إلا لإتمام دليل ناقص .

$104 والطرق المعفية من الاثبات هى الاقرار واليمين الحاسمة والقرائن القانونية ، وقد تقدم بيان ذلك . ولما كانت هذه الطرق تعفى من الاثبات ، فهى تصلح للاعفاء من إثبات أية واقعة مادية أو أى تصرف قانونى مهما بلغت قيمته ، فهى من هذه الناحية ذات قوة مطلقة([25]) .


([1]) وتعيين الخبير من الرخص المخولة للقاضى ، فله أن يقدر ما إذا كان لازماً أو نغير لازم ، وله بعد أن يتم هذا التعيين أن يأخذ بتقرير الخبير أو ألا يأخذ به ( نقض مدنى 19 نوفمبر سنة 1931 مجموعة عمر 1 رقم 2 ص 6ـ19نوفمبر سنة 1931 مجموعة عمر 1 رقم 5 ص 14 ـ 10 مارس سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 42 ص 84 ـ 10 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 69 ص 139 ـ 12 مارس سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 335 ص 1047 ـ 29 يناير سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 139 ص 410 ـ 9 مارس سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 108 ص 820 ـ 18 مايو سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 138 ص 302 ـ 28 ديسمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 178 ص 503 ( الأخذ بالجزء غير الباطل من تقرير الخبير ) ـ أو لمارس سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 216 ص 581 ـ 31 مايو سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 263 ص 713 ـ 23 يناير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 146 ص 327 ـ 16 ديسمبر سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 353 ص 684 ) . ولكن يجب تعيين خبير إذا أوجب القانون ذلك ( كما فعل تقنين المرافعات إذ قضت الفقرة الثانية من المادة 31 ، فى تقدير الدعوى المتعلقة بالعقار ، بأنه إذا كان العقار غير مربوط عليه ضريبة قدرت قيمته بحسب المستندات التى تقدم أو بواسطة خبير ) ، أو كان تعيين =

= الخبير هو الوسيلة الوحيدة للخصم فى إثبات مدعاه فعند ذلك لايجوز رفض تعيين الخبير بغير سبب مقبول ( نقض مدنى 5 يناير سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 312 ص 1020). انظر أيضاص المادة 836 مدنى ونقضى بأن تندب المحكمة ، إن رأت وجهاً لذلك ، خبيراً لقسمة المال الشائع ، وفى الكثرة الغالبة من الأحوال يكون هناك وجبه لتعيين الخبير .

       وتقارن الأساتذة بلانيول وريبير وبولانجيه بين الخبير والشاهد . فهما يتوافقان من حيث أن القاضى يعتمد على أقوال كل منهما فى تكوين اعتقاده . وهما يتفارقان من حيث إن الشاهد يخبر عن الماضى أما الخبير فيقرر عن الحاضر . والأول يقتصر على رواية خبر ، أما الثانى فيبدى رأياً فنياً يعين القاضى على البت فى الدعوى . فالخبير أقرب إلى أن يكون قاضياً من أن يكون شاهداً ( بلانيول وريبير وبولانيجه 2 ص 2254 ) .

([2]) ومع ذلك فقد يوجب القانون الإثبات بالكتابة فى بعض الوقائع المادية كما فعل فى إثبات البنوة (م 323 فقرة 2 و م 341 فقرة 3 مدنى فرنسى ) ، وقد يجيز الإثبات بالبينة فى مناسبة تصرف قانونى كالغلط والتدليس وافكراه إذا شاب عيب منها التصرف القانونى لأن هذه العيوب فى الواقع إلا وقائع مادية (بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2166 ) .

([3]) يرى أوبرى ورو أن الوقعة التى يعتبرها القانون ثابتة بفضل قرينة قانونية قاطعة لا تكون محلا للإثبات ، ومن ثم لا تكون القرائن القانونية القاطعة طريقاً للإثبات بالمعنى الصحيح . أما القرائن القانونية البسيطة ، وهى التى يجوز إثبات عكسها ، فلا تكون هى أيضاً طريقاً للإثبات ، بل هى طريق لنقل عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ( أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 73 ) .

       وقد قدمنا أن القرينة القانونية القاطعة توجب على الخصم إثبات واقعة متصلة بالواقعة محل النزاع ، فهناك إذن=  

=  واقعتان : واقعة أصيلة وهى الواقعة محل النزاع ، وواقعة بديلة وهى الواقعة الواجب على الخصم إثباتها ويكون فى هذا الإثبات إثبات للواقعة الأصيلة . ففيما يتعلق بالواقعة البديلة ، لا يكون فى القرينة القانونية القاطعة إعفاء من الإثبات ، بل هناك إثبات مباشر . أما فيما يتعلق بالواقعة الأصيلة ، فإن فى القرينة القانونية القاطعة إعفاء من الإثبات المباشر ، وتثبت الواقعة الأصيلة ثبوتا غير مباشر عن طريق إثبات الواقعة البديلة . ولا فرق ما بين القرينة القانونية القاطعة والقرينة القانونية البسيطة ، فى هذا الصدد ، إلا فى أن الإعفاء من الإثبات المباشر للواقعة الأصيلة فى القرينة البسيطة هو إعفاء مؤقت لا إعفاء نهائى كما فى القرينة اقاطعة . إذ أن القرينة البسيطة ينقلها عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ، تفسح المجال لإعادة هذا العبء إلى الخصم الأول بعد أن كان قد أعفى من الإثبات ، وذلك إذا ما اضطلع الخصم الآخر بعبئه . أما بالنسبة إلى الواقعة البديلة فالقرينة القاطعة والقرينة البسيطة سواء : فى الاثنتين يعين إثبات الواقعة البديلة إثباتاً مباشراص .

       ولما كانت العبرة فى الإثبات إنما تكون الإثبات الذى ينصب مباشرة على الواقعة الأصيلة ، فقد اعتبرنا هذا المعنى فى القرائن القانونية ، وآثرنا فى الترتيب الذى توخيناه أن نجعل هذه القرائن ، لا طريقاً للإثبات ، بل طريقاً للإعفاء من الإثبات ، إذ هى جمعيا تعفى من إثبات الواقعة الأصيلة إثباتاً مباشراص ، على وجه نهائى فى القرائن القاطعة وعلى وجه مؤقت فى القرائن البسيطة .

([4]) وللخصم أن يختار من طرق الإثبات ما يجيزه القانون . وهو إذا اختار طريقاً منها ، ولم يونافق فيه أو عدل عنه ، فله أن يلجأ إلى طريق آخر ، وذلك إلا فى اليمين فسنرى أن الالتجاء إلى هذا الطريق يعتبر نزوى عما عاه من الطرق . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه يجوز للخصم الذى رخص له فى إثبات حق متنازع فيه بطريق معين من طرق الإثبات أن يلجأ إلى طرق أخرى لإثبات حقه ، سواء أكان قد عجز عن الإثبات بالطريق الذى سبق الترخيص به أم كان قد عدل عن هذا الطريق بعدم المضى فيه . ومن ثم إذا كان كان المدعى فى دعوى الاستحقاق قد فقد حقه فى السير فى إجراءات التحقيق ، فلا يترتب على ذلك أنه يفقد حقه فى إثبات دعواه بطريق آخر ( استئناف مختلط 6 فبراير سنة 1919 م 31 ص 156 ) . وقضت أيضاً بأنه إبذا أقر اقاضى اتخذ طريق من طرق الإثبات ، فإن ذلك لا يمنع الخصم ، وكذلك لا يمنع القاضى ، من الالتجاء إلى طرق أخرى لإثبات أو نفى ما يدعيه الخصوم . وينبنى على ذلك أنه إذا لم يباشر الخبير المحاسب عمله بسبب عمله بسبب عدم إيداع الخصم الأمانة المقدرة ، فإن ذلك لا يمنع الخصم المقصر فى إيداع الأمانة من أن يستبدل بهذا الطريق طرقاً أخرى للإثبات . ويتعين على القاضى أن يبحث هذه الطرق ، غاضاً النظر عن الإجراء الذى سبق اتخاذه ولم يتم (استئناف مختلط 9 ديسمبر سنة 1931 م44 ص56 ) .

([5]) نظر فى هذه المسألة سسيوريانو (Sescioreano) فى الإتفاقات الخاصة بإثبات براءة ذمة المدين ، رسالة من باريس سنة ذ920 ـ ليبال (Le Balle) فى الاتفاقات الخاصة بطرق الإثبات فى القانون المدنى ، رسالة من باريس سنة 1923 ـ وسنعود إلى معالجة المسألة من ناحية جواز الاتفاق على الإثبات بالبينة حيث تجب الكتابة أو الاتفاق على الإثبات بالكتابة حيث تجوز البينة عند الكلام فى البينة والقرائن .

([6]) أنظر رسالة سسيوريانو (Sescioreano) المتقدم ذكرها ص 39 .

([7]) أنظر رسالة ليبال ) (Le Balle) المتقدم ذكرها ص 134 ـ بيدان وبرو 9 فرة 1153 ـ فقرة 1154 .

([8]) بيدان وبرو 9 فقرة 1153 .

([9]) أما إذا لم يكن هناك اتفاق خاص ، وخالف القاضى من تلقاء نفسه القواعد التى رسمها القانون فى الإثبات وسكت الخصم ولم يعترض ، فلا يعتبر ذلك اتفاقاً بينه وبين خصمه على مخالفة قواعد الإثبات ، بل نزولا بارادة منفردة عن حق الاعتراض ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1428 ص 856 هامش رقم 3 ) . وهذا بخلاف ما إذا تطوع أحد الخصمين لحمل عبء إثبات واقعة لم يكن عليه إثباتها وسكت الخصم الآخر ، فقد قدمنا أن هذا يكون بمثابة اتفاق ضمنى على تعديل قواعد عبء الإثبات .

([10]) نقض فرنسى 9 يناير سنة 1865 داللوز 65ـ1ـ160ـ سريه 65ـ1ـ63 حكم آخر فى 17 يولية سنة 1866 داللوز 67ـ1ـ67ـ سيريه 66ـ1ـ401 .

([11]) نقضى فرنسى أول يونيه سنة 1893 سيريه 93 ـ 1 ـ 283 ـ حكم ثان فى 22 فبراير سنة 1896 سيريه 97 ـ 1 327 ـ حكم ثالث فى 27 ديسمبر سنة 1921 سيريه 1922 ـ1 ـ 20 .

([12]) نقض فرنسى 8 أغسطس سنة 1904 سريه 1904 ـ 1 ـ 1 481 .

([13]) نقض فرنسى 20 مارس سنة 1876 سيريه 77 ـ 1 ـ 338 ـ حكم آخر فى 23 نوفمبر سنة 1891 سيريه 95 ـ 1 ـ 402 .

([14]) نقض فرنسى 13 نوفمبر سنة 1891 سيريه 95 ـ1 ـ 407 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1428 ـ فقرة 1429 ص 856 ـ ص *59 ـ بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2195 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1155 .

([15]) وقد قضى كذلك بأنه إذا اشترط المتعاقدان إبعاد اليمين بغير الحال ، فان الشرط ليس فيه ما يخالف النظام العام ، فهو جائز وقد يتردد بعض الناس فى الحلف بسبب العقيد الدينية أو تأنيب الضمير إذا ما ظهر له الحق بعد الحلف ( بنى مزار 27 فبراير سنة 1939 المحاماة 19 رقم 359 ص 882 ) . وقضى بأن الاتفاق فى سند المديونية على عدم أحقية المدين فى توجيه اليمين الحاسمة إلى دائنه عن اسداد اتفاق جائز قانوناً لعدم مخالفته للنظام العام والآداب ( أسيوط الكلية 14 أبريل سنة 1941 المحاماة 21 رقم 437 ص 1042 ) . وأنظر فى أن قواعد الإثبات ليست من النظام العام ، إلا أن يكون الاتفاق على تعديلها قد جاء فى عقد إذعان حيث يكفل القانون حماية الطرف المذعن الدكتور عبد المنعم فرج الصدة ص 20 ـ ص 22 .

([16]) وقد كان التقنين المدنى القديم لا يجيز إثبات عقد الإيجار إلا بالكتابة ، وفى رأينا أنه كان يجوز الاتفاق على جواز الإثبات بالبينة . وتوجب المادة 658 من التقنين المدنى الجديد أن يحصل الاتفاق على الزيادة فى أجر المقاول بالكتابة إذا كان عقد المقاولة قد أبرم بأجر إجمالى على أساس تصميم متفق عليه ، وفى رأينا أن يجوز الاتفاق فى عقد المقاولة على أن يكون إثبات الاتفاق على زيادة أجر المقاول بالبينة دون الكتابة .

([17]) على أن هناك أدلة إذا تقدم بها الخصم ، ولم ينقضها خصمهباثبات العكس ، تصبح دون محيص مقنعة للقاضى ، وذلك كالأدلة الكتبابية وكشهادات الميلاد والوفاة وكالقرائن القانونية القاطعة وكالإقرار وكاليمين . أما ما عدا ذلك فالقاضى حر فى الأخذ به أو فى إطراحه وفقاً لما يقدر من ظروف الدعوى ووقائعها ( كولان وكابيتان ومورانديير 2 ص 720 ـ بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2194 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1426 ) .

([18]) وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن محكمة الموضوع هى صاحبة الحق فى تقيدر الدليل الجائز لها الأخذ به دون رقابة لمحكمة النقض عليها فى ذلك ، ما دام الديل الذى تأخذ به مقبولاً قانوناً ، وما لم يكن للدليل حجية معينة حددها القانون ، وبشرط أن تبين فى حمها الاعتبارت المقبولة التى بنت عليها قضاءها ، فلا تعتمد واقعة بغير سند لها ، ولا تستخلص من الوقائع نتيجة غير مقبولة عقلا . فإذا بنى القاضى حكمه على واقعة استخلصها من مصرد لا وجود له ، أو موجود ولكنه مناقض لما أثبته ، أو غير مناقض ولكن من المستحيل عقلا استخلاص تلك الواقعة منه ، كان هذا الحكم معيباص متعيناً نقضه : نقض مدنى 2 يونية سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 52 ص 117 ـ 16 يونية سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 59 ص 132 ـ 3 نوفمب رسنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 67 ص 138 ـ 17 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 72 ص142 ـ 24 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 75 ص 145 تفسير الأحكام التى يستند إليها كتفسير سائر المستندات ) ـ أول ديسمبر سنة 1932 مجموع عمر 1 رقم 767 ص 146 ( كالحكم السابق) ـ 19 يناير سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 94 ص 170 ـ 27 أبريل سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 120 ص 206 ـ 7 ديسمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 151 ص 284 ( تفسير سند غامض على أنه ثمن قطن باعه المدعى بصفته وكيلا عن المدعى عليه وسلمه للموكل لا على أنه قرض وادب الأداء ) ـ 28 ديسمبر

                                                                                                       ( م 7 ـ الوسيط 2 )     سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 157 ص 292 ـ أول مارس سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 168 ص 328 ـ 30 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 275 ص 815 ـ 5 يناير سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 312 ص 1020 ـ 21 مايو سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 365 ص 1118 ـ 9 يونية سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 128 ص 398 (تفسير الأحكام التى يستند إليها كتفسير سائر السندات ) ـ ـ 10 نوفمبر سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 143 ص 427 ـ 18 مايو سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 183 ص 560 ـ 22 فبراير سنة 1940 مجموعة عمر 33 رقم 3 ص 74 ـ 2 يناير سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 89 ص 266 (تفسير الأحكام التى يستند إليها كتفسير سائر السندات) ـ 27 مارس سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 111 ص 339 (جواز الاستناد إلى حكم شرعى غير نهائى) ـ ـ 16 أكتوبر سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 123 ص (جواز الأخذ ببعبض الشهادة تدون بعض ) ـ 29 يناير سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 137 ص 409 ـ 24 ديسمبر سنة 1942 مجموعة عمر 4 رقم 9 ص 16 ( جواز الاستناد إلى أسباب حكم صادر فى خصومة أخرى ـ 18 فبراير سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 27 ص 57 ـ 14 ديسمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 169 ص 478 ( تقدير المحكمة الاستئنافية لشهادة الشهود على خلاف تقدير المحكمة الابتدائية جائز) ـ 8 مارس سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 219 ص 584 ( جواز أن يجعل للمركز الدينى لأحد الشهود وزنه ) ـ 10 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 22 ص 41 ـ 7 فبرير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 40 ص 101 ( جواز الأخذ ببعض الشهادة دون بعض ) ـ 28 مارس سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 56 ص 143 (جواز الأخذ بشهادة لم تأخذ بها محكمة جنائية) 10 أكتوبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 98 ص 209 ( لا حاجة للرد على ما نظرته المحكمة من الدلة ) ـ 17 أكتوبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 100 ص 218 ( القاضى حر فى عدم الاطمئنان إلى شهادة الشاهد دون إبداء الأسباب ) ـ 28 نوفمبر مجموعة عمر 5 رقم 124 ص 279 ـ 24 أبريل سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 188 ص 406 ( عدم التقيد بالنتيجة التى يسفر عنها تنفيذ حكم التمهيدى) ـ 6 نوفمبر سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 229 ص 477 ( جواز الاستناد إلى دفع رسوم الخفر وعوايد الملك قرينة مؤيدة لما شهد به الشهود على وضع اليد ) ـ 4 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 4 =

= رقم 25 ص 154 ( جواز اطراح بعض شهادة الشاهد ) ـ 11 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 28 ص 176 ( جواز اطراح بعض الأدلة اكتفاء بما اقتنعت به المحكمة من الأدلة التى اطمأنت إليها ) ـ 25 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 38 ص 233 ـ 5 مارس سنة 1953 مجموعة أحكا النقض 4 رقم 88 ص 575 ( جواز اطراح بعض شهادة الشاهد ) ـ 5 مارس سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 92 ص 596 ( جواز عدم إجابة الطالب إلى طلب التحقيق لإثبات علم المطعون عليه بملكية الطاعن للمبيع ما دامت المحكمة قد اقتنعت من الأوراق المقدمة بما ينفى هذا العلم ) ـ 19 مارس سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 104 ص 687 (كالحكم السابق) ـ 4 يونية سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 120 ص 842 (كالحكم السابق) ـ 4 يونية سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 175 ص 1108 (كالحكم السابق) . انظر أيضاً محكمة الاستئناف الأهلية 26 فبراير سنة 1922 المجموعة الرسمية سنة 25 رقم 77 .

       وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه يجوز للمحكمة ، إذا رأت وجهاً لذلك ، أن تتخذ من الإجراءات والوقائع الثابتة فى قضية أخرى عناصر فى تكوين اعتقادها وذلك على سبيل الاستئناس ، من نحو يمين أديت ، أو إقرار صدر ، أو تحقيق أجرى ، أو مستندات قدمت ( استئناف مختلط 6 يناير سنة 1931 م 43 ص 136 ـ 26 يناير سنة 1932 م 44 ص 136 ـ 23 يناير سنة 1935 م 47 ص 129 ـ 27 يناير سنة 1937 م 49 ص 85) .

([19]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1424 ـ بودرى وبارد 3 فقرة 2067 ص 429 ـ الدكتور سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 35 .

([20]) أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 95 ـ ص 96 والهوامش .

([21]) الدكتور سليمان مرقس فى الإثبات ص 35 . وغنى عن البيان أن المعاينة والخبرة دليلان حجيتهما غير ملزمة .

([22]) والمعاينة والخبرة دليلان أصليان ، قد يكتفى بهما القاضى ، يستكملهما بأدلة أخرى . أما القرائن القانونية ، فالقاطعة منهما أدلة أصلية كافية ، أو هى طرق تعفى من الإثبات إعفاء نهائياً ، ومن ثم فهى طرق تقوم بذاتها وتكفى وحدها . والقرائن القانونية غير القاطعة أدلة أصلية ولكنها غير كافية ، فهى تعفى من الإثبات إعفاء مؤقتاً إذ تقتصر على نقل عبء الإثبات إلى الخصم الآخر .

([23]) دي باج 3 ص 696 ـ ص 698 ـ أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 95 ـ ص 96 والهوامش .

([24]) وغنى عن البيان أن المعاينة والخبرة ـ وهما من مباحث قانون المرافعات كما قدمنا ـ قوتهما مطلقة فى الإثبات ، إذ يصلحان لإثبات جميع الوقائع المادية وجميع التصرفات القانونية ، أياً كانت القيمة .

([25]) دي باج 3 ص 696 ـ ص 698 .

نقلا عن محامي أردني

العمل غير المشروع

 ( المسئولية التقصيرية )

العمل غير المشروع

 ( المسئولية التقصيرية )

 

L’ACTE ILLICITE

 ( La responsabilite delictuelle )

 

تمهيد ( * )

504 – مسائل أربع : نمهد للكلام في العلم غير المشروع ، أو المسئولية التقصيرية ، بوضع هذه المسئولية في مكانها بالنسبة إلى غيرها من أنواع المسئولية ، وتحديد دائرتها في وسط دوائر أوسع منها للمسئولية الأدبية والمسئولية الجنائية والمسئولية المدنية .

فنتكلم في مسائل أربع : ( 1 ) التمييز بين المسئولية الأدبية والمسئولية القانونية . ( 2 ) وفي المسئولية القانونية التمييز بين المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية . ( 3 ) وفي المسئولية المدنية التمييز بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية ( 4 ) وفي المسئولية التقصيرية تطور هذه المسئولية .

* * *

1 – التمييز بين المسئولية الأدبية والمسئولية القانونية

 ( Distinction entre la responsabilite morale et la responsabilite legale )

505 – الفروق ما بين المسئولية الأدبية والمسئولية القانونية : المسئولية الأدبية لا تدخل في دائرة القانون ، ولا يترتب عليها جزاء قانوني ، وأمرها موكول إلى الضمير . أما المسئولية القانونية فتدخل في دائرة القانون ، ويترتب عليها جزاء قانوني .

وأهم الفروق ما بين هذين النوعين من المسئولية ثلاثة :

 ( 1 ) المسئولية الأدبية تقوم على أساس ذاتي محض ، فهي مسئولية أمام الله أو مسئولية أمام الضمير . أما المسئولية القانونية فيدخلها عنصر موضوعي ، وهي مسئولية شخص أمام شخص آخر .

 ( 2 ) ومن ثم تتحقق المسئولية الأدبية حتى لو لم يوجد ضرر ، أو وجد ولكنه نزل بالمسئول نفسه فيكون هو المسئول والمضرور في وقت واحد . بل إن هواجس النفس وخلجات الضمير قد تحقق المسئولية الأدبية ، ولو لم يكن لها مظهر خارجي . أما المسئولية القانونية فلا تتحقق إلا إذا وجد ضرر ، وأحاق هذا الضرر بشخص آخر غير المسئول .

 ( 3 ) وينبني على ذلك أن المسئولية الأدبية أوسع نطاقاً من المسئولية القانونية ، فهي تتصل بعلاقة الإنسان بربه ، وبعلاقته بنفسه ، وبعلاقته بغيره من الناس . أما المسئولية القانونية فلا تتصل إلا بعلاقة الإنسان بغيره من الناس .

وإذا تركنا المسئولية الأدبية ووقفنا عند المسئولية القانونية ، نراها نوعين : مسئولية جنائية ومسئولية مدنية .

2 – التمييز بين المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية

 ( Distinction entre la responsabilite penale et la responsabilite civile )

506 – الفروق ما بين الميئولية الجنائية والمسئولية المدنية : هناك فرقان جوهريان ما بين المسئوليتين الجنائية والمدنية :

 ( أولاً ) تقوم المسئولية الجنائية على أن هناك ضرراً أصاب المجتمع . أما المسئولية المدنية فتقوم على أن هناك ضرراً أصاب الفرد . وتترتب على ذلك النتائج الآتية : ( 1 ) جزاء المسئولية الجنائية عقوبة ، أما جزاء المسئولية المدنية فتعويض . ( 2 ) الذي يطالب بالجزاء في المسئولية الجنائية هو النيابة العامة باعتبارها ممثلة للمجتمع ، أما الذي يطالب بالجزاء في المسئولية المدنية فالمضرور نفسه لأن الجزاء حقه هو . ( 3 ) لا يجوز الصلح ولا التنازل في المسئولية الجنائية لأن الحق فيها عام للمجتمع ، ويجوز الصلح والتنازل في المسئولية المدنية لأن الحق فيها خاص للفرد . ( 4 ) لما كانت العقوبة في المسئولية الجنائية تنطوي على معنى الإيلام كان من الواجب حصر الجرائم والعقوبات ، فلا عقوبة بلا جريمة ولا جريمة بلا نص ، أما المسئولية المدنية فتترتب على أي عمل غير مشروع دون حاجة لنصوص تبين الأعمال غير المشروعة عملا عملا .

 ( ثانياً ) النية ركن في المسئولية الجنائية . وهنا تقترب المسئولية الجنائية من المسئولية الأدبية . ولكن إذا كان محض النية يكفي في المسئولية الأدبية ، فهو لا يكفي في المسئولية الجنائية . بل يجب أن يكون للنية مظهر خارجي يصل إلى حد معين من الجسامة : فالتصميم والأعمال التحضيرية لا عقاب عليها ، والشروع قد يعاقب ، ويعاقب الفعل التام . وإلى جانب هذا المظهر الخارجي يغلب أن تكون الجريمة الجنائية عملا يلحق الضرر بالمجتمع . بل إن جسامة الضرر قد يكون لها أثر في العقوبة ، فتشتد في الضرب الذي يفضي إلى موت أو الذي يحدث عاهة مستديمة عما هي في الضرب البسيط ، مع أن النية واحدة في هذه الأعمال . وقد تزداد أهمية الضرر إلى حد أن يجب الضرر النية ، فهناك أعمال تعد جرائم لأنها ضارة بالمجتمع سواء صحبتها النية أو لم تصحبها ، كالمخالفات التي لا تشترط فيها النية والجرائم التي يكفي فيها مجرد الإهمال . ولكن ، من جهة أخرى ، قد يكفي في المسئولية الجنائية احتمال وقوع الضرر لا وقوعه بالفعل ، كما هو الأمر فيما يسمى الآن في القانون الجنائي بالتدابير المانعة ( measures de surete ) . ومهما يكن من أمر ، فالنية في المسئولية الجنائية إذا لم تكن وحدها كافية فإن وجودها ضروري في أكثر الجرائم .

أما في المسئولية المدنية فالنية لا تشترط . وأكثر ما يكون الخطأ المدني إهمال لا عمد . وسواء كان العمل غير المشروع عمداً أو غير عمد ، فإن الضرر الذي يحدثه يجب أن يعوض كاملا دون تفريق ما بين الحالتين ، وإن كان القضاء يميل ميلا طبيعياً إلى زيادة التعويض في الفعل العمد وإلى قياس التعويض بجسامة الخطأ في الفعل غير العمد .

507 – العمل الواحد قد تترتب عليه المسئوليتان معاً وقد تترتب عليه مسئولية دون الأخرى : ويتبين مما تقدم أن قيام إحدى المسئوليتين لا يتعارض مع قيام المسئولية الأخرى . وقد يترتب على العمل الواحد مسئولية جنائية مسئولية مدنية في وقت معاً ، كالقتل والسرقة والضرب والسب والقذف . فكل عمل من هذه الأعمال يحدث ضرراً بالمجتمع وبالفرد في وقت واحد . فيكون من ارتكب هذا العمل مسئولا مسئولية جنائية جزاؤها العقوبة ، ومسئولا مسئولية مدنية جزاءها التعويض .

ولكن يصح ألا يترتب على العمل إلا إحدى المسئوليتين دون الأخرى . فتتحقق المسئولية الجنائية دون المسئولية المدنية إذا لم يلحق العمل ضرراً بأحد ، كما في بعض جرائم الشروع وجرائم أخرى كالتشرد ومخالفات المرور وحمل السلاح والاتفاق الجنائي . وتتحقق المسئولية المدنية دون المسئولية الجنائية إذا الحق العمل ضرراً بالغير دون أن يدخل ضمن الأعمال المعاقب عليها في القوانين الجنائية ، كإتلاف مال الغير عن غير عمد وإغواء امرأة غير قاصر وسوء العلاج والمنافسة غير المشروعة وفصل العامل في وقت غير لائق وجميع المسئوليات التي تقوم على خطأ مفروض ( [1] ) .

508 – الآثار التي تترتب على اجتماع المسئوليتين في عمل واحد : إذا ترتب على العمل الواحد المسئوليتان الجنائية والمدنية معاً ، أثرت المسئولية الجنائية ، وهي أقوى لأنها حق المجتمع ، في المسئولية المدنية ، وهي أضعف لأنها حق الفرد ، ويظهر ذلك فيما يأتي :

 ( أولاً ) التقادم : تقضي المادة 172 من القانون الجديد بأن دعوى التعويض المدنية لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية . فإذا ترتب على العمل الواحد دعويان ، الدعوى المدنية والدعوى الجنائية ، فإن عدم تقادم الدعوى الجنائية يقف تقادم الدعوى المدنية .

ويستخلص من هذا أن الدعوى الجنائية تبعث في الدعوى المدنية ، فتبقى هذه ما دامت تلك باقية . ولا عكس . فبقاء الدعوى المدنية قائمة لا يمنع من تقادم الدعوى الجنائية . وسيأتي تفصيل ذلك .

 ( ثانياً ) الاختصاص : إذا ترتب على العمل الواحد المسئوليتان الجنائية والمدنية ، أمكن رفع الدعوى المدنية أمام المحكمة الجنائية ، لأن الدعوى المدنية هي التي تتبع الدعوى الجنائية .

 ( ثالثاً ) وقف الدعوى : إذا ترتب على العمل الواحد المسئوليتان الجنائية والمدنية ، ورفعت الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية ، فرفع الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية يقف سير الدعوى المدنية ، وعلى المحكمة المدنية أن تامر بوقف الدعوى حتى يبت في الدعوى الجنائية . ولا يجوز عندئذ الرجوع عن الطريق المدني ورفع الدعوى المدنية من جديد أمام المحكمة الجنائية . ومن ثم نرى أن الدعوى الجنائية تقف الدعوى المدنية ( Le criminal tient le civil en etat ) .

 ( رابعاً ) قوة الأمر المقضي : وإذا بتت المحكمة الجنائية في الدعوى بحكم ، حاز هذا الحكم قوة الأمر المقضي . وتتقيد المحكمة المدنية عندئذ بما اثبتته المحكمة الجنائية في حكمها من وقائع ، دون أن تتقيد بالتكييف القانونين لهذه الوقائع ، فقد يختلف التكييف من الناحية المدنية عنه من الناحية الجنائية . وينبني على ذلك أنه إذا حكم القاضي الجنائي بالبراءة أو بالإدانة لأسباب ترجع إلى الوقائع ، بأن أثبت في حكمه أن العمل المسند إلى المتهم لم يثبت وقوعه منه أو ثبت وقوعه ، تقيد القاضي المدني بالوقائع التي أثبتها الحكم الجنائي . فلا يجوز أن يقول إن العمل قد ثبت حيث لم يثبت أو لم يثبت حيث قد ثبت ، ولكن يجوز أن يكيف الوقائع الثابتة تكييفاً مدنياً غير التكييف الجنائي . أما إذا حكم القاضي الجنائي بالبراءة لأسباب ترجع إلى التكييف القانونين ، كأن كان الإهمال الثابت صدوره من المتهم لا يصل إلى درجة الإهمال الجنائي ( [2] ) ، أو كانت الدعوى العمومية قد سقطت بموت المهم ، أو كان هناك مانع من توقيع العقوبة الجنائية لأن السارق ابن للمجني عليه أو صدر لمصلحته عفو شامل ، فإن ذلك لا يمنع القاضي المدني من الحكم بالمسئولية المدنية .

ونقف الآن عند المسئولية المدنية ، وهي أيضاً نوعان : مسئولية عقدية ومسئولية تقصيرية .

* * *

3 – التمييز بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية

 ( Distinction entre la responsabilite contractuelle et la responsabilite delictuelle )

509 – المسئوليتان العقدية والتقصيرية – ازدواج المسئولية أو وحدتها : المسئولية العقدية تقوم على الإخلال بالتزام عقدي يختلف باختلاف ما أشتمل عليه العقد من التزامات . والمسئولية التقصيرية تقوم على الإخلال بالتزام قانونين واحد لا يتغير هو الالتزام بعدم الأضرار بالغير . فالدائن والمدين في المسئولية العقدية كانا مرتبطين بعقد قبل تحقق المسئولية ، أما في المسئولية التقصيرية قبل أن تتحقق فقد كان المدين أجنبياً عن الدائن . مثل المسئولية العقدية أن يبرم عقد بيع ، ثم يتعرض البائع للمشتري في العين المبيعة ، فيخل بالتزامه العقدي من عدم التعرض . ومثل المسئولية التقصيرية أن تكون العين في يد مالكها ، ويتعرض لها فيها أجنبي ، فتتحقق مسئولية المتعرض ، ولكن مسئوليته هنا تقصيرية لا عقدية ، إذ هو لم يخل بالتزام عقدي يوجب عليه عدم التعرض للعين ، بل أخل بالتزام قانوني عام يفرض عليه عدم الأضرار بالغير ويدخل في هذا الغير مالك العين .

هذا كله لا خلاف فيه . وإنما الخلاف في تكييفه . فمن الفقهاء من يذهب إلى وجوب التمييز ما بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية لوجود فروق هامة بينهما تقتضي هذا التمييز ، وهؤلاء هم أنصار ازدواج المسئولية ( dualite de responsabilite ) . ومنهم من يرى إلا محل لهذا التمييز بين المسئوليتين . فإن إحداهما لا تختلف عن الأخرى في طبيعتها . وهؤلاء هم أنصار وحدة المسئولية ( unite de responsabilite ) .

510 – أنصار ازدواج المسئولية : وهلاء هم كثرة الفقهاء . يقولون إن هناك فروقاً هامة ما بين المسئوليتين العقدية والتقصيرية تقتضي وجوب التمييز بينهما حتى يطبق على : لمنهما ما يخصه من أحكام . ويجملون هذه الفروق في الوجوه الآتية :

1 –الأهلية : في المسئولية العقدية تشترط أهلية الرشد في أكثر العقود . أما في المسئولية التقصيرية فتكفي أهلية التمييز .

2 – الإثبات : في المسئولية العقدية يتحمل المدين عبء إثبات أنه قام بالتزامه العقدي بعد أن يثبت الدائن وجود العقد . أما في المسئولية التقصيرية فالدائن هو الذي يثبت أن المدين قد خرق التزامه القانونين وارتكب عملا غير مشروع .

3 – الإعذار : في المسئولية العقدية يشترط إعذار المدين إلا في حالات استثنائية . أما في المسئولية التقصيرية فلا إعذار ( [3] ) .

4 – مدى تعويض الضرر : في المسئولية العقدية لا يكون التعويض إلا عن الضرر المباشر متوقع الحصول . أما في المسئولية التقصيرية فيكون التعويض عن أي ضرر مباشر . سواء كان متوقعاً أو غير متوقع ( [4] ) .

5 – التضامن : في المسئولية العقدية لا يثبت التضامن إلا باتفاق أما في المسئولية التقصيرية فالتضامن ثابت بحكم القانون .

6 – الإعفاء الاتفاقي من المسئولية : يجوز هذا الإعفاء بوجه عام في المسئولية العقدية . ولا يجوز في المسئولية التقصيرية .

7 – التقادم : تتقادم المسئولية العقدية بخمس عشرة سنة . أما المسئولية التقصيرية فتتقادم بثلاث سنوات أو بخمس عشرة سنة على حسب الأحوال .

511 – أنصار وحدة المسئولية : وابرز هؤلاء الأنصار الأستاذ بلانيول . وهم يقولون بألا فرق في الطبيعة ما بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية . كلتاهما جزاء لالتزام سابق : المسئولية العقدية جزاء لالتزام عقدي لم يقم به الملتزم ، والمسئولية التقصيرية جزاء لالتزام قانوني اخل به المسئول . والمدين في الحالتين تحققت مسئوليته لسبب واحد هو إخلاله بهذا الالتزام العقدي أو القانوني . فالمسئوليتان إذن تتحدان في السبب وفي النتيجة ، فتكون طبيعتهما واحدة ، ولا محل للتفريق بينهما . أما ما استظهره انصار ازدواج المسئولية من فروق ما بين المسئوليتين ، فهي فروق ظاهرية لا تثبت عند التعمق في النظر . ويستعرضون هذه الفروق على النحو الآتي :

1 – الأهلية : ليس صحيحاً أن يقال إن أهلية الرشد تشترط في المسئولية العقدية وتكفي أهلية التمييز في المسئولية التقصيرية . والصحيح إلا أهلية في كلتا المسئوليتين . إنما الأهلية في العقد دون غيره . فيشترط الرشد في أكثر العقود . إذا تم العقد صحيحاً كان على المدين أن ينفذ التزامه العقدي ، وإلا كان مسئول مسئولية عقدية . ولا يشترط في هذه المسئولية العقدية أية أهلية ، حتى لو أن المدين زالت أهليته بعد أن كان أهلاً وقت التعاقد ، بقى ملتزماً بالعقد ، وبقيت مسئوليته العقدية قائمة بعد زوال أهليته ، ولا يخليه من هذه المسئولية إلا القوة القاهرة أو نحوها . وفي المسئولية التقصيرية لا محل للكلام في الأهلية ، وليس صحيحاً أن يقال إن أهلية التمييز واجبة في هذه المسئولية . والصحيح أن المسئول يشترط لتحقق مسئوليته أن يرتكب خطأ . ونسبة الخطأ إلى المسئول تقتضي أن يكون مميزاً . فالتمييز إذن هو شرط لتحقق المسئولية ، وليس أهلية في المسئولية .

2 – الإثبات : ولا فرق بين المسئوليتين فيمن يحمل عبء الإثبات . ففي كلتيهما يحمله الدائن . يثبت في المسئولية العقدية العقد ، وهو مصدر الالتزام السابق الذي ترتب على الإخلال به تحقق المسئولية العقدية . أما في المسئولية التقصيرية فلا حاجة به إلى إثبات الالتزام القانوني بعدم الأضرار بالغير ، هو الالتزام السابق الذي ترتب على الإخلال به تحقق المسئولية التقصيرية ، لأنه التزام مقرر على الكافة فرضه القانون ، فإذا ثبت الالتزام السابق في كلتا المسئولية على هذا الوجه ، بقى إثبات الإخلال به . وهنا يحمل الدائن عبء الإثبات أو يحمله المدين ، لا تبعاً لما إذا كانت المسئولية تقصيرية أو عقدية ، بل تبعاً الما إذا كان الالتزام السابق هو التزام بعمل أو التزام بامتناع عن عمل . فالمدين هو الذي يثبت أنه قام بالعمل الذي التزم بالقيام به ، والدائن هو الذي يثبت أن المدين قد أتى العمل الذي التزام بالامتناع عنه . ففي المسئولية لعقدية إذا كان الالتزام العقدي عملا – ويدخل في ذلك نقل الحق العيني – فعلى المدين أن يثبت أنه قام به ، وهو يحمل عبء الإثبات لا لأن المسئولية عقدية بل لأن الالتزام الذي أخل به هو التزام بعمل . أما إذا كان الالتزام امتناعاً عن عمل ، فالدائن هو الذي يثبت أن المدين قد أخل بالتزامه وكذلك الحال في المسئولية التقصيرية . ولكن لما كان الالتزام القانوني السابق في هذه المسئولية دائما ًهو الالتزام بالامتناع عن عمل – عدم الأضرار بالغير – فالدائن إذن هو الذي يثبت في المسئولية التقصيرية أن المدين قد أخل بالتزامه وأحدث الضرر بخطأه ولكن ليس ذلك لأن المسئولية تقصيرية ، بل لأن الالتزام الذي أخل به المدين هو التزام بالامتناع عن عمل . ومن هنا يتبين أن عبء الإثبات في المسئولية العقدية يحمله المدين تارة وطوراً يحمله الدائن تبعاً لما إذا كان الالتزام العقدي السابق هو التزام إيجابي أو التزام سلبي ، وعبء الإثبات في المسئولية التقصيرية يحمله الدائن في جميع الأحوال لأن الالتزام القانوني السابق هو دائماً التزام سلبي . فالعبرة إذن فيمن يحمل عبء الإثبات ، لا بنوع المسئولية هل هي عقدية أو تقصيرية ، بل بالالتزام السابق هل هو إيجابي أو سلبي .

3 – الإعذار : وليس صحيحاً أن الإعذار يشترط في المسئولية العقدية دون المسئولية التقصيرية . فالإعذار لا يشترط في الالتزامات السلبية إذا أخل بها المدين ، سواء كانت المسئولية عقدية أو تقصيرية . ولما كان الالتزام في المسئولية التقصيرية هو دائماً التزام سلبي ، لذلك لا يشترط الإعذار . وهو أيضاً لا يشترط في المسئولية العقدية إذا كان الالتزام العقدي التزاماً سلبياً كما هو معروف . فالعبرة هنا أيضاً بما إذا كان الالتزام ايجابياً أو سلبياً ، لا بما إذا كانت المسئولية عقدية أو تقصيرية .

4 – مدى تعويض الضرر : والسبب في أن التعويض في المسئولية العقدية لا يتناول الضرر غير المتوقع ولو كان مباشراً أن هذا الضرر لم يدخل في حساب المتعاقدين لأنهما لم يكونا يتوقعانه .

5 – التضامن : والسبب في أن التضامن يثبت بمقتضى القانون في المسئولية التقصيرية أن الخطأ هو السبب في الضرر ، فإذا ارتكب الخطأ اثنان كان خطا كل منهما هو السبب في الضرر فوجب عليه التعويض كاملا ، ومن ثم قام التضامن .

6 – الإعفاء الاتفاقي من المسئولية : والسبب في أن هذا الإعفاء لا يجوز في المسئولية التقصيرية أن القانون هو الذي قرر أحكام هذه المسئولية ، فهي من النظام العام .

7 – التقادم : وإذا كانت المسئولية التقصيرية تتقادم بثلاث سنوات في بعض الأحوال ، فهذا أمر لا يرجع إلى طبيعة المسئولية ، بل أن المشرع قرر ذلك لحكمة ارتآها هو ، وقد لا يرتئيها مشرع آخر . وكان القانون القديم يجعل مدة التقادم في المسئولية التقصيرية خمس عشرة سنة كما في المسئولية العقدية .

512 – الوضع الصحيح للمسالة – وجوب التمييز بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية : لا شك في أن المسئوليتين العقدية والتقصيرية تقومان على مبدأ واحد . فكلتاهما جزاء للإخلال بالتزام السابق . ولا فرق بينهما في هذه الناحية ، لا من حيث الأهلية ولا من حيث الإثبات ولا من حيث الإعذار . وقد استطاع أنصار وحدة المسئولية أن يثبتوا ذلك . فالأهلية لا تكون إلا في العقد ، ولا محل للكلام فيها لا في المسئولية العقدية ولا في المسئولية التقصيرية ، وعبء الإثبات وضرورة الإعذار العبرة فيهما لا بأن المسئولية عقدية أو تقصيرية ، بل بأن الالتزام السابق إيجابي أو سلبي .

ولكن إلى هنا تتفق المسئوليتان . وهما تختلفان بعد ذلك . تختلفان في أن الالتزام السابق الذي ترتب على الإخلال به تحقق المسئولية هو التزام عقدي في المسئولية العقدية ، وهو التزام قانوني في المسئولية التقصيرية . وهذا الاختلاف تترتب عليه فروق جوهرية لا فروق عرضية .

ففي المسئولية العقدية الدائن والمدين هما اللذان بإرادتهما أنشآ هذا الالتزام السابق وحددا مداه . ومن ثم رسما مدى التعويض عن الضرر ، فلم يدخل في حسابهما الضرر غير المتوقع ، ولم تنصرف إرادتهما إلى التعويض عنه ، فلا تعويض . ومن كانت إرادة المتعاقدين ، إذا تعدد المدين هي التي تحدد مدى اشتراك كل مدين في المسئولية ، والأصل ألا تضامن بين المدينين ، فإذا أريد التضامن وجب أن تتجه إرادة المتعاقدين إلى اشتراطه . ومن ثم جاز للمتعاقدين ، وهما اللذان بارادتهما حددا مدى الالتزام ، أن يتراضيا على الإعفاء منه في حالات معينة . ومن ثم أخيراً لا يتقادم الالتزام ، وهما اللذان ارتضياه ، إلا بمدة طويلة هي خمس عشرة سنة .

ولا كذلك في المسئولية التقصيرية . فإن الالتزام الذي ترتب على الإخلال به تحقق هذه المسئولية هو التزام قانوني ، أي التزام القانون هو الذي أنشأه وحدد مداه ، ولم تدخل إرادة الطرفين في شيء من ذلك . ومن ثم وجب التعويض عن كل الضرر ، سواء توقعه الطرفان أو لم يتوقعاه ، ما دام مباشراً ، لأن هذا هو الأصل في التعويض . ولم تتدخل إرادة الطرفين لتوقي التعويض عن الضرر غير المتوقع . ومن ثم إذا اشترك أكثر من واحد في إحداث الضرر ، كان كل منهم متسبباً فيه ، ووجب عليه التعويض كاملاً ، ومن هنا قام التضامن . ومن ثم لا يجوز للطرفين أن يتراضيا على الإعفاء من المسئولية التقصيرية ، فإن الالتزام الذي اخل به المدين هو التزام فرضه القانون ، ولا دخل فيه لإرادة الطرفين ، فالقانون هو الذي يعفي منه في الحالات التي ينص عليها . ومن ثم رأى المشرع في المسئولية التقصيرية ، والالتزام مفروض على المدين دون أن يرتضيه ، أن يكون التقادم بمدة اقصر من مدة التقادم في المسئولية العقدية وفيها ارتضى المدين الالتزام عن طواعية واختيار ولم يفرضه عليه القانون فرضاً .

إذن توجد فروق جوهرية بين المسئولية العقدية ، والمسئولية التقصيرية ، ترجع إلى طبيعة كل من المسئوليتين . فالمسئولية العقدية جزاء للإخلال بالتزام عقدي ، والطبيعة العقدية لهذا الالتزام هي التي أملت الحلول العملية التي تتفق معها . والمسئولية التقصيرية جزاء للإخلال بالتزام قانونين ، وطبيعة هذا الالتزام هي التي أملت الحلول العملية التي تلائمها والتي تخالف الحلول العملية الأولى . فلا بد إذن من التمييز بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية ، لأن التمييز بينهما تتطلبه طبيعة كل منهما ، وتترتب عليه فروق جوهرية فيما بينهما ، هي التي ذكرناها فيما تقدم ( [5] ) .

513 – تحديد نطاق كل من المسئوليتين : أما وقد وجب التمييز بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية ، وثبت أن هناك فروقاً جوهرية بينهما ، فإنه يتعين أن نحدد نطاق كل منهما ، حتى ترتيب على كل مسئولية ما يتعلق بها من الأحكام .

نطاق المسئولية التقصيرية حدوده واضحة . فإن هذه المسئولية تتحقق حيث يرتكب شخص خطأ يصيب الغير بضرر . فالدائن المضرور هنا أجنبي عن المدين ، لا يرتبط بعقد معه .

أما المسئولية العقدية فيحدد نطاقها شرطان : أولهما أن يقوم عقد صحيح ما بين الدائن والمدين ، والثاني أن يكون الضرر الذي أصاب الدائن قد وقع بسبب عدم تنفيذ هذا العقد . ونبحث كلا من الشرطين .

فالشرط الأول هو أن يقوم عقد صحيح ما بين الدائن والمدين . فإذا لم يكن هناك عقد أصلاً ، ولو وجدت شبهة عقد ، فالمسئولية لا تكون عقدية . مثل ذلك أن يدعو صديق صديقه للركوب معه في عربته مجاملة ( [6] ) ، أو بدعوه للغذاء أو للسهرة ، أو يخطب رجل امرأة ، فلا عقد في مثل هذه الأحوال ، والمسئولية لا تكون إلا تقصيرية بأن يثبت المضرور أن هناك خطأ ارتكبه المسئول ، كأن يرتكب الصديق خطأ في قيادة العربة ، أو يتعمد الإخلال بالدعوة إضراراً بصديقه ، أو يعدل الخاطب عن الزواج إضراراً بخطيبته فإذا قام عقد بين الدائن والمدين أمكن أن تتحقق المسئولية العقدية . ولكن المدة السابقة على تكوين العقد لا يتحقق فيها إلا مسئولية تقصيرية ، كما هي الحال في نظرية الخطأ عند تكوين العقد وقد مر بيانها ، وكما في قطع المفاوضات للتعاقد في وقت غير لائق ، وكما في رفض شخص للتعاقد بعد أن دعا هو إليه . كذلك المدة التالية لانقضاء العقد لا تتحقق فيها إلا مسئولية تقصيرية ، كما إذا دخل مهندس في خدمة مصنع واطلع على أسراره ولما انقضى عقد خدمته دخل في خدمة مصنع منافس وأفضى بالأسرار التي وقف عليها في المصنع الأول – ويجب أن يكون العقد القائم بين الدائن والمدين عقداً صحيحاً ، فإن كان باطلا أو قابلا للإبطال فالمسئولية العقدية لا تتحقق . وقد ورد تطبيق لهذا الحكم في المادة 119 من القانون المدني الجديد ، وهي تقضي بأنه ” يجوز لناقص الأهلية أن يطلب أبطال العقد ، وهذا مع عدم الإخلال بإلزامه بالتعويض ، إذا لجأ إلى طرق احتيالية ليخفي نقص أهليته ” . ففي هذه الحالة ، بعد أن يبطل ناقص الأهلية العقد ، يكون مسئولا مسئولية تقصيرية عن استعماله للطرق الاحتيالية التي قادت إلى التعاقد – والمسئولية العقدية لا تتحقق إلا فيما بين الدائن والمدين اللذين يربطهما العقد . فإذا دفع أجنبي أحد المتعاقدين على أن يخل بتعاقده ، كصاحب مصنع يحرض مستخدماً في مصنع آخر على الخروج من هذا المصنع قبل انتهاء عقد الاستخدام للدخول في خدمة المصنع الأول ، تحققت المسئولية العقدية فيما بين صاحب المصنع الثاني والمستخدم لارتباطهما بالعقد ، ولكن لا تتحقق إلا مسئولية تقصيرية فيما بين صاحب المصنع الثاني وصاحب المصنع الأول ، لأن هذا لم يرتبط بعقد الاستخدام . وإذا أمن شخص على مسئوليته ثم تحققت هذه المسئولية ، فإن مسئولية شركة التأمين نحو المؤمن له تكون مسئولية عقدية لارتباطهما بعقد التأمين ، ولكن مسئولية المؤمن له نحو المصاب تكون مسئولية تقصيرية لأن عند التأمين لم يكن المصاب طرفاً فيه . أما إذا اشترط المؤمن له في عقد التامين لمصلحة المصاب ، فإن شركة التامين تكون مسئولة نحو المصاب مسئولية عقدية دون أن يكون المصاب طرفاً في عقد التأمين ، ويعد هذا استثناء من القاعدة إلى تقضي بان المسئولية العقدية لا تتحقق إلا فيما بين طرفي العقد ، نزولا على أحكام الاشتراط لمصلحة الغير .

والشرط الثاني أن يكون الضرر الذي أصاب الدائن قد وقع بسبب عدم تنفيذ العقد . فإذا كان الضرر قد حدث من عمل لا يعتبر عدم تنفيذ للعقد ، فإن المسئولية العقدية لا تتحقق ، بل تتحقق المسئولية التقصيرية . مثل ذلك الهبة ، فإن الواهب لا يضمن خلو الشيء الموهوب من العيب إلا إذا تعدم إخفاء العيب أو ضمنه ، فإن كان الشيء الموهوب معيباً ولم يضمن الواهب العيب ولم يتعمد إخفاءه ، وتسبب عن العيب ضرر للموهوب له ، فإن مسئولية الواهب تكون هنا مسئولية تقصيرية ، ويكون على الموهوب له أن يثبت خطأ في جانب الواهب . أما إذا وقع الضرر بسبب عدم تنفيذ العقد فإن المسئولية العقدية تتحقق ، كما إذا امتنع البائع عن تسليم المبيع إلى المشتري بالرغم من إعذاره وهلك المبيع في يد البائع . ومن ثم وجب تحديد الالتزامات التي تنشأ من العقد حتى يعد عدم تنفيذها سبباً لتحقق المسئولية العقدية . وهناك عقود يصعب فيها تحديد هذه الالتزامات ( [7] ) . ويرجع في التحديد إلى نية المتعاقدين الصريحة أو الضمنية . وعلى القاضي أن يكشف عن هذه النية بطرق التفسير المعتادة ( [8] ) .

514 – عدم جواز الجمع ما بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية : بعد أن بينا وجوب التمييز بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية ، وحددنا نطاق كل من المسئوليتين ، وجب أن نواجه فرضاً يتحقق في كثيرة عمل الأحيان ، وهو أن يتوافر في العمل الواحد شروط المسئولية العقدية وشروط المسئولية التقصيرية في وقت معاً . ويعرض في صدد هذا الفرض سؤال أول لا يحوم أي شك في الجواب عليه ، هو هل يجوز للدائن الذي أصابه الضرر بسبب هذا العمل أن يجمع بين المسئوليتين في الرجوع على المدين ؟

لا شك في أن الدائن لا يجوز له الجمع بين المسئوليتين في الرجوع على المدين ، إذ الجمع ، بأي معنى فهم هذا اللفظ ، غير مستساغ .

قد يفهم الجمع بمعنى أن الدائن يطالب بتعويضين . تعويض عن المسئولية العقدية وآخر عن المسئولين التقصيرية . وهذا غير مستساغ ، لأن الضرر الواحد لا يجوز تعويضه مرتين .

وقد يفهم الجمع بمعنى أن الدائن يطالب بتعويض واحد ، ولكن يجمع في دعوى التعويض بين ما يختاره من خصائص المسئولية العقدية ، كأن يطالب المدين بإثبات أنه قام بتنفيذ التزامه ، ومن خصائص المسئولية التقصيرية ، كأن يطالب المدين بتعويض عن الضرر غير المتوقع أن يتمسك ببطلان الإعفاء الاتفاقي من المسئولية . وهذا أيضاً غير مستساغ . فإن كلا من دعوى التعويض العقدية ودعوى التعويض التقصيرية لها خصائصها . والدائن لا يستطيع أن يرفع إلا إحدى الدعويين . أما الدعوى التي يخلط فيها ما بين خصائص كلتا الدعويين فهي ليست بالدعوى العقدية ولا بالدعوى التقصيرية ، بل هي دعوى ثالثة لا يعرفها القانون .

وقد يفهم الجمع بمعنى ثالث ، هو أن الدائن إذا رفع إحدى الدعويين فخسرها يستطيع أن يرفع الدعوى الأخرى . ولكن الفقه – بخلاف القضاء الفرنسي – مجمع على أن قوة الشيء المقضي يحول دون ذلك . فلا يسوغ الجمع حتى بهذا المعنى ( [9] ) .

515 – عدم جواز الخيرة ما بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية : الجمع إذن غير مستساغ في أي معنى من معانيه . ومن ثم نرى عدم الدقة في التعبير عندما يقال هل يجوز الجمع بين المسئوليتين أو لا يجوز ؟ فهذا السؤال لا يحتمل الجواب عليه شكا ، إذا الجمع قطعاً لا يجوز . ولكن الشك يقوم إذا أبدل بلفظ ” الجمع ” ( cumul ) لفظ ” الخيرة ” ( option ) ، فقيل هل تجوز الخيرة بين المسئوليتين ؟ ويراد بهذا أن يقال هل يجوز للدائن أن يختار الدعوى التي يراها أصلح ، على أنه إذا اختار أصلح الدعويين تقيد بها ، فلا يلجأ إلى الدعوى الأخرى حتى لو خسر الدعوى التي اختارها ؟ وهذا هو الذي تقصد إليه جمهورة الفقهاء عندما يقولون في غير دقة هل يجوز الجمع ما بين الدعويين . والاجابة على هذا السؤال في وضعه الصحيح تقسم كلا من الفقه والقضاء إلى فريقين متعارضين ، ففريق يقول إن للدائن أن يختار بين الدعويين ، وفريق آخر يذهب إلى أن دعوى المسئولية العقدية تجب دعوى المسئولية التقصيرية فلا يصح للدائن أن يرفع غير دعوى المسئولية العقدية ، ويمتنع عليه أن يرفع دعوى المسئولية التقصيرية . ونستعرض كلا من الرأيين .

أما الذين يجعلون للدائن الخيرة فيقولون إن شروط كل من الدعويين قد توافرت ، ومنطق القانون يقضي بأن الدعوى متى توافرت شروطها جاز أن ترفع . وهنا قد توافرت كذلك شروط دعوى المسئولية التقصيرية ، فلا شيء يمنع الدائن من رفعها إذا أثرها على الدعوى الأولى .

وأما الذين يقصرون الدائن على دعوى المسئولية العقدية فيقولون إن الدائن لا يعرف المدين إلا من طريق العقد . فكل علاقة تقوم بينهما بسبب هذا العقد وجب أن يحكمها العقد والعقد وحده . فإذا أخل المدين بالتزامه العقدي لم يكن أمام الدائن إلا دعوى المسئولية العقدية ، وليس له الرجوع بدعوى المسئولية التقصيرية .

ولا شك في أن الأخذ برأي دون آخر من هذين الرأيين تترتب عليه نتائج عملية هامة تتمشى مع وجوه التمييز ما بين المسئوليتين فيما قدمنا . ومن وجوه التمييز هذه الإثبات . فإذا جاز للدائن أن يختار وكانت المسئولية التقصيرية قائمة على خطأ مفروض ، اختارها الدائن لينتقل عبء الإثبات إلى المدين ، ولو أن الدائن قصر على المسئولية العقدية لكان هو المكلف بإثبات أن المدين قد أخل بالتزامه إذا كان التزاماً بعناية . ومن وجوه التمييز أيضاً الإعفاء الاتفاقي من المسئولية . فإذا تعاقد عميل مع أمين النقل وكان في عقد النقل اتفاق على الإعفاء من المسئولية أو على التخفيف منها ، ثم اصيب العميل اصابة تدخل في حدود هذا الاتفاق ، وكان له أن يختار بين المسئوليتين ، لاختار المسئولية التقصيرية إذ لا يجوز فيها الاتفاق على الإعفاء أو التخفيف ، ولو قصر على المسئولية العقدية لاندفعت هذه المسئولية أو خففت بفضل الاتفاق الذي تم على ذلك . وإلى جانب هذين الوجهين توجد الوجوه الأخرى التي قدمناها في التمييز ما بين المسئوليتين . ففي دعوى المسئولية العقدية لا يكون التضامن إلا باتفاق ، أما في دعوى المسئولية التقصيرية فإن التضامن يقوم بحكم القانون . فإذا كان للدائن أن يختار ، ولم يكن هناك اتفاق على التضامن ، فقد يختار المسئولية التقصيرية ابتغاء أن يجري التضامن بين المدينين ، أما إذا قصر على المسئولية العقدية فلا تضامن . وفي دعوى المسئولية العقدية لا يعوض المدين إلا عن الضرر المتوقع ، أما في دعوى المسئولية التقصيرية فيعوض عن أي ضرر مباشر ولو كان غير متوقع . فهنا أيضاً تكون الخيرة نافعة للدائن ، إذ يستطيع أن ينتقل من المسئولية العقدية إلى المسئولية التقصيرية فينال تعويضاً كاملاً عن الضرر المباشر . ودعوى المسئولية العقدية تتقادم عادة بخمس عشرة سنة ، أما دعوى المسئولية التقصيرية فتتقادم بثلاث سنوات . وهنا الخيرة لا تنفع الدائن ، فدعوى المسئولية العقدية إذا قصر عليها أفضل له من دعوى المسئولية التقصيرية .

ومهما يكن من انقسام الفقه والقضاء ، في فرنسا وفي مصر ( [10] ) ، في هذه المسألة الهامة . ، فنحن نأخذ بالرأي الذي يقول بالأخيرة للدائن ، وليس له إلا دعوى المسئولية العقدية . ذلك أن الالتزام العقدي الذي صار المدين مسئولا عن تنفيذه . لم يكن قبل العقد التزاماً في ذمته . فلو فرض أنه قبل إبرام العقد لم يقم به ، لم يكن مسئولا عن ذلك ، لا مسئولية عقدية لأن العقد لما يبرم ، ولا مسئولية تقصيرية إذ لا خطأ في عدم قيامه بأمر لم يلتزم به . فإذا أبرم العقد ، قام الالتزام في الحدود التي رسمها هذا العقد ، وهي حدود لا تترتب عليها إلا المسئولية العقدية . وليس للدائن أن يلجأ إلى المسئولية التقصيرية ، إذ هي تفترض أن المدين قد أخل بالتزام فرضه القانون ، والالتزام في حالتنا هذه لا مصدر له غير العقد . ويتبين من ذلك أن الخيرة لا تكون إلا في التزام فرصه العقد والقانون معاً . فأمين النقل إذا سرق البضاعة التي ينقلها يكون قد أخل بالتزامه العقدي الناشيء من عقد النقل ، فتتحقق مسئوليته العقدية . ويكون في الوقت ذاته قد أخل بالتزامه القانوني الذي يحرم عليه السرقة حتى لو لم يوجد عقد النقل . فتتحقق مسئوليته التقصيرية . وللدائن أن يختار بين هاتين المسئوليتين .

وقد يبدو أن القول بعدم جواز الخبرة يضيع على الدائن في بعض الحالات حقه العادل في التعويض . فشرط الإعفاء من المسئولية الذي تتضمنه عادة عقود النقل كاف لدفع المسئولية العقدية ، وقيام هذه المسئولية كاف يدوره لمنع المسئولية التقصيرية . فلا يستطيع الدائن الرجوع بالمسئولية العقدية لوجود شرط الإعناء ، ولا بالمسئولية التقصيرية لوجود عقد النقل . ولكن هذه النتيجة هي التي أرادها المتعاقدان . وما لم يكن عقد النقل عقد إذعان – كما هو الغالب – حيث يعتبر شرط الإعفاء شرطاً تعسفياً يجوز للقاضي إلغاؤه أو تعديله ، فإنه يجب النزول على إرادة المتعاقدين ( [11] ) .

4 – تطور المسئولية التقصيرية

516 – تاريخ هذا التطور هو توسع مستمر في المسئولية التقصيرية : ونقل الآن عند المسئولية التقصيرية ، بعد أن ميزناها عن غيرها من أنواع المسئولية فيما تقدم . ونستعرض في إيجاز تاريخ تطورها .

ويمكن القول بوجه عام إن تاريخ تطور المسئولية التقصيرية هو تاريخ توسع مستمر في هذه المسئولية .

فمن حالات معينة محدودة لا تتحقق المسئولية إلا فيها ، إلى توسع تدريجي في هذه الحالات ، إلى شمول وصل بالمسئولية التقصيرية إلى أن تكون قاعدة عامة . وهذا ما وصل إليه التطور في القانون الفرنسي القديم ، وانتقل منه إلى التقنين الفرنسي في سنة 1804 .

ومنذ التقنين الفرنسي أخذت القاعدة العامة ذاتها تتطور . فهي قد قامت على فكرة جوهرية هي فكرة الخطأ ( faute ) . ثم أخذت هذه الفكرة تتقلص . فبعد أن كان الخطأ لا بد من إثباته ، قامت حالات صار الخطأ فيها مفروضاً . وها نحن نشهد في الوقت الحاضر فكرة تحمل التسعة ( risqué ) تقوم إلى جانب فكرة الخطأ ثابتاً كان أو مفروضاً .

فنستعرض هذا التطور ، منذ القانون الروماني إلى عصرنا الحاضر ، استعراضاً سريعاً .

517 – القانون الروماني : تتميز نظرية المسئولية التقصيرية في القانون الروماني بخصائص ثلاث :

أولاً – لم تكن هناك قاعدة عامة تقرر أن كل خطأ ينشأ عنه ضرر يوجب التعويض . بل كانت هناك أعمال معينة تحددها النصوص القانونية هي وحدها التي ترتب المسئولية ، ذلك أن المسئولية التقصيرية كانت في القديم متروكة إلى الأخذ بالثأر ، ثم انتقلت إلى الدية الاختيارية ، ثم إلى الدية الاجبارية ، ثم إلى العقوبة منذ استقر تدخل الدولة لإقرار الأمن والنظام . ومن ثم كانت الأعمال التي تستوجب تدخل الدولة محدودة محصورة لا تنتظمها قاعدة عامة . على أن هذه الأعمال اخذ عددها يزيد بالتدريج في خلال القرون ، وأخذ كل عمل يتسع تطاقه . وأهم مثل لذلك الجريمة التي كان قانون أكيليا ( Aquilia ) ينص عليها . فقد كانت هذه الجريمة محدودة تحديداً ضيقاً ، فلا تشتمل إلا بعض أنواع التلف التي تقع على بعض الأشياء . ثم اتسع نطاقها بالتدريج حتى شمل كل أنواع التلف وحتى عم جميع الأشياء ، على أن يكون كل من العمل والتلف مادياً وأن يكون الشيء الذي يقع عليه التلف مادياً وأن يقع التلف على ذات الشيء ( corpore corpori ) . فإذا كان العمل الذي وقع على الشيء غير مادي ، كإحداث صوت ينذعر من سماعه حيوان فيجفل ، أو وقع عمل مادي على الشيء ولكن لم يصبه يتلف مادي ، كإطلاق حيوان من عقاله فيهرب ، كانت شروط الجريمة غير متوافرة ، ثم تحللت الجريمة من هذه القيود المادية ، ولكن بقيت شروط أخرى ، ولم يصل الرومان إلى التعميم الكامل . وتلى هذه الجريمة في التعميم جريمة الغش ( dol ) . وتلى ذلك أعمال ألحقت بالجرائم ( quasi – delits ) فأصبحت ترتب المسئولية على غرارها . ولكن الرومان لم يصلوا في وقت ما إلى وضع قاعدة عامة تجعل كل خطأ يحدث ضرراً يوبج التعويض .

ثانياً – ولم يكن جزاء هذه الأعمال المحددة التي ترتب المسئولية تتمحض تعويضاً مدنياً . بل إن فكرة العقوبة الجنائية بقيت تتخلل فكرة التعويض المدني كأثر من آثار الماضي وقت الأخذ بالثأر ودفع الدية .

ثالثاً – ولم تظهر فكرة الخطأ كأساس للمسئولية إلا بالتدريج . فلم يكن الخطأ في بادئ الأمر مشترطاً ، بل كان الضرر هو الشرط البارز . ثم أخذت فكرة الخطأ تظهر شيئاً فشيئاً . أما في الأعمال التدليسية أي الغش فإن فكرة الخطأ ظهرت بوضوح حتى استغرقت فكرة الضرر .

518 – القانون الفرنسي القديم : يرجع إلى القانون الفرنسي القديم ، في تطوراته المتعاقبة وتحت تأثير القانون الكنسي ، الفضل في تمييز المسئولية المدنية عن المسئولية الجنائية ، ثم في تمييز المسئولية التقصيرية عن المسئولية العقدية . والغريب أن فقهاء القانون الفرنسي القديم فعلوا ذلك ، في بعض منه ، عن طريق تفسير القانون الروماني تفسيراً خاطئاً . فإن هذا القانون لم يصل في أبعد مدى من تطوره إلى هذا التمييز على نحو واضح . ونستعرض الخصائص الثلاث التي أثبتتاها للقانون الروماني لنرى ماذا صارت إليه في القانون الفرنسي القديم .

أولاً – انتهت القاعد العامة في المسئولية التقصيرية إلى أن توضع وضعاً واضحاً صريحاً وضعها دوما ( Domat ) اكبر فقيه في القانون الفرنسي القديم ، في كتابه المعروف ” القوانين المدنية ” ( Lois civiles ) على النحو الآتي : ” كل الخسائر والاضرار التي تقع بفعل شخص ، سواء رجع هذا الفعل إلى عدم التبصر أو الخفة أو الجهل بما تنبغي معرفته أو أي خطأ مماثل ، مهما كان هذا الخطأ بسيطاً ، يجب أن يقوم بالتعويض عنها من كان عدم تبصره أو خطأه سبباً في وقوعها ” ( [12] ) .

ثانياً – وتمحض جزاء المسئولية تعويضاً مدنياً لا تتخلله فكرة العقوبة الجنائية ، على الأقل فيما يتعلق بالضرر الذي يقع على المال . أما الضرر الذي يقع على النفس أو الشرف فبقى الجزاء عليه يحمل أثراً من فكرة العقوبة ، يتمثل في أن دعوى التعويض تنتقل بعد موت الدائن لا إلى ورثته بل إلى أقاربه الأدنين إذ هم أصحاب الثأر .

ثالثاً – وظهرت فكرة الخطأ واضحة وضوحاً تاماً كأساس للمسئولية التقصيرية . بل إن الخطأ العقدي ميز تمييزاً واضحاً عن الخطأ التقصيري وعن الخطأ الجنائي كما تقدم القول : وهذا ما يقوله دوما في هذا الصدد : ” يمكن التمييز ، في الخطأ الذي يكون من شأنها أن يحدث ضرراً ، بين أنواع ثلاثة : خطأ يتعلق بجناية أو بجنحة – وخطا يرتكبه الشخص الذي يخل بالتزاماته العقدية ، كما إذا لم يسلم البائع الشيء المبيع أو لم يقم المستأجر بالترميمات التي التزم بها – وخطأ لا علاقة له بالعقود ولا يتصل بجناية أو بجنحة ، كما إذا ألقى شخص عن رعونة شيئاً من النافذة فأتلفت ملابس ( أحد المارة ) ، وكما إذا أحدث حيوان ضرراً وكانت حراسته غير محكمة ، وكما إذا اشعل شخص حريقاً عن تقصير منه ، وكما إذا آل بناء إلى السقوط بسبب عدم ترميمه فوقع على بناء آخر وأحدث به ضرراً ( [13] ) ” .

519 – التقنين المدني الفرنسي : وقد ظهرت هذه الخصائص الثلاث بوضوح في التقنين المدني الفرنسي . فقد صارت المسئولية التقصيرية في هذا التقنين قاعدة عامة ، وتميزت عن المسئولية الجنائية ، وقامت على أساس الخطأ .

وقد نصت المادة 1382 من هذا التقنين على أن ” كل عمل أياً كان يوقع ضرراً بالغير يلزم من وقع بخطأه هذا الضرر أن يقوم بتعويضه ” . ثم نصت المادة 1383 على ما يأتي : ” كل شخص يكون مسئولا عن الضرر الذي يحدثه لا بفعله فحسب ، بل أيضاً بإهماله أو بعدم تبصره ” . ويبدو أن واضعي التقنين الفرنسي قصدوا النص على الأعمال العمدية في المادة 1382 ، وخصصوا المادة 1383 للأعمال غير العمدية من إهمال أو عدم تبصر . ولكن نص المادة 1382 فيما ورد به من عموم لا يحتمل هذا التحديد ، بل هو شامل لجميع الأخطاء التي تترتب عليها المسئولية التقصيرية ، عمدية كانت أو غير عمدية .

ثم انتقل واضعوا التقنين الفرنسي من المسئولية الشخصية إلى المسئولية عن الأشخاص وعن الأشياء . وهذه أيضاً أقاموها على فكرة الخطأ . فنصت المواد 1384 – 1386 على المسئولية عن الأولاد والتلاميذ وصبيان الحرفة ، ومسئولية المتبوع عن التابع ، والمسئولية عن الحيوان ، والمسئولية عن البناء . وفي كل هذه النصوص لم يرد واضعوا التقنين الفرنسي أكثر من تطبيق مبدأ الخطأ على حالات معينة ، هي الحالات التي يسال فيها الشخص لا عن عمل صدر منه شخصيا ، بل عن عمل أتى به آخر في رقابته أو حدث من شيء تحت يده . ولكن مسئوليته في كل هذه الحالات تقوم على خطا منسوب إليه شخصاً ، فقد قصر في رقابة الغير أو أهمل في حراسة الشيء .

520 – تطور المسئولية التقصيرية منذ التقنين المدني الفرنسي – نظرية تحمل التبعة ( risqué ) : وقد تطورت المسئولية التقصيرية منذ صدور التقنين الفرنسي تطوراً عميقاً . ودار تطورها حول فكرة الخطأ . فأخذت هذه الفكرة تضعف شيئاً فشيئاً حتى كادت تختفى في بعض الحالات ، تارة تحت ستار الخطأ المفروض فرضاً قابلاً لإثبات العكس ، وطوراً تحت ستار الخطأ المفروض فرضاً لا يقبل إثبات العكس ، بل حتى اختفت تماماً وأخلت مكانها لنظرية تحمل التبعة ( risqué ) . وكان الفقه هو الرائد لهذا التطور ، أمسك زمامه في يده ، وسبق إليه القضاء . وسار القضاء وراء الفقه بخطوات مرددة ، ولم يشأ أن يسير الشوط إلى نهايته ، فوقف عند الخطأ المفروض ، ولم يجاوزه إلى مسئولية لا تقوم على خطا أصلاً به على محض تحمل التبعة .

ونفضل ما أجملناه .

كان للتطور الاقتصادي السريع منذ القرن التاسع عشر اكبر الأثر في تطور نظريات المسئوليات التقصيرية فقد تقدمت الصناعة تقدماً عظيما باستحداث الآلات الميكانيكية وشتى وسائل النقل . ونجم عن ذلك أن أصبح الخطر الكامن في استعمال هذه المخترعات أقرب احتمالا وأكثر تحققاً مما كان عليه الأمر في الماضي . فعاد ركن الضرر في المسئولية التقصيرية إلى البروز حتى كاد يغطي على ركن الخطأ . وبدأ تطور المسئولية يرجع إلى نقطة الابتداء حيث كان المعيار مادياً لا شخصياً .

وكان الفقه أول من استجاب لهذا التطور ، متأثراً بعاملين . أولهما علمي هو ما نشرته المدرسة الوضعية ( ecole positiviste ) الايطالية بزعامة قرى ( Ferri ) من وجوب التعويل على الناحية الموضوعية لا على الناحية الذاتية ، حتى في المجرم نفسه ، فيعاقب لا بالنظر لما يستحقه لشخصه ، بل بالنظر لما تقتضيه حماية المجتمع . وإذا أمكن القول بالنظرية الموضوعية في القانون الجنائي ، فأولى بالقانون المدني أن يكون الميدان الخصب لهذه النظرية . والعامل الثاني عملي ، يرجع إلى ازدياد مخاطر العمل زيادة كبيرة من شأنها أن تجعل عسيراً على العامل في الكثرة الغالبة من الأحوال أن يثبت الخطأ في جانب رب العمل حتى يستطيع الرجوع عليه بالتعويض .

حاول الفقه في البدء أن يعالج الأمر عن طريق الاحتيال على بعض نصوص التقنين المدني الفرنسي . فشبه الآلات بالبناء ، وما دام يكفي في البناء إثبات العيب حتى يكون صاحبه مسئولا . كذلك الآلات إذا اثبت العامل عيباً فيها كان رب العمل مسئولا عما تحدثه الآلات المعيبة من الضرر . ولكن تيسير الإثبات على هذا النحو لم يكن كافياً ، فإن الصعوبة في إثبات العيب في الآلة تكاد لا تقل عن الصعوبة في إثبات الخطأ في جانب رب العمل . ثم لجأ الفقه إلى رطيقة أخرى ، فجعل رب العمل مسئولا مسئولية عقدية عن سلامة العامل بموجب عقد العمل ذاته . ولكن القضاء لم يماش الفقه في استخلاص التزام من عقد العمل بضمان سلامة العامل .

ومنذ رأي الفقه أن هذه المحاولات لم تجد نفعاً ، واجه الصعوبة من طريق مباشر . فنادى بأنه ليس من الضروري أن يكون الخطأ أساساً للمسئولية التقصيرية ، ويجوز أن تقوم هذه المسئولية لا على فكرة الخطأ بل على فكرة الضرر وتحمل تبعته . وهذه هي نظرية تحمل التبعة . فمن خلق تبعات يفيد من مغانمها ، وجب عليه أن يحمل عبء مغارمها . وقد قام على رأس الفقهاء ، ينادي بهذه النظرية . سالي وجوسران ، وبنياها على تفسير جديد محور للمادتين 1382 و 1384 من التقنين المدني الفرنسي . فهذبا إلى أن المشرع الفرنسي لا يشترط ركن الخطأ في المادة 1382 إذ يقول : ” كل عمل أياً كان يوقع ضرراً بالغير . . ” ( Tout fait quelconque de l’homme qui cause a autrui un dommage ) ، وأنه رسم قاعدة عامة في المسئولية عن الأشياء في الفقرة الأولى من المادة 1384 إذ يقول : ” يكون الشخص مسئولا . . . عن الضرر . . الذي يحدث بفعل الأشياء التي هي في حراسته ” . ( On est responsible . .du dommage . . du dommage . qui est cause par le fait des choses que l’on a sous sa garde ) على أن الفقهاء لم يعتمدوا على النصوص وحدها ، بعد تحويلها هذا التحوير الذي لم يخطر ببال المشرع الفرنسي وقت وضع التقنين ، بل اعتمدوا فوق ذلك على صياغة نظرية فقهية كاملة اسموها ” نظرية تحمل التبعات المستحدثة ” ( theorie des risques crees ) أو النظرية الموضوعية ( theorie objective ) يقابلون بها النظرية الشخصية ( theorie subjective ) التي تقوم على فكرة الخطأ . وقالوا أن النظرية الشخصية لم تعد تتفق لا مع المنطق ولا مع التطور الاقتصادي . فهي أولاً تصطدم مع المنطق ، فمنذ انفصلت المسئولية المدنية عن المسئولية الجنائية ، وأصبح التعويض المدني لا دخل للعقوبة فيه ، لم يعد هناك معي لاستبقاء الخطأ أساساً للمسئولية المدنية ، ويجب أن يكون أساس هذه المسئولية الضرر الذي يستوجب التعويض ، لا الخطأ الذي يقتضى العقوبة . وهي بعد ذلك تصطدم مع التطور الاقتصادي ، وذلك منذ أصبحت المخترعات الحديثة مورد رزق كبير ومصدر خطر جسيم . فما دام الشخص ينتفع بالشيء فمن العدل أن يحمل تبعته ، والغرم بالغنم . وإذا كانت المسئولية الشخصية تصلح في نظام اقتصادي يقوم على الزراعة ، ففي نظام اقتصادي قوامه الصناعة لا تصلح إلا المسئولية الموضوعية . فالواجب إذن في رأي هؤلاء الفقهاء هجر المسئولية الشخصية إلى المسئولية الموضوعية ، أي هجر المسئولية القائمة على خطأ ولو كان مفروضاً إلى المسئولية المجردة عن أي خطأ . ويوجه هذا النظر أساس معقول يقوم على الاعتبارات الآتي : يقع ضرر لا مخطأ من أحد ، فمن الذي يجب أن يتحمل هذا الضرر ؟ أيتحمله المضرور وهو الذي خضع لتبعة لم يكن له يد في ايجادها وليس هو الذي يفيد منها ، أهم يتحمله محدث الضرر وهو الذي أوجد هذه التبعة وهو الذي يفيد منها ؟ أضف إلى ذلك أن العلاقات المدنية أصبحت الآن علاقات مالية أكثر منها علاقات شخصية . وليس يرهق صاحب المصنع أن يحمل عن عماله عبء ما يصيبهم من ضرر ، فإن هذا يدخل في مخاطر صنعته ، وهو أقدر من العامل على مواجهة هذه المخاطر ، وبحسبه أن يلجأ إلى التأمين لمصلحة عماله ، فإن ذلك لا يبهظه ، بل هو يحقق به معنى التضامن الاجتماعي . ومن هنا يمكن تحديد نطاق للنظرية الموضوعية : عمل كثير الأخطار ، كبير المنفعة ، يسهل التأمين في شأنه . هذه هي العناصر الثلاثة التي إذا اجتمعت جعلى تطبيق النظرية الموضوعية أمراً ميسوراً ، لا عنت فيه ولا إرهاق .

والفرق الجوهري ما بين المسئولية الشخصية والمسئولية الموضوعية هو أن الأولى تقوم على الخطأ ، ولو كان هذا الخطأ مفروضاً ، ولو كان هذا الفرض غير قابل لإثبات العكس . فأساس المسئولية الخطأ لا الضرر ، والمسئول هو الحارس لا المنتفع . أما المسئولية الموضوعية فتقوم على الضرر لا على الخطأ ، والمسئول هو المنتفع لا الحارس . ويترتب على ذلك أن المدين في المسئولية الشخصية ، إذا كانت المسئولية قائمة على خطأ واجب الإثبات ، يستطيع أن يدفعها عن نفسه إذا عجز الدائن عن إثبات خطأ في جانبه . فإذا كانت المسئولية قائمة على خطأ مفروض فرضاً يقبل إثبات العكس ، استطاع أن يدفعها بإثبات أنه لم يخطئ . فإن كان فرض الخطأ لا يقبل إثبات العكس ، استطاع المدين أن يدفع المسئولية بإثباته السبب الأجنبي . فالدين يستطيع دائماً أن يدفع المسئولية الشخصية عن نفسه ، إما بنفي الخطأ في ذاته ، وإما بتقييم كسب للضرر الذي وقع . أما المسئول في المسئولية الموضوعية فلا يستطيع دفع هذه المسئولية حتى لو تقى الخطأ ، وحتى لو اثبت السبب الأجنبي . فما دام الضرر قد وقع من جراء نشاطه ، ولو بغير خطأ منه ، فهو المسئول عنه .

هذا هو ما انتهى إليه فقه النظرية الموضوعية في أوج انتشارها ولكن ما لبث الفقه أن تحول عنها شيئاً فشيئاً ، ووجد غناء في نظرية الخطأ المفروض . ولم يبق ثابتاً على النظرية في معناها الواسع الشامل إلا قلة من الفقهاء ، فيهم جوسران وديموج وسافاتييه . وكان السبب في وقوف الفقه عن المضي في النظرية الموضوعية موقف كل من التشريع والقضاء في فرنسا .

أما التشريع الفرنسي فقد حدد نطاقاً ضيقاً للنظرية الموضوعية ، وبقى بعيداً عن أن يأخذ بها كقاعدة عامة . فقد اقتصر على الأخذ بها في بعض نواحي النشاط وما يتولد عنها من تبعات . اخذ بها في تبعات الحرفة ( risqué professionnel ) وذلك في تشريع العمال الذي صدر في سنة 1898 ، ثم امتد بتشريعات متعاقبة من الصناعة إلى التجارة ، ثم إلى الزراعة ، ثم إلى الخدمة المنزلية . وأدمجت كل هذه التشريعات في تشريع موحد صدر في 19 أكتوبر سنة 1945 ، ثم في 30 أكتوبر سنة 1946 . والتشريع يرتب المسئولية على مخاطر العمل ، فإذا اصيب العامل بضرر في أثناء عمله أو بمناسبة هذا العمل ، حكم له بتعويض مقدر ( forfaitaire ) لا يصل إلى التعويض الكامل . ولا تنتفي المسئولية عن رب العمل حتى لو أثبت الحادث الفجائي أو خطأ المضرور أو عمل الغير ، وإنما تنتفي بإثبات القوة القاهرة ، واخذ المشرع الفرنسي بالمسئولية الموضوعية أيضاً في ” تبعات الطيران ” ( risqué de navigation aerienne ) ، فقد صدر تشريع في سنة 1924 يجعل المنتفع بالطيارة مسئولا عن كل ما تحدثه طيارته من اضرار . ولا تنتفي المسئولية حتى لو اثبت المسئول القوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو عمل الغير ، وإنما تنتفي بإثبات خطأ المضرور ، واخذ المشرع الفرنسي بالمسئولية الموضوعية اخيراً في ” تبعات التضامن الاجتماعي ” ( risqué social ) . من ذلك أن تشريعا ًدر في سنة 1895 يجعل الدولة مسئولة عن تعويض المحكوم عليه في جنحة أو جناية في الأحوال التي يجوز له فيها طلب مراجعة القضية ( demande en revision ) ويثبت عند المراجعة أنه برئ ( أنظر المادة 446 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي ) . وهذه مسئولية موضوعية عن تبعات الأخطاء القضائية ( crreurs judiciaries ) ومن ذلك أيضاً أن تشريعاً در في سنة 1919 وآخر في سنة 1921 يوجبان تعويض ضحايا الحرب وضحايا مصانع الذخيرة في أحوال معينة ، وهذه مسئولية موضوعية عن تبعات الدفاع الوطني ( defense nationale ) . ولا يزال أنصار المسئولية الموضوعية ينظرون إلى هذه التشريعات المختلفة في كثير من التفاؤل . فهذه تبعات الحرفة ، وتبعات الطيران ، وتبعات التضامن الاجتماعي ، قد رتب المشرع المسئولية عليها جميعاً . فليس بعيداً أن يرتب المسئولية بعد ذلك على ” تبعات الملكية ” ( risqué de propriete ) ، ثم على تبعات النشاط بوجه عام ( risqué d’activite ) . حتى يستكمل بذلك جميع الصور في ” تبعات الخطر المستحدث ” ( risqué cree ) . ولكننا لا نزال بعيدين كثيراً في ميدان التشريع عن استغراق كل هذه الصور . بل إن أهم صورة فيها ، وهي صورة تبعات الحرفة ، ليست تسجيلا كاملا للمسئولية الموضوعية ما دام المضرور لا ينال تعويضاً شاملا عن كل ما لحقه من الضرر . ثم إن المشرع الفرنسي قد أصدر ، من جهة أخرى ، تشريعات هي نفي صريح للمسئولية الموضوعية ، بل ورجوع عن الخطأ المفروض إلى الخطأ الواجب الإثبات ( [14] ) .

وأما القضاء الفرنسي فلم يسلم بالمسئولية الموضوعية . بل هو يشترط دائماً أن تقوم المسئولية على الخطأ . ولكنه سار شوطاً بعيداً في جعل هذا الخطأ مفروضاً في أحوال كثيرة . وسنرى ذلك تفصيلا عند الكلام في المسئولية عن الأشخاص وعن الأشياء . واستعان القضاء الفرنسي ، إلى جانب الخطأ مفروضاً في أحوال كثيرة . وسنرى ذلك تفصيلا عند الكلام في المسئولية عن الأشخاص وعن الأشياء . واستعان القضاء الفرنسي ، إلى جانب الخطأ المفروض في المسئولية التقصيرية ، بالمسئولية العقدية في بعض الحالات ، وذلك عن طريق استخلاص التزام بضمان السلامة ( obligation de securite ) في بعض العقود وبخاصة في عقد النقل . ومهما يكن من أمر ، فإن القضاء الفرنسي ثبت على فكرة الخطأ أساساً للمسئولية التقصيرية ، ولم يحد عن ذلك إلى نظرية تحمل التبعة . وهو مع ذلك قد وصل إلى كثير من النتائج العملية التي تقول بها أنصار المسئولية الموضوعية ، وذلك عن طريق الخطأ المفروض .

521 – المسئولية التقصيرية في التقنين المصري القديم : وقد أخذ التقنين المصري القديم قواعد المسئولية التقصيرية عن القانون الفرنسي في وقت كان القضاء الفرنسي فيه قد بدأ يأخذ بالخطأ المفروض . فوضع القاعدة العامة في المسئولية التقصيرية ، وأقامها على خطأ واجب الإثبات . إذ نص في المادتين 151 / 212 على ما يأتي : ” كل فعل نشأ منه ضرر للغير يوجب ملزومية فاعله بتعويض الضرر ” . ثم عرض لحالات الخطأ المفروض على غرار القانون الفرنسي ، فأكمل نص المادتين 151 / 212 بما يقرر مسئولية المكلف بالرقابة عمن هم تحت رعايته ، وأقام هذه المسئولية على خطأ مفروض ، إذ قضى في عبارة غامضه بما يأتي : ” وكذلك يلزم الإنسان بضرر الغير الناشيء عن إهمال من هم تحت رعايته أو عدم الدقة والانتباه منهم أو عن عدم ملاحظته اياهم ” . ثم انتقل إلى مسئولية المتبوع عن التابع ( م 152 / 214 ) ، فالمسئولية عن الحيوان ( م 153 / 215 ) ، فبنى المسئولية في هاتين الحالتين أيضاً على خطأ مفروض . ولم ينقل عن القانون الفرنسي النص الخاص بالمسئولية عن البناء . كذلك لم ينقل عن القضاء الفرنسي المسئولية عن الأشياء على الوجه الذي استقر عليه هذا القضاء أخيراً في تفسير للفقرة الأولى من المادة 1384 من التقنين المدني الفرنسي ، إذ لم يكن هذا القضاء وقت ظهور التقنين المصري القديم قد استقر على هذا التفسير .

أما نظرية تحمل التبعة فلم يأخذ بها التقنين المدني القديم . وإذا كان بعض الفقهاء في مصر نادي بوجوب الأخذ بها ( [15] ) ، فإن القضاء المصري في أحكامه ، عدا النذر اليسير ( [16] ) ، قد قطع في عدم الأخذ بها ، وأعلنت محكمة النقض هذا في عبارات واضحة صريحة ( [17] ) .

522 – المسئولية التقصيرية في التقنين المصري الجديد : كان التقنين المصري القديم قد التزم الإيجاز التام في النصوص التي أوردها في المسئولية التقصيرية ، على النحو الذي رأيناه فيما تقدم . أما التقنين الجديد فقد أورد في هذا الموضوع الكبير الأهمية عدداً غير قليل من النصوص ، عالج فيها العيوب الجسيمة التي كانت تشوب نصوص التقنين القديم ( [18] ) .

ويتبين من النصوص التي أوردها التقنين الجديد أمران :

أولاً – أن هذا التقنين لم يأخذ بنظرية تحمل التبعة . وقد أحسن في ذلك صنعاً . إذ يجب في هذا الصدد أن يسلك المشرع المصري الطريق الذي سبقه إليه المشرع الفرنسي ، فيصدر تشريعات خاصة في مسائل معينة يقتضى التطور الاقتصادي أن يؤخذ فيها بنظرية تحمل التبعة ، فيأخذ بها في هذه التشريعات إلى حد معقول . وهذا هو النهج الذي سار عليه المشرع المصري فعلا ، متمشاً في ذلك مع مقتضيات الظروف الاقتصادية للبلاد ( [19] ) .

ثانياً – جعل التقنين الجديد المسئولية عن الأعمال الشخصية قائمة على خطأ واجب الإثبات . أما المسئولية عن عمل الغير والمسئولية الناشئة عن الأشياء فقد أقامهما على خطأ مفروض .

ونحن نساير هذا الترتيب . فنبحث المسئولية التقصيرية في فصلين :

 ( الفصل الأول ) في المسئولية عن الأعمال الشخصية .

 ( والفصل الثاني ) في المسئولية عن عمل الغير والمسئولية الناشئة عن الأشياء .


 ( [1] ) أنظر في قيام المسئولية المدنية دون المسئولية الجنائية : استئناف مختلط في 24 نوفمبر سنة 1927 م 40 ص 49 – وفي 2 مارس سنة 1948 م 61 ص 81 – وفي ترتب المسئولية المدنية دون المسئولية الجنائية في التزوير واستعمال الورقة المزورة : نقض جنائي في 30 مارس سنة 1942 المحاماة 23 رقم 32 ص 58 – وفي قيام المسئولية الجنائية على خطأ لمسئول مع قيام المسئولية المدنية على خطأ مشترك : استئناف مختلط في أول مايو سنة 1946 م 58 ص 81 .

وقضت محكمة النقض بأن قرار الحفظ الذي تصدره النيابة العامة أياً كان سببه ، سواء لأنها قدرت أن وقوع الحادث لا يرد إلى خطأ مهما كانت صوره ، أو لأن نسبة الخطأ إلى شخص بعينه غير صحيح أو لم يقم عليه دليل كاف – هذا القرار لا يجوز قوة الأمر المقضي قبل المضرور بالحادث ، فلا يحول بينه وبين الدعوى المدنية يقيم فيها الدليل على الخطأ ونسبته إلى المدعى عليه فيها ( نقض مدني في 27 أكتوبر سنة 1949 طعن رقم 34 سنة 18 قضائية لم ينشر ) .

 ( [2] ) قد يكون الإهمال الصادر من المتهم لا يكفي لمساءلته جنائياً ، ويكفي للمسئولية المدنية حيث تقوم هذه المسئولية على خطأ مفروض في بعض الأحوال . على أن محكمة النقض قد قضت بأن الإهمال في جريمة الجرح باهمال المنصوص عليها في المادة 244 من قانون العقوبات لا يختلف في أي عنصر ، عناصره عن الخطأ غير المفروض الذي يستوجب المساءلة المدنية ، فبراءة المتهم في الدعوى الجنائية لعدم ثبوت الخطأ المدعى به تستلزم حتما رفض الدعوى المدنية المؤسسة على هذا الخطأ ( نقض جنائي في 8 مارس سنة 1943 المحاماة 25 رقم 45 ص 132 ) .

 ( [3] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كيف محكمة الموضوع ما ثبت لها من وقائع الدعوى تكييفاً خاطئاً نقلت به الدعوى عن حقيقتها ، وأعطتها حكماً قانونياً غير ما يجب اعطاؤه لمثلها ، كأن اعتبرت التقصير في تنفيذ عقد المقايضة بالتسليم خطأ فعلياً ( faute delictuelle ) كالاغتصاب يوجب التضمين على المقصر من يوم تقصيره لا من يوم التنبيه الرسمي ، فإن الحكم الذي تصدره بهذا يكون مخالفاً للقانون ويتعين نقضه ( نقض مدني في 11 ابريل سنة 1935 ( مجموعة عمر 1 رقم 243 ص 666 ) .

 ( [4] ) استئناف مختلط في 29 مارس سنة 1944 م 56 ص 98 .

 ( [5] ) هذا إلى أن عبء الإثبات – من الناحية العملية المحضة – يبدو فرقا جوهرياً ما بين المسئوليتين . وقد كان هو والإعفاء الاتفاقي من المسئولية سببين رئيسين لتلمس المسئولية العقدية في بعض القروض – كما في عقد نقل الأشخاص والتزام أمين النقل بسلامة الراكب التزاماً كيف بأنه التزام عقدي – أو للقول بالخيرة ما بين المسئوليتين – كما في عقد النقل إذا اقترن بشرط الإعفاء فإن القول بالخيرة يمكن من اختيار المسئولية التقصيرية وهذه لا يجوز الاتفاق على الإعفاء منها .

 ( [6] ) سيأتي تفصيل للأحكام التي تطبق في النقل المجاني فيما يلي ( أنظر فقرة 546 ) .

 ( [7] ) ويصعب هذا بنوع خاص في العقود التي تشتمل على التزام بكفالة السلامة ( obligation de securite ) . فعقد نقل الأشياء يتضمن دون شك هذا الالتزام ، ويعتبر أمين النقل مسئولا مسئولية عقدية إذا تلفت الأشياء التي تعيد ينقلها في أثناء النقل . أما عقد نقل الأشخاص ، فالأمر فيه ليس واضحاً وضوحه في عقد نقل الأشياء . ذلك أن الشيء إذا تسلمه أمين النقل لنقله يخضع خضوعاً تاماً لسيطرته ، إذ ليست له حركة ذاتية ، أو له هذه الحركة كالحيوان ولكن يمكن ضبطها . أما الشخص الذي يتعهد أمين النقل بنقله فله حركة ذاتية ، لا يخضع زمامها خضوعاً تاماً لسيطرة أمين النقل . على أن القضاء والفقه ، في مصر وفي فرنسا ، يرتبان التزاماً بكفالة السلامة في ذمة أمين النقل ، حتى بالنسبة إلى نقل الأشخاص .

والالتزام بالسلامة يختلف مداه في عقد عنه في عقد آخر ، ففي بعض العقود يكون التزاماً يبذل عناية ، كالتزام الطيب في علاج المريض ، يكفي فيه أن يثبت الطبيب أنه اصطنع الحيطة واليقظة بالقدر المطلوب في صناعة الطب حتى يكون قد وفى التزامه ولو لم يشف المريض فلا تتحقق مسئوليته العقدية . وفي عقود أخرى ، كعقد النقل المتقدم الذكر ، يكون التزاماً بتحقيق غاية ، فيكفل المدين سلامة الدائن ، ولا تنتفي مسئوليته العقدية إلا إذا أثبت السبب الأجنبي .

 ( أنظر في الالتزام بكفالة السلامة مازو 1 ص 165 – ص 189 ) .

 ( [8] ) ومن هذه الطرق الرجوع إلى النصوص التشريعية المفسرة لإرادة المتعاقدين أو المكملة لها . وهذه النصوص كثيرة في العقود المسماة .

 ( [9] ) وسنرى فيما بعد أن هذا هو أيضاً قضاء محكمة النقض في مصر في دائرتها المدنية ( نقض مدني في 5 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 154 ص 452 ) . أما الدائرة الجنائية فتذب إلى عكس ذلك ( نقض جنائي في 8 مارس سنة 1943 المحاماة 25 رقم 45 ص 132 ) .

 ( [10] ) أنظر في انقسام القضاء والفقه في فرنسا مازو 1 فقرة 188 – فقرة 207 – بلانيول وريبير وبولانجيه فقرة 933 – فقرة 938 .

أما في مصر فيبدو أن الكثرة من أحكام القضاء الوطني والمختلط تنزع إلى جواز الخيرة ما بين المسئوليتين . ومن ذلك ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا اشترط المؤجر عدم مسئوليته عما يصيب للمستأجر من الضرر من العين المؤجرة ، فإن هذا الشرط لا يخلى المؤجر من مسئوليته عما يصيب للمستأجر من الضرر من العين المؤجرة ، فإن هذا الشرط لا يخلى المؤجر من مسئوليته التقصيرية عن هذا الضرر ( استئناف مختلط في أول ابريل سنة 1891 م 3 ص 271 – وفي 10 يناير 1924 م 36 ص 140 – وفي 6 مايو سنة 1926 م 38 ص 396 ) . ومن ذلك أيضاً ما قضت به هذه المحكمة من أنه إذا كان القانون المدني ( القديم ) لا يلزم المؤجر بالقيام بأية مرمة ، فإن هذا لا يخليه من المسئولية التقصيرية عن الضرر الذي يصيب المستأجر بسبب تقصير المؤجر في ترميم ملكه ( استئناف مختلط في 20 فبراير سنة 1902 م 14 من 154 – و في 5 يونية سنة 1923 م 35 ص 485 ) . ومن ذلك ما قضت به كل من محكمة الاستئناف الوطنية ومحكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا اشترطت مصلحة السكك الحديدية تحديد مسئوليتها في مبلغ معين في حالة ضياع البضاعة المشحونة ، فإن هذا الشرط لا يسري في مسئولية هذه المصلحة مسئولية تقصيرية عن عمالها أو عن الغير ( استئناف وطني في 10 فبراير سنة 191 المجموعة الرسمية 11 ص 245 – وفي 25 يولية سنة 1922 المحاماة 2 ص 480 – استئناف مختلط في 15 مايو سنة 1920 م 32 ص 330 – وفي 29 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 98 – وفي 8 ديسمبر سنة 1921 م 34 ص 45 – وفي 8 يونية سنة 1922 م 34 ص 474 – وفي 8 ابريل سنة 1926 م 37 ص 434 – وأنظر عكس ذلك استئناف وطني في 2 مايو سنة 1922 المحاماة 3 ص 29 – استئناف مختلط في 23 ديسمبر 1943 م 56 ص 26 .

وقد قضت محكمة استئناف الاسكندرية الوطنية أخيراً بجواز الخيرة ما بين المسئوليتين ، إذ قررت أنه ” لا شبهة . . في التزام الناقل ضمناً بسلامة الراكب إلى الجهة المتعاقد على المنقل إليها ، لأن هذا الالتزام هو أول مميزات هذا النوع من التعاقد . . وأن مؤدى الأخذ بهذا النظر الاستناد في طلب التعويض إلى أحد الاساسين ، المسئولية التقصيرية أو المسئولية التعاقدية ، حسبما يتسنى لطالب التعويض . فإذا قصرت وسائله عن إثبات عناصر الأولى أمكن الاستناد إلى الثانية عند توافر أركانها ( استئناف الإسكندرية في 5 فبراير سنة 1950 المحاماة 30 رقم 276 ص 501 ) – ويلاحظ أن المحكمة لم تكن في حاجة إلى القول في هذه القضية بجواز الخيرة بين المسئوليتين ، فإن الخيرة إنما تظهر قائدتها في الانتقال من المسئولية العقدية إلى المسئولية التقصيرية . أما هنا فقد انتقلت المحكمة من المسئولية التقصيرية إلى المسئولية العقدية ، وكان يكفيها أن تقرر أن عقد النقل ينشيء التزاماً عقدياً بضمان سلامة الراكب ، يستطيع أن يستند إليه الدائن في مطالبة المدين بإثبات أنه قد وفى بهذا الالتزام .

أما محكمة النقض فلم تبت حتى الآن في هذه المسألة بقضاء حاسم ، فقد أخذت في قضية بالمسئولية العقدية ؛ ولكنها لم تذكر أنها استبعدت المسئولية التقصيرية لقيام المسئولية العقدية ، وهذا هو ما قضت به : ” ليس لرب العمل أن يستقل بما من شأنها أن يزيد في إخطار العمل الذي استخدم العامل لأدائه . فإن هو فعل صح اعتباره مخلا بعقد الاستخدام إخلال يصلح أساساً لمسئوليته . ولما كان الثابت في الحكم أن عقد استخدام ملاحي سفينة الطاعن لم يرد فيه ما يفيد أنه معت؟؟ تأجيرها لدولة محاربة ، وأن هؤلاء الملاحين لم يحاطوا علماً بهذا التأجير ، وكان هذا التأجير من شأنه طبيعة أن يزيد في إخطار عملهم ، فلا مخالفة للقانون إذا كان محكمة الموضوع قد رأت أن قيام الطاعن بهذا التأجير فيه خطا من جانبه في حق عماله . هذا وإذا كانت المحكمة المذكورة قد رتبت على هذا الخطأ مسئولية الطاعن عن فقد ملاحي السفينة على اعتبار أن هذا الفقد كان نتيجة لهذا الخطأ ، فإن رأيها في ذلك إنما هو رأي في مسألة واقعية فلا تملك محكمة النقض من تراقبه . ومتى استقام الحكم على أساس قواعد المسئولية العقدية ، كان ما ورد فيه خاصاً بتطبيق أحكام قانون التجارة البحري تزيداً ، وكان ما جاء في الطعن منصباً عليه غير منتج ( نقض مدني في 4 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 280 ص 553 ) .

وفي قضية أخرى يبدو أن محكمة النقض لا تأبى ان يقوم التعويض على أساس كل من المسئوليتين ، فقد قضت بأنه ” ما دام الحكم قد أقام مسئولية المحكوم عليه بالتعويض على كلا الاساسين : العقد والفعل الضار ، فإنه لا تكون به حاجة إلى تطبيق المادة 120 من القانون المدني ( القديم ) التي تنص على أن التضمينات لا تستحق إلا بعد تكليف المتعهد بالوفاء تكليفاً رسمياً ، إذ هذه المادة لا تنطبق على المسئولية عن الأفعال الضارة واذ أن الإعذار الي تنص عليه غير لازم في حالة المسئولية العقدية عند الإخلال بالتزام سلمى ( نقض ( مدني في أول يناير سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 251 ص 513 ) .

وأما الفقه في مصر فمقسم . فمن الفقهاء من يقول بجواز الخيرة ( مصطفى مرعى بك في المسئولية المدنية فقرة 28 ) – وقد كنا نقول بها في الموجز ( فقرة 301 ) .ومنهم من يقول بقصر الدائن على المسئولية العقدية ( الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار ص 17 ) .

 ( [11] ) قارن الموجز للمؤلف فقرة 301 .

 ( [12] ) ‘ Toutes les petces et tous les dommages, qut peuvent ariver per le fait de quelques personnes sot imprudence , legerete , ignorance de ce qu’on joit savoir , ou autres fautes scmblables , si legere qu’elles puissant etre, doiyent etre repares par celui dout l’imrudence ou autre faute y a donne lieuy .

 ( [13] ) ” On peut destinguer trios sortes de fautes don’t il peut arriver quelques dommages ; celles qui vont a un crime ou a un delit ; celles des personnes qui manquent aux engagements des conventions comme un verideur que ne deliver pas la chose vendue , un locataire qui ne fait pas les reparations don’t il est tenu , et celles qui n’ont pas de rapport aux conventions et qui ne vont pas a un crime ni a un delit, comme si par legerete on jefte quelque chose par une fenetre qui gate un habit ‘ si des animaux mal gardes font quelque . Dommage , si on cause un incendie par imprudence , si un bitiment qui menace ruine, netant pas repare , tombe sur un autre et y fait des dommagess .

 ( [14] ) من ذلك قانون 5 ابريل سنة 1937 ويتلعق بمسئولية المعلمين عن تلاميذهم ، وقد ألغى به قانون 20 يولية سنة 1899 . وقد استبقى هذا القانون مسئولية الدولة قائمة مكان مسئولية المعلمين ، ولكنه تطلب لتحقق هذه المسئولية إثبات خطا في جانب المعلم بعد أن كان هذا الخطأ مفروضاً .

ومن ذلك أيضاً قانون 7 نوفمبر سنة 1922 يستثنى فيه من المادة 1384 – بعد أن سلم أن هذه المادة تقيم المسئولية عن الأشياء على خطأ مفروض – حالة الحريق ، فجعل المسئولية فيها تقوم على خطأ واجب الإثبات .

 ( [15] ) الدكتور عبد السلام ذهني بك في الالتزامات فقرة 781 وما بعدها .

 ( [16] ) أنظر في هذه الأحكام الموجز في النظرية العامة للالتزامات للمؤلف ص 383 هامش رقم 2 . وانظر بنوع خاص : محكمة استئناف مصر الوطنية في 10 ابريل سنة 1927 المجموعة الرسمية 28 عدد 59 – محكمة الزقازيق الكلية في ) ابريل سنة 1929 المحاماة 10 رقم 88 ص 169 – محكمة مصر الكلية المختلطة في 17 يونية سنة 1929 20 رقم 188 ص 195 .

 ( [17] ) وهذا ما قضت به محكمة النقض : ” إن القانون المصري لم يرد فيه ما يجعل الإنسان مسئولاً عن مخاطر ملكه التي لا يلابسها شيء من التقصير ، بل إن هذا النوع من المسئولية يرفضه الشارع المصري بتاتاً ، فلا يجوز للقاضي اعتماداً على المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أن يرتبه على اعتبار أن العدل يسيغه ، إذ أن هذه المادة لا يصح الرجوع إليها إلا عند عدم معالجة الشارع لموضوع ما وعدم وضعه لأحكام صريحة فيه جامعة مانعة واذن فالحكم الذي يرتب مسئولية الحكومة مدنياً عما يحدث لعامل على نظرية مسئولية مخاطر الملك التي لا تقصير فيها والمسئولية الشيئية يكون قد أنشأ نوعاً من المسئولية لم يقرره الشارع ولم يرده ، ويكون إذن قد خالف القانون ويتعين نقضه ” ( نقض مدني في 15 نوفمبر سنة 1934 مجموعة عمر 1 ص 485 ) . وانظر أيضاً : استئناف مصر الوطنية في 26 نوفمبر سنة 1940 المحاماة 21 رقم 328 ص 745 – استئناف مختلط في 23 ابريل سنة 1941 م 53 ص 154 – وفي 22 ابريل سنة 1947 م 59 ص 181 – وفي 10 مارس سنة 1949 م 61 ص 109 ( تحمل التبعة الاجتماعية ) .

 ( [18] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” بالغ التقنين السابق في الالتزام الإيجاز بصدد الأحكام الخاصة بالعمل غير المشروع . وليس يخلو هذا الوضع من شيء من الغرابة . ولا سيما إذا روعى أن أحكام المسئولية التقصيرية قد أصابت ، منذ صدور التقنين المدني الفرنسي ، وبوجه خاص منذ صدور التقنينات المصرية ، من بسطة النطاق ما يؤهلها لأن تشغل في تقنين عصري مكاناً لا يدانيه في أهميته . ما أفرد لها حتى اليوم . وقد عرض المشروع لأحكام العمل غير المشروع في قسمين رئيسيين . أفرد أولهما للمسئولية عن الأعمال الشخصية ، وهي المسئولية العامة أصلاً ، وقوامها إثبات الخطأ ، أما القسم الثاني فقد جمعت فيه أحوال المسئولية عن عمل الغير والمسئولية الناشئة عن الأشياء ، وهي أحوال تقوم فيها المسئولية على افتراض الخطأ . وقد أسهل المشروع القسم الأول بالقاعدة الأساسية في المسئولية عن الخطأ الثابت ، فأفرغها في نص واضح موجز اقتبسه من المشروع الفرنسي الإيطالي . والواقع أن التقنينات اللاتينية ، في هذه الناحية ، أرقى في صياغتها التشريعية من التقنين الألماني ، فهذا التقنين ، بدلا من أن يضع مبدأ تنطوي في عمومه جميع التطبيقات التفصيلية للخطأ الشخصي ، يبدأ بطائفة من النصوص تعرض لحالات خاصة ، ومن هذه الحالات يستخلص المبدأ العام . وزمذهبه هذا يقرب من مذهب القانون الانجليزي ، ولكنه أخلق بنظام قانوني يقوم على أحكام القضاء ، وعلى التطبيق في المسائل التفريعية ، منه بتقنين يقصد به إلى تقرير مبادئ عامة . ولهذه العلة أعرضت عنه ذات التقنينات التي درجت على استلهاء التقنين الالمانين كتقنين الالتزامات السويسري والتقنين النمساوي المعدل والتقنين البولوبي ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 350 ) .

 ( [19] ) ومن أهم هذه التشريعات الخاصة التي أصدرها المشرع المصري ، وأخذ فيها بتحمل التبعية بالقدر المعقول ، نذكر ما يأتي :

1 – قانون رقم 89 لسنة 1950 بشأن إصابات العمل ( وقد حل محل القانون رقم 64 لسنة 1936 ) : ويقضي بأن لكل عامل أصيب بسبب العمل وفي أثناء تأديته ، الحق في الحصول من صاحب العمل على تعويض مقدر في القانون بحسب جسامة الاصابة ، ولا يعفى صاحب العمل من التعويض إلا إذا اثبت أن العامل قد تعمد اصابة نفسه أو أن الاصابة قد حدثت بسبب سوء سلوك فاحش ومقصود من جانب العامل . ولا يجوز للعامل فيما يتعلق بحوادث العمل أن يتمسك ضد رب العمل بأحكام أي قانون آخر ما لم يكن الحادث قد نشأ عن خطأ جسيم من جانب رب العمل وإذا كان صاحب العمل مؤمناً على حوادث العمل ، جاز للعامل أن يطالب بحقوقه رب العمل وشركة التامين معاً متضامنين . وإذا كانت الإصابة الوجبة للتعويض تقتضي قانوناً مسئولية شخص آخر خلاب رب العمل ، جاز للعامل أن يطالب بالتعويض رب العمل أو ذلك الشخص الآخر ، ويحل رب العمل الذي دفع التعويض محل العامل في حقوقه قبل الشخص المسئول ، كما يخصم التعويض الذي يقبضه العامل فعلا من الشخص المسئول من التعويض المستحق له قبل رب العمل ، وإذا دفعت شركة التامين قيمة التعويض فإنها تحل محل صاحب العمل في حقوقه . وقد فرض القانون رقم 86 لسنة 1942 التامين الإجباري على أصحاب الأعمال ، فقضى على كل صاحب عمل أن يؤمن على حوادث العمل التي يلزم بالتعويض عنها طبقا للقانون رقم 65 لسنة 1936 ( وقد حل محله القانون رقم 89 لسنة 1950 كما قدمنا ) بشأن إصابات العمل ، ولا يجوز تحيمل العمال أي نصيب في نفقات التامين بأية طريقة كانت .

2 – قانون رقم 117 لسنة 1950 بشأن التعويض عن أمراض المهنة : ويلحق أمراض المهنة باصابات العمل من حيث إلزام صاحب العمل بتعويض مقدر عن هذه الأمراض دون حاجة إلى إثبات خطئه ، ومن حيث فرض التامين الإجباري على أصحاب الأعمال .

3 – قانون رقم 88 لسنة 1942 بشأن التعويض على التلف الذي يصيب المباني والمصانع والمعامل والآلات الثابتة بسبب الحرب : وهو قانون مؤقت ، ويخصص للتعويض رأس مال يتكون من موارد متعددة ، أهمها ضريبة تجبى من المنتفعين بهذا القانون ( فهو بمثابة تأمين إجباري ) ومبلغ من الميزانية العامة معادل لما يجبى من هذه الضريبة .

4 – قانون رقم 29 لسنة 1944 بشأن تعويض أفراد طاقم السفن التجارية ضد إخطار الحرب : ويقضي على مالك السفينة ومجهزها ومستأجرها متضامنين بتعويض مقدر لمن يصاب بسبب أخطار الحرب من أفراد طاقم السفينة ( الربان وضباط الملاحة والمهندسين البحريين والبحارة وغيرهم ممن يقوم بأي عمل في السفينة ) .

5 – قانون رقم 130 لسنة 1948 بشأن تنظيم الإرشاد بميناء الإسكندرية : ويقضي بمسئولية السفينة – فيما عدا حالة الخطأ الجسيم من المرشد – عن كل هلاك أو ضرر يصيب سفينة الإرشاد أثناء عمليات الإرشاد ، ويقضي كذلك بتعويض للمرشد عند اضطراره للسفر مع السفينة بسبب سوء الأحوال الجوية أو بناء على طلب ربان السفينة .

نقلا عن محامي أردني

عـبء الاثبـات 

عـبء الاثبـات 

45 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 389 من التقنين المدنى على ما يأتى :

       (( على الدائن إثبات الالتزام ، وعلى المدين إثبات التخلص منه ([1]) )) .

$66ويقابل هذا النص فى التقنين الدنى السابق المادة 214/278 ([2]) ـ وفى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى لا شئ ([3]) ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 444 إلى 448 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 362 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 376 ([4]) ـ

$67وفى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1315([5]) .

       46 ـ أهمية تعيين من يحمل عبء الاثبات من الخصمين : أول تنظيم لقواعد الإثبات يتصل بتعيين من من الخصمين يحمل عبئ الإثبات ، أى من منهما يكلف بالإثبات دون الآخر . وتعيين من يحمل عبء الإثبات من الخصمين يكاد يتوقف عليه ، فى كثير من الأحوال ، مصير الدعوى من الناحية العملية . فقد يكون الحق متراوحاص بينهما ، لا يستطيع أى منهما أن يثبته أو أن ينفيه ، فالقاء عبء الإثبات على أحدهما معناه حكم عليه أو حكم لخصمه ([6]) .

       فيعنينا إذن أن نبين من يحمل عبء الإثبات . وهذه مسألة لها ناحيتان : ناحية المبدأ وناحية التطبيق .

       1 ـ عبء الاثبات من ناحية المبدأ :

       47 ـ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر : من المبادئ المقررة فى الفقه الإسلامى أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ([7]) . وفى$68.القانون المصرى وسائر القوانين الحديثة توجد القاعدة ذاتها ، فالمدعى هو الذى يحمل فى الأًصل عبء الإثبات ، سواء كان دائناً يدعى ثبوت الدائنية أو مديناص يدعى التخلص من المديونية كما تقول المادة 389 .

       ولكن يبقى أن نحده على وجه الدقة من هو المدعى .

       هو أولا من يرفع الدعوى على الغير يطالبه بحق معين ، فهو مدع فى دعواه هذه ، وعليه عبء إثبات ما يدعيه . فلو أن شخصاً طالب آخر بمبلغ معين ، فعليه أن يثبت مديونية المدعى عليه بهذا المبلغ له ، بأن يثبت مصدر الدين ، تصرفاً قانونياً كوصية أو عقد بيع أو واقعة قانونية كميراث أو شفعة .

       $69ولكن ليس من الضرورى أن يكون المدعى هو من يرفع الدعوى . فقد يدفع المدعى عليه الدعوى بدفع فيصبح مدعياً فى هذا الدفع ، وعليه هو يقع عبء إثباته . ففى الأمثلة المتقدمة قد يدفع المدين بأنه وفى دينه ، فعليه إثبات هذا الوفاء . وقد يدفع الحائز للعين بأنه ملكها بالتقادم ، فعليه إثبات ذلك ([8])  .

       فيمكن إذن لأول وهلة أن نقول إن من يحمل عبء الإثبات هو المدعى فى الدعوى والمدعى عليه فى الدفع ، فكلاهما مدع فى دعواه ([9]) .

(actor incumbit probation. Reus in exceptione actor est)

      $70 48 ـ الببينة على من يدعى خلاف الأصل : ولكن هذه القاعدهة تحول بساطتها دون مواجهة الصعوبات التى تعرض فى العمل . فقد يقع أن المدعى ، حتى فى الدعوى التى رفعها , لا يكلف بالإثبات ، بل يكلف به خصمه وفقاً لطبيعة وضع كل منهما . فمن رفع دعوى على جاره يطالبه بسد مطل لا يكلف ـ وهو المدعى فى الدعوى ـ بإثبات أن جازه فتح المطل دون أن يكون له حق ارتفاق يجيز فتح المطل . ففى هذا المثل يقع عبء الإثبات على المدععى عليه لا على المدعى ، لأن طبيعة الوضع تقضى بخلو العقار من حقوق الارتفاق حتى يثبت ذو المصلحة عكس ذلك .

ومن ثم فإن القول بأن المدعى هو الذى يحمل عبء الإثبات لا يستقيم فى جميع الفروض ، فوجب إذن البحث عنقاعدة تكون أكثر انضباطاً ([10]) . وقد وضعت قاعدة فى هذا الصدد من شقين ، تستجيب لطبائع الأشياء . فقيل إن من يتمسك بالثابت أصلا لا يكلف باثباته ، أما من يدعى خلاف الأصل فعليه هو يقع عبء إثبات ما يدعيه(Onus probandi incumbit ei qui dicit) . ذلك $71أن من يتمسك بالثابت أصلا ، وإن كان من الجائز ألا يكون على حق من ناحية الواقع والعدالة ، إلا إنه من ناحية القانون ومن أجل استقرار التعامل يجب أن يحمى ، فيترك على الأصل دون أن يتكلف عناء أى إثبات ([11]) . وهذا هو الشق الأول من القاعدة . أما من يدعى خلاف الأصل فهو يستحدث جديداً لا تدعمه قرينة بقاء الأصل على أصله ، فعليه أن يثبت هذا الجديد حتى يتمتع بحماية القانون . وهذا هو الشق الثانى ([12]) .

       49 ـ فى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة : وفى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة من كل التزام . فمن يتمسك بالأصل لا إثبات عليه . ومن يدعـى خلاف الأصل ، بأن يدعى دينـاً فى ذمـة الغير قبلـه ، عليه أن يثبت مصـدر هذا الدين ([13]) . فمن ادعى أنه أقرض آخر مبلغاً من المال عليه أن يثبت عقد القرض . ومن طالب آخر بثمن مبيع عليه أن يثبت عقد البيع . والشريك الذى يطالب شريكه بنصيبه فى الخسارة عليه أن يثبت عقد الشركة وأن يثبت مقدار الخسارة التى لحقتها ([14]) . $72ويتفرع على ذلك مواقف عدة يختار القانون فيها وضعاً يعبره هو الأصل ، فمن تمسك به لا يكلف بإثبات شئ ، ومن ادعلا خلافه فعليه عبء الإثبات . مثل ذلك الأهلية ، فالأصل أن كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون ( م109 مدنى ) ([15]) . ومثل ذلك أيضاً عيوب العقد ، فالأصل أن يكون العقد سليما من العيوب ، ومن يدعى أن بالعقد عيباً عليه إثباته . ومثل ذلك أخيراً إجازة العقد القابل للابطال ، فالأصل عدم إجازة العقد ، ومن يدعى أنه أجيز عليه أن يثبت هذه الاجازة ([16]).

       50 ـ وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر : وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر . فالحائز للعين لا يطالب باثبات ملكيتها لأن الظاهر هو أن الحائز مالك . والخارج الذى يدعـى ملكية العيـن هـو الذى يدعـى خـلاف ذلـك ، فعليـه هـو يقـع  عبء الاثبات ([17]) . ومن ثم كان الحائز هو المدعى$73عليه دائماً فى دعوى الملكية ([18]) . وذلك ما لم يتبين من مستندات المدعى أن الظاهر يؤيد دعواه وينفى دفاع المدعى عليه ، فعندئذ ينتقل عبء إثبات الملكية إلى المدعى عليه ([19]) .

       $74وكذلك الظاهر أن حق الملكية خال من أن يثقل بحق عينى . فالمالك إذا تمسك بهذا الظاهر لا يطالب باثباته . ومن يدعى خلاف الظاهر ، بأن يدعى مثلا أن له حق ارتفاق ([20]) أو حق انتفاع أو حق رهن على العين ، كان عليه هو أن يثبت قيام لحق الذى يدعيه ، ولو كان مدعى عليه فى الدعوى الأصلية ، لأنه يدعى خلاف الظاهر([21]) .

       51 ـ والثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً : وقد يحل محل الأصل فى نطاق الحقوق الشخصية ومحل الظاهر فى نطاق الحقوق العينية وضع يفرض القانون وجوده عن طريق قرينة قانونية يقيمها . فيكون الثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً .

       مثل ذلك أن يرفع المضروو دعوى تعويض على المكلف برقابة قاصر صدر منه عمل غير مشروع أصاب المدعى بالضرر . وقد كان القياس يقتضى أن يثبت المدعى ، فوق العمل غير المشروع الصادر من القاصر ، تقصيراً من المكلف بالرقابة فى تأدية واجبه . ولكن القانون فرض أن هذا التقصير قد وقع منه بمقتضى قرينة قانونية أقامها ضده ( م173 فقرة 3 مدنى ) . فلا يكلف المدعى إثبات التقصير ، وينتقل عبء الإثبات إلى المدعى عليه فيثبت أنه قام بواجب الرقابة أو أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغى من العناية . وكذلك الحال فى مسئولية حارس الآلات الميكانيكية أو الأشياء التى تتطلب حارستها عناية خاصة ، كل هؤلاء فرض القانون فى جانبهم التقصير ، فمدعى التعويض لا يكلف بإثبات تقصيرهم ، بل لا يسمح لهم القانون أن يثبتوا أنهم قاموا بواجب العناية لأن قرينة التقصير هنا قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس $75 (المواد 176 و 177 فقرة أولى و178 من التقنين المدنى) . والمدعى بدين لا يكلف إثبات سببه المشروع ، لأن القانون فرض أن يكون لكل دين سبب مشروع ، وينتقل هنا عبء الإثبات إلى المدين فعليه أن يثبت هو أن الدين سببه غير مشروع ( م 137 فقرة 1مدنى ).

كذلك يعتبر السبب المذكور فى العقد هو السبب الحقيقى ، حتى يقيم المدين الدليل على ما يخالف ذلك (م 137 فقرة 2 مدنى) . والتأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين قرينة على الوفاء ، فينتقل عبء الإثبات من المدين إلى الدائن ، وعلى هذا أن يثبت أن المدين لم يقم بوفاء الدين (م 399 مدنى) .

       وفى نطاق الحقوق العينية ، إذا فرضت قيود معينة تحد من حق مالك العقار فى النباء عليه ، فالمدعى الذى يرفع دعوى على المالك متمسكاً بأن هذه القيود هى حقوق ارتفاق لا مجرد التزامات شخصية لا يكلف باثبات ذلك ، لأن القانون أقام قرينة على أن هذه القيود هى حقوق ارتفاق ، فاذا أراد المالك أن ينفى أنها حقوق ارتفاق وأنها ليست إلا التزامات شخصية انتقل إليه هو عبء هذا الإثبات (م 1018 فقرة 1مدنى) .

ومن هذه المثلة نرى أن القرينة القانونية إذا كانت قابلة لإثبات العكس إنما تنقل عبء الإثبات ممن يتمسك بها إلى خصمه ، أما إذا كانت غير قابلة لإثبات العكس فانها تعفى من يتمسك بها من الإثبات إعفاء نهائياً ولا تقتصر على نقل عبء الإثبات ([22]) .

$76  52 ـ كذلك تكون البينةعلى من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا : ومن يتمسك بما هو ثابت أصلا أو ظاهراً أو فرضاً يمكن أن نقول إنه يتمسك بما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً هو الذى يحمل عبء الاثبات . كذلك الحال

فيمن يتمسك بما هو ثابت فعلا ([23]) ، لا يكلف هو أيضاً بالاثبات ، وإنما يحمل عبء الاثبات من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا . والثابت فعلا هو ما أقام الخصم الدليل عليه بالطرق القانونية ، حقيقة أو ضمناً .

       مثل ذلك دائن يرفع دعوى الدين على مدينه ، فيدعى خلاف الأصل وهو براءة الذمة كما قدمنا ، فعليه إذن عبء إثبات الدين . فاذا ما أثبته حقيقة بسند مكتوب مثلا ، فلا يجوز للمدين أن يدعى وفاء الدين ، أى خلاف ما هو ثابت حقيقة ، إلا إذا حمل عبء إثبات ما يدعيه.

       ولو أن المدين فى المثل الذى قدمناه لم يكلف المدعى باثبات الدين حقيقة ، بل دفع الدعوى بالمقاصة ، كان هذا بمثابة إقرار ضمنى منه بالدين ، فيكون الدين ثابتاً ضمناً. وعلى المدين إثبات عبء انقضاء الدين بالمقاصة لأنه يدعى خلاف ما هو ثابت ضمناً .

$77 ومن ثم ثرى أن البينة تكون على من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا ، حقيقة كان هذا الثبوت أو ضمناً .

53 ـ استخلاص مبدأ عام فيمن يحمل عبء الاثبات : ونستطيع بعدما قدمناه أن نضع المبدأ الآتى : كل من يتمسك بالثبات حكماً ـ أصلا أو ظاهراً أو فرضاً ـ أو بالثابت فعلا ـ حيقة أو ضمنا ـ لا يقع عليه عبء الإثبات . وإنما يقع عبء الإثبات على من يدعى خلاف الثابت حكماً أو فعلا ،  لأنه يدعى خلاف الأصل أو الظاهر أو المفروض أو الثابت ، فوجب أن يحمل عبء إثبات ما يدعيه ([24]) . وغنى عن البيان أن تحديد من يحمل عبء الإثبات مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض .

ب ـ عبء الاثبات من ناحية التطبيق :

54 ـ كيف يقوم بالاثبات عملا من يحمل عبئه : متى تعين أى الخصمين يحمل عبء الاثبات ، وفقاً للمبدأ العام الذى قدمناه ، كان هذا الخصم $78 هو المكلف باقامة الدليل بالطرق القانونية على صحة ما يدعيه . فاذا ادعى شخص أنه أقرض شخصاً آخر مبلغاً من المال ، فعليه أن يثبت عقد القرض . ولكن هل معنى ذلك أن يثبت أيضاً أن عقد القرض خال من جميع أسباب البطلان ، وهذه ترجع إلى التراضى والمحل والسبب وإلى الأهلية وعيوب الارادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال ، ثم يثبت بعد ذلك أن العقد بعد أن العقد صحيحاً لم ينقض الدين الذى نشأ عنه بأى سبب من الأسباب كالوفاء والتجديد والمقاصة واتحاد الذمة والابراء ونحو ذلك ، ثم بعد أن يثبت أن الدين لم ينقض يثبت أيضاً أنه لم يلحقه أى تعديل ، وهكذا ! .

       من الواضح أن عبء الاثبات ، إذا فسرعلى هذا النحو ، ينوء به الخصم . ولذلك تقضى الضرورة أن يقتصر الخصم على إثبات عقد القرض . وبعد ذلك يستعان بالقرائن التى قدتمناها . فما هو ثابت حكماً أو فعلا لا يكلف باثباته ، ويترتب على ذلك أن القرض متى أثبته الدائن ، كان من الثابت حكماً أنه خال من أسباب البطلان ، فاذا ادعى المدين أن العقد قد لحقه سبب منها فعليه هو أن يثبت ذلك كما أسلفنا . ثم متى ثبت عقد القرض ، أصبح ثابتاً فعلا ، فاذا ادعى المدين خلاف ذلك ، بأن ادعى أن الدين قد انقضى بسبب من أسباب الانقضاء أو أنه قد لحقه أى تعديل ، فعليه هو عبء الاثبات كما تقدم القول ([25]) .

       ونرى من ذلك أن عبء الاثبات لا يقل كاهل أحد الخصمين دون الآخر ، بل هو يوزع بين الخصمين على النحو المتقدم ([26]) . قد يقع هذا التوزيع بحكم  $79  الواقع بمقتضى قرائن قضائية ينقل بها القاضى عبء الاثبات بحسب تقديره من الخصم إلى خصمه ، وقد يقع بحكم القانون بمقتضى قرائن قانونية ينتقل بها عبء الإثبات من خصم إلى آخر وقد يقع أخيراً بحكم الاتفاق بين الطرفين.

       55 ـ توزيع عبء الاثبات . بحكم الواقع : فمثل أن يقع التوزيع بحكم الواقع عن طريق قرائن قضائية ما يأتى :

(1) شخص يريد أن يثبت صورية عقد صدر من أب إلى ولده ، فيثبت إلى جانب علاقة البنوة أن الولد وهو صغير السن عديم الكسب ليس له مال ظاهر يسمح بدفع الثمن المذكور فى العقد أنه قد دفع . فتقوم قرينة قضائية على أن واقعة دفع الثمن واقعة صورية . فينق القاضى عبء الإثبات إلى الأب ، ليثبت مصدراً معيناً دفع منه الولد الثمن ، أو أن حقيقة العقد هبة فى صورة بيع وعندئذ يكون له حكم الهبة لا حكم البيع .

(2) شخص يطالب آخر بتعويض لاعتدائه على اختراع له حصل على باءته وسجلها . فعلى المدعى أن يثبت حصوله على البراءة وأنه قام بتسجيلها وفقاً للأوضاع المقررة فى القانون . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الاثبات إلى المدعى عليه ليثبت ، إذا استطاع ، أن هذا الاختراع بالرغم من صدور براءة به وتسجيلها ليس بالجديد الذى يستحق الحماية .

(3) أنكر الخصم أن الختم الموقع به على الورقة هو ختمه . فعند ذلك يحمل الخصم الآخر عبء إثبات صحة الختم طبقاً للإجراءات المقررة فى القانون . فاذا أثبت ذلك نقل القاضى عب الإثبات إلى الخصم الأول ، ليثبت كيف وصل ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع ، ويكون ذلك عن طريق دعوى  $80 التزوير التى يجب أن يسار فيها بطريقها القانونى كما قضت بذلك محكمة النقض ( نقض مدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) .

(4) شخص يريد أن يثبت أن له حيازة المنزل محل النزاع ، فيقدم مستندات تثبت أنه هو الذى يؤجر المنزل ويقبض أجرته ويدفع ضريبته . فتقوم قرينة قضائية على أنه هو الحائز للمنزل . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ليدحض هذه القرينة القانونية ، بأن يثبت مثلا أن الخصم الأول إنما يؤجر المنزل ويدفع الضريبة لا لحسابه الشخصى بل لحساب المالك الذى يدير هو أعماله . وهكذا ينقل القاضى عبء الاثبات من خصم إلى آخر تبعاً لما يستخلص كل منهما من قرائن يكون من شأنها أن تلقى عبء الإثبات على خصمه .

(5) موظف فصل من وظيفته ، فيرفع دعوى على الحكومة يقول فيها إن فصله كان تعسفياً . ولما كان هو الذى يحمل عبء إثبات التعسف ، فانه يستطيع فى هذا السبيل أن يطلب ضم ملف خدمته ليثبت منه تقدير الرؤساء لكفايته ومن الناحية الخلقية ، نقل القاضى عبء الإثبات إلى الحكومة لتقول هى بدوره لأى سبب بالذات قد فصلته . فان ذكرت الحكومة سبباً معيناً لفصله ، نقل عبء الإثبات إلى المدعى ، لثبت أن هذا السبب غير صحيح أو أنه لا يكفى بفرض صحته لنفى التعسف . وهكذا يتناوب الموظف والحكومة الإثبات إلى أن يعجز أحدهما عن أن يرد عبء الإثبات إلى صاحبه ، فيكون هو المحكوم عليه فى الدعوى . 

56 ـ توزيع عبء الاثبات . بحكم القانون : ومثل أن يقع التوزيع بحكم القانون عن طريق قرائن قانونية ما يأتى :

(1) يريد الدائن إثبات إعسار المدين . هنا يتكفل القانون بتحليل عناصر الإثبات وتوزيعها على الخصمين عن طريق إقامة قرائن قانونية . فقد نصت المادة 239 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ادعى الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما فى ذمته من ديون ، وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يساوى قيمة الديون أو يزيد عليها )) . فالدائن إذن يحمل عبء إثبات مقدار ما فى $81  ذمة المدين من ديون . وعندئذ ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ، ويكون عليه أن يثبت أن له مالا يفى بمجموع هذه الديون . وبمقدار كثرة الديون التى يستطيع الدائن إثباتها فى ذمة المدين يثقل عبء المدين فى إثبات أن ماله يفى بديونه . فان عجز عن هذا الإثبات اعتبر معسراً .

       (2) يريد الحائز أن يثبت أنه كسب الملكية بالتقادم ، أى أن يثبت أن حيازته استمرت المدة التى حددها القانون لتمام التقادم . هنا أيضاً يتكفل القانون بتوزيع عناصر الإثبات على الخصمين . فقد نصت المادة 971 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ثبت قيام الحيازة فى وقت سابق معين وكانت قائمة حالا ، فان ذلك يكون قرينة على قيامها فى المدة ما بين الزمنين ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فالحائز يحمل عبء إثبات أن حيازته بدأت فى وقت معين وأنها قائمة حالا . وهنا يقيم القانون قرينة على أن الحيازة استمرت قائمة فى المدة ما بين الزمنين . وينتقل بذلك عبء الإثبات إلى الخصم الآخر . ويكون عليه أن يثبت أنها انقطعت فى هذه المدة .

       (3) إذا أمن شخص على حياته ، ثم انتحر ، برئت ذمة المؤمن ( شركة التأمين ) من التزامه بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد . ومع ذلك لا تبرأ مة المؤمن من هذا الالتزام إذا كان سبب الانتحار يرجع إلى فقدان إرادة المنتحر . فاذا مات المؤمن على حياته وادعت شركة التأمين أنه مات منتحراً فبرئت ذمتها من الالتزام بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد ، فان القانون هنا أيضاً يوزع عبء الإثبات على كل من شركة التأمين والمستفيد . فقد نصت الفقرتان الأوليان من المادة 756 من التقنين المدنى على ما يأتى: (( (1) تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر الشخص المؤمن على حياته . ومع ذلك يلتزم المؤمن أن يدفع لمن يؤول إليهم الحق مبلغاً يساوى قيمة احتياطى التأمين . (2) فاذا بأكمله. وعلى المؤمن أن يثبت أن المؤمن على حياته مات منتحراً ، وعلى المستفيد أن يثبت أن المؤمن على حياته كان وقت انتحاره فاقد الإراده )) . فشركة التأمين تحمل إذن عبء إثبات أن المؤمن على حياته قد انتحر . وعندئذ يفرض القانون فرضاً قابلا لإثبات العكس أن الانتحار كان بارادة المنتحر ، وأن هذا لم يكن فاقد الإرادة وقت انتحاره . فينتقل عبء

                                                                     ( م 6 الوسيط جـ 2 )

$82 الإثبات إلى المستفيد . وعليه أن يثبت ، حتى يستحق مبلغ التأمين بأكمله ، أن المنتحر كان وقت انتحاره فاقد الإرادة ([27]) .

       (4) عقد أبرم بطريق المرسلة . ولكن الموجب ادعى أنه عدل عن إيجابه قبل أن يتم العقد . فعلى الخصم الآخر أن يثبت أن العقد قد تم إبرامه ـ أى أن الموجب قد علم بالقبول ـ قبل هذا العدول . ويوزع القانون عبء الإثبات بين الخصمين ، إذ تنص المادة 91 من التقنين المدنى على ما يأتى : (( ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فعلى الخصم الآخر الذى قبل الإيجاب أن يثبت أن قبوله وصل إلى الموجب فى وقت سابق على الوقت الذى علم فيه بعدول الموجب عن إيجابه . وعند ذلك يفرض القانون أن الموجب قد علم بالقبول وقت وصوله إليه . فينتقل عبء الإثبات إلى الموجب . وعليه أن يثبت أنه بالرغم من وصول القبول إليه قبل عدوله عن الإيجاب ، إلا أنه لم يعلم به إلا بعد عدوله وعلم الخصم الآخر بهذا العدول .

       (5) باع شخص مالا يملكه . وبعد موته نازع ورثة البائع المشترى فى أن الثمن المذكور فى عقد البيع صورى ، وأن البيع قد صدر فى مرض الموت فيكون وصية ، ومن ثم لا ينفذ إلا من ثلث التركة . يوزع القانون عبء الإثبات هنا أيضاً بين الورثة والمشترى.  فقد نصت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 916 على ما يأتى : (( 2 ـ وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجتميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً. 3 ـ وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . فالورثة إذن يحملون عبء إثبات أن البيع قد صدر فى مرض الموت . ومتى أثبتوا ذلك قامت قرينة قانونية على أن العقد مقصود به التبرع وأن ثمناً ما لم يدفع . وعند ذلك ينتقل عبء الإثبات إلى المشترى . وعليه أن يثبت أنه دفع للبائع ثمناً لا يقل عن قيمة المبيع بمقدار يجاوز$83  ثلث التركة ، وإلا فان البيع ، فيما تجاوز فيه زيادة قيمة البيع على الثمن ثلث التركة ، لا يسرى فى حق الورثة ( م477 مدنى) .

       ونرى من الأمثلة التقدمةأن كل قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس ليست فى الواقع إلا توزيعاً لعبء الإثبات بين الخصمين ، يتكفل به القانون .

       ونرى كذلك مما سبق بيانه أن من يحمل عبء الاثبات ليس مطالباً فى الواقع من الأمر باثبات كامل قاطع . ولا هو يكلف ـ على عكس ما ذهب إليه الأستاذان أوبرى ورو ([28]) ـ باثبات كل عنصر من العناصر التى تتكون 

$84 منها الواقعة مصدر الحق المدعى به . وليست الحقيقة القضائية التى يتولى إثباتها بالحقيقة المطلقة التى لا يداخلها الشك . فالقانون لا يطلب المستحيل . وإنما يكتفى ممن يحمل عبء الاثبات أن يقنع القاضى بأن الأمر الذى يدعيه أمر مرجح الوقوع بحيث يكون من المعقول التسليم بوقوعه فعلا ، وينفى القاضى ما بقى من شك يحوم حول الأمر بأن ينقل عبء الاثبات إلى الخصم الآخر ، ليثبت أنه ، بالرغم من الظواهر التى ترجح وقوع الأمر ، توجد قرائن أخرى تجعل الراجح مرجوحاً . ثم يرد عبء الاثبات إلى الخصم الأول ، ليهدم هذه القرائن.

$85 بقرائن أخرى تعيد للأمر كفة الرجحان . وهكذا يتقاذف الخصمان الكرة ، كل منهما يدفعها إلى صاحبـه ، إلى أن يعجـز أحهمـا عن ردها ، فتسقط من يده ، ويسجـل علـى نفسـه الخسارة ([29]) .

       فلا نبالغ إذن فى القول بفداحة الاثبات . فان الخصم يتخفف من هذا العبء بأمرين : (أولا) بتحليل الواقعة المراد إثباتها إلى عناصر متعددة يتوزع بين الخصمين عبء إثباتها ، فيقوم كل منهما بنصيبه فى هذا العبء . (ثانياً) بعدم مطالبة الخصم ـ فى العناصر التى يكلف باثباتها ـ باثبات قاطع يصل بها إلى درجة الحقيقة المطلقة . بل يكفى أن يثبت رجحانها . وهذا هو شأن الحقيقة القضائية ، لا يقدر لها أن تصل إلى مرتبة الاطلاق ([30]) .

       $86 57 ـ تعيين من يقع عليه عبء الاثبات بحكم الاتفاق ( التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الاثبات ) : وغنى عن البيان أن القواعد التى قدمناها فى عبء الإثبات قل أن تعتبر من النظام العام ، لأن الكثير منها لم يوضع إلا لحماية الخصوم . فمن الجائز إذن ، ما لم يوجد نص يقض بغير ذلك ، عند ما يضع القانون .

$87 قرينة قانونية تنقل عبء الاثبات إلى الخصم معين حماية للخصم الآخر ، أن يتفق الطرفان مقدماً على إلغاء هذه القرينة ، وإعادة عبء الاثبات إلى من كان ينتفع بها ، فينزل بذلك عن الحماية التى منحها له القانون ، ويكون فى هذا تعديل اتفاقى لقواعد عبء الاثبات ، وهو صحيح قانوناً .

ونأتى بأمثلة لذلك : (1) الأصل فى الضرر الذى يحدثه الحيوان أن حارس الحيوان هو المسئول عنه ، إلا إذا أثبت هذا أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبى (م 176 مدنى) ولكن يجوز الاتفاق مقدماً على نقل عبء الاثبات إلى.

$88 المضرور . فيصح أن يتفق شخصان شريكان فى مرعى واحد على أن كل ضرر يقع من مواشى أحدهما على مواشى الآخر لا يكون الأول عنه إلا إذا أثبت الآخر خطأ فى جانبه . (2) الأصل أن أمين النقل مسئول عن الضرر الذى يحدث أثناء النقل للشخص أو الشئ الذى ينقله ، والمسئولية هنا مسئولية عقدية ، فعلى أمين النقل إذن يقع عبء الإثبات. ولكن يحوز الاتفاق مقدماً ـ ما لم يكن هذا شرط إذعان ـ على نقل عبء الإثبات من أمين النقل إلى المتعاقد معه ، فيصبح هذا هو المكلف باثبات خطأ فى جانب أمين النقل على أساس المسئولية العقدية لا المسئولية التقصيرية . (3) إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقى (الشرط الجزائى) ، فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشاً (م 231 مدنى) . ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات من الدائن إلى المدين ، فيكون للدائن أن يطالب بقيمة الضرر التى جاوزت قيمة الشرط الجزائى ما لم يثبت المدين أنه لم يرتكب غشاً. (4) المستأجر مسئول عن حريق العين المؤجرة إلا إذا أثبت أن الحريق نشأ عن سبب لا يد له فيه (م584 فقرة 1مدنى) ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات المؤجر خطأ فى جانبه ([31]) ، وبذلك يتحول التزام المستأجر من التزام بحقيق غاية إلى التزام ببذل عناية ([32]) .

       وكما يقع التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الإثبات مقدماً قبل حصول النزاع على النحو الذى قدمناه ، كذلك يصح أن يقع هذا التعديل أثناء النزاع . فيجوز لخصم لم يكن فى الأصل مكلفاً باثبات واقعة أن يتطوع لإثباتها ، فاذا أجابه القاضى إلى طلبه فليس له بعد ذلك أن يحتج بأنه غير مكلف قانوناً بالإثبات . ذلك أن تطوعه لإثبات الواقعة مع سكوت خصمه يكون بمثابة اتفاق بينهما على نقل عبء الإثبات إليه ، فيلزمه أن يضطلع بهذا العبء . وقد قضت محكمة النقض بأن القواعد التى تبين على أى خصم يقع عبء الإثبات لا تتصل بالنظام العام ، ولذا يجوز الاتفاق على مخالفتها ، وإذن فمتى كان الطاعن قد طلب من$89  المحكمة احالة الدعوى على التحقيق لإثبات ما يدعيه ، فليس له أن ينعى بعد ذلك على الحكم باجابته إلى ما طلب ، حتى ولو كان فيما طلب متطوعاً لاثبات ما هو غير ملزم بحمل عبئه ([33]) .


([1]) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 526 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق . وأقرته لجنة المراجعة على أصله تحت رقم 402 فى المشروع النهائى ، بعد أن ذكرت اللجنة أن المقصود بعبارة (( إثبات الالتزام )) هو إثبات مصدر الالتزام . ثم أقره مجلس النواب دون تعديل تحت رقم 302 ، فلجنة الشيوخ ومجلس الشيوخ تحت رقم 389 .

       وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهدي فى صدد هذا النص ما يأتى : (( وقد احتذى المشروع مثال التقنينات اللاتينية ، وأخذ بنظام تقييد الإثبات ، فبدأ بتعيين من يكلف بإقامة الدليل أو احتمال عبئه . وقد قصد من الأخذ بهذا النظام إلى اتقاء تحكم القضاء وكفالة حسن سير العدالة وتأمين استقرار المعاملات . وكل أولئك من قبيل الاعتبارات العامة التى تنهض ، لا لتوجيه التقييد فى عمومه فحسب ، بل وكذلك لتوجيه الأحكام التطبيقية فى خصوصياتها ، ولا سيما ما تعلق منها بتعيين من يكلف بالإثبات . وترد الأحكام المتعلقة بهذا التعيين إلى قاعدة احترام الوضع الثابت أصلا فالأصل فى الإنسان براءة الذمة ، فعلى من يدعى التزام غيره ويتمسك بذلك بما يخالف هذا الأصل أن يقيم الدليل على دعواه )) . ( مجموعة الأعمال الحتضيرية 3 ص350) .                                                                          ( م 5 الوسيط ج 2 )

([2]) كانت الادة 214/278 من التقنين المدنى السابق تنص على ما يأتى : (( على الدائن إثبات دينه ، وعلى المدين إثبات براءته من الدين )) . وهذا النص يتفق فى الحكم مع نص التقنين الجديد .

([3]) جمعت قواعد الإثبات الموضوعية وإجراءاتها الشكلية ، فى سورية ، فى قانون واحد صدر فى 0 حزيران (يونية) 1947 وسمى ((قانون البينات فى المواد المدنية والتجارية)) . ولا يتضمن هذا القانون نصاً يقابل نص المادة 389 من التقنين المدنى المصرى . ولكن الباب الأول منه تضمن قواعد كلية فى الإثبات ، من نحو ما نحن بصدده . فنصت المادة الأولى على أن (( تقسم البينات إلى : 1 ـ الأدلة الكتابية 2 ـ الشهادة 3 ـ القرائن 4 ـ الإقرار 5 ـ اليمين 6 ـ المعاينة والخبرة )) ونصت المادة الثانية على أن (( ليس للقاضى أن يحكم بعلمه الشخصى )) . نصت المادة الثالثة على أنه (( يجب أن تكون الوقائع التى يراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات وجائزاً قبولها )) .

([4]) نصوص التقنين المدنى العراقى : م 444 ـ الأصل براءة الذمة . م 445 ـ اليقين لا يزول بالشك . م 446 ـ يضاف الحادث إلى أقرب أوقائته . م 447 ـ 1 ـ الأصل بقاء ما كان على ما كان ، والأصل فى الصفات العارضة العدم . 2 ـ وما ثبت بزمان يحكم ببقائه ، ما لم يوجد دليل على خلافه . م 448 ـ 1 ـ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر .

       2 ـ والمدعى هو من يتمسك بخلاف الظاهر ، والمنكر هو من يتمسك بإبقاء الأصل .

       نصوص تقنين الموجبات والعقود للبناننى : وضعت قواعد الإثبات الموضوعية وإجراءاتها الشكلية جميعاً ، فى لبنان ، فى تقنين أصول المحاكمات المدنية ( قانون المرافعات ) ، ولم يتضمن هذا التقنين نصاً يقابل المادة 389 من التقنين المدنى المصرى . غير أن تقنين الوجبات والعقود اللبننانى تضمن هذا النص ، فقضت المادة 376 من هذا التقنين بأن من يدعى أنه دائن يجب عليه إثبات حقه ، فإذا ما تم هذا الإثبات كان على من يدعى أن التزامه قد انقضى أن يثبت صدق مدعاه .

       نصوص التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة : 376 ـ على الدائن إثبات الالتزام ، وعلى المدين إثبات التخلص منه ( مطابقة للمادة 389 من التقنين المدنى المصرى ) .

       ويتبين من النظر إلى هذه النصوص أن التقنينات المدنية للبلاد العربية فى هذه المسألة تكاد تكون واحدة . فنص التقنين المصرى يطابقه نص التقنين الليبى ويكاد يطابقه نص التقنين اللبنانى . أما التقنين العراقى فقد أورد نصوصاً متعددة أخذها عن المجلة ، وهو تتلخص فى أمرين : (1) أن البينة على من أدعى والمدعى هو من يتمسك بخلاف الظاهر ، واليمين على من أنكر والمنكر هو من يتمسك بإبقاء الأصل . (2) فالأصل هو براءة

([5]) ننقل فى قسم الإثبات من هذا الكتاب نصوص التقنين المدنى الفرنسى إذ يغلب أن تكون هى الأصل الذى أخذت منه نصوص التقنين المدنى المصرى الجديد فى الإثبات . هذا هو نص المادة 1315 من التقنين الفرنسى : (( من يطالب بتنفيذ التزام يجب عليه إثباته . كذلك من يدعى التخلص من التزامه يجب عليه أن يثبت الوفاء به أو أن يثبت الواقعة التى أدت إلى انقضائه ))

”Celui qui reclame l’une obligation doit la prouver. Reciproquement, celui qui se pretend libere, doit justifier le paiement ou le fait qui a produit l’extinction de son obligation” .

([6]) الموجز للمؤلف ص 651 ـ استئناف مختلط 13 يناير سنة 1903 م 15 ص 88 ـ 16 نوفمبر سنة 1932 م 45 23 .

([7]) عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس

دماء رجال وأموالهم ، ولكن البينة على المدعى )) . رواه البخارى ومسلم . وللبيهقى بإسناد صحيح : (( البينة

على المدعى واليمين على من أنكر )) . ( طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية أحمد إبراهيم ص 16 ويقول

 الأستاذان بيدان ويرو ( جزء تاسع فقرة 1159 ص 231 هامش رقم 1 ) إن القاعدة التى تقضى بأن البينة على المدعى ليست ، كما قد يتوهم ، من القواعد التى كانت مقررة فى كل العصور . فهى لم تظهر فى القانون الرومانى إلا منذ أخذ البريطور preteur يحمى مجرد الحيازة فيحمى الوضع الظاهر ، وعندئذ ألقى عبء الإثبات على من يدعى خلاف الظاهر . أما فى القانون الفرنسى القديم ، فقد كانت العادات القديمة تجعل عبء الإثبات على المدعى عليه لا على المدعى ، وإن كان ذلك يبدو غريباً ، وهذا بسبب الصبغة الجنائية للدعوى فى القديم ، مما نزل بوضع المدعى عليه دون وضع المدعى . بل إن هناك من الوثائق ، التى ترجع إلى ما قبل العصور الوسطى ، ما يثبت أن دعوى الاستحقاق التى يكلف فيها المجعى بإثبات ملكيته لم تكن ترفع ، وفقاً لهذه العادات القديمة ، إلا ضد الحائز بسوء نية أو الحائز ضد القانون ، مما يحمل على الظن بأن الحائز هو الذى كان عليه أن يثبت أن حيازته مشروعة . ولم تظهر القاعدة التى تقضى بأن البينة على المدعى فى القانون الفرنسى القديم إلا تدرجاً فى العصور الوسطى ، تحت أثر إحياء القانون الرومانى وبفضل القانون الكنسى بوجه خاص ( انظر فى ذلك رسالة تفنيه thevenet فى نظرية عبء الإثبات ليون سنة 1921 ص 11 وما بعدها ) . ويننتهى الأستاذان بيدان وبرو إلى القول بأن من الخطأ حسبان القاعدة التى تقضى بأن البينة على المدعى من القواعد التى تمليها البداهة وتقضى بها طبيعة الأشياء ، فإن الواقع من الأمر أن هذه القاعدة لم تظهر إلا بعد أن نظم القضاء تنظيماً خاصاً وإلا بعد أن برز المبدأ الذى يقضى بحماية الأوضاع الظاهرة .

       ولعل ذلك يكشف عما للفقه الإسلامى من فضل التقدم ، فقد قرر هذه القاعدة منذ البداية فى عصر لم تكن فيه معروفة فى أوربا .

([8]) ويأتى بودرى وبارد بمثل يبين فيه كيف يتناوب المدعى والمدعى عليه عبء الإثبات : يطالب المودع بالوديعة وعليه عبء إثباتها ، فيدفع المدعى عليه بأنها هلكت بقوة قاهرة وعليه عبء إثبات الهلاك ، فيدفع المدعى بأن هذا الهلاك غير مبرئ لذمة المدعى عليه لأنه كان معذراً (mis en demeure) وعلى المدعى إثبات الإعذار ، فيدفع المدعى عليه بأن ذمته قد برئت بالرغم من الإعذار لأن الوديعة كانت لابد تهلك بالقوة القاهرة حتى لو كانت قد سلمت للمودع وعلى المدعى عليه هنا عبء افثبات (بودرى وبارد 3 فقرة 2063) .

       ويبين الفقيهان خطأ ما جرى عليه القضاء الفرنسى فى عقد التأمين على الحياة ، عندما تشترط شركة التأمين لاستحقاق قيمة التأمين ألا يكون المؤمن عليه قد انتحر ما لم يكن الانتحار نتيجة فقده لوعيه بأن كان مجنوناً . فالقضاء الفرنسى يلقى عبء إثبات الانتحار وعبء إثبات انعدام الجنون كليهما على شركة التأمين (نقض فرنسى 3 أغسطس سنة 1876 داللوز 79 ـ 5 ـ295 ـ استئناف ليون 17 فبراير سنة 1891 داللوز 92ـ 2 ـ 46 ـ استئناف باريس 16 يولية سنة 1892 داللوز 93 ـ 2 ـ 233) . ويقول الفقيهان إن شركة التأمين تحمل عبء إثبات الانتحار ، وعلى ورثة المنتحر عبء إثبات جنون مورثهم . وقد اضطرت شركات التأمين ، للتتقى هذا القضاء ، أن تشترط صراحة فى عقود التأمين تحميل عبء إثبات الجنون للورثة (بودرى وبارد 3 فقرة 2064 ـ انظر أيضاً الدكتور عبد السلام ذهنى فى الأدلة جزء أول ص 105 ـ ص 109) . وهذا ما جرت به المادة 756 من التقنين المصرى ، فقد نصت الفقرتان الأوليان منها على ما يأتى : (( 1 ـ تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر المؤمن على حياته . ومع ذلك يلتزم المؤمن أن يدفع لمن يؤول إليهم الحق مبلغاً يساوى قيمة احتياطى التأمين ـ 2 ـ فإذا كان سبب الانتحار مرضاً أفقد المريض إرادته ، بقى التزام المؤمن قائماً بأكمله . وعلى المؤمن إثبات أن المؤمن على حياته مات منتحراً ، وعلى المستفيد أن يثبت أن المؤمن على حياته كان وقت انتحاره فاقد الإرادة )) .

([9]) وقد قضت محكمة النقض بأن المنكر المعفى من الإثبات هو من ينكر الدعوى إنكاراً مجرداً ، فلا يجيب عليها بغير الإنكار . أما من أجاب على الدعوى بدفعها ، فإنه يصير بذلك مدعياً مطالباً بأن يقيم الدليل على ما يدعيه . وعلى ذلك يكون الدفع بإعسار الشفيع ادعاء من المشترى ، وهو المطالب بأن يقدم الدليل عليه ( نقض مدنى 31 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 33 ص 80 ) ـ وقضت محكمة النقض أيضاً بأن

صاحب الدفع هو المكلف بإثبات دفعه ،

 كما أن المدعى هو المكلف بإقامة الدليل على دعواه . فإذا دفع المدين بأنه من صغار الزراع فلا يجوز توقيع الحجز على ملكه ، كان عليه إثبات هذا الدفع . ذلك هو حكم القانون المدنى ، كما أنه حكم المادة الأولى من القانون رقم 4 لسنة 1913 الخاص بعدم جواز توقيع الحجز على الأملاك الزراعية الصغيرة ، فإن هذه المادة بعد أن نصت على أنه (( لا يجوز توقيع الحجز على الأملاك الزراعية التى يملكها الزراع الذين ليس لهم من الأطيان إلا خمسة أفدنة أو أقل . . . )) قد أضافت أنه (( ليس للمدين أن يتنازل عن التمسك بهذا الحظر ، بل يجب عليه التمسك به لغاية وقت صدور حكم نزع الملكية على الأكثر ، وإلا سقط حقه فيه )) . وتمسكه بالحظر مقتضاه أن يتولى هو إثبات موجبه ، أى إثبات أنه زارع وأنه لا يملك أكثر من خمسة أفدنة وأنه كان كذلك وقت نشوء الدين . فإذا قضت المحكمة بقبول الدفع بعدم جواز الحجز بناء على أن الدائن ـ مع عدم إنكاره أن المدين يملك أقل من خمسة أفدنة ـ لم يقدم ما يثبت أن المدين كان ، وقت نشوء الدين ، يملك أكثر من ذلك القدر ، فإنها تكون قد خالفت قواعد الإثبات ( نقض مدنى 3 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 20 ص 39 ) .

([10]) وقد أريد لهذا السبب توسيع دائة مفهوم لفظ (( المدعى )) . فقيل المدعى هو من يروم إثبات أمر خفى يريد إزالة أمر جلى . وقيل المدعى من إذا ترك ترك ، أى من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها ، والمدعى عليه من إذا ترك الجواب أجبر عليه ( الأستاذ نشأت فى الإثبات 1 فقرة 40) .

([11]) وهنا نرى الفقه الإسلامى أيضا يستجيب لهذا المبدأ . فمن قواعده المقررة أن الأصل براءة الذمة ، وأن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته ، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ، وأن الأصل فى الصفات العارضة العدم ، وأن ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليلل على خلافه ، وأن المنكر هو من يتمسك ببقاء الأصل . وقد رأينا أن هذه نصوص نقلها التقنين المدنى العراقى عن المجلة .

([12]) ماركاديه 5 م 1315 فقرة  ـ لارومبيير 5 م 1315 ص 16 ـ ديمولومب 29 فقرة 187 ـ لوران 19 فقرة 91 ـ هيك 8 فقرة 218 ـ بودرى وبارد 3 فقرة 2060 .

([13]) بودرى وبارد 3 فقرة 2060 ص 421 .

([14]) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا أدعى شخص أن آخر شاركه فى استئجار أطيان وأن الإجارة انتهت بالخسارة ، فأنكر المدعى عليه الاشتراك معه ولم يجب عن الخسارة بشئ ، فأحالت المحكمة القضية إلى التحقيق لإثبات قيام الاشتراك وحصول الخسارة ، ثم مع ثبوت الاشتراك رفضت الدعوى لعجز المدعى عن إثبات الخسارة فيها ، فهذا الحكم لا يقبل الطعن فيه بدعوى مخالفة المحكمة فيه لقواعد افثبات إذ اعتبرت المدعى مع تسليم خصمه بالخسارة مكلفاً بإثباتها ، وذلك لأن إنكار الخصم قيام الشركة المدعاة ينطوى فيه عدم تسليمه بالخسارة ( نقض مدنى 29 ديسمبر سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 153 ص 451 ) . ملاحظة : كان من الممكن استنباط قرينة على حصول الخسارة من إنكار المدعى عليه الشركة ثم ثبوتها رقغم هذا الإنكار ، ولكن الظاهر أن المحكمة لم تعتبر هذه القرينة كافية ، ولم يتسطع المدعى من جهته تكملتها بأدلة أخرى .

([15]) وكالأهلية الصفة ، إذا كان قيامها واضحاً فأنها تفترض . أما إذا كانت الصفة قد ضح انعدامها ، فلا يفترض وجودها ، ومن له مصلحة فى قيامها عليه عبء إثباتها . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا حصل أحد الشركاء فى إجارة من وزارة الوقاف على مخالصة من مأمور الأوقاف قرر فيها أنه دفع جميع المطلوب منه فى الدعوى التى رفعت عليه ، ولذلك فقد أخلاه من الحراسة والحجز والدعوى والضمان ، واعتبر هذا الشريك تلك المخالصة مبرئة له من التضامن مع شركائه فى عقد الإيجار فى وفاء الباعى من أجرة الأطيان المؤجرة إليهم جميعاً متضامنين بحسب نص العقد ، ولكن المحكمة ذهب إلى أنه ـ لكى يكون للمخالصة هذا الأثر ـ يجب أن يقيم الصادرة له المخالصة ـ باعتبار أنه هو المتمسك بها ـ الدليل على أن من اصدرها يملك التنازل عن حق الوقف فى اسيفاء أجرة كل الأطيان المؤجرة ، فإن المحكمة تكون قد طبقت قواعد الإثبات تطبيقاً صحيحاً على واقعة الدعوى ( نقض مدنى 14 أبريل سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 409 ص 759 ) .

([16]) وقد قضت محكمة النقض بأن عبء إثبات إجازة عقد قابل للابطال انما يقع على عاتق مدعى الاجازة . وإذن فمتى كان الطاعن قد ادعى أن مورث المطعون عليها قد أجاز بعد بلوغه سن الرشد عقد البيع الذى عقده وهو قاصر ، فإن الحكم المطعون فيه إذ ألقى عيه عبء إثبات هذه الواقعة لا يكون قد خالف قواعد الإثبات ( نقض مدنى 26 نوفمبر سنة 1953 مجموعة أحكام محكمة النقض 5 رقم 28 ص 203 ) .

([17]) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا لم تثبت الملكية للمدعين بالسند الذى أسسوا عليه دعواهم ، فلا يكون للمحكمة أن تتخذ من عجز منازعيهم ـ وهم مدعى عليهم فى الدعوى ـ عن

  إثبات ملكيتهم بالتقادم دليلا قانونيا على ثبوت ملكية المدعين وهم المكلفون قانوناً بإثبات دعواهم ( نقض مدنى 14 يونية سنة 1945 مجموعة عمر رقم 266 ص 723 ـ وانظر أيضاً 10 أكتوبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 97 ص 193 ـ 12 فبراير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 266 ص 538 ) . وقضت محكمة النقض أيضاً بأنه متى كان ناظر الوقف الواضع اليد على العين مقراً بتبعيتها للوقف ، فلا شأن لمدعى ملكيتها فى مطالبة الناظر بكتاب ولا بإشهاد على الوقف . وعلى هذا المدعى وحده تقديم الدليل المثبت لدعواه ، وخصوصاً إذا كان الوقف قديماص يرجع إلى ما قبل صدور لائحة ترتيب المحاكم الشرعية فى 27 من مايو سنة 1897 التى أوجبت لأول مرة إجراء افشهاد عن الوقف لإثباته ، وكان قبلها إثبات الوقف خاضعاص لأحكام الشريعة الإسلامية التى لا تستلزم فيه كتابة ولا إشهاداً ( نقض مدنى 23 يناير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 143 ص 316 ) . وقضت محكمة النقض أيضاً بأن تقرير الحكم أن المدعى عليه لم يكسب ملكية الأطيان التى يطلب المدعيان ثبوت ملكيتهما لها بأى سبب من أسباب كسب الملك لا يفيد بذاته وبطريق اللزوم ثبوت ملكيتها للمدعيين . فمتى كان الحكم ، إذ قضى بثبوت ملكية المدعيين للأطيان موضوع النزاع ، قد أقام قضاءه على أن المدعى عليه لم يكسب ملكية هذه الأطيان بأى من عقدى شرائه أو بوضع اليد المدة الطويلة أو القصيرة ، كذلك لم يبين الحكم كيف آلت الأشياء إلى المدعيين من آخر كان قد اشتراها فى حين أنهما ليسا من ورثته ، ولم يتحدث عن عقد القسمة المبرم بين هذا المشترى وأخوته ، ولا عن كيفية إفادته ملكية المدعيين ، متى كان الحكم قد أقام قضاءه على ذلك فإنه يكون قاصراً ( نقض مدنى 15 فبراير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 65 ص 341 ) ـ وقضت محكمة النقض أيضاً بأنه إذا قضت المحكمة بإحالة الدعوى على التحقيق بناء على طلب الطرفين ليبين كل منهما ما يدعيه من تملكه الأرض موضوع النزاع بالتقادم الطويل المدة ، وبعد أن انتهت المحكمة من سماع شهود الطرفين رجحت أقوال شهود المدعى على شهود المدعى عليهم ، فليس فيما أجرته مخالفة لقواعد الإثبات ( نقض مدنى 29 مارس سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 87 ص 478 ) . وقضت أخيراً بأنه بحسب المحكمة إذ هى قضت برفض دعوى الطاعنين أن تستند فى ذلك إلى عجزهم عن إثبات سبب ملكيتهم دون أن تكون فى حالجة إلى بيان أساس ملكية المطعون عليها التى لم تكن إلا مدعى عليها فى الدعوى ( نقض مدنى 6 مارس سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 96 ص 560 ) . أنظر أيضاً استئناف مختلط 31 يناير سنة 1901 م 13 ص 133 ـ 14 ديسمبر سنة 1905 م 18 ص 41 ـ 26 أبريل سنة 1906 م 18 ص 221 .

([18]) ديمولومب 29 فقرة 189 ـ لوران 19 فقرة 91 ـ بودرى وبارد 3 ص 2060 ص 422 .

([19]) نقض مدنى 29 أبريل سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 122 ص 819 .

([20]) استئناف مختلط 15 يناير سنة 1903 م 15 ص 90 .

([21]) بودرى وبارد 3 فقرة 2060 ص 422 . هذا وقد قضت محكمة النقض بأن تعتبر العقارات بالتخصيص وفقا لنص المادة 688 مختلط داخلة ضمن الملحقات المشار إليها فى المادة المذكورة ، وتباع مع العقار المرهون ما لم يتفق صراحة على خلاف ذلك ، ويقع عبء إثبات هذا الاتفاق على من يدعيه ( نقض مادنى 14 يناير سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 50 رقم 62 ص 420 ) .

([22]) يلاحظ الفقه الحديث أن القول بأن القرينة القانونية تنقل عبء الإثبات إذا كانت تقبل إثبات العكس ، وتعفى من الإثبات عفاء نهائياً إذا كانت لا تقبل إثبات العكس ، هو قول تعوزه الدقة . ذلك أن القرينة القاونية سواء كانت قابلة لإثبات العكس أو غير قابلة ، تقتضى ممن يتمسك بها إثبات وقائع معينة هى التى عينها القانون لقيام القرينة . فكأن القرينة القانونية لم تعف من الإثبات أو تنقل عبئه ، وإنما هى نقلت الإثبات من محل إلى محل آخر (deplacement de prevue) ، فبدلا من أن يثبت المدعى الواقعة المراد إثباتها يثبت واقعة أخرى متصلة بها ، وإثبات هذه الواقعة الأخرى يعتبره القانون إثباتا للواقعة الأولى . فالقانون إذن ، كما تقدم القول ، لم يعف من الإثبات أو ينقل عبئه ، وإنما أبدل فى الإثبات واقعة بأخرى ، ولا يزال من يحمل عبء الإثبات ملزماً بإثبات هذه الواقعة الأخرى ، لم يعف من إثباتها ولم ينتقل عبء إثباتها من عاتقه إلى عاتق خصمه ( انظر فى هذا المعنى بيدان وبرو 9 فقرة 1165 وفقرة 1291 ) . =

=   وهذا النظر الجديد ، وإن كان صحيحاً فى ذاته ، لا يؤدى إلى هدم النظر القديم . ففى القرينة القانونية القابلة لإثبات العكس ، ينتقل الإثبت من محل إلى محل آخر ، ولكن متى أثبت المدعى الواقعة البديلة ـ كون المسئول هو المكلف بالرقابة مثلا ـ انتقل عبء الإثبات فعلا من عاتقه إلى عاتق المكلف بالرقابة ، فيصبح هذا مكلفاً أن يثبت أنه قام بواجب الرقابة . وفى القرينة القانونية غير القابلة لإثبات العكس ، ينتقل الإثبات أيضا من محل إلى محل آخر ، ولكن متى أثبت المدعى الواقعة البديلة ـ كون المسئول هو حارس الحيوان أو البناء أو الآلة الميكانيكية مثلا ـ أعفى فعلا إعفاء نهائياً من إثبات الواقعة الأصيلة ، وهى وقوع خطأ من هذا المسئول . ولا يقال أن هذا الإعفاء النهائى لا جدوى فيه للمدعى ما دام يبقى مكلفا بإثبات الواقعة البديلة ، فإن الإعفاء فى هذه الحالة له فوائد لا يستهان بها ، ذلك أن إثبات الواقعة البديلة يكون عادة أيسر بكثير من إثبات الواقعة الأصيلة ، فيكون المجعى فى النهاية قد تخفف كثيراً من مؤونة الإثبات . على أننا سنرى عند الكلام فى القرائن القانونية غير القابلة لإثبات العكس أن حقيقة هذه القرائن هو أنها قواعد موضوعية لا قواعد للإثبات .

([23]) وقد آثرنا أن نستعمل هذا اللفظ (( فعلا )) بدلا من اللفظ (( عرضاً )) الذى استعملناه فى الموجز ( انظر ص 653 ) واستعمله الفقه المصرى معنا ثم استعملته محكمة النقض ( 6 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 165 ص 375 ) ، لأن اللفظ الأول أدل على المعنى المقصود .

([24]) وقد قضت محكمة النقض بأن الأصل خلوص الذمة ، وانشغالها عارض . ومن ثم كان لإثبات على من يدعى ما يخالف الثابت أصلا أو عرضاً ( وفى اللغة التى اخترناها : حكماً أو فعلا ) مدعياً كان أو مدعى عليه . فإذا رفع الموكل دعواه بندب خبير لتحقيق الحسابات التى قيدها وكيله فى دفاتر الدائرة ، فهذه الدعوى لا تعدو أن تكون دعوى تحقيق حساب بين موكل ووكيله غايتها تعيين المبالغ التى قبضها الوكيل من أموال الموكل فانشغلت بها ذمته والمبالغ التى صرفها فى شؤونه فبرئت منها ذمة الوكيل . فهى لا تخضع ولابد لقاعدة الإثبات العامة السابق ذكرها ، فيتعين على الموكل وورثته إثبات قبض الوكيل للمال الذى يدعون أنه قبضه . فإن فعلوا ، تعين على الوكيل وورثته أن يثبتوا صرف هذا المال فى شؤون الموكل أو مصيره إليه . فإذا كان الثبات بتقرير الخبير أنه اعتمد فى حصر المبالغ التى وصلت إلى الوكيل على الدفاتر التى كان هو يرصد فيها حساب وكالته ، فإنه يكون على ورثة الوكيل ، وقد أقام الموكل بما قيده الوكيل بالدفاتر الدليل على انشغال ذمة مورثهم بما ورد فيها من مبالغ ، أن يقيموا هم بدورهم الدليل على خلوص ذمته منها كلها أو بعضها . فإذا اعتمدت المحكمة على تقرير الخبير الذى آخذ مورثهم بعجزهم هم عن إثبات براءة ذمته من مبالغ ثبت وصولها إلى يده من الدفاتر التى قيدها بها ، فإنها لا تكون قد خالفت القانون ( نقض مدنى 6 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 165 ص 375 ) .

([25]) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1420 ص 845 ـ ص 849 .

([26]) ويضع الأستاذ ديموج مبدأين أساسيين فى حمل عبء الإثبات . أولهما أن من يحمل هذا العبء لا يلتزم بإثبات جيمع الشروط الواجب توافرها لوجود الحق الذى يدعيه ، بل يكفى أن يثبت من الشروط ما يجعل وجود هذا الحق مرجحا (vraisemblable) . فليس عليه أن يثبت أن حقه قد خلا من التدليس ومن الإكراه ، لأن هذه الوقائع استثنائية ومن يدعى غير الراجح يحمل عبء ما يدعيه ، ذلك أنه ادعى شيئاً بعيد الوقوع ، ولكنه مع ذلك قد يقع ، فعليه هو أن يثبت وقوعه . والمبدأ الثانى فى عبء الإثبات هو أن هذا العبء يحمله فى كل حالة بالذات الخصم الذى يستطيع أن يضطلع به فى أقل مشقة (le moins d’inconvenient) ، أى فى أقصر وقت وبأقل المضايقات وبأيسر النفقة (le moins de delais, de vexations, de frais..) . ثم يذهب ديموج إلى وجوب عدم المبالغة فى تقدير أهمية عبء الإثبات . ذلك أن الخصوم لا بد لهم من أن يتوزعوه فيما بينهم يتعاونون على الاضطلاع بهذا العبء ، ولكنه تعاون الأعداء ، كما يتعاون رب العمل مع نقابة العمال ، وذاك التعاون كهذا يغلب فيه أن يكون ضرورياً ومنتجاً . والتعاون ليس مقصوراً فحسب على الخصوم فيما بينهم ، بل إن الخصوم يتعاونون أيضاص مع القاضى في ذلك . ومن أجل هذا لا يستطيع القاضي أن يقضى بعلمه ، فإن ذلك يحرمه من تعاون الخصوم معه ( ديموج فى الأفكار الرئيسية للقانون الخاص الفصل السابع ص 542 ـ ص 565 ) .

([27]) أنظر ما قدمناه فى هذه المسألة فقرة 47 فى الحاشية .

([28]) يذهب أوبرى ورو إلى أن الخصم الذى يحمل عبء الإثبات يجب أن يثبت جميع العناصر الواقعية والقانونية للحق (droit) الذى يتمسك به أو الفائدة القانونية (benefice legal) التى يدعيها . ويقف عبء الإثبات عند هذا الحد . فلا يلتزم الخصم بإثبات انعدام الأسباب أو الظروف التىكان وجودها يمنع من كسب الحق (obslacle a l’acquistion du droit) أو يؤدى إلى سقوط الفائدة القانونية (decheance du benefice legal) . ولا يلتزم كذلك أن يثبت أن الحق لم يدخل عليه تعديل أو يلحق به قيد لمصلحة خصمه (n’a pas ete modife ou restraint au profit de son adversaire) ( أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 84 وص 86 ـ ص 90 ) .

       ويتعترض بارتان ( ص84 حاشية رقم 19 مكرر ) على التمييز ما بين الواقعة التى أنشأت الحق ، ويلقى على المجعى عبء إثباتها ، والواقعة التىتتكون قد منعت من نشوء الحق أو تكون قد عدلته أو قيدت منه ، ويحمل المدعى عليه فيها عبء الإثبات . ويقول إن هذا التمييز لا مبرر له ، وإذا كنا نزمع أن نطلب من المدعى إثباتا كاملا فينبغى أن يثبت جميع الوقائع دون تمييز . ولكن الواقع من الأمر أننا لا نطالب المدعى بإثبات كامل حتى بالنسبة إلى الواقعة التى أنشأت الحق . فإن صاحب الاختراع مثلا يجب عليه أن يثبت صدور براءة له بالاختراع وأنه سجل هذه البراءة ، وعلى المدعى عليه أن يثبت أن الاختراع ليس بجديد مع أن جدة الاختراع هى من العناصر المكونة للواقعة مصدر حق المخترع ومع ذلك يقع عبء إثباتها على المدعى عليه لا على المخترع .

       ثم فى حاشية ثانية ( رقم 19 مكرر خامساً quinquies ) يعترض بارتان على ما جعل أوبرى ورو عبء الإثبات فيه على المدعى عليه ، وستعرض فى هذا الصدد فروضاً مختلفة يخلص منها إلى أن عبء الإثبات فيها إنما يقع على المدعى لا على المدعى عليه ، وينتهى بالعبارة الآتية : (( وبعبارة موجزة ، أياً كان التعريف الذى نقف عنده لما يدعوه أوبرى ورو المانع من نشوء الحق ، يقابل به انعدام الشروط الضرورية لوجود الحق ، فإن القاعدة التى تلقى عبء إثبات هذا المانع على عاتق المدعى عليه تبدو لنا ـ وهذا أقل ما يمكن أن أقول ـ قاعدة مشكوكاً فيها غير متماسكة )) . ثم في حاشية ثالثة ( رقم 19 مكرر سادسا Sexies) يتناول بارتان

= الاستثناء الثانى ـ سقوط الفائدة القانونية المدعاة (decheance du benefice legal invoque) ـ فيقول بعد استعراض فروض مختلفة فى أحوال سقوط الحق إن عبء الإثبات فى هذه الفروض يقع على المدعى لا على المدعى عليه خلافاً لما ذهب إليه أوبرى ورو .

       ثم فى حاشية رابعة ( رقم 19 مكرر سابعاً septies ) يتناول بارتان الاستثناء الثالث والأخير ـ تعديل الحق المتمسك به أو تقييده لمصلحة لخصم (modification ou restriction au profit de l’adversaire du droit invoque) ـ فيقول لو أن دائناً أبرأ ذمة مدينه لإعسار طارئ محتفظاً بالحالة التى يعود فيها المدين إلى اليسار ، ثم طالب المدين بعد يساره ، فإن على الدائن أن يثبت أنه استبقى الصفة المدنية لحقه ، وليس على المدين أن يثبت أن الدين قد تحول بإبراء الذمة إلى التزام طبيعى ولو كان الإبراء مقروناً بتحفظ .

                   ثم ينتهى بارتان ( فى الحاشية رقم 20 مكرر ) إلى عرض ما يقترحه هو بديلا مما ذهب إليه أوبرى ورو ، فيقول : إن توزيع عبء الإثبات لا يكون على نمط واحد ، بل يختلف تبعاً لما إذا كان يراد إثبات واقعة مادية ، كوقوع حادث ، أو إثبات حالة نفسية ، كالنية أو كالعلم بالغلط . ويختلف كذلك تبعاً لما إذا كان يراد إثبات واقعة مادية محضة ، كتسليم الطرد لأمين النقل ليستخلص من هذه الواقعة واقعة مادية أخرى لا يمكن إثباتها بطريق مباشر كتلف ما بالطر بعد ضياعه أو فقده ، أو إثبات واقعة مادية ليستخلص منها إما علاقة السببية بين واقعتين ، أو نسبة معينة بين قيمتين تكون المقارنة بينهما من شأنها أن تنشئ التزاماً بالرد أو التزاماً بالإسعاف والمساعدة أو إنقاصاً لالتزامات مرهقة أو تفسيراً فرضه القانون أو ارتضاه الطرفان باختيارهما علمية قانونية ……. ويحسن أن نحلل ما صدر من أحكام القضاء فى هذه المشاكل تحليلا وصفياً . وسيؤدى هذا التحليل دون شك ، إذا تعمقنا فيه إلى المدى الممكن تصوره ، إلى تحديد ما أسميه (( أسراً طبيعية من الخصومات )) (familles naturelles des litiges) . فإذا عرض للمشتغل بالقانون مسألة جديدة غير متوقعة فى توزيع عبء الإثبات ، أمكنه أن يجد من بين هذه (( الأسر الطبيعية )) ما يصلح لمقارنة الجديد به ، بل ما يصلح أن يعتبر سابقة قضائية حقيقية لشدة المشابهة ، فيقيس الجديد عليه ، ويصل من هذا القياس إلى الحل المنشود . ( قارن بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2177 ) .

([29]) وقد جاء فى الموجز للمؤلف فى هذا المعنى ما يأتى: (( ويتبين من ذلك أن مهمة كل خصم فى الدعوى هو أن ينقل عبء الإثبات إلى خصمه . فإن عجز الخصم عن الاثبات خسر دعواه . وإن استطاع هو الآخر نقل عبء الإثبات إلى الخصم الأول ، وعجز الخصم الأول عن الإثبات خسر هذا الخصم دعواه ، إلا إذا استطاع نقل عبء الإثبات إلى الخصم مرة ثانية ، وهكذا . وعبء الإثبات يقع دائماً على من يدعى شيئاً مخالفاً لما هو ثابت أصلا أو عرضاً أو ظاهراً أو بفضل قرينة قانونية . ونرى من ذلك أن الحقائق القضائية ليست إلا حقائق نسبية ، شأن سائر الحقائق )) ( الموجز ص 651 ) .

([30]) فى رسالة حديثة ( موتيلسكى Motulsky فى نظرية العناصر المكونة للحقوق ـ باريس سنة 1948 ) ، اتخذ المؤلف هذه العناصر أساساً لرأى ذهب إليه فى مسألة عبء الإثبات .

       فهو يميز بين مرحلتين : عبء الادعاء (charge de l’allegation) وعبء الاثبات (charge de prevue) .

       1 ـ فعبء الادعاء ينحصر فى أن المدعى يجب أن يضمن ادعاءه جميع العناصر التى تكون الحق المدعى به . وهذا ما يسميه المؤلف بالعناصر المكونة للحق (elements generateurs du droit) . فإن أغفل شيئاً من هذه العناصر ، رفضت دعواه . ومن ثم يظهر المعنى المقصود بعبارة (( عبء الادعاء )) ، فالمدعى يحمل عبء اعاء جميع العناصر المكونة للحق الذى يدعيه ، وإلا خسر دعواه ، وذلك حتى قبل الانتقال إلى مرحلة عبء الإثبات ، بل وحتى لو حضر وحده فى غيبة خصمه ، ولم يذكر جميع العناصر المكونة لحقه ، فإنه يخسر دعواه لمصحلة خصمه الغائب ـ ولكن التطبيق الحرفى لهذه القاعدة ، أن يضمن ادعاءه وقوع التراضى على المبيع والثمن ، وأهلية المتعاقدين ، وخلو التراضى من العيوب ، وتوافر شروط المبيع ، ووجود سبب مشروع الخ .. فلا بد إذن من أن يتخفف من يحمل (( عبء الادعاء )) من بعض هذه العناصر ، عن طريق ما يسميه المؤلف بنظرية الإعفاء (la theorie des dispenses) . والإعفاءات التى ترد على ((عبء

 الإدعاء )) نوعان : إعفاءات عقلية (dispenses rationnelles) وإعفاءات قانونية (dispenses legales) . فهناك شروط لابد من توافرها لوجود الحق المدعى به ، ولكنها شروط يجب عقلا وبداهة (sentiment d’enidence) افتراض وجودها إلى أن يقوم فى شأنها نزاع . من ذلك الشروط العامة الواجب توافرها فى كل دعوى وفى كل حق وفى كل التزام وفى كل عقد . هذه تدخل تحت ( الإعفاءات العقيلة )) ، فيعفى المدعى من تضمين إدعائه لها إلى أن ينازع فيها المدعى عليه . أما الشروط التى تميز الحق المدعى به وتخصصه فهذه يجب أن يتضمنها الادعاء . ويدخل أيضاً تحت (( الإعفاءات العقلية )) المفهومات المركبة (notions complexes) كمفهوم البيع ومهوم الزواج ، فتبقى على ما هى عليه من تركيب ، إلى أن يقع فى شأنها نزاع ، فعند ذلك يجب تحليلها (decomposition) إلى العناصر التى تتركب منها . ((والإعفاءات القانوينة)) قد ينص عليها القانون صراحة ، كما فعل فى النص على افتراض حسن النية ، فيعفى المدعى من إثبات هذا العنصر . على أن أكثر (( الإعفاءات القانوينة )) لا نص عليها ، ولكنها تستخلص من ثنايا النصوص (elle doit etre decelee par l’exegese) ، فحيث يعمد القانون ، لا إلى تنظيم عنصر من عناصر الحق ، بل إلى تنظيم الوضع المخالف له ، يكون على المدعى عليه عبء إثبات هذا الوضع الخالف ، وذلك كما فعل القانون فى تنظيم عدم الأهلية والبطلان وانقطاع التقادم ووقفه والشرط والأجل والتعسف فى استعمال الحق والوصية . ويخلص المؤلف من ذلك إلى وضع القاعدة الآتية فى (( عبء الادعاء )) : (( على الخصم الذى يطالب بحق أن يضمن ادعاءه جميع الظروف التى تقابل العناصر المكونة لهذا الحق ، ما لم يوجد لديه إعفاء عقلى أو قانونى )) .

       هذا هو (( عبء الإدعاء )) من حيث المبدأ . أما من حيث التطبيق : فالمدعى إما أن ينوء بعبئه ، فلا يضمن ادعاءه ، بعد جميع الإعفاءات ، العناصر اللازمة ، فيخسر دعواه دون انتقال إلى مرحلة الإثبات . وإما أن يقوم بعبئه ، فيضمن ادعاءه العناصر اللازمة . عند ذلك يأتى دور المدعى عليه . وهذا إما أن ينازع فى الوقائع المدعاة ، فعليه عبء المنازعة (charge de contestation) ، أى عليه أن ينازع منازعة جدية فى أحد العناصر المدعاة ، وإلا كسب المدعى دعواه دون أن ينتقل إلى مرحلة الإثبات . وإما أن يقر بالحق المدعى به ولكن يدعى أن هذا الحق قد انقضى أو لحقه تعديل ، فعليه فى هذه الدعوى المقابلة (contre-action) عبء الادعاء المقابل ، وعليه أن يضمن ادعاءه جميع العناصر المطلوبة ، وعلى المدعى أن يقف من هذا الادعاء المقابل موقف المنازع أو موقف من يدعى ادعاء مقابلا آخر ، وهكذا . وينتهى القاضى إلى تصفية (( نقط النزاع)) (faits litgieux). وهذه هى الوقائع المنتجة فى الدعوى والتى بقيت محلا للنزاع بين الخصمين . وعند ذلك ينتقل القاضى إلى مرحلة الإثبات . =

= ب ـ وعبء الإثبات يقتصر على ((نقط النزاع)) بعد حصرها على الوجه المتقدم . فهناك ((نقط نزاع)) تخلفت عن تصفية ادعاء المدعى فيحمل المدعى عبء إثباتها . وهناك (( نقط نزاع )) أخرى تخلفت عن تصفية ادعاء المدعى عليه فيقع عبء إثباتها على المدعى عليه . وهكذا يتوزع عبء الإثبات بين الخصمين ، كل يحمل نصيبه منه . وتتناول نظرية الإعفاء عبء الإثبات كما تناولت عبء الادعاء . غير أن الإعفاء هنا لا يكون إلا إعفاء قانونيا (dispense legale) ، أما الإعفاء العقلى (dispense rationnelle) فيمتنع ، لأنه فى عبء الادعاء لا يقوم مع قيام النزاع ، والنزاع هنا قائم فرضاً . فيعفى كل من الخصمين من إثبات الأوضاع الخالفة التى عمد القانون إلى تنظيمها ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

       وإذا كان الدليل الذى يتقدم به من يحمل عبء الإثبات دليلا مقنعاً للقاضى ، صدر الحكم لمصلحته . وإذا عجز عن الإثبات ، صدر الحكم ضده . وإذا كان الدليل يشوبه الشك ، فسر الشك لغير مصلحته وصدر الحكم ضده ، وهنا تتبين دلالة حمله لعبء الإثبات .           هذه هى الخطوط الرئيسية للرأى الذى يتقدم به صاحب الرسالة المتقدمة الذكر . وليس فى هذا الرأى نصيب كبير من الابتداع ، وإن كان فيه كثير من الترتيب والتنسيق . فتصفية ادعاءات كل من الخصمين قبل الانتقال إلى مرحلة الإثبات ، وتحديد نقط النزاع بعد هذه التصفية ، وتوزيع عبء الإثبات بين الخصمين ، فيه ترتيب منسق وتسلسل منطقى للمسائل التى ينطوى لعيها عبء الإثبات . ولكن المسألة الجوهرية فى عبء الإثبات ـ التى رأينا ديموج يعالجها ع طريق فكرتى الرجحان (vrqisemblance) والاضطلاع بأقل مشقة (le moins d’inconvenients)، ورأينا بارتان يواجهها بالأسر الطبيعية للخصومات (familles naturelles de litiges) ، ويعمد جنى إلى تحميل عبء الإثبات فيها لمن يريد تعديل وضع مكتسب (modification d’une situation acquise)، ويعمد بارد إلى تحميل هذا العبء لمن يتمسك بواقعة مخالفة للوضع المألوف المعتاد (un fait contre l’etat normal et habituel) ، كما يعمد تفنيه (Thevenet) إلى تحميل العبء لمن يقوم الظاهر ضده (contre lequel l’apparence existe) ـ هذه المسألة الجوهرية يعالجها المؤلف بنظريته فى الإعفاء . وهى نظرية لا تزيد فى التحديد والضبط عن هذه الآراء التى قدمناها ، وقد أحس المؤلف نفسه أنها محوطة بشئ من الغموض . ونحن إذا دققنا النظر فى نظرية الإعفاء هذه ، لا نراها تخرج عما سبق أن قررناه من أن الخصم يعفى من عبء الإثبات إذا ادعى ما هو ثابت حكما أو فعلا .

([31]) انظر الدكتور سليمان مرقس فى شرح عقد الإيجار الطبعة الثانية سنة 1954 فقرة 233 ص 417 ـ ص 418 .

([32]) انظر الجزء الأول من الوسيط فقرة 440 ص 677 .

([33]) نقض مدنى 26 نوفمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 28 ص 203 .

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

محــل الإثبـــات  

محــل الإثبـــات  

       ا ـ ما هو محل الإثبات :

       33 ـ محل الاثبات هو مصدر الحق وليس الحق ذاته : قدمنا ان محل الإثبات ليس هو الحق المدعى به ، شخصياً كان هذا الحق أو عينياً ، بل هو المصدر الذى ينشئ هذا الحق .

      $47والمصادر التى تنشئ الحقوق ، أيا كانت ، لا تعدو أن تكون إما تصرفاً قانونياً(acte juridique) وإما واقعة قانونية (fait juridique) على النحو الذى بيناه فيما تقدم .

       34 ـ بل هو مصدر أية رابطة قانونية : والمدعى به لا يقتصر على أن يكون قيام حق ، بل قد يكون انقضاء هذا الحق ، مثل ذلك أن يرفع شخص على آخر دعوى بدين وثبت وجوده ، فيدفع المدعى عليه الدعوى بانقضاء الدين ، ففى هذا الدفع يصبح المدعى عليه مدعيا ويقع عليه عبئ إثبات انقضاء الدين . ومثل ذلك أيضاً أن يرفع شخص على مالك عقار دعوى ثبوت حق انتفاع له على هذا العقار أو حق ارتفاق وثبت هذا الحق ، فيدفع المدعى عليه الدعوى بانقضاء حق الانتفاع أو حق  الارتفاق . وفى جميع هذه الأحوال يكون المدعى به فى الدفع ليس وجود الحق ، شخصيا كان أو عينياً ، بل زواله . وزوال الحق كوجوده يرجع إما إلى تصرف قانونى وغما إلى واقعة قانونية فمحل الإثبات هنا أيضاً هو التصرف القانونى أو الواقعة القانونية .

       وقد يكون المدعى به ليس وجود حق أو زواله ، بل وصفاً قانونيا يلحق وجود الحق أو زواله ، أى يلحق التصرف القانونى أو الواقعة القانونية . أما ما يلحق الواقعة القانونية فمثله أن تكون الواقعة المتمسك بها عملا غير مشروع ثم توصف بأن الدافع لارتكابها هو الدفاع الشرعى عن النفس ، فهذا الوصف أيضاً هو واقعة قانونية يجب إثباته على النحو الذى تثبت به الواقعة القانونية الأصلية . وأما ما يلحق بالتصرف القانونى ـ غير الأوصاف المعروفة المعدلة لآثار الالتزام ـ فمثله أن يكون التصرف عقدا ويتمسك الخصم بأنه باطل أو بأنه قابل للابطال أو بأنه قد فسخ . وأسباب البطلان منها ما يرجع للتراضى ومنها ما يرجع للمحل ومنها ما يرجع للسبب ، وهذه كلها جزء من التصرف القانونى تثبت على النحو الذى يثبت به . وأسباب القابلية للإبطال منها ما يرجع للأهلية ومنها ما يرجع لعيوب الإرادة من غلط وتدليس واكراه واستغلال ، وهذه كلها وقائع قانونية تثبت على النحو الذى تثبت به الواقعة القانونية . وأسباب الفسخ قد تكون تصرفاً قانونياً بأن يختار العاقد فسخ العقد بارادته ، وقد تكون واقعة قانونية بألا يقوم العاقد بتنفيذ التزامه فى عقد ملزم للجانبين.

       $48 35 ـ محل الاثبات ليس إلا التصرف القانونى أو الواقعة القانونية : ويتبين من ذلك كله أن محل الإثبات لا يعدو أن يكونتصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية . فالى هذين مرد نشوء الحق وزواله وتعديله واوصافه القانونية . بل إلى هذين مرد كل الروابط القانونية ، أيا كانت هذه الروابط .

       ومن ثم لا معدى لمن يقوم بالإثبات من أن يثبت أحد أمرين . إما تصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية([1]) . ومتى أثبت ذلك ، كان على القاضى أن يستخلص مما ثبت ما يرتب القانون عليه من الآثار .

       36 ـ عنصرا الادعاء ـ الواقع والقانون : فالادعاء بحق أو بأية رابطة قانونية أما القضاء ينقسم إذن إلى عنصرين :

$49(1) عنصر الواقع ، وهو مصدر الحق المدعى به ، أى التصرف القانونى أو الواقعة القانونية التى أنشأت هذا الحق . وهذا العنصر هو وحده الذى يطالب المدعى باثباته . والإثبات هنا يتناول مسائل موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها ، إلا فيما يرسمه القانون من قواعد قانونية للإثبات يلتزم القاضى بتطبيقها وفى السماح للخصوم باثبات هذه المسائل . فمثلا إذا رفع المشترى على البائع دعوى بتثبيت ملكيته للعقار الذى اشتراه ، فان ثبوت عقد البيع مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض ، ولكن وجوب غثبات البيع إذا زادت قيمته على عشرة جنيهات بالكتابة أو بما يقوم مقامها مسألة قانونية تخضع لهذه الرقابة . (2) عنصر القانون ، وهو استخلاص الحق من مصدره بعد أن يثبت الخصم هذا المصدر ، أى تطبيق القانون على ما ثبت لدى القاضى من الواقع . وهذا من عمل القاضى وحده ، لا يكلف الخصم إثباته , فالقانون لا يكلف أحداً هذا الإثبات ، بل على القاضى أن يبحث من تلقاء نفسه عن القواعد القانونية الواجبة التطبيق على ماثبت عنده من الواقع فيطبقها . وهو فى تطبيقها يخضع لرقابة محكمة النقض([2]) ففى المثل المتقدم ن بعد إثبات عقد البيع بالكتابة ، يكون على القاضى أن يستخلص منه التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية العقار المبيع للمشترى ، وعلى القاضى أن يستخلص أيضاً أن الملكية لا تنتقل فعلا إلى المشترى إلا بتسجيل عقد البيع . وكل هذه مسائل قانونية يقضى بها دون أن يكلف أحداً من الخصمين باثباتها ، فهى ليست محلا للاثبات إذ المفروض أن القاضى هو  $50 أول من يعلم القانون وقد ناطت الدولة به تطبيقه . بل إن القاضى لا يستطيع أن يمتنع عن القضاء بحجة أنه لا توجد أحكام قانونية يمكن تطبيقها ، وإن امتنع عد امتناعه نكولا عن أداء العدالة (deni de justice) .

       37 ـ تفسير القانون يلحق بعنصر القانون ، ويقع عبؤه على القاضى لا على الخصم : وقد يقع أن تكون أحكام القانون غامضة ، فنكون فى حاجة إلى التفسير . وعلى القاضى أيضاً يقع عبء هذا التفسير لا على الخصم . فالقاضى هو المنوط به تفسير القانون وتطبيقه تطبيقاً صحيحاً على الواقع الذى ثبت أمامه بالطرق القانونية . وإذا كان الخصم يجتهد فى أن يقنع القاضى بتفسير للقانون يكون فى مصلحته ، فليس هذا من جهة الخصم إثباتاً لأحكام القانون ، بل هى محاولة يبذلها لحمل القاضى على أن يفهم القانون الفهم الذى يتفق مع مصحلته . وهى محاولة لم يكلف القانون الخصم بها ، ولم يرسم لها طرقاً معينة كما رسم لإثبات الواقع . وهى بعد محاولة قد تنجح وقد تفشل ، وللقاضى فيها القول الفصل . وآية ذلك أن القاضى فى تفسير القانون يستطيع أن يحكم بعلمه ، وهو لا يستطيع ذلك فى إثبات الواقع . بل هو فى القانون وفى تفسيره لا يحكم إلا بعلمه ، وهذا العلم هو مصدره الوحيد لمعرفة القانون . وغنى عن البيان أنه يستعين فى تحصيل هذا العلم بمراجعة نصوص القانون ، وما وضعه الفقه من شرح لهذه النصوص ، وما قرره القضاء من مبادئ فى تطبيقها . ولكنه فى النهاية يعتمد على فهمه الشخصى لأحكام القانون ، لا يقيده فى ذلك فقه مبسوط أو قضاء سابق . وإنما يكون فى هذا الفهم الشخصى خاضعاً لرقابة المحكمة العليا ، فتعقب على قضائه فيما ترى التعقيب عليه([3]) .

$51 38 ـ متى يصبح القانون مسألة موضوعية يتعين على الخصم اثباته ـ العادة الاتفاقية والقانون الاجنبى : على أن القانون يصبح مسألة موضوعية ، فيتعين على الخصم إثباته ، ولا يخضع القاضى فى تطبيقه لرقابة محكمة النقض ، فى موضعين :

       ( أولا ) إذا كانت هناك قاعدة تقوم على العادة الاتفاقية (usage conventionnel) وتعتبر شرطاً مفترضاً فى العقد لا حاجة إلى التصريح به فتصبح القاعدة فى هذه الحالة شرطاً من شروط العقد ، شأنها فى الإثبات شأن سائر شروط العقد يتعين على من يتمسك بها أن يقوم باثباتها . فاذا سلم بها الخصم الآخر لما استفاض من شهرتها العامة (notoriete publique) ، أخذ بها القاضى كمسألة موضوعية ثابتة . وإن نازع الخصم فيها ، كان على ذى المصلحة من الخصوم أن يثبتها ، ويكون ذلك بجميع الطرق ولو بالبينة أو بقول أهل العلم بها ([4]) . ذلك أن هذا القاعدة ، وإن كانت تدخل ضمن قانون العقد ، إلا أنها تصبح مسألة واقع لا مسألة قانون ، إذ ترد فى النهاية إلى إرادة المتعاقدين المفترضة ، فهما قد ارتضيا فرضاً ما ألفته الناس فى التعامل من الشروط ([5]) .

       ثم إن المراد إثباته هنا ليس هو أن المتعاقدين قد ارتضيا القاعدة شرطاً من شروطالعقد ، فان التراضى على ذلك مفروغ منه بحكم أن القاعدة تقوم على العادة التى ألفتها الناس فى التعامل ، وإلا لوجب أن يكون إثباتها بالكتابة فيما يجب إثبات التصرف القانونى فيه بهذه الطريقة . ولكن الإثبات ينصب فى هذه الحالة على مجرد وجود العادة الاتفاقية وقيامها المادى (sa materialite) ، وهذه $52  واقعة مادية تثبت بجميع الطرق كما قدمنا . ويخلص من ذلك أن التعرف على القاعدة التى تقوم على العادة الاتفاقية لا يخضع لرقابة محكمة النقض ، بل يصبح مسألة واقع لا تعقيب فيها على محكمة الموضوع .

       وهذا بخلاف القاعدة القانونية التى يكون مصدرها العرف (coutume) لا العادة (usage) ، فهذه مسألة قانون تخضع لرقابة محكمة النقض , وقد عارض بارتان([6]) بين العادة والعرف من حيث الإثبات . فالعادة ، على ما عرفت ، عنصر من عناصر الواقع ، يتمسك بها الخصم فعليه إثباتها ، كما يفعل فى سائر شروط العقد الصريحة أو الضمنية . أما العرف فقاعدة قانونية . شأنها فى الإثبات شأن القواعد القانوينة التى يكون مصردها التشريع . وليست القاعدة القانونية التى تقوم على العرف فى حاجة إلى الإثبات أكثر من حاجة القاعدة القانونية التى تقوم على التشريع . كلتا القاعدتين قانون واجب التطبيق (opinion juris vel necessitates) يتعين على القاضى البحث عنه من تلقاء نفسه لتطبيقه ، دون حاجاة إلى إثباته من جانب الخصوم([7]) .

$53(ثانياً) إذا كان القانون الطبق قانوناً أجنبياً بمقتضى قاعدة من قواعد الإسناد . مثل ذلك أن يطبق القاضى القانون الفرنسى فى الحكم بصحة عقد زواج فرنسى بفرنسية . فهنا توجد مسألتان : (1) مسألة قانون ، هى قاعد افسناد التى تقضى بالرجوع فى الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين ، وهى جزء من نصوص التقنين المدنى المصرى (م 12 من التقنين المدنى الجديد) ، ويخضع القاضى فى تطبيقها لرقابة محكمة النقض . (2) ومسألة واقع ، هى أحكام القانون الفرنسى (وهو قانون كل من الزوجين) الخاصة بصحة الزواج ، وهذه تكون محلا للإثبات ، ويكلف الخصم ذو المصلحة إثباتها ، ومتى ثبتت وأخذ بها القاضى فإنه لا يكون خاضعاً لرقابة محكمة النقض فى التعرف على أحكام القانون الأجنبى . وهنا أيضاً نرى أن القانون ـ القانون الأجنبى ـ يصبح مسألة موضوعية يتعين على الخصم إثباته ، ويعتبر فى هذه الحالة واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ويدخل فى ذلك رأى أهل العلم بالقانون الأجنبى والنصوص الرسمية لهذا القانون وما يقترن بهذه النصوص من تفسير فقهى وقضائى .

$54  وعلى هذا جرى القضاء المصرى([8]) مقتدياً فى ذلك بالقضاء الفرنسى([9]) . والفقه فى فرنسا منقسم فى هذه المسألة . فريق يؤيد القضاء الفرنسى لأسباب ترجع فى الغلب إلى اعتبارات عملية إذ لا يتيسر للقاضى فى كثير من الأحوال أن يلم بالقانون الأجنبى([10]) . وفريق آخر يعارض القضاء الفرنسى ويعتبر تطبيق قانون أجنبى مسألة قانون لا مسألة واقع ، لأن القانون لا تتحول طبيعته فيصبح واقعاً لمجرد أن قاضياً أجنبياً يطبقه بمقتضى قاعدة إسناد فى قانونه الوطنى ([11]) . وهناك من الفقهاء من يرى وجوب اعتبار تطبيق القانون الأجنبى مسألة قانون ، ولكنه مع ذلك يقر موقف القضاء الفرنسى للضرورات العملية ([12]) . والفقه  $55  فى مصر منقسم انقسام الفقه فى فرنسا ([13]) .

ونحن ، مع ذلك ، لا نتردد فى اعتبار تطبيق أحكام القانون الأجنبى مسألة قانون لا مسألة واقع . فان القاضى ، إذا أمره قانونه الوطنى بتطبيق أحكام قانون أجنبى ، وجب أن يعتبر أحكام هذا القانون الأجنبى بالنسبة إلى القضية التى يطبق فيها هذه الأحكام جزءاً من قانونه الوطنى . فعليه إذن أن يبحث من تلقاء نفسه عن أحكام القانون الأجنبى الواجبة التطبيق فى هذه القضية . وله أن يصدر فى هذه الأحكام عن علمه الشخصى . ولا يجوز له أن يمتنع عن تطبيق أحكام القانون الأجنبى عن علمه الشخصى . ولا يجوز له أن يمتنع عن تطبيق أحكام القانون الأجنبى بدعوى عدم إمكان الاهتداء إليها ، وإلا عد امتناعه نكولا عن أداء العدالة (deni de justice) . بل ويكون فى تطبيقه لأحكام القانون الأجنبى ، كما هو فى تطبيقه لقاعدة الاسناد التى أمرته بتطبيق هذه الأحكام ، خاضعاص لرقابة محمة النقض . وتفسر هذه المحكمة القانون الأجنبى ، لا طبقاً لرأيها الشخصى ، بل وافقاص لما تفسره به محاكم البلد الذى ينسب إليه هذا القانون وبخاصة المحكمة العليا منها . ونحن إنما نذهب إلى هذا ارأى لأنه لا يصح أن تتغير طبيعة القانون فيصبح واقعاً ، سواء كان هذا القانون قانوناً وطنياً أو كان  $56  قانوناً أجنبياً يأمر القانون الوطنى بتطبيقه فيصبح جزءاً منه فى حدود هذا التطبيق . والذى دعا إلى القول بنزول مرتبة القانون الأجنبى إلى حد أن يكون واقعاً لا قانوناً أمران . ( الأمر الأول ) يرجع إلى التاريخ . فقد كان القانون الأجنبى فى الماضى لا يعامل معاملة القانون الوطنى . وإذا أجيز تطبقه فعلى اعتبار أنه واقع لا قانون . فلا يفترض العلم به ، ولا يبحث القاضى عن أحكامه من تلقاء نفسه بل يجب على الخصم إثباتها ، ولا يحضع القاضى فى تطبيقه هذه الأحكام لرقابة محكمة النقض ، وإذا امتنع عن تطبيقه لم يعد ناكلا عن أداء العدالة . وكان هذا يرجع إلى نظرية عتيقة تقول بأن القانون الأجنبى إنما يطبق على سبيل المجاملة الدولية (ex comitatte gentuum) وقد هجرت هذه النظرية هجراناً تاماً وعفا عليها الزمن ، ففيم الإبقاء على بعض آثارها والاصرار على عدم رد اعتبار القانون الأجنبى ! ([14]) . (والأمر الثانى) يرجع إلى العمل . فقد يصعب فى بعض الأحوال أن يهتدى القاضى من تلقاء نفسه إلى أحكام القانون الأجنبى ، ومن ثم كان تكليف الخصم باثبات هذه الأحكام تيسيراً لتغيير طبيعة القانون . على أن مهمة القاضى فى هذا الصدد ، بعد انتشار العلم ، لم تصبح من العسر على ما كانت منه فى الماضى . وبعد ، فلا يوجد ما يمنع القاضى من الاستعانة بالخصم صاحب المصلحة فى الاهتداء إلى أحكام القانون الأجنبى ، ومصلحة الخصم أكبر دافع له فى ذلك ، على أن يبقى القاضى هو صاحب القول الفصل فى التعرف على

أحكام القانون الأجنبى ،$57 خاضعاً فى ذلك لرقابة محكمة النقض ([15]) .

       ب ـ الشروط الواجب توافرها فى محل الاثبات :

       39 ـ طائفتان من الشروط : والواقعة المراد إثباتها يجب أن تتوافر فيها جملة من الشروط ، يمكن تقسيمها إلى طائفتين : (1) طائفة من الشروط بداهتها تغنى عن الإطالة فيها ، وهى أن تكون الواقعة محددة (determine) وغير مستحيلة (comteste) . (2) وطائفة أخرى نصت عليها المادة 156 من تقنين المرافعات الجديد على الوجه الآتى : (( يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ، منتجة فيها ، جائزاً قبولها )) .

       40 ـ شروط بديهية : : أما أن تكون الواقعة المراد إثباتها محددة فهذا بديهى ، فالواقعة غير المحددة لا يستطاع إثباتها . ولو أن شخصاً طالب بدين أو بملكية وأسس دعواه على عقد لم يحدد ماهيته ، أهو بيع أو صلح أو قسمة أو غير ذلك من العقود التى يصح أن تكون مصدراً للدين أو سبباً للملكية ، فان الواقعة التى يريد إثباتها لا تكون محددة تحديداً كافياً ، فلا يصح السماح باثباتها إلا بعد أن تحدد . وكون الواقعة محددة تحديداً كافياً مسألة موضوعية تخضع لرقابة محكمة النقض ([16]) .

       وأما أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير مستحلية ، فهذا أيضاً بديهى ، $58 فالمستحيل لا يصح عقلا طلب إثباته . والاستحالة ترجع إلى أحد أمرين : إما استحالة التصديق عقلا وإما استحالة الإثبات . فالأولى كالعمى يدعى أنه رأى هلال رمضان ، والمنجم يدعى أنه أوتى علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله ، ومجهول النسب يدعى بنوته إلى من لا يكبره فى السن . والثانية ترجع إلى أن الواقعة المراد إثباتها هى فى ذاتها قابلة للتصديق عقلا ولكن لا سبيل إلى إثباتها ، كمن يدعى واقعة مطلقة بأن يقول أنه لم يكذب قط أو أنه يؤدى فريضة الصلاة طوال حياته . فهاتان واقعتان إحاهما سلبية والأخرى إيجابية ، وكلتاهما واقعة مطلقة هى متصورة التصديق ولكن إثباتها مستحيل ، فلا يجوز قبولها واقعة للإثبات . ولا يرجع ذلك إلا إلى أن الواقعة مطلقة اى خالية من التحديد. ومن ثم ترى أن استحالة الاثبات تتلاقى مع عدم التحديد ، ويصبحان شرطاً واحداً . فالواقعة يجب أن تكون محددة كما قدمنا ، فان لم تكن محددة لا يجوز قبولها للإثبات ، لا لأنها غير محددة فحسب ، بل لأنها أيضاً يستحيل إثباتها . ومن ثم نرى أيضاً أن استحالة الإثبات ترجع إلى عدم تحديد الواقعة لا إلى أنها واقعة سلبية . فالواقعة السلبية المحددة ـ كالواقعة الإيجابية المحددة لا يستحيل إثباتها ، فيجوز قبولها للإثبات . مثل ذلك شخص يطالب آخر برد غير المستحق وثبت أنه لم يكن مديناً بما دفعه للمدعى عليه ، فهنا الواقعة السلبية محددة ، وهى عدم المديونية فى دين

معين ، وما على المدعى إلا أن يثبت أن هذا الدين الذى دفعه مصدره عقد باطل أو عقد قد فسخ أو أن الدين قد سبق الوفاء به أو نحو ذلك([17]) .

.

$59هذا وكون واقعة المراد إثباتها مستحيلة التصور عقلا أو مستحيلة الإثبات مسألة موضوعية ، ولكن محكمة النقض تستطيع أن تنفذ إلى بسط قدر من الرقابة من طريق القصور فى التسبيب . 

       ويجب أخيراً أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير معترف بها . وهذا أيضاً شرط بديهى ، إذ لا محل لإثبات واقعة معترف بها . فالاعتراف إقرار ، والإقرار كما سنرى إعفاء من الإثبات ، فتكون الواقعة محل الادعاء قد أعفى مدعيها  $60 من إثباتها فأصبحت بذلك ثابتة ([18]) . لذلك يكون الأصح القول إن الواقعة المعترف بها قد أصبحت ثابتة ، لا أنها واقعة غير قابلة للإثبات . ويتضح الفرق بين القولين فى أن الواقعة المعترف بها لا تصبح ثابتة إلا بالنسة إلى المقر إذ الإقرار حجة قاصرة عليه ، أما بالنسبة إلى الغير فلم يقم الدليل عيها ومن ثم يصح إثباتها ، ولو كانت غير قابلة للإثبات لما صح ذلك ([19]) . وغنى عن البيان أن البت فى كون الواقعة معترفاً بها مسألة موضوعية لا رقابة فيها لمحكمة النقض .

       41 ـ شروط أساسية : ونعرض الآن للشروط الأساسية التى ورد ذكرها فى المادة 156 من تقنين المرافعات الجديد ، وهى الشروط الثلاثة الآتية : (1) أن تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به (pertinent) . (2) أن تكون منتجة فى الإثبات (concluant) . (3) أن تكون جائزة الإثبات قانوناً (admissible) ([20]) .

       $61 42 ـ الواقعة متعلقة بالحق المطالب به : إذا كانت الواقعة المراد إثباتها هى ذاتها مصدر الحق المطالب به ، كما إذا تمسك البائع بعقد البيع لمطالبة بالثمن فيكون عقد البيع هو ذاته مصدر التزام المشترى بالثمن ، فان الواقعة فى هذه الحالة لا يمكن إلا أن تكون معلقة بالحق المطالب به وهو فى الوقت عينه منتجة فى الإثبات . ومن ثم لا يظهر ظهوراً واضحاً أهمية هذين الشرطين ـ كون الواقعة متعلقة بالحق وكونها منتجة فى الإثبات ـ فى هذه الحالة وهو حالة الإثبات المباشر (prevue directe) . وإنما تظهر أهميتهما فى حالة الإثبات غير المباشر (prevue indirecte) ، إذا انصب الإثبات ، لا على الواقعة ذاتها مصدر الحق ، بل على واقعة أخرى قريبة منها . ذلك أن الإثبات غير المباشر يقوم على فكرة تحويل الدليل (deplacement de prevue) من الواقعة الأصيلة إذ يتعذر إثباتها إلى واقعة بديلة هى التى يتيسر فيها الإثبات .

       فلا بد فى هذه الحالة ـ حالة الإثبات غير المباشر بتحويل الدليل ـ أن تكون الواقعة البديلة ، وهى الواقعة المراد إثباتها ، لا قريبة (voisin) من الواقعة الأصيلة فحسب ، بل يجب أيضاً أن تكون متصلة (connexe) بها اتصالا وثيقاً . وهذا الاتصال الوثيق هو الذى يجعل الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به ، إذ أن اتصالها بالواقعة الأصيلة التى هى مصدر الحق يجعل إثباتها متعلقاً باثبات الواقعة الأصيلة ، فيصبح إثبات الواقعة البديلة من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصيلة قريب الاحتمال ([21]) .     

       مثل ذلك أن يقدم المستأجر مخالصات بأجرة عن جميع المدد السابقة على المدة التى يطالبه المؤجر بأجرتها ، ويرمى من وراء ذلك أن يثبت أنه يدفع الأجرة $62بانتظام ولم يخل بالتزمه طوال المدد السابقة . فهذه واقعة متصلة بواقعة الوفاء بالأجرة عن المدة المطالب بأجرتها ، فهى إذن متعلقة بالدعوى . ولكنها غير منتجة فى الإثبات ، لن دفع الأجرة عن مدد سابقة لا يفيد دفعها عن مدة لاحقة([22]) وقد تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة أيضاً فى الإثبات ، كأن يقدم المستأجر مخالصات بالأجرة عن مدد لاحقة للمدة التى يطالب المؤجر بأجرتها ، فهبذه واقعة ليست هى ذاتها واقعة الوفاء بالجرة المطالب بها بل هى واقعة متصلة بها فهى متعلقة بالدعوى ، ثم هى منتجة فى الإثبات فإن التقنين المدنى الجديد (م 587) يعتبرها قرينة على الوفاء بالأجرة المطالب بها إلا إذا أثبت المؤجر عكس ذلك ([23]) .

       وكون الواقعـة متعلقـة بالدعـوى مسألـة موضوعية لا تخضـع لرقابة محكمـة

النقض ([24]) .

       43 ـ الواقعة منتجة فى الإثبات : رأينا فى المثلة المتقدمةمتى تكون الواقعة متعلقة بالدعوى ومتى تكون منتجة فى الإثبات . فالواقعة المتعلقة بالدعوى هى الواقعة البديلة التىيكون إثباتها من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصيلة قريب الاحتمال . والواقعة المنتجة فى الإثبات هى الواقعة البديلة التى يؤدى إثباتها إلى إثبات الواقعة الأصيلة . ويتبين من ذلك أن إنتاج الواقعة فى الإثبات مرتبة أعلى $63من تعلق الواقعة بالدعوى . فكل واقعة متعلقة بالدعوى لا تكون ضرورة منتجة فى الإثبات ، ولكن كل واقعة منتجة فى الإثبات تكون حتماً متعلقة بالدعوى . فمن طالب بملكية عين وتقدم بواقعة التقادم الطويل سبباً لملكية ، إذا أدعى أنه حاز العين مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ، فهذه واقعة منتجة فى الإثبات ، بل هى الواقعة الأصيلة ذاتها ، وهى بالضرورة متعلقة بالدعوى . أما إذا ادعى أن حيازته للعين كانت لمدة تقل عن خمس عشرة سنة ، فهذه واقعة متعلقة بالدعوى ولكنها غير منتجة فى الإثبات .

       وقد يقال لماذا يشترط فى الواقعة هذان الشرطان معاً ، وأحدهما ـ وهو الإنتاج ـ يستغرف الآخر ، فكان يكفى أن يشترط وحده ؟ وهذا صحيح من الناحية النظرية . وكن يحسن ، من الناحية العملية ، فصل الشرطين أحدهما عن الآخر . فقد يطلب الخصم إثبات هذه الواقعة قبولا مبدئياً ،حتى إذا تبين فيما بعد أنها غير منتجة فى الإثبات رفض القاضى استمرار السير فى إثبات الواقعة أو أضاف اليها وقائع أخرى تتساند معها . أما إذا أدمج الشرطان فى شرط واحد ، وكان لا بد من أن تكون الواقعة منتجة من مبدأ الأمر ، لم يستطع القاضى قبول إثبات الواقعة قبولا مبدئياً ، فيتعطل بذلك طريق الإثبات ([25]) .

       وكون الواقعة منتجة فى الإثبات مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض إلا من حيث قصور التسبيب . أما إذا بنى عدم الإنتاج فى الإثبات على أسباب قانونية ، كأن كانت الواقعة المراد إثباتها إنما تنسب إذا صحت إلى مالك البناء لا إلى حارسه والمسئول قانوناً هو الحـارس لا المالك ، أصبــح الأمـر متعلقـاً $64بمسألة من مسائـل القانون مما يخضع لرقابــة محكمة النقض ([26]) .

       44 ـ الواقعة جائزة الاثبات قانونا : ويجب أخيراص أن تكون الواقعة جائزة الإثبات قانوناً . والقانون قد لا يجيز إثبات واقعة تحقيقاً لأغراض مختلفة . ومن هذه الأغراض ما يمت إلى النظام العام والآداب ، كالمحافظة على سر المهنة ([27]) وتحريم دين المقامرة والربا الفاحش وبيع المخدرات وعدم جواز إثبات صحة القذف ونحو ذلك ([28]) . وقد تمت هذه الأغراض إلى الصياغة الفينة ، كما هو الأمر فى الوقائع التى تصطدم مع قرينة قاطعة قررها القانون . مثل ذلك حجية الأمر المقضى ، فلا يجوز إثبات واقعة مخالفة لما هو ثابت فى حكم قضائى . ومثل ذلك أيضاً أن يطلب حارس الشئ إثبات أنه لم يرتكب خطأ مع أن القانون يقيم مسئوليته على خطأ فى جانبه مفروض فرضاً غير قابل لإثبات العكس ([29]) . وكون الواقعة جائزة الإثبات قانوناً مسألة قانون تخضع لرقابة محكمة النقض،$65 لأن عدم جواز إثبات الواقعة يرجع دائماً إلى حكم فى القانون يمنع من هذا الإثبات . وهذا بخلاف كون الواقعة متعلقة بالدعوى وكونها منتجة فى الإثبات ، فقد رأينا أنها فى الصل مسائل موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض ([30]) .


([1]) فلا يكون الحق ذاته محلا للإثبات كما قدمنا . وقد جاء فى الموجز للمؤلف (ص 649 ـ ص 650) تأكيداً لهذه القاعدة الهامة ما يأتى : ((ويعنينا أن نشدد فى بيان أن الأمر الذى يكون محلا للإثبات هو مصدر الحق لا الحق ذاته . فإن الغفلة عن هذه القاعدة الجوهرية يوقع فى كثير من الخلط . وينبنى على ذلك أن الالتزام ذاته لا يكون محلا للإثبات ، فهو لاثبت أو ينتفى ، بل هو يستخلص من مصدره ، ومصدر الالتزام وحدث هو الواقعة القانونية التى تكون محلا للإثبات ، فالدائن الذى يريد إثبات التزام فى ذمة مدينه عليه أن يثبت مصدر هذا الالتزام ، هل هو عقد أو إرادة منفردة ، أو هو عمل غير مشروع ، أو هو إثراء على حساب الغير ، أو هو واقعة طبيعية يرتب عليها القانون إنشاء هذا الالتزام . وهذه هى مصادر الالتزام التى بيناها فى أول هذا الكتاب ، ونرى من ذلك أن الأمر الذى يكون محلا للإثبات بالنسبة لجميع الحقوق هو الواقعة القانونية (fait juridique) دائماً ، فان الواقعة القانونية هى مصدر لكل الحقوق كما بينا . وهى إما أن تكون واقعة طبيعية أو واقعة اختيارية ، والواقعة الاختيارية إما أن تكون عملا مادياً أو عملا قانونياً ، والعمل القانونى إما أن يكون عقدا أو إرادة منفردة ، على التفصيل الذى قدمناه )) .

       هذا وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ما يأتى : (( يتعين أن يقام الدليل على كل واقعة قانونية يدعى بها وفقاً للأحكام المنصوص عليها فى القانون المدنى ، متى نوزعت هذه الواقعة او انكرت صحتها. والجوهرى فى هذا الصدد هو ان الإثبات يرد على الواقعة القانونية ذاتها بوصفها مصدراً للحق أو الالتزام ، دون هذا الالتزام أو ذاك الحق . وغنى عن البيان أن تفصيل هذه الفكرة أشكال بأغراض الفقه منه بأغراض التقنين )) . ثم لما تليت المادة 536 من المشروع التمهيدى فى لجنة المراجعة ، ونصها : (( على الدائن إثبات الالتزام )) هو إثبات مصدر الالتزام . (انظر فى كل ذلك مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 349 ـ ص 350) .

([2]) وذلك على عكس العنصر الأول ، عنصر الواقع ، فهو كما قدمنا مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض . وقد وازن بارتان (أوبرى ورو جزء 12 طبعة خامسة فقرة 749 هامش رقم 2 مكرر 4 ) بين منطقة الإثبات ـ وهو منطقة الواقع ـ ومنطقة الطعن بالنقض ـ وهو منطقة القانون ـ وعارض إحداهما بالأخرى.

       ولاحظ بارتان بحق ( أوبرى ورو جزء 12 طبعة خامسة فقرة 749 هامش رقم 3 ) أن القاعدة التى تقضى بوجوب أن يبحث القاضى من تلقاء نفسه عن القواعد القانونية الواجبة التطبيق هى التى تؤسس قاعدة أخرى معروفة تقضى بجوز إثارة وجوه الطعن جديدة (moyens nouveaux) فى الاستئناف دون النقض . ذلك أن قاضى محكمة أول درجة ملزم بالبحث ، جاز لمحكمة الاستئناف ن من تلقاء نفسها كذلك ، أن تتدارك هذا النقض . ومن ثم جاز للخصوم أيضاً أن يثيروا وجوها قانونية جديدة لم تسبق لهم إثارتها أمام محكمة أول درجة ، لأن هذه المحكمة كان من الواجب عليها أن تثير هذه الوجوه القانونية من تلقاء نفسها .

                                                                                                                   ( م 4 الوسيط ج 2 )

([3]) وقد قضت محكمة النقض ( الدائة المدنية ) بأنه لكى ينتج الإقرار اثره القانونى يجب أن يكون متعلقاً بواقعة لا بالتطبيق القانونى ، لأن تفسير القانون وتطبيقه على واقعة الدعوى هو من شأن المحكمة وحدها لا من شأن الخصوم . وإذن فإن إقرار المطعون عليهما بالطباق المادة 37 من القانون رقم 71 لسنة 1946 على الوصية موضوع النزاع لا يقيد المحكمة فى شئ ( 22 أكتوبر سنة 1953 مجموع أحكام محكمة النقض السنة الخامسة رقم 5 ص 62 ) .

       هذا وقد يدور النزاع ، لاحول معرفة القانون أو تفسيره ، بل حول تاريخ نشره ، وتاريخ النشر واقعة مادية تثبت بجميع الطرق وبخاصة عن طريق البحث فى الجريدة الرسمية ( قارب بيدان وبرو 9 فقرة 1142 ص 209 ـ ص 210 ) .

([4]) بيدان وبرو 9 فقرة 1145 ص 213 .

([5]) وقد قضت محكمة مصر ( الدائرة الاستئنافية ) بأنه يجوز تفسير العقد المكتوب بالرجوع إلى العادات المتبعة فى التجارة ، والتى يكون من شأنها تغيير نتائج العقد الاعتيادية غير المذكورة فيه . وهذه العادات يصح إثباتها بالبينة . وينتج عن ذلك أنه إذا امتلك دباغان عقاراً شائعاً بينهما لحاجات صناعتهما ، صح الحكم ، تبعاً للعادة عند أرباب طائفتهما ، بأن من يكون منهما قد أقام معملا على العقار بعد الامتلاك ، له الحق فى طلب تثبيت ملكيته له خاصة ولو لم يكن ثمة شرط صريح ( 11 أبريل سنة 1905 المجموعة الرسمية 6 رقم 68 ) .

([6]) تعليق بارتان على أوبرى ورو جزء 12 طبعة خامسة فقرة 749 هامش رقم 3 مكرر .

([7]) وقد كانت القاعد القانونية التى تقوم على العرف تعتبر فى الماضى عنصراً من عناص الواقع يتعين على الخصم إثباتها، شأنها فى ذلك شأن العادة الاتفاقية . ويرجع السبب فى ذلك إلى رغبة المحشين (Glossateurs) فى أن تتغلب قواعد القانون الرومانى على قواعد العرف المحلية (droits coutumiers locaux) . فقواعد القانون الرومانى لا حاجة إلى إثباتها بل القاضى يبحث عنها من تلقاء نفسه ليطبقها ، أما قواعد العرف فهذه لا يطبقها القاضى إلا إذا أثبت الخصوم قيامها ، وبذلك تتغلب قواعد القانون الرومانى على قواعد العرف . ثم بقى العمل على ذلك فى فرنسا طوال القرن التاسع عشر لسبب آخر غير فكرة تغليب قواعد القانون الرومانى التى أصبحت غير ذات موضوع بعد صدور التقنين المدنى الفرنسى . ذلك أن مدرسة الشراح على المتون (recole de l’exegese) ، التى ظلت سائدة طوال ذلك القرن ، كانت تعتبر أن القواعد القانونية لا تستمد إلا من التشريع ، فالتشريع وحده هو الذى يبحث عنه القاضى من تلقاء نفسه لتطبيقه دون حاجة إلى إثباته من جانب الخصوم ، أما العرف فيتعين على الخصوم إثباته . ولما اندثرت هذه المدرسة فى أوائل القرن العشرين ، اتجه الفقه الفرنسى اتجاهاً آخر ، تحت تأثير جنى (Geny) وسالى (Saleilles) والفقه الجرمانى ، فاعتبر القاعدة القانونية التى تقوم على العرف فى قوة القاعدة القانونية التى تقوم على التشريع (opinion juris vel necessitates)  كلتاهما قانون واجب التطبيق يتعين على القاضى البحث عنه من تلقاء نفسه لتطبيقه ( بيدان وبرو 9 فقرة 1144 ص 211 ـ ص 212 ) على أن هناك فارقاً عملياً بين العرف والتشريع . فالتشريع أمر التعرف عليه ميسرو ، فهو محصور فى عبارات مكتوبة ، يصدر من هيئة معينة ، وفى يوم معين ، وينشر فى سجل معروف ، ومن ثم يسهل استيعابه . أما العرف فيتكون على مر الزمن ، لا يعرف كيف بدأ ، ولا متى انتهى ، فيصعب فى بعض الأحوال الاستيثاق منه . لذلك كان من مصلحة الخصم الى يتمسك بالعرف ويستطيع إثباته أن يثبته للقاضى ، حتى لا تضيع عليه الفرصة إذا كان القاضى يجهل هذا العرف ولا يستطيع العثور عليه من تلقاء نفسه . على أنه بالرغم من هذا الفراق العملى ، يبقى العرف قانوناً لا يطالب الخصم بإثباته ِ، وعلى القاضى أن يبحث عنه ، ويقضى فيه بعلمه ، ولمحكمة النقض أن تعقب عليه إذا هو طبق عرفاً غير موجود أو أغفل عرفاً قائماً ، سواء تنبه إلى ذلك أو لم يتنبه ( بيدان وبرو 9 فقرة 1144 ص 212 ـ الأستاذ عبد الباسط جمعيى فى نظام الإثبات فى القانون المدنى المصرى فقرة 59 ـ فقرة 62 ) ، ويذهب الدكتور عبد المنعم فرج الصدة (ص 26) ، مسايراً فى ذلك الأستاذين حامد فهمى وحمد حامد فهمى فى كتاب (( النقض )) ( فقرة 16 وفقرة 17 ) إلى أن العرف إذا كان محلياً (( فإن افتراض علم القاضى به يصبح غير معقول ، وبالتالى يكون على الطرف الذى يستند إليه أن يثبته . وفى هذه الحالة يأخذ العرف حكم الواقعة التى يتعين إثباتها ، فيكون أمر التثبت من قيامه متروكاً للقاضى ، فلا يخضع فيه لرقابة محكمة النقضى ، أما تطبيق هذا العرف بعد أن ثبت قيامه فيخضع لرقابة محكمة النقض )) .

([8]) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن من يتمسك بقانون أجنبى يجب عليه أن يثبته وجوداً ومعنى (استئناف مختلط 9 يونية سنة 1892 م 4 ص 255) . انظر أيضاً حكماً آخر فى هذا المعنى ( استئناف مختلط 24 مايو سنة 1933 م 45 ص 297 ) . وقد جرى قضاؤنا المختلط ـ وكان القضاء الذى تتاح له فرصة تطبيق القوانين الأجنبية قبل استكمال المحاكم الوطنية لولايتها ـ فى هذا مجرى القضاء الفرنسى ( قارن الدكتور محمد عبد المنعم رياض فى مبادئ القانون الدولى الخاص طبعة ثانية فقرة 433 ) . والمستقبل كفيل بمعرفة ما سيجرى عليه قضاؤنا الوطنى فى هذه المسألة بعد أن استكمل ولايته ، وهل سحذو حذو القضاء الختلط فى تقليده للقضاء الفرنسى ، أو يسير هى طريق مستقل مهتدياً بالمبادئ العلمية السيمة .

([9]) انظر محكمة النقض الفرنسية (مدني) فى 6 فبراير سنة 1843 سيريه 1843 ـ 1 ـ 209 ـ حكماً ثانياً في 16 مايو سنة 1888 داللوز 1888 ـ 1 ـ 305 ـ حكماً ثالثاُ (دائرة العرايض) فى 19 فبراير سنة 1929 سيريه 1930 ـ 1 ـ 49 ـ حكماً رابعاً فى 7 مارس سنة 1938 داللوز الأسبوعى 1938 ـ 258 ـ حكماً خامساً فى 22 مارس سنة 19444 داللوز 1944 ـ 145 ـ حكماص سادساً فى 25 مايو سنة 1948 داللوز 1948 ـ 357 .  

([10]) باتيفول فقرة 323 ص 340 ـ أوبرى ورو 12 فقرة 479 ـ ديمولومب 29 فقرة 185 ـ بودرى وبارد 2055 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1409 ص 831 ـ ص 832 ـ بلانيول وريبير وبولانجييه 2 فقرة 2164 ـ دي باج ( القه البلجيكى ) 3 فقرة 706 . وانظر فى القانون المقارن رسالة الدكتور محمد صادق فهمى ص 344 ـ ص 348 . وانظ أيضاً نبواييه فى مجلة القانون الدولى والتشريع المقارن 1928 فقرة 6 .

([11]) مورى فى القواعد العامة فى تنازع القوانين ص 69 ـ بارتان فى مبادئ لاقانون الدولى الخاص جزء 1 فقرة 107 ـ فارى سوميير 2 فقرة 1110 ـ فاليرى فقرة 139 ـ أرمانجون 1 فقرة 141 .

([12]) مارتى رسالة من تولوز فقرة 96 ـ ليريبور ييجونيير فى القانون الدولى الخاص طبعة ثالثة ص 249 .

([13]) أكثر الفقه فى مصر على أن تطبيق القانون الأجنبى يعتبر مسألة من مسائل القانون ، تصريحا ( الدكتور عبد المنعم فرج الصدة ص 29 ـ ص 30 ويذهب إلى وجوب اعتبار تطبيق القانون الجنبى مسألة من مسائل القانون وقد (( تكون معاونة الخصم في بيان حكم القانون الأجنبيى لازمة من الناحية العملية ، ولكن هذا لا ينزل بالقانون الأجنبي إلى مستوى الواقعة ، ثم انه إذا كان القانون الوطنى يقضى بتطبيق القانون الأجنبى على نزاع معين ، فإن هذا يقتض تطبيقه على الوجه الصحيح وذلك بأن تكون مخالفته والخطأ فى تفسيره محل رقابة من محكمة النقض . أما الصعوبة المزعومة فى الإلمام بالقانون الأجنبى فلم يعد لها وجود بعد ما نراه اليوم بين ختلف الدول من صلات علمية ساعدت على تبادل المجموعات القانونية والقضائية والمؤلفات الفقهية بصورة شاملة )) . انظر ايضاً نفس المؤلف ص 27 ـ ص 28 فيما جرى عليه العمل فى هذه المسألة فى انجلترا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا ) ، أو تلميحاً (الدكتور محمد عبد المنعم رياض فى مبادئ القانون الدولى الخاص المصرى طبعة ثانية فقرة 432 ـ فقرة 433 ـ الدكتور حامد زكى فى القانون الدولى الخاص المصرى طبعة أولى فقرة 167 ـ فقرة 168 ـ الأستاذ أحمد نشأت رسالة الإثبات فقرة 20 ـ الدكتور سليمان مرقس فى أصول الإثبات فى المواد المدنية فقرة 19 ص 18 ) ـ والقليل يذهب إلى أن تطبيق القانون الأجنبى يعتبر مسألة من مسائل الواقع ( الدكتور عبد السلام ذهنى فى نظرية الإثبات 1 ص 94 ـ وبخاصة الأستاذ عبد الباسط جميعى ص 55 ـ ص 57 ويذهب إلى اعتبار القانون الأجنبى واقعة ، إذ أن القاضى لا يفترض فيه علم قانون غـير =

([14]) بارتان على أوبرى ورو جزء 12 طبعة خامسة فقرة 749 هامش رقم 3 مكرر 4 ـ انظر أيضا بيدان وبرو 9 فقرة 1143 .

([15]) وقد نظم المجمع العلمى للقانون الدولى الإجراءات التى يستطيع بها القاضى معرفة أحكام القوانين الأجنبية وذلك بواسطة الطرق السياسية (الدكتور عبد الحميد أبو هيف فى القانون الدولى الخاص فقرة 302) .

       وفى القانون الإنجليزى تفترض مطابقة القانون الأجنبى لقانون المحكمة ، إلا إذا ادعى الخصوم غير ذلك وأثبتوا ما ادعوه . وفى هذا تيسير عملى على القاضى فيما إذا عجز عن الاهتداء إلى أحكام القانون الأجنبى . وشبيه بذلك ما ورد فى المشروع التمهيدى للتقنين المدنى ( وقد حذف النص فى المشروع النهائى) من أنه ((فى جميع الحالات التي ستقرر فيها أن قانوناً أجنبياً هو الواجب التطبيق يطبق القانون المصرى ، إذا كان وجود القانون الأجنبى أو مدلوله غير ممكن إثباته )) (مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 314 ـ ص 315) .

([16]) انظر فى الواقعة المحددة فى القوانين والتشريعات المختلفة رسالة الدكتور محمد صادق فهمى فى الإثبات ص 313 ـ ص 358 .          

([17]) وقد قضت محكمة النقض الدائة المدنية بأن الإعسار هو حالة قانونية تستفاد من أن أموال الشخص ليست كافية للوفاء بديونه المستحقة عليه . وهو بهذا المعنى لا يوقم على نفى مطلق يتعقذر إثباته ، بل يقوم على أمر واقع له علاماته التى تشهد عليه . على أن المقرر فى الإثبات أن إذا كانت الواقعة المدعاة سلبية وكانت منضبطة النفى كان على مدعيها إثبات خلافها متى أمكنه تحويلها إلى قضية موجبة . فإذا لم يكن ذلك ممكناً أو كانت الواقعة غير منضبطة النفى ، فإن مدعيها يعتبر عاجزاً عن إثبات دعواه . وعلى ذلك فلا مخالفة لقواعد الإثبات إذا اعتبر الحكم المشفوع منه عاجزاص عن إثبات إعسار الشفيع لأنه لم يقم دليلا على هذا الاعسار (31 يناير سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 33 ص 80 ) . ويؤخذ من هذا الحكم أن الواقعة السلبية ، حتى لو لم يمكن تحويلها إلى قضية موجبة أو كانت واقعة غير منضبطة النفى ، لا يعفى مدعيها من عبء الإثبات بل يعتبر =

= عاجزاً عن إثبات دعواه وجاء فى الموجز للمؤلف (ص 650 ) فى هذا الصدد ما يأتى : (( ولا يهم أن تكون الواقعة التى يتمسلك بها إيجابية أو سلبية فقد تكون الواقعة سلبية ولكنها محددة تحديداً كافياً فتكون قابلة للإثبات . مثل ذلك أن يثبت الدائن أن المدين الملزم بحراسة شئ معين لم يقم بحراسته ، وعدم القيام بالحراسة واقعة سلبية ، ولكن الدائن يستطيع إثبات هذه الواقعة عن طريق إثبات واقعة إيجابية ، بأن يثبت مثلا أن المدين كان فى جهة أخرى فى الوقت الذى كان ينبغى أن يكون موجوداً بجانب الشئ لحراسته ـ وقد تكون إيجابية ولكنها غير محددة فلا تكون قابلة للإثبات )) .

       وأشار بودرى وبارد إلى أن السبب فى الخطأ الذى شاع من أن الواقعة السلبية لا يجوز إثباتها يرجع إلى نص فى القانون ارومانى أساء المحشون (glossateurs) فى العصور الوسطى فهمه . فإن هذا النص يقضى بأن عبء الإثبات يقع على من يدعى لا على من ينكر (Ei incumbit probatio qui negat) . والمدعى الذى يقع عليه عبء الإثبات قد يدعى واقعة إيجابية أو واقعة سلبية ، وهو المكلف بالإثبات فى الحالتين . ففسر المحشون النص بتحويره إلى معنى آخر ، هو أن الدلي على من يثبت (qui dicit) لا على من ينفى (qui negat) ، وذهبوا إلى أن النفى هنا معناه الواقعة السبية ، ومن ثم لا تكون الواقعة السلبية جائزة الإثبات (بودرى وبارد 3 فقرة 2065 ـ فقرة 2066 ـ أنظر أيضاً : تولييه 8 فقرة 16 ـ فقرة 19 ـ ديرانتون 13 فقرة 2 ـ ديمولومب 29 فقرة 192 ـ فقرة 193 ـ لوران 19 فقرة 95 ـ كولان وكابيتان ولامور انديير 2فقرة 719 ص 486 ـ ص 487 ـ بلانيول وريبير وبولانجييه 2 فقرة 2168 ـ الأستاذ عبد الباسط جميعى ص 49 ـ ص 92 ) .

       ويلاحظ على كل حال أن القاضى فى إثبات الوقائع السلبية لا يتطلب دليلا فى قوة الدليل الذى يتطلبه فى إثبات الوقائع الإيجابية ( أوبرى ورو 12 فقرة 749وهامش رقم 18 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1419 ص 845 ) .

       وانظر رسالة الدكتور محمد صادق فهمى فى الإثبات ( فى الواقعة السلبية ص 211 ـ ص 222 وفى الواقعة المستحيلة ص 293 ـ ص 304 ) .

       وانظر فى الشهادة على النفى فى الفقه الإسلامى الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاء ص 21ـ ص 28 .

([18]) ولذلك قضت محكمة النقض ( الدائرة المدينة) بأن القانون إنما يكلف المدعى إقامة الدليل على دعواه ، إلا إذا سلم له خصمه بهاأو ببعضها فإنه يعفيه بذلك من إقامة الدليل على ما اعترف به .فإذا اعترف شخص بأن الأرض موضوع النزاع أصلها من أملاك الحكومة الخاصة، ولكنه يملكها بالتقادم ، ثم بحثت المحكمةمع ذلك مستندات ملكية الحكومة لهذه الأرض وقضت بعدم كفايتها لإثبات الملكية ، فقد خالفت القانون (23 نوفمبر سنة 1933 ملحق مجلة القانون والإقتصاد 4 ص15 ) .

([19]) انظر الموجز ص 650 ـ ص 651 ـ والأستاذ عبد الباسط جميعى ص 47 ـ ص 48 .

([20]) وقد كان تقنين المرافعات القديم ينص على شرطين من هذه الشروط الثلاثة ـ أن تكون الواقعة متعلقة بالدعوى وأن يكون جائزاً قبولها ـ فى مواضع متفرقة ( م 153 / 171 ـ 165/186 ـ 177/200 ـ 178/203 ـ 179/ 204 ـ 182/207 ) ، وذلك فى الاستجواب واليمين والتحقيق والطعن بالتزوير . ولكن نص تقنين المرافعات الجديد أكمل الناقص من الشروط وجمعهاكلها فى نص واحد . أما تقنينالمرافعات الفرنسى ( م 253 ـ 254 فى التحقيق بالبيئة ) فقد ذكر شرطين : أن تكون الواقعة منتجة وجائزة القبول . ويلاحظ أن المكان الذى يجبأن ينص فيه على هذه الشروط هو التقنين المدنى لا تقنين المرافعات ، لأن هذه الشروط من القواعد الموضوعية فى الاثبات لا من القواعد الشكلية .

([21]) انظ فى هذا المعنى بارتان على أوبرى ورو جزء ذ2 فقرة 749 هامش رقم 10 مكرر ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1146 ـ الدكتور عبد المنعم فرج الصدة فقرة 37 ص 39 ـ ص 40 .

       هذا وفكرة تحويل الدليل (deplacement de prevue) هى التى تقوم عليها القرائن القانونية ، فهذه القرائن تنطوى على تحويل الدليل من واقعة إلى أخرى ويكون ذلك بمقتضى نص فى القانون .

([22]) ومثل ذلك أيضاً ـ فى القضاء الإنجليزى ـ أن يقوم تاجر بتوريد بضاعة لآخر ، فيدعى هذا أن التاجر ورد له صنفاً رديئاً ، فيتقدم التاجر لإثبات أن كل عملائه الآخرين الذين اعتاد توريد هذه البضاعة لهن يمتدحون بضاعته . فهذه واقعة متعلقة بالدعوى وإن لم تكن منتجة ، فيقبل إثباتها ، لأنها وإن لم تكن حاسمة إلا أنها تضيف إلى عناصر الإقناع عنصراً جديداً له فائدته ، وقد يؤدى إذا أضيف لعناصر أخرى إلى تكوين مجموعة من القرائن القضائية لصالحه (انظر فى هذا المثل الدكتور محمد صادق فهمى فى الإثبات ص 282 والأستاذ عبد الباسط جميعى ص 56) .

([23]) أما إذا أراد المستأجر تقديم الدليل على أنه وفى بديون أخرى غير أقساط الأجرة للمؤجر ، فهذه واقعة لا تتصل إطلاقاً بواقعة الوفاء بالأجرة ، فتكون لا هى منتجة فى الإثبات ولا هى متعلقة بالدعوى ، فلا يجوز قبول إثباتها.

([24]) ويقول الأستاذ عبد الباسط جميعى (ص 57) إن لمحكمة الموضوع أن ترفض اعتبار الواقعة متعلقة بالدعوى ولو توافق الطرفان على أنها متعلقة . أما إذا توافق الطرفان على أها غير متعلقة ، فلا يسمح القاضى بإثباتها ، لا لأن توافق الطرفين يجعلها غير متعلقة بالدعوى ، بل لأن حياد القاضى يقبضيه ألا يقبل دليلا اتفق الخصمان على استبعاده .

([25]) الأستاذ عبد الباسط جميعى ص 59 ـ ص 60 ، ويأتى بأمثلة لذلك دعوى إثبات الحالة (م 188 مرافعات) ، والدعاوى التى ترفع بطلب انتقال المحكمة لمعاينة معالم واقعة يحتمل أن تصبح محل نزاع أمام القضاء إذا كان يخضى من زوال هذه المعالم ( م 187 مرافعات ) ، والدعاوى التى ترفع بطلب سماع شاهد يوشك أن يموت أو يزمع سفراً قد لا يعود منه أو لا يعود قريباً ( م 222 مرافعات ) ، ورفع الدعوى للاستيثاق لحق يخشى زوال دليله ( م 4 مرافعات ) . وقول أيضاً غن القاضى يغربل الوقائع غربلة أولى ليتخير منها ما هو متعلق بالدعوى فيجعله فى وعاء الإثبات ، ثم يغربلها غربلة ثانية ليستبقى منها ما هو منتج فى الإثبات .

([26]) انظر الأستاذ عبد الباسط جميعى ص 61 هامش رقم 2 والمراجع المشار إليها . وانظر فى أن الواقعة يجب أن تكون منتجة (relecant) فى القانون الانجليزى الدكتور محمد صادق فهمى فى الإثبات ص 264 ـ ص 284 .

([27]) تشتمل المواد من 206 إلى 209 من تقنين المرافعات على سلسلة من القيود فى جواز الإدلاء بالشهادة . فتمنع المادة 206 الموظفين والمستخدمين والمكلفين بخدمةعامة من أن يشهدوا ولو بعد تركهم العمل عما يكون قد وصل إلى علمهم فى أثناء قيامهم به من معلومات لم تنشر بالطريق القانون ولم تأذن السلطة المختصة فى إذاعتها . وتمنع المادتان 207 و 208 من علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء أو غيرهم من طريق منته أو صنعته بواقعة أو بمعلومات أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته ، ما لم يكن ذكرها له مقصوداصبه فقط ارتكاب جناية أو جنحة ، وذلك إلا إذا طلب منهم ذلك من أسرها لهم . وتمنع المادة 209 أحد الزوجين من أن يفشى بغير رضاء الآخر ما أبلغه إليه أثناء الزوجية ولو بعد انقضائها ، إلا فى حالة رفع دعوى من أحدهما على صاحبه أو إقامة دعوى على أحدهما بسبب جناية أو جنحة وقعت منه على الآخر . ويلاحظ هنا أن الممنوع ليس هو إثبات الواقعة فى ذاتها ، بل إثبات الواقعة من طريق شهادة شاهد معين ، فعدم جواز القبول لا ينصب إذن على الواقعة بل ينصب على الدليل ( الدكتتور عبد المنعم فرج الصدة فقرة 35 ص 38 )

([28]) ولكن يجوز لمن لا يريد ترتيب أثر قانونى على هذه الوقائع أن يثبت عدم مشروعيتها لأن هذا هو الذى يتفق مع النظام العام والآداب .

([29]) ببيدان وبرو 9 فقرة 1171 ـ وانظر فى جواز إثبات الواقعة قانوناً فى القانون الانجليزى الدكتور محمد صادق فهمى فى الإثبات ص 305 ـ 312 .

([30]) والفرق بين كون الواقعة غير منتجة فى الإثبات وكونها غير جائزة افثبات أنها عند ما تكون غير منتجة فى الإثبات فان ذلك يرجع إلى شئ فى طبيعتها ، إذا الواقعة فى ذاتها لا تؤدى إلى إثبات المطلوب ، إما لسبب موضوعى كالحيازة لمدة تقل عن خمس عشرة سنة ، وإما لسبب قانونى كالتعويض بسبب انهدام البناء يطلب من مالكه لا من حارسه . والواقعة عند ما تكون غير جائزة افثبات فإن ذلك يرجع لا إلى شئ فى طبيعتها ، بل إلى عارض قانونى يمنع من جواز إثباتها ، ولو لم يقم هذا المانع أو لو زال لكانت الواقعة جائزة الإثبات .

       ويحسن أيضاً أن نميز بين عدم جواز قبول الدعوى وعدم جواز قبول الواقعة وعدم جواز قبول الدليل . فالدعوى لا يجوز قبولها لأسباب معروفة ، كأن تكون مرفوعة من غير ذى صفة أو من غير ذى أهلية . فإذا كانت الدعوى مقبولة وتقدم الخصم بواقعة لإثباتها ، فقد تكون هذه الواقعة غير جائزة الإثبات لسب موضوعى أو لسبب قانونى على النحو الذى قدمناه . فإذا كانت الواقعة جائزة الإثبات ، فقد يتطلب القانون لإثباتها دليلا كتابياً فتكون البينة أو القرائن دليلا غير مقبول ( انظر فى هذه المسألة الأستاذ عبد الباسط جميعى ص 65 ـ ص 66 ) .

نقلا عن محامي أردني

المبادئ الرئيسية التى تقوم عليها قواعد الاثبات

المبادئ الرئيسية التى تقوم عليها قواعد الاثبات

       19 ـ مبادئ ثلاثة : يقوم الإثبات على مبادئ رئيسية ثلاثة :

( أ ) فهو نظام قانونى (systeme legal) ، أى تنظمه قواعد يقررها القانون .

(ب ) ويكون القاضى فيه محايداً ، وهذا هو مبدأ حياد القاضى (neutralite du juge) .

(ج ) أما الخصوم فيقومون فيه بالدور الإيجابى ، وهذا هو حق الخصم فى الإثبات (droit a la prevue) .

       والواقع ـ كما سنرى ـ أن هناك تعاوناً وثيقاً فى الإثبات بين القانون والقاضى والخصوم . فالقانون يبين طرق افثبات ويحدد قيمة كل منها . والقاضى يطبق القواعد التى يقررها القانون فى ذلك ، ويتمتع فى تطبيقها بشئ غير قليل من حرية التقدير . والخصوم هم الذين عليهم أن يقدموا الأدلة على صحة دعاواهم ، ذلك على الوجه الذى رسمه القانون ، ولكل خصم الحق فى مناقشة الأدلة التى يقدمها خصمه وفى تنفيذها وفى إثبات عكسها .

       ونستعرض الآن هذه المبادئ الثلاثة .

 $27 أ ـ مبدأ النظام القانونى للإثبات ـ مذاهب ثلاثة

       20 ـ الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية ـ العدالة والاستقرار : رأينا فيما تقدم أن الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة الواقعية ، بل قد تتعارض معها . ورأينا أن السبب فى ذلك أن الحقيقة القضائية لا تثبت إلا من طريق قضائى رسمه القانون . وقد يكون القاضى من أشد الموقنين بالحقيقة الواقعية ، وقد يعرفها بنفسه معرفة لا يتطرق إليها الشك ، ولكن ينعدم أمامه الطريق القانونى لإثباتها فلا يجد بداً من إهدارها والأخذ بسبل القانون فى الإثبات ، ومن ثم قد تتعارض الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية .

       والقانون فى تمسكه بالحقيقة القضائية دون الحقيقة الواقعية إنما يوازن بين اعتبارين : اعتبار العدالة فى ذاتها ويدفعه إلى تلمس الحقيقة الواقعية بكل السبل ومن جميع الوجوه حتى تتفق معها الحقيقة القضائية ، وإعتبار إستقرار التعامل ويدفعه إلى تقييد القاضى فى الأدلة التى يأخذ بها وفى تقدير كل دليل فيحدد له طرق الإثبات وقيمة كل طريق منها ، حتى يأمن جوره إذا مال إلى الجور ، أو فى القليل حتى يحد من تحكمه ، فلا تختلف القضاة فيما يقبلون من دليل وفى تقدير قيم الأدلة فى الأقضية المتماثلة .

       21 ـ مذاهب ثلاثة فى الاثبات : ويمكن فى الموازنة ما بين الاعتبارين اللذين تقدم ذكرهما ـ اعتبار العدالة واعتبار استقرار التعامل ـ أن نتصور قيام مذاهب ثلاثة فى الإثبات : (1) مذهب يميل إلى اعتبار العدالة ولو بالتضحية فى استقرار التعامل ، وهذا هو المذهب الحر أو المطلق (systeme libre) . (2) ومذهب يستمسك باستقرار التعامل ولو على حساب العدالة، فيقيد القانون الإثبات أشد التقييد حتى يستقر التعامل ، وهذا هو المذهب القانونى أو المذهب المقيد (systeme legal) . (3) ومذهب ثالث هو بين بين ، يزن ما بين الاعتبارين ، فيعتد بكل منهما ، ولا يضحى أحدهما لحساب الآخر ، وهذا هو المذهب المختلط (systeme mixte) .

$28         22 ـ المذهب الحر أو المطلق : أما المذهب الحر أو المطلق ففيه ، كما قدمنا ، لا يرسم القانون طرقاً محددة للإثبات يقيد بها القاضى ، بل يترك الخصوم أحراراً يقدمون الأدلة التى يستطيعون إقناع القاضى بها ، ويترك القاضى حراً فى تكوين اعتقاده من أى دليل يقدم إليه . وهذا المذهب يقرب كثيراً ما بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية لمصلحة العدالة . وقد اعتنقته بعض الشرائع فى بدء تطورها ، واعتنقه بعض رجال الفقه الإسلامى([1]) ، ولا تزال الشرائع الجرمانية والشرائع الأنجلوسكسونية ( القانون الألمانى والقانون السويسرى والقانون الإنجليزى والقانون الأمريكى ) تأخذ به إلى حد كبير .

       ولكن حظ العدالة فى هذا المذهب ظاهرى أكثر منه حقيقياً . فهو قد يقرب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية إلى مدى واسع ، ولكن بشرط أن يؤمن من القاضى الجور والتحكم . فاذا جار القاضى أو تحكم فى تعيين طرق الإثبات وتحديد قيمها ، ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية أكثر من ابتعادها فى المذهب القانونى أو المقيد ز وننتقل الآن إلى هذا المذهب .

$29  23 ـ المذهب القانونى أو المقيد : ففى المذهب القانونى أو المقيد يرسم القانون طرقاً محددة تحديداً دقيقاً لإثبات المصادر المختلفة للروابط القانونية ، ويجعل لكل طريق قيمته ، ويتقيد بكل ذلك الخصوم والقاضى . (( وهذا المذهب ـ كما جاء فى الموجز([2]) ـ على ما فيه من دقة حسابية تكفل ثبات التعامل ، يباعد ما بين الحقائق الواقعة والحقائق القضائية ، فقد تكون الحقيقة الواقعة ملء السمع والبصر ، ولكنها لا تصبح حقيقة قضائية إلا إذا استطيع إثباتها بالطرق التى حددها القانون )) . وقد تغلب فى الفقه الإسلامى المذهب القانونى فى الإثبات . فيجب فى الإثبات بالبينة شهادة شاهدين ، ولا يكتفى بشاهد واحد إلا فى حالات استثنائية([3]) ، وإذا توافر نصاب الشهادة وجب الأخذ بها دون أن يكون للقاضى حرية فى التقدير ، ويتفاوت نصاب الشهادة من واقعة إلى أخرى فى حدود مقدرة تقديراً يكاد يكون حسابياً([4]) .

       24 ـ المذهب المختلط : والمذهب المختلط يجمع بين الإثبات المطلق والاثبات المقيد . (( وأشد ما يكون إطلاقاً ـ كما جاء فى الموجز([5]) ـ فى المسائل الجنائية ، ففيها يكون الاثبات حراً يتلمس القاضى وسائل الاقناع فيه من أى دليل يقدم إليه ، شهادة كانت أو قرينة أو كتابة أو أى دليل آخر . ثم يتقيد الاثبات بعض التقيد فى المسائل التجارية مع بقائه حراً فى الأصل . ويتقيد بعد ذلك إلى حد كبير فى المسائل المدنية فلا يسمح فيها إلا بطرق محددة للإثبات تضيق وتتسع متمشية فى ذلك مع الملابسات والظروف . وهذا المذهب الثالث هو خير المذاهب جميعاً ، فهو يجمع بين ثباتالتعامل بما احتوى عليه من قيود ، وبين اقتراب الحقيقة الواقعة من الحقيقة القضائية بما أفسخ فيه للقاضى من حرية التقدير . وقد أخذ القانون المصرى بهذا المذهب مقتفياً فى ذلك أثر

  $30 الشرائع اللاتينية كالقانون الفرنسى والقانون الايطالى والقانون البلجيكى )) .

       ويلاحظ على هذا المذهب أمران : (1) أن اقتراب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية فيه لا يصل إلى حد يجعل للأدلة قوة قطعية ، فلا تزال للإدلة فيه حجة ظنية ، ولا تزال الحقيقة القضائية هى مجرد احتمال راجح idée de probabilite  وليست حقيقة قاطعة . ولابد من الناحية العملية الاكتفاء بالحجج الظنية ما دامت راجحة ، لأن اشتراط الحجج القاطعة يجعل باب الاثبات مقفلا أمام القاضى . (2) أن المذهب المختلط يتفاوت فى نظام قانونى عنه فى نظام آخر ، فهو يضع من القيود على حرية القاضى فى تلمس الدليل قليلا أو كثيراً على قدر متفاوت يختلف باختلاف النظم القانونية . فمن النظم ما تقلل من هذه القيود حتى يشتد التقارب ما بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية فيرجح حظ العدالة ، ومنها ما يزيد فى القيود ولو ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية حتى يستقر التعامل . وخير هذه النظم ما وازن بين الاعتبارين فى كفتى الميزان ، حتى لا ترجح كفة وتشيل أخرى .

       ب ـ مبدأ حياد القاضى ([6])

       25 ـ موقف القاضى من الاثبات فى كل من المذاهب الثلاثة : ويتصل بما تقدم موقف القاضى من الاثبات . فهو فى المذهب الحر أو المطلق موقف إيجابى ، ينشط القاضى فيه إلى توجيه الخصوم ، واستكمال ما نقص فى الأدلة ، واستيضاح ما أبهم منها . وهو فى المذهب القانونى أو المقيد موقف سلبى محض ، لا يعدو القاضى فيه أن يتلقى أدلة الاثبات كما يقدمها الخصوم دون أى تدخل من جانبه ، ثم يقدر هذه الأدلة طبقاً للقيم التى حددها القانون ، فإذا رأى الدليل ناقصاً أو مبهماً فليس له أن يطلب إكماله أو توضيحه ، بل يجب عليه أن يقدره كما هو فى الحالة التى قدمه فيها الخصوم . وهو فى المذهب

  $31المختلط ينبغى أن يكون موقفاً وسطاً بين الايجابية والسلبية ، ولكنه يجب أن يكون أقرب إلى الايجابية منه إلى السلبية ، فيباح للقاضى شئ من الحرية فى تحريك الدعوى وفى توجيه الخصوم وفى استكمال الأدلة الناقصة وفى استيضاح ما أبهم من وقائع الدعوى . ولا يتعارض ذلك مع تقييد القاضى بأدلة قانونية معينة وبتحديد قيم هذه الأدلة ، فإن هذا التقييد يجب أن تقابله حرية القاضى فى تقدير وزن كل دليل فى حدود قيمته القانونية ، حتى يستجلى الحقائق واضحة كاملة([7]) .

       أما منع القاضى من القضاء بعلمه فليس فرعاً عن مبدأ حياد القاضى ، بل هو النتيجة المترتبة على حق الخصوم فى مناقشة أى دليل يقدم فى القضية ، وسنرى ذلك فيما يلى .

       26 ـ مبدأ حياد القاضى فى القوانين اللاتينية والقانون المصرى : قد رأينا أن القوانين اللاتينية ، والقانون المصرى معها ، قد اتخذت المذهب المختلط فى الاثبات . وهة مع ذلك لا توسع على القاضى فى حرية توجيهه للدعوى واستخلاص الحقائق من أدلتها القانونية إلا إلى مدى محدود ؛ فالقاضى يستطيع مثلا أن يحيل الدعوى على التحقيق من تلقاء نفسه ، كما يستطيع أن يعين خبيراً ، وله أن يطلب إحضار الخصوم شخصياً (Comparution Personnelle) ، وأن يوجه إلى أحدهما اليمين المتممة (serment suppletif) .([8]) وقد زاد تقنين المرافعات المصرى الجديد فى إيجابية موقف القاضى من الاثبات فخوله سلطة فى توجيه الدعوى فيما يتصل بالآثار التى تترتب على عدم قيد المدعى لدعواه ، وبشطب الدعوى عند تخلف الخصوم عن الحضور ، وبوقف الدعوى لمدة معينة عند اتفاق الخصوم على ذلك ، وبسقوط الخصومة لا نقطاعها بوفاة أحد الخصوم أو بزوال أهليته أو انتهاء صفته أو وقفها بفعل المدعى أو تقصيره ، ويتقادم الخصومة بخمس سنوات بدلا من خمس عشرة ، وبإدخال القاضى$32 من تلقاء نفسه من لم يكن طرفاً فى الخصومة ليرد الدعوى إلى وضعها الطبيعى بعد أن انحرف بها عنت الخصوم أو إهمالهم ، وباجراءات التحقيق فاذا أحيلت الدعوى على التحقيق أو عين فيها خبير أو طعن فيها بالتزوير لم يعد سير التحقيق أو السير فى نظر الموضوع موقوفاً على طلب تعجيل يتقدم به الخصم صاحب المصلحة([9]) .

       ج ـ مبدأ دور الخصوم الايجابى ـ الحق فى الاثبات

       27 ـ حق الخصوم فى مناقشة الادلة التى تقدم فى الدعوى ـ لا يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه : على أنه مهما يكن من قدر الحرية التى تطلق للقاضى فى الاثبات ، فلا جدال فى أن أى دليل يقدمه الخصم فى الدعوى يجب أن يعرض على الخصوم جميعاً لمناقشته ن ويدلى كل برأيه فيه ، يفنده أو يؤيده ، والدليل الذى لا يعرض على الخصوم لمناقشته لا يجوز الأخذ به([10]) . ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ بدليل نوقش فى قضية أخرى ما لم يناقش فى القضية القائمة([11]) .

$33وهذا مبدأ جوهرى من مبادئ التقاضى ، حتى لا تبقى الخصومة مجهلة ، وحتى تتكافأ فرص الخصوم فى الدعوى . ومن ثم كان للخصم حق طلب التأجيل للإطلاع على المستندات المقدمة من خصمه والرد عليها ( م 108 مرافعات ) .

       ولايجوز للقاضى أن يقوم بمعاينة مكان النزاع فى غيبة الخصوم ودون أن يدعوهم لحضور المعاينة ومن غير إصدار قرار باجرائها . ولكن يكفى أن يعرض الدليل على الخصوم لمناقشته ، فإذا لم يريدوا مناقشته فعلا فقد نزلوا عن حقهم فى ذلك وصح الأخذ بالدليل([12]) . كذلك لا يجوز للقاضى ان يأتى بأدلة من عنده لم تقدمها الخصوم ، إلا إذا تراضوا عليها وقبلوا مناقشتها([13]) .

       ويترتب على حق الخصوم فى مناقشة الأدلة التى تقدم فى الدعوى أنه لا يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه . ذلك أن علم القاضى هنا يكون دليلا فى القضية ، ولما كان للخصوم حق مناقشة هذا الدليل اقتضى الأمر ان ينزل القاضى منزلة الخصوم ، فيكون خصما وحكماً ، وهذا لا يجوز([14]) . وقد رأينا فيما تقدم أن امتناع القاضى$34عن القضاء بعلمه لا يرجع إلى موقفه المحايد فى الاثبات ، فان حياد القاضى لا يتعارض ضرورة مع القضاء بعلمه ، وإنما يرجع إلى ما نذكره هنا من حق الخصوم فى مناقشة الدليل([15]) .

       وهذا الدور الايجابى للخصوم فى الاثبات ، وما يستتبعه من حقهم فى مناقشة الأدلة ، تنظمه قواعد أربع : (1) حق الخصم فى الاثبات (2) حق الخصم الآخر فى إثبات العكس (3) لا يجوز لأى خصم أن يصطنع دليلا لنفيه (4) ولا يجوز إجباره على تقديم دليل ضد نفسه . ونقول كلمة عن كل من هذه القواعد .

       28 ـ حق الخصم فى الاثبات : على الخصم أن يثبت ما يدعيه أما القضاء بالطرق التى بينها القانون . فموقفه فى الاثبات موقف إيجابى . وليس هذا واجباً عليه فحسب ، بل هو أيضاً حق له . فللخصم أن يقدم للقضاء جميع ما تحت يده أو ما يستطيع إبرازه من الأدلة التى يسمح بها القانون تأييداً لما يدعيه . فان لم يمكنه القاضى من ذلك كان هذا إخلالا بحقه ، وكان سبباً للطعن فى الحكم بالنقض .

       ويتقيد حق الخصم فى الاثبات بقيود ثلاثة : (1) لا يجوز للخصم أن يثبت ما يدعيه إلا بالطرق التى حددها القانون . فلا يجوز له أن يثبت بالبينة مالا يجوز إثباته إلا بالكتابة ، ولا يجوز له أن يوجه اليمين الحاسمة إلى خصمه حيث يكون متعنتاً فى توجيهها . ويجب فيما يسمح له به القانون من طرق الاثبات أن يتقدم بما عنده$35 من الأدلة طبقاً للأوضاع وللإجراءات التى رسمها له القانون . (2) كذلك لا يجوز للخصم أن يطلب إثبات واقعة لم تتوافر فيها الشروط الواجبة ، إذ يجب أن تكون الواقعة متعلقة بالدعوى منتجة فى دلالتها جائزة الاثبات قانوناً . وسنفصل هذه اشروط فيما يلى . (3) ويبقى للقاضى بعد كل ذلك حرية واسعة فى تقدير قيمة الأدلة التى تقدم بها الخصم ، فيرى ما إذا كانت شهادة الشهود مقنعة ، ويقدر إذا قدم الخصم ورقة ما يترتب على الكشط والمحو والتحشير وغير ذلك من العيوب المادية فى هذه الورقة من إسقاط قيمتها فى الاثبات أو إنقاصها ( م 260 مرافعات ) ، وإذا كانت وقائع الدعوى ومستنداتها كافية لاقتناعه بصحة الورقة التى تقدم بها الخصم الآخر أو بتزويرها فله أن يمتنع عن السير فى إجراءات التزوير التى طلبها الخصم الذى طعن بالتزوير فى هذه الورقة ( م 290 مرافعات ) ، بل له ولو لم يدع أمامه بالتزوير أن يحكم من تلقاء نفسه برد أية ورقة وبطلانها إذا ظهر له بجلاء من حالتها أو من ظروف الدعوى أنها مزورة ( م 290 مرافعات ) ، كما أن له أن يعدل عما أمر به من إجراءات الاثبات أو ألا يأخذ بنتيجة هذه الاجراءات ( م 165 مرافعات ) ، وإذا رأى أن الدعوى ليست فى حاجة إلى استجواب فإن له أن يرفض طلب الاستجواب الذى يتقدم به الخصم ( م 168 مرافعات ) .

       وحق الخصم فى الإثبات يقابله واجب يلقى على عاتق الخصم الآخر ، بل على عاتق الغير ، فى ألا يعطل هذا الحق بعنت منه أو سوء نية . ويصل هذا الواجب إلى مدى بعيد ، فيفرض فى بعض الحالات على الخصم الآخر أو الغير أن يتقدم مستندات فى حوزته لتمكين المدعى من إثبات حقه ، وسنعود إلى هذا الواجب بالتفصيل فيما يلى .

       29 ـ حق الخصم الآخر فى إثبات العكس : وكل دليل يتقدم به الخصم لإثبات دعواه يكون للخصم الآخر الحق فى نقضه وإثبات عكس ما يدعيه الخصم . وتطبيقاً لهذه القاعدة نصت المادة 192 من تقنين المرافعات على أن (( الاذن لأحد الخصوم باثبات واقعة بشهادة الشهود يقتضى دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق فى نفيها بهذه الطريق )) . وإذا كان الدليل الذى قدمه الخصم ورقة مكتوبة ، فان كانت ورقة عرفية كان للخصم الآخر أن ينكر خطه أو $36إمضاءه أو أن يطعن فى الورقة بالتزوير، وإن كانت ورقة رسمية كان للخصم الآخر أن يطعن فيها بالتزوير . وفى جميع الأحوال يجوز للخصم الآخر ـ فيما لا يتحتم فيه الطعن بالتزوير ـ أن يثبت عكس ما هو ثابت ضده بالكتابة على أن يكون إثبات العكس بكتابة مماثلة وفقاً للأحكام التى قررها القانون . وإذا كان الدليل المقدم قرينة قضائية ، فللخصم الآخر أن يدحض هذه القرينة بقرينة مثلها أو بأى طريق آخر . وكذلك الحال فى القرينة القانونية ، فان الأصل فيها جواز إثبات العكس ، أما القرائن القانونية التى لا تقبل إثبات العكس فنادرة ولابد فى منع إثبات العكس فيها من نص فى القانون .

       وحتى الاقرار واليمين يتصور فيهما تطبيق هذه القاعدة . فاذا تمسك الخصم بالاقرار الصادر من الخصم الآخر ، جاز لهذا الخصم الآخر أن يتمسك ببطلان هذا الاقرار لعدم الأهلية أو لغير ذلك من العيوب . وإذا وجه الخصم اليمين الحاسمة للخصم الآخر ، جاز لهذا الخصم الآخر أن يرد على خصمه اليمين .

       ويتبين من كل ذلك أن الأصل فى الدليل الذى يقدمه الخصم تمكين الخصم الآخر من نقضه ، وأن حق الخصم فى إثبات ما يدعيه يقابله حق الخصم الآخر فى إثبات العكس .

       30 ـ لا يجوز لأى خصم أن يصطنع دليلا لنفسه : الأصل أن الدليل الذى يقدم ضد الخصم يكون صادراً منه حتى يكون دليلا عليه . فالورقة المكتوبة حتى تكون دليلا على الخصم يجب أن تكون بخطه أو بإمضائه . وإذا كانت الورقة ليست دليلا كاملا واقتصر أمرها على أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، فانه يجب كذلك أن تكون صادرة من الخصم الذى يراد الاثباتضده على التفصيل الذى سنبينه فيما بعد .

       ومن ثم لا يجوز أن يكون الدليل الذى يتمسك به الخصم صادراص مه هو أو أن يكون من صنعه ، فمن البداهة أن الشخص لا يستطيع أن يصطنع دليلا بنفسه لنفسه . ((ولو يعطى الناس بدعواهم ـ كما جاء فى الحديث الشريف ـ لا دعى $37أناس دماء رجال وأموالهم))([16]) . فلا يجوز إذن أن يكون الدليل يقدمه الخصم على صحة دعواه مجرد أقواله وادعاءاته ، او أن يكون ورقة صادرة منه ، أو مذكرات دونها بنفسه . وتطبيقاً لذلك نصت الفقرة الأولى من المادة 972 من التقنين المدنى على أنه ((ليس لأحد ان يكسب بالتقادم على خلاف سنده ، فلا يستطيع أحد أن يغير بنفسه لنفسه سبب حيازته ولا الأصل الذى تقوم عليه هذه الحيازة)) . وهذه القاعدة فرع عن مبدأ أعم وأشمل ، هو أن الشخص لا يستطيع أن يخلق بنفسه لنفسه سبباً لحق يكسبه ، ومن استعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه . فالوارث الذى يقتل مورثه يحرم من إرثه ، وإذا كان التأمين على حياة شخص غير المؤمن له برئت ذمة المؤمن من التزاماته متى تسبب المؤمن له عمداً فى وفاة ذلك الشخص أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه ، وإذا كان التأمين على الحياة لصالح شخص غير المؤمن له فلا يستفيد هذا الشخص من التأمين إذا تسبب عمداً فى وفاة الشخص المؤمن على حياته أو وقعت الوفاة بناء على تحريض منه (م 757 مدنى) . ويعتبر الشرط قد تحقق إذا كان الطرف الذى له مصلحة فى أن يتخلف قد حال بطريق الغش دون تحققه ، وكذلك لا أثر للشرط الذى تحقق إذا كان تحققه قد وقع بغش الطرف الذى له مصلحة فى أن يتحقق ( م 388 من مشروع التقنين المدنى الجديد ) .

       على أن القانون نص فى بعض الحالات ، لمبررات قدرها المشرع ، على جواز أن يتمسك الشخص بدليل صدر منه هو . من ذلك ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 397 من التقنين المدنى من أن ((دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة )) . ومن ذلك ما نص عليه التقنين التجارى من أن دفتر التاجر قد يكون حجة له على التاجر ، إذ تقضى المادة 17 من هذا التقنين بأنه ((يجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية لأجل الاثبات فى دعاوى التجار المتعلقة بمواد تجارية إذا كانت تلك الدفاتر مستوفية للشروط المقررة قانوناً )) . ومن ذلك أخيراً ما نصت عليه المادة  $38  257 من تقين المرافعات ـ فى حالة امتناع الخصم من تقديم ورقة يلزمه القانون بتقديمها ـ من أنه ((إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة فى الموعد الذى حددته المحكمة . . اعتبرت صورة الورقة التى قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها ، فان لم يكن خصمه قد قدم صورة منالورقة جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكلها أو بموضوعها))([17]) .

       31 ـ لا يجوز اجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسن الا فى حالات معينة : قدمنا أن لا يجوز للخصم أن يصطنع دليلا لنفسه . ويقابل ذلك أنه لا يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه (Nemo tenetur edere contra se) . فكما أن الخصم لا يستفيد من دليل صنعه لنفسه ، كذلك هو لا يضار بتقديم دليل ضد نفسه([18]) .

       غير أن بداهة القاعدة الأولى تفوق وضوح القاعدة الثانية . فقد رأينا أن حق الخصم فى الاثبات قد يصل فى بعض الحالات إلى حد إجبار خصمه أو الغير على تقديم دليل فى حوزته . لذلك كانت هذه القاعدة الثانية فى حاجة إلى إمعان فى النظر .

       فمن الممكن القول إن من امتنع من الخصوم دون حق أن يستجيب لطالبات خصمه من تقديم مستندات فى حوزته ، أو جعل بفعله غثبات الدعوى مستحيلا بأن امتنع مثلا عن تقديم دليل تحت يده لا يمنع القانون من تقديمه ، جاز أن يخسر دعواه ، وذلك بطريق القياس على من جعل بفعله تحقق الشرط الذى علق  $39 عليه التزامه مستحيلا فان القانون يفترض أن الشرط قد تحقق([19]) . بل إن الغير أيضا ـ لا الخصم وحده ـ قد يلقى عليه واجب المعاونة فى الاثبات . فيطلب شاهداً فى الدعوى ويجب عليه الادلاء بشهادته فاذا تخلف عن الشهادة جاز الحكم عليه بالغرامة ، وإذا كانت تحت يده مستندات جازت مطالبته بابرازها بين يدى القضاء([20]) .

       وقد تصل بعض الشرائع إلى حد أن نفرض بنص خاص التزاماً قانونياً على من يجوز أو يحرز شيئاً أو مستنداً يكون للغير مصلحة فى عرضه لاثبات أمر يدعيه أن يعرض هذا الشئ أو يقدم هذا المستند للقضاء للكشف عما يمكن أن يتضمنه من وجوه إثبات الأمر المدعى به . ويرفع بهذا الالتزام القانونى دعوى تسمى بدعوى العرض (action ad exhibendum) ([21]) . وقد نص على هذه  $40 الدعوى كل من القانون الألمانى والقانون السويسرى والمشروع الفرنسى الايطالى . وأخذ بها القضاء الفرنسى دون نص ، يبنيها تارة على وحدة المصلحة أو الشركة فى المستند (communaute d`interet, communaute de titre) ([22])  لاسيما إذا كان هذا المستند عقداً ، ويبنها طوراً على مصلحة العدالة (justice interet de la) ([23]) . وستخلص من أحكام القضاء الفرنسى أنه يجعل للخصم حق الاثبات ، ويلقى على خصمه واجب المعاونة فى ذلك ما استطاع إليه سبيلا ، ما دام لا يوجد مانع قانونى كوجوب الاحتفاظ بسر المهنة([24]) . فإذا لم يقم الخصم بواجبه فى المعاونة ، وعطل على خصمه حقه فى الاثبات ، اعتبر فى منزلة من قام الدليل ضده ، وخسر الدعوى([25]) .

       أما فى مصر ، فقبل صدور التقنين المدنى الجديد وتقنين المرافعات الجديد ،  $41 كان القضاء يذهب إلى عدم إجبار الخصم على أن يقدم دليلا يرى أنه ليس فى مصلحته([26]) . إلا أنه إذا طلب الخصم تكليف خصمه بتقديم ورقة تحت يده وامتنع عن تقديمها ، فهذا الامتناع يكون محل اعتبار من المحكمة بحسب دلالته المحتملة ، ولا يتحتم اعتباره تسليما بادعاء الطالب([27]) ، وللمحكمة أن تقضى لمصلحة الخصم الذى يرجح لديها أنه هو الحق([28]) ، ولها أن تستخلص من امتناع الخصم دليلا للحكم ضده ([29]) .  $42  وقد كان المشروع الابتدائى للتقنين المدنى الجديد يحتوى على نص يقرر دعوى العرض (action ad exhibendum) ويفصل أحكامها على غرار المشروع الفرنسى الايطالى ، فحذف فى لجنة المراجعة لأنه أدخل فى باب المرافعات ، وكان هذا النص ( المادة 273 من المشروع الابتدائى ) يجرى على الوجه الآتى : ((1ـ كل من حاوز شيئاً أو أحرزه يلتزم بعرضه على من يدعى حقاً متعلقاً به متى كان فحص الشئ ضرورياً للبت فى الحق المدعى به من حيث وجوده ومداه ، فاذا كان الأمر متعلقاً بسندات أو أوراق أخرى ، ففقاضى أن يأمر بعرضها على ذى الشأن وبتقديمها عند الحاجة إلى القضاء ، ولو كان ذلك لمصلحة شخص لا يريد إلا أن يستند إليها فى غثبات حق له ، 2ـ على أنه يجوز للقاضى أن يرفض إصدار الأمر بعرض الشئ إذا كان لمن أحرزه مصلحتة مشروعة فى الامتناع عن عرضه ، 3ـ ويكون عرض الشئ فى المكان الذى يوجد فيه وقت طلب العرض ، ما لم يعين القاضى مكاناً آخر ، وعلى طالب العرض أن يقوم بدفع نفقاته مقدماً , وللقاضى أن يعلق عرض الشئ على تقديم كفالة تضمن لمن أحرز الشئ تعويض ما قد يحدث له من ضرر بسبب العرض )) ([30]) .

       ولم يتضمن تقنين المرافعات الجديد هذا النص بالرغم من أن حذفه من مشروع التقنين المدنى كان بسبب أنه أدخل فى باب المرافعات كما تقدم القول . على أن تقنين المرافعات تضمن طائفة من النصوص لالزام الخصم بتقديم ورقة  $43 تحت يده ، فنصت المادة 253 على أنه ((يجوز للخصم فى الحالات الآتية أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده : (1) إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمها أو تسليمها (2) إذا كانت مشتركة بينه وبين خصمه ، وتعتبر الورقة مشتركة على الأخص غذا كانت محررة لمصلحة الخصمين أو كانت مثبتة لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة([31]) (3) إذا استند إليها خصمه فى أية مرحلة من مراحل الدعوى([32]) )) . وأولى هذه الحالات ـ حالة ما إذا كان القانون يجيز المطالبة بتقديم الورقة أو تسليمها ـ مثلها ما نصت عليه المادة 16 من التقنين التجارى من أنه (( لا يجوز للمحكمة فى غير المنازعات التجارية أن تأمر بالاطلاع على الدفترين المتقدم ذكرهما ( اليومية والمراسلات ) ولا على دفتر الجرد إلا فى مواد الأموال المشاعة أو مواد الشركات وقسمة الشركات وفى حالة الافلاس . وفى هذه الأحوال يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالاطلاع على تلك الدفاتر )) . فهذا نص يجيز فى أحوال معينة فى المنازعات التجارية وبعض المنازعات المدنية وهو الشيوع والتركة وقسمة الشركات والافلاس ـ أن تأمر المحكمة من تلقاء نفسها بتقديم الدفاتر التجارية والاطلاع عليها لاثبات حق مدعى به ، ولكن النص محدود ـ كما نرى ـ من حيث الأحوال التى يجوز فيها الأمر بتقديم المستند ومن حيث نوع المستند ذاته . فهو لا ينطبق إلا على بعض الدفاتر التجارية . وكذلك نصت المادة 18 من التقنين التجارى على أنه ((يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها فى أثناء الخصومة بتقديم الدفاتر لتستخرج منها ما يتعلق بهذه الخصومة )) . فهذا نص آخر يجيز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها ، فى جميع المنازعات التجارية والمدنية ، بالاطلاع على جميع الدفاتر التجارية . وهذا النص ، وإن كان مطلقاً من ناحية الأحوال التى $44يجوز فيها الأمر بتقديم المستند ومن حيث نوع المستند ، إلا إنه محدود من حيث الغرض من تقديم المستند . فهذا الغرض مقصور على أن تطلع المحكمة ـ دون أن تطلع الخصوم كما هى الحال فى شأن المادة 16 المتقدمة الذكر ـ على دفاتر التجار لا فى جميع أجزائها بل فى الجزء الذى وردت فيه البيانات المتعلقة بالخصومة . وسنعود إلى المادتين 16 و 18 من التقنين التجارى ببيان أوفى عند الكلام فى دفاتر التجار كطريق من طرق الإثبات .

       وتحدد المادة 254 من تقنين المرافعات البيانات الواجب ذكرها فى الطلب الذى يتقدم به الخصم لإلزام خصمه بتقديم الورقة الواجب تقديمها ، فتقول : (( يجب أن يبين فى هذا الطلب : (1) أوصاف الورقة التى تعينها (2) فحوى الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل (3) الواقعة التى يستشهد بها عليها (4) الدلائل والظروف التى تؤيد أنها تحت يد الخصم (5) وجه إلزام الخصم بتقديمها )) . وتبين المادة 256 من تقنين المرافعات النتيجة التى ينتهى إليها الطالب فى حالة القدرة على إثبات صحة طلبه وفى حالة العجز عن هذا الإثبات على الوجه الآتى : (( إذا أثبت الطالب طلبه أو أقر الخصم بأن الورقة فى حوزته أو سكت ، أمرت المحكمة بتقديم الورقة فى الحال أو فى أقرب موعد تحدده . وإذا أنكر الخصم ولم يقدم الطالب إثباتاً كافياً لصحة الطلب ، وجب أن يحلف المنكر يميناً بأن الورقة لا وجود لها أو أنه لا يعلم وجودها ولا مكانها وأنه لم يخفها أو لم يهمل البحث عنها ليحرم خصمه من الاستشهاد بها )) . وتذكر المادة 257 من تقنين المرافعات جزاء عدم تقديم الورقة أو الامتناع عن حلف اليمين ، فتقول : (( إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة فى الموعد الذى حددته المحكمة أو امتنع عن حلف اليمين المذكورة ، اعتبرت صورة الورقة التى قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها ، فان لم يكن خصمه قد قدم صورة من الورقة جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكلها أو بموضوعها )) . وقد سبق أن أوردنا هذا النص كحالة يجوز فيها أن يتمسك الشخص بدليل صدر منه هو . وتجرى المادة 259 من تقنين المرافعات الأحكام السابقة على إلزام الغير بتقديم ورقة تحت يده على النحو الآتى : (( يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى ، ولو أمام محكمة الاستئناف ، أن تأذن فى إدخال الغير لإلزامه بتقديم ورقة تحت يده ، وذلك فى الأحوال ومع مراعاة الأحكام والأوضاع المنصوص عليها فى المواد السابقة )) .

   $45وهذه النصوص كلها مستحدثة فى تقنين المرافعات الجديد ، وقد أخذت عن تقنين المرافعات الألمانى ( م 386 وما بعدها ) وعن تقنين المرافعات التركى (م 326 وما بعدها)([33]) . وهى على كل حال أضيق فى نطاقها من دعوى العرض التى حذف نصها من مشروع التقنين المدنى . فهى لا تجيز إلزام الخصم أو الغير بتقديم ورقة تحت يده هى مستند فى الدعوى إلا فى أحوال ثلاث ذكرتها المادة 253([34]) . أما نص مشروع التقنين المدنى المحذوف فقد كان يجيز إلزام الخصم أو الغير بتقديم المستند الذى فى حوزته حتى فى غير هذه الأحوال الثلاث ، متى ثبت أن فحص هذا المستند ضرورى للبت فى الحق المدعى به ، ويرجع تقدير هذه الضرورة إلى القاضى . هذا إلى أن النص المحذوف عام يتناول المستندات وسائر الأشياء الأخرى . (( فيجوز مثلا ـ كما جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى([35]) ـ لمالك الشئ المسروق أن يطالب من يشتبه فى حيازته له بعرضه عليه ليتثبت من ذاتيته . ويجوز كذلك لوارث المهندس أن يطلب تمكينه من معاينة الترميمات التى أجراها مورثه حتى يتسنى له أن يعين مدى حقف فى الأجر بعد أن آل إليه هذا الحق من طريق الميراث . فإذا كان الشئ الذى يطلب عرضه سنداً أو وثيقة فيلاحظ أمران : أولهما أن فحص الوثيقة قد يكون ضرورياً لا للبت فى وجود الحق المدعى به وتعيين مداه ، بل لمجرد الاستناد إليها فى إثبات  $46  حق للطالب . والثانى أن للقاضى أن يأمر عند الاقتضاء بتقديم الوثيقة للمحكمة لا مجرد عرضها على الطالب . فيجوز مثلا لمشترى الأرض ، إذا تعهد بالوفاء بما بقى من ثمن آلة زراعية ملحقة بها ، أن يطلب عرض الوثائق الخاصة بتعيين القدر الواجب أداؤه من هذا الثمن . ويجوز كذلك لموظف يدعى أنه عزل تعسفياً أن يطلب تقديم ملف خدمته للقضاء ليستخلص منه الدليل على التعسف )) .

       وإذا كانت نصوص تقنين المرافعات الجديد ضيقة من حيث نطاقها ، فهى على العكس من ذلك واسعة من حيث ترتب الجزاء عليها ، وقد رأينا أن الخصم أو الغير إذا لم يقم بتقديم الورقة اعتبرت صورة الورقة التى قدمها الخصم المدعى صحيحة مطابقة لأصلها ، فان لم يكن هذا قد قدم صورة الورقة جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكلها أو بموضوعها . وهذا أقص جزاء يمكن أن يترتب على الشخص إذا أخل بالتزامه القانون من تقديم مستند تحت يده .


([1]) وقد ثار ابن القيم الجوزية على تحديد الفقهاء للأدلة فى الإثبات جامداً وتقيدهم بشهادة الشهود وأخذهم بها دون القرائن والأدلة الأخرى ، ونادى بوجوب ترك الإثبات حراً ، (( فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأى طريق كان فثم شرع الله )) . قال فى أعلام الموقعين : (( إن الشارع فى جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التى هى أدلة عليه وشواهد له ، ولا يرد حقاً متى ظهر بدليله أبداً ، فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها ، ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة فى تخصيصه مع مساواة غيره له فى ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه ، كترجيح شاهد الحال على مجرد البينة فى صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامه وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثرهولا عادة له بكشف راسه ، فبينة الحال ودلالته هنا تفيد ظهور صدق المدعى أضعاف ما يفيد مجرد البينة عند كل أحد . فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة ، ويضيع حقاً يعلم كل أحد ظهوره وحرمته . بل لما ظن هذا من ظنه ضعيوا طريق الحكم ، فضاعكثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين ، وصار الظالم الفاجر ممكناً من ظلمه وفجوره : فيفعل ما يريد ويقول يقوم على بذلك شاهدان أثنان ، فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده )) . ثم قال فى الطرق الحكمية (( فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأى طريق كان ، فثم شرع الله ودينه ، والله سبحانه علم  وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشئ ثم ينفى ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين اشارة ، فلا يجعله منها ، ولا يحكم عند وجودها بموجبها ، بل قد بين سبحانه وتعالى بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده ، وقيام الناس بالقسط ، فأى طريق ستخرج بها العدل والقسط فهى من الدين ليست بمخالفة له )) .

([2]) الموجز للمؤلف ص 647 .

([3]) وكذلك كان الأمر فى الصدر الأول من القانون الفرنسى القديم ، فكان شهادة الواحد لا تصلح testis unus. Testis nullus ـ انظر بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2192 .

([4]) انظر القوانين الفقهيه لإبن جزى ص 309 ـ ص 310 .

([5]) الموجز للمؤلف ص 647

([6]) الحياد هنا ليس معناه عدم التحيز (impartialite) ـ فإن هذا واجب بداهة على القاضى ـ بل معناه أن يقف القاضى موقفاً سلبياً من كلا الخصمين على حد سواء (neutralite) (بيدان وبرو 9 فقرة 1151 ، ص 218 ) .

([7]) ديموج فى الأفكار الرئيسية فى القانون الخاص (Notions fondamentales du droit prive) الفصل السابع ص 534 ـ ص 541 .

([8]) الموجز للمؤلف ص 647 ـ ص 648 .

([9]) أنظر المذكرة التفسيرية لتقنين المرافعات الجديد . وأنظر الدكتور أحمد أبو الوفا فى المرافعات المدنية والتجارية ص 29 ، والدكتور عبد المنعم أحمد الشرقاوى فى شرح المرافعات المدنية والتجارية ص 10 ـ ص 11 .

([10]) فلا يجوز للقاضى أن يستند إلى أوراق عثرت عليها النيابة العامة دون أن يثبت أن هذه الأوراق قد عرضت على الخصوم لمناقشتها ( لارومبير 5 م 1316 فقرة 10 ـ ديمولومب 29 فقرة 200 ـ بودرى وبارد 3 فقرة 2056 ـ نقض فرنسى 20 نوفمبر سنة 1889 داللوز 90 ـ 1 ـ 54 ) . ولا يجوز للمحكمة أن تعتد بكتاب أرسل إلى رئيسها ولم يعرضه الرئيس على الخصوم لمناقشته ( نقض فرنسى 23 أبريل سنة 1902 داللوز 1903 ـ 1 ـ 368 ) ولا بتحقيق جنائى لم تناقشه الخصوم ( نقض فرنسى 29 يوليه سنة 1903 داللوز 1903 ـ 1 ـ 448 ) . ولكن يجوز لمحكمة الاستئناف ، دون أن تفحص من جديد الدليل الذى سبق أن فحصته محكمة أول درجة ، أن تستخلص من هذا الدليل نتيجة غير النتيجة التى استخلصتها هذه المحكمة الأخيرة ( أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 99 ) .

([11]) كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 721 ص 488 . أنظر فى هذه المسألة ـ مناقشة الخصوم للأدلة ـ من ناحية التطور التاريخى رسالة الدكتور محمد صادق فهمى فى الاثبات فى القانون المقارن ص 239 ـ ص 247.

([12]) نقض فرنسى 20 نوفمبر سنة 1889 داللوز 90 ـ 1ـ 54 ( سبقت الإشارة إليه ) ـ 22 فبراير سنة 1897 داللوز 98 ـ 1 ـ 114 ـ 23 أبريل سنة 1902 داللوز 1903 ـ 1 ـ 368 ( سبقت الإشارة إليه ) . انظر الأستاذ عبد الباسط جميعى فقرة 90 .

([13]) ويقول بارتان ( أوبرى ورو 12 فقرة 749 ص 74 حاشية رقم 8 ter) إنه لو سمح للقاضى أن يتدخل فى الإثبات وأن يأتى من عنده بأدلة لم تقدمها الخصوم ، لخشى أن يعدل من طلبات المدعى أو أن يحور فيها ، وليست هذه مهمة القاضى فإذا ما أتى القاضى بأدلة من عنده ، ورضى الخصوم أن يناقشوها ، ونزلوا عن حقهم فى الاعتراض ، كان هذا بمثابة اتفاق بين الخصمين ، وهو جائز فى صورة صرحية فيجوز فى هذه الصورة الضمنية ( ص 76 حاشية رقم 8 sexies) . وحتى الواقعة المعروفة بالشهرة العامة (commune renommee)  لابد فيها من إثبات الشهرة العامة وحدها كما يقول أوبرى ورو ( 12 فقرة 749 ص 77 حاشية رقم 9 ) . انظر أيضاً كولان وكابيتان ومورانديبر 2 ص 488 .

([14]) ولكن هذا لايمنع من أن يستعين القاضى فى قضائه بما هو مقروف بين الناس ولا يكون علمه خاصاً به مقصوراً عليه ، وذلك كالمعلومات التاريخية والجغرافية والعلمية والفنية الثابتة ، فله أن يتسعين فى قضائه بما هو معروف من أن الأراضى فى مصر قد أصبحت مملوكة لأصحابها رقبة ومنفعة بعد أن كانت أراضى خراجية وذلك منذ عهد سعيد باشا . وبما هو معروف من أن رى الحياض لا يكون إلا دورة زراعية واحدة ، وبأن ثمن القطن كان منخفضاً فى أوقات مرتفعاً فى أوقات أخرى ( أنظر الأستاذ عبد الباسط جميعى ص 73 والأحكام التى اشار إليها والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ص 16 ) .

       وانظر فى جواز أن يقضى القاضى بعلمه فى الفقه الإسلامى عند المتقدمين ( فى غير الحدود الخالصة ) وفى عدم جواز ذلك إطلاقاً عند المتأخرين الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ص 33 ت ص 42 .

([15]) وقطع فى ذلك أن القاضى الجنائى ، ودوره فى الإثبات إيجابى إلى حد بعيد فلا يعتبر محايداً ، ممنوع مع ذلك من القضاء بعلمه ، كما لاحظ ذلك بحق الأستاذ عبد الباسط جميعى فى كتابه ((نظام فى الإثبات القانون المدنى المصرى )) ( ص 78 ) .

([16]) أنظر طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية للاستاذ أحمد إبراهيم ص 235 ونظام الإثبات فى القانون المدنى المصرى للأستاذ عبد الباسط جميعى ص 93 .

([17]) على أن الورقة قد تكون صادرة من الخصم فيستند إليها الخصم الآخر ، وفى هذا الاستناد إقرار من هذا الخصم الآخر بصحة ما جاء بالورقة ، ومن ثم يجوز للخصم الأول ان يحتج بها بالرغم من أنها صادرة منه هو ( نقض مدنى 22 مايو سنة 1941 المحاماة 22 ص 250 ـ نظام الإثبات فى القانون المدنى المصرى للأستاذ عبد الباسط جميعى ص 93 .

([18]) انظر فى هذا المعنى استئناف مصر 6 ديسمبر سنة 1911 المحاماة 2 رقم 69 ص 222 ـ 30 مايو سنة 1932 المحاماة 13 رقم 211 ص 418 ـ استئناف مختلط 10 يونية سنة 1915 م 27 ص 402 .

([19]) انظر الفقرة الأولى من المادة 388 من مشروع التقنين المدنى الجديد ، وكان نصها يجرى على الوجه الآتى : (( يعتبر الشرط قد تحقق إذا كان الطرف الذى له مصلحة فى أن يتخلف قد حال بطريق الغش دون تحققه )) . وقد حذفت فى لجنة المراجعة لإمكان استخلاص حكمها من القواعد العامة . وانظر أيضاً المادة 1178 من التقنين المدنى الفرنسى وبلانيول وريبير وجابولد 7 فقر 1411 ص 834 .

([20]) ديموج 3 ص 347 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1411 ص 834.

([21]) ويرجع أصل هذه الدعوى إلى القانون الرومانى ، منذ عهد الألواح الاثنى عشر على قول ( أكارياس Accqrias فى القانون الرومانى 2 ص 876 ) ، وفى آخرعهد الجمهورية على قول آخر ( جيرار Girard الطبعة الثالة ص 629 هامش رقم 2 ) ـ وانتقلت الدعوى فى العصور الوسطى إلى القانون الكنسى (droit canonique) وإلى بعض قوانين العادات (droits coutumiers) فى فرنسا . ولم يرد فى شأنها نص عام فى التقنين المدنى الفرنسى ، ولكن وردت بعض نصوص تشريعية متفرقة فى بعض تطبيقاتها التفصيلية . من ذلك الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 842 من التقنين المدنى الفرنسى فيما يتعلق بمستندات العين المقسومة التى توجد فى يد أحد الشركاء المتقاسمين ، ومن ذلك المواد من 14 إلى 17 من التقنين التجارى الفرنسى فيما يتعلق بتقديم دفاتر التجار الاطلاع عليها ـ ولكن الفقه والقضاء فى فرنسا يميلان إلى تعميم هذه التطبيقات على حالات أخرى لم ينص عليها ( ديموج 3 فقرة 211 ـ ديموج فى المجلة الفصلية للقانون المدنى سنة 1921 ص 740 وسنة 1928 ص 898 ـ ديمونتيس Demontes فى دعوى العرض فى القانون الحديث رسالة من باريس سنة 1922 ـ جلاسون وتيسييه وموريل ، فقرة 594 ـ موريل فقرة 479 ـ بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2171 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1412 ص 835 ـ ص 836 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1175 ـ نقض فرنسى 17 يونية سنة 1879 سيريه 1881 ـ 1 ـ 116 ـ 22 ديسمبر سنة 1897 داللوز ـ ا ـ 85 ـ 19 فبراير سنة 1907 سيريه 1907 ـ 1 ـ 271 ـ 16 مارس سنة 1921 مجلة القانون المدنى 1921 ص 740) .

([22]) وذلك كمحاضر الجرد وعقود القسمة وتصفية التركات والأموال المشتركة وعقود الوكالة والشركات ( بيدان وبرو 9 فقرة 1175 ص 247 ـ ص 248 .

([23]) محكمة رن 14 يونية سنة 1928 المجلة الفصلية للقانون المجنى 1928 ص 898 . أنظر كذلك القضاء البلجيكى : بروكسل 6 مارس سنة 1863 باسيكريزى 1863 ـ 96 ـ لييج 4 أبريل سنة 1868 باسيكريزى 1868 ـ 219 . ويذهب كل من القضاء الفرنسى والقضاء البلجيكى إلى أن المبدأ القاضى بألا يجبر الخصم على تقديم مستند ضد نفسه (Nemo tenetur edere contra se) لا يجوز أن يتخذ ستاراً للحيلولة دون العدالة ولتحقيق أغراض ذاتية . ويقول بيدان وبرو فى هذه المناسبة إن الاحتماء بالمبدأ على هذا الوجه يعد ضرباً من التعسف (abus des droits) (بيدان وبرو 9 فقرة 1175 ص 248) .

([24]) وكوجوب عدم انتهاك حرمة الرسائل ووجوب الامتناع عن الإضرار بالغير . وفى هذه الحدود لا يجوز للشخص الامتناع عن تقديم مستند أمره القضاء بتقديمه ، وإلا جاز الحكم عليه بغرامة تهديدية (astreinte) ، بل نمجاز الحكم ضده فى الدعوى (نقض فرنسى 15 يولية سنة 1901 داللوز 1901 ـ 1 ـ 499 ـ بيدان وبرو 9 فقرة 1175 ص 248 ـ ص 249 ) .

([25]) ويجوز كذلك إجبار الغير على تقيدم مستند تحت يده إذا كان هذا الغير شخصاً يقوم بوظيفة عامة وذلك كمسجلى الحالة المدنية (officiers de l`etat civil) وحافظى الرهون (conservateurs des hypotheques) وموثقى العقود (notaries) ، ويترك ذلك لتقدير القضاء . أما الأفراد الأجانب عن الخصومة فيجوز كذلك إجبارهم إذا ثبت ضدهم غش أو تدليس أو كانوا شهوداً فى الدعوى . هذا إلى أن الفرد الذى يمتنع دون حق عن تقديم مستند فى يده يفيد العدالة يكون مسئولا عن تعويض الضرر الذى يحدثه بمقتضى المادة 1382 من التقنين المدنى الفرنسى ( بيدان وبرو 9 فقرة 1176 ـ فقرة 1177 ) .

([26]) وقد قضت محكمة النقض بأنه (( لا يجبر خصم على أن يقدم دليلا يرى أنه ليس فى مصلحته ، فإن من حق كل خصم أن يحتفظ بأوراقه الخاصة به ، وليس لخصمه أن يلزمه بتقديم مستند يملكه ولا يريد تقديمه )) ( نقض مدنى 11 أبريل سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 50 ص 160 ـ وانظر حكماً آخر فى 2 أبريل سنة 1936 مجموعة عمر 1 ص 1083 ) . وقضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا قدم خصم فى دعوى على الحكومة ورقة قال إنها صورة غير رسمية من أحد الخطابات المتبادلة بين إحدى مصالح الحكومة ووزارة المالية ، جاز للحكومة أن تطلب من المحكمة أن تأمر باستبعادها من دوسيه الدعوى ، لأنه غذا كان لا يجوز إلزام الحكومة إلى تقديم الأصل الخالف للصورة ( محكمة الاستئناف 6 ديسمبر سنة 1911 المحاماة 2 رقم 69 ص 222 ) وقضت محكمة الموسكى بأنه لا يجوز إعطاء صور التلغرافات للغير لأنها معتبرة من الأوراق الخصوصية ( محكمة الموسكى 19 مايو سنة 1925 المحاماة 6 رقم 114 ص 164 ) .

([27]) وقد قضت محكمة النقض بان (( إذا طلب الخصم تكليف خصمه بتقديم ورقة تحت يده مدعياً أن له حقاً فيها وامتنع عن تقيدمها فهذا الامتناع إنما يكون محل اعتبار من المحكمة بحسب دلالته المحتملة وبغير غلزام من القانون بعده حتما تسليماً بقول الطالب ( نقض مدنى 11 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 285 ص 563 . وانظر أيضا استئناف مختلط 10 يونية سنة 1914 م 27 ص 402 ـ 16 ديسمبر سنة 1941 م 54 ص 22 ) .

([28]) وقد قضت محكمة النقض بأنه (( إذا كانت محكمة الموضوع قد اتخذت إجراء من إجراءات تحضير الدعوى بأن كلفت أحد الخصوم بتقديم ورقة من الأوراق ، فلم يقدمها وادعى عدم وجودها عنده ، فإن لها أن تحكم فى موضوع الدعوى لمصلحة الخصم الذى يرجح لديها أنه هو المحق ز وبحسبها أن تكون قد دونت فى حكمها حجج الطرفين ، واعتمدت فى ترجيح ما رجحته منها على أسباب معقولة ، ليكون حكمها بعيداً عن رقابة محكمة النقض ، لأن الاجتهاد فى ذلك كله داخل فى فهم الواقع فى الدعوى مما لا شأن فيه للقانون ( نقض مدنى 2 أبريل سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 342 ص 1082 ) .   

([29]) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا امتنع الخصم من تقديم مستند ـ كمحضر جرد تركة ـ بعد تكليف المحكمة له بتقديمه ، وأصبح من المستحيل بسبب هذا الامتناع الاطلاع على هذا المستند ، اعتبر خصمه قد أقام الدليل على ما كان يطلب إثباته من واقع هذا المستند ( استئناف مختلط 10 ديسمبر سنة 1941 م 54 ص 22 ) .

([30]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى شأن هذا النص ما يأتى : (( يدخل الالتزام بتقديم شئ فى نطاق الالتزامات المقررة بنص القانون . ويقتضى ترتيب هذا الالتزام اجتماع شروط ثلاثة : (ا) أولها أن يدعى شخص بحق يتعلق بشئ ، شخصياً كانالحق او عينياً . (ب) والثانى أن يكون الشئ المدعى به فى يد شخص آخر على سبيل الحيازة أو الإحراز ، سواء أكان هذا الشخص خصما فى الدعوى أم لم يكن خصما فيها . (ج) والثالث أن يكون فحص الشئ ضرورياً للبت فى الحق المدعى به من حيث وجوده ومداه . ويرجع تقدير هذه الضرورة غلى القاضى … فإذا اجتمعت الشروط المتقدم ذكرها ، جاز للقاضى أن يأمر بعرض الشئ أو الوثيقة المطلوبة ، إلا أن يتمسك المدين بمصلحة مشروعة أو سبب قوى للامتناع ، كالحرص على حرمة سر عائل مثلا . والأصل فى العرض أن يحصل حيث يوجد الشئ وقت رفع الدعوى ز ولكن يجوزللقاضى أن يحكم بغير ذلك كما هو الشأن فى تقديم الشئ أمام القضاء . وتكون نفقات العرض على نفقة من يطلبه . ويجوز إلزامه ، إذا رأى القاضى ذلك ، بتقديم تأمين لضمان تعويض ما قد يصيب محرز الشئ من ضرر من وراء هذا العرض )) ( مجموعة الأعمال الحضيرية 2 ص 491 ـ ص 492 فى الحاشية ) . 

([31]) وقد قضت محكمة النقض بأن قاعدة أنه لا يجوز إلزام خصم بتقديم مستندات لخصمه ولا يجوز انتقال المحكمة للاطلاع عليها إلا إذا كانت هذه المستندات رسمية لا تنطبق فى حالة ما إذا كانت الورقة مشتركة بين الطرفين بأن كانت مثبتة لالتزامات متبادلة بينهما ( نقض مدنى 8 فبراير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 61 ص 320 ) .

([32]) ومن أجل ذلك نصت المادة 258 من تقنين المرافعات على أنه (( إذا قدم الخصم ورقة للاستدلال بها فى الدعوى ، فلا يجوز له سحبها بغير رضاء خصمه إلا بإذن كتابى من القاضى أو رئيس الدائرة )) .

([33]) انظر شرح المرافعات المدنية والتجارية للدكتور عبد المنعم أحمد الشرقاوى ص 456 ـ ص 460 وكتاب المرافعات المدنية والتجارية للدكتور أحمد أبو الوفا ص 492 ـ ص 494 .

([34]) ويكون الأمر مع ذلك أيضاً متروكاً لتقدير القاضى ، فله أن يرفض طلب تقديم الورقة ، ولو فى إحدى هذه الحالات الثلاث ، إذا تبين له عدم جدية الطلب . وقدقضت محكمة النقض بأنه وإن كانت المادة 253 من تقنين المرافعات تجيز للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده إذا توافرت إحدى الأحوال الثلاث الواردة فيها ، إلا أن الفصل فى هذا الطلب باعتباره متعلقاً بأوجه الإثبات متروك لتقدير قاضى الموضوع ، فله أن يرفضه إذا تبين له عدم جديته ، وإذن فى كانت المحكمة ، إذ رفضت إجابة طلب الطاعن بإلزام المطعون عليه بتقديم دفاتر الوقف لإثبات وفائه للأجرة التى ادعى أنه قام بدفعها ، قد قررت ، بالأدلة المبررة التى أوردتها وبمالها من سلطة التقدير الموضوعية فى هذا الخصوص ، أنه طلب غير جدى ، فإن النعى عليها بمخالفة القناون يكون على غير أساس ( نقض مدنى 11 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام محكمة النقض 4 رقم 29 ص 183 ) .

([35]) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 491 ـ ص 492 فى الحاشية .

نقلا عن محامي أردني

متى يمكن التمسك بالدفع بعدم تنفيذ العقد

متى يمكن التمسك بالدفع بعدم تنفيذ العقد

494 – نطاق الدفع بعدم التنفيذ ونطاق الحق في الحبس : جعل القانون الجديد الحق في الحبس هو الأصل ، وجعل الدفع بعدم التنفيذ هو تطبيق هذا الأصل في دائرة العقود الملزمة للجانبين ( [1] ) .

فالأصل إذن هو الحق في الحبس . قررته المادة 246 مبدأ عاماً ، فجرت على الوجه الآتي :

 ” 1 – لكل من ألتزم بأداء شيء أن يمتنع عن الوفاء به ، مادام الدائن لم يعرض الوفاء بالتزام مترتب عليه بسبب التزام المدين ومرتبط به ، أو مادام الدائن لم يقم بتقديم تامين كاف للوفاء بالتزامه هذا ” .

 ” 2 – ويكون ذلك بوجه خاص لحائز الشيء أو محرزه ، إذا هو أنفق عليه مصروفات ضرورية أو نافعة ، فان له أن يمتنع عن رد هذا الشيء حتى يستوفي ما هو مستحق له ، إلا أن يكون الالتزام بالرد ناشئا عن عمل غير مشروع ” .

فالنص يفترض شخصين ، كل منهما دائن للأخر ومدين له ، والتزام كل منهما مترتب على التزام الآخر ومرتبط به . فيكون هذا الارتباط أساساً للحق في الحبس . فمن حاز بعقد أو بغير عقد شيئاً مملوكاً للغير ، كالمودع عنده والمستعير والمرتهن رهن حيازة والمغتصب والحائز بحسن نية ، وأنفق عليه مصروفات ضرورية أو نافعة ، كان له أن يرجع بهذه المصروفات على الوجه الذي بينه القانون . ومن ثم يوجد حائز الشيء ومالكه . والحائز مدين للمالك يرد الشيء ودائن له باسترداد المصروفات . والارتباط واضح ما بين الالتزام برد الشيء والالتزام باسترداد المصروفات . لذلك يجوز للحائز أن يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يتقاضى من المالك حقه . وهذا هو الحق في الحبس . وهو بهذا العموم يتسع ليدخل في نطاقه الدفع بعدم تنفيذ العقد . فالبائع مدين بتسليم المبيع ودائن بالثمن ، فمن حقه أن يحبس العين حتى يستوفى الثمن . وهذا تطبيق للحق في الحبس في عقد ملزم للجانبين ، وهو في الوقت ذاته تطبيق للدفع بعدم تنفيذ العقد ( [2] ) .

ومن ثم يكون الدفع بعدم التنفيذ فرعاً عن الحق في الحبس . فحيث يطبق الحق في الحبس في نطاق العد الملزم للجانبين كان هذا هو الدفع بعدم التنفيذ . فإذا خرج عن هذا النطاق عاد حقاً في الحبس لا دفعاً بعدم تنفيذ العقد . فالحبس للمصروفات الضرورية أو النافعة في عقود العارية والوديعة ورهن الحيازة وفي غير عقد أصلاً لا يكون دفعاً بعدم التنفيذ بل حقاً في الحبس . وإذا زال العقد بسبب البطلان أو الفسخ أو بأي سبب آخر ، وتعين على كل من المتعاقدين أن يرد ما استولى عليه ، جاز لكل منهما أن يحبس ما أخذه ما دام المتعاقد الآخر لم يرد إليه ما تسلمه منه أو يقدم ضماناً لهذا الرد . وهذا هو أيضاً حق في الحبس لا دفع بعدم التنفيذ لأن العقد قد زال ( [3] ) .

فالدفع بعدم التنفيذ ، كالفسخ ، محصور إذن في العقود الملزمة للجانبين ، وقد صرحت بذلك المادة 161 التي تقدم ذكرها ( [4] ) .

495 – الالتزام الذي يدفع بعدم تنفيذه يجب أن يكون واجب التنفيذ حالا : ولا يكفي أن يكون هناك عقد ملزم للجانبين ، بل يجب أيضاً أن يكون الالتزام الذي يدفع بعدم تنفيذه التزاماً واجب التنفيذ حالاً .

فالدفع بعدم تنفيذ التزام طبيعي – كما إذا سقط بالتقادم أحد الالتزامين المتقابلين في عقد ملزم للجانبين – لا يجوز ، لأن في هذا إجباراً بطريق غير مباشر على تنفيذ التزام طبيعي غير واجب التنفيذ .

كذلك لا يجوز الدفع بعدم تنفيذ التزام مدني غير حال . فالبائع لا يستطيع أن يحبس العين لعدم استيفاء الثمن إذا كان الثمن مؤجلا ، إلا إذا كان الأجل قد سقط طبقاً لأحكام المادة 273 ( أنظر المادة 459 ) . ولا يمنع حلول الالتزام أن يكون القاضي قد منح المدين نظرة الميسرة ( delai de grace ) ، فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المشتري حتى لو منح القاضي للمشتري أجلا لدفع الثمن ، ولا يمتنع الحبس إلا إذا كان الأجل ثابتاً باتفاق الطرفين ( [5] ) . أما إذا كان العقد يوجب على أحد المتعاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل المتعاقد الآخر ، فلا يحق له أن ينتفع من هذا الدفع إذ يتعين عليه أن يفي بما التزم به دون أن ينتظر وفاء المتعاقد الآخر ( [6] ) .

المبحث الثاني

كيف يمكن التمسك بالدفع بعدم تنفيذ العقد

496 – عدم ضرورة الإعذار : لا يحتاج المتمسك بالدفع إلى إعذار المتعاقد الآخر قبل أن يتمسك بالدفع وهذا بخلاف المطالبة بفسخ العقد فإن الإعذار قبلها واجب على التفصيل الذي بيناه فيما تقدم . على أن التمسك بالدفع معناه امتناع المتمسك عن تنفيذ التزامه ، وفي هذا إعذار كاف للمتعاقد الآخر بوجوب تنفذ الالتزام الذي في ذمته ( [7] ) . وقد يكون الإعذار واجباً لا للتمسك بالدفع ، بل لتوليد الالتزام الذي يخول عدم تنفيذه حق التمسك بالدفع ، كما إذا كان هذا الالتزام هو التزام بتعويض عن التأخر لا ينشأ إلا بالاعذار طبقاً للقواعد العامة .

497 – ترك الأمر إلى تقدير المتمسك بالدفع تحت رقابة القضاء : ويترك الدفع بعدم التنفيذ لتقدير المتعاقد الذي يتمسك به ، وذلك بخلاف الفسخ فقد تقدم أنه موكول لتقدير القضاء . ذلك أن الدفع بعدم التنفيذ أقل خطراً من الفسخ ، فهو لا يحل العقد ، بل يقتصر على وقت تنفيذه .

على أن الدفع بعدم التنفيذ قد يكون مرده في آخر الأمر إلى القضاء . ذلك أنه إذا تمسك أحد الطرفين بالدفع وامتنع عن تنفيذ التزامه ، فإن الطرف الآخر يستطيع أن يرفع الأمر إلى القضاء ، وللقاضي تقدير موقف من يتمسك بالدفع فيقره أو لا يقره . ويتبين من ذلك أنه إذا لم يلجأ المتمسك بالدفع إلى القضاء منذ البداية ، فذلك يرجع في الواقع إلى أنه يتمسك بدفع لا بدعوى ، وطبيعة الدفع تجعل المتمسك به في غير حاجة إلى رفع دعوى ، بل هو الذي ترفع عليه الدعوى فيتمسك عند ذلك بالدفع .

فالتمسك بالدفع يمر إذن على دورين : الدور الأول وهو دور غير قضائي يمتنع فيه المتمسك بالدفع عن تنفيذ التزامه ، وهذا مجرد امتناع لا يحتاج فيه إلى عمل ايجابي . والدور الثاني وهو الدور القضائي لا يتحقق إلا إذا رفع المتعاقد الآخر دعوى يطلب فيها تنفيذ التزام المتعاقد الأول . ففي هذا الدور تتحقق رقابة القضاء . فإذا اقر القاضي المتمسك بالدفع على دفعه ، فإن هذا لا يمنعه من الحكم عليه بالتنفيذ ، ولكن يقرن الحكم بشرط هو أن يقوم المدعى بتنفيذ التزامه في الوقت ذاته . وقد يأخذ الدفع صورة أشكال في التنفيذ إذا ما أراد المحكوم له تنفيذ الحكم قبل أن يقوم بتنفيذ التزامه .

498 – تمسك كل ، المتعاقدين بالدفع : وقد يتمسك كل من المتعاقدين بالدفع ويمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يقوم المتعاقد الآخر بالتنفيذ . فإذا رفع أحدهما دعوى على الآخر يطالبه بالتنفيذ ، حكم القاضي على المدعى عليه بأن ينفذ التزامه بشرط أن يقوم المدعى من جانبه بتنفيذ التزامه .

498 – تمسك كل من المتعاقدين بالدفع : وقد يتمسك : لمن المتعاقدين بالدفع ويمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يقوم المتعاقد الآخر بالتنفيذ . فإذا رفع أحدهما دعوى على الآخر يطالبه بالتنفيذ ، حكم القاضي على المدعى عليه بأن ينفذ التزامه بشرط أن يقوم المدعى من جانبه بتنفيذ التزامه .

وتجوز الاستعانة بإجراءات العرض الحقيقي لمعرفة المتخلف عن الوفاء من المتعاقدين ( [8] ) . فإذا تبين القاضي أن أحد المتعاقدين متعنت ، فإن كان المدعى رفض دعواه ، وإن كان المدعى عليه حكم عليه بالتنفذ دون شرط . أما إذا كان كل من المتعاقدين متعتناً ، أو ظهر ألا أحد مهما متعنت ولكن لا يثق أحدهما بالآخر ، ولم يلجأ أحد لإجراءات العرض الحقيقي ، لم يبق للخلاص من هذا الموقف إلا أن يحكم القاضي بأن يودع كل من المتعاقدين ما التزم به في خزانة المحكمة أو تحت يد شخص ثالث ، وفي هذا ما يجعلهما ينفذان التزاميهما في وقت واحد .

المبحث الثالث

ما يترتب من الأثر على الدفع لعدم تنفيذ العقد

أ – فيما بين المتعاقدين :

499 – وقف التنفيذ في غير الالتزام بتسليم عين : إذا توافرت شروط الدفع بعدم التنفيذ ، فإن المتمسك بالدفع لا يجبر على تنفيذه التزامه ، بل يبقى هذا الالتزام موقوفاً ، دون أن يزول كما في الفسخ .

فإذا كان الالتزام الموقوف هو التزام بنقل حق عيني ، كالتزام البائع بنقل الملكية ، كان البائع أن يمتنع عن مساعدة المشتري في تسجيل العقد حتى لا تنتقل الملكية إليه ، وإذا كان التزاماً بعمل ، كالتزام المقاول بإقامة مبنى ، كان للمقاول أن يتوقف عن أعمال البناء . وإذا كان التزاماً بامتناع عن عمل كتعهد تاجر بالكف عن مباشرة التجارة في حي معين منعاً للمزاحمة ، كان للتاجر أن يستمر في مباشرة التجارة في هذا الحي .

ويلاحظ في الالتزام بالامتناع عن عمل أن هناك أحوالاً لا يتصور فيها وقف الالتزام ، كما إذا تعهد ممثل أو مغن أن يمتنع عن أحياء حفلة معينة لقاء مبلغ من المال . فإذا تأخر المدين عن دفع هذا المال ، فإنه لا يسع الدائن إلا خرق هذا الالتزام فيحيي الحفلة إذا استطاع ذلك ، ويكون هذا فسخاً للعقد لا وقفاً له ، لأن طبيعة الالتزام لا تتحمل الوقف . وهذا الحكم ينطبق أيضاً في الالتزام بعمل إذا كان القيام بهذا العمل واجباً في وقت معين وإلا فات الغرض المقصود منه ، كما إذا تعهد صانع بإنجاز مصنوعات لعرضها في معرض عام يقام في وقت معين ، فإذا وقف الصانع تنفيذ التزامه إلى أن يفوت ميعاد المعرض لأنه لم يستوف أجره ، كان هذا بمثابة الفسخ .

500 – وقف التنفيذ في الالتزام بتسليم عين : وإذا كان الالتزام الموقوف هو التزام بتسليم عين ، حبس المتمسك بالدفع العين حتى يستوفى حقه من المتعاقد الآخر . مثل ذلك البائع لا يسلم العين المبيعة حتى يستوفى الثمن . وهنا يختلط الدفع بعدم التنفيذ بالحق في الحبس . وقد قضت المادة 247 بما يأتي : ” 1 – مجرد الحق في حبس الشيء لا يثبت حق امتياز عليه . 2 – وعلى الحابس أن يحافظ على الشيء وفقا لأحكام رهن الحيازة وعليه أن يقدم حسابا عن غلته . 3 – وإذا كان الشيء المحبوس يخشى عليه الهلاك أو التلف ، فللحابس أن يحصل على إذن من القضاء في بيعه وفقا للأحكام المنصوص عيها في المادة 119 ، وينتقل الحق في الحبس من الشيء إلى ثمنه ” . هذا ويتحمل المالك تبعة التلف أو الهلاك بسبب أجنبي ، وقد نصت المادة 460 على أنه ” إذا هلك المبيع في يد البائع وهو حابس له كان الهلاك على المشتري ما لم يكن المبيع قد هلك بفعل البائع ” . وإذا انفق الحابس مصروفات ضرورية أو نافعة استردها طبقاً لأحكام المواد 980 – 982 .

ويبقى الحق في الحبس حتى لو قام المتعاقد الآخر بتنفيذ جزء من التزامه ، وهذا ما يعبر عنه بان الحق في الحبس لا يقبل التجزئة . ومع ذلك يجب إلا يتعسف من له الحق في الحبس فيستمر حابساً للعين إذا كان الجزء الباقي من الالتزام دون تنفيذ من التفاهة بحيث لا يبرر استمرار الحبس ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

وينقضي الحق في الحبس إذا قام المتعاقد الآخر بالتزامه أو إذا خرج الشيء من حيازة الحابس باختياره .

وقد قضت المادة 248 بما يأتي : ” 1 – ينقضي الحق في الحبس بخروج الشيء من يد حائزة أو محرزه . 2 – ومع ذلك يجوز لحابس الشيء ، إذا خرج الشيء من يده خفية أو بالرغم من معارضته ، أن يطلب استرداده ، إذا هو قام بهذا الطلب خلال ثلاثين يوما من الوقت الذي علم فيه بخروج الشيء من يده وقبل انقضاء سنة من وقت خروجه ” .

501 – وقف التنفيذ في العقود الزمنية : وليس هناك ما يمنع من التمسك بالدفع بعدم تنفيذ العقد في العقود الزمنية . فيجوز للمستأجر أن يمتنع عن دفع الأجرة عن المدة التي حرم فيها الانتفاع بالعين المؤجرة ( أنظر م 565 و م 568 و م 569 و م 570 و م 572 ألخ ألخ ) . وكل وقف في تنفيذ التزام المؤجر يحدث نقصاً في مقدار هذا الالتزام زف إذا تأخر المستأجر في دفع الأجرة ، فتمسك المؤجر بالدفع بعدم التنفيذ ومنع المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مدة من الزمان ، اعتبر المؤجر أنه لم ينفذ نهائياً – لا مؤقتاً – التزامه في حدود المدة التي منع فيها المستأجر من الانتفاع ، فينقص التزامه بهذا المقدار ، ولا يمتد عقد الإيجار مدة تقابل المدة التي وقف فيها المؤجر تنفيذ العقد ( [9] ) .

ب – بالنسبة إلى الغير :

502 – متى يسري الدفع في حق الغير : يسري الدفع في حق الغير إذا كان هذا الغير قد كسب حقه بعد ثبوت الحق في التمسك بالدفع . مثل ذلك أن يتأخر المشتري عن دفع الثمن ، فيتمسك البائع بالدفع ويحبس العين المبيعة . فكل من كسب حقاً من المشتري على العين المبيعة بعد التمسك بالدفع يسري في حقه الدفع . فإذا باع المشتري العين إلى مشتر ثان أو رهنها لدائن مرتهن ، جاز للبائع أن يبقى حابساً للعين في مواجهة المشتري الثاني أو الدائن المرتهن ( [10] ) .

ويمكن تعليل ذلك بأن المشتري لم ينقل إلى خلفه حقوقاً أكثر مما له ، وقد كانت حقوقه خاضعة لحق البائع في حبس العين ، فتنتقل هذه الحقوق إلى الخلف خاضعة لهذا الحق . ولا يستطيع المشتري أن ينقل حقاً لا يملكه ، وفاقد الشيء لا يعطيه . وهذا هو المبدأ الذي قررناه في انتقال الالتزام إلى الخلف الخاص . 503 – متى لا يسري الدفع في حق الغير . ولا يسري الدفع في حق الغير إذا كان الغير قد كسب حقه قبل ثبوت الحق في التمسك بالدفع . فإذا فرض أن شخصاً ، بعد أن رهن منزله رهناً رسمياً ، سلمه إلى مستأجر بعقد إيجار غير ثابت التاريخ ، ثم باعه ، وأراد المشتري تسلم المنزل قبل إنتهاء عقد الإيجار ، فإن للمستأجر أن يرجع بالتعويض على المؤجر وأن يحبس العين في


 ( [1] ) أنظر في القانون المدني القديم في العلاقة ما بين الدفع بعدم التنفيذ باعتباره أصلاً والحق في الحبس باعتباره يتفرع عن هذا الأصل ، نظرية العقد للمؤلف فقرة 668 .

 ( [2] ) وإذا أغفلنا فكرة الارتباط ، واكتفينا بأن يكون هناك شخصان كل منهما مدين للأخر ، وأريد أن يكون لكل منهما الحق في أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إلى أن يقوم الآخر بتنفيذ ما عليه من التزام ، أمكن أن يتحقق هذا عملا بأحد طريقين : الطلبات الفرعية وحجز الدائن تحت يد نفسه .

هذا ويمكن أن ندرك أيضاً ما يقوم من الارتباط الوثيق بين نظم قانونية أربعة : المقاصة والفسخ والدفع بعدم التنفيذ والحق في الحبس . وهي نظم ترجع كلها إلى فكرة واحدة هي تقابل الالتزامات . فحيث يوجد شخصان كل منهما مدين للأخر ، يكون من العدل أن يستوفى كل منهما ماله من حق مما عليه من دين – وهذه هي المقاصة والفسخ – أو في القليل يقف وفاء ما عليه من دين حتى يستوفى ما له ، حق – وهذا هو الدفع بعدم التنفيذ والحق في الحبس . ومما يثبت أن هذه النظم القانونية مبنية على أساس واحد أن الرومان كانوا يعالجونها علاجاً واحداً هو الدفع بالغش ، يستعملونه في المقاصة والدفع بعدم التنفيذ والحق في الحبس . والحق في الحبس ، كالدفع بعدم التنفيذ ليس إلا دفعاً ، وقد أعطاه القانون الجديد وصفه الحقيقي ، وخلع عنه لباس الحق العيني الذي كان يرتديه في عهد القانون القديم فيشوه طبيعته ( أنظر نظرية العقد للمؤلف ص 713 هامش رقم 1 ) .

 ( [3] ) وقد كان هذا الحكم منصوصاً عليه في المادة 224 من المشروع التمهيدي ، وقد حذفتها لجنة المراجعة لأنها مجرد تطبيق للقواعد العامة في الحق في الحبس ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 331 في الهامش ) . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( أنظر آنفاً فقرة 479 في الهامش ) .

 ( [4] ) قارن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 332 فقرة 1 وص 334 فقرة 4 ) . وانظر في هذا المعنى الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 359 – فقرة 360 – رسالة الدكتور صلاح الدين الناهي في الامتناع المشروع عن الوفاء فقرة 80 وفقرة 97 – وانظر أيضاً في هذا المعنى استئناف مختلط في 12 فبراير سنة 1936 م 48 ص 123 .

هذا وقد أورد القانون المدني الجديد تطبيقات جزئية متفرقة لمبدأ الدفع بعدم التنفيذ ، نذكر منها المواد 457 و 459 و 605 .

فالفقرتان الثانية والثالثة من المادة 457 تقضيان بأنه ” 2 – فإذا تعرض أحد للمشتري مستندا إلى حق سابق على البيع أو آيل من البائع ، أو إذا خيف على المبيع أن ينزع من يد المشتري ، جاز له ما لم يمنعه شرط في العقد أن يحبس الثمن حتى ينقطع التعرض أو يزول الخطر . ومع ذلك يجوز للبائع في هذه الحالة أن يطالب باستيفاء الثمن على أن يقدم كفيلا . 3 – ويسري حكم الفقرة السابقة في حالة ما إذا كشف المشتري عيبا في المبيع ” .

وتنص المادة 459 على أنه : ” 1 – إذا كان الثمن كله أو بعضه مستحق الدفع في الحال فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفي ما هو مستحق له ولو قدم المشتري رهنا أو كفالة . هذا ما لم يمنح البائع المشتري أجلا بعد البيع . 2 – وكذلك يجوز للبائع أن يحبس المبيع ولو لم يحل الأجل المشترط لدفع الثمن إذا سقط حق المشتري في الأجل طبقا لأحكام المادة 273 ” .

وتنص المادة 605 على أنه : ” 1 – لا يجوز لمن انتقلت إليه ملكية العين المؤجرة ولم كن الإيجار نافذاً فى حقه أن يجبر المستأجر على الإخلاء إلا بعد التنبيه عليه بذلك فى المواعيد المبينة فى المادة 563 . 2 – فإذا نبه على المستأجر بالإخلاء قبل انقضاء الإيجار فإن المؤجر يلتزم بأن يدفع للمستأجر تعويضاً ما لم يتفق على غير ذلك ، ولا يجبر المستأجر على الإخلاء إلا بعد أن يتقاضى التعويض من المؤجر أو ممن انتقلت إليه الملكية نيابة عن المؤجر أو بعد أن يحصل على تأمين كاف للوفاء بهذا التعويض ” . والجديد في هذا النص الأخير أنه يجعل المستأجر وهو دائن بالتعويض للمؤجر يحسب العين على المالك ، أو قل إن حق الحبس قبل المؤجر ينفذ في حق المالك .

 ( [5] ) ولا يكفي أن يكون العقد ملزماً للجانبين وأن يكون الالتزام الذي يدفع بعدم تنفيذه التزاماً واجب التنفيذ حالا ، بل يجب إلى ذلك ألا يساء استعمال الدفع . فلا يجوز لمتعاقد أن يتمسك بالدفع إذا كان هو البادئ بعدم تنفيذه ، أو إذا تسبب في عدم تنفيذ الالتزام الآخر . كذلك لا يجوز التمسك بالدفع إذا كان المتعاقد الآخر قد قام بمعظم التزامه ولم يبق إلا جزء يسير لا يبرر امتناع المتعاقد الأول عن القيام بالتزامه . وكل ما يحق للمتعاقد الأول أن يفعله هو أن يبقى دون تنفيذ جزءاً من التزامه يقابل الجزء غير المنفذ من التزام المتعاقد الآخر بفرض أن الالتزام الأول قابل للتجزئة . كذلك لا يجوز أن يمتنع المشتري عن دفع الثمن بحجة أن هناك خطراً يتهدد العين إذا كان هذا الخطر ليس بجدي ، ولا أن يمتنع المستأجر عن دفع الأجرة بحجة أنه يطالب المؤجر بترميمات ينكرها عليه .

وقد كان المشروع التمهيدي يتضمن نصاً يجري على الوجه الآتي : ” على أنه لا يجوز للمتعاقد أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا كان ما لم ينفذ من الالتزام المقابل ضئيلاً بحيث يكون امتناعه عن التنفيذ غير متفق مع ما يجب توافره من حسن النية ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 331 ) . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ومهما يكن من شيء فليس يباح للعاقد أن سيء استعمال هذا الدفع . فلا يجوز له أن يتمسك به ليمتنع عن تنفيذ التزامه إذا كان الالتزام المقابل كاد أن يكمل نفاذه ، وأصبح ما لم ينفذ منه ضئيلاً لدرجة لا تبرر اتخاذ هذا الإجراء ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 333 ) . وقد حذف هذا النص في لجنة المراجعة لأنه مجرد تطبيق لنظرية التعسف في استعمال الحق ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 334 ) – أنظر في هذه المسألة رسالة الدكتور صلاح الدين الناهي في الامتناع المشروع عن الوفاء فقرة 174 – وانظر في أحوال يسقط فيها الدفع بعدم التنفيذ نظرية العقد للمؤلف فقرة 670 .

 ( [6] ) وقد كان هناك نص في المشروع التمهيدي يجزي حتى في هذه الحالة أن يمتنع المتعاقد المكلف بالتنفيذ أولاً عن التنفيذ إذا أصاب المتعاقد الآخر نقص في ماله بعد إبرام العقد ، فكانت المادة 223 من هذا المشروع تجري على النحو الآتي : ” في العقود الملزمة للجانبين ، إذا أصاب أحد المتعاقدين نقص في ماله بعد إبرام العقد ، أو إذا طرأ على مركزه المالي ما يخشى معه أن يكون عاجزاً عن تنفيذ التزامه ، جاز للمتعاقد الآخر إذا كان هو المكل بتنفيذ العقد أولاً ، أن يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يقوم المتعاقد الأول بتنفيذ ما تعهد به أو يعطي ضماناً كافياُ لهذا التنفيذ . فإذا لم يتم التنفيذ أو يعط الضمان في وقت مناسب جازت المطالبة بفسخ العقد ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 331 في الهامش ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ومع ذلك فقد أجيز له ( أي المتعاقد المكلف بالتنفيذ أولاً ) استثناء أن يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يقوم العاقد الآخر بوفاء ما تعهد به أو يقدم ضماناً كافياً لهذا الوفاء ، إذا أصاب هذا العاقد بعد إبرام العقد نقص في ماله من شأنه أن يؤثر في يساره أو طرأ عليه من الضيق ما قد يقعد به عن تنفيذ ما التزم به . وينبغي التحرز من اعتبار هذا الاستثناء مجرد تطبيق للمادة 396 من المشروع ، وهي التي تناولت سرد مسقطات الأجل وحصرتها في الإعسار أو الإفلاس وضعف التأمينات الخاصة والامتناع عن تقديم ما وعد بتقديمه منها . فالحالة التي يسري عليها حكم الاستثناء أقل جسامة من ذلك ، فهي تفترض نقصاً بليغاً في مال العاقد ، ولكنه نقص لا يستتبع الإفلاس أو الإعسار ، ومن ثم انزلت هذه الحالة منزلة الاستثناء ، فلو لم تكن لها هذه الخصوصيات لانتهى أمرها إلى إسقاط الأجل ، وبذلك يحل الوفاء بالالتزامات المتقابلة جميعاً وينبغي تنفيذها في أن واحد نزولا على أحكام القواعد العامة . فإذا لم يقم المتعاقد الذي استهدف مركزه للخطر بالوفاء بما التزم به أو بتقديم ضمان كاف في مدة معقولة ، كان للمتعاقد معه إلا يقتصر على إيقاف العقد ، بل له أن يجاوز ذلك إلى طلب الفسخ . ويعتبر هذا الحكم استثناء من القواعد العامة في الفسخ أيضاً لأن الالتزام الذي تخلف العاقد عن الوفاء به لم يصبح مستحق الأداء ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 333 – ص 334 ) – ولكن هذا النص في المشروع التمهيدي حذفته لجنة المراجعة في المشروع النهائي ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 331 في الهامش ) . ولما كان نصاً استثنائياً فلا مجال لتطبيقه بعد حذفه ( أنظر في هذا الموضوع رسالة الدكتور صلاح الدين الناهي في الامتناع المشروع عن الوفاء فقرة 166 – فقرة 167 ) .

 ( [7] ) أنظر استئناف مختلط في 13 ابريل سنة 1922 م 34 ص 330 .

 ( [8] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 333 فقرة 2 – وانظر آنفاً فقرة 495 في الهامش ) .

 ( [9] ) أنظر في هذا الموضوع رسالة الدكتور عبد الحي حجازي في عقد المدة ص 166 – ص 177 .

 ( [10] ) أنظر أيضاً المادة 605 فقرة 2 في تمسك المستأجر بحبس العين المؤجرة في مواجهة من انتقلت إليه ملكيتها . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( أنظر آنفاً فقرة 493 في الهامش ) .

نقلا عن محامي أردني