جزاء المسئولية في القانون المدني

جزاء المسئولية

 ( التعويض )

640 – صورتان للتعويض : جزاء المسئولية هو التعويض ، وهذا الجزاء أما أن يقوم في صورته العادية المألوفة ، وأما أن تعتوره ملابسات وأوصاف فنخرجه إلى صورة معدلة .

ونستعرض كلا من هاتين الصورتين .

المطلب الأول

التعويض في صورته العادية المألوفة

641 – طريقة التعويض وكيفية تقديره : نبحث أمرين : ( 1 ) كيف يعين القاضي طريقة التعويض ( mode de reparation ) ( 2 ) وكيف يقدر القاضي مدى التعويض ( evaluation des dommages – interets ) .

1 – طريقة التعويض :

642 – النصوص القانونية : تنص المادة 171 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – يعين القاضي طريقة التعويض تبعا للظروف ، ويصح أن يكون التعويض مقسطا كما يصح أن يكون إيرادا مرتبا ، ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بأن يقدم تأمينا ” .

 ” 2 – ويقدر التعويض بالنقد ، على أنه يجوز للقاضي ، تبعا للظروف وبناء على طلب المضرور ، أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه ، أو أن يحكم بأداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع ، وذلك على سبيل التعويض ( [1] ) ” .

ويتبين من هذا النص أن الأصل في التعويض أن يكون تعويضاً نقدياً . ذلك أن التعويض ( reparation ) بمعناه الواسع إما أن يكون تعويضاً عينياً وهذا هو التنفيذ العيني ( execution en nature ) وإما أن يكون تعويضاً بمقابل ( reparation par equivalent ) والتعويض بمقابل إما أن يكون تعويضاً غير نقدي ( reparation non – pecuniaire ) أو تعويضاً نقدياً ( reparation pecuniaire ) .

643 – التنفيذ العيني : التعويض العيني أو التنفيذ العيني هو الوفاء بالالتزام عيناً . ويقع هذا كثيراً في الالتزامات العقدية ( [2] ) . أما في المسئولية التقصيرية فيمكن كذلك في قليل من الفروض أن يجبر المدين على التنفيذ العيني . ذلك أن المدين في المسئولية التقصيرية قد اخل بالتزامه القانوني من عدم الأضرار بالغير دون حق . وقد يتخذ الإخلال بهذا الالتزام صورة القيام بعمل تمكن إزالته ومحو أثره ، كما إذا بنى شخص حائطا في ملكه ليسد على جاره الضوء والهواء تعسفاً منه ، ففي هذه الحالة يكون الباني مسئولا مسئولية تقصيرية نحو الجار بتعويض ما أحدثه من الضرر ، ويجوز هنا أن يكون التعويض عينياً بهدم الحائط على حساب الباني ، أو عن طريق التهديد المالي . وهذا ما قصد إليه القانوني المدني الجديد عندما ينص في الفقرة الثانية من المادة 171 على أنه ” يجوز للقاضي ، تبعاً للظروف ، وبناء على طلب المضرور ، أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه ” .

والقاضي ليس ملزماً أن يحكم بالتنفيذ العيني . ولكن يتعين عليه أن يقضي به إذا كان ممكناً . وطالب به الدائن ، أو تقدم به المدين .

644 – التعويض غير النقدي : وفي الكثرة الغالبة من الأحوال يتعذر التنفيذ العيني في المسئولية التقصيرية . فلا يبقى أمام القاضى إلا أن يحكم بالتعويض . وليس من الضروري أن أن يكون التعويض نقداً ، وإن كان هذا هو الغالب . فيجوز للقاضي أن يحكم بان يدفع للدائن بسند أو بسهم تنتقل إليه ملكيته ويستولى على ريعته تعويضاً له عن الضرر الذي أصابه . كما يجوز للقاضي ، في حالة ما إذا هدم صاحب السفل سفله دون حق وامتنع من أن يعيد بناءه ، أن يأمر ببيع السفل لمن يتعهد ببنائه ( أنظر م 860 فقرة أولى ) . وفي دعاوى السب والقذف يجوز للقاضي أن يأمر على سبيل التعويض بنشر الحكم القاضي بإدانة المدعى عليه في الصحف ، وهذا النشر يعتبر تعويضاً غير نقدي عن الضرر الأدبي الذي أصاب المدعى عليه . وهذا ما عناه القانون المدني الجديد عندما نص في الفقرة الثانية من المادة 171 على أنه يجوز للقاضي ” أن يحكم باداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع وذلك على سبيل التعويض ” . بل إن الحكم بالمصروفات على المدعى عليه في مثل هذه الأحوال ، والاقتصاد على ذلك ، قد يعتبر تعويضاً كافياً عن الضرر الأدبي الذي أصاب المدعى ، وهو تعويض غير نقدي لأن الملحوظ فيه هو المعنى الذي يتضمنه .

645 – التعويض النقدي : وهذا هو التعويض الذي يغلب الحكم به في دعاوى المسئولية التقصيرية . فإن كل ضرر – حتى الضرر الأدبي – يمكن تقويمه بالنقد . ففي جميع الأحوال التي يتعذر فهيا التنفيذ العيني ، ولا يرى القاضي فيها سبيلا إلى تعويض غير نقدي ، يحكم بتعويض نقدي . والتعويض النقدي هو الأصل . ومن ثم نصت الفقرة الثانية من المادة 171 من القانون المدني الجديد على أنه ” يقدر التعويض بالنقد ” .

والأصل أيضاً أن يكون التعويض النقدي مبلغاً معيناً يعطي دفعة واحدة . ولكن ليس ثمة ما يمنع القاضي من الحكم ، تبعاً للظروف ، بتعويض نقدي مقسط أو بإيراد مرتب مدى الحياة . والفرق بين الصورتين أن التعويض المقسط يدفع على أقساط تحدد مددها ، ويعين عددها ، ويتم استيفاء التعويض بدفع آخر قسط منها . أما الإيراد المرتب مدى الحياة ، فيدفع هو أيضاً على أقساط تحدد مددها ، ولكن لا يعرف عددها لأن الإيراد يدفع ما دام صاحبه على قيد الحياة ولا ينقطع إلا بموته . ويحكم القاضي بتعويض مقسط إذا رأى أن هذه هي الطريقة المناسبة للتعويض . ويتحقق ذلك مثلا إذا كان المدعى قد أصيب بما يعجزه عن العمل مدة معينة من الزمن ، فيقضي له بتعويض مقسط حتى يبرأ من أصابته . ويحكم القاضي بإيراد مرتب مدى الحياة إذا كان العجز عن العمل – كلياً أو جزئياً – عجزاً دائماً ، فيقضي للمضرور بإيراد يتقاضاه ما دام حياً ، تعويضاً له مما أصابه من الضرر بسبب هذا العجز الكلي أو الجزئي ( [3] ) . ولما كان المسئول هو المدين بهذا التعويض المقسط أو بهذا الإيراد المرتب ، وكان الدين المترتب في ذمته يبقى مدداً قد تطول ، فقد يرى القاضي أن يلزمه بتقديم تأمين . وهذا هو ما تقضي به الفقرة الولى من 171 من القانون المدني الجديد . إذ تنص على أنه ” يعين القاضي طريقة التعويض تبعاً للظروف ، ويصح أن يكون التعويض مقسطاً كما يصح أن يكون ايراداً مرتباً ، ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بان يقدم تأميناً ” . وليس هناك ما يمنع القاضي من أن يحكم على المسئول بدفع مبلغ من المال إلى شركة تأمين مثلا لتحويله إلى إيراد مرتب يعطي للمضرور ، ويكون هذا بمثابة التأمين للدائن .

فإذا تعذر التنفيذ العيني والتعويض غير النقدي ، وتعين الحكم بتعويض نقدي ، ولم تستدعى الظروف أن يكون هذا التعويض مقسطاً أو إيراداً مرتباً ، رجع القاضي إلى الأصل وهو الحكم بمبلغ معين من المال يعطيه المسئول للمضرور دفعة واحدة .

2 – تقدير التعويض

646 – النصوص القانونية : تنص المادة 170 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” يقدر القاضي مدي التعويض عن الضرر الذي لحق المضرور طبقا لأحكام المادتين 221 ، 222 ، مراعياً في ذلك الظروف الملابسة ، فان لم يتيسر له وقت الحكم أن يعين مدي التعويض تعيينا نهائيا ، فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير ( [4] ) ” .

والمادتان 221 و 222 المشار إليهما في النص قد سبق إيرادهما . ونعيد ذكرهما هنا زيادة في الإيضاح .

تنص المادة 221 على ما يأتي : ” 1 – إذا لم يكن التعويض مقدرا في العقد أو بنص في القانون ، فالقاضي هو الذي يقدره ، ويشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب ، بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به ، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعه الدائن أن يتوقا ببذل جهد معقول . 2 – ومع ذلك إذا كان الالتزام مصدره العقد ، فلا يلتزم لمدين الذي لم يرتكب غشا أو خطأ جسيما إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد ” .

وتنص المادة 222 على ما يأتي : ” 1 – يشمل التعويض الضرر الأدبي أيضا ، ولكن لا يجوز في هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق ، أو طالب الدائن به أمام القضاء . 2 – ومع ذلك لا يجوز الحكم بتعويض إلا للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية عما يصيبهم من ألم من جراء موت المصاب ” .

647 – مقياس التعويض الضرر المباشر : ويتبين من هذه النصوص أن التعويض مقياسه الضرر المباشر . فالتعويض في أية صورة كانت – تعويضاً عينياً أو بمقابل ، وتعويضاً نقدياً أو غير نقدي ، وتعويضاً مقسطاً أو ايراداً مرتباً أو رأس مال – يقدر بمقدار الضرر المباشر أحدثه الخطأ ، سواء كان هذا الضرر مادياً أو ادبيا ، وسواء كان متوقعاً أو غير متوقع ، وسواء كان حالا أو مستقبلا ما دام محققاً . وقد تقدم ذكر هذا كله عند الكلام في ركن الضرر .

والضرر المباشر يشتمل على عنصرين جوهريين هما الخسارة التي لحقت المضرور ( damnum emergens ) والكسب الذي فاته ( lucurm cessans ) . فهذان العنصران هما اللذان يقومهما القاضي بالمال . فلو أن شخصاً أتلف سيارة مملوكة لآخر . وكان صاحب السيارة اشتراها بألف وحصل على وعد من الغير أن يشتريها منه بمائتين وألف ، فالألف هي الخسارة التي لحقت صاحب السيارة ، والمائتان هو الكسب الذي فاته . وكلاهما ضرر مباشر يجب التعويض عنه .

ولا يدخل في الحساب عند تقدير التعويض أن يكون الضرر متوقعاً أو غير متوقع . ففي المسئولية التقصيرية يشمل التعويض كل ضرر مباشر ، متوقعاً كان هذا الضرر أو غير متوقع . أما في المسئولية العقدية فيقتصر التعويض على الضرر المتوقع في غير حالتي الغش والخطأ الجسيم . وقد تقدم بيان ذلك .

648 – الظروف الملابسة التي من شأنها أن تؤثر في تقدير التعويض : وتقول المادة 170 أن القاضي يراعى في تقدير التعويض ” الظروف الملابسة ” . ويقصد بالظروف الملابسة هنا الظروف التي تلابس الضرر لا الظروف التي تلابس المسئول . فالظروف الشخصية التي تحيط بالمضرور وما قد أفاده بسبب التعويض ، كل هذا يدخل في حساب القاضي عند تقديره للتعويض . أما الظروف الشخصية التي تحيط بالمسئول وجسامة الخطأ الذي صدر منه ، فلا يدخل في الحساب ، على خلاف في الرأي بالنسبة إلى جسامة الخطأ .

فالظروف الشخصية التي تحيط بالمضرور تدخل في الاعتبار ، لأن التعويض يقاس بمقدار الضرر الذي أصاب المضرور بالذات ، فيقدر على أساس ذاتي ( in concreto ) لا على أساس موضوع ( in abstracto ) . ويكون محلا للاعتبار حالة المضرور الجسمية والصحية . فمن كان ” عصبياً ” ، فإن الانزعاج الذي يتولاه من حادث يكون ضرره أشد بكثير مما يصيب شخصاً سليم الأعصاب ومن كان مريضا ” بالسكر ” ويصاب بجرح ، كانت خطورة هذا الجرح أشد بكثير من خطورة الجرح الذي يصيب السليم ( [5] ) . كذلك يكون محلا للاعتبار حالة المضرور العائلية ، فمن يعول زوجة وأطفالا يكون ضرره أشد من ضرر الاعزب الذي لا يعول إلا نفسه . ويدخل أيضاً في الاعتبار حالة المضرور المالية : وليس ذلك معناه أن المضرور إذا كان غنياً أو فقيراً ، وإنما الذي يدخل في الاعتبار هو اختلاف الكسب الذي يفوت المضرور من جراء الإصابة التي لحقته ، فمن كان كسبه اكبر كان الضرر الذي يحيق به أشد ( [6] ) .

وقد يفيد المضرور من التعويض الذي تقاضاه من المسئول . مثل ذلك أن يتلف شخص متاعاً قديماً مملوكاً لآخر فيعوضه عنه متاعاً جديداً . فعلى المضرور أن يدفع إلى المسئول بالمتاع القديم التالف ( laisse pour compte ) حتى لا يجمع بين المتاعين القديم والجديد ( [7] ) . ويبقى بعد ذلك أنه افاد بالفرق بين قيمة الجديد وقيمة القديم . ومن رأينا أن المضرور يرد هذا الفرق للمسئول طبقاً لقواعد الإثراء بلا سبب ، على الأقل إذا كان في استطاعة المسئول أن يعوض المتاع القديم بمتاع قديم مثله فلم يفعل وأعطى المضرور المتاع الجديد ( [8] ) .

أما الظروف الشخصية التي تحيط بالمسئول فلا تدخل في الحساب عند تقدير التعويض . فإذا كان المسئول غنياً لم يكن هذا سبباً في أن يدفع تعويضاً أكثر ، أو كان فقيراً لم يكن هذا سبباً في أن يدفع تعويضاً أقل ( [9] ) . وسواء كان المسئول لا يعول إلا نفسه أو يعول أسرة كبيرة ، فهو يدفع التعويض بقدر ما أحدث من الضرر ، دون مراعاة لظروفه الشخصية . إذ العبرة في تحديد مدى الضرر بالظروف الشخصية التي تحيط بالمضرور لا بالمسئول ( [10] ) . كذلك لا يزيد في مقدار التعويض أن يكون المسئول قد امن على مسئوليته بدعوى أن شركة التأمين هي التي ستدفع التعويض . ولا يدخل في الحساب ما قد يفيد المسئول من كسب بسبب الضرر الذي أحدثه ، فاللص الذي يستعين بالمسروق في مواجهة أزمة مالية حلت به فينتفع انتفاعاً كبيراً لا يكون مسئولا إلا بمقدار ما سرق لا بمقدار ما أفاد ( [11] ) .

والأصل أنه لا ينظر إلى جسامة الخطأ الذي صدر من المسئول عند تقدير التعويض . وإذا تحققت المسئولية ، قدر التعويض بقدر جسامة الضرر لا يقدر جسامة الخطأ . ومهما كان الخطأ يسيراً فإن التعويض يجب أن يكون عن كل الضرر المباشر الذي أحدثه هذا الخطأ اليسير . ومهما كان الخطأ جسيماً فإن التعويض يجب إلا يزيد عن هذا الضرر المباشر . وهذا هو مقتضى فصل التعويض المدني عن العقوبة الجنائية ، فالتعويض المدني شيء موضوعي لا يراعى فيه إلا الضرر ، والعقوبة الجنائية شيء ذاتي تراعى فيه جسامة الخطأ . هذا هو الأصل ، ولكن القضاء يدخل عادة في اعتباره جسامة الخطأ في تقدير التعويض . وهذا شعور طبيعي يستولى على القاضي ، فما دام مقدار التعويض موكولا إلى تقديره فهو يميل إلى الزيادة فيه إذا كان الخطأ جسيما وإلى التخفيف منه إذا كان الخطأ يسيراً . وعلى هذا يسير القضاء في مصر وفي فرنسا ، وقد سبق لنا بيان ذلك ( [12] ) .

649 – الضرر المتغير والوقت الذي يقدر فيه ( [13] ) : نفرض أن الضرر متغير منذ أن وقع إلى يوم النطق بالحكم . مثل ذلك شخص صدمته سيارة بخطأ سائقها ، فاصيب بكسر في يده ، وعندما طالب بالتعويض كان الكسر قد تطور فأصبح أشد خطورة مما كان ، وعند صدور الحكم كانت خطورته قد اشتدت وانقلب إلى عاهة مستديمة . لا شك في أن القاضي يدخل في حسابه عند تقدير التعويض تطور الإصابة من يوم وقوعها إلى يوم صدور الحكم ، فيقدر الضرر باعتبار أن الكسر قد انقلب إلى عاهة مستديمة ( [14] ) .

كذلك لو خف الضرر من يوم وقوعه إلى يوم صدور الحكم ، وأصبح الكسر أقل خطورة مما كان في أول أمره ، حسب القاضي التعويض مراعياً ما كان عليه الكسر من خطر ثم ما طرأ عليه من تحسن ( [15] ) .

فالعبرة إذن في تقدير التعويض بيوم صدور الحكم ، اشتد الضرر أو خف .

أما إذا كانا لضرر لم يتغير منذ وقوعه إلى يوم صدور الحكم ، والذي تغير هو سعر النقد الذي يقدر به التعويض أو أسعار السوق بوجه عام فالعبرة بالسعر يوم صدور الحكم ، ارتفع هذا السعر منذ وقوع الضرر أو انخفض ( [16] ) . على أنه إذا كان المضرور قد أصلح الضرر بمال من عنده ، فإنه يرجع بما دفعه فعلا ، مهما تغير السعر يوم صدور الحكم .

650 – النفقة المؤقتة : وقد يرى القاضي أثناء نظر دعوى المسئولية أن المضرور في حاجة قصوى إلى نفقة موقتة ( provision ) يدفعها له المسئول من حساب التعويض الذي سيقضي له به في النهاية . فيجوز للقاضي عندئذ أن يحكم بهذه النفقة مع مراعاة الشروط الآتية :

1 – أن يكون مبدأ المسئولية قد تقرر ، ولم يبق إلا تقدير التعويض .

2 – أن تكون عناصر تقدير التعويض لا تزال ، لإعدادها ، في حاجة إلى مدة طويلة .

3 – أن يكون المضرور في حاجة ملحة إلى هذه النفقة .

4 – أن يكون المبلغ الذي يقدره القاضي للنفقة أقل من مبلغ التعويض الذي ينتظر أن يقدر به الضرر ( [17] ) .

المطلب الثاني

التعويض في صورته المعدلة الموصوفة

651 – حالات ثلاث : ما قدمناه في التعويض هو حكمه في صورته العادية المألوفة . ولكن هذا الحكم قد يعدل منه وصف يلحقه ، فيكون للتعويض صورة أخرى معدلة موصوفة . ويقع هذا في حالات ثلاث : ( الحالة الأولى ) أن يتفق الطرفان قبل تحقق المسئولية على تعديل الأحكام التي قدمناها . ( والحالة الثانية ) أن يؤمن المسئول على مسئوليته المحتملة قبل تحققها . ( والحالة الثالثة ) أن ينفتح أمام المضرور طريقان للتعويض عن الضرر الذي أصابه .

وتتميز الحالتان الأولى والثانية عن الحالة الثالثة بأن الوصف الذي لحق التعويض في الحالتين الأوليين يتصل بالمسئول ، أما الوصف الذي لحق التعويض في الحالة الثالثة فيتصل بالمضرور .

ونتكلم في هذه الحالات الثلاث : ( 1 ) الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية ( 2 ) التأمين على المسئولية ( 3 ) اجتماع طريقين للتعويض .

1 – الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية

652 – نطاق الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية : إذا تحققت المسئولية التقصيرية فإن الاتفاق على تعديل أحكامها إعفاء أو تخفيفاً أو تشديداً جائز إطلاقاً . ويكون في الغالب بمثابة صلح ، والصلح جائز فيما هو ليس من النظام العام . فإذا صدر خطأ من شخص سبب ضرراً لآخر ، فللمضرور أن يعفي المسئول من التعويض ، ويكون بذلك قد نزل عن حقه . ويصح أيضاً أن يتفق المضرور مع المسئول أن يتقاضى منه تعويضا أقل مما يستحق ، فيعفيه من التعويض عن بعض الضرر . ويكون هذا إما نزولا من المضرور عن بعض حقه ، أو هو صلح بينه وبين المسئول إذا كان هذا ينازع في مبدأ المسئولية أو في مقدار التعويض . ويصح أخيراً أن يعطي المسئول المضرور تعويضاً أكثر مما يستحق . ويكون متبرعاً بما زاد .

وليس فيما قدمناه محل للنزاع ، وإنما النزاع في الاتفاق بين الطرفين مقدماً وقبل تحقق المسئولية . وهذا هو نطاق الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية قد يقال كيف يقع ذلك ولا يعرف أحد مقدماً من هو الشخص الذي سيضره بعمله غير المشروع ، فإن هذا إذا تيسر في المسئولية العقدية ، إذ العقد يجمع منذ البداية بين المسئول والمضرور ، فهو ليس بميسور في المسئولية التقصيرية ، إذ أن الطرفين لا يعرف أحدهما الآخر إلا عند وقوع الضرر ، فلا يتصور لاتفاق بينهما إلا بعد تحقق المسئولية ؟ وإذا كان هذا صحيحاً في الكثرة الغالبة من الأحوال . فإنه يتصور في بعض أحوال المسئولية التقصيرية أن يعرف شخص من يحتمل أن يضر به من الناس بعمل غير مشروع . فقد تقوم أوضاع تجمع بين أشخاص يحتمل أن يكون فيهم في المستقبل مسئول ومضرور . مثل ذلك الجيران ، كل جار بالنسبة إلى جاره يحتمل أن يكون مسئولا ومضروراً ، فيتصور اتفاق الجيران على تعديل أحكام المسئولية التقصيرية عند تحققها . مثل ذلك أيضاً صاحب المصنع والملاك المجاورون ، ومصلحة السكك الحديدية وملاك الأراضي التي تمر السكك الحديدية بجوارها ، وملاك الحيوانات التي تجتمع في مكان واحد لاحتمال أن تؤذى الحيوانات بعضها بعضاً ، وأصحاب السيارات إذا دخلت في سباق لاحتمال أن تتحقق المسئولية التقصيرية فيما بينها ، ومدير الشركة والشركاء فيما عسى إن يرتكب المدير من خطأ تقصيري ، والنقل المجاني فيما بين الناقل والمنقول . يتصور إذن أن هؤلاء يتفقون فيما بينهم على التعديل من أحكام المسئولية التقصيرية .

ويجب التمييز بين الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية والاتفاق على ضمان المسئولية . فالاتفاق على ضمان المسئولية مثله أن يؤمن المسئول عن مسئوليته في شركة تأمين . ويشبه ذلك أن يتفق صاحب البناء مع مقاول تعهد بهدم البناء أن يكون ضامناً لما عسى أن يتحقق من مسئولية صاحب البناء بسبب الهدم ، وأن تتفق الحكومة مع ناد رياضي أن يضمن لها ما عسى أن يتحقق من مسئوليتها بسبب الألعاب الرياضية التي يقوم بها النادي . والفرق بين الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية والاتفاق على ضمان المسئولية أن الاتفاق الأول يقوم مباشرة بين المسئول والمضرور . وقد يرفع المسئولية أصلاً عن المسئول قبل المضرور . أما الاتفاق الثاني فيقوم بين المسئول الأصلي ومسئول آخر يضمنه ، لا ليرفع المسئولية عن المسئول الأصلي ، بل ليؤكدها بضم مسئول إليه يتحمل في ا لنهاية المسئولية إذا تحققت دون أن ينتقص ذلك من حق المضرور في الرجوع على المسئول الأصلي .

والاتفاق على التعديل من أحكام المسئولية إما أن يكون اتفاقاً للاعفاء من المسئولية أو للتخفيف منها ، وإما أن يكون اتفاقاً للتشديد من المسئولية . ونستعرض كلا من الحالتين .

653 – الاتفاق على الإعفاء من المسئولية التقصيرية أو على التخفيف منها : هذا الاتفاق قد يرمى إلى الإعفاء من المسئولية بتاتاً . وقد يرمى إلى التخفيف منها ، إما بإنقاص مدى التعويض فلا يعوض إلا عن بعض الضرر دون بعض ، وإما بتحديد مبلغ معين كشرط جزائي يكون هو مبلغ التعويض مهما بلغ الضرر ، وإما بتقصير المدة التي ترفع فيها دعوى المسئولية .

وقد كفل القانون المدني الجديد بيان حكم هذه الاتفاقات ، فنصت الفقرة الثالثة من المادة 217 على ما يأتي : ” ويقع باطلا كل شرط يقضي بالإعفاء من المسئولية المترتبة على العمل غير المشروع ( [18] ) ” .

والقضاء في مصر وفي فرنسا جرى على هذا المبدأ ، لا بالنسبة إلى الإعفاء من المسئولية فحسب ، بل أيضاً بالنسبة إلى التخفيف منها في صورة المختلفة ( [19] ) وتعليل ذلك أن أحكام المسئولية التقصيرية من النظام العام ، والقانون هو الذي يتكفل بتقريرها . فهي ليست كأحكام المسئولية العقدية التي هي من صنع المتعاقدين ، فيستطيعان أن يحورا فيها وأن يعفيا منها . فلا يجوز إذن الاتفاق على الإعفاء من المسئولية التقصيرية أو على التخفيف منها سواء من حيث مدى التعويض أو من حيث الشرط الجزائي أو من حيث مدة الدعوى . وقد رأينا في المسئولية العقدية أن كل هذا جائز في غير العمد والخطأ الجسيم .

أما الفقه في فرنسا فيناقش القضاء منتقدا إياه ، ويرى أن غير الجائز من هذه الاتفاقات هو الاتفاق الخاص بالمسئولية التقصرية إذا ترتبت على العمد أو الخطأ الجسيم وكذلك إذا ترتبت على خطأ يسير ولحق الضرر الجسم دون المال . فإن الاتفاق على الإعفاء من المسئولية التي تترتب على تعمد الأضرار بالغير أو ما هو بمنزلة هذا التعمد ( الخطأ الجسيم ) ، أو على التخفيف من هذه المسئولية ، يكون مخالفاً للنظام العام . كذلك الأمر إذا كان الضرر يلحق الجسم لا المال ، ولا ترتب على خطأ يسير ، فإن جسم الإنسان لا يجوز إن يكون محلا للاتفاقات المالية . لكن إذا كان الضرر يلحق المال ويترتب على خطأ يسير ، فليس في القواعد العامة ما يمنع من الاتفاق على الإعفاء من المسئولية فيها ، ومن باب أولى من الاتفاق على التخفيف من المسئولية في أية صورة من صور التخفيف ( [20] ) .

ومهما يكن من أمر فالقانون الجديد صريح في بطلان الاتفاق على الإعفاء من المسئولية التقصيرية أو على التخفيف منها . وهو في ذلك يؤيد القضاء في مصر وفي فرنسا على النحو الذي أسلفناه .

654 – الاتفاق على التشديد في المسئولية التقصيرية : وقد يكون الاتفاق من شأنه أن يشدد في المسئولية التقصيرية . مثل ذلك أن يتفق الطرفان على أن يكون الخطأ مفترضاً في جانب المسئول في حالات لا يفرض فيها القانون الخطأ . ومثل ذلك أيضاً الاتفاق على مسئولية المدين حتى لو لم يرتكب خطأ .

ويبدو أنه إذا كان الاتفاق على التخفيف من المسئولية أو الإعفاء منها مخالفاً للنظام العام ، فإن الاتفاق على التشديد فيها لا يخالف النظام العام ، فيكون مشروعاً . يؤيد ذلك ما قضت به الفقرة الأولى من المادة 217 من القانون المدني الجديد من أنه ” يجوز الاتفاق على أن يتحمل المدين تبعة الحادث المفاجئ والقوة القاهرة ” ( [21] ) . وغنى عن البيان أن المسئولية ذاتها لا تتحقق بقيام الحادث المفاجئ والقوة القاهرة لانعدام علاقة السببية . فإذا كان من الممكن أن يتحمل الشخص بالاتفاق تبعة مسئولية لم تتحقق ، فيتحمل التبعة ( risqué ) لا المسئولية ويكون بمثابة المؤمن ، فمن باب أولى يستطيع أن يتفق على التشديد من مسئولية قد تحققت .

2 – التأمين على المسئولية

655 – متى يجوز التأمين على المسئولية : التأمين على المسئولية يفضل الإعفاء من المسئولية ، لأنه في الوقت الذي يزيح فيه عن عاتق المسئول عبء المسئولية لا يحرم المضرور من حقه في التعويض . وهو ميسر بفضل انتشار شركات التأمين ، ومن ثم فهو كثير الوقوع في الحياة العملية .

ويجوز للشخص أن يؤمن على مسئوليته المترتبة على الخطأ ، سواء كان هذا الخطأ عقدياً أو تقصيرياً ، وسواء كان الخطأ التقصيري مفترضا أو ثابتاً ، وسواء كان الخطأ الثابت يسيراً أو جسيماً ولكن لا يجوز التأمين على المسئولية المترتبة على الخطأ العمد ، إذا لا يجوز لأحد أن ييسر لنفسه السبيل إلى الغش . وإنما يجوز التأمين على المسئولية عن عمل الغير ، حتى لو ارتكب هذا الغير خطأ عمداً ، ذلك أن المسئول عن الغير لم يؤمن من المسئولية عن غشه هو بل عن غش الغير ، فالخطأ الشخصي الذي يؤمن نفسه منه هو خطأ مفترض لا خطأ عمد ( [22] ) .

ونرى من ذلك أن الشخص يستطيع أن يؤمن على مسئوليته في مختلف صورها ، فيما عدا المسئولية عن الخطأ العمد الذي يصدر منه شخصياً .

وننظر الآن فيما يأتي : ( 1 ) علاقة المؤمن ( شركة التأمين ) بالمؤمن له ( المسئول ) ( 2 ) علاقة المؤمن بالمضرور ( 3 ) علاقة المؤمن بمن صدر منه الخطأ في التأمين على المسئولية عن عمل الغير .

656 – علاقة المؤمن بالمؤمن له : هذه العلاقة ينظمها عقد التأمين . وهو يرتب التزامات في ذمة المؤمن ( شركة التأمين ) . وأخرى في ذمة المؤمن له ( المسئول ) .

 ( 1 ) التزامات المؤمن : أما التزامات المؤمن فتتلخص في ضمان المسئولية التي قد تترتب في ذمة المؤمن له ، وهي المسئولية التي كانت محلا للتامين . والأصل أن المؤمن ضامن لكل ما ينجم عن هذه المسئولية من تكاليف . فمتى طولب المؤمن له مطالبة ودية أو قضائية بتعويض عن ضرر هو مسئول عنه وكان داخلا في دائرة التأمين ، بدا التزام المؤمن ينتج أثره ، سواء دخل المؤمن في الدعوى أو لم يدخل ، ووجب عليه أن يكفل للمؤمن له نتائج هذه المطالبة ولو كانت على غير أساس . فإن الذي يضمنه المؤمن ليس هو مسئولية المؤمن له فحسب . بل كل مطالبة توجه ضده في شأن هذه المسئولية ( [23] ) .

فإذا ثبتت المسئولية قبل المؤمن له ، وجب على المؤمن أن يدفع له ما ثبت في ذمته من تعويض بسبب هذه المسئولية ( [24] ) . والقاعدة أن المؤمن يلتزم بالضمان بقدر ما تحقق من مسئولية المؤمن له دون زيادة ، حتى لو كان عقد التأمين يشتمل على شرط يجعل المؤمن ضامناً لمبلغ معين وكان هذا المبلغ يزيد على التعويض الذي ثبت في ذمة المؤمن له . فلو كان هذا المبلغ ألفا وكانت قيمة التعويض ثمانمائة ، فإن المؤمن يضمن الثمانمائة دون الألف ( [25] ) .

وتعليل ذلك أن عقد التأمين من المسئولية هو عقد تأمين لا عقد ادخار ، فهو معقود لتعويض الخسارة على المؤمن له ، فلا يجوز أن يكون مصدر ربح له ، وهذا بخلاف عقد التأمين على الأشخاص هو عقد ادخار لا عقد تأمين ، فيجوز أن يزيد مبلغ التأمين على مقدار الخسارة .

 ( 2 ) التزامات المؤمن له : ويلتزم المؤمن له بدفع أقساط التأمين في مواعيدها وبغير ذلك من الالتزامات التي ترتبها وثيقة التأمين .

ويصح الاتفاق في الوثيقة على إعفاء المؤمن من الضمان إذا كان المؤمن له دون رضاء من المؤمن قد دفع إلى المضرور تعويضاً أو اقر له بالمسئولية . ولكن لا يجوز التمسك بهذا الاتفاق إذا كان ما أقر به المؤمن له مقصوراً على واقعة مادية ، أو إذا ثبت أن المؤمن له ما كان يستطيع أن يرفض تعويض المضرور أو أن يقر له بحقه دون أن يرتكب ظلماً بيناً ( [26] ) .

657 – علاقة المؤمن بالمضرور : كان المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد ينص في المادة 832 منه على ما يأتي : ” لا يجوز للمؤمن أن يدفع لغير المصاب مبلغ التأمين . المتفق عليه كله أو بعضه ما دام المصاب لم يعوض بما لا يجاوز هذا المبلغ عن الأضرار التي نشأت عنها مسئولية المؤمن له ” . فكان هذا النص يجعل للمصاب ( المضرور ) دعوى مباشرة قبل المؤمن ، إذ كان يلزم المؤمن إلا يدفع لغير المضرور مبلغ التأمين ما دام المضرور لم يعوض . ومؤدى هذا النص أن المضرور الذي لم يتقاض التعويض من المسئول ( المؤمن له ) يستطيع أن يتقاضاه مباشرة من المؤمن في حدود مبلغ التأمين ،دون أن يشترك معه دائنوا المؤمن له ، لأنه يرجع على المؤمن بالدعوى المباشرة لا بدعوى المدين .

ولكن هذا النص قد حذف ، وترك الأمر لقانون اخص يصدر فيما بعد . وحتى يصدر هذا القانون معيداً لهذا النص لا يمكن القول بأن للمضرور دعوى مباشرة قبل المؤمن . فلا يرجع على المؤمن إلا بطريق الدعوى غير المباشرة ، وذلك بان يستعمل دعوى مدينه المؤمن له ، وفي هذه الحالة يشاركه دائنو المؤمن له شركة غرماء إذ هو لا يمتاز عنهم ( [27] ) .

658 – علاقة المؤمن بمن صدر منه الخطأ في التأمين على المسئولية عن عمل الغير : يحدث أن المؤمن له لا يكون هو من صدر منه الخطأ ، ولكنه يكون مسئولا عن عمل الغير الذي صدر منه الخطأ ، ويتحقق ذلك في مسئولية المكلف بالرقابة عمن هم في رقابته ومسئولية المتبوع عن التابع . فإذا دفع المسئول عن عمل الغير التعويض للمضرور ، ورجع به على المؤمن ، إلا يجوز لهذا أن يرجع به على الغير الذي صدر منه الخطأ كما كان يرجع المسئول نفسه ؟

سنرى فيما يلي أنه إذا اجتمع للمضرور طريقان للتعويض أحدهما هو طريق التأمين ، جاز له أن يجمع بينهما . فيرجع بالتعويض على الغير الذي ارتكب الخطأ لأن هذا الخطأ هو الذي تحققت به المسئولية ، ويرجع على المؤمن بمبلغ التأمين بمقتضى عقد التأمين الذي دفع أقساطه . فهو يجمع بين الحقين لأن لكل حق مصدراً غير المصدر الذي قام عليه الحق الآخر ، فمصدر الحق في التعويض الخطأ الذي ارتكبه الغير ، ومصدر الحق في مبلغ التأمين العقد الذي أبرمه مع المؤمن .

ولكن يغلب في العمل أن يشترط المؤمن في عقد التأمين أن ينزل المؤمن له عن دعواه قبل من صدر منه الخطأ إلى المؤمن . فيكون هذا بمثابة الحلول الإتفاقي ( [28] ) . فإذا لم يوجد شرط كهذا لم يبق إلا تطبيق القواعد العامة ، وتطبيقها يؤدى إلى أن المؤمن لا يحل محل المؤمن له في الرجوع على الغير الذي صدر منه الخطأ ، لا حلولا اتفاقياً لأن عقد التأمين لم يرد فيه شرط الحلول ، ولا حلولا قانونياً لأن الحلول القانونين لا يكون إلا بنص والنص غير موجود ( [29] ) .

3 – اجتماع طريقين للتعويض

659 – كيف يجتمع طريقان للتعويض : قد يوجد لدى المضرور طريقان يستطيع سلوكهما لتعويض ما أصابه من ضرر . مثل ذلك أن يكون قد امن نفسه في إحدى شركات التأمين مما يصيبه من ضرر في جسمه أو في ماله عن طريق التأمين على الحياة أو التأمين من الحوادث أو التأمين من الحريق أو التأمين من الخسائر أو التأمين من المسئولية . ومثل ذلك أيضاً أن يكون الضرر الذي يصيبه من شأنه أن يرتب له حقاً في نفقة أو إيراد في ذمة الغير .

ونستعرض كلا من الحالتين : حالة اجتماع التعويض مع مبلغ التأمين وحالة اجتماع التعويض مع النفقة أو الإيراد ( [30] ) .

660 – اجتماع التعويض مع مبلغ التأمين : إذا أصيب شخص بضرر في جسمه أو في ماله ، وكان مؤمناً نفسه من هذا الضرر ، فقد رأينا أن التحليل القانونين يؤدي إلى النتيجة الآتية : للمضرور حقان ، حق قبل المسئول عن هذا الضرر في التعويض ومصدر هذا الحق الخطأ الذي ارتكبه المسئول ، وحق قبل شركة التأمين في مبلغ التأمين ومصدر هذا الحق العقد الذي تم بينه وبين الشركة . فإذا كان مؤمناً على حياته أو على ما عسى أن يصيبه من جراء الحوادث . ووقع الضرر الذي امن نفسه منه ، فهو – أو ورثته – يرجع بمبلغ التأمين على الشركة وبالتعويض على من كان مسئولا عن إحراق المنزل أو إغراق البضاعة أو تحقيق المسئولية ، ويجمع بذلك في هذه الحالات أيضاً بين الحقين .

ولا يجوز الاعتراض على هذا التحليل القانونين بان المضرور يكون بذلك قد جمع بين تعويضين عن ضرر واحد ، ذلك أنه لم يتقاض إلا تعويضاً واحداً من المسئول عن الضرر الذي أصابه ، أما مبلغ التأمين فليس مقابلا للتعويض ، بل هو مقابل لأقساط التأمين التي دفعها للشركة ( [31] ) .

كذلك لا يجوز لشركة التأمين أن ترجع على المسئول بتعويض بحجة أن خطأه هو الذي ألزمها بدفع مبلغ التأمين للمضرور ، ذلك أن الذي ألزمها بدفع مبلغ التأمين ليس هو خطأ المسئول بل هو عقد التأمين ( [32] ) .

661 – اجتماع التعويض مع الفقه أو الإيراد : قد يكون الضرر الذي أوجب التعويض للمضرور سبباً في ترتيب حق آخر له . مثل ذلك عامل في مصنع تسبب عامل آخر في إصابته ، فيستحق العامل المضرور قبل رب المصنع مبلغاً يقدره قانون إصابات العمل جزافاً كما رأينا ، ويستحق في الوقت ذاته تعويضاً كاملا قبل العامل المسئول عن الحادث ، فهل له أن يجمع بين التعويضين ؟ مثل آخر شخص اثيب بما اقعده عن العمل ، فاستحق تعويضاً قبل المسئول عن هذه الإصابة ونفقة عند من تجب عليه النفقة له بسبب عجزه عن العمل ، فهل يجمع بين التعويض والنفقة ؟

يختلف الأمر هنا عن حالة اجتماع التعويض مع مبلغ التأمين . فقد قدمنا أن مبلغ التأمين ليس مقابلا للتعويض ، بل هو مقابل لأقساط التأمين التي سبق دفعها . ولكن المبلغ الجزافي الذي يدفعه رب المصنع للعامل عند إصابته ، والنفقة التي يدفعها من تجب عليه النفقة ، لا مقابل لهما إلا عجز المضرور عن العمل بسبب الحادث الذي أصابه ، فالصبغة الغالبة عليهما هي التعويض عن هذا العجز . لذلك لا يجوز أن يجمع المضرور بين تعويضين ، فهو إذا تقاضى التعويض الجزافي أو النفقة . لم يرجع على المسئول إلا بما بقى من الضرر دون تعويض ، ويرجع رب المصنع أو الملزم بالنفقة على المسئول بما التزم بدفعه للمضرور لأن المسئول هو المتسبب في ذلك ( [33] ) . أما إذا رجع المضرور بكل التعويض على المسئول . فلا يجوز له أن يرجع بشيء على صاحب المصنع ( [34] ) أو الملزم بالنفقة .

كذلك لا يستطيع الموظف ، إذا أصيب في حادث تكون الحكومة مسئولة عنه ، أن يجمع بين التعويض الكامل عن هذا الحادث وبين معاش استثنائي يرتبه القانون على سبيل التعويض ، بل يجب إنقاص مبلغ المعاش الاستثنائي . سواء كان في صورة إيراد مدى الحياة أو في صورة مكافأة إجمالية من مبلغ التعويض الكامل المستحق للموظف ( [35] ) لكن إذا قبض الموظف معاشه العادي طبقاً لقانون المعاشات ، فإنه يستطيع الجمع بينه وبين التعويض الكامل ، لأن المعاش العادي كمبلغ التأمين إنما استحق لقاء الاستقطاعات الدورية التي أخذت من مرتب الموظف ( [36] ) .

أما إذا كان المضرور قد تلقى صدقة أو إحساناً من الغير مواساة له فيما أصابه من ضرر ، فلا يجوز للمسئول أن ينقص من مبلغ التعويض الذي يلزمه مقدار هذه الصدقة ، فإن صاحب الصدقة قد تبرع بها للمضرور لا للمسئول .

الفصل الثاني

المسئولية عن عمل الغير

والمسئولية الناشئة عن الأشياء

662 – المسئولية تقوم لا على خطأ واجب الإثبات بل على خطأ مفترضي : بسطنا قواعد المسئولية بوجه عام ، فاستعرضنا أركانها وفصلنا أحكامها . وجرينا فيما قدمناه على أن الخطأ الذي تقوم عليه المسئولية هو خطأ واجب الإثبات ، يثبته مدعى المسئولية وهو المضرور .

وننتقل الآن إلى حالات خاصة في المسئولية يجمعها أنه تقوم كلها لا على خطأ واجب الإثبات ، بل على خطأ مفترض على خلاف في الرأي سنفصله فيما يلي . وقد توخى المشرع فيها أن ييسر على المضرور التعويض عما أصابه من الضرر ، فأزاح عن عاتقه عبء إثبات الخطأ .

وقد قسم القانون المدني الجديد هذه الحالات إلى قسمين : قسم للمسئولية عن عمل الغير وآخر للمسئولية الناشئة عن الأشياء . ونستعرض كلا منهما .

الفرع الأول

المسئولية عن عمل الغير

663 – حالتان : يكون الشخص مسئولا عن عمل الغير في حالتين : ( الحالة الأولى ) هي حالة من تجب عليه رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة ويكون مسئولا عن الأعمال الصادرة من هذا الشخص .

 ( والحالة الثانية ) هي حالة المتبوع ويكون مسئولا عن أعمال التابع .

المبحث الأول

مسئولية من تجب عليه الرقابة عمن هم في رقابته ( * )

 ( Responsabilite de surveillant du fait de son surveille )

664 – النصوص القانونية : كانت المادة 151 من القانون المدني الوطني القديم تنص على ما يأتي :

 ” وكذلك يلزم الإنسان بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته أو عن عدم الدقة والانتباه منهم أو عن عدم ملاحظته اياهم ” .

وكانت المادة 213 من القانون المدني المختلط القديم تنص على ما يأتي :

 ” يلزم الشخص كذلك بضرر الغير الناشيء عن تقصير من هم في رعايته أو عن إهمالهم أو عن عدم الدقة والانتباه منهم أو عن عدم ملاحظته إياهم ” .

وكانت هذه النصوص معيبة من وجوه متعددة : ( 1 ) فهي من حيث الصياغة كانت قلقة مضطربة ، إذ تعرض تارة لمسئولية متولى الرقابة عمن هم تحت رعايته بناء على خطأ مفترض ، وتعرض طوراً لمسئولية متولى الرقابة بناء على خطأ ثابت في جانبه ، مع أن المقصود هو المسئولية الأولى ( [37] ) . ( 29 ثم هي لم تبين في أي الأحوال وبأي الشروط يصبح الشخص متولياً الرقابة على غيره . ( 3 ) وهي أخيراً لم توضح أساس المسئولية ، وهل هي قائمة على خطأ مفترض ، وهل هذا الافتراض يقبل إثبات العكس ( [38] ) .

فجاء القانون المدني الجديد بنصوص تجنب فيها هذه العيوب ، إذ نص في المادة 173 على ما يأتي :

 ” 1 – كل من يجب عليه قانونا أو اتفاقا رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة ، بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية يكون ملزما بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص للغير بعمله غير المشروع . ويترتب هذا الالتزام ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز ” .

 ” 2 – ويعتبر القاصر في حاجة إلى الرقابة إذا لم يبلغ خمس عشر سنة ، أو بلغها وكان في كنف القائم على تربيته . وتنتقل الرقابة على القاصر إلى معمله في المدرسة أو المشرف على الحرفة ، مادام القاصر تحت إشراف المعلم أو المشرف . وتنتقل الرقابة على الزوجة القاصر إلى زوجها أو إلى من يتولى الرقابة على الزوج ” .

 ” 3 – ويستطيع المكلف بالرقابة أن تخلص من المسئولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة ، أو أثبت أن الضرر كان لابد واقعا ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية ( [39] ) ” .

ونبحث في صدد هذا النص أمرين : ( 1 ) متى تتحقق مسئولية متولى الرقابة ( 2 ) الأساس الذي تقوم عليه هذه المسئولية .

المطلب الأول

متى تتحقق مسئولية متولى الرقابة

665 – شرطان لتحقق المسئولية : تتحقق المسئولية إذا تولى شخص الرقابة على شخص آخر . وصدر ممن هو تحت الرقابة عمل غير مشروع ثبت في جانبه فأوجب مسئوليته . ومن ثم يكون متولى الرقابة مسئولا عن هذا العمل غير المشروع .

فتحقق المسئولية يستلزم إذن شرطين : ( 1 ) تولى شخص الرقابة على شخص آخر . ( 2 ) صدور عمل غير مشروع ممن هو تحت الرقابة .

1 – تولى الرقابة

666 – الالتزام بالرقابة : لا تتحقق المسئولية إلا إذا قام التزام بالرقابة . ومصدر هذا الالتزام إما أن يكون القانون أو الاتفاق كما يقول النص . مثل القانون الأب يتولى رقابة ابنه ، ومثل الاتفاق مدير مستشفى للأمراض العقلية يتولى رقابة مرضاه . فلا يكفي إذن أن يتولى شخص بالفعل رقابة شخص آخر حتى يكون مسئولا عنه ، بل يجب أن يكون هناك التزام قانونين أو اتفاقي بتولى هذه الرقابة . وقيام هذا الالتزام هو الذي ترتب عليه مسئولية متولى الرقابة .

وعلة هذا الالتزام كما جاء في النص ، حاجة الشخص الموضوع في رقابة غيره إلى هذه الرقابة ، إما بسبب قصره ، وإما بسبب حالته العقلية ، وإما بسبب حالته الجسمية . فالقاصر في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره . والمجنون والمعتوه وذو الغفلة في حاجة إلى الرقابة بسبب حالتهم العقلية . والأعمى والمقعد والمشلول في حاجة إلى الرقابة بسبب حالتهم الجسمية . ومن هؤلاء من يتولى القانون إقامة رقيب عليهم ، كالقاصر والمجنون والمعتوه وذى الغفلة يضعهم القانون في رقابة الآباء أو أولياء النفس . ومنهم من تقوم الرقابة عليه بالاتفاق مع متولى الرقابة ، كمدير المستشفى والممرض يتفق معهما على تولى رقابة المرضى ( [40] ) .

أما الرقابة التي لا تقوم بسبب القصر أو الحالة العقلية أو الحالة الجسمية ، كرقابة السجان على المسجونين ورقابة رئيس الحزب السياسي على أعضاء حزبه ( [41] ) ، فلا تترتب عليها هذه المسئولية .

667 – الحالات التي يقوم فيها الالتزام بالرقابة : لم يحصر القانون الحالات التي يتولى فيها شخص الرقابة على غيره ، واكتفى بان قرار أن هذه الحالات تقوم إذا قام التزام بالرقابة قانوناً أو اتفاقاً والرقابة في الأصل تقوم على القاصر . فإذا بلغ سن الرشد انحلت عنه . إلا إذا وجد ما يدعو لبسط الرقابة عليه وهو بالغ . فنستعرض إذن هاتين الحالتين : حالة القصر وحالة البلوغ .

 ( 1 ) القاصر : اظهر حالات الرقابة هي كما قدمنا حالة القاصر . وقد عنى المشرع بها فخصص لها الفقرة الثانية من المادة 173 إذ يقول : ” ويعتبر القاصر في حاجة إلى الرقابة إذا لم يبلغ خمس عشرة سنة ، أو بلغها وكان في كنف القائم على تربيته . وتنتقل الرقابة على القاصر إلى معلمه في المدرسة أو المشرف في الحرفة ما دام القاصر تحت إشراف المعلم أو المشرف ، وتنتقل الرقابة على الزوجة القاصر إلى زوجها أو إلى من يتولى الرقابة على الزوج ” .

فالقصر إلى سن الخامسة عشرة – وهي سن بلوغ الحلم في الشريعة الإسلامية – يعتبر في حاجة إلى الرقابة اطلاقاً . ويكون عادة حتى بلوغ هذه السن في كنف من يقوم بتربيته . والذين يقومون بتربيته هم أولاً الأب إذا وجد ، فهو الولى الشرعي على النفس ، وهو المكل قانوناً بالرقابة على ولده . فإذا لم يوجد الأب تولى الرقابة القائم على تربية الولد . ويكون غادة ولى النفس من جد أو عم أو غيرهما . وقد تنتقل تربية الولد ، ولو بطريق الاتفاق الضمني ، من ولى النفس إلى الأم . وذلك كله إلى سن الخامسة عشرة . فإن بلغها الولد ، وتحرر فوق ذلك من قيود التربية ، ولم يعد يعيش في كنف أحد ، وأصبح يكسب عيشه بنفسه ، فلا يكون أحد مسئولا عنه . وهذه مسألة واقع لا مسألة قانون . أما إذا بقى يعيش في كنف من يقوم على تربيته بعد بلوغه الخامسة عشرة – وعبء الإثبات هنا على مدعى المسئولية – فالقائم على تربيته هو متولى الرقابة عليه ، قانونا إن كان ولى النفس واتفاقاً إن كان غيره ، ويبقى مسئولا عنه إلى أن يبلغ الود سن الرشد ، أو إلى أن ينفصل في معيشة مستقلة فلا يعود يعيش في كنف أحد ويتحرر من قيود الرقابة . والاستقلال في المعيشة هنا لا يعني حتما الاستقلال في المسكن ، فقد يكون الولد مقيما مع أبيه في مسكن واحد ولكنه مستقل عنه في المعيشة وليس للأب إشراف على تربيته فلا يكون مسئولا عنه ، وقد لا يكون الولد مقيما مع أبيه في مسكن واحد ولكن الأب يبقى مشرفاً على تربيته فيكون مسئولا ( [42] ) .

ونرى من ذلك أن القاصر إلى سن الخامسة عشرة يجب أن يكون في رقابة أحد هو المسئول عنه ، ويكون الأب ، فإن لم يوجد فولى النفس ، إلا إذا انتقلت الرقابة اتفاقاً إلى الأم ( [43] ) أو إلى غيرها . وبعد أن يبلغ الولد الخامسة عشرة ، فإن ظل يعيش في كنف من يقوم على تربيته بقى هذا مسئولا عنه ، إلى أن ينفصل الولد في معيشة مستقلة أو إلى أن يبلغ سن الرشد .

والولد وهو في كنف القائم على تربيته يكون في مرحلة التعليم . فإن ذهب إلى المدرسة انتقلت الرقابة عليه – وقت وجوده بالمدرسة فقط – إلى معلم الفصل ما دام فيه أو إلى رئيس المدرسة ما دام في المدرسة ( [44] ) وإذا كانت المدرسة من مدارس الدولة ، كانت الدولة مسئولة عن المعلم أو الرئيس مسئولية المتبرع عن التابع ( [45] ) وإن أخذ الولد يتعلم حرفة ، انتقلت الرقابة عليه إلى من يشرف على تعليمه الحرفة مدة وجوده تحت إشرافه . ولا ضرورة لوجود عقد صريح بالتمرين على الحرفة ، فالتمرين الفعلي يستخلص منه عقد ضمني ، وهذه مسألة واقع يترك تقديرها لقاضي الموضوع . ومتى فرغ الولد في يومه من المدرسة أو من تعلم الحرفة ، عادت الرقابة عليه إلى القائم على تربيته وكان هو المسئول عنه ( [46] ) . ونرى من ذلك أن الولد ما دام في مرحلة التربية يكون دائماً تحت الرقابة ، وتنتقل الرقابة عليه من شخص إلى آخر بحسب الأحوال على النحو الذي قدمناه .

وقد يكون القاصر بنتاً تتزوج قبل بلوغها سن الرشد ، فتنتقل الرقابة عليها ممن كان قائماً على تربيتها إلى زوجها ، وهو الذي يكون مسئولاً عنها ما دامت قاصراً فإذا كان الزوج نفسه تقوم عليه الرقابة ، لقصره أو لأي سبب آخر ، فإن متولي الرقابة على الزوج يتولى الرقابة أيضاً على الزوجة ، ويكون مسئولاً عن كل منهما . فإذا ما بلغ الزوج سن الرشد ، ولم تبلغها الزوجة ، صار الزوج هو المتولي الرقابة على زوجته .

 ( 2 ) البالغ سن الرشد . فإذا بلغ الولد سن الرشد تحرر من الرقابة ، حتى لو كان لا يزال في دور التعلم وحتى لو بقى يعيش في كنف ذويه . ولا يكون أحد مسئولاً عنه . لا في البيت ولا في المدرسة ولا في الحرفة ذلك أنه ببلوغه سن الرشد أصبح في غير حاجة إلى الرقابة ، والتزام الرقابة إنما يقوم بقيام الحاجة إليه . وكذلك تتحرر الزوجة من رقابة زوجها ، أو رقابة متولي الرقابة على زوجها . متى بلغت سن الرشد ، إذ تصبح في غير حاجة إلى الرقابة كما قدمنا .

ومع ذلك قد تدعو الحاجة إلى الرقابة على من بلغ سن الرشد ، رجلاً كان أو امرأة . فلو أصيب البالغ سن الرشد بجنون أو بعته أو كان ذا غفلة ، قامت الرقابة عليه لتجدد الحاجة إليها نظراً لحالته العقلية . ويتولى الرقابة في هذه الحالة ولي النفس . أو الزوج ، أو الزوجة ( إذا كان هو الموضوع تحت الرقابة ) ، أو من تنتقل الرقابة إليه اتفاقاً كمدير المستشفي أو الطبيب أو الممرض أو من يقوم بالرقابة من الأقرباء ( [47] )

كذلك لو أصيب البالغ سن الرشد بمرض أعجزه ، وجعله في حاجة إلى الرقابة نظراً لحالته الجسمية ، كأن كف بصره أو صار معقداً أو أصيب بالشلل ، تولى الرقابة عليه أتفاقاً من يتولى الإشراف على شؤونه الشخصية من زوج أو زوجة أو قريب أو مدير مستشفي أو طبيب أو ممرض أو نحو ذلك . ويكون هذا مسئولاً عنه ما بقى في رقابته .

 صدور عمل غير مشروع ممن هو تحت الرقابة

668 – العمل غير المشروع يقع ممن هو تحت الرقابة ، لا يقع عليه :

فإذا قام الالتزام بالرقابة وتحدد طرفاه – متولي الرقابة والخاضع للرقابة –وجب لتحقق مسئولية متولي الرقابة أن يصدر عمل غير مشروع من الشخص الخاضع للرقابة :الولد أو التلميذ أو صبى الحرفة أو المجنون أو الأعمى أو نحو ذلك .

والعمل غير المشروع يجب أن يقع من الشخص الخاضع للرقابة ، لا أن يقع عليه . أما إذا وقع عليه فليست هناك مسئولية مفترضة . مثل ذلك يصيب أجنبي تلميذاً بالأذى في وقت يكون فيه التلميذ في رقابة رئيس المدرسة . فلا يكون هذا الرئيس مسئولاً عن خطأالأجنبي إلا في حدود القواعد العامة للمسئولية ، فيجب إذن إثبات خطأ في جانب الرئيس حتى يكون مسئولاً كذلك لا يكون الرئيس مسئولاً إلا على أساس خطأ يجب إثباته في جانبه إذا كان التلميذ قد ألحق الأذى بنفسه ، لأن العمل غير المشروع في هذه الحالة إذا كان قد أحدث ضرر أفقد وقع هذا الضرر على التلميذ لا منه ( [48] ) . فالواجب إذن البدء بإثبات خطأ في جانب الشخص الخاضع للرقابة طبقاً للقواعد العامة ، حتى تتحقق مسئولية هذا الشخص . وقد تتحقق مسئوليته في بعض الحالات عن طريق افتراض خطأ في جانبه ، كما لو كان يسوق سيارة فدهس أحد العابرة ، فهو مسئول عن خطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، ومتولي الرقابة عليه مسئول عنه على أساس خطأ مفترض افتراضاً يقبل إثبات العكس . فإذا ما تحققت مسئولية الخاضع للرقابة على أساس خطأ ثابت أو على أساس خطأ مفترض ، قامت إلى جانبها مسئولية متولي الرقابة . ونري من ذلك أن المسئولية الثانية لا تجب المسئولية الأولي ، ولكن تقوم إلى جانبها .

669 – حالة ما إذا كان الخاضع للرقابة غير مميز : وقد يكون الخاضع للرقابة غير مميز –صبياً غير مميز أو مجنوناً أو معتوهاً – فكيف يمكن إثبات وقوع عمل غير مشروع منه وهو لا يجوز في حقه الخطأ لانعدام التمييز فيه؟ نص الفقرة الأولي من المادة 173صريح في هذه المسألة إذ يقول : ” ويترتب هذا الالتزام ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز ” . والخطأ الذي وقع هنا من غير المميز هو خطأ قام ركنه المادي أي ركن التعدي ، دون ركنه المعنوي أي ركن التمييز . ولذلك وصفه النص ” بالعمل الضار ” دون العمل غير المشروع أو الخطأ .

والذي يلفت النظر في مسئولية متولي الرقابة عن أعمال غير المميز أنها ، خلافاً للمسئولية عن أعمال المميز ، مسئولية أصلية لا تبعية . ذلك أن مسئولية متولي الرقابة عن أعمال المميز هي مسئولية تبعية ، تقوم بقيام مسئولية الشخص الموضوع تحت الرقابة . أما إذا كان هذا غير مميز ، فلا يمكن القول في هذه الحالة إن مسئوليته قد تحققت فتتحقق تبعاً لها مسئولية متولي الرقابة . بل الواجب أن يقال إن مسئولية متولي الرقابة هنا هي مسئولي أصلية قامت مستقلة ، وأساسها خطأ مفترض في جانب المسئول . ولا تستند هذه المسئولية إلى مسئولية غير المميز ، فإن هذا كما رأينا لا يكون مسئولاً إلا مسئوليةموضوعية مخففة عند تعذر الرجوع على متولي الرقابة ( م 164 فقرة 2 ) ( [49] ) .

 المطلب الثاني

 الأساس الذي تقوم عليه مسئولية متولي الرقابة

670 – مسائل أربع :متى تحققت مسئولية متولي الرقابة على النحو الذي قدمناه ، قامت مسئوليته على أساس خطأ مفترض ( [50] ) . والافتراض هنا قابل لإثبات العكس . فيستطيع متولي الرقابة أن يرفع المسئولية عنه بنفي الخطأ . ويستطيع كذلك رفع المسئولية بنفي علاقة السببية ، بأن يثبت السبب الأجنبي . فإذا لم ينف علاقة السببية ولم ينف الخطأ تحققت مسئوليته ، ولكن هذه المسئولية كما رأينا لا تجب مسئولية الشخص الخاضع للرقابة وهو الذي صدر منه العمل غير المشروع .

فعلينا أن نعالج مسائل أربعا ( 1 ) ما هو الخطأ المفترض في جانب متولي الرقابة ( 2 ) كيف ينفي هذا الخطأ المفترض ( 3 ) كيف ينفي علاقة السببية ( 4 ) أثر قيام المسئوليتين في وقت وأحد :مسئولية متولي الرقابة ومسئولية الخاضع للرقابة .

671 – ما هو الخطأ المفترض في جانب متولي الرقابة : الخطأ المفترض في جانب متولي الرقابة هو الإخلال بهذا الواجب بما ينبغي من العناية . فإذا ارتكب القاصر مثلاً عملاً غير مشروع ، افترضنا أن من يتولى الرقابة عليه قد قصر في رقابته ، فمكنه بهذا التقصير من ارتكاب هذا العمل . ويتسع افتراض الخطأ لمدى أبعد ، فيفترض أيضاً أن متولي الرقابة قد أساء تربية الشخص المعهود إليه رقابته ، فهيأ له بسوء التربية سبيل العمل غير المشروع ( [51] ) ونرى من ذلك أن القاصر مثلاً إذا ارتكب عملاً غير مشروع . وكان من يتولى عليه ويقو م على تربيته هو أبوه ، فالمفروض أن الأب إما أن يكون قد قصر في رقابة ولده ، أو أنه أساء تربيته ، أو أنه ارتكب الخطأين معاً :قصر في الرقابة وأساء التربية .

ويلاحظ أن افتراض هذا الخطأ لا يقوم إلا في العلاقة ما بين متولي الرقابة والمضرور ، فهو افتراض قرره القانون لصالح المضرور تجاه متولي الرقابة ، ولا يجوز أن يقوم ضد الشخص الخاضع للرقابة . ومن ثم لا يجوز لا للمضرور ولا لمتولي الرقابة أن يحتج به قبل الشخص الخاضع للرقابة ، بل يجب للرجوع على هذا إثبات خطأ في جانبه ( [52] ) .

ويلاحظ أيضاً أنه لا مانع من اجتماع هذه المسئولية القائمة على خطأ مفترض والمسئولية القائمة على خطأ واجب الإثبات . ويتقدم هو لإثبات خطأ في جانبه ، فيمنعه بذلك من نفي الخطأ المفترض . كذلك لا مانع من اجتماع هذه المسئولية ومسئولية المتبرع عن التابع . فإذا عمل قاصر في خدمة شخص وارتكب خطأ أضر بالغير ، قام إلى جانب مسئوليته القائمة على خطأ ثابت مسئوليتان أخريان الخطأ في كل منهما مفترض : مسئولية والد القاصر وتقوم على خطأ مفترض افتراضاً يقبل إثبات العكس كما رأينا ، ومسئولية المخدوم الذي يعمل القاصر في خدمته وتقوم في بعض الآراء على الخطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس كما سنرى . ويجوز للمضرور أن يرجع على كل من متولي الرقابة والمخدوم بكل التعويض ، ومن دفع منها التعويض رجع بنصفه على الآخر . وهذا كله دون إخلال برجوع كل منهما على القاصر بما دفعه للمضرور .

672 – كيف ينفي متولي الرقابة الخطأ المفترض : رأينا أن الفقرة الثالثة من المادة 173تنص على ما يأتي : ” ويستطيع المكلف بالرقابة أن يخلص من المسئولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة ” . فالخطأ المفترض في جانب متولي الرقابة هو إذن خطأ مفترض افتراضاً قابلاً لإثبات العكس . ويستطيع متولي الرقابة – وهو الذي يحمل عبء الإثبات ما دام الخطأ مفترضاً في جانبه – أن ينفي هذا الخطأ عنه بأنه يثبت أنه قام بواجب الرقابة بما ينبغي من العناية ، وأنه أتخذ الاحتياطات المعقولة ليمنع من نيطت به رقابته من الإضرار بالغير فإن فعل ذلك ، انتفي الخطأ المفترض في جانبه ، وارتفعت عنه المسئولية ( [53] ) على أن القيام بواجب الرقابة يشمل كما رأينا إحسان التربية ، وخاصة إذا كان متولي الرقابة أبا وأما . . ونبني على ذلك أنه لا يكفي أن يثبت الأب أنه قام بواجب الرقابة باتخاذ الاحتياطات المعقولة ، فلا يزال افتراض أنه أساء تربية ولده قائماً في جانبه ، ولا يلزم المضرور أن يثبت أن الأب أساء التربية ، بل الأب هو الذي يثبت أنه لم يسئ تربية ولده ( [54] ) . وجملة القول إن متولي الرقابة عليه أن يثبت أنه لم يرتكب تقصيراً في الرقابة في خصوص الخطأ الذي صدر ممن هو في رقابته ، وأنه بوجه عام لم يسئ تربيته .

673 – كيف ينفي متولي الرقابة علاقة السببية : وليس الخطأ في جانب متولي الرقابة هو وحده المفترض ، بل تفترض معه أيضاً علاقة سببية ما بين هذا الخطأ المفترض وبين العمل غير المشروع الذي صدر ممن هو تحت الرقابة . ذلك أنه إذا لم تفترض علاقة سببية تبعاً لافتراض الخطأ ، لكان افتراض الخطأ عبثاً لا يجدي . فإن المضرور إذا أعفى من إثبات الخطأ في جانب متولي الرقابة ، ثم طولب بإثبات علاقة السببية ما بين هذا الخطأ والعمل غير المشروع الذي وقع ممن قامت عليه الرقابة ، لأضطر وهو في صدد إثبات علاقة السببية أن يثبت الخطأ أيضاً . إذ تقضى طبيعة الأشياء أن من يثبت العلاقة ما بين أمرين يثبت في الوقت ذاته الأمرين اللذين تقوم العلاقة بينهما . فتكون قد بدأنا بإعفاء المضرور من إثبات الخطأ ، ثم طالبناه بعد ذلك بإثباته ، فسلبناه باليسار ما أعطيناه باليمين ( [55] ) .

فعلاقة السببية إذن مفترضة ، لا يكلف المضرور بإثباتها ، ومتولي الرقابة هو الذي يكلف بنفيها . والنص صريح في هذا المعنى ، إذ تقول الفقرة الثالثة من المادة 173في عبارتها الأخيرة إن المكلف بالرقابة يستطيع أن يتخلص من المسئولية إذا هو ” أثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية ” . ويكفي في ذلك أن يثبت أن هذا الضرر قد وقع دون أن يكون لوقوعه أية علاقة بالخطأ المفترض في جانبه . فوقوعه بالنسبة إلى متولي الرقابة لا بالنسبة إلى من هو تحت الرقابة ( [56] ) ، كان بسبب أجنبي ، بأن قامت قوة قاهرة أو حادث مفاجئ أو وقع خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ، وكان من شأن هذا أن تقع الصلة ما بين التقصير في جانب متولي الرقابة وبين الضرر الذي أصاب المضرور ، بأن كان هذا الضرر يقع حتى لو أتخذ متولي الرقابة كل الاحتياطات المعقولة لمتعة؛فلم يكن الخطأ المفترض في جانب متولي الرقابة هو السبب في حدوث الضرر . مثل ذلك أن يقع الحادث الذي سبب الضرر وقوعاً مفاجئاً بحيث لم يكن من الممكن توقعه ولا من المستطاع تلافيه ( [57] ) .

ويخلص من ذلك أن متولي الرقابة ترتفع عنه المسئولية بأحد أمرين ، إما بأن ينفي الخطأ المفترض في جانبه فينعدم ركن الخطأ ، وإما بأن يثبت السبب الأجنبي على النحو الذي قدمناه فينعدم ركن السببية . وفي الحالتين يبقى من أحدث الضرر . وهو من قامت عليه الرقابة ، مسئولاً عن العمل غير المشروع الذي صدر منه . وفقاً للقواعد العامة في المسئولية ( [58] ) .

674 – قيام مسئولية الشخص الخاضع للرقابة إلى جانب مسئولية متولي الرقابة :

وغنى عن البيان أن قيام مسئولية متولي الرقابة على النحو الذي بيناه لا يمنع من أن تقوم إلى جانبها مسئولية الشخص الخاضع للرقابة ، وهو الشخص الذي صدر منه العمل غير المشروع . ويستطيع المضرور إذن أن يرجع على من ارتكب الخطأ بالذات إن كان عنده مال ، فإن استوفي منه كل التعويض المستحق فلا رجوع له بعد ذلك على متولي الرقابة . وإذا رجع على متولي الرقابة واستوفي منه كل التعويض ، فلا رجوع له بعد ذلك على من ارتكب الخطأ ( [59] ) . والذي تجب مراعاته هو ألا يستولي المضرور على تعويضين عن ضرر وأحد ، بل يستوفي تعويضاً واحداً ، إما من متولي الرقابة ، وإما ممن ارتكب الخطأ ، وإما منهما معاً مسئولين أمامه بالتضامن .

ويغلب أن يرجع المضرور على متولي الرقابة لأنه هو المليء . لكن يجوز للمضرور أن يرجع على من ارتكب الخطأ كما قدمناه ، وفي هذه الحالة لا يرجع من ارتكب الخطأ بشيء على متولي الرقابة ، لأن الخطأ الذي أوجب المساءلة هو خطأ الأول لا خطأ الثاني . أما إذا رجع المضرور على متولي الرقابة ، جاز لهذا أن يرد على من ارتكب الخطأ . فإن كان من ارتكب الخطأ مميزاً رجع عليه متولي الرقابة بكل ما دفعه . ولا يقسم التعويض بينهما لأن الخطأ هو خطأ الأول كما سبق القول . وإن كان غير مميز ، فلا رجوع لمتولي الرقابة عليه بشيء . لأن عديم التمييز غير مسئول عن الخطأ . ولا يترتب في ذمته إلا مسئولية مخففة نحو المضرور لا نحو متولي الرقابة بشروط بيناها فيما تقدم . ويعتبر متولي الرقابة في هذه الحالة هو المسئول الأصلي . وهذا هو الذي تعنيه المادة 175من القانون الجديد . إذ تنص على ما يأتي : ” للمسئول عن عمل الغير حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها هذا الغير مسئولاً عن تعويض الضرر ” ( [60] ) . والمسئول عن عمل الغير هو متولي الرقابة والمتبوع وسنرى أن المتبوع يرجع على التابع بما دفع من التعويض ، أما متولي الرقابة فقد رأينا أنه يرجع على المميز ، ولا يرجع على غير المميز ، وهذه هي حدود مسئولية الغير عن تعويض الضرر التي أشار إليها النص .


 ( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 239 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – يعين القاضي طريقة التعويض تبعاً للظروف ، ويصح أن يكون التعويض ايراداً مرتباً ، ويجوز في هذه الحالة إلزام المدين بأن يقدم تأميناً . 2 – ويقدر التعويض بالنقد ، على أنه يجوز للقاضي ، تبعاً للظروف ، وبناء على طلب المصاب ، أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه ، أو أن يحكم بأداء أمر معين وذلك على سبيل التعويض ” . وفي لجنة المراجعة عدلت الفقرة الأولى في الجزء الأخير منها على الوجه الآتي : ” ويصح أن يكون التعويض مقسطاً كما يصح أن يكون ايراداً مرتباً . ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بأن يقدم تأميناً ” ، واستبدلت كلمة ” المضرور ” بكلمة ” المصاب ” في الفقرة الثانية . وأصبح رقم المادة 175 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ أضيفت إلى الفقرة الثانية عبارة ” متصل بالعمل غير المشروع ” للحد من إطلاق العبارة الأخيرة ما دام التطبيق العملي لهذا النص هو نشر الحكم أو الاعتذار من وقاعة سب مثلا ، فيكون نطاق الحكم واضحاً غير مجهل . وأصبح رقم المادة 171 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 395 – ص 398 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” 1 – ليست المسئولية التقصيرية بوجه عام سوى جزاء للخروج على التزام يفرضه القانون : هو التزام عدم الأضرار بالغير دون سبب مشروع . وإذا كان التنفيذ العيني هو الأصل في المسئولية التعاقدية ، فعلى النقيض من ذلك لا يكون لهذا الضرب من التنفيذ – وهو يقتضي إعادة الحال إلى ما كانت عليه كهدم حائط بني بغير حق أو بالتعسف في استعمال حق – إلا منزلة الاستثناء في نطاق المسئولية التقصيرية . 2 – فالتنفيذ بمقابل أي من طريق التعويض المالي هو القاعدة العامة في المسئولية التقصيرية . والأصل في التعويض أن يكون مبلغاً من المال . ومع ذلك يجوز أن تختلف صوره ، فيكون مثلا إيراداً مرتباً يمنح لعامل تقعده حادثة من حوادث العمل عن القيام بأوده ، ويجوز للقاضي في هذه الحالة أن يلزم المدين بأن يقدم تأميناً أو أن يودع مبلغاً كافياً لضمان الوفاء بالايراد المحكوم به ، وينبغي التمييز بين التعويض من طريق ترتيب الايراد وبين تقدير تعويض موقوت مع احتمال زيادته فيما بعد بتقدير تعويض إضافي ( أنظر المادة 237 من المشروع ) . هذا ويسوغ للقاضي فضلا عما تقدم أن يحكم في أحوال استثنائية بأداء أمر معين على سبيل التعويض ، فيأمر مثلا بنشر الحكم بطريق اللصق على نفقة المحكوم عليه ( أو يكتفي بأن ينوء في الحكم بأن ما وقع من المحكوم عليه يعتبر افتراء أو سبا : المادة 1409 من التقنين الهولندي ) لتعويض المقذوف في حقه عن الضرر الأدبي الذي أصابه ، وغنى عن البيان أن مثل هذا التعويض لا هو بالعيني ولا هو بالمالي ، ولكنه قد يكون انسب ما تقتضيه الظروف في بعض الصور ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 396 – ص 397 ) .

 ( [2] ) فمن التزم بعقد أن ينقل حقاً عينياً أو أن يقوم بعمل أو أن يمتنع عن عمل يتيسر في كثير من الأحوال إجباره على تنفيذ التزامه . فالبائع ، وقد التزم بنقل ملكية المبيع ، يجبر على تنفيذ التزامه ، وتنتقل الملكية إلى المشتري بتسجيل عقد البيع ، فإن امتنع البائع عن التصديق على إمضائه أمكن اصدار حكم ضده بإثبات البيع ، وبتسجيل هذا الحكم تنتقل الملكية إلى المشتري . والمقاول الذي التزم ببناء منزل ، إذا امتنع عن تنفيذ التزامه ، أمكن أن يجبر على ذلك بان يبني الدائن المنزل على حسابه . ومن التزم بعقد إلا يفتح نافذة على جاره ، ففتحها ، أمكن إجباره على سدها ولو بمصروفات على حسابه . أما إذا كان العمل الذي التزم به المدين يقتضي تدخله الشخصي ، فيمكن الوصول إلى التنفيذ العين عن طريق التهديد المالي المنصوص عليه في المادتين 213 و 214 من القانون المدني الجديد .

 ( [3] ) استئناف مختلط في 14 يونية سنة 1905 م 17 ص 334 – وفي 30 ديمسبر سنة 1908 م 21 ص 93 . وفي 5 يونية سنة 1912 م 24 ص 388 . وقد يعتبر التعويض المقسط إلى أن يبرأ المضرور من إصابته إيراداً مرضاً ، ولكن لا إلى مدى الحياة ، بل إلى حين البرء من الإصابة .

 ( [4] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 237 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” يقرر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المصاب طبقاً لأحكام المادتين 299 و 300 ، مراعياً في ذلك الظروف وجسامة الخطأ . فإن لم يتيسر له وقت الحكم أن يحدد مدى التعويض تحديداً كافياً ، فله أن يحتفظ للمصاب بالحق في أن يطالب خلال مدة معقولة بإعادة النظر في الحكم ” . وفي لجنة المراجعة أدخلت تعديلات على النص تجعله أكثر تحقيقياً للمعنى المقصود ، فأصبح النص في المشروع النهائي ( المادة 174 ) على الوجه الآتي : ” يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المضرور طبقاً لأحكام المادتين 299 و 300 ، مراعياً في ذلك الظروف وجسامة الخطأ . فإن لم يتيسر له وقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعييناً نهائياً ، فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير ” . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ استبدلت عبارة ” مراعياً في ذلك الظروف الملابسة ” بعبارة ” مراعياً في ذلك الظروف وجسامة الخطأ ” لأن جسامة الخطأ تدخل في عموم لفظ الظروف . ولما اعترض على النص بأن في تطبيقه خروجاً على قاعدة حجية الأحكام إذ أنه يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطلب خلال مدة معينة إعادة النظر في التقدير ، أجيب على هذا الاعتراض بأنه إذا كان الحكم نهائياً انتهى الأمر ، وإنما إذا رأى القاضي أن الموقف غير جلي ، واحتفظ في حكمه للمضرور بالرجوع بتعويض تكميلي خلال مدة يعينها ، فلا يتنافى ذلك مع قاعدة حجية الأحكام . وأصبح رقم المادة 170 ، ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 390 – ص 395 ) .

ويقابل هذا النص في القانون الجديد نص المادتين 121 / 179 على الوجه الآتي : ” التضمينات عبارة عن مقدار ما أصاب الدائن من الخسارة وما ضاع عليه من الكسب ، بشرط أن يكون ذلك ناشئاً مباشرة عن عدم الوفاء ” .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد نص القانون الجديد ما يأتي : ” يحجد النص مدى الضرر الذي ينجم عن الفعل الضار . ويقدر التعويض ، وفقاص للقاعدة العامة في المادة 299 من المشروع ( لا تقرأ المادة 300 ) . ويكفي أن يشار في هذا المقام إلى أن التعويض يتناول ما أصاب الدائن من خسارة وما فاته من كسب ، متى كان ذلك نتيجة مألوفة للفعل الضار . وينبغي أن يعتد في هذا الشأن بجسامة الخطأ وكل ظرف آخر من ظروف التشديد أو التخفيف . والواقع أن جسامة الخطأ لا يمكن الاغضاء عنها في منطق المذهب الشخصي أو الذاتي . ولذلك تجري التقنينات الحديثة على إقرار هذا المبدأ وتطبقه في أحوال شتى . فمن ذلك مثلا تفريق التقنين التونسي والمراكشي بين خطأ المدين وتدليسه فيما يتعلق بتقدير التعويض . وقد استظهرت المادتان 107 / 98 من هذين التقنين حكم هذه التفرقة ، فنصتا على أنه يتعين على المحكمة أن تغاير في تقدير التعويض تبعاً لما إذا كان أساس المسئولية خطأ المدين أو تدليسه . ويفرق التقنين البولوني كذلك بين التدليس والخطأ الجسيم من ناحية وبين الخطأ اليسير من ناحية أخرى ، فيقرر في المادة 160 أنه ” يعتد في تقدير الضرر المادي بقيمة الشيء وفقاً للسعر الجاري ” فضلا عما له من قيمة خاصة لدى المضرور عند توافر سوء النية أو الإهمال الفاحش ” . ويقضي تقنين الالتزامات السويسري بانقاص التعويض عدالة إذا كان الخطأ يسيراً وكانت موارد المدين محدودة ، فينص في الفقرة الثانية من المادة 44 على أنه ( إذا لم يكن الضرر ناشئاً من جراء فعل عمد أو إهمال جسيم أو رعونة بالغة ، فللقاضي أن ينقص التعويض عدالة متى كان استيفاؤها يعرض المدين لضيق الحال ) . وقد لا يتيسر للقاضي أحياناً أن يحدد وقت الحكم مدى التعويض تحديداً كافياً ، كما هو الشأن مثلا في جرح لا تستبين عقباه إلا بعد انقضاء فترة من الزمن ، فللقاضي في هذه الحالة أن يقدر تعويضاً موقوتاً بالتثبيت من قدر الضرر المعلوم وقت الحكم ، على أن يعيد النظر في قضائه خلال فترة معقولة يتولى تحديدها . إذا انقضى الأجل المحدد ، أعاد النظر فيما حكم به ، وقضى للمضرور بتعويض إضافي إذا اقتضى الحال ذلك . وعلى هذا سار القضاء المصري ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 392 – ص 393 ) .

 ( [5] ) والشخص الذي فقد إحدى عينيه ، ثم فقد العين الأخرى في حادث ، يكون الضرر الذي يصيبه بفقد العين الأخرى وصيرورته مكفوف البصر أشد بكثير من الضرر الذي يصيب من كان سليم العيني فيفقد عنيا واحدة . ومن كان عنده استعداد لمرض السل أو لغيره من الأمراض ، وأصيب في حادث ، قد تكون هذه الإصابة سبباً لأصابته بالمرض الذي هو مستعد له ، فلا يقال إن هذا الضرر لا يسال عنه المدعى عليه لأن شخصاً سليماً في مكان المضرور كان لا يصاب بهذا المرض ، إذ العبرة بشخص المضرور لا بشخص مجرد ( أنظر في هذا المعنى استئناف مختلط في 29 مارس سنة 1944 م 56 ص 97 ) .

ويقرب من ذلك أن يكون الضرر أصاب الشيء لا الشخص ، فتكون البلدية مسئولة عما أحدثته أعمال الحفر في مبنى قائم حتى لو كان هذا المبنى قديما وغير متين ، ولو كان جديداً أو متيناً لما تصدع ( استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1948 م 60 ص 149 ) .

 ( [6] ) ويدخل في الاعتبار حالة المضرور المهنية . فالحريق الذي يصيب بناء اتخذه تاجر يمارس مهنته فيه يحدث ضرراً أشد مما يصيب شخصاً اتخذ هذا البناء مسكناً له . ويختلف الضرر باختلاف المهنة ، فمرسم المهندس غير عيادة الطبيب وغير مكتب المحامي .

 ( [7] ) استئناف مختلط في 30 مارس سنة 1904 م 16 ص 180 .

 ( [8] ) قارن : استئناف مختلط في 23 يونية سنة 1927 م 39 ص 566 – مازو 3 فقرة 2403 – فقرة 2404 .

 ( [9] ) ويستثنى من ذلك الضرر إذا وقع من شخص غير مميز ، ولم يكن هناك من هو مسئول عنه أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول ، فيجوز إلزام غير المميز بتعويض عادل ( م 164 فقرة 2 ) ، وقد رأينا أن الحالة المالية لكل من المسئول والمضرور ومقدار يسار كل منهما يكون محل اعتبار في تقدير التعويض .

 ( [10] ) ومع ذلك أنظر : استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1905 م 17 ص 297 – وفي 16 ديسمبر 1908 م 21 ص 68 .

 ( [11] ) ولا يقال إنه يكون مسئولا عما أفاد بدعو الإثراء بلا سبب ، فحكم هذه الدعوى أن يدفع المدين أقل القيمتين ، وقد دفع اللص أقل القيمتين بدفعه قيمة المسروق .

وعلى العكس من ذلك يدخل في الحساب ما أفاد به المضرور من جراء الضرر الذي وقع عليه . وقد قضت محكمة النقض بأنه لا خطأ في أن تراعى المحكمة في تقدير التعويض المستحق للموظف المفصول بغير حق ما قد يفيده من التحرر من أعباء الوظيفة ( نقض مدني في 3 فبراير سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 378 ص 709 ) . وقضت أيضاً بأنه إذا كان الثابت في الحكم المطعون فيه أن الضرر الذي يشكو منه طالب التعويض ويدعى لحوقه به من جراء تنفيذ مشروع للري كان موقتا ثم زال سببه ، وأن المدعى سيفيد من المشروع المذكور في المستقبل فائدة عظمى تعوض عليه الضرر حتما في زمن وجيز ، ثم تبقى له على ممر الزمن ، وبناء على ما استخلصته المحكمة من ذلك قضت بأنه ليس هناك محل للتعويض ، فإنها لا تكون قد أخطأت ( نقض مدني في 4 مايو سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 130 ص 356 ) .

 ( [12] ) وقد كان القضاء يصرح بذلك في أول الأمر ( استئناف مختلط في أول مايو سنة 1902 م 14 ص 278 – وفي 9 ابريل سنة 1903 م 15 ص 238 ) ، ثم سكت عن التصريح . بل هو الآن يصرح في بعض الأحيان بان جسامة الخطأ لا دخل لها في تقدير التعويض . ولكن الواقع غير ذلك ، فالقاضي لا يستطيع أن يتحامى إدخال جسامة الخطأ عاملا في تقدير التعويض ، ويظهر ذلك بنوع خاص في تقدير التعويض عن الضرر الأدبي حيث ينفسح مجال التقدير . ويظهر ذلك أيضاً عند تقسيم التعويض على مسئولين متعددين كما لو اشترك عدة أشخاص في ارتكاب الخطأ ، وكما لو كان المضرور أو الغير قد ارتكب خطأ يخفف من مسئولية المدعى عليه ، ففي هذه الأحوال يقسم القضاء التعويض عليهم جميعاً ويراعى في التقسيم جسامة الخطأ الذي صدر من كل منهم ، وقد تقدم بيان ذلك .

وقد يقال إن القانون المدني الجديد لمي جعل جسامة الخطأ عاملا في تقدير التعويض ، فقد كان المشروع التمهيدي ( م 237 ) ينص صراحة على تقدير التعويض بحسب جسامة الخطأ ، ولكن هذا النص قد حذف في جلنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، مما يخرج جسامة الخطأ على أن تكون عاملا في تقدير التعويض . على أن ما نقلناه من مناقشات لجنة القانون المدني بشان المادة 170 ( أنظر آنفاً فقرة 646 في هالهامش ) صريح في أن اللجنة عندما حذفت عبارة ” جسامة الخطأ ” واستبدلت بها عبارة ” الظروف الملابسة ” إنما راعت أن جسامة الخطأ تدخل في عموم هذه الظروف ، فلم ترد أن تستبعد جسامة الخطأ من أن تكون عاملا في تقدير التعويض ( أنظر مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 393 – ص 394 ) .

 ( [13] ) يجب التمييز بين الضرر المتغير والضرر الذي لا يتيسر تعيين مداه تعييناً نهائياً وقت النطق بالحكم . ففي الحالة الثانية يجوز للقاضي أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب في خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير ، وفقاً لنص المادة 170 ، وقد سبق بيان ذلك عند الكلام في ركن الضرر . أما في الحالة الأولى فإن الضرر يكون متغيراً منذ أن وقع إلى يوم النطق بالحكم . ولا شيء يمنع من أن تجتمع الحالتان : يكون الضرر متغيراً منذ وقوعه ، وبقى يوم النطق بالحكم لا يتيسر تعيين مداه تعييناً نهائياً . وعندئذ نطبق أحكام كل من الحالتين ، ويختار القاضي الوقت الذي يقدر فيه الضرر وفقاً لما سنبينه ، ثم يحتفظ في حكمه بحق المضرور في أن يطالب في خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير وفقاً لما سبق أن بيناه .

 ( [14] ) وقد يشتد الضرر لسبب لا يرجع إلى خطأ المسئول ، كما إذا فقد المضرور إحدى عينيه في حادث ، ثم فقد الأخرى في حادث آخر . فالمسئول عن الحادث الأول يرى الضرر الذي أحدثه قد اشتد بوقوع الحادث الثاني ، فقد كان هذا الضرر في أول أمره هو فقد المضرور عينا واحدة مع بقاء الأخرى سليمة ، ثم تطور الضرر في الشدة فأصبح هو فقد هذه العين ذاتها مع زوال الأخرى . فهل يكون في هذه الحالة مسئولا عن اشتداد الضرر ؟ الظاهر أنه غير مسئول ، لأن اشتداد الضرر لا يرجع إلى خطئه هو ، بل يرجع إلى خطأ المسئول عن الحادث الثاني . وهذا المسئول هو الذي عوض عن زيادة الضرر الناشئ عن فقد المضرور لعينه الثانية بعد أن فقد العين الأولى . وقد سبق بيان ذلك .

 ( [15] ) وإذا خف الضرر قبل صدور الحكم فإن المسئول يستفيد من ذلك ، حتى لو كان التحسن لا يرجع إلى تطور الإصابة في ذاته بل إلى سبب أجنبي ، كما إذا كان المضرور في حادث أصيب في حادث آخر فمات ، فإن المسئول عن الحادث الأول يستفيد من موت المضرور إذ هو غير مسئول عنه ، وقد وضع الموت حداً للضرر الذي ترتب على الحادث الأول ، فاستفاد هو من ذلك .

 ( [16] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه كلما كان الضرر متغيراً تعين على القاضي النظر فيه لا كما كان عندما وقع ، بل كما صار إليه عند الحكم ، مراعياً التغير في الضرر ذاته من زيادة راجع أصلها إلى خطأ المسئول أو نقص كائناً ما كان سببه ، ومراعياً كذلك التغير في قيمة الضرر بارتفاع ثمن النقد أو انخفاضه وبزيادة أسعار المواد اللازمة لإصلاح الضرر أو نقصها . ذلك أن الزيادة في ذات الضرر التي يرجع أصلها إلى الخطأ والنقص فيه أياً كان سببه غير منقطعي الصلة به . أما التغير في قيمة الضرر فليس تغيراً في الضرر ذاته . وإذا كان المسئول ملزماً يجبر الضرر كاملا ، فإن التعويض لا يكون كافياً لجبره إذا لم يراع في تقيدره قيمة الضرر عند الحكم . ومن ثم كان لا وجه للقول بأن تغير القيمة لا يمت إلى الخطأ بصلة ، كما لا وجه للقول بان المضرور ملزم بالعمل على إصلاح الضرر فإذا هو تهاون فعليه تبعة تهاونه ، فإن التزام جبر الضرر واقع على المسئول وحده ، ولا على المضرور أن ينتظر حتى يوفى المسئول التزامه ( نقض مدني في 17 ابريل سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 185 ص 398 : منزل ظهر بمبانيه خلل راجع إلى تسرب المياه من أنابيب تالفة لمصلحة التنظيم ، وتقاضى صاحب المنزل تعويضاً كاملا عن إصلاح الخلل بحسب تكاليفه وقت الحكم ، وكانت قد ارتفعت ، وتعويضاً كاملا عن خلو بالمنزل ، ولم ينظر إلى أن المالك كان عليه أن يبادر إلى إصلاح الخلل بنفسه دون أن ينتظر ) – ويؤخذ على الحكم أنه لم يدخل في الحساب تهاون المضرور في إصلاح الخلل ، وهذا ضرر غير مباشر ( أنظر تعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد سنة 19 ) .

 ( [17] ) أنظر في الموضوع مازو 3 فقرة 2426 – فقرة 2428 .

 ( [18] ) أنظر تاريخ هذا النص آنفاً فقرة 437 في الهامش .

 ( [19] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بما يأتي : ” اجمع الفقهاء على انش رط الإعفاء من المسئولية عن الخطأ التعاقدي باطل إذا كان الخطأ بالغاً جسامة الغش أو الخطأ الفاحش ، أما إذا كان الخطأ يسيراً فبين الفقهاء خلاف ، فمنهم من يقول بصحة الشرط ، ومنهم من يقول ببطلانه . أما شرط الإعفاء عن الخطأ اللاتعاقدي فهو باطل إجماعاً وفي كل الأحوال ” ( استئناف مصر الوطنية في 12 فبراير سنة 1928 المحاماة 9 رقم 25 / 2 ص 44 ) . أنظر أيضاً : استئناف وطني في 10 فبراير سنة 1910 المجموعة لارسمية 11 رقم 92 ص 245 – وفي 25 يولية سنة 1922 المحاماة 2 رقم 161 / 1 ص 480 – استئناف مختلط في 16 وفي 20 فبراير سنة 1902 م 14 ص 154 – وفي 17 يونية سنة 1 914 م 26 ص 428 – وفي 10 فبراير سنة 1915 م 27 ص 155 – وفي 29 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 97 – وفي 11 مايو سنة 1922 م 33 ص 322 – وفي 10 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 – وفي 6 مايو سنة 1926 م 38 ص 396 – وفي 6 فبراير سنة 1930 م 42 ص 259 .

وانظر في القضاء الفرنسي مازو 3 فقرة 2570 .

 ( [20] ) أنظر في الفقه الفرنسي وفي نقد القضاء الفرنسي مازو 3 فقرة 2571 – فقرة 2576 .

 ( [21] ) تاريخ النص : ورد هذا النص كما هو في الفقرة الأولى من المادة 295 من المشروع التمهيدي . ولم يحدث فيه تعديل لا أمام لجنة المراجعة ( م 224 من المشروع النهائي ) ، ولا أمام مجلس النواب ، ولا أمام لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ( م 217 ) ، ولا أمام مجلس الشيوخ ( الأعمال التحضيرية 2 ص 552 – ص 554 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” ليست أحكام المادة 295 إلا تقنيناً للقواعد التي جرى القضاء المصري على اتباعها في هذا الشأن ، فقد يجعل عبء المسئولية أشد وقراً بالاتفاق على تحمل تبعة الحادث الفجائي ، وبهذا يكون المدين مؤمناً للدائن من وجه . وقد تخفف المسئولية على نقيض ذلك باشتراط الإعفاء من تبعة الخطأ التعاقدي إلا أن تكون قائمة على غش أو خطأ جسيم . فليس للأفراد حرية مطلقة في الاتفاق على تعديل أحكام المسئولية ، فكما أن الاتفاق على الإعفاء من الخطأ الجسيم والغش لا يجوز المسئولية التعاقدية ، كذلك يمتنع اشتراط الإعفاء من المسئولية التقصيرية أياً كانت درجة ويعتبر مثل هذا الاشتراط باطلا لمخالفته للنظام العام ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 553 ) .

 ( [22] ) ويقرب ذلك من الاتفاق على الإعفاء من المسئولية العقدية ، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 217 على ما يأتي : ” وكذلك يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسئولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي إلا ما ينشأ عن غشه أو عن خطأه الجسيم . ومع ذلك يجوز للمدين أن يشترط عدم مسئوليته عن الغش أو الخطأ الجسيم الذي يقع من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه ” .

وكذلك في التأمين من الحريق نصت المادة 768 على أنه ” 1 – يكو المؤمن مسئولا عن الأضرار الناشئة عن خطأ المؤمن له غير المتعمد . وكذلك يكون مسئولا عن الأضرار الناجمة من حادث مفاجئ أو قوة قاهرة . 2 – أما الخسائر والأضرار التى يحدثها المؤمن له عمدا أو غشا ، فلا يكون المؤمن مسئولا عنها ولو أتفق على غير ذلك ” . ونرى من المقابلة بين هذا النص والنص المتقدم أن المسئولية عن الخطأ الجسيم لا يجوز الإعفاء منها ، ولكن يجوز التأمين عليها .

 ( [23] ) أو كما يقول هيمار ( Hemard ) إن الحادث المؤمن ضده ( sinister ) هو المطالبة ذاتها ، قضائية كانت أو غير قضائية ( Le sinister est l’attaque meme, judiciare ou extrajudiciairo ; Hemard t .2 no . 556 ) .

وكان المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد يتضمن نصوصاً في التأمين من المسئولية ، حذفت في لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ اكتفاء بالقواعد العامة إلى أن يصدر تشريع خاص يعالج مسائل التأمين في مختلف صوره ، وقد جاء في الفقرة الأولى من المادة 830 من هذا المشروع ما يأتي : ” لا ينتج التزام المؤمن أثره إلا إذا قام المصاب بمطالبة المؤمن له وديا أو قضائياً بعد الحادث المبين في العقد ” .

 ( [24] ) ويجوز للمؤمن ، قبل ثبوت المسئولية ، أن يتدخل في الدعوى ، كما يجوز إدخاله إلا إذا اشترط عدم جواز ذلك ( مازو 3 فقرة 2671 ) . بل يجوز للمؤمن أن ينص في وثيقة التأمين على احتفاظه وحده بالحق في مباشرة الدعوى ( أنظر م 830 فقرة 3 من المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد ) .

 ( [25] ) وقد يتفق المؤمن والمؤمن له على التخفيف من هذه المسئولية ، فلا يدفع المؤمن إلا نسبة معينة من التعويض الذي يلزم به المؤمن له عندما تتحقق مسئوليته ( 80 % مثلا ) ، وهذا ما يسمى بشرط الخسارة المكشوفة ( clause de decouvert obligatoire ) . أو يتفقان على إلا يدفع المؤمن من التعويض إلا ما زاد على مبلغ معين ( خمسين جنيها مثلا ) ، فإذا كان التعويض خمسين جنيهاً أو أقل التزم به المؤمن له دون رجوع على المؤمن ، أما إذا زاد التعويض على خمسين جنيها فإن المؤمن يدفع مقدار الزيادة ، وهذا ما يسمى بشرط الخسارة المهدرة ( clause do franchise d’avarie ) . أو على العكس من ذلك يتفقان على إلا يدفع المؤمن ما زاد من التعويض على مبلغ معين ( خمسمائة جنيه مثلا ) ، فإذا كان التعويض خمسمائة أو أقل دفعه المؤمن كله ، أما إذا زاد على الخمسمائة فإن المؤمن لا يدفع إلا خمسمائة ويتحمل المؤمن له مقدار الزيادة . ( أنظر في وجوه التخفيف المختلفة مازو 3 فقرة 2661 – 2 إلى فقرة 2670 ) .

 ( [26] ) أنظر في هذا المعنى المادة 831 من المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد ، وقد حذفت في لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ كما قدمان .

 ( [27] ) ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بان المضرور في حادث أو خلفاءه يستطيعون الرجوع مباشرة على المؤمن للشخص المسئول عن هذا الحادث ، ويترتب على ذلك أنه عندما يثبت خطأ المسئول عن الحادث ثبوتاً صحيحاً ، فلا تستطيع شركة التأمين أن تدفع دعوى المضرور إلا في حدود مبلغ التعويض المتفق عليه في عقد التأمين وهي الحدود المرسومة لمسئوليتها ( استئناف مختلط في 8 مارس سنة 1939 م 51 ص 187 ) . وانظر في هذا المعنى أيضاً : استئناف مختلط في 18 ابريل سنة 1935 م 47 ص 257 – وفي 19 يناير سنة 1938 م 50 ص 105 .

والقول بان للمضرور دعوى مباشرة قبل شركة التأمين دون نص لا يمكن تخريجه وفقاً للقواعد العامة إلا عن طريق الاشتراط لمصلحة الغير ، فيقال إن المؤمن له عندما تعاقد مع شركة التأمين اشترط لمصلحة المضرور ، فصار لهذا حق مباشر قبل شركة التأمين . ويرجع في ذلك لوثيقة التأمين لينظر هل يمكن أن يستخلص من نصوصها هذا الاشتراط .

 ( [28] ) وقد نص القانون المدني الجديد على حلول قانون فيما يتعلق بالتامين من الحريق ، فقضت المادة 771 بما يأتي : ” يحل المؤمن قانوناً بما دفعه من تعويض عن الحريق في الدعاوى التي تكون للمؤن له قبل من تسبب بفعله في الضرر الذي نجمت عنه مسئولية المؤمن ، ما لم يكن من أحدث الضرر قريباً أو صهراً للمؤمن له ممن يكنون معه في معيشة واحدة أو شخصاً يكون المؤمن له مسئولا عن أفعاله ” . ولكن هذا النص خاص بالتأمين من الحريق ، وهو كما نرى يمنع صراحة من الحلول إذا كان من أحدث الضرر شخصاً يعتبر المؤمن له مسئولا عن أفعاله .

 ( [29] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يجوز للمؤمن أن يرجع باسمه عن طريق الدعوى المباشرة على المسئول عن الضرر ، لا تمسكا بالقواعد العامة في المسئولية المدنية ، ولا احتجاجا بالحلو القانونين ( استئناف مختلط في 15 ديسمبر سنة 1938 م 45 ص 74 – وانظر أيضاً : استئناف مختلط في 21 فبراير سنة 1934 م 46 ص 178 ) . ولكن يجوز أن يكون للمؤمن دعوى مباشرة إذا كان المؤمن له قد نزل للمؤمن عن دعواه ( استئناف مختلط في 15 ديسمبر سنة 1932 م 45 ص 74 – وفي 21 فبراير سنة 1934 م 46 ص 178 – وفي 8 ديسمبر سنة 1935 م 48 ص 272 – وفي 20 مايو سنة 1936 م 48 ص 278 ) .

ومع ذلك قارن استئناف مختلط في 15 فبراير سنة 1923 جازيت 14 رقم 10 ص 12 وسنعود إلى ذلك فيما يلي .

 ( [30] ) وقد يجتمع التعويض مع الدية في قانون تحقيق الجنايات الوطني القديم ( أنظر م 56 من هذا القانون ) ، إذ التعويض غير الدية ( محكمة الاستئناف الوطنية في 11 مارس سنة 1897 الحقوق 12 ص 239 – محكمة أسيوط في 7 أكتوبر سنة 1901 المجموعة الرسمية 4 رقم 21 ص 51 ) .

 ( [31] ) وإذا كان عقد التأمين عقداً احتمالياً بالنسبة إلى المؤمن له – فهو قد يتقاضى مبلغاً اكبر من مجموع الأقساط التي دفعها إذا وقع الحادث المؤمن منه وقد لا يتقاضى شيئاً أصلاً إذا لم يقع – فإن العقد بالنسبة إلى الشركة ليس بالعقد الاحتمالي لأن الشركة تعوض خسارتها عند بعض المؤمن لهم بمكسبها عند بعض آخر ، وهي في مجموع صفقاتها غير خاسرة ، وقد أقامت عملها على هذا الأساس . أما الحادث المؤمن منه فليس حادثاً تعوض عنه شركة التأمين ، بل هو شرط يجب على الشركة عند تحققه أن تدفع للمؤمن له مبلغ التأمين .

إذن يجب التسليم بان المضرور يستطيع أن يجمع بين الحقين ، حقه في التعويض ضد المسئول ، وحقه في مبلغ التأمين ضد الشركة . وكل من الحقين له مصدر مستقبل عن مصدر الحق الآخر ، فاحدهما مصدره العمل غير المشروع والآخر مصدره العقد .

وإذا كان التشريع الفرنسي الصادر في 13 يولية سنة 1930 قد نص في المادة 36 منه ، في التأمين على الأشياء ، على حلول شركة التأمين محل المضرور في الرجوع على المسئول بمقدار مبلغ التأمين الذي دفعته الشركة ، فليس ذلك إلا مراعاة لاعتبار عملي هو إلا يكون التأمين على الأشياء مصدر ربح للمؤمن له ، فيتقاضى التعويض ومبلغ التأمين معاً ، لئلا يغريه ذلك على إتلاف الشيء الذي امن عليه . وإذا كان هذا التشريع في المادة 55 منه ، في التأمين على الأشخاص قد نص على عدم حلول شركة التأمين محل المضرور في الرجوع على المسئول ، فذلك إنما هو رجوع إلى تطبيق القواعد العامة من جواز الجمع بين الحقين كما قدمنا ، بعد أن انتفى الاعتبار العملي الذي كان يمنع من الجمع بينهما ، إذ قل أن يصيب الشخص نفسه طمعاً في مبلغ التأمين ، وإذا هو فعل فمن السهل افتضاح أمره .

وقد طبق القانون المدني الجديد مبدأ عدم حلول الشركة محل المؤمن له في التأمين على الحياة ، فنص في المادة 765 على أنه ” في التأمين على الحياة لا يكون للمؤمن الذي دفع مبلغ التايمن حق في الحلو محل المؤمن له أو المستفيد في حقوقه قبل من تسبب في الحادث المؤمن منه أو قبل المسئول عن هذا الحادث ” ، ويتبين من هذا النص أن المؤمن له ، في التأمين على الأشخاص ، يجمع بين مبلغ التعويض ومبلغ التأمين . كذلك قرر القانون الجديد مبدأ حلول الشركة محل المؤمن في التأمين من الحريق ، فقد رأينا أن المادة 771 تنص على أنه ” يحل المؤمن قانوناً بما دفعه من تعويض عن الحريق في الدعاوى التي تكون للمؤمن له قبل من تسبب بفعله في الضرر الذي نجمت عنه مسئولية المؤمن ، ما لم يكن من أحدث الضرر قريباً أو صهراً للمؤمن له ممن يكونون معه في معيشة واحدة أو شخصا يكون المؤمن له مسئولا عن أفعاله ” . ويتبين من هذا النص أن المؤمن له ، في التأمين على الأشياء ، لا يجمع في الأصل بين الحقين ، وأن الشركة تحل محله في الرجوع على المسئول إلا إذا كان التأمين يشمله ضمناً .

 ( [32] ) وقد رأينا محكمة الاستئناف المختلطة تقضي بأنه لا يجوز للمؤمن إن يرجع باسمه عن طريق الدعوى المباشرة على المسئول عن الضرر ، إلا إذا كان المؤمن له قد نزل له عن دعواه ( أنظر آنفاً فقرة 658 في الهامش ) . وقد قضت أيضاً ، في ظل القانون القديم حيث لا يوجد نص على حلول المؤمن محل المؤمن له في التأمين على الأشخاص ( استئناف مختلط في 21 مايو سنة 1939 م 51 ص 356 ) . وقضت كذلك بان المسئول عن الحريق لا يستطيع أن يتخلص من نتائج هذه المسئولية قبل المضرور بدعوى أن المضرور قد امن على نفسه من حريق ، بل ولا بحجة أنه قد استولى على مبلغ التأمين من المؤمن ( استئناف مختلط في أول مارس سنة 1916 م 28 ص 180 ) . ومع ذلك فقد قضت هذه المحكمة بأنه لا يصح ، كمبدأ عام ، المنازعة ف يحق المؤمن في الرجوع ، باسمه أو باسم المؤمن له ، بدعوى المسئولية على المسئولين عن وقوع الحادث المؤمن منه ( استئناف مختلط في 15 فبراير سنة 1923 جازيت 14 رقم 10 ص 12 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) .

 ( [33] ) محكمة مصر الجزئية المختلطة في 28 مارس سنة 1929 جازيت 20 رقم 209 ص 200 – قارن استئناف مختلط في 15 يناير سنة 1925 م 37 ص 165 .

 ( [34] ) كذلك لا يجوز الجمع بين مطالبة رب المصنع بالتعويض بمقتضى قانون أصابات العمل والتعويض طبقاً للقواعد العامة في المسئولية . وقد قضت محكمة النقض بأنه لا يجوز الجمع بين أحكام قانون أصابات العمل باعتباره من القوانين الخاصة وأحكام القانون العام في المطالبة بتعويض الضرر المدعى به ، لأن القانون الأول مجال تطبيقه الأحوال التي أراد فيها المشرع أن يرعى جانب العمل نظراً لمخاطر العمل بعدم تحميله عبء إثبات خطأ صاحب العمل أو تقصيره عند المطالبة بالتعويض . فإذا ما لجأ العامل إلى أحكام هذا القانون واتخذها سنداً له في طلب التعويض ، فإنه لا يصح له بمقتضى المادة الرابعة أن يتمسك بأي قانون آخر ضد صاحب العمل ما لم يكن الحادث المطلوب عنه التعويض قد نشأ عن خطأ فاحش . ولكن إذا كان المدعى بنى طلب التعويض على قانون أصابات العمل ، ثم طالب بتعويض بناء على قواعد المسئولية العامة ، وطلب الحكم له بالتعويضين على اعتبار انهما طلبان أصليان ، فاستبعدت المحكمة تطبيق قانون أصابات العمل ، فإنه يكون من المتعين عليها أن تنظر في الطلب المؤسس على القانون العام ( نقض مدني في 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 156 ص 436 ) .

 ( [35] ) وقد قضت محكمة النقض بأن حادث وفاة المستخدم التي يترتب عليها التزام الحكومة بالمكافأة الاستثنائية لأرملته وأولاده بموجبة قانون المعاشات قد يترتب عليها أيضاً التزام من يكون مسئولا عن الحادث بالتعويض الذي يستحق بموجب القانون المدني . ولما كان قانون المعاشات قد رتب استحقاق المكافأة الاستثنائية على وقوع الحادثة ، واجاز زيادتها تبعاً لظروف الحال ، فإنه يكون قد بين أن غرضه هو أن يجبر بقدر معلوم الضرر الواقع لأرملة المستخدم وأولاده . فهذان الالتزامان ، وإن كانا مختلفين في الأساس القانونين ، هما متحدان في الغاية ، وهي جبر الضرر الواقع للمضرور . وهذا الجبر ، وإن وجب أن يكون كاملا مكافئاً لمقدار الضرر ، فإنه لا يجوز أن يكون زائداً عليه ، إذ أن كل زيادة تكون إثراء لا سبب له . ومن ثم فإنه عند ما تكون الحكومة مسئولة أيضاً عن التعويض الذي أساسه القانون المدني يكون من المتعين خصم مبلغ المكافة الاستثنائية من كامل مبلغ التعويض المدني المستحق . وهذا النظر يتفق وما قرره الشارع في حالة مماثلة ، فإن قانون أصابات العمل رقم 65 سنة 1936 الذي قرر التزام صاحب العمل – على غرار التزام الحكومة بقانون المعاشات – بان يدفع بقدر معلوم كذلك تعويضاً للعامل المصاب ، نص على عدم الجمع بين هذا التعويض والتعويض المستحق بموجب القانون المدني ( نقض مدني في 3 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 95 ص 251 ) . وقضت أيضاً بان استناد الحكم المطعون فيه إلى المادة 33 من قانون المعاشات ( رقم 5 لسنة 1909 ) دون المادة 39 منه لا يؤثر على سلامة النظر الذي ذهب إليه باعتبار أن المكافأة التي منحتها الطاعنة المطعون عليه هي مكافأة استثنائية بقدر معلوم استحقها وفقاً لهذا القانون كتعويض على مجرد الإصابة التي لحقته وأقعدته عن مواصلة العمل في خدمة الحكومة ، وأن حقه في التعويض الكامل الجابر للضرر الذي لحقه يظل مع ذلك قائماً وفقاً لأحكام القانون المدني إذا كانت هذه الإصابة قد نشأت من خطأ تسأل عنه الطاعنة ( نقض مدني في 27 أكتوبر سنة 1949 طعن رقم 34 سنة 18 قضائية ) .

ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض بان المعاش الخاص المقرر لرجال الجيش بقانون المعاشات العسكرية رقم 59 لسنة 1930 عن اصابتهم بعمل العدو أو بسبب حوادث في وقائع حربية أو في مأموريات امروا بها لا علاقة لها بالتعويض الذي يستحقه صاحب المعاش قبل من سبب له الإصابة عن عمد أو تقصير منه ، وذلك لاختلاف الأساس القانونين للاستحقاق في المعاش عنه في التعويض ( نقض جنائي في 8 ديسمبر سنة 1941 مجموعة عمر الجنائية 5 رقم 317 ) . وهذا الحكم قد حاد عن المبدأ الصحيح الذي قررناه ، وقد انتقده بحق الدكتور سليمان مرقص في تعليقه المنشور بمجلة القانون والاقتصاد 17 العدد الثاني .

 ( [36] ) نقض مدني في 3 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 95 ص 251 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم في الحاشية السابقة . ويقرر الحكم ، في المسألة التي نحن بصددها ، ما يأتي : ” ولكن المكافأة العادية التي تستحقها ورثة المستخدم عند وفاته وفاة طبيعية والتي لا علاقة لها بالحادثة ولا بالتعويض المستحق عنها ، فهذه تبقى مستحقة للورثة بالإضافة إلى التعويض ” .

 ( [37] ) الموجز للمؤلف فقرة 345 .

 ( [38] ) ومع ذلك فإن هذه النصوص ، على ما فيها من عيوب ، كانت خيراً من مثيلتها في القانون المدني الفرنسي ( م 1384 ) التي لم تضع قاعدة عامة ، بل اقتصرت على ما ذكر طوائف من المسئولين على سبيل الحصر ( أنظر مازو 1 فقرة 712 – فقرة 719 ) .

 ( [39] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 241 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : 1 – كل من يجب عليه قانوناً أو اتفاقا رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة ، بسبب صره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية ، يكون ملزماً بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص للغير بعمله غير المشروع . ويبقى هذا الالتزام قائماً حتى لو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز . 2 – ويستطيع المكلف بالرقابة أن يخلص من المسئولية استئناف إذا اثبت أنه قام بواجب الرقابة ، أو اثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية ” . وفي لجنة المارجعة عدلت المادة ، بعد أن أصبح رقمها 177 في المشروع النهائي ، على الوجه الآتي : ” 1 – كل من تولى رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة ، بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية ، يكون ملزماً بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص للغير بعمله غير المشروع . ويترتب هذا الالتزام ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز . 2 – ويعتبر القاصر في حاجة إلى الرقابة إذا لم يبلغ خمس عشرة سنة أو بلغها وكان في كنف القائم على تربيته . وتنتقل الرقابة على القاصر إلى معلمه في المدرسة أو في الحرفة ما دام القصار تحت اشراف المعلم ، وتنتقل الرقابة على الزوجة القصارة إلى زوجها أو إلى من يتولى الرقابة على الزوج . 3 – ويستطيع المكلف بالرقابة أن يخلص من المسئولية إذا اثبت أنه قام بواجب الرقابة ، أو اثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية ” . وقد قام هذا التعديل على الاعتبارين الايتين : ( أولاً ) تجنب جعل المسئولية على من يجب عليه قانوناً رقابة شخص ، فإن هذا من شأنه أن يثير فكرة الولاية على النفس وأحكامها في الشريعة الإسلامية مما قد لا يتفق تماما مع فكرة الرقابة في القانون الحديث . ( ثانياً ) حدد في التعديل إلى أي سن يكون الصبي في حاجة إلى الرقابة ومتى تنتقل الرقابة الىالمعلم في المدرسة أو في الحرفة وإلى من تنتقل الرقابة على الزوجة القاصر . وقد اشير في لجنة المراجعة إلى تدرج في التشدد في افتراض الخطأ ، فتارة ينتفي الافتراض بإثبات عدم الخطأ ، وطوراً بإثبات عدم القدرة على منع العمل غير المشروع ، وثالثة بإثبات السبب الأجنبي وهذا ينفي علاقة السببية لا ينفي افتراض الخطأ . ويبدو عند التامل أن دفع المسئولية إنما يكون باحد أمرين : إما بنفي الخطأ وإما بنفي علاقة السببية . ففي الحالة الأولى من هذه الحالات الثلاثة المتدرجة قد انتفى الخطأ ، وفي الحالتين الثانية والثالثة قد انتفت علاقة السببية ( أنظر : نقض مدني في 19 نوفمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 94 / 1 ص 198 وسنعود إلى هذا الحكم فيما يلي ) . وقد وافق مجلس النواب على النص كما ورد في الشمروع النهائي . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة انتهت إلى إضافة كلمة ” المشرف ” في الفقرة الثانية وإلى استبدال عبارة ” كل من يجب عليه قانوناً أو اتفاقاً رقابة شخص ” بعبارة ” كل من تولى رقابة شخص ” لأن مناط المسئولية هو وجود التزام بالرقابة والالتزام في هذه الحالة إما أن يكون مصدره الاتفاق أو نص القانون . وأصبح رقم المادة 173 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 405 – ص 412 ) .

 ( [40] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” يفصل نص المشروع ما ورد من النصوص في التقنين المصري الحالي من وجوه ثلاثة . فهو يحدد أولاً فكرة الرقابة تحديداً بيناً . ويراعى أن نصوص التقنين الحالي ، وإن كانت تفضل من هذه الناحية نصوص التقنين الفرنسي ، من حيث تدارك ما اعتور أحكام هذا التقنين من نقص في بيان من لهم حق الرقابة ، إلا إنها في صياغة هذه الفكرة قد بالغت في الإيجاز والاقتضاب . وقد عمد المشروع إلى تحليل الالتزام بالرقابة ، فبين علته ومصدره . فقد يحتاج الإنسان إلى الرقابة إما بسبب قصره ، وإما بسبب حالته العقلية أو الجسمية . ولهذا يشرف الأب أو من يقوم مقامه على ابنه القاصر ما بقى الابن محتاجاً إلى الرقابة . ويقدر القاضي تبعاً للظروف ما إذا كانت حياة القاصر إلى هذه الرقابة لا تزال قائمة . وكذلك يقوم مباشر العمل على رقابة صبيانه ، والمعلم على رقابة تلاميذه ، والرقيب أو الممرض على رقابة من نيطت به رقابتهم من المجانين أو الزمنى ، ما بقى هؤلاء الأشخاص جميعاً في حاجة إلى تلك الرقابة بسبب حالتهم العقلية أو الجسمانية . أما فيما يتعلق بمصدر الالتزام بالرقابة فهو في الأصل نص القانون ، فأحكام قانون الأحوال الشخصية هي التي تلقى عبء الرقابة على الأب أو الأم أو الوصى على حسب الأحوال . وقد يفرض الالتزام بالرقابة بمقتضى اتفاق خاص ، كما هو الشأن في الحارس ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 406 – ص 407 ) .

 ( [41] ) وقد قضت محكمة القاهرة الجزئية المختلطة بأن رئيس الحزب السياسي لا يعتبر مسئولا لا عن الأعمال الجماعية لحزبه ولا عن الأعمال الفردية لأعضاء الحزب ( 15 يونية سنة 1910 جازيت 1 ص 159 ) .

 ( [42] ) وكان القانون المدني القديم : كما رأينا ، غير صريح في بيان الأحوال والشروط التي يعتبر فهيا الأب متولياً الرقابة على ابنه . ومن ثم اضطربت أحكام القضاء في ذلك .

فهناك من الأحكام ما ساير القانون المدني الفرنسي ( م 1384 ) ، فجعل الأب متولياً الرقابة على ابنه ما دام الابن قاصراً لم يبلغ سن الرشد وكان مقيماً مع أبيه . من ذلك ما قضت به محكمة استئناف مصر الوطنية من أن الأب يبقى مسئولا مدنياً عن الأضرار التي تحصل من ابنه إلى حين بلوغه سن الرشد ، ولا يشترط لتحقيق هذه المسئولية إلا إقامة القاصر مع أبيه ( 31 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 494 ص 990 – أنظر أيضاً : استئناف مصر الوطنية في 7 مارس سنة 1933 المحاماة 14 رقم 178 / 2 ص 351 ) – وقضت كذلك بان رعاية الأب تقوم على ابنه لتحقيق أمرين اساسيين : أولهما إذا كان الابن منصبا مع والده ، والثاني إذا كان قاصراً عن درجة البلوغ ( استنئاف مصر الوطنية في 2 مايو سنة 1940 المحاماة 20 رقم 610 ص 1358 ) . وقضت محكمة أسيوط الكلية بأنه لما كان منشأ مسئولية الآباء عن أعمال ابنائهم سلطة الآباء سالفة الذكر ، فتكون هذه المسئولية ملازمة لهذه السلطة ، فتزول بزوالها ، وتقوم بوجودها . ولهذا قيد الشارع الفرنسي هذه المسئولية في المادة 1384 بقيدين ، الأول إقامة الوالد مع ابنه ، وثانيهما كون الابن قاصراً . فإذا كان الولد رشيداً يدير أمور نفسه ، أو كان الولد غير مقيم مع والده كأن ألحق بالجيش قبل بلوغه سن الرشد ، أو كان والده غائباً عنه غيبة منقطعة ، فلا سلطة للأب في هذه الأحوال ، وبالتالي فلا مسئولية ( 8 نوفمبر سنة 1933 المحاماة 14 رقم 222 / 2 ص 425 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بألا مسئولية على الأب عن أعمال ابنه الذي بلغ سن الرشد ( استئناف مختلط في 3 يناير سنة 1906 م 18 ص 83 ) .

وهناك أحكام ربطت تولى الأب الرقابة على ابنه بسن الولاية على النفس وهي خمس عشرة سنة . من ذلك ما قضت به محكمة النقض من أن المادة 151 من القانون المدني ( القديم ) إذ نصت في الفقرة الثانية علىمساءلة الإنسان عن تعويض الضرر الناشئ للغير ” عن إهمال من هم تحت رعايته ” . . . قد دلت بوضوح على أن هذه المسئولية التي قررتها استثناء وخروجاً على الأصل إنما تقوم على ما للمسئول من سلطة على من باشر ارتكاب الفعل الضار وما تقتضيه هذه السلطة من وجوب تعهده بالحفظ والمراقبة لمنع الضرر عنه ومنعه من الأضرار بالغير . وإذا كانت السن إحدى موجبات الحفظ ، فتأتي المسئولية من ناحيتها هو كون سن من باشر ارتكاب الفعل الضار يقتضي وضعه تحت حفظ غيره ، ولا اعتبار هنا للسن المحددة في القانون للولاية على المال ، فإن الحفظ ( garde ) الذي هو أساس المسئولية بمعناها لغة وقانوناً متعلق مباشرة بشخص الموضوع تحت الحفظ ، إذ قد يكون الإنسان قاصراً فيما يختص بماله ، ومع ذلك لا ولاية لأحد على نفسه ، ولا سلطة فيما يختص بشخص . وإذن ففي دعوى التعويض المرفوعة على مقتضى المادة المذكورة لا يكون تعرف من وقع منه الضرر إلا لمعرفة هل هذه السن توجب وضعه تحت حفظ من رفعت عليه الدعوى أم لا فالحكم إذا أسس قضاءه برفض دعوى التعويض المرفوعة على والد المتهم على ما تبينته المحكمة ، أن المتهم قد تجاوزت سنه الحد الذي تنتهي به ولاية أبيه على نفسه ، يكون قد أصاب ولم يخطئ ( نقض جنائي في 4 يناير سنة 1943 المحاماة 24 رقم 100 ص 326 ) . وقضت في حكم آخر بان الحكم المطعون فيه إذ اعتبر الوالد مسئولا عن عمل ابنه بعد أن كان قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره ، وكانت سنه وقت الحادثة أكثر من تسع عشرة سنة ، واذ قال إن الابن يبقى في حفظ أبيه حتى يبلغ إحدى وعشرين سنة ، يكون قد أخطأ ، لأن حق الحفظ بالنسبة للصغير مرتبط بالولاية على النفس ، وينتهي بانتهائها ، ولا شأن له بالمال ولا بنفس الولاية على المال ( نقض جنائي في 3 مايو سنة 1943 المحاماة 24 ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

وانظر تعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 16 ص 145 – ص 161 . وتعليقاً له آخر في مجلة القانون والاقتصاد 19 العددين الأول والثاني ) . وقضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بأن الولد لا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشرة من عمره اخذاً برأي الصاحبين في الولاية على النفس ، ويكون مسئولا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله ، فيسأل عن عدم احتياطه وإهماله ، كما أنه ابتداء من هذه السن أيضاً مسئول عن جرائمه كما تقضي بذلك المادة 66 عقوبات . وعلى ذلك كان من الخطأ القول بمسئولية الأب حتى بلوغ الابن سن الرشد القانونين ، أي سن الحادية والعشرين ( 11 يولية سنة 1933 المحاماة 14 رقم 219 / 2 ص 420 – أنظر أيضاً : محكمة السيدة زينب في 14 يناير سنة 1934 المحاماة 15 رقم 26 / 2 ص 59 – محكمة دكرنس في 26 يونية سنة 1935 المحاماة 16 رقم 44 ص 108 ) .

وهناك حكم أخذ بما استقر عليه القانون المدني الجديد ، إذ قضت محكمة العطارين بأن مسئولية الأب عن ابنه لا تفترض بعد بلوغ الابن سن الواحدة والعشرين ، وإنما يحتفظ القاضي بحرية التقدير فيما بين الخامسة عشرة والواحدة والعشرين ( 25 يولية سنة 1933 المحاماة 15 رقم 137 / 2 ص 299 ) . ويقرب من هذا حكم محكمة الاستئناف الوطنية المنشور في صلب حكم محكمة النقض الجنائية في 17 فبراير سنة 1947 مجموعة عاصم للنقض الجنائي 2 – 27 – 21 .

ويرى الدكتو سليمان مرقص أن القانون المدني القديم لم يكن يحدد سناً معينة تقف عندها مسئولية الأب المفترضة عن ابنه ، وقد تقوم هذه المسئولية حتى بعد بلوغ الابن سن الرشد متى كان باقياً تحت رعاية أبيه وفي كنفه ( أنظر تعليقه المشار إليه في مجلة القانون والاقتصاد 16 ص 148 – ص 149 . وانظر تعليقاً آخر له في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 338 – ص 344 ) .

 ( [43] ) وقد يكون للأم الرقابة على ولدها إذا كان لا يزال في سن الحضانة ، فمتى انتهت هذه السن بقيت الرقابة للأب وحده . وقد قضت محكمة بورسعيد الجزئية المختلطة بأن الأب دون الأم هو المسئول عن أفعال ولده عندما يبلغ سن التمييز ( سبع سنوات ) ، لأن الأب هو وحده الذي يتولى الرقابة على ولده منذ أن يبلغ هذه السن ( 15 يونية سنة 1929 جازيت 20 رقم 191 ص 177 ) .

وقد قضت محكمة مصر الوطنية بأن أم القاصر مسئولة عنه ولو لم تكن هي الوصية عليه ( 7 فبراير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 119 / 2 ص 332 ) .

 ( [44] ) وقد قضت محكمة النقض بألا خطأ إذا نفي الحكم تقصير الوالد في ملاحظة ابنه بناء على أن الحادثة التي وقعت من هذا الابن قد حصلت أثناء وجوده في المدرسة بمنأى عن والده الذي يقيم في بلد آخر وفي رعاية غيره من القائمين بشؤون المدرسة ( نقض مدني في 19 نوفمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 94 / ص 198 ) . وقضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن مسئولية الوالد عن أفعال ابنه المضرة بالغير ترتفع عنه متى كان ابنه بعيداً عن رقابته . مسئولاً برعاية المدرسة التي تتولى أمر تعليمه ، فالاعتداء الذي يقع من ابنه أثناء وجوده بالمدرسة بسبب عدم المراقبة والملاحظة لا يجعل الوالد مسئولاً بطريق التضامن مع إدارة المدرسة لأنها هي المسئولة عن تلاميذها من وقت دخولهم المدرسة إلى وقت انصرافهم ( 13 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 128 ص 239 ) . ولا يكون الأب مسئولاً ما دام ابنه بعيداً عن رقابته ، مشمولاً برعاية المدرسة ، حتى لو كان الاعتداء الصادر من الابن قد وقع على المعلم نفسه الذي انتقلت إليه الرقابة .

ومع ذلك قد تتحقق مسئولية الأب عن خطـأ يرتكبه الابن وهو في المدرسة ، إذا كان خطأ الابن مسبوقاً بخطأ ثابت في جانب الأب . وقد قضت محكمة السين الفرنسية بأنه ولو أن الابن القاصر يقيم بعيداً عن والده بمدرسة بقسمها الداخلي ، إلا أن مسئولية الأب تتحقق إذا ثبت أن العمل الذي ارتكبه الابن كان مسبوقاً بخطأ ارتكبه الأب نتيجة سوء تربيته ، كما لو عود ابنه على استعمال الأسلحة النارية ، واشتري له مسدساً ، وسمح له بحمله داخل المدرسة . وتقوم مسئولية الأب بجانب مسئولية مدير المدرسة التي ترتبت على عدم رقابة حمل هذا السلاح واستعماله ( 15 مارس سنة 1930 المحاماة 11 رقم 67 ص 109 ) .

 ( [45] ) انظر في مسئولية المدرسين المفترضة ومسئولية الدولة التي تحل محلها في القانون الفرنسي ، ثم في القانون 5 أبريل سنة 1937 الذي جعل مسئولية المدرس في فرنسا تقوم على خطأ واجب الإثبات لا على خطأ مفترض ، مع حلول الدولة محل مدرسيها في بعض الحالات ، إلى مازو 1 فقرة 784 – فقرة 851 – 51 .

 ( [46] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأن الوالد مسئول عن ولده القاصر ، ولو كان هذا الولد تلميذاً ، ما دام قد ارتكب العمل خارج المدرسة وفي وقت لم يكن فيه تحت ملاحظة معلمية 291 مايو سنة 1916 الشرائع 3 رقم 221 ص 611 – حقوق 32 ص 2 ) .

 ( [47] ) وقد قضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بأنه إذا ارتكب المجنون جرماً كان والده مؤاخذاً مدنياً عن عمله ( 19 مايو سنة 1930 المحاماة 11 رقم 41 ص 75 ) – وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الزوج يسأل عن زوجته وهي تسوق السيارة وهو إلى جانبها ، وكان يستطيع أن يحد من سرعتها ( 24 ديسمبر سنة 1925 م 38 ص 137 – وهذا يجوز أن تكون مسئولية الزوج هي مسئولية المتبوع عن تابعه ، وبخاصة إذا لم تكن الزوجة قاصراً ) .

 ( [48] ) هذا ما لم يعتبر رئيس المدرسة مسئولاً عن سلامة التلاميذ مسئولية عقدية ، فيكون مسئولاً عما يلحقه التلميذ من الأذى بنفسه إلا إذا أثبت السبب الأجنبي . ويعتبر رئيس المدرسة مسئولاً عن سلامة التلاميذ بوجه خاص في أثناء الرحلات المدرسية .

وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية ( 24 ديسمبر سنة 1939 المحاماة 20 رقم 493 ص 1166 ) بأن إدارة المدرسة التي ترتب أمر رحلة التلاميذ مدرستها الابتدائية تلتزم قبل أهليهم برعايتهم ، وعلى ذلك فهي ضامنة سلامتهم وردهم إليهم ، وتكون مسئولية عن كل ما يصيبهم في هذه الرحلة مسئولية عقدية تترتب عليها بمجرد إصابتهم ، وعليها هي يقع عبء إثبات عذرها ، بأن تثبت أن مندوبيها في الرحلة قاموا بواجب الملاحظة المفروضة عليهم على وجه مرضى ، وأن تقصيراً لم يقع منهم ، وان أية مراقبة مهما بلغت درجتها من الشدة ما كانت لتحول دون وقوع الحادث للتلميذ . ويلاحظ في شأن هذا الحكم أن المحكمة عندما طالبت إدارة المدرسة بنفي المسئولية لم تكن واضحة في تعيين الأمر الذي يطلب من الإدارة إثباته . فقد ذكرت أن الإدارة تثبت أن مندوبيها في الرحلة قاموا بواجب الملاحظة المفروض عليهم على وجه مرضى وان تقصيراً لم يقع منهم . وهذا لا يكفي ، فالمسئولية عقدية ولا تنتفي إلا بإثبات السبب الأجنبي ، لا بمجرد نفي الخطأ ، والذي ينتفي بمجرد نفي الخطأ هو المسئولية عن الضرر الذي وقع من التلميذ لا الضرر الذي يقع عليه . ولكن المحكمة ذكرت بعد ذلك أن إدارة المدرسة يجب عليها أن تثبت أن أية مراقبة مهما بلغت درجتها من الشدة ما كانت لتحول دون وقوع الحادث للتلميذ . ومعنى ذلك أن إدارة المدرسة يجب عليها أن تثبت القوة القاهرة ، والقوة القاهرة بسبب أجنبي تنتفي به المسئولية العقدية . ويمكن تخريج حكم المحكمة على هذا الوجه ، لولا التضارب الذي ورد في عباراتها ( أنظر تعليقاً على هذا الحكم للدكتور سليمان مرقص في محله القانون والاقتصاد 13 ص 344 – ص 346 ) .

 ( [49] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وينص المشروع على أن مسئولية الشخص عما يقع ممن نيطت به رقابتهم تظل قائمة ، ولو كان محدث الضرر غير مميز . وهو بذلك يقرر الحكم المتبع في ظل التقنين الحالي . يبد أنه رؤى من الأنسب أن ينص صراحة على هذا الحكم ، إذ قد يكون في عدم تمييز الفاعل الأصلي ، وارتفاع مسئولية تفريعاً على ذلك ، مدخل للشك عند التطبيق ، باعتبار أن المسئولية التبعية لا تقوم إلا مستندة إلى مسئولية أصلية . ولكن الواقع أن مسئولية المكلف بالرقابة في هذه الحالة ليست من قبيل المسئوليات التبعية ، بل هي مسئولية أصلية أساسها خطأ مفترض ، وهي بهذه المثابة مسئولية شخصية أو ذاتية . أما غير المميز فهو الذي تقع على عاتقه مسئولية مادية أو موضوعية يتحقق فيها معنى التبعية عند تعذر رجوع المصاب بالتعويض على المكلف بالرقابة ، وهو المسئول بطريق الإصالة مسئولية ذاتية أو شخصية ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 407 ) .

وقد رأينا فيما قدمناه أن متولي الرقابة لا يكون مسئولاً عن عمل غير المميز إلا إذا كان هذا العمل قد استوفي الركن المادي للخطأ وهو التعدي ، دون الركن المعنوي وهو التمييز فالعمل المشروع الذي يصدر من عديم التمييز لا يوجب مساءلة متولي الرقابة ، لأن هذا العمل ليس بتعد . وإنما تقوم مسئولية متولي الرقابة إذا كان العمل الصادر من عديم التمييز الركن المادي للخطأ دون الركن المعنوي ( أنظر في هذا المعني تعليقاً للدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 337 – ص 338 ) .

 ( [50] ) ومع ذلك فقد كان القانون المدني القديم اقل وضوحاً في إقامة المسئولية على الخطأ مفترض . ومن ثم قضت بعض الأحكام في عهد هذا القانون بأن مسئولية متولي الرقابة تقوم على خطأ ثابت لا على خطأ مفترض . من ذلك ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه لا يوجد خطأ مفترض في جانب متولي الرقابة ، بل يجب إثبات خطأ الأب إذا كان ابنه قاصر قد اختلس رخصة قيادته ( 22 مايو سنة 1940 م 52 ص 281 – وانظر أيضاً :استئناف مختلط في 8 مايو سنة 1930 م 42 ص 486 – وفي 8 فبراير سنة 1939 م 51 ص 148 ) . فإذا ترك الأب السيارة لابنه الصغير بالرغم من أن هذا لايتقن فن قيادة السيارات ، ارتكب الأب خطأ ثابتاً لا خطأ مفترضاً ( استئناف مختلط في 19 أبريل سنة 1939 م 51 ص 263 ) .

أما القانون المدني الجديد فهو قاطع في التصريح بأن مسئولية متولي الرقابة تقوم على خطأ مفترض .

 ( [51] ) أنظر في هذا المعني مازو 1 فقرة 767 ويتبين من ذلك أن مسئولية متولي الرقابة تقوم على خطأ شخصي في جانبه ، فهو ليست مسئولية عن الغير كمسئولية المتبوع عن التابع ، بل هي مسئولية ذاتية قامت على خطأ شخصي افتراضنا أن متولي الرقابة قد ارتكبه فعلاً .

 ( [52] ) وهذا ما لم يقم في جانب الشخص الخاضع للرقابة خطأ مفترض من نوع آخر ، كما لو كان يسوق السيارة فدهس أحد العابرة وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك .

 ( [53] ) ومما يتنافى مع اتخاذ الاحتياطات المعقولة أو يغيب الأبواب ويتركا ولدهما وحيداً ، أو أن يمارس ألعاباً خطرة ، أو يتركاه يقود دراجة أو سيارة من قبل أن يتقن القيادة ( انظر مازو فقرة 774 – فقرة 777 ) .

 ( [54] ) وقد قضت محكمة أسيوط الكلية في هذا المعنى بأن المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي أباحت للآباء درء المسئولية عن أعمال أبنائهم إذا أقاموا الدليل على أنه ما كان في استطاعتهم منع الحادث الذي سبب الضرر . من المتفق عليه أنه مع هذه الإباحة فإن مسئولية الآباء تظل قائمة إذا حصل منهم خطأ سابق للحادثة ولولاه لما وقعت ، كسوء التربية والتغاضي عن هفوات وإظهار جانب اللين لهم . وان نص المادة 151 من القانون المدني المصري ( القديم ) لم تذكر شيئاً عن هذه الإباحاة ، ولهذا يجب الرجوع لنص المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي التي ذكرت تفصيلاً شروط مسئولية الآباء عن أفعال أبنائهم على أنه ما دام أن مبنى المسئولية هو واجب التربية والمراقبة ، فلا محل لمسئوليتهم متى تبين أنهم قاموا بأداء هذين الواجبين على الوجه الأكمل ( 8 نوفمبر سنة 1933 المحاماة 14 رقم 222 / 2 ص 425 ) .

 ( [55] ) انظر في هذا المعنى مازو 1 فقرة 769 .

 ( [56] ) أما إذا كان الضرر قد وقع بسبب أجنبي بالنسبة إلى من هو تحت الرقابة ، فإن مسئولية هذا لا تتحقق ، ولا تقوم تبعاً لذلك مسئولية متولي الرقابة .

 ( [57] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا قدرت محكمة الموضوع ظروف الحادث الذي وقع من تلميذ داخل المدرسة ، وقررت ألا مسئولية على ناظر المدرسة فيه لأنه وقع مفاجأة ، فإنها بذلك تكون قد فصلت في نقطة موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها… أما الزعم بأن المفاجأة لا يمكن اعتبارها في القانون المصري ( القديم ) سبباً معفياً من المسئولية المدنية ما دام لم ينص عليها فيه ، فذلك لا يعبأ به ، إذ الأمر ليس بحاجة إلى نص خاص ، بل يكفي فيه تطبيق مبادئ القانون العامة التي منها وجوب قيام علاقة السببية بين الخطأ والحادث الذي انتج الضرر . وبغير ذلك لا يمكن الحكم بالتعويض على مرتكب الخطأ . القول بحصول الحادث مفاجأة معناه أن الفعل كان يقع ولو كانت الرقابة شديدة إذ ما كان يمكن تلافيه يحال . ومفهوم ذلك بداهة أن نقص الرقابة لم يكن هو السبب الذي انتج الحادث ، بل كان وقوعه محتملاً ولو مع الرقابة الشديدة ( نقص في 19 نوفمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 94 / ص 198 ) . وقضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن مسئولية المربي ترتفع إذا حصل الحادث فجأة ، وإنما بشرط في ذلك أن يكون عدم استطاعة تلافيه غير ناتجة عن إهمال ( 13 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 128 ص 239 ) . وقضت المحكمة أيضاً بأنه يجب لاعتبار مسئولية الأب عن فعل ابنه الذي هو تحت رعايته قائمة أن يثبت مبدئياً حصول الخطأ من هذا الابن وان يكون هذا الخطأ نتيجة لعدم ملاحظته ، أو بعبارة أخرى يشترط قيام الارتباط بين الخطأ الأب في ملاحظة ابنه والحادث الذي وقع منه . ويقع عبء إثبات انعدام رابطة السببية بين الخطأ والحادث على عاتق الأب ( استئناف مصر الوطنية في 2 مايو سنة 1940 المحاماة 20 رقم 610 ص 1385 ) . وقضت محكمة الزقازيق الكلية بألا مسئولية إلا إذا كان هناك إهمال أو تقصير في الرقابة وكانت هناك علاقة ارتباط مباشر بين الخطأ والحادث الذي يطلب عنه التعويض . فإذا كان الحادث ليس متوقعاً ولا ممكناً تلافيه ولا التكهن بوقوعه لسرعة حصوله وعدم وجود مقدمات له ، أو كان مباغته والمراقبة ما كانت لتحول دون وقوع الحادث ، فلا تكون هناك مسئولية ( 25 فبراير سنة 1935 المحاماة 16 رقم 342 ص 740 ) .

هذا ويلاحظ أنه إذا أثبت المضرور خطأ في جانب متولي الرقابة ، استغني بذلك عن المسئولية القائمة على خطأ مفترض ، وعاد إلى القواعد العامة في المسئولية ، ولا يجدي متولي الرقابة في هذه الحالة أن يتمسك بأن الحادث الذي هو محل المساءلة كان نتيجة ظرف فجائي . قد قصدت محكمة النقض إلى تقرير هذا المبدأ عند ما قضت بأنه ليس للمعلم أن يتمسك بأن الحادث التي هي محل المساءلة كانت نتيجة ظرف فجائي ليتخلص من المسئولية إلا إذا أثبت أنه قام بواجب المراقبة المفروضة عليه . ومن الخطأ تخلي المعلم عن هذه المراقبة وعهده بها إلى تلميذ عمره سبع سنوات ( نقض مدني في 31 أكتوبر سنة 1946 مجموعة عمره رقم 105 ص 234 ) . وعبارة الحكم غير دقيقة ، والمقصود أنه لا يجوز التمسك بأن الحادث كان نتيجة ظرف مفاجئ إذا أثبت المضرور تقصيراً في جانب متولي الرقابة . وعلى هذا الأساس تقوم وقائع القضية ، فقد كلف المعلم تلميذاً عمره سبع سنوات بمراقبة التلاميذ وكتابة اسم من يحدث ضجة منهم ، فلما كتب اسم أحد التلاميذ تغيظ هذا منه ، وقذفه بسن ريشة أفقدت عينه اليمنى الإبصار ، فاعتبرت المحكمة أن هناك خطأ ثابتاً في جانب المعلم ، إذ عهد لتلميذ في هذه السن بالمراقبة ، فلا يجدي المعلم أن يتمسك بأن الحادث مفاجئ ما دام قد ثبت خطأ في جانبه ( أنظر تعليقاً على هذا الحكم للدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 19 العددين الأول والثاني ) .

 ( [58] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” فإذا أقيم الدليل على خطأ من وقع منه الفعل الضار ترتبت مسئوليته وفقاً لأحكام القواعد العامة . أما من نيطت به الرقابة عليه فيفترض خطؤه باعتبار أنه قصر في أداء واجب الرقابة . ولكن يجوز له ، رغم ذلك ، أن ينقض هذه القرينة بإحدى وسيلتين :فإما أن يقيم الدليل على انتفاء الخطأ من ناحيته ، بأن يثبت أنه قام بقضاء ما يوجبه عليه التزام الرقابة وان خطأ من أحدث الضرر يرجع إلى سبب غير معلوم لا ينبغي أن يتحمل تبعه ، وفي هذا الوضع تكون قرينة افتراض الخطأ قرينة غير قاطعة تنقض بإثبات العكس . وإما أن يترك قرينة الخطأ قائمة ، ونفي علاقة السببية ، بأن يقيم الدليل على أن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام بواجب الرقابة بما ينبغي له من حرس وعناية . وفي كلتا الحالتين ترتفع عنه المسئولية ، إما بسبب انتفاء الخطأ ، وإما بسبب انتفاء علاقة السببية ، وبديهي أن الفاعل الأصلي وهو من وقع منه الفعل الضار ، تظل مسئولية قائمة وفقاً لأحكام القواعد العامة ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 408 ) .

 ( [59] ) ويجوز أن يرجع على الاثنين معاً . بل يجوز أن يفعل ذلك في محكمة أول درجة ، ثم يقتصر في الاستئناف على أحدهما فلا يختصم إلا متولي الرقابة مثلاً ( استئناف مختلط في 25 يناير سنة 1883 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 8 ص 55 ) .

 ( [60] ) تاريخ النص :ورد هذا النص في المادة 343 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” للمسئول عن عمل الغير حق الرجوع عليه بالقدر الذي يكون فيه هذا الغير مسئولاً عن تعويض الضرر ” وقد أقرت لجنة المراجعة النص على أصله ، وأصبح رقمه المادة 179 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ استبدلت عبارة ” في الحدود ” بكلمة ” بالقدر ” وأصبح رقم المادة 175 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 421 – ص 422 ) .

 – – وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” إذا ترتبت مسئولية الشخص عن عمل غيره ، انطوى هذا الوضع على وجود شخصين يسألان عن ذات الدين مع اختلاف الخطأ المنسوب إلى كل منهما ، أولهما محدث الضرر ويسأل بناء على خطأ ثابت يقام الدليل عليه ، والثاني هوالمسئول عنه ( وهو المكلف بالرقابة أو المتبوع ) ويسأل على أساس الخطأ المفروض . ومؤدي ذلك أن كليهما يلزم بالدين ذاته إلزاماً مبتدأ دون أن يكونا متضامنين في أدائه ( المؤلف :الصحيح أنهما متضامنان ) ، باعتبار أن أحدهما مدين أصلي والآخر مدين تبعي أو احتياطي . فإذا رجع المضرور على محدث الضرر واستوفي منه التعويض الواجب ، وفقت المسألة عند هذا الحد ، لأن وفاء المدين الأصلي بالدين يدرأ مسئولية المدين التبعي أو الاحتياطي عنه . بيد أن المضرور غالباً ما يؤثر الرجوع على المدين الاحتياطي ، إذ يكون أكثر اقتداراً أو يساراً . ومتى قام هذا المدين بأداء التعويض ، كان له أن يقتضيه ممن أحدث الضرر . ذلك أن هذا الأخير هو الذي وقع منه الفعل الضار ، فهو قبل المسئول عنه بأن يؤدي إليه ما أحتمل من التعويض من جزاء هذا الفعل ، ويماثل هذا الوضع مركز المدين الأصلي من الكفيل . على أن هذه الأحكام لا تطبق إلا حيث يتوافر التمييز في محدث الضرر ، كما فرض هذا في الصورة المتقدمة . فإذا فرض على النقيض من ذلك أن محدث الضرر غير أهل للمساءلة عن عمله غير المشروع ، فليس للمسئول عنه أن يرجع عليه بوجه من الوجوه ، لأنه يكون في هذه الحالة مديناً أصدأ ، وينعكس الوضع فلا يلزم من وقع منه الفعل الضار إلا بصفة تبعية أو احتياطية ، كما تقدم بيان ذلك ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 421 – 422 ) .

نقلا عن محامي أردني

الحكم الصادر في دعوى المسئولية

الحكم الصادر في دعوى المسئولية

وطرق الطعن فيه ( وبخاصة طريق الطعن بالنقض )

635 – مسألتان : بعد أن حددنا طرفي الخصومة في دعوى المسئولية ، والطلبات التي يتقدم بها المدعى والدفوع التي يرد بها المدعى عليه الدعوى ، وكيف تثبت هذه الطلبات والدفوع ، بقى أن نتكلم في الحكم الذي يصدر في الدعوى لنرى : ( 1 ) ما هي طرق الطعن التي توجه إليه ( 2 ) وما هي الآثار التي تترتب عليه .

1 – طرق الطعن في الحكم الصادر في دعوى المسئولية

636 – طرق الطعن بوجه عام : لا يختلف الحكم الصادر في دعوى المسئولية عن سائر الأحكام من حيث طرق الطعن فيه . فهو إذا صدر غيابياً يقبل الطعن فيه بطريق المعارضة . وإذا صدر من محكمة الدرجة الأولى يقبل الطعن فيه بطريق الاستئناف .

أما طرق الطعن غير العادية فهي النقض والتماس إعادة النظر ومعارضة الشخص الذي يتعدى إليه الحكم ولا كلام في الطريقين الأخيرين ، إذ تطبق في شأنهما في قانون المرافعات .

637 – الطعن بطريق النقض : وكذلك الطعن بطريق النقض ، فإنه هو أيضاً تتبع في شأنه أحكامه المعروفة . ومن هذه الأحكام أنه لا يجوز لأول مرة أمام محكمة النقض أن تقدم لا طلبات جديدة ( demandes nouvelles ) ولا وسائل جديدة ( moyens nouveaux ) ، بخلاف محكمة الاستئناف فيجوز أن تقدم إليها الوسائل الجديدة دون الطلبات . ومن ثم لا يجوز الاستناد لأول مرة أمام محكمة النقض على الخطأ التقصيري المفترض أو الخطأ العقدي ، إذا كان المدعى قد استند أمام محكمة الموضوع على الخطأ التقصيري الثابت . ويجوز ذلك أمام محكمة الاستئناف ، على خلاف في الرأي بيناه فيما تقدم ( [1] ) .

بقى أن نجمل هنا – وكنا قد اشرنا إلى ذلك في أماكن متفرقة – ما هو الواقع الذي لا يجوز لمحكمة النقض أن تعقب عليه وما هو القانون الذي يخضع لرقابتها في شأن أركان المسئولية الثلاثة : الخطأ والضرر والسببية .

1 – الخطأ : لا يخضع لرقابة محكمة النقض ما تسجله محكمة الموضوع من الوقائع المادية التي يقدمها المدعى لإثبات ركن الخطأ ، وما صح منها وقوعه وما لم يصح . أما التكييف القانوني لم صح وقوعه عند محكمة الموضوع ، وهل هذه الوقائع يصح أن توصف بأنها خطأ ( [2] ) ، وهل هذا الخطأ تقصيري أو عقدي ، وإذا كان تقصيرياً هل هو عمد أو جسيم أو يسير ، وهل يكفى أن يكون مفترضاً أو يجب إثباته ، وهل إذا كان مفترضاً يجوز إثبات العكس أو لا يجوز ، كل هذه مسائل قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض . كذلك تعتبر مسائل قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض ما إذا كان الركن المعنوي متوافراً في الخطأ ، وهل انعدام التمييز من شأنه إلا يجعل الخطأ قائماً ، وهل قامت أسباب من شأنها أن تعدم الخطأ كالدفاع الشرعى وتنفيذ أمر الرئيس وقيام حالة الضرورة ، ومتى يكون الشخص المعنوى مسئولا عن الخطأ ، وفي أي الأحوال يوجد التعسف في استعمال لحق . ويمكن القول بوجه عام إن جميع مسائل الخطأ تخضع لرقابة محكمة النقض إلا ما تسجله محكمة الموضوع من الوقائع المادية في هذا الشأن ( [3] ) .

2 – الضرر : ولا رقابة لمحكمة النقض فيما تقرره محكمة الموضوع من وقائع مادية في شأن الضرر . فإذا قررت أن المدعى قد كسر له ضلع أو أن سيارته قد تلفت أو أن منزله قد حرق ، فلا تعقيب لمحكمة النقض على صحة هذه الوقائع في ذاتها ( [4] ) . أما تكييفها القانوني ، وهل تكفي لتكوين ركن الضرر ، وهل هذا الضرر محقق أو محتمل ، وهل هو ضرر مباشر أو غير مباشر ، وما هو الضرر الأدبي ، وهل يجب تعويضه ، كل هذه من مسائل القانون . وتقدير الضرر ، وتعيين طريقة تعويضه ، وتحديد المبلغ اللازم للتعويض إذا كان التعويض نقداً ، كل هذه من مسائل الواقع لا تعقيب عليها من محكمة النقض . ولكن تقسيم التعويض بالنسبة التي يوجبها القانون على المسئول والمضرور والغير مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض ( [5] ) .

3 – السببية : ولا معقب على محكمة الموضوع فيما تسجله من الوقائع التي يستفاد منها قيام علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر ( [6] ) . أما تكييف هذه الوقائع من الناحية القانونية ، وهل هي كافية لإيجاد علاقة السببية ، وما هو السبب الأجنبي الذي تنتفي معه هذه العلاقة ، وما هي الشروط الواجب توافرها في القوة القاهرة والحادث المفاجئي ، وهل هناك فرق ما بين السببين ، وما الأثر الذي يترتب على فعل المضرور وفعل الغير في تحديد مسئولية المدعى عليه ، وما الحكم إذا تعددت الأسباب ، وماذا يترتب على تعاقب الأضرار فكل هذه مسائل قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض .

خلاصة ما تقدم : ويمكن القول بوجه عام إن ما تسجله محكمة الموضوع من وقائع مادية في شأن الأركان الثلاثة للمسئولية ، من خطأ وضرر وسببية ، لا تعقب عليه محكمة النقض . أما التكييف القانوني لهذه الوقائع ، ويدخل في ذلك ما يجب توافره من شروط وما يترتب من أثر ، فذلك يدخل في المسائل القانونية التي تخضع لرقابة المحكمة العليا .

2 – الآثار التي تترتب على الحكم الصادر في دعوى المسئولية

638 – الحكم ليس هو مصدر الحق في التعويض – نشوء الحق في التعويض منذ وقوع الضرر : مصدر الحق في التعويض ليس هو الحكم الصادر في دعوى المسئولية . فالحكم ليس إلا مقرراً لهذا الحق ، لا منشئاً له . وحق المضرور في التعويض إنما نشا من العمل غير المشروع الذي أتاه المسئول . فرتب في ذمته الالتزام بالتعويض من وقت قيام أركان المسئولية الثلاثة ، وإذا أردنا التحديد فمن وقوع الضرر لا من وقت ارتكاب الخطأ ، فإن الضرر إذا تراخى عن الخطأ لم تتوافر أركان المسئولية إلا بوقوعه ، ومن هذا الوقت لا مقبله تتحقق المسئولية في ذمة المسئول ويترتب حق المضرور في التعويض ( [7] ) .

ونشوء الحق في التعويض وقت وقوع الضرر لا وقت صدور الحكم له أهمية عملية من وجوه كثيرة ، نذكر منها الوجوه الآتية :

أولاً – يجوز للمضرور أن يتصرف في حقه ، أو أن يتصرف بمقتضى هذا الحق ، من وقت وقوع الضرر . ولا حاجة به إلى انتظار الحكم . فله من وقت وقوع الضرر أن يحول حقه إلى الغير ، وأن يوقع حجزاً تحت يد مدين المسئول ، ولو أفلس المسئول حتى قبل صدور الحكم دخل المضرور في التفليسة ، وإذا كان المسئول مؤمناً على مسئوليته كان للمضرور حق الرجوع على شركة التأمين حتى لوجد ما بين وقوع الضرر وصدور الحكم ما يستوجب سقوط الحق في التأمين .

ثانياً – يسري التقادم في دعوى المسئولية ، لا من وقت صدور الحكم ، بل من وقت وقوع الضرر أو من وقت العلم بالضرر وبالمسئول عنه على التفصيل الذي قدمناه .

ثالثاً – للمضرور ، إلى جانب التعويض الأصلي ، تعويض عن التأخير يسري من وقت وقوع الضرر . ولا يتوقف هذا الحق على الاعذار لأن الاعذار لا ضرورة له إذا كان محل الالتزام تعويضاً ترتب على عمل غير مشروع . ولا يتوقف على صدور الحكم لأن الحق في التعويض الأصلي قد نشا من وقت وقوع الضرر . ولكن لما كان التعويض الأصلي قبل صدور الحكم غير معلوم المقدار . فهناك رأي يذهب إلى أنه لا يمكن تطبيق أحكام الفوائد القانونية ، فإن تطبيق هذه الأحكام يقتضي أن يكون محل الالتزام مبلغاً من النقود معلوم المقدار وقت الطلب . فلم يبق إذن إلا تطبيق القواعد العامة . وهذه تقضي بأن القاضي لا يحكم بتعويض عن التأخير إلا إذا طلب المضرور ذلك وأثبت الضرر الذي أصابه من التأخير . ومهما يكن من أمر فإن الذي يقع في الغالب أن القاضي يقدر مبلغاً من النقود تعويضاً عن الضرر ، ويدخل في تقديره النوعان من الضرر : الضرر الأصلي الناشيء عن خطأ المسئول ، والضرر الناشيء عن التأخير في دفع التعويض إلى يوم النطق بالحكم . فيجمع التعويض في مبلغ واحد ( [8] ) .

639 – الحكم يقوم الحق في التعويض ويقويه : وإذا كان الحكم ليس هو مصدر الحق في التعويض ، إلا أن له منذ صدوره أثراً محسوساً في هذا الحق . فقد كان الحق قبل صدور الحكم حقاً غير مقوم ، فأصبح بالحكم مقوماً ، ويغلب أن يقدر بمبلغ معين من النقود .

ولا يقتصر الحكم على تقويم الحق ، بل هو أيضاً يقويه من الوجوه الآتية : ( 1 ) يصبح الحق غير قابل لسقوط بالتقادم إلا بانقضاء خمس عشرة سنة من وقت صدور الحكم ، فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 385 من القانون المدني الجديد على أنه ” إذا حكم بالدين وحاز الحكم قوة الأمر المقضي . . كانت مدة التقادم الجديد خمس عشرة سنة ” . ( 2 ) يجوز للمضرور ، وقد أصبح بيده حكم واجب التنفيذ ، أن يحصل على حق اختصاص بعقارات مدينه ضماناً لأصل الدين والفوائد والمصروفات . ( 3 ) يكون الحق في التعويض بعد صدور الحكم النهائي قابلا للتنفيذ به على أموال المدين .


 ( [1] ) أنظر آنفاً فقرة 622 .

 ( [2] ) وقد قضت محكمة النقض بأن تكييف وقائع التقصير الثابتة بأنها خطأ يخضع لرقابة محكمة النقض ( نقض مدني في 16 ديسمبر سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 77 ص 214 ) . وقضت أيضاً ابأن تحقيق حصول الفعل أو الترك أو عدم حصوله هو من الأمور الواقعية التي تدخل في سلطة قاضي الموضوع ولا معقب لتقديره . أما ارتباط الفعل أو الترك بالضرر الناشيء ارتباط المسبب بالسبب والمعلول بالعلة ، وكذلك وصف ذلك الفعل أو الترك بأنه خطأ أو غير خطأ ، فهما كلاهما من المسائل القانونية التي يخضع في حلها قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض . فإذا قضى حكم على وزارة الداخلية بالتعويض لورثة شخص سقطت عليه مئذنة جامع فقتله ، مستندا إلى وقوع خطأ من جانب أحد الأقسام في تنفيذ إشارة مهندس التنظيم المبلغة لهذا القسم لمنع المرور أمام ذلك الجامع خشية من سقوط مئنذنته لوجود خلل بها ، إذ القسم لم يغلق الحوانيت المقابلة للمسجد ولم يمنع المرور من الشارع منعاً كلياً ، وكانت إشارة المهندس غير مطلوب فهيا إغلاق الحوانيت ولا منصوص فيها على منع المرور من الشارع منعاً كلياً ، وثبت أن البوليس قام بتنفيذ ما طلب منه في حدود نص الإشارة وفي حدود المعقول ، فالقضاء بالتعويض استناداً إلى وقوع خطأ من البوليس مخالف للقانون ( نقض مدني في 11 يناير سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 158 ص 300 – ونلاحظ أن إذا كان لمحكمة النقض أن تراقب محكمة الموضوع في تكييفها الأعمال الصادرة من المدعى عليه بأنها خطأ ، فهي في ذلك تلتزم تطبيق معيار الخطأ . وإذا صح أن البوليس لم يخطئ إذ قام بتنفيذ ما طلب منه من حدود نص الإشارة وفي حدود المعقول ، أي أنه لم ينحرف عن السلوك المألوف للشخص العادي في الظروف الخرجية التي وجد فيها ، فمهندس التنظيم قد أخطأ بعدم النص في الإشارة على اتخاذ جميع التدابير اللازمة للوقاية من خطر سقوط المئذنة ، فانحرف بذلك عن السلوك المألوف للشخص العادي ، وتكون الحكومة على كل حال مسئولة عن خطأ مهندس التنظيم ) .

 ( [3] ) ويجب أن تستخلص المحكمة الخطأ من وقائع ثابتة منتجة تذكرها في الحكم ، وإلا كان حكمها باطلا لقصور أسبابه . وقد قضت محكمة النقض بأنه يجب على المحكمة عند القضاء بتعويض يدعى ترتبه على إجراءات كيدية ضارة أن تثبت في حكمها أركان الخطأ المستوجب للتعويض تطبيقاً للمادة 151 من القانون المدني ( القديم ) ، وإلا كان حكمها باطلا لقصور أسبابه ( نقض مدني في 21 مايو سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 366 ص 11119 ) . وقضت أيضاً بأنه متى اثبت الحكم الأفعال التي صدرت من شخص ما ( فرداً كان أو شخصاً معنوياً ) واعتبرها متصلة بعضها ببعض اتصال الأسباب بالنتائج ، ثم وصف هذه الأفعال بأنها أفعال خاطئة قد ألحقت ضرراً بشخص ما ، واعتبر من صدرت منه تلك الأفعال مسئولا عن الضرر الذي نشأ عنها ، فلا مخالفة في ذلك للقانون . وإذن فإذا حمل الحكم مصلحة الآثار مسئولية خطأها في سحبها من متجر بالآثار رخصته ، وما ترتب على هذا الشخص من اعتباره متجراً بغير رخصة ، وتحرير محضر مخالفة له ، ومهاجمة منزله ، وإزالة اللوحة المعلقة على محل تجارته الخ . وقضى له بناء على ذلك بتعويض عما لحقه من الأضرار ، فقضاؤه بذلك صحيح قانوناً ( نقض مدني في 9 ابريل سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 345 ص 1091 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) و وقضت كذلك بأنه إذا انتحل الحكم للحادث الضار سبباً تقصيرياً لا يمكن استخلاصه عقلا من عناصر التحقيق التي كانت أمام المحكمة ، فيتعين نقضه ( نقض مدني في 7 مارس سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 235 ص 630 : وقد جاء في أسباب الحكم ما يأتي : وحيث إن قول الحكم المطعون فيه إن الفعل الضار في هذه الدعوى هو انفلات سير البريمة في الة بخارية عن موضعه بحركة عنيفة فجائية ، وأن هذا الانفلات العنيف الفجائي لا يكون إلا إذا كانت الآلة مختلفة وكان السبب في اختلالها تقصير صاحبها في صيانتها هو قول لا مصدر له في محضر ضبط الواقعة ، إذ لم يرد به في أي موضع منه أن السير انفلت أصلاً بعنف أو بغير عنف ، وأن علة انفلاته هي الخلل ، بل الذي جاء به لا يمكن أن يستخلص العقل منه ما استخلصه الحكم المطعون فيه . . . وأقصى ما يصح استنتاجه عقلا . . . أن سير الغربال لم يكن في موضعه الطبيعي ، وأن المتوفى حاول رده إلى موضعه ، فصعد السلم بغير أن يوقف الآلات ، فأصيب . . . كل ذلك جاء دالا على إلا انفلات لسير البريمة ولا محل للظن بأن هناك انفلاتاً ، ولا أن علة هذا الانفلات هي الخلل في الآلات – ونرى محكمة النقض في هذا الحكم تتشدد كثيراً في استخلاص الخطأ من الوقائع الثابتة ) .

 ( [4] ) ولكن يجب أن يذكر الحكم ما هو الضرر الذي أصاب المدعى ، وإلا اعتبر النسيب قاصراً . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا قضى الحكم بتعويض على شخص لعدم تقديمه عقد إجازة مودعا لديه إلى شريكه في الاجازة ، دون أن يبين وجه الضرر الذي لحق بالمحكوم له بالتعويض ، مع نفي المحكوم عليه لحوق أي ضرر به ، اعتبر هذا الحكم غير مسبب فيما أوجبه من التعويض وتعين نقضه ( نقض مدني في 22 ديسمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 85 ص 158 ) .

 ( [5] ) وقد قضت محكمة النقض بأن تقدير التعويض عن الضرر أمر متروك لرأي محكمة الموضوع ، فهي إذ تقدر تعويض الضرر المترتب على دفاع كيدي ، وتبين كيفية تقديرها له ، لا تخضع لرقابة محكمة النقض ، ما دامت قد اعتمدت في ذلك على أساس معقول ( نقض مدني في 26 نوفمبر سنة 1936 مجموعة عمر 2 رقم 12 ص 28 ) . وقضت بأن إثبات حصول الضرر أو نفيه من الأمور الواقعية التي تقدرها محكمة الموضوع ، فإذا رأت محكمة الاستئناف أن ما وقع من المتعهد بتوريد الأغذية لأحد الملاجئ هو ” أمر خطير فيه تعريض لصحة اللاجئات فضلا عما فيه من إفساد للمستخدمين الموكول إليهم حمايتهن والمحافظة على سلامتهن ” ، ثم رأت أن التعويض المشروط في عقد التوريد عن هذا الفعل متناسب وغير جائر ، فحكمت بإلزام المتعهد به ، فلا معقب على حكمها لمحكمة النقض ( نقض مدني في 7 مارس سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 41 ص 123 ) . وقضت أيضاً بأنه متى كانت المحكمة قد قدرت التعويض على أساس ما أثبتته على المحكوم عليه من الخطأ في عدوله عن الصفقة التي كان المزاد فيها قد رسا عليه ، وما أثبتته على المحكوم له ذاته من تباطؤ وتراخ في إبلاغ رسو المزاد في الوقت المناسب إلى الراسي عليه ، وما كانت عليه الأسعار من تقلبات في الفترة ما بين المزاد الأول والمزاد الثاني الذي كان طلب التعويض على أساس نقص الثمن فيه ، فإنها تكون قد بينت أساس التعويض المقضي به ، وهذا يكفي لسلامة الحكم . أما قيمة التعويض فمتروكة لسلطة المحكمة تقدرها على وفق ما تراه ( نقض مدني في 4 يونية سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 170 ص 473 ) . وقضت كذلك بأن التعويض يقدر بقدر الضرر ، ولئن كان هذا التقدير من المسائل الواقعية التي يستغل بها قاضي الموضوع ، فإن تعيين العناصر المكونة قانوناً للضرر والتي يجب أن تدخل في حساب التعويض من المسائل القانونية التي تهيمن عليها محكمة النقض ، لأن هذا التعيين من قبيل التكييف القانوني للواقع ( نقض مدني في 17 ابريل سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 185 ص 398 ) .

 ( [6] ) وقد قضت محكمة النقض بأن القول بقيام رابطة السببية بين الخطأ والضرر هو من المسائل المتعلقة بالواقع . فلا يخضع قاضي الموضوع في فهمه له لرقابة محكمة النقض ، إلا أن يشوب تسبيبه عيب ( نقض مدني في 11 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 287 ص 565 ) .

 ( [7] ) أنظر في هذا المعنى . استئناف مختلط في 10 مارس سنة 1909 م 21 ص 246 – وفي 24 مايو سنة 1945 م 57 ص 158 . وتقضي محكمة النقض الفرنسية بترتيب الحق في التعويض من وقت الحكم ( أنظر في هذا القضاء وفي نقده مازو 3 فقرة 2253 – فقرة 2260 – وانظر في هذا المعنى أيضاً من أن الحق في التعويض لا ينشأ إلا من وقت الحكم النهائي محكمة الاستئناف الوطنية في 17 ابريل سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 107 ص 206 ) .

هذا وقد ينشأ الحق في التعويض قبل وقوع الضرر ، وذلك حالة ما إذا كان هذا الضرر مستقبلا ولكنه محقق . فقد رأينا فيما قدمناه أن الحق في التعويض ينشأ منذ وقوع الخطأ عن ضرر مستقبل محقق الوقوع .

 ( [8] ) استئناف مختلط في 24 يونية سنة 1930 م 42 ص 584 – وفي 7 مارس سنة 1935 م 47 ص 191 – وفي 23 ديسمبر سنة 1936 م 49 ص 42 – قارن استئناف مختلط في 25 ابريل سنة 1935 م 47 ص 273 .

هذا ويبقى بعد ذلك التعويض عن التأخير منذ صدور الحكم ، ويحق للمضرور أن يطالب بدعوى جديدة ، فيقضي له بالسعر القانوني للفوائد من وقت رفع الدعوى الجديدة وفقاً للقواعد العامة . وقد يطلب المضرور في الدعوى الأصلية الحكم بفوائد مع مبلغ التعويض الأصلي ، فيقضي له بالسعر القانوني للفوائد من وقت صدور الحكيم في الدعوى الأصلية ، ومن ثم لا يحتاج إلى رفع دعوى جديدة بفوائد التأخير

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

عبء الإثبات

عبء الإثبات

627 – عبء الإثبات الضرر : المدعى هو الذي يحمل عبء إثبات ما أصابه من الضرر . ولا يستطيع أن يخطو في دعوى المسئولية خطوة قبل أن يثبت ذلك ( [1] ) .

وفي أحوال استثنائية يعفى القانون المدعى من إثبات الضرر :

1 – إما بوضع قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس على أن هناك ضرراً قد وقع . فقد نصت المادة 228 من القانون المدني الجديد على أنه ” لا يشترط لاستحقاق فوائد التأخير ، قانونية كانت أو اتفاقية ، أن يثبت الدائن ضرراً لحقه من هذا التأخير ” . وأكثر ما يقع ذلك في المسئولية التقصيرية ، إذا قدر الطرفان مقدار التعويض باتفاق بينهما ، فتستحق فوائد التأخير دون حاجة إلى إثبات الضرر .

2 – وإما بوضع قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس على وقوع الضرر ويكون ذلك في الشرط الجزائي ، فقد نصت المادة 224 فقرة أولى من القانون المدني الجديد على أنه ” لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً إذا اثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر ” . ويغلب أن يقع هذا أيضاً في المسئولية العقدية ، ولكنه يتصور في المسئولية التقصيرية إذا اتفق الطرفان على إعادة الشيء إلى أصله كتعويض عن خطأ تقصيري ووضعا شرطاً جزائياً . والمفروض عند وجود شرط جزائي أن إخلال المدين بالتزامه قد أصاب الدائن بالضرر ، وقد قدر المتعاقدان في الشرط الجزائي مدى هذا الضرر وقيمته . وهذه قرينة قانونية تعفى الدائن من إثبات الضرر؛ ولكنها تقبل إثبات العكس ، فللمدين أن يثبت ، كما يقول النص ، أن الدائن لم يلحقه أي ضرر .

628 – عبء إثبات الخطأ : الأصل أن عبء إثبات الخطأ يقع على المدعى . والخطأ كما قدمنا هو انحراف الشخص على السلوك المألوف للشخص العادي . وهذا الانحراف واقعة مادية ، أكثر ما تثبت من طريق قرائن قضائية متتابعة ، تنقل عبء الإثبات من جانب إلى جانب . فالمدعى يبدأ بإثبات واقعة تقوم قرينة قضائية على وقوع الخطأ . فينتقل عبء الإثبات إلى المدعى عليه . فيثبت هذا واقعة أخرى تقوم هي أيضاً قرينة قضائية على انتفاء الخطأ من جانبه . فيعود عبء الإثبات إلى المدعى ، وهكذا ، إلى أن يعجز أحد الطرفين عن إثبات ما يزحزح عنه القرينة القضائية التي ألقاها عليه خصمه ، فيكون هو العاجز عن الإثبات . فإن كان المدعى هو الذي عجز ، فقد اعتبر غير قادر على إثبات دعواه وخسرها . وإن كان الذي عجز هو المدعى عليه ، فإن المدعى يكون قد تمكن من إثبات الخطأ ( [2] ) .

هذا هو الأصل . ولكن ترد استثناءات كثيرة ، يعفى فيها المدعى من إثبات الخطأ ، بفضل قرينة قانونية تكون إما قابلة لإثبات العكس وأما غير قابلة لذلك ( [3] ) . وسنرى فيما يلي تفصيلا واقيا لهذه القرائن القانونية ، وبعضها قابلا ثبات العكس كخطأ من يعهد إليه بالرقابة على غيره ، وبعضها غير قابل لإثبات العكس كخطأ المتبوع وخطأ حارس الأشياء . ويلاحظ بوجه عام أن هذه القرائن القانونية لا تعفى المدعى من إثبات وجود الحالة القانونية التي يترتب عليها قيام القرينة على الخطأ ( [4] ) . وسنرى ذلك في مكانه .

629 – عبء إثبات السببية : الأصل هنا أيضاً أن عبء إثبات السببية يقع على المدعى . فهو الذي يثبت ، ليس فحسب الضرر الذي وقع عليه والخطأ الذي وقع من غريمه ، بل أيضاً علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر .

ولكن هذه القاعدة محدودة الأهمية . فهي تارة يرد عليها استثناءات يقررها القانون ، وطوراً يضيق مجال تطبيقها العملي حتى تصبح القاعدة هي الاستثناء .

أما الاستثناءات التي يقررها القانون فهي قرائن قانونية ، كلها قابلة لإثبات العكس ، يقيمها القانون على وجود السببية . والقانون يقيم هذه القرائن حيث يقيم قرائن الخطأ . فهو إذا أقام قرينة على الخطأ – قابلة أو غير قابلة لإثبات العكس – يقيم إلى جانبها قرينة على السببية تكون دائماً قابلة لإثبات العكس . فالمكلف بالرقابة تقوم ضده قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس على الخطأ ، وتقوم ضده كذلك قرينة قانونية قابلة هي أيضاً لإثبات العكس على السببية . ويستطيع أن ينفي كلا من القرينتين ، فينفي قرينة الخطأ بإثبات أنه لم يقصر في الرقابة ، وينفي قرينة السببية بإثبات أن الضرر كان لا بد واقعا حتى لو لم يقصر أي بإثبات السبب الأجنبي . وحارس الحيوان أو الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة تقوم ضده قرينة الخطأ وهي غير قابلة لإثبات العكس ، وقرينة السببية وهي قابلة للنفي بإثبات السبب الأجنبي .

فإذا تركنا الاستثناءات وعدنا إلى القاعدة ، رأينا أن مجال تطبيقها في العمل محدود . ذلك أن المدعى إذا اثبت الضرر والخطأ ، ففى أكثر الأحوال ، ومن الناحية العملية المحضة ، تقوم في ذهن القاضي شبهة قوية في أن الخطأ هو الذي أحدث الضرر . ومن ثم تقوم قرينة قضائية على علاقة السببية ، تنقل عب الإثبات إلى المدعى عليه . فيطالب هذا بنفي هذه العلاقة ، ويستطيع ذلك إذا اثبت أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي . وهذا هو السبب الذي دعا المشرع في القانون المدني الجديد إلى أن يورد الحكم في هذه المسألة على هذا الوضع العملي . فنص في المادة 165 على ما يأتي : ” إذا اثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك ” . ونص في المادة 215 على ما يأتي : ” إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ، ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه ” . ففي النصين وضع القانون عبء الإثبات ، من الناحية العملية المحضة ، على عاتق المدين لا على عاتق الدائن ( [5] ) .

2 – وسائل الإثبات

630 – الإثبات بجميع الطرق : لما كانت الأركان الثلاثة – الخطأ والضرر والسببية – التي يجب إثباتها لتحقق المسئولية هي كلها وقائع مادية ، فإن إثبات أية واقعة منها يجوز بجميع الطرق ، وبخاصة البينة والقرائن ( [6] ) . وفي أكثر الأحوال يثبت الضرر والسببية بالمعاينة المادية أو بشهادة طبية أو بتقدير الخبراء . أما الخطأ فأكثر ما يثبت بشهادة من عاينوا الحادث وبالتحقيق الجنائي وبالانتقال إلى محل الواقعة ومعاينته وبالقرائن القضائية والقانونية ( [7] ) .

631 – ارتباط القاضي المدني بالحكم الجنائي – تأصيل القاعدة : ومن أهم القرائن القانونية التي تسيطر على وسائل الإثبات في دعوى المسئولية حجية الحكم الجنائي . ذلك أن دعوى المسئولية يغلب أن تقوم على جريمة جنائية ، فتخضع لاختصاص القضاء الجنائي واختصاص القضاء المدني . فإذا صدر حكم نهائي في الجريمة من محكمة جنائية ، فإلى أي حدث يصبح هذا الحكم حجة في الدعوى المدنية ، وهل يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي؟ تجيب المادة 406 من القانون المدني الجديد بما يأتي :

 ” لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً ( [8] ) ” .

وتأثير هذه القاعدة لا يرجع إلى أن الحكم الجنائي يربط القضاء المدني بمقتضى قوة الأمر المقضي ( force de la chose jugee ) فإن قوة الأمر المقضي ، تقتضي الوحدة في الخصوم والموضوع والسبب ، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا في قضاء مدني يقيد قضاء مدنياً أو في قضاء جنائي يقيد قضاء جنائياً . أما القضاء الجنائي إذا أريد أن يقيد قضاء مدنياً ، فلن يكون هذا لوحدة في الخصوم فالخصوم في الدعوى الجنائية وفيهم النيابة العامة غيرهم في الدعوى المدنية ، ولا لوحدة في الموضوع فموضوع الدعوى الجنائية العقوبة وموضوع الدعوى المدنية التعويض ، ولا لوحدة في السبب فسبب العقوبة خطأ جنائي وسبب التعويض خطأ مدني . فكيف يقوم التقييد على هذا الأساس وقوة الشيء المقضي تقتضي الوحدة في هؤلاء جميعاً .

وإنما يرجع تقييد القضاء الجنائي للقضاء الدين إلى اعتبارين ، أحدهما قانوني والآخر عملي . أما الاعتبار القانوني فهو أن الحكم الجنائي له حجية مطلقة ، فهو حجة بما جاء فيه على الناس كافة ، ومنهم الخصوم في الدعوى المدنية ، فهؤلاء لا يجوز لهم أن يناقشوا حجية الحكم الجنائي . والاعتبار العملي هو أنه من غير المستساغ ، والمسائل الجنائية من النظام العام ، أن يقول القاضي الجنائي شيئاً فينقضه القاضي المدني . فإذا صدر حكم جنائي بإدانة متهم أو ببراءته ، كان مؤذياً للشعور العام ، وقد آمنت الناس على اثر الحكم الجنائي بأن المتهم مجرم أو برئ ، أن يأتي القاضي المدني فيقول إن المتهم برىء فلا يحكم عليه بالتعويض في الوقت الذي قال فيه القاضي الجنائي أنه مجرم ، أو يقول إن المتهم مجرم فيحكم عليه بالتعويض بعد أن قال القاضي الجنائي أنه برئ ( [9] ) .

فمنع التعارض ما بين الأحكام الجنائية والأحكام المدنية ، وجعل هذه مسايرة لتلك ، هو الذي أملى القاعدة التقاضي بأن القاضي المدني يرتبط بالحكم الجنائي . لذلك لا تشترط في تطبيق القاعدة لا وحدة الخصوم ولا وحدة الموضوع ولا وحدة السبب ، وإنما تشترط شروط ثلاثة أخرى . هي التي تنتقل الآن إليها .

632 – شروط القاعدة – الشرط الأول أن يكون المطلوب تقييده هو القضاء المدني : فالقضاء الجنائي هو الذي يراد عدم الإخلال بحجيته المطلقة ، فلا يتقيد إلا بقضاء جنائي مثله يكون قد حاز قوة الشيء المقضي ، مع مراعاة الشروط المعروفة من وحدة في الخصوم ووحدة في الموضوع ووحدة في السبب . والذي يتقيد بالقضاء الجنائي هو القضاء المدني بمعناه الواسع ، فيشمل القضاء المدني والقضاء التجاري ، بل والقضاء الإداري .

633 – الشرط الثاني أن يكون الحكم الذي يتقيد به القاضي المدني هو حكم جنائي : ويكفي أن يكون الحكم الجنائي صادراً من أية جهة قضائية جنائية ، حتى لو كانت جهة استثنائية كالقضاء العسكري . ولكن يجب أن يكون الحكم الجنائي صادراً في الموضوع ، لا حكماً تحضيرياً ولا حكماً تمهيدياً ولا أمراً متعلقاً بعمل من أعمال التحقيق الجنائي ولا قراراً صادراً من النيابة العامة ( [10] ) . ويجب أن يكون حكماً نهائياً .

ويجب أيضاً أن يكون الحكم الجنائي سابقاً في صدوره على الحكم المدني الذي يراد تقييده . إذ لو كان الحكم المدني سابقاً ، واستقرت به حقوق الطرفين ، لم يجز المساس به بسبب حكم جنائي يصدر بعده . ولا يعقل – كما تقول محكمة النقض – أن ينعي على حكم مخالفته حكماً لم يكن قائماً وقت صدوره ( [11] ) .

والذي قع كثيراً أن يكون الحكم الجنائي سابقاً في صدوره على الحكم المدني ، وذلك بفضل القاعدة التي تقضي بأن الدعوى الجنائية تقف من سير الدعوى المدنية . فإذا رفعت الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية والدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية ، وجب أن توقف الدعوى المدنية حتى يفصل نهائياً في الدعوى الجنائية ، وبذلك يتحقق أن يكون الحكم الجنائي النهائي سابقاً في صدوره على الحكم المدنين ليتقيد هذا به ( [12] ) . ذلك ما تقضى به قاعدة وقف الدعوى المدنية ، وهذه هي الحكمة المتواخاة منها . ويندر أن يسبق الحكم المدني الحكم الجنائي . ولا يتحقق هذا إلا إذا رفعت الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية وفصل فيها نهائياً قبل رفع الدعوى الجنائية . وفي هذه لحالة لا يتقيد الحكم المدني بالحكم الجنائي كما قدمنا .

بقى أن تواجه فرضاً هو الذي يقع في الغالب من الأحوال : أن ترفع الدعويان الجنائية والمدنية معاً أمام المحكمة الجنائية ، بأن يدخل المضرور مدعياً مدنياً في الدعوى الجنائية ، في هذا الفرض يصدر حكم واحد في الدعويين ، فلا يتصور أن يسبق الحكم الجنائي الحكم المدني ، وبذلك لا يكون هناك محل لتطبيق قاعدة تقييد الحكم المدني بالحكم الجنائي ، والقاضي الجنائي الذي يصدر هذا الحكم الواحد يتقيد طبعاً بمراعاة التنسيق ما بين أجزائه ، وبهذا يتحقق الانسجام فعلا ما بين الجزء الجنائي والجزء المدني . فإذا وقع أن تعارضا ، كان هذا سبباً للطعن بالنقض في الحكم ( [13] ) .

634 – الشرط الثالث أن يكون ما يتقيد به القاضي المدني هو الوقائع التي فصل فيها الحكم الجنائي وكان فصله فيها ضرورياً : وهذا هو أدق الشروط الثلاثة ، لذلك تكفل نص المادة 406 يذكره . فالقاضي المدني يتقيد بما فصل فيه القاضي الجنائي من الوقائع دون القانون . ولا يتقيد بما فصل فيه القاضي الجنائي من هذه الوقائع إلا بما كان الفصل فيه ضرورياً لقيام الحكم الجنائي فهذان أمر أن نتولى بحثهما .

 ( أولاً ) يتقيد القاضي المدني بما فصل فيه القاضي الجنائي من الوقائع دون القانون . فلا يتقيد بالتكييف القانوني الذي اتبعه القاضي الجنائي لهذه الوقائع من الناحية الجنائية . مثل ذلك أن يحكم القاضي الجنائي ببراءة سائق السيارة من تهمة القتل خطأ لأن الوقائع التي ثبتت لا يمكن تكييفها من الناحية الجنائية بأنها خطأ معاقب عليه ، فلا يتقيد القاضي المدني بهذا التكييف الجنائي ، بل عليه إن يلتزم التكييف المدني وهو يختلف عن التكييف الأول ، فالخطأ المدني هنا مفروض في جانب السائق ، ويحكم القاضي المدني بتعويض على السائق الذي حكم القاضي الجنائي ببراءته ( [14] ) .

 ( ثانياً ) ولا يتقيد القاضي المدني بما فصل فيه القاضي الجنائي من الوقائع إلا بما كان الفصل فيه ضرورياً لقيام الحكم الجنائي . فليس يتقيد القاضي المدني بجميع الوقائع التي عرض لها الحكم الجنائي وأثبتها ، بل هو لا يتقيد منها إلا بما كان ضرورياً للحكم الجنائي ، بحيث لو لم تثبت لانهدم الحكم الجنائي ولما أمكن أن يقوم . أما ما لم يكن ضرورياً من هذه الوقائع ، فلا يتقيد به القاضي المدني مهما أكده القاضي الجنائي . ونستعرض الفرضين المحتملين في تطبيق هذه القاعدة الدقيقة : ( 1 ) أن يصدر حكم جنائي بالإدانة ( 2 ) أو يصدر بالبراءة .

1 – حكم جنائي بالإدانة ( [15] ) : إذا سكت هذا الحكم عن ركن الضرر ولم يتعرض له لا بإثبات ولا بنفي ، كان القاضي المدني حراً غير مقيد في هذا الخصوص ، فله أن يثبت في حكمه المدني وقوع الضرر أو عدم وقوعه . وإذا اثبت وقوعه فله إن يبين على من وقع . أما إذا عرض الحكم الجنائي لركن الضرر فأنكر وقوعه ، لم يتقيد القاضي المدني بهذا إلا إذا كان وقوع الضرر أو عدم وقوعه من شأنه أن يؤثر في منطوق الحكم الجنائي . فإذا قال القاضي الجنائي في حكمه إن ضرراً ما لم يقع على المجني عليه ، ولم يكن وقوع الضرر ركناً من أركان الجريمة ، لم يتقيد القاضي المدني بما قاله القاضي الجنائي ، وله أن يثبت في حكمه أن المجني عليه قد أصابه ضرر ، إذ لا خوف من التعارض ما بين الحكمين الجنائي والمدني ، لأنه حتى لو أصيب المجني عليه بضرر فإن الحكم الجنائي يبقى صحيحاً . وإذا حكم القاضي الجنائي بأن الضرر لم يقع ، وبنى على ذلك أن الجريمة شروع لا فعل تام ، تقيد القاضي المدني بالحكم الجنائي ولم يستطع أن يقول إن الضرر قد وقع ، لأن هذا يتعارض مع الحكم الجنائي في مسألة لو صح فيها الحكم المدني لانعدم الحكم الجنائي وهو يقول على أن الجريمة شروع لا فعل تام .يبقى أن يعرض الحكم الجنائي لركن الضرر فيثبت وقوعه . فإن كان وقوع الضرر غير مؤثر في الحكم الجنائي ، كالحكم في مخالفة من مخالفات المرور ، لم يتقيد القاضي المدني بالحكم الجنائي ، وله أن يثبت في حكمه أن الضرر لم يقع ، لأنه حتى لو صح هذا لم ينهدم الحكم الجنائي . وإن كان وقوع الضرر مؤثراً في الحكم الجنائي ، كالحكم بالإدانة في تهمة قتل ، تقيد القاضي المدني بأن القتل قد وقع ، ولا يستطيع أن ينفي في حكمه هذه الواقعة . وإذا عين الحكم الجنائي الشخص الذي وقع عليه الضرر وكان هذا مؤثراً في الحكم الجنائي ، تقيد به القاضي المدني ، كما إذا اثبت القاضي الجنائي أن السرقة وقعت على الزوج أو أن هتك العرض وقع على شخص تحت سلطة المتهم ، فلا يستطيع القاضي المدني أن يثبت في حكمه غير ذلك ، لأن الحكم الجنائي يتأثر بهذا التعارض ، فإن كون المجني عليه هو زوج المتهمة أعفى هذه من عقوبة السرقة ، وكون المجني عليها هي تحت سلطة المتهم شدد من عقوبة هتك العرض . وإذا عرض القاضي الجنائي للضرر من حيث طبيعته أو من حيث مقداره ، فإن هذا لا يؤثر عادة في الحكم الجنائي ، فلا يتقيد به القاضي المدني . أما إذا أثر ، كأن اثبت القاضي الجنائي أن الضرر هو عاهة مستديمة أو اثبت أن الجرح نشأ عنه عجز عن العمل مدة تزيد على عشرين يوماً ، تقيد القاضي المدني بذلك ، لأن العاهة المستديمة قلبت الجنحة إلى جناية ، ولان الجرح إذا اعجز عن العمل مدة تزيد على عشرين يوماً استوجب عقوبة أشد .

أما بالنسبة إلى ركن الخطأ . فإن الحكم الجنائي القاضي بالإدانة يكون قد عرض له حتما وأثبت وجوده ، وإلا لما صدر حكم بالإدانة . فيتقيد القاضي المدني في حكمه بوجود الخطأ من الناحية المدنية . ذلك أن كل خطأ جنائي هو في الوقت ذاته خطأ مدني ، ولا عكس ( [16] ) . وإذا كان قد يقع أن الخطأ الجنائي – وهو في الوقت ذاته خطأ مدني كما قدمنا – لا يحدث ضرراً ، كجريمة التشرد وجرائم المرور والشروع في الجرائم ، فلا تتحقق المسئولية المدنية ، فإن ذلك لا يرجع إلى أن الخطأ الجنائي ليس بخطأ مدني ، بل يرجع إلى أن ركناً من أركان المسئولية التقصيرية لم يقم وهو ركن الضرر ، كذلك يتقيد القاضي المدني بما اثبته الحكم الجنائي من الخطأ ، لا في ركنه المادي فحسب . بل أيضاً في ركنه المعنوي . فإذا قال الحكم الجنائي إن المتهم صدر منه خطأ هو مسئول عنه ، لم يجز للقاضي المدني أن ينفي المسئولية المدنية بدعوى الإكراه أو عدم التمييز أو نحو ذلك . أما بيان جسامة الخطأ في الحكم الجنائي فيقيد القاضي المدني أو لا يقيده وفقاً لما إذا كانت هذه الجسامة ضرورية لقيام الحكم الجنائي أو غير ضرورية . فإذا وصف الحكم الجنائي الخطأ بأنه عمد أو غير عمد ، فإن القاضي المدني يتقيد بهذا الوصف ، لأن وصف الخطأ الجنائي بأنه عمد أو غير عمد من شأنه أن يؤثر في وصف الجريمة ذاتها . وإذا وصف الحكم الجنائي الخطأ بأنه جسيم أو يسير ، فإن هذا ليس من شأنه أن يؤثر في الحكم الجنائي وإن أثر في تقدير العقوبة ، فلا يتقيد به القاضي المدني ، لأن الخطأ الجسيم من الناحية الجنائية ليس هو حتما الخطأ الجسيم من الناحية المدنية .

أما ركن السببية ، فإن أثبت الحكم الجنائي أنه موجود أو غير موجود ، فكأنما اثبت أن الضرر قائم أو غير قائم . ويكون الأمر أمر حكم جنائي اثبت قيام الضرر أو عدم قيامه ، وقد مر بنا تفصيل ذلك . وإذا اثبت الحكم الجنائي أن هناك سبباً أجنبياً ينفي رابطة السببية ، فكأنما اثبت أن الضرر غير قائم . ولكن إذا جعل الحكم الجنائي هذا السبب الأجنبي داعياً لتقسيم التعويض بين المسئول والمصاب والغير ، وفقاً للقواعد التي مر ذكرها ، لم يكن القاضي المدني مقيداً بهذا التقسيم ، إذ هو ليس ضرورياً لقيام الحكم الجنائي .

2 – حكم جنائي بالبراءة : كذلك إذا صدر حكم جنائي ببراءة المتهم ، فإن ما ورد في هذا الحكم مما يعد ضرورياً لقيامه يقيد القاضي المدني . ولا يتقيد هذا بما ورد في الحكم الجنائي إذا لم يكن ضرورياً . فإذا اثبت الحكم القاضي بالبراءة وجود الضرر وطبيعته ومداه ولكنه برأ المتهم ، فإن ما ورد فيه عن وجود الضرر وعن طبيعته ومقداره لا يقيد القاضي المدني ، إذ هو ليس ضرورياً لقيام الحكم الجنائي بالبراءة . وإذا أنكر الحكم الجنائي وقوع الضرر ، فليس هذا مؤثراً في قيامه ، لأن الجريمة قد تتم دون أن يقع ضرر ، فلا يتقيد القاضي المدني بذلك . على أنه قد يكون وقوع الضرر ركناً من أركان الحكم الجنائي القاضي بالبراءة أن القتل قد وقع أو أن الضرب أفضى إلى الموت ، فإن هذا يقيد القاضي المدني .

وإذا اثبت الحكم الجنائي القاضي بالبراءة عدم وقوع الخطأ أو وقوعه ، في أحد ركنيه المادي أو المعنوى أو في ركنيه جميعاً ، فإن القاضي المدني يتقيد بما ورد من ذلك في الحكم الجنائي . فإذا قال هذا الحكم إن المتهم لم يرتكب الخطأ المنسوب إليه أو أن الخطأ وقع منه في ماديته ولكنه غير مسئول عنه لأنه عديم التمييز أو لأنه اكره عليه أو لأنه كان يدافع عن نفسه ، ففي كل هذه الأحوال يتقيد القاضي المدني بما أثبته الحكم الجنائي ، ولا يستطيع أن يقول إن المتهم ارتكب الخطأ وهو مسئول عنه لأنه مميز أو لأنه لم يكره أو لأنه لم يكن في حالة دفاع شرعي ( [17] ) . ولكن ذلك لا يعني أن القاضي المدني يتقيد بالتكييف الجنائي للوقائع التي أثبتها الحكم الجنائي . فقد يرى القاضي الجنائي أن المتهم غير مدان لأنه لم يثبت في جانبه خطأ جنائي يجعله مسئولا عن القتل بإهمال وهي الجريمة التي نسبت إليه ، ولكن القاضي المدني قد يحكم مع ذلك على المتهم بالتعويض لأنه مسئول عن خطأ مدني مفروض في جانبه ( [18] ) .

وإذا اثبت الحكم الجنائي القاضي بالبراءة وجود السببية أو انعدامها ، فكأنما اثبت قيام الضرر أو عدم قيامه ، فتتبع الأحكام التي قدمناها في هذه المسألة . وكذلك إذا اثبت الحكم الجنائي وجود سبب أجنبي ينفي السببية فكأنما اثبت عدم قيام الضرر . ولكن إذا اثبت أن السبب الأجنبي من شأنه أن يقسم التعويض ما بين المسئول والمصاب والغير ، فهذا التقسيم ، وهو غير ضروري لقيام الحكم الجنائي ، لا يقيد القاضي المدني .


 ( [1] ) استئناف مختلط في 12 مايو سنة 1887 بوريللي م 179 رقم 9 – وفي 2 يناير سنة 1901 م 13 ص 93 – وفي 4 مارس سنة 1945 م 27 ص 199 – قارن محكمة استئناف مصر الوطنية في 22 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 20 رقم 119 ص 455 وتعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 348 – ص 349 .

 ( [2] ) استئناف مختلط في 19 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 41 – محكمة الإسكندرية المختلطة في 10 يونية سنة 1922 جازيت 13 رقم 86 ص 160 .

 ( [3] ) أنظر في أن الخطأ المفروض فرضاً غير قابل لإثبات العكس هو في الواقع من الأمر خطأ ثابت ( faute prouvee ) مازو 2 فقرة 1690 – فقرة 1692 .

 ( [4] ) والقرائن القانونية على الخطأ إنما أقامها القانون لمصلحة المدعى دون غيره . وقد رأينا أن غير المدعى لا يجوز له أن ينتفع بهذه القرائن ، فلا يصح أن يتمسك بها لا المدعى عليه ولا الغير .

 ( [5] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد المادة 215 ، حيث ورد أن إسقاط قرينة الخطأ يكون بإثبات السبب الأجنبي . وفي هذا خلط بين الخطأ وعلاقة السببية ، فإن الذي ينتفى بإثبات السبب الأجنبي هو علاقة السببية لا الخطأ ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 547 ) .

 ( [6] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الدعوى المرفوعة على سيد وخادمه بطلب الحكم عليهما متضامنين بأن يدفعا إلى المدعية مبلغا تعويضا لها عن عبث الخادم بحلى كانت في علبة استودعتها السيد هي دعوى متضمنة في الواقع دعويين : الأولى أساسها الجريمة المنسوبة إلى الخادم ، وفيها يدور الإثبات بينه وبين المدعية على وقوع الجريمة ، واثبات الجريمة جائز قانوناً بأي طريق من طرق الإثبات ، فهي دعوى غير متوقفة على عقد الوديعة ولا لها بالوديعة إلا صلة عرضية من ناحية أن الجواهر التي وقعت عليها الجريمة كانت وديعة ، وهذا ليس من شأنه أن يغير من حقيقة الدعوى ولا من طريق الإثبات فيها . والثانية موجهة إلى السيد ، وأساسها أن الخادم الموجهة إليه الدعوى الأولى قد ارتكب الجريمة في حال تأدية وظيفته عنده ، وهذه ليس مطلوبا فيها إثبات عقد الوديعة على السيد . ومن ثم يجوز إثبات محتويات العلبة بالبينة والقرائن ( نقض مدني أول مايو سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 198 ص 432 ) . وقضت أيضاً بأن الدليل لا ارتباط له بالمسئولية في حد ذاتها ، وإنما يتعلق بذات الأمر المطلوب إثباته . فقد تكون المسئولية تعاقدية ومع ذلك يكون الإثبات فيها بالبينة والقرائن كما في حالة التعهد بعدم فعل شيء عندما يرغب المتعهد له إثبات مخالفة المتعهد له إثبات مخالفة المتعهد لتعهده . وقد تكون المسئولية جنائية أو تقصيرية ومع ذلك يكون الإثبات فيها بالكتابة حتما بالنسبة للعقد المرتبط بها إذا كانت قيمته تزيد على ألف قرش في غير المواد التجارية والأحوال الأخرى المستثناة كما هي الحال في جريمة خيانة الأمانة ( نقض مدني في 29 فبراير سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 34 ص 75 ) .

 ( [7] ) استئناف مختلط في 4 فبراير سنة 1892 م 4 ص 105 – وفي 5 يناير سنة 1893 م 5 ص 161 – وفي 11 مارس سنة 1897 م ) ص 196 – وفي 24 يونية سنة 1908 م 20 ص 295 – وفي 18 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 72 – وفي 25 أكتوبر سنة 1928 م 41 ص 15 – وفي 28 يناير سنة 1930 م 42 ص 234 .

 ( [8] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 544 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي في الواقع التي لم يفصل فيها هذا الحكم أو الوقائع التي فصل فيها دون ضرورة ” . وفي لجنة المراجعة رؤى أن المعنى يكون أوضح لو ذكر الحكم العكسي ، فوافقت اللجنة على أن يكون نص المادة كما يأتي : ” لايرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فهيا هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً ” . وأصبح رقم المادة 419 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وكذلك وافقت عليه لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ تحت رقم المادة 406 . ثم وافق عليها مجلس الشيوخ دون تعديل ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 3 ص 424 – ص 428 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” 1 – استلهم المشروع في صياغة هذه المادة أحكام المادة 303 من المشروع الفرنسي الإيطالي والمادة 1956 من التقنين الهولندي والمادة 2502 من التقنين البرتغالي . ويراعى أن حجية الأحكام الجنائية تنطوي على معنى الإطلاق من ناحية ومعنى الاقتصار من ناحية أخرى . ( ا ) فهي مطلقة بمعنى أن ما قتضي به المحاكم الجنائية يكون ملزما للكافة ، ولذلك نصت المادة 19 فقرة أولى من تقنين تحقيق الجنايات المختلط على إلزام المحكمة المدنية بالفصل طبقاً لما قضى به نهائياً من المحكمة الجنائية إذا استلزم الفصل في الدعوى المرفوعة أمامها معرفة ما إذا كانت هناك جريمة قد ارتكبت ومن ينسب إليه ارتكابها ، ونصت المادة نفسها في فقرتها الثانية على إلزام المحكمة المدنية بوقف الفصل في الدعوى المدنية المترتبة على وقوع الجريمة إذا رفعت الدعوى الجنائية قبل الفصل فيها نهائياً ، وذلك اتقاء لتعارض الأحكام . ( ب ) وهي قاصرة بمعنى أن نطاق إلزامها لا يجاوز ما قضى به فعلا ، أي ما فصل فيه الحكم . ففي حالة عدم الحكم بعقوبة – وهي الحالة التي تواجهها المادة 303 من المشروع الفرنسي الإيطالي – يجوز للقاضي المدني أن يحكم على المتهم بالتعويض دون أن ينطوي حكمه هذا على تعارض مع الحكم الجنائي . فالواقع أن عدم القضاء بالعقوبة قد يرجع إلى انقضاء الدعوى العمومية بموت المتهم أو بالتقادم أو بالعفو الشامل ، وإزاء ذلك لا يحكم القاضي بالعقوبة لتوافر هذا السبب أو ذاك ، دون إن يفصل في الواقعة التي أسست عليها الدعوى الجنائية . وما دام القاضي الجنائي قد اقتصر على الفصل في أن الواقعة المنسوبة إلى المتهم يمتنع توقيع عقوبة بشأنها ، فللقاضي المدني والحال هذه أن يقضي بالتعويض دون أن يعارض بذلك ما قضى به جنائياً ، وأن يؤسس قضاءه على الواقعة نفسها بوصفها تقصيراً مدنياً وقع من المتهم . ثم أن الحكم بالبراءة قد لا ينفى قيام التقصير المدني أيضاً ، إذ لس ثمة تلازم بين المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية ، فيجوز أن يقتصر نطاق الدعوى العمومية على فعل معين لا يستتبع مسئولية جنائية ولكنه يستتبع مسئولية مدنية ، وفي هذه الحالة تفصل المحكمة الجنائية في المسئولية الجنائية وحدها وتقضي بالبراءة ولو أن الواقعة التي فصلت فيها أو وقائع أخرى لم تنظر فيها قد تكون أساساً لدعوى مدنية . فيجوز مثلا أن يبرا المتهم من جريمة مخالفة قواعد المرور مع الحكم عليه بالتعويض عن تقصير مدني لا يصدق عليه وصف الجريمة . فإذا اقتصر القاضي الجنائي على الفصل في أن الواقعة المنسوبة إلى المتهم لا تعتبر جريمة ، جاز للقاضي المدني أن يقضي بالتعويض دون أن ينقاض بذلك ما قضى به جنائياً . 2 – فالشرط الجوهري في انتفاء حجية الأحكام الجنائية الصادرة بالبراءة أو بانتفاء وجه استيفاء العقوبة أمام المحاكم المدنية هو اقتصار القاضي الجنائي على الفصل في الواقعة الجنائية دون الفصل في نسبتها . ويتحقق هذا الشرط متى قضى الحكم بان الواقعة لم يعد وجه لاستيفاء العقوبة بشأنها أو إنها ليست مما يقع تحت طائلة العقاب ( البراءة ) ، ولكن لو فرض أن القاضي أسس البراءة على نفي نسبة الواقعة إلى المتهم ، كان لحكمه قوة الشريء المقضي به بشأن هذه النسبة ، وتعين على القاضي المدني أن يفصل طبقاً لهذا القضاء ، وفقاً لما تقضي به المادة 19 من تقنين تحقيق الجنايات المختلط . ويستفاد هذا الحكم ضمناً من المادة 306 من هذا التقنين إذ تنص على أنه ” إذا برئ المتهم وألزم بتعويضات للمدعى المدني بالحق المدني يكون تقدير المصاريف الواجب الحكم بها عليه للمدعى بالحق المدني المذكور حسب القواعد المقررة في المواد المدنية والتجارية ” . وقد استند القضاء بوجه خاص إلى هذه المادة وقضى بإلزام المتهم بالتعويضات رغم الحكم ببراءته ( جنح المنصورة في 5 مايو سنة 1938 جريدة المحاكم المختلطة 4 يونية سنة 1938 واستئناف مختلط في 27 مارس سنة 1907 م 19 ص 187 ) ورغم تقادم الدعوى العمومية ( استئناف مختلط في 19 مايو سنة 1927 م 39 ص 488 ) ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 3 ص 425 – ص 427 ) .

 ( [9] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه يجب أن يكون للحكم الجنائي الصادر بالإدانة حجيته أمام المحاكم المدنية في الدعوى التي يكون أساسها ذات الفعل موضوع الدعوى التي صدر فيها ، وذلك منعاً من أن ييجئ الحكم المدني على خلاف الحكم الجنائي . فإنه ليس من المقبول في النظام الاجتماعي أن توقع المحكمة الجنائية العقاب على شخص من أجل جريمة وقعت منه ، ثم تأتي المحكمة المدنية فتقضى بأن الفعل المكون للجريمة لم يقع منه ، في حين أن الشارع قد أحاط الإجراءات أمام المحاكم الجنائية – لتعلقها بأرواح الناس وحرياتهم وأعراضهم – بضمانات اكفل بإظهار الحقيقة ، مما مقتضاه أن يكون الحكم متى صدر بالإدانة محل ثقة الناس كافة بصورة مطلقة لا يصح معها بأي حال إعادة النظر في موضوعه . واذن فإذا قضت المحكمة المدنية للمدعى بتثبيت ملكيته للأطيان المتنازع عليها ، وبنت قضاءها على رفض ما دفع به المدعى عليه الدعوى متمسكا بملكيته اياها استناداً على عقد بيع سبق الحكم جنائياً بإدانته في تهمة تزويره ، فإنها لا تكون قد خالفت القانون ( نقض مدني في 13 يناير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 90 ص 245 ) .

وقضت محكمة النقض أيضاً بان الحكم الصادر في الدعوى الجنائية يجب أن تكون له حجية المحكوم فيه أمام المحكمة المدنية بالنسبة لما يقتضي الفصل في تلك الدعوى بيانه فيه حسب القانون متى كان مناط الدعوى المدنية ذات الفعل الذي تناوله هذا الحكم . وليست العلة في ذلك اتحاد الخصوصم والموضوع والسبب في الدعويين وأما هي في الواقع توافر الضمانات المختلفة التي قررها الشارع في الدعاوى الجنائية ابتغاء الوصول إلى الحقيقة لارتباطها بالأرواح والحريات – الأمر الذي تتأثر به مصلحة الجماعة لا مصلحة الأفراد ، مما يقتضي أن تكون الأحكام الجنائية محل ثقة على الإطلاق ، وأن تبقى آثارها نافذة على الدوام . وهذا يستلزم حتماً إلا تكون هذه الأحكام معرضة في أي وقت لإعادة النظر في الموضوع الذي صدرته فيه ، حتى لا يجبر ذلك إلى تخطئها من جانب أية جهة من جهات القضاء . وإذا كان تفادي التعارض على الوجه المتقدم هو العلة في تقرير حجية الحكم الجنائي في الدعوى المدنية المتعلق موضوعها به ، فإن جريمة الأقراض بالربا لا تختلف في هذا الصدد عن غيرها من الجرائم لتوافر هذه العلة فيها هي أيضاً – فالحكم الجنائي الصادر على المتهم في جريمة الاعتياد على الأقراض بفوائد ربوية يكون ملزما للقاضي المدني فيما أثبته خاصاً بسعر الفائدة التي حصل الأقراض بها ، لأن مقدار الفائدة عنصر أساسي في هذه الجريمة ، وإذا ابيح للقاضي المدني إعادة النظر فيه لجاز أن يؤدي ذلك إلى وجود التناقض فين الحكمين المدني والجنائي في أمر هو من مستلزمات الادانة . وكذلك يكون ملزماً له فيما أثبته عن وقائع الأقراض لتعلق هذه الوقائع أيضاً – مهما كان عددها – بالادانة ، إذ القانون لم ينص على عدد المرات التي تكون الاعتياد ، الأمر الذي يستوجب أن تكون التهمة التي حصل العقاب عليها متضمنة جميع الأفعال الداخله في الجريمة حتى وقت المحاكمة ( نقض مدني في 9 مايو سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 58 ص 192 – وتعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 15 ص 196 – ص 198 ) .

وقضت كذلك بأنه إذا قضت المحكمة الجنائية ببراءة متهم بتزوير عقد ، نافية وقوع التزوير ، فهذا الحكم يحول بتاتا دون نظر دعوى تزوير هذا العقد التي يرفعها بصفة فرعية من كان مدعياً بالحق المدني في وجه المتمسك بالعقد الذي كان متهماً في الدعوى الجنائية ( نقض مدني في 12 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 156 ص 466 ) .

 ( [10] ) وقد قضت محكمة النقض بان قرار الحفظ الذي تصدره النيابة العامة أياً كان سببه ، سواء لأنها قدرت أن وقوع الحادث لا يرد إلى خطأ مهما كانت صوره أو لأن نسبة الخطأ إلى شخص بعينه غير صحيح أو لم يقم عليه دليل كاف – هذا القرار لا يجوز قوة الأمر المقضي قبل المضرور بالحادث ، فلا يحول بينه وبين الدعوى المدنية يقيم فيها الدليل على الخطأ ونسبته إلى المدعى عليه فيها ( نقض مدني في 27 أكتوبر سنة 1949 الطعن رقم 34 سنة 18 قضائية ) .

 ( [11] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الاحتجاج بالحكم الجنائي أمام القضاء المدني محله أن يكون الحكم الجنائي سابقاً على الحكم المدني لا لاحقاً له ، إذ بعد استقرار الحقوق بين الطرفين بحكم نهائي مدني لا يصح المساس بها بسبب حكم جنائي يصدر بعده . وعلى ذلك إذا فصل في نزاع من محكمة مدنية ، ثم أثير هذا النزاع أمام محكمة مدنية أخرى وأخذت هذه المحكمة بحكم المحكمة المدنية الأولى في حق من صدر بينهم الحكم ، فإنها لا تكون اخطأت في تطبيق القانون ، ولو كان قد صدر بين الحكمين حكم جنائي مخالف للحكم الأول ( نقض مدني في 6 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 166 ص 376 : كان الحكم الأول قد صدر نهائياً بين المشتري والبائع بصورية البيع بناء على ورقة ضد ادعى البائع صدورها من المشتري ، فادعى هذا تزويرها وقضى برفض دعواه . ثم لما قضت المحكمة الجنائية بإدانة المتهم بتزوير ورقة الضد ، طعن المشتري في حكم المحكمة المدنية بالتماس إعادة النظر بناء على صدور الحكم الجنائي ، ولكن المحكمة المدنية قضت برفض الالتماس . وبعد الحكم الجنائي – ولكن قبل الحكم في الالتماس – باع المشتري العقار إلى آخر ، ورفع المشتري الثاني بعد الحكم في الالتماس دعواه على البائع بملكية المبيع ، فقضى في هذه الدعوى المدنية الثانية برفضها بناء على الحكم الأول الصادر بصحة ورقة الضد ) .

وقضت محكمة النقض أيضاً بان محل التمسك بان المحكمة المدنية تكون مقيدة بما قضى به الحكم الجنائي هو أن يكون هذا الحكم صادراً قبل الفصل في الدعوى المدنية لا يعد ذلك . فإذا كان الحكم في الدعوى المدنية قد صدر قبل الحكم الجنائي فلا محل لذلك ، إذ لا يعقل أن ينعى حكم مخالفته حكما لم يكن قائماً وقت صدوره ( نقض مدني في 11 يناير سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 183 ص 525 ) .

 ( [12] ) ويجوز للخصم الذي يتمسك بالحكم الجنائي ليقيد به القاضي المدني أن يقدم صورة منه ، بل يجوز للقاضي المدني من تلقاء نفسه أن يأمر بضم هذه الصورة حتى يعرف مدى الحكم الذي يجب عليه أن يتقيد به ، لأن هذا يعتبر من النظام العام ، للقاضي أن يراعيه ولو لم تصليه الخصوم .

 ( [13] ) فإذا صدر حكم واحد في الدعويين الجنائية والمدنية ، واستؤنف الحكم في شقه المدني دون الجنائي ، لم يجز أن يقال إن الحكم الجنائي قد أصبح نهائياً وقد سبق الحكم المدني ، فيجب أن يتقيد هذا بذاك . ذلك أن الاستئناف يعيد القضية في جميع نواحيها إلى ما كانت عليه في الحدود التي استؤنف فيها الحكم ، ويمنع الاستئناف من أن يصبح الحكم نهائياً ، حتى في الشق الذي لم يستأنف ، من حيث المصالح التي ظلت عن طريق الاستئناف باقية في الخصومة ( مازو 2 فقرة 1759 ) . فلمحكمة الاستئناف إذن أن تلغى الحكم بالتعويض لمصلحة المتهم الذي حكم القاضي الابتدائي بإدانته وأصبحت الإدانة نهائية بعدم استئنافها ، كما لها أن تحكم بالتعويض على المدعى عليه الذي حكم القاضي الابتدائي ببراءته وأصبحت البراءة نهائية بعدم استئنافها .

 ( [14] ) أنظر في أن الحكم الجنائي بالبراءة لا يمنع من المسئولية المدنية : نقض جنائي في 24 يونيه سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 34 ص 81 – وفي 5 ديسمبر سنة 1914 الشرائع 2 رقم 109 ص 111 – وفي 25 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 422 ص 819 – وفي 29 مارس سنة 1931 المحاماة 12 رقم 63 ص 109 – وفي 7 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 153 ص 285 .

 ( [15] ) حتى لو صدر عفو عن الجريمة أو عن العقوبة ، فإن العفو إنما يزيل الأثر الجنائي دون الأثر المدني .

 ( [16] ) لذلك لا يتقيد القاضي المدني بالحكم الجنائي الذي نفي الخطأ الجنائي وقضي بالبراءة ، إذ يجوز أن يكون هناك خطأ مدني دون أن يوجد خطأ جنائي ، وسيأتي ذكر ذلك .

 ( [17] ) وكذلك إذا قضى الحكم الجنائي بالإدانة وقال إن المتهم ارتكب الخطأ المنسوب إليه وإنه مسئول ، فلا يستطيع القاضي المدني أن يقول إنه لم يرتكب الخطأ أو إنه ارتكبه ولكنه غير مسئول عنه .

هذا وتختلف الحالة التي نحن يصددها عن حالة ما إذا رفعت الدعويان الجنائية والمدنية معاً أمام المحكمة الجنائية ، وقضى بالبراءة في الدعوى الجنائية ويرفض طلب التعويض في الدعوى المدنية ، واستؤنف الحكم المدني دون الحكم الجنائي . فقد قدمنا ( أنظر آنفاً فقرة 633 في الهامش ) أنه لا يجوز أن يقال إن الحكم الجنائي قد أصبح نهائياً وقد سبق الحكم المدني فيجب أن يتقيد هذا بذاك . فالحكم المدني في هذه الحالة قد يقضي بالتعويض مع قيام حكم البراءة . وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بأنه إذا رفع المدعى المدني دعواه مباشرة ضد المتهم لقذفه إياه علنا ، طالباً عقابه والحكم عليه بتعويض ، ثم قضت المحكمة ببراءة المتهم ورفض دعوى التعويض ، فاستأنف المدعى ولم تستأنف النيابة ، فأيد الحكم استئنافياً ، فطعن بطريق النقض ، فنقض الحكم ، ثم أعيدت المحاكمة ، فقضى على المتهم بالتعويض عملا بالمادتين 150 و 151 من القانون المدني ( القديم ) ، فلا يصح على المتهم أن ينعي على المحكمة أنها في حكمها قد تعرضت لإثبات واقعة القذف ولا أنها أقامت التعويض على تينك المادتين المذكورتين ، وذلك ( أولاً ) لأن المحكمة لها بل عليها أن تتعرض لإثبات تلك الواقعة ما دامت تفصل في طلب التعويض عن الضرر المدعى حصوله منها ، ولا يمكن أن يحول دون ذلك عدم إمكان الحكم لأي سبب من الأسباب بالعقوبة على المتهم ما دامت الدعويان لمدنية والجنائية كانتا مرفوعتين معاً أمام المحكمة الجنائية ، وما دام المدعى بالحق المدني قد استمر في السير في دعواه المدنية ، مما لا يصح معه القول بأن الحكم في الدعوى الجنائية بسبب عدم الطعن فيه من النيابة العمومية قد حاز قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة إليه ، ( وثانيا ) لأن أساس التعويض عن كل فعل ضار هو المادتان 150 و 151 مدني ( قديم ) ولو كان الفعل الضار يكون جريمة بمقتضى قانون العقوبات ( نقض جنائي في 16 ابريل سنة 1945 المحاماة 27 رقم 213 ص 516 ) .

 ( [18] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا اتهم شخص بأنه أجرى إنشاء سور خشبي خارج عن خط التنظيم وداخل في الملك العام ، وقضت المحكمة ببراءتها قائلة إنه لم يثبت لها من محضر المخالفة ولا من جواب البلدية أن الأرض موضوع المخالفة قد صار نزع ملكيتها فعلا حتى يمكن أن تعتبر من المنافع العامة وأن المتهم قدم صورة عقد ملكية مسجل الخ ، وأنه إذا كان الركن الأساسي للجريمة في تلك المخالفة هو كون السور خارجاً عن خط التنظيم وداخلا في الملك العام ، ولم يثبت للمحكمة أن الأرض التي أقيم فيها السور من المنافع العامة فيكون ركن الجريمة هذا غير متحقق ويتعين إذن تبرئة المتهم من المخالفة دون حاجة إلى الفصل في مسألة ملكية شخص معين بالذات لتلك الأرض – إذا كان ذلك كذلك فإن كل ما يفيده حكم البراءة هذا ويصح الاحتجاج به في صدده إنما هو أن الأرض موضوع النزاع لم تكن في يوم المخالفة من المنافع العامة . وإذن فإذا ما طرح النزاع في شأن ملكية هذه الأرض بعد ذلك على المحكمة المدنية ، وحكمت بالملكية لغير المخالف المحكوم ببراءته ، فإنه لا يمكن القول بأن حكمها هذا يكون مناقضاً لحكم البراءة في المخالفة ( نقض مدني في 28 ديسمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 18 ص 513 ) .

نقلا عن محامي أردني

الطلبات والدفوع في القانون المدني

الطلبات والدفوع

1 – طلبات المدعى

622 – سبب الدعوى : مهما تنوعت الطرق والوسائل ( moyens ) التي يستند إليها المدعى في تأييد طلباته ، فإن سبب ( cause ) دعواه واحد لا يتغير : إخلال المدعى عليه بمصلحة له مشروعة . وسواء كانت حجته أو دليله على هذا الإخلال خطأ عقدياً ارتكبه المدعى عليه أو خطأ تقصيرياً ، وسواء كان الخطأ التقصري خطأ ثابتا أو خطأ مفترضا ، وسواء كان الخطأ المفترض يقبل إثبات العكس أو لا يقبل ذلك ، فليست هذه كلها إلا وسائل يستند إليها المدعى في دعواه . وقد ينتقل من وسيلة إلى وسيلة ، فيستند أولاً إلى الخطأ التقصيري ، ثم يرتكه إلى الخطأ العقدي ، ثم يرجع بعد ذلك إلى الخطأ التقصيري ولكن يدعيه مفترضاً ، فهو في ذلك كله قد غير الوسائل التي يستند إليها دون أن يغير سبب دعواه .

ويترتب على ذلك أن المدعى إذا رفع دعواه مستنداً إلى النصوص الخاصة بالخطأ التقصيري الثابت ، فلا يعد طلباً جديداً في الاستئناف أن يستند إلى خطأ تقصيري مفترض أو إلى خطأ عقدي . بل يجوز للقاضي ، وقد رفعت الدعوى أمامه بالاستناد إلى الخطأ التقصيري الثابت ، أن يبني حكمه على خطأ تقصيري مفترض أو على خطأ عقدي دون أن يكون بذلك قد قضى في شيء لم تطلبه الخصوم ، فهو إنما استند إلى وسائل لم تبدها الخصوم وهذا جائز . ولكن لا يجوز للمدعى أن يغير الوسائل التي يستند إليها لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ لا يجوز إبداء وسائل جديدة أمام هذه المحكمة .

ويترتب كذلك على ما قدمناه أن المدعى إذا رفع دعواه مستنداً إلى الخطأ العقدي مثلا ، فرفضت الدعوى ، فإن الحكم يجوز قوة الشيء المقضى ، ولا يستطيع المدعى أن يعود إلى القضاء مستنداً إلى الخطأ التقصيري . والعكس صحيح . ذلك أن السبب لم يتغير بالانتقال من نوع من الخطأ إلى نوع آخر ، ولم تتغير كذلك الخصوم والموضوع ، وهذه هي شروط الشيء المقضى .

أما القضاء الفرنسي فقد جرى على أن المدعى لا يجوز له أن يعدل عما استندا إليه من الخطأ ، فيترك الخطأ التقصيري مثلا إلى الخطأ العقدي ، أو يترك الخطأ الثابت إلى الخطأ المفترض ، وإلا كان ذلك طلباً جديداً لا يجوز له أن يتقدم به لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ( [1] ) . كذلك إذا رفضت الدعوى على أساس نوع معين من الخطأ ، لم يجز الحكم قوة الشيء المقضى بالنسبة إلى نوع آخر ، وجاز رفع دعوى المسئولية من جديد على أساس نوع من الخطأ يختلف عن النوع الذي رفضت الدعوى على أساسه من قبل . ولا يحول دون ذلك قوة الشيء المقضى ، لأن السبب – وهو هنا نوع الخطأ – قد تغير ( [2] ) .

وقضاء محكمة النقض عندنا ، في دائرتها الجنائية ، يتفق مع القضاء الفرنسي ( [3] ) . وأما قضاؤها في الدائرة المدنية ، فعلى العكس من ذلك يتفق مع الرأي الآخر الذي قدمناه ، وهو الرأي الذي نرجحه . فقد قضت بأن الراجح في باب قوة الشيء المحكوم فيه هو اعتبار كل ما تولد به للمضرور حق في التعويض عن شخصه أو عن ماله قبل من أحدث الضرر أو تسبب فيه – كل ذلك هو السبب المباشر المولد للدعوى بالتعويض مهما تنوعت أو تعددت علل التعويض أو اسبابه ، لأن ذلك جميعاً من وسائل الدفاع أو طرقه ( moyens ) . فمهما كانت طبيعة المسئولية التي بحثها القاضي في حكمها الصادر برفض دعوى التعويض ، ومهما كان النص القانوني الذي استند إليه المدعى في طلباته أو النص الذي اعتمد عليه القاضي في حكمه ، فإن هذا الحكم يمنع المضرور من إقامة دعوى تعويض أخرى على من حكم قبله برفض دعواه ، لأنه يعتبر إلا بالاقتضاء على انتفاء مسئولية المدعى عليه قبل المدعى عما اداعه عليه أياً كانت المسئولية التي أسس عليها طلبه ، عقدية أو غير عقدية أو تقصيرية ، على معنى أن كل ذلك كان من طرق الدفاع ووسائله في دعوى التعويض ، وأن لم يتناوله البحث بالفعل فيها ، ولم يكن ليبرر الحكم للمدعى على خصمه بتعويض ما ( [4] ) .

623 – موضوع الدعوى : وموضوع دعوى المسئولية هو التعويض عن الضرر ، يقدره المدعى كما يرى . ولا يجوز للقاضي أن يزيد عما طلبه المدعى وإلا قضى فيما لم يطلبه الخصوم ، ولكن يجوز له أن يقضي بأقل . كذلك لا يجوز للمدعى أن يزيد مقدار ما يطلبه من التعويض في الاستئناف لأول مرة ، لأن ذلك يعد طلباً جديداً .

ولكن كيفية التعويض قد تتغير دون أن يكون في ذلك تعديل في الطلبات . فقد يطلب المدعى مبلغاً من النقود فيحكم القاضي بإيراد مرتب ، وقد يطلب تعويضاً عينياً فيحكم له القاضي بتعويض نقدي . وقد يغير المدعى من كيفية التعويض الذي يطلبه لأول مرة في الاستئناف فيجوز ذلك ، كما لو طلب تعويضاً نقدياً أمام المحكمة الابتدائية ، ثم طلب في الاستئناف تعويضا عينياً مصحوباً بتهديد مالي .

2 – دفوع المدعى عليه ( التقادم )

624 – الدفوع : يدفع المدعى عليه دعوى المسئولية بأحد أمرين : إما أن ينكر قيام المسئولية ذاتها فيدعى أن ركنا من أركانها لم يتوافر من خطأ أو ضرر أو سببية ، وإما بأن يعترف بأن المسئولية قامت ولكنه يدعى أن الالتزام المترتب عليها قد انقضى بالوفاء أو بالمقاصة أو بالإبراء أو بالتقادم أو بغير ذلك من أسباب انقضاء الالتزام .

وفي كل ذلك تطبق القواعد العامة ( [5] ) .

625 – الدفع بالتقادم : والذي يعنينا الوقوف عنده قليلا هو التقادم . فقد أدخل القانون المدني الجديد تعديلا هاماً في هذا الصدد ، وبعد أن كانت دعوى المسئولية تتقادم كغيرها من الدعاوى بخمس عشرة سنة صارت تتقادم أيضاً بثلاث سنوات على تفصيل نورده فيما يلي :

نصت المادة 172 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” 1 – تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه . وتسقط هذه الدعوى في كل حال ، بانقضاء خمس عشرة سنه من يوم وقع العمل غير المشروع ” .

 ” 2 – على أنه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة ، وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة في الفقرة السابقة ، فان دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية ( [6] ) ” .

وفقاً لهذا النص يجب التمييز بين ما إذا كانت دعوى المسئولية قد قامت على خطأ مدني لا يعتبر جريمة أو كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة جنائية .

ففي الحالة الأولى تسقط دعوى المسئولية بالتقادم بأقصر المدتين الآتيتين : ( 1 ) ثلاث سنوات تنقضي من اليوم الذي علم فيه المضرور بالضرر وبالشخص أنه قد يمضي على وقوع الضرر مدة تزيد على ثلاث سنوات دون أن تتقادم دعوى المسئولية ويكفي لتحقق ذلك أن يقع الضرر دون أن يعلم به المضرور ، كما لو أوصى شخص لآخر بمال ولم يعلم الموصى له بالوصية إلا بعد موت الموصى بمدة طويلة ، وتبين أن أحد الورثة وضع يده على المال الموصى به وأتلفه منذ مدة نفرضها خمس سنوات ، ففي هذا الفرض لا يبدأ سريان التقادم إلا من اليوم الذي علم فيه الموصى له بالوصية وبمن أتلف الموصى به من الورثة ، ولا تتقادم دعواه إلا بانقضاء ثلاث سنوات من ذلك اليوم ، أي باقنضاء ثماني سنوات من وقت وقوع الضرر . وقد يعلم المضرور بوقوع الضرر ولكنه لا يعلم بالشخص المئول عنه ، كما لو اصطدم بسيارة لم يعرف سائقها ، ثم اهتدى إلى معرفته بعد سبع سنوات مثلا ، فهنا أيضاً لا تتقادم دعوى المسئولية إلا بانقضاء ثلاث سنوات من وقت علم المضرور بالشخص المسئول ، أي بانقضاء عشر سنوات من وقت وقوع الضرر . أما إذا علم المضرور بوقوع الضرر وبالشخص المسئول عنه في اليوم الذي وقع فيه – وهذا ما يحدث غالباً – فإن دعوى المسئولية تتقادم في هذا الفرض بانقضاء ثلاث سنوات من وقت وقوع الضرر . ( 2 ) خمس عشرة سنة من وقت وقوع الضرر . وهذا لا يتحقق إلا إذا كان المضرور لم يعلم بوقوع الضرر أو بالشخص المسئول عنه إلا بعد مدة طويلة نفرضها ثلاث عشرة سنة . ففي هذا الفرض النادر تتقادم دعوى المسئولية انقضاء خمس عشرة سنة من وقت وقوع الضرر ، لأن هذه المدة اقصر من مدة ثلاث السنوات التي تسري من وقت علم المضرور بوقوع الضرر وبالشخص المسئول عنه ، إذ أن هذه المدة الأخيرة عند الحساب تكون ست عشرة سنة من وقت وقوع الضرر . وقد رأينا أن القانون المدني الجديد جعل التقادم بأقصر هاتين المدتين في دعوى بطلان العقد . وسنرى أنه سار على هذا النهج في الالتزامات الناشئة عن الإثراء بلا سبب ودفع غير المستحق والفضالة ، وها نحن نراه يسير على النهج ذاته في الالتزامات الناشئة عن العمل غير المشروع . وقد استبقى الالتزامات الناشئة عن العقد ، فجعلها لا تتقادم إلا بخمس عشرة سنة ، لأنها التزامات ارادها المتعاقدان فترتبت في ذمة الملتزم بارادته هو ، وهذا بخلاف الالتزامات الأخرى فقد فرضها القانون على الملتزم .

وفي الحالة الثانية ، إذا نشأت دعوى المسئولية عن جريمة كجناية قتل مثلا ، تتقادم الدعوى في الأصل بأقصر المدتين السابقتي الذكر . فإذا فرضنا أن اقصر المدتين ثلاث سنوات أو خمس أو أية مدة أخرى تقل عن عشر سنوات ، نتج عن ذلك موقف شاذ ، إذ تكون الدعوى المدنية قد تقادمت قبل أن تتقادم الدعوى الجنائية ، فإن هذه لا تتقادم إلا بعشر سنوات ( م 15 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد ) . هذا الموقف الشاذ ، وهو سقوط الدعوى المدنية مع قيام الدعوى الجنائية ، وإيقاع عقوبة جنائية على الجاني دون التمكن من الزامه بالتعويض وهو أقل خطر امن العقوبة الجنائية ، هو الذي أراد القانون أن يتفاده . فنص على أن الدعوى المدنية لا تتقادم في هذه الحالة ، بل تبقى قائمة مع الدعوى الجنائية ، ولا تسقط إلا بسقوطها ، حتى يتمكن المضرور في الوقت الذي يعاقب فيه الجاني أن يتقاضى منه التعويض المدني . أما العكس فمستساغ : تسقط الدعوى الجنائية قبل أن تسقط الدعوى المدنية . وصورة ذلك في المثل الذي نحن بصدده إلا تعلم الورثة بقتل مورثهم إلا بعد عشر سنوات من وقوع الجناية ، فتكون الدعوى الجنائية قد سقطت بالتقادم ، ومع ذلك تبقى الدعوى المدنية إذ لم ينقض لا ثلاث سنوات من وقت العلم بالجناية وبالجاني ولا خمس عشرة سنة من وقت وقوع الجناية ( [7] ) . ومثل ذلك أيضاً أن تكون الجريمة التي نشأت عنها دعوى المسئولية مخالفة بسيطة تنقضي الدعوى الجنائية فيها بمضي ستة من يوم وقوعها ( م 15 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد ) ، فتكون الدعوى المدنية قائمة بعد سقوط الدعوى الجنائية إذ لا تسقط الدعوى الأولى بأقل من ثلاث سنوات ( [8] ) .

626 – سريان النص الجديد من حيث الزمان : ويتبين مما قدمناه أن القانون المدني الجديد قد عدل مدة التقادم في دعوى المسئولية ، فجعلها في أكثر الأحوال اقصر من المدة التي كان القانون القديم بقرارها . وقد نصت المادة الثامنة من القانون المدني الجديد على أنه ” 1 – إذا قرر النص الجديد مدة للتقادم اقصر مما قرره النص التقديم سرت المدة الجديدة من وقت العمل بالنص الجديد ، ولو كانت المدة القديمة قد بدأت قبل ذلك . 2 – أما إذا كان الباقي من المدة التي نص عليها القانون القديم أقصر من المدة التي قررها النص الجديد ، فان التقادم يتم بانقضاء هذا الباقي ” .

ونفرض ، لتطبيق هذا النص ، أن مسئولية مدنية قد تحققت في ظل القانون المدني القديم : سرقة وقعت قبل نفاذ القانون الجديد وعلم المجني عليه بالسرقة وبالسارق قبل هذا التاريخ . فإذا فرضنا أن السرقة وقعت في سنة 1941 ، فإن دعوى المسئولية في هذا الفرض إذا طبق عليها القانون القديم لا تتقادم إلا بخمس عشرة سنة تسري من وقت وقوع السرقة ، فتتقادم في سنة 1956 . أما إذا طبق عليها القانون الجديد ، فإنها تتقادم بثلاث سنوات تسري من وقت العمل بالقانون الجديد ( 15 أكتوبر سنة 1949 ) ، فتتقادم في سنة 1951 . ومن ثم يكون القانون الجديد هو الذي ينطبق لأن التقادم بمقتضاه أسرع ، وإذا فرضنا أن السرقة وقعت في سنة 1936 ، فإن القانون القديم هو الذي ينطبق لأن الباقي من مدة التقادم فيه عند نفاذ القانون الجديد أقل من ثلاث سنوات ، وهي المدة التي قررها النص الجديد ، فتتقادم الدعوى في هذا الفرض في سنة 1951 .


 ( [1] ) فالفقهاء ورجال العمل في فرنسا ينصحون المدعى أن يستند في دعواه إلى جميع النصوص الخاصة بالمسئولية – عقدية كانت أو تقصيرية – حتى لا تفلت منه فرصة في كسب دعواه مهما كان رأي القاضي في الوسيلة التي يجب أن تستند إليها الدعوى ( أنظر في القضاء الفرنسي وفي نقده مازو 3 فقرة 2097 – فقرة 2101 ) .

 ( [2] ) أنظر في الموضوع مازو 3 فقرة 2102 .

 ( [3] ) وقد أصدرت الدائرة الجنائية لمحكمة النقض أحكاماً عدة في هذا المعنى . فقضت بأنه إذا كانت الدعويان العمومية والمدنية قد رفعنا على المتهم على أساس أنه قارف بنفسه فعل الضرب الذي وقع على عين المدعى عليه وسبب له الضرر المطلوب من اجله التعويض ، واستمر النظر فيهما على هذا الأساس طوال المحاكمة ، فإن المحكمة إذا داخلها الشك في أن المتهم ضرب المجني عليه ، ولم تر أنه قارف أية جريمة أخرى يكون من سلطتها أن تحاكمه عليها ، فبرأته لعدم ثبوت التهمة عليه ، وتبعاً لذلك رفضت الدعوى المدنية المقامة على أنه ارتكب بنفسه الفعل الضار ، تكون قد أصابت إذا لم يكن في وسعها أن تحكم بغير ما حكم به . ذلك لأن المطالبة بالتعويض على أساس المادة 151 من القانون المدني باعتبار المدعى عليه مسئولا عن فعل نفسه تختلف من حيث السبب عن المطالبة بالتعويض على أساس المادة 152 من القانون المذكور باعتبار المدعى عليه مسئولا عن فعل غيره ، وليس للمحكمة من تلقاء نفسها أن تغير السبب الذي تقام عليه الدعوى أمامها وإلا تكون قد تجاوزت سلطتها ، وحكمت بما لم يطلب منها الحكم به ( نقض جنائي في أول فبراير سنة 1943 المحماة 24 رقم 162 ص 480 ) .

وقضت أيضاً بأنه ما دامت الدعوى قد رفعت على أساس المسئولية التقصيرية ، والمدعى لم يطلب أن يقضي له فيها بالتعويض على أساس المسئولية التعاقدية – إن صح أن يطلب ذلك أمام المحكمة الجنائية – فليس للمحكمة أن تتبرع من عندها فتبني الدعوى على سبب غير الذي رفعها صاحبها به ، فإنها إذ تفعل تكون قد حكمت بما لم يطلبه منها الخصوم ، وهذا غير جائز في القانون ( نقض جنائي في 8 مارس سنة 1943 المحماة 20 رقم 45 ص 132 ) .

وقضت كذلك بأنه ما دامت الدعوى المدنية قد رفعت أمام المحكمة الجنائية ، فإن هذه المحكمة إذا انتهت إلى أن أحد المتهمين هو وحده الذي قارف الجريمة المطلوب التعويض عنها ، وأن المتهمين الآخرين أحدهما لم يقع منه سوى تقصير في الواجبات التي يفرضها عليه العقد المبرم بينه ( وهو مستخدم بينك التسليف ) وبين المدعى بالحقوق المدنية ( وهو بنك التسليف ) والآخر لم يثبت وقوع أي تقصير منه – إذا انتهت المحكمة إلى ذلك يكون متعيناً عليها إلا تقضي بالتعويض إلا على من ثبتت عليه الجريمة ، وأن تقضي برفض الدعوى بالنسبة للمتهمين الآخرين ، لأن حكمها على المتهم الذي خالف شروط العقد لا يكون إلا على أساس المسئولية التعقدية وهو غير السبب المرفوعة به الدعوى أمامها ، وهذا لا يجوز في القانون ، ولان حكمها بالتعويض على المتهم الآخر ليس له ما يبرره ما دام لم يثبت وقوع أي خطأ منه . أما القول بأن المحكمة كان عليها في هذه الحالة أن تحكم بعدم الاختصاص في الدعوى المدنية بالنسبة لهذين المتهمين أحدهما أو كليهما لا برفضها فمردود بأنه ما دامت الدعوى قد رفضت على أساس انعدام المسئولية التقصيرية ، فإن ذلك لا يمنع المدعى بالحقوق المدنية وليس من شأنه أن يمنعه من رفعها أمام المحاكم المدنية بناء على سبب آخر هو المسئولية التعاقدية ( نقض جنائي في 31 مايو سنة 1943 المحاماة 26 رقم 37 ص 81 ) .

وانظر تعليقاً على هذا الحكم للدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 17 العدد الثاني ، وهو يعارض المبدأ الذي اخذ به الحكم ، ويؤيد الرأي الصحيح الذي أخذنا به – وانظر تعليقاً آخر له في هذا المعنى في مجلة القانون والاقتصاد 15 ص 219 – ص 238 ) .

 ( [4] ) نقض مدني في 5 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 154 – ص 452 .

 ( [5] ) وقد قمنا أن هناك دفعاً خاصا بدعوى المسئولية المدنية ، إذا رفعت أمام المحكمة المدنية ، عن جريمة رفعت الدعوى الجنائية في شأنها أمام المحكمة الجنائية . فإن الدعوى الجنائية تق من سير الدعوى المدنية حتى يفصل نهائياً في الدعوى الجنائية . وهذا ما يعبر عنه الفرنسيون بقولهم : La criminal tient le civil en etat وقد وردت هذه القاعدة في القانون الإجراءات الجنائية الجديد في المادة 265 على الوجه الآتي : ” إذا رفعت الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية ، يجب وقف الفصل فيها حتى يحكم نهائياً بالدعوى الجنائية المقامة قبل رفعها أو في أثناء السير فيها . على أنه إذا أوقف الفصل في الدعوى الجنائية لجنون المتهم يفصل في الدعوى المدنية ” .

 ( [6] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 240 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المصاب بحدوث الضرر وبالشخص الذي أحدثه . وتسقط الدعوى كذلك في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع . 2 – على أنه إذا كانت دعوى التعويض ناشئة عن جريمة تقرر لسقوط الدعوى الجنائية فيها مدة أطول ، فإن هذه المدة هي التي تسقط بها الدعوى المدنية ” . وفي لجنة المراجعة نوقشت المادة مناقشة طويلة ، ورأى بعض الأعضاء أنه لا توجد علاقة ما بين سقوط دعوى التعويض المدنية وسقوط الدعوى الجنائية ، ولكن الأغلبية رأت إبقاء الحكم على أصله مع تقديم الفقرة الثانية بحيث تكون استثناء لمدة الثلاث السنوات لا من مدية الخمس عشرة سنة ، وأصبح النص النهائي الذي أقرته اللجنة هو : ” 1 – تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص الذي أحدثه إلا إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة تسقط الدعوى الجنائية فيها بمدة أطول ، فإن هذه المدة هي التي تسقط بها دعوى التعويض . 2 – وتسقط دعوى التعويض في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع ” . وأصبح رقم المادة 176 في المشروع النهائي . ووافق عليها مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ اعترض على جعل يوم علم المضرور بحدوث الضرر وبالشخص الذي أحدثه بمبدأ لسريان التقادم القصير وهو ثلاث سنوات لأنه لا بد من تعيين معيار مادي ثابت لمبدأ السقوط فالمسائل القضائية يجب تحديدها بواقعة مادية ، أما العلم فقد يثير إشكالات لا تنتهي ، ولكن اللجنة تبينت أن كل التشريعات الحديثة أخذت بمبدأ المدة القصيرة للتقادم على أن يبدأ سريانها من يوم العلم بالضرر وبالشخص الذي أحدثه وبمبدأ المدة الطويلة في حالة عدم العلم . واستبدلت اللجنة عبارة ” الشخص المسئول عنه ” بعبارة ” الشخص الذي أحدثه ” ، والاستعاضة عن الشق الأخير من الفقرة الأولى بعبارة ” فإن دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى العمومية ” ، وقصد من هذا الاقتراح إلى الإبقاء على الدعوى المدنية طوال المدة التي يوقف فيها سريان تقادم الدعوى العمومية بالتحقيقي أو بالمحاكمة لأن إطلاق النص الوارد في المشروع يجعل تقادم الدعوى المدنية يتم بانقضاء المدة التي تسقط بها الدعوى العمومية دون نظر إلى وقف سريان تقادمها ، والانسب أن تبقى الدعوى المدنية ما بقى الحق في رفع الدعوى العمومية أو تحريكها أو السير فيها قائما ، والأصح كذلك أن يرد الاستثناء الخاص ببقاء الدعويين في الفقرة الثانية لأن الدعوى العمومية قد تظل باقية أحياناً مدة تجاوز الخمس عشرة سنة . وعلى ذلك عدلت المادة على الوجه الوارد في القانون الجديد وأصبح رقمها 172 . ووافق مجلس الشيوخ عليها كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 399 – 404 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” استحدث المشروع في نطاق المسئولية التقصيرية تقادماً قصيراً . فقضى بسقوط دعوى التعويض الناسئة عن عمل غير مشروع بانقضاء ثلاث سنوات على غرار ما فعل فيما يتعلق بدعاوى البطلان . ويبدأ سريان هذه المدة من اليوم الذي يعلم فيه المضرور بالضرر الحادث ، ويقف على شخص من احدثه . فإذا لم يعلم بالضرر الحادث ، أو لم يقف على شخص من احدثه ، فلا يبدأ سريان هذا التقادم القصير ، ولكن دعوى المضرور تسقط على أي الفروض بانقضاء خمس عشرة سنة على وقع العمل غير المشروع . وإذا كان العمل الضار يستتبع قيام دعوى جنائية إلى جانب الدعوى المدنية ، وكانت الدعوى الجنائية تتقادم بانقضاء مدة أطول ، سرت هذه المدة في شأن تقادم الدعوى المدنية . فلو حدث الضرر مثلا من جراء جناية ، كانت مدة سقوط الدعوى المدنية عشر سنوات عوضاً عن ثلاث لأن الدعوى الجنائية لا تتقادم إلا بانقضاء تلك المدة وهي أطول . وقد فرض في هذا كله أن مبدأ سريان المدة لا يختلف في الحالتين ، بيد أن الدعوى المدنية لا تسقط إلا بانقضاء خمس عشرة سنة عند جهل المضرور بالضرر الحادث أو بشخص محدثه ، وهي مدة أطول من مدة سقوط الدعوى الجنائية . وصفوة القول أن الدعوى المدنية قد تبقى قائمة بعد انقضاء الدعوى الجنائية ، ولكن ليس يقبل انقضاء الدعوى المدنية قبل انقضاء الدعوى الجنائية ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 400 ) .

 ( [7] ) نقض مدني في أول مايو سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 198 ص 433 .

 ( [8] ) وسقوط الدعوى المدنية قبيل سقوط الدعوى الجنائية أكثر احتمالا في القانون المدني الجديد ( حيث قصرت مدة التقادم ) منه في القانون المدني القديم . وهذا هو الذي جعل المشرع في القانون المدني الجديد ينص صراحة على الاحتياط الذي نحن بصدده ، حتى لا تسقط الدعوى المدنية قبل سقوط الدعوى الجنائية على النحو الذي قدمناه . أما القانون المدني القديم فلم يتضمن نصاً في هذه المسألة ، ولم يكن في حاجة كبيرة إليه ، لأن دعوى المسئولية فيه كانت لا تسقط إلا بخمس عشرة سنة ، فكان من النادر أن تسقط الدعوى المدنية قبل سقوط الدعوى الجنائية .

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

آثار المسئولية في القانون المدني

آثار المسئولية

611 – دعوى المسئولية وجزاؤها ( التعويض ) : إذا توافرت أركان المسئولية – خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما – تحققت المسئولية ، وترتبت عليها آثارها ، ووجب على المسئول تعويض الضرر الذي أحدثها بخطأه .

فالتعويض إذن هو الحكم الذي يترتب على تحقق المسئولية ، وهو جزاؤها . ويسبق ذلك دعوى المسئولية ذاتها ، ففي الكثرة لغالبة من الأحوال لا يسلم المسئول بمسئولية ، ويضطر المضرور إلى أن يقيم عليه الدعوى .

فنستعرض في مبحثين متعاقبين : ( 1 ) دعوى المسئولية ( 2 ) وجزاء المسئولية ( التعويض ) .

المبحث الأول

دعوى المسئولية

 ( Action en responsabilite )

612 – مسائل أربع : نستعرض المسائل الأربع الآتية : ( 1 ) طرفي الدعوى : المدعى والمدعى عليه ( 2 ) الطلبات والدفوع ، ويدخل في ذلك تقادم دعوى المسئولية ( 3 ) الإثبات : عبؤه ووسائله ( 4 ) الحكم الصادر في دعوى المسئولية وطرق الطعن فيه ، وبخاصة طريق النقض .

المطلب الأول

طرفا الدعوى

1 – المدعى

613 – المدعى هو المضرور : المدعى في دعوى المسئولية هو المضرور ، وهو الذي يطالب بالتعويض . فغير المضرور ليس له حق في التعويض . والمضرور ، هو أن نائبه أو خلفه ، يثبت له هذا الحق . ويثبت الحق لكل مضرور . فالمدعى إذن هو المضرور ، وكل مضرور ، ولا أحد غير المضرور .

1 – غير المضرور ليس له حق في التعويض :

614 – التبرع بالتعويض لجهة خيرية : بديهي أن غير المضرور لا يستطيع أن يطالب بتعويض عن ضرر لم يصبه ( [1] ) . ولكن يقع كثيراً – وبخاصة في الأضرار الأدبية – أن يعلن المضرور عن رغبته في النزول عما يحكم له به من تعويض لجهة خيرية أو لمؤسسة تعمل للمصلحة العامة . والمحظور أن يطلب المضرور من المحكمة القضاء مباشرة بالتعويض لهذه الجهة . ولا تستطيع المحكمة في هذه الحالة أن تجيبه إلى هذا الطلب ، لأن الجهة الخيرية التي عينها المضرور لم يصبها أي ضرر ، فلا يجوز الحكم لها مباشرة بتعويض أما إذا طلب المضرور الحكم بالتعويض لنفسه وأعلن في الوقت ذاته عن رغبته في النزول عن هذا التعويض لجهة خيرية ، فلا شيء يمنع من ذلك . ويجوز أن يشير الحكم إلى هذا الأمر ، ولا يكون في هذه الإشارة مخالفة للقانون تستوجب نقض الحكم ( [2] ) .

فإذا وقع ذلك ، بقى أن نعرف هل تكسب الجهة الخيرية حقاً قبل المضرور في أن ينزل لها عن التعويض الذي قضى له به ؟ إذا طبقنا القواعد العامة ، رأينا أن المضرور لا يلتزم بارادته المنفردة نحو الجهة الخيرية ، لأن الإرادة المنفردة لا تلزم صاحبها إلا في أحوال منصوص عليها ، ليست هذه الحالة منها . ولكن يجوز أن يعتبر إعلان المضرور رغبته في النزول عن التعويض للجهة الخيرية إيجاباً منه يعد فيه بهبة حق ثابت له ، ستقوم المحكمة بتحديد مقداره . فإذا قبلت الجهة الخيرية هذا الإيجاب أصبح المضرور ملتزماً بهذا الوعد بالهبة ، مع مراعاة أن الوعد بالهبة لا ينعقد إلا إذا كان بورقة رسمية ( م 490 من القانون المدني الجديد ) ( [3] ) .

ب – حق التعويض للمضرور :

615 – المضرور أو نائبه : المضرور هو الشخص الذي لحق أن يطالب بالتعويض . ويقوم نائبه مقامه في ذلك .

ونائب المصور ، إذا كان هذا قاصراً ، هو وليه أو وصيه . وإذا كان محجوراً ، هو القيم . وإذا كان مفلساً ، هو السنديك . وإذا كان وقفاً ، هو ناظر الوقف . وإذا كان رشيداً ، فنائبه هو الوكيل .

616 – خلف المضرور : بقى الخلف ، عاماً كان أو خاصاً . وهؤلاء هم الوارث والدائن والمحال له ، وهنا يجب التمييز بني التعويض عن الضرر المادي والتعويض عن الضرر الأدبي .

فإذا كان التعويض عن ضرر مادي – تلف مال أو اصابة في الجسم اعجزت عن العمل – فإن الحق في التعويض ، وقد ثبت للمضرور ، ينتقل منه إلى خلفه . فيستطيع وارث المضرور أن يطالب بالتعويض الذي كان مورثه يطالب به لو بقى حياً ( [4] ) . ويستطيع دائن المضرور أن يطالب بهذا التعويض باسم مدينه عن طريق الدعوى غير المباشرة ( [5] ) . ويستطيع المضرور أن يحول حقه في التعويض إلى شخص آخر فينتقل هذا الحق إلى المحال له ( [6] ) .

أما إذا كان التعويض عن ضرر أدبي ، فإنه لا ينتقل إلى خلف المضرور إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق ما بين المضرور والمسئول أو طالب به المضرور أمام القضاء ( م 222 ) . وقد تقدم بيان ذلك بالتفصيل عند الكلام في الضرر الأدبي وكيف ينتقل التعويض عنه إلى الغير . فإذا تحدد التعويض عن الضرر الأدبي على هذا النحو ، بالتراضي أو بالتقاضي ، أمكن أن ينتقل حق التعويض إلى الوارث ، وجاز لدائن المضرور أن يطالب به عن طريق الدعوى غير المباشرة ( [7] ) ، وصح للمضرور أن يحوله إلى الغير ( [8] ) .

ج – حق التعويض كل مضرور :

617 – تعدد المضرورين : قد يتعدد المضرورن من الخطأ الواحد ، ويكون كل مضرور قد أصابه ضرر مستقل عن الضرر الذي أصاب الآخر . مثل ذلك حريق تنشب بخطأ شخص فتحرق منازل عدة ، فصاحب كل منزل قد أصابه بسبب هذه الحريق ضرر مستقل عن الأضرار التي أصابت أصحاب المنازل الأخرى .

وقد يصيب الخطأ الواحد بالضرر شخصين أو أكثر ، ولكن الضرر الذي أصاب أحدهم يكون نتيجة للضرر الذي أصاب الآخرين . مثل ذلك أن يقتل شخص آخر خطأ ، ويكون للمقتول قريب يعوله ، فخطأ القاتل أصاب المقتول بالضرر ، وأصاب بالضرر أيضاً من كان المقتول يعوله . والضرر الثاني ليس إلا انعكاساً للضرر الأول ، فهو نتيجة له ( [9] ) . والفرق بين هذه الحالة والحالة السابقة أن الأضرار في الحالة السابقة كان كل ضرر منها مستقلا عن الأضرار الأخرى ، أما في الحالة التي نحن بصددها فالأضرار تتصل فيما بينها اتصال السبب بالمسببب .

وفي الحالتين – سواء كانت الأضرار مستقلة بعضها عن بعض أو كانت بعضها لبعض سبباً – يكون لكل مضرور دعوى شخصية مستقلة يرفعها باسمه خاصة دون أن يتأثر بدعاوى الآخرين . ولا تضامن ما بين المضرورين ، بل يقدر القاضي تعويض كل منهم على حدة .

618 – الضرر الذي يصيب الجماعة : وقد يقع الضرر على جماعة ، لا على فرد أو على أفراد متعددين ، فمن عسى أن يكون المضرور في هذه الحالة ، هل هم الأفراد الذين تتكون منهم الجماعة ، أو هي الجماعة ذاتها ؟ يجب التمييز هنا بين ما إذا كانت الجماعة ذات شخصية معنية ، أو كانت لا تتمتع بهذه الشخصية .

فإذا كانت الجماعة ذات شخصية معنوية ، كشركة أو جمعية أو نقابة أو شخص معنوي عام ، وجب التمييز بين المصلحة الفردية ( Interet individual ) لأي فرد من الأفراد التي تتكون منها هذه الجماعة ، والمصلحة الجماعية الشخصية ( interet social personnel ) للشخص المعنوي ذاته ، والمصلحة الجماعية العامة ( interet collectif ) التي يقوم عليها هذا الشخص المعنوي باعتباره منتمياً إلى حرفة معينة . ولنضرب لذلك مثلا النقابة – نقابة المحامين أو نقابة الأطباء أو نقابة المهندسين أو نقابة من نقابات العمال أو أصحاب العمل أو أية نقابة أخرى – فكل عضو في هذه النقابة له مصلحة فردية يحميها القانون ، فإذا وقع اعتداء على هذه المصلحة كان لهذا الفرد المضرور دعوى شخصية قبل المسئول ، كما إذا منعت نقابة أحد أعضائها من ممارسة مهنته دون حق فيجوز لهذا العضو أن يرجع على النقابة لحماية مصلحته الفردية . وللنقابة كشخص معنوي مصالح جماعية شخصية ، فهي تملك مالا ولها نشاط مهني وتتعاقد وتمارس اختصاصاتها المختلفة ، فإذا وقع اعتداء على مصلحة شخصية لها من هذا القبيل ، كانت النقابة كشخص معنوي هي المضرور ، كما إذا ارتكب أحد مديري النقابة خطأ في ادارته سبب خسارة للنقابة ، فوي هذه الحالة ترجع النقابة بالتعويض على المسئول ، ولا يجوز لي عضو من أعضاء النقابة أن يعتبر نفسه هو المضرور فيرجع بصفته الشخصية على المسئول ( [10] ) . والنقابة كشخص معنوي يعهد إليه القانون بالدفاع عن المصالح العامة لمهنة معينة لها أن ترجع على أي شخص اعتدى على هذه المصالح العامة ، ولو لم تكن لها في ذلك مصلحة شخصية . فنقابة للعمال لها أن ترجع على صاحب عمل لم يراع قوانين العمل في مصنعه ، بأن جعل العمال يعملون أكثر من الساعات المقررة للعمل ، أو استخدم الصبية أو النساء دون أن يراعى القيود التي قررها القانون ، حتى لو لم يكن العمال أو الصبية أو النساء الذين استخدمهم صاحب العمل أعضاء في النقابة ، إذ النقابة هنا تمثل الصالح العام لجميع العمال سواء كانوا داخلين في عضويتها أو غير داخلين . أما إذا كان العمال داخلين في عضويتها ، فإنها تكون بذلك قد توفرت لا على مصلحة عامة للمهنة فحسب ، بل أيضاً على مصلحة جماعية شخصية ، وكلتا المصلحتين تبرر رجوعها على صاحب العمل . وقيام المصلحة الجماعية العامة يتحقق بالنسبة إلى النقابات دون الشركات والجمعيات ، فإن هذه لا تمثل المصالح العامة للمهنة أو للطائفة التي تنتسب إليها . أما الأشخاص المعنوية العامة ، كالدولة والمديريات والبلديات والقرى ، فتختلط بالنسبة إليها المصالح الشخصية بالمصالح العامة ، إذ الدولة تمثل مجموع السكان فمصالح هذا المجموع وهي المصالح العامة هي أيضاً المصالح الشخصية للدولة ، والمديرية تمثل مجموع سكان المديرية فمصالح هذا المجموع هي المصالح العامة والمصالح الشخصية للمديرية في وقت واحد . وهكذا قل عن سائر الأشخاص المعنوية العامة ( [11] ) .

وإذا كانت الجماعة لا تتمتع بشخصية معنوية ولكنها تنتمي إلى مهنة أو طائفة معينة ، كرجال الجيش ورجال القضاء ورجال الإدارة والمعلمين والخبراء والمحضرين والجماعيين والأزهريين واليهود ومهاجري فلسطين ، وبج أن نلاحظ أن لهذه الجماعة مصالح عامة . فهل الاعتداء على هذه المصالح يجيز للجماعة ، وهي لا تتمتع بشخصية معنوية ، أن ترجع بالتعويض على المعتدى ؟ تقضي القواعد العامة بعدم جواز ذلك ، فالجماعة ما دامت لا تتمتع بالشخصية المعنوية ليست شخصاً له ذمة مالية ، ولا تستطيع أن تقاضي ولا أن تقاضى ، ولا يمكن أن تترتب مسئولية في ذمتها ولا أن يكون لها حق في الرجوع على المسئول . وأكثر ما يكون الاعتداء على المصالح العامة لهذه الجماعات أن يكون اعتداء على مصالحها الأدبية ، كالقذف في حقها أو الحط من كرامتها أو تلويث سمعتها . ففي مثل هذه الأحوال لا يجوز لأحد أن يتقدم باعتباره ممثلا للجماعة يطالب المسئول بالتعويض . وإنما يجوز لأي فرد من أفراد الجماعة – أو أي شخص معنوي داخل هذه الجمعية كجمعية المعلمين أو نادي الجماعيين أو جمعية إسرائيلية ، أن يطالب المسئول بالتعويض ، ويشترط في ذلك أن يثبت ليس فحسب أن المسئول قد اعتدى على المصلحة العامة للجماعة ، بل أيضاً أن هذا الاعتداء على المصلحة العامة قد لحقه منه ضرر شخصي ( [12] ) .

2 – المدعى عليه

619 – المدعى عليه هو المسئول أو نائبه أو خلفه : المسئول هو الذي يكون مدعى عليه في دعوى المسئولية ، سواء كان مسئولا عن فعله الشخصي أو مسئولا عن غيره أو مسئولا عن الشيء الذي في حراسته . ويجوز رفع دعوى المسئولية على المسئول عن الغير وحده دون إدخال المسئول الأصلي ، وما على المسئول الذي رفعت عليه الدعوى إلا أن يدخل المسئول الأصلي ضامناً .

ويقوم مقام المسئول نائبه . فإذا كان المسئول قاصراً ، كان نائبه هو وليه أو وصيه . وإذا كان محجوراً ، كان النائب هو القيم . وإذا كان مفلساً ، فالسنديك . وإذا كان وقفاً ، فالناظر . وإذا كان رشيداً بالغاً ، فالوكيل . و

يحل محل المسئول خلفه . والخلف هنا هو أولاً الوارث . ولما كان الوارث في الشريعة الإسلامية لا يرث التركة إلا بعد سداد الديون ، فالتركة تكون هي المسئولة بعد موت المسئول ، وأي وارث يمثل التركة في دعوى المسئولية ، وما على المضرور إلا أن يرفع الدعوى على كل الورثة أو على أحدهم ، فيحكم له بالتعويض قبل من رفع عليه الدعوى ، ويتقاضى حقه كاملا من التركة . ويجوز أيضاً أن يكون الخلف هو شخص محال عليه بالدين ، كما إذا باع صاحب المتجر متجره واشترط على المشتري أن يفي بجميع الديون التي تثبت في ذمة المتجر ويكون من هذه الديون تعويض لمتجر آخر بسبب منافسة غير مشروعة . فيكون المدعى عليه في هذه الحالة هو المشتري للمتجر باعتباره خلفاً خاصاً للمسئول ، وقد انتقل إليه دين التعويض عن طريق الحوالة ، وحوالة الدين جائزة في القانون المدني الجديد ( [13] ) . ولا يتصور هنا أن يكون المدعى عليه هو دائن المسئول كما تصورنا ذلك في المدعى ، فإنه إذا كان للدائن أن يستعمل حقوق مدينه فليس عليه الوفاء بالتزامات المدين ( [14] ) . وإذا كان المسئول شخصاً معنوياً وانحل ، فجميع ما له بعد التصفية يكون مسئولا عن التعويض ( [15] ) .

620 – تعدد المسئولين : سبق أن ذكرنا أن المادة 169 من القانون المدني الجديد قضت بأنه إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار ، كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض . فتعدد المسئولين يجعل كل مسئول مدعى عليه ، ويجعلهم جميعاً متضامنين في المسئولية ( [16] ) . وما دموا متضامنين فإن المدعى يستطيع أن يقيم الدعوى عليهم جميعاً ، كما يستطيع أن يختار منهم من يشاء فيقصر الدعوى عليه دون غيره ، ويطالبه بالتعويض كاملاً ( [17] ) . ذلك أن التضامن يقضي بأن كلا منهم يكون مسئولا قبل المضرور عن التعويض كله ، ثم يرجع من دفع التعويض على الباقي كل بقدر نصيبه بحسب جسامة الخطأ أو بالتساوي على النحو الذي قدمناه .

ويجب حتى يقوم التضامن بين المسئولين المتعددين أن تتوافر شروط ثلاثة :

1 – أن يكون كل واحد منهم قد ارتكب خطأ . فلا تكون ورثة المسئول متضامنين إلا باعتبار أن التركة هي المسئولية ، أما هم فلا تضامن بينهم لأن أحداً منهم لم يرتكب خطأ ، بل المورث هو الذي صدر منه الخطأ .

2 – أن يكون الخطأ الذي ارتكبه كل منهم سبباً في إحداث الضرر . فإذا أطلق جماعة من الصيادين خطأ بنادقهم في وقت واحد ، أصيب أحد العابرة برصاصة من أحدهم ، فإن الباقي لا يكون مسئولين معه بالتضامن لأن الأخطاء التي وقعت منهم لم تكن سبباً في إحداث الضرر ، بل لا يكونون مسئولين أصلاً لانهم لم يحدثوا ضرراً ما .

3 – أن يكون الضرر الذي أحدثه كل منهم بخطئه هو ذات الضرر الذي أحدثه الآخرون ، أي أن يكون الضرر الذي وقع منهم هو ضرر واحدا ( [18] ) . فإذا سرق أحد اللصوص عجلة السيارة ، وجاء لص آخر فسرق من السيارة بعض الآلات ، لم يكن اللصان متضامنين لأن كلا منهما أحدث بخطئه ضرراً غير الضرر الذي أحدثه الآخر ( [19] ) .

هذه هي الشروط الثلاثة التي يجب توافرها ليكون المسئولون المتعددون متضامنين في المسئولية . ومتى توافرت تحقق التضامن ، دون حاجة لأي أمر آخر . فلا ضرورة لأن يكون هناك تواطؤ ما بين المسئولين أو أن يرتكب الأخطاء في وقت واحد ، فإذا حاول لص سرقة منزل فنقب فيه نقباً ثم ذهب يستحضر ما يستعين به على السرقة ، فأتى لص آخر على غير اتفاق مع اللص الأول ودخل من النقب وسرق المنزل ، فإن اللصين يكونان مسئولين بالتضامن ( [20] ) . ولا ضرورة لأن تكون الأخطاء عملا واحداً أو جريمة واحدة ( [21] ) ، فقد يكون أحدها عمداً والآخر غير عمد ، وقد تختلف جسامة الأخطاء فيقترن خطأ جسيم بخطأ يسير ومع ذلك يكون صاحب الخطأ اليسير متضامناً مع صاحب الخطأ الجسيم . وقد تختلف طبيعة الأخطاء فيكون أحد الخطأين جنائياً ويكون الثاني مدنيا ًن أو يكون أحدهما عملا ويكون الآخر امتناعاً عن عمل . مثل ذلك أن يهمل الخادم فيترك باب المنزل مفتوحاً فيدخل لص ويسرق المنزل ، ففي هذه الحالة يكون الخادم واللص متضامنين على اختلاف ما بين الخطأين ، فأحدهما عمد والآخر غير عمد ، وأحدهما جنائي والآخر مدني ، وأحدهما عمل والآخر امتناع عن عمل . وقد تكون الأخطاء كلها ثابتة أو مفترضة ، أو يكون بعضها ثابتاً وبعض مفترضاً ، فسائق السيارة ومالكها مسئولان بالتضامن عن خطأ السائق وخطأ الأول ثابت وخطأ الآخر مفترض .

وقد يكون أحد الخطأين عقدياً ما دام الآخر خطأ تقصيرياً . فإذا تعاقد عامل فني مع صاحب مصنع أن يعمل في مصنعه مدة معينة ، واخل بتعهده فخرج قبل انقضاء المدة ليعمل في مصنع آخر منافس بتحريض من صاحبه ، كان العمل الفني وصاحب المصنع المنافس مسئولين معاً نحن صاحب المصنع الأول كل منهما عن تعوض كامل . وتفسير ذلك لا يرجع إلى تعد المسئولين عن أخطاء تصيرية ، بل يرجع إلى أن العامل الفني مسئولا عن تعويض كامل لأنه اخل بالتزامه العقدي ، وصاحب المصنع المنافس مسئول أيضاً عن تعويض كامل لأنه ارتكب خطأ جعله مسئولا ن فيكون كل منهما مسئولا عن تعويض ضرر واحد تعويضاً كاملا . وهذه ليست مسئولية بالتضامن ( solidarite ) بل هي مسئولية مجتمعة ( in solidum ) . وكذلك يكون الحكم إذا كان كل من الخطأ العقدي والخطأ التقصيري غير عمد ، كما إذا ارتكب أمين النقل وهو ينقل بضاعة خطأ بأن سار بسرعة كبيرة ، فاصطدم بسيارة أخرى ارتكب سائقها هو أيضاً خطأ بان كان يسير من جهة الشمال ، فخطأ أمين النقل هنا خطأ عقدي غير عمد وخطا الغير ( سائق السيارة الأخرى ) خطأ تقصيري غير عمد ، ومع ذلك يكون أمين النقل والغير مسئولين معاً مسئولية مجتمعة ( in solidum ) ( [22] ) . ويلاحظ في المثلين المتقدمين أن مرتكب الخطأ العقدي لا يكون مسئولا إلا عن الضرر المتوقع ، أما مرتكب الخطأ التقصيري فيكون مسئولا أيضاً عن الضرر غير المتوقع ما دام ضرراً مباشراً ، فالمسئولية المجتمعة إنما تقوم بينهما فيما يشتركان في التعويض عنه وهو الضرر المتوقع ، وينفرد مرتكب الخطأ التقصيري بالمسئولية عن الضرر غير المتوقع . والفرق بين المسئولية بالتضامن ( solidarite ) والمسئولية المجتمعة ( in solidum ) أن التضامن يختص باحكام لا تشاركه فيها المسئولية المجتمعة ، فالمسئولون بالتضامن يمثل بعضهم بعضاً فيما ينفع لا فيما يضر . فإذا تصالح الدائن مع أحد المسئولين بالتضامن وتضمن الصلح الإبراء من الدين أو براءة الذمة منه باية وسيلة أخرى ، استفاد منه الباقون أما إذا كان من شأن هذا الصلح أن يرتب في ذمتهم التزاماً أو يزيد فيما هم ملتزمون به فإنه لا ينفذ في حقهم إلا إذا قبلوه ( م 294 ) . وإذا اقر أحد المسئولين المتضامنين بالدين فلا يسرى هذا الإقرار في حق الباقين ، وإذا نكل أحد المسئولين المتضامنين عن اليمين أو وجه إليه الدائن يميناً حلفها فلا يضار بذلك باقي المسئولين ، وإذا اقتصر الدائن على توجيه اليمين إلى أحد المدينين المتضامنين فحلف فإن المسئولين الآخرين يسفديون من ذلك ( م 295 ) . وإذا صدر حكم على أحد المسئولين المتضامنين فلا يحتج بهذا الحكم على الباقين ، أما إذا صدر الحكم لصالح أحدهم فيستفيد منه الباقون إلا إذا كان الحكم مبنياً على سبب خاص بالمسئول الذي صدر الحكم لصالحه ( م 296 ) . وإذا انقطعت مدة التقادم أو وقف سريانه بالنسبة إلى أحد المسئولين المتضامنين ، فلا يجوز للدائن أن يتمسك بذلك قبل باقي المسئولين ( م 292 فقرة 2 ) . وإذا اعذر الدائن أحد المسئولين المتضامنين أو قاضاه فلا يكون لذلك اثر بالنسبة إلى باقي المسئولين ، أما إذا اعذر أحد المسئولين المتضامنين الدائن فإن باقي المسئولين يستفيدون من هذا الاعذار ( م 293 فقرة 2 ) . وسنعرض لهذه الأحكام تفصيلاً عن الكلام في التضامن . ونجتزئ هنا بالإشارة إلى أن هذه الأحكام هي خاصة بالمسئولية التضامنية دون المسئولية المجتمعة ، ومن ثم تقوم هذه الفروق بين المسئوليتين ( [23] ) .

والمسئولية بالتضامن إنما تكون في علاقة المضرور بالمسئولين المتعددين ( [24] ) . أما فيما بين المسئولين المتعددين أنفسهم فيقسم التعويض بينهم بحسب جسامة الخطأ على الرأي السائد في القضاء كما أسلفنا الذكر ( [25] ) .

621 – المسئول إذا ارتكب الخطأ جماعة : إذا لم تكن الجماعة متمتعة بشخصية معنوية ، فلا يمكن بوصفها جماعة أن ترتكب خطأ . وإنما يرتكب الخطأ في هذه الحالة عضو أو أكثر من أعضاء هذه الجماعة أو جميع الأعضاء ، ولكن باعتبارهم أفراداً لا جماعة .

وإذا كانت الجماعة متمتعة بالشخصية المعنوية فالأمر يختلف ، إذ يجوز كما قدمنا أن يرتكب الشخص المعنوي خطأ ترتب عليه المسئولية المدنية ( [26] ) . والمسئول الذي تقام عليه الدعوى هو الشخص المعنوي ذاته لا ممثلوه ، فهؤلاء إنما هم أعضاؤه ( organs ) التي يعمل بواسطتها ويريد عن طريقها ( [27] ) . ولكن هاذ لا يمنع من أن الخطأ الذي يرتكبه الشخص المعنوي يرتكبه في الوقت ذاته ممثلوه بوصفهم أفراداً ، فيكون المسئول هو الشخص المعنوي والممثلون متضامنين جميعاً في المسئولية . فإذا دفع الشخص المعنوي التعويض رجع على ممثليه بكل ما دفع دون أن يخصم نصيباً عن مسئوليته ، لأنه لا مسئولية عليه في العلاقة فيما بينه وبين ممثليه ، إذ هم الذين ارتكبوا الخطأ في الواقع . وإذا دفع الممثلون التعويض فلا رجوع لهم على الشخص المعنوي . وقد يكون ممثل الشخص المعنوي تابعاً له كمدير الشركة ، فتتحقق مسئولية الممثل إما باعتباره تابعاً أو بصفته الشخصية ، وفي الحالة الأولى تتحقق مسئولية الشخص المعنوي باعتباره متبوعاً .


 ( [1] ) وقد قضت محكمة استئناف أسيوط بأنه إذا خالف أحد المزارعين القانون رقم 1 لسنة 1927 الذي حرم زراعة أكثر من الثلث قطناً ، وجنى محصول القطن المنزرع فيما زاد على الثلث وباعه ، فليس لوزارة الزراعة أن تطلباه بدفع ثمن هذا القطن إليها ، لأنها لم يصبها ضرر معين ، والضرر الذي أصاب المصلحة العامة يكفي فيه العقاب الجنائي وتقليع الزائد من القطن ( استئناف أسيوط في 12 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 382 / 2 / ص 774 ) .

 ( [2] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا قضت المحكمة للمجنى عليه بالتعويض على أساس أنه طلبه لنفسه مقابل الضرر الذي لحقه من الجريمة ، قائلة ” إنه وإن كان قد ذكر أنه مستعد بعد الحكم للتبرع بالمبلغ الذي يحكم له به لجهات الخير ، فإنها مع ذلك تقضي له به ، وهو وشأنه فيه بعد الحكم ” ، فهذا منها لا شائبة فيه ( نقض جنائي في 16 ابريل سنة 1945 المحاماة 27 رقم 216 ص 520 ) . أنظر أيضاً في هذا المعنى : استئناف مختلط في 21 فبراير سنة 1900 م 12 ص 134 – وفي ) مايو سنة 1935 م 47 ص 305 .

 ( [3] ) أنظر عكس ذلك مازو 2 فقرة 1868 ص 696 .

 ( [4] ) وينتقل حق التعويض إلى الورثة ، كل بقدر نصيبه في الميراث ( محكمة الاستئناف الوطنية في 19 نوفمبر سنة سنة 1903 المحاكم 15 ص 3193 – وفي 13 يناير سنة 1914 المجموعة الرسمية 15 رقم 35 ص 73 – وفي 19 مارس سنة 1928 المحاماة ) رقم 30 ص 51 – محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية في 16 سبتمبر سنة 1898 القضاء 6 ص 7 ) .

وغنى عن البيان أن الوارث له دعويان : الدعوى التي يرثها عن المضرور فيرفعها بوصفه خلقا ، ودعواه الشخصية عن الضرر الذي أصابه مباشرة ويرفعها بوصفه أصيلا .

 ( [5] ) ودائن المضرور عندما يرفع الدعوى غير المباشرة إنما يكون نائباً عن مدينه ( م 236 من القانون المدني الجديد ) . فالأولى أن يقال أن دائن المضرور نائب لا خلاف ، ولكن الدائن يوضع عادة مع الخلف .

 ( [6] ) وقبل أن تترك التعويض عن الضرر المادي نعرض لحالة خاصة : إذا كان الضرر المادي الذي أصاب المضرور هو الموت بان اعتدى شخص على حياته فمات في الحال ، فهل يجوز للوارث أن يطالب بالتعويض بوصفه خلفاً للمضرور ؟ وهل يجوز القول إن الموت ضرر مادي يصيب الميت ؟ لا شك في ذلك ، فقد فقد الميت أثمن شيء مادي يملكه وهي الحيازة . ولا يقال إن كل نفس ذائقة الموت وإن الموت ضرر لا مفر منه وهو قدر محتوم ، ذلك أن المضرور لا يشكو من الموت في ذاته ، بل يشكو من أنه مات موتا غير طبيعي ، وهذا ضرر لا شك فيه . ولا يقال كيف يضار الميت بالموت ، اقبل الموت وهو لما يمت ، أم بعد الموت والميت لا يجوز عليه الضرر ! ذلك أن الميت قد أحاق به الضرر ، لا قبل الموت ، ولا بعد الموت ، ولكن عند الموت . ويتبين من ذلك أن هناك ضرراً مادياً أصاب الميت ، فللوارث أن يطالب مكنه بتعويض هذا الضرر ، وكذلك للدائن أن يطلب تعويضاً باسم مدينه الميت ( أنظر في هذه المسألة مازو 2 فقرة 1912 – وانظر : نقض جنائي في 14 مارس سنة 1944 – المحاماة 26 رقم 212 ص 565 وتعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 18 العدد الأول ) .

 ( [7] ) ولا يقال أن حق التعويض عن الضرر الأدبي حق متصل بشخص المدين ، فلا يجوز للدائن أن يطالب به باسم مدينه . فإن هذا يصح قبل أن تظهر إرادة المدين قاطعة في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي . أما وقد ظهرت في صورة اتفاق مع المسئول أو بالمطالبة القضائية ، فقد أصبح حق التعويض حقاً مالياً كسائر الحقوق المالية ، ينتقل إلى الوارث ، ويجوز للدائن استعماله .

 ( [8] ) ولكن لا يجوز للمضرور ، قبل الاتفاق أو المطالبة القضائية ، أن يحول حقه إلى الغير ، لأن الحق لا يكون عندئذ قابلا للانتقال . على أنه إذا فعل المضرور ذلك بعد أن قدر مبلغ التعويض ، وقبل المسئول هذه الحوالة ، فإن هذا القبول يعتبر اتفاقا بين المسئول والمضرور على مبدأ المسئولية ومبلغ التعويض ، فيصبح الحق في التعويض قابلا للتحويل ، واتصح الحوالة في هذه الحالة .

أما التعويض عن الضرر الأدبي الناشيء عن موت المورث فوراً عند الاعتداء على حياته ، فلا يتصور انتقاله إلى الورثة ، لأن المورث مات في الحال ، فلم تتح له فرصة الاتفاق مع المسئولن ولم يتصع الوقت للمطالبة القضائية . وقد يصيب الضرر الأدبي الميت بعد موته في ذكراه ، فيعمد شخص إلى النيل من سمعته ، فلا يمكن أن يقال في هذه الحالة أن الميت قد أصابه ضرر من جراء ذلك ، لأن الأموات لا يتضررون . ويترتب على ذلك أنه لا يتصور في هذه الحالة انتقال حق في التعويض من الميت إلى ورثته ، لا لأن التعويض عن الضرر الأدبي لا ينتقل إلى الوارث فحسب بل أيضاً لأن الضرر منتف عن الميت بعد موته . ولكن قد يتأذى الوارث شخصياً من جراء النيل من سمعة مورثة ، فيجوز له عندئذ أن يطالب بوصفه أصيلاً بتعويض عن الضرر الأدبي الذي أصابه . ويجب في اعتبار هذا الضرر الأدبي التوفيق بين واجبين يلزمان من نال من سمعة الميت : واجبة كمؤرخ يسرد الحقائق على وجهها الصحيح خدمة للعلم والتاريخ ، وواجبه في ألا ينال من سمعة الأحياء من جراء قدحه في سيرة الأموات دون مبرر ( أنظر في هذه المسألة مازو 2 فقرة 1922 – فقرة 1929 ) .

 ( [9] ) ويقول الفرنسيون إن الضرر الثاني هو ارتداد الضرر الأول ، فهو ضرر مرتد ( par ricochet ) . أنظر في التعويض عن الضرر المرتد تعليق الدكتور سليمان مرقص المشار إليه في مجلة القانون والاقتصاد 18 العدد الأول .

 ( [10] ) أنظر في القضاء الفرنسي وتضارب أحكامه مازو 2 فقرة 1878 – 7 إلى فقرة 1878 – 14 – وانظر في تدخل النقابات أمام القضاء الإداري فالين في الرقابة القضائية على الإدارة – القاهرة سنة 1949 – ص 114 – ص 115 .

 ( [11] ) وكذلك الحال في النقابات الاجبارية ، كنقابة المحامين ونقابة الأطباء ونقابة المهن الهندسية ، ففي هذه النقابات التي تجمع اجباريا جميع رجال المهنة تختلط المصالح الشخصية للنقابة بالمصالح العامة للمهنة .

 ( [12] ) أنظر في موضوع الضرر الذي يصيب الجماعة مازو 2 فقرة 1878 – فقرة 1899 .

 ( [13] ) ويلاحظ أن المشتري في هذا المثل هو خلف خاص للبائع بالنسبة إلى المتجر ، وخلف خاص للمدين ( وهو البائع ) بالنسبة إلى الدين المحال به . وترفع عليه دعوى المسئولية باعتباره خلفاً خاصاً للمدين . أما إذا لم تكن هناك حوالة للدين ، فلا يكون مشتري المتجر ملزما به ولو أنه خلف خاص بالنسبة إلى المتجر ( أنظر في هذا المعنى : استئناف مختلط في 10 ابريل سنة 1901 م 13 ص 223 – وفي 10 ابريل سنة 1929 م 41 ص 350 – بلانيول وريبير وغسمان 1 فقرة 660 ) .

 ( [14] ) ويجوز للدائن في دعوى المسئولية أن يرجع على مدين المسئولية بالدعوى غير المباشرة ، ولكن الرجوع في هذه الحالة لأي كون بدعوى المسئولية ذاتها ، كما يجوز للدائن أن يحجز تحت يد مدين المسئول حجز ما للمدين لدى الغير .

 ( [15] ) مازو 2 فقرة 1999 .

 ( [16] ) ومبدأ المسئولية بالتضامن إذا تعدد المسئولون عن عمل غير مشروع قرره القانون القديم في المادتين 150 / 211 كما قدمنا : نقض جنائي في 28 ديسمبر سنة 1907 المجموعة الرسمية 9 رقم 27 ص 65 – وفي 17 فبراير سنة 1912 المجموعة الرسمية 13 رقم 54 ص 111 – وفي 16 فبراير سنة 1918 المجموعة الرسمية 19 رقم 49 ص 70 – استئناف وطني في 8 يونية سنة 1905 الاستقلال 4 ص 466 ( يضح عدم إدخال التابع ف يالدعوى مع المتبوع إذ هما مسئولان بالتضامن ) – استئناف مختلط في 14 مايو سنة 1890 م 2 ص 296 – وفي 29 نوفمبر سنة 1893 م 6 ص 41 – وفي 28 يناير سنة 1903 م 15 ص 111 – وفي 3 فبراير 1903 م 15 ص 127 – وفي 13 ابريل سنة 1904 م 16 ص 189 – وفي 10 مارس سنة 1927 م 39 ص 328 .

ويقول دي هلتس ( Respons . No . 55 ) إن التضامن قائم حتى لو لم يذكر في الحكم لأن مصدره القانون ، ولكن محكمة مصر الكلية الوطنية قضت بأنه إذا حكم بالتعويض وأغفلت المحكمة ذكر التضامن ، فلطالب التعويض أن يطلب منها تفسير الحكم والنص على التضامن لمنع الاشكال في التنفيذ ( 21 نوفمبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 251 ص 344 ) .

 ( [17] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان المدعى المدني رفع دعواه المدنية أمام محكمة أول درجة على المتهم هو وآخر ، فقضت المحكمة بالحكم على الطاعن بالعقوبة وبالتعويض المدني ، وبرأت المتهم الآخر ورفضت الدعوى المدنية قبله ، فلم يستأنف المدعى المدني واستأنفت النيابة ، فقضت المحكمة الإستئنافية بإدانة المتهم الآخر المحكوم ببراءته ابتدائياً وأيدت الحكم الابتدائي على الطاعن ، ولما لم تكن الدعوى المدنية قد استؤنفت أمامها بالنسبة إلى هذا الآخر فلم يكن هناك سبيل للحكم عليه بشيء من هذا التعويض ، وليس هناك ما يمنع قانوناً من إلزام الطاعن وحده بتعويض كل الضرر الناشيء عن ارتكابه الجريمة ولو ارتكبها مع غيره ( نقض جنائي في 16 فبراير سنة 1948 المحاماة 29 رقم 70 ص 84 ) .

 ( [18] ) وقد يكون أحد المسئولين أحدث الضرر كله والآخر لم يحدث إلا بعضه ، فيكونان مسئولين بالتضامن في البعض الذي اشتركا فيه ، وينفرد الأول بالمسئولية عما استقل بإحداثه . مثل ذلك مخفى بعض الأشياء المسروقة ، تقصتر مسئوليته بالتضامن مع السارق على مقدار ما أخفى ( نقض جنائي في 16 فبراير سنة 1918 المجموعة الرسمية 19 رقم 49 ص 70 – وانظر أيضاً محكمة مصر الابتدائية المختلفطة في 17 ديسمبر سنة 1928 جازيت 20 رقم 188 ص 174 ) .

أما إذا لم يثبت أن الضرر واحد ، كله أو بعضه ، فلا تضامن . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الواقعة الثابتة هي أن أحد المتهمين ضرب المجني عليه فأصاب موضعاً من جسمه ، والآخر ضربه فأصاب موضعاً آخر منه ، وكانت الدعوى لم ترفع على أساس اتفاق أو إصرار سابق من المتهمين على الاعتداء ، فإنه يجب إذا كانت المحكمة ترى الحكم عليهما بالتضامن في التعويض أن تبين في حكمها الأساس الذي تقيمه عليه بما يتفق والأصول المرسومة له في القانون ، فتذكر وجه مسائلة كل من المحكوم عليهما عن الضرر الناشيء من الضربتين مجتمعتين لا عن الضربة الواحدة التي أحدثها هو . فإذا هي لم تفعل ولم تتعرض للتضامن ، فإن المسئولية لا تكون تضامنية لولا تصح مطالبة كل منهم إلا بنصف المبلغ المحكوم به عليهما فقط ( نقض جنائي في 15 يناير سنة 1945 المحاماة 17 رقم 103 ص 254 ) .

 ( [19] ) فتجب إذن وحدة الضرر واشتراك كل المسئولين في احداثه : استئناف مختلط في 9 مايو سنة 1911 م 24 ص 324 – وفي 10 فبراير سنة 1915 م 27 ص 155 – وفي 19 مايو سنة 1925 م 37 ص 435 – محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة في 4 فبراير سنة 1930 جازيت 20 رقم 210 ص 203 .

 ( [20] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه يكفي لترتيب التضامن أن تتحد إرادة الفاعلين مجرد اتحاد وقتي غير مسبوق باتفاق على الاعتداء على المجني عليه ، وأن يقترف كل منهم هذا الاعتداء أو يشترك فيه ( نقض جنائي في 25 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 422 ص 819 – وفي 29 مارس سنة 1931 المحاماة 12 رقم 63 ص 109 – وفي 11 يونية سنة 1931 المحاماة 12 رقم 204 / 4 ص 400 ) .

 ( [21] ) فقد يكون أحد الخطأين سرقة والخطأ الآخر إخفاء الأشياء مسروقة ، وقد قضت محكمة النقض بأن من يشتري المسروق مع علمه بحقيقة الأمر فيه يكون مسئولا مع السارق بطريق التضامن عن تعويض الضرر الذي أصاب المجني عليه ، ولو أنه يعد في القانون مخفياً لا سارقاً ، وذلك على أساس أن كلا منهما قد عمل على احتجاز المال المسروق عن صاحبه ( نقض جنائي في 16 نوفمبر سنة 1942 المحاماة 23 رقم 224 ص 543 . وانظر أيضاً نقض جنائي في 24 مايو سنة 1943 المحاماة 26 رقم 22 ص 49 ) . وقد يكون أحد الخطأين جناية قتل والخطأ الآخر جنحة ضرب ، وقد قضت محكمة النقض بان المسئولين متضامنون سواء فيهم من حكم عليه بجناية القتل أو من حكم عليه بجنحة الضرب ( نقض جنائي في 15 فبراير سنة 1931 المحاماة 12 رقم 7 ص 9 – استئناف مصر الوطنية في 8 ديسمبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 319 / 2 ص 490 ) . وقضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأنه إذا تطابقت إرادة اثنين فأكثر على إيذاء إنسان والتعدي عليه ، فضربه بعض وقتله بعض ، كانوا مسئولين بالتضامن لورثته عن التعويض ، ومساوين في المسئولية المدنية ولو لم يتعادلوا في المسئولية الجنائية ، وكان فعل أحدهم جناية وفعل الباقين جنحة ( 14 مارس سنة 1939 المحاماة 19 رقم 460 ص 1146 ) . وقد لا يعرف من من المسئولين هو الذي قتل ومن منهما اقتصر على الضرب ، فيكونان بالأولى متضامنين ، وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الثابت بالحكم أن المتهمين وفريقهما حضروا معاً لمحل الحادثة ، وكان كل منهم عاقداً النية على الاعتداء على فريق المجنى عليه بسبب مضاربة سابقة وقعت بين بعض أفراد الفريقين ، وتنفيذاً لهذا الغرض ضرب كل من المتهمين بحضور الآخر وعلى مرأى منه المجني عليه المذكور فأحدثا به الإصابات التي أدى بعضها إلى وفاته ، فالقضاء عليهما متضامنين بالتعويض للمدعى بالحق المدني عن وفاة المجني عليه لا مخالفة فيه للقانون ، لأن كلا منهما يعتبر مسئولا من الوجهة المدنية عن الوفاة ، ولو أن المحكمة لم تستطيع تعيين من منهما أحدث الإصابة التي نشأ الموت عنها ( نقض جنائي في 2 مارس سنة 1942 المحاماة 23 رقم 20 ص 33 – أنظر أيضاً نقض جنائي في 17 مايو سنة 1943 المحاماة 26 رقم 18 ص 41 ) . وقد يبرأ أحد المتهمين من التهمة الجنائية ومع ذلك يبقى متضامناً مدنياً مع المتهم الذي أدين جنائياً ، وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كانت المحكمة برأت المتهم من تهمة الشروع في القتل إلا إنها أقامت قضاءها بإلزامه بالتعويض مع المتهم الآخر الذي أدين بهذه الجريمة على ما قالته من أنه كان معه وقد سلمه السلاح الذي استعمل في الجريمة ، ثم اتحد الاثنان في فكرة الإستيلاء على السيارة من طريق التحرش بالمدعى المدني ومعاكسته ، وتطور الموقف إلى صدور أفعال منهما استفزت المدعى وكان لها بعض الأثر في وقوع الجريمة التي ارتكبها زميل الطاعن ، وأن كل هذه الأفعال وإن كانت لا ترقى بالنسبة إليه إلى مرتبة الاتفاق الذي وقعت جريمة الشروع في القتل بناء عليه ، إلا أن توافق الاثنين على التحرش رغبة في الحصول على السيارة لتنفيذ حلقة من حلقات الاتفاق الجنائي العام القائم بينهما وآخرين ، والأفعال التي صدرت عنهما وكان من نتيجتها استفزاز المدعى كان لها أثرها بالنسبة إلى الطاعن وبالتالي في الضرر الذي حاق بالمدعى – وهذه الظروف مجتمعة تجعل الاثنين مسئولين مدنياً بالتضامن عن تعويض ذلك الضرر ( نقض جنائي في 24 مايو سنة 1949 المحاماة 30 رقم 127 ص 13 ) .

 ( [22] ) ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا نسبب الوكيل في عقد بخطئه في إخلال الموكل بتعهده كان مسئولا مع بالتضامن ( استئناف مختلط في 23 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 82 ) . والصحيح أن المسئولية هنا مسئولية مجتمعة لا مسئولية بالتضامن ، لاجتماع خطأ عقدي مع خطأ تقصيري . وسنرى أن محكمة الاستئناف المختلطة قد قضت من جهة أخرى في بعض أحكامها بان المسئولية عند تعدد المسئولين عن أخطاء تقصيرية تكون مسئولية مجتمعة لا مسئولية بالتضامن ، وهذا أيضاً غير صحيح .

 ( [23] ) وفي القانون المدني الفرنسي لا يوجد نص على التضامن عند تعدد المسئولين ، ومن ثم لجأ الفقه والقضاء في فرنسا إلى فكرة المسئولية المجتمعة ( in solidum ) فأقاموها بين المسئولين المتعددين ( أنظر مازو 2 فقرة 1961 – 1969 ) . أما في القانون المدني المصري ، القديم والجديد ، فإن النص على التضامن موجود كما قدمنا . لذلك تكون المسئولية بين المسئولين المتعددين في مصر مسئولية بالتضامن لا مسئولية مجتمعة ، ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة في بعض أحكامها بأنه إذا تعدد المسئولون فالمسئولية بينهم لا تكون مسئولية تضامنية ( solidarite ) بل مسئولية مجتمعة ( in solidum ) استئناف مختلط في 5 مايو سنة 1937 م 49 ص 213 – وفي 23 يونية سنة 1937 م 49 ص 276 – وجعلت المحكمة هنا القسمة فيما بين المسئولين بالتساوي لا بحسب جسامة الخطأ ) – وفي 23 فبراير سنة 1 938 م 50 ص 143 . وقد أغفلت هذه الأحكام النص الصريح على التضامن الذي ورد في القانون المدني المصري . ومهما يكن من أمر ، فإنه إذا رفع المضرور الدعوى على أحد من المسئولين ، جاز له أن يطالبه بالتعويض كاملا ، ولهذا أن يرجع على سائر المسئولين كل بقدر نصيبه : استئناف مختلط في 10 ابريل سنة 1929 م 41 ص 353 – وفي 3 ابريل سنة 1930 جازيت 20 رقم 210 ص 202 – وفي 31 مارس سنة 1937 م 49 ص 174 – وفي 8 يونية سنة 1938 م 50 ص 356 .

والصحيح أن المسئولية في مصر ، في حالة تعدد المسئولين ، تكون مسئولية تضامنية بجميع خصائصثها المتقدمة الذكر ، لا مجرد مسئولية مجتمعة . وهذا ما ذهب إليه الفقه والكثرة الغالبة من أحكام القضاء . ومن الأمثلة على تضامن المسئولين عند تعددهم انهيار بناء مملوك في الشيوع ، فيكون الملاك في الشيوع مسئولين بالتضامن عن الضرر الذي أحدثه انهيار البناء ( استئناف مختلط في 28 يناير سنة 1903 م 15 ص 111 – وفي 8 يناير سنة 1913 م 25 ص 114 – وفي 28 يناير سنة 1926 م 38 ص 208 ) ، وبائعوا العقار يعلنون غشاً أن العقار خال من الرهون ، فيكونون مسئولين بالتضامن ( استئناف مختلط في 17 مايو سنة 1905 م 17 ص 277 ) ، والمشتركون في اغتصاب شيء واحد يكونون مسوئلين بالتضامن ( استئناف مختلط في 19 مارس سنة 1903 م 15 ص 207 ) ، وكذلك المتواطئون على الغش ( استئناف مختلط في 11 ابريل سنة 1906 م 18 ص 189 – وفي 4 فبراير سنة 19230 م 42 ص 249 ) ، وكذلك المشتركون في منافسة غير مشروعة ( استئناف مختلط في 6 ديسمبر سنة 1900 م 13 ص 35 ) .

 ( [24] ) فإذا كان الخطأ مشتركاً ، بأن كان المضرور قد ارتكب خطأ ساعد على إحداث الضرر ، وكان المسئول شخصين متضامنين ، فقد قدمنا أن المضرور يرجع شتى التعويض على المسئولين بالتضامن ، ولا يجوز لهذين أن يدفعا هذا التضامن بأن المضرور مسئول هو أيضاً عن الضرر ، فيكون متضامناً معهما ، ويكون رجوعه عليهما هو رجوع المسئول المتضامن على سائر المسئولين المتضامنين ، فلا يرجع على كل مسئول إلا بقدر نصيبه . ذلك أنه يرجع عليها كمضرور لا كمسئول متضامن .

 ( [25] ) استئناف مختلط في 13 ابريل سنة 1904 م 16 ص 189 – وفي 28 يناير سنة 1926 م 38 ص 208 ( شريكان في مبنى على الشيوع ، فانهار المبنى وأصاب الغير بالضرر ، واعتبر الشريكان مسئولين بالتضامن قبل المضرور ، أما فيما بينهما فقد قسم التعويض بنسبة نصيب كل منهما في المبنى ( . وتقضي بعض الأحكام ، دون مبرر ، بعدم رجوع المسئول الذي دفع التعويض كلام على المسئول معه ، إذا كان الخطأ الذي ارتكباه معاً يعتبر غشاً ، كما إذا اشتركا في النصب ( استئناف مختلط في 24 نوفمبر سنة 1927 م 40 ص 50 ) ، أو في السرقة ( استئناف مختلط في 8 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 59 ) ، أو في التقليد المزور ( استئناف مختلط في 9 مارس سنة 1927 م 39 ص 322 ) .

 ( [26] ) محكمة الإسكندرية الكلية المختلفطة في 8 نوفمبر سنة 1943 م 56 ص 10 – وقد تتحقق المسئولية الجناية في أحوال قليلة ، فتوقع على الشخص المعنوي عقوية جنائية ، كالحل والإغلاق والمصادرة والغرامة .

 ( [27] ) وكما أن الدعوى لا تقام على الذراع أو على الرأس في حالة الشخص الطبيعي ، فهي كذلك لا تقام على الممثلين في حالة الشخص المعنوي ( مازو 2 فقرة 1988 )

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

انعدام السببية لأن السبب غير منتج أو غير مباشر

انعدام السببية لأن السبب غير منتج أو غير مباشر

601 – حالتان : قد تتعدد أسباب الضر ويكون خطأ المدعى عليه أحد هذه الأسباب ، ولكن يؤدي هذا التعدد إلى انقطاع الصلة ما بين الخطأ والضرر فتنعدم علاقة السببية . وقد يكون للضرر بسبب واحد هو خطأ المدعى عليه . ولكن الضرر ذاته هو الذي يتعدد . إذ تتعاقب الأضرار ، فتنقطع الصلة ما بين بعضها وبين خطأ المدعى عليه من جراء تسلسل النتائج . فتنعدم علاقة السببية فيما انقطعت فيه الصلة .

ويستعرض كلا من الحالتين : ( 1 ) تعدد الأسباب ( 2 ) تسلسل النتائج ( أو تعاقب الأضرار ) .

1 – تعدد الأسباب

602 – تعدد الأسباب مع الاستغراق أو دون استغراق : كثيراً ما تتعدد الأسباب التي تتدخل في إحداث الضرر . وعند ذلك يعنينا أن نعرف هل نأخذ بهذه الأسباب جميعاً ، القريب منها والبعي ، ونعتبرها كلها أسباباً أحدثت الضرر ، أو نقف من هذه الأسباب عند المؤثر المنتج دون غيره .

ويحسن في هذا الصدد أن نميز بين حالتين في تعدد الأسباب الحالة الأولى إذا تعددت الأسباب مع استغراق سبب منها للأسباب الأخرى ، والحالة الثانية إذا تعددت الأسباب دون استغراق .

1 – تعدد الأسباب مع استغراق سبب منها للأسباب الأخرى :

603 – بقاء السبب المستغرق وحده مرتبا للمسئولية : رأينا في بحث السبب الأجنبي أنه يجوز أن يكون للضرر سببان ، ولكن أحدهما يستغرق الآخر . ويبقى هو السبب الوحيد الذي أحدث الضرر ، فتتحقق مسئولية صاحبه كاملة . ورأينا أن هذا يتحقق في فرضين :

1 – أن يكون أحد السببين خطأ عمداً والآخر غير عمد . فيستغرق الخطأ العمد الخطأ غير العمد . ويصبح هو السبب الوحيد الذي نقف عنده . فإذا تعمد شخص إحداث ضرر بأخر . وساعده على إحداث هذا الضرر خطأ ارتكبه المضرور أو ارتكبه الغير ، كما لو انتهز شخص فرصة سير غريمه في الطريق غير ملق بالا لما حوله فدهسه بسيارته ، أو رأى حفرة في الطريق حفرها الغير خطأ فأوقع غريمه فيها ، اجتمع سببان تدخلا في إحداث الضرر : تعمد الجاني وخطا المجني عليه أو خطأ الغير . ولا شك في أن تعمد الجاني قد استغرق خطأ المجني عليه أو خطأ الغير ، فالتعمد وحده هو الذي نقف عنده ، ويعتبر السبب الوحيد في إحداث الضرر ، ويكون المدعى عليه مسئولا وحده مسئولية كاملة .

2 – أن يكون أحد السببين نتيجة للسبب الآخر . مثل ذلك أن يخطئ الطبيب في نصيحة المريض أو المحامي في توجيه الموكل أو المهندس في المشورة على العميل ، فيخطئ المريض أو الموكل أو العميل في إتباع النصيحة أو التوجيه أو المشورة فيصاب بالضرر . ومن ثم وجد سببان متواليان تدخلا في إحداث الضرر : المشورة الخاطئة وتنفيذ هذه المشورة . ولكن أحد السببين هو الذي ساق إلى السبب الآخر ، فكان هذا نتيجة له ، إذ المشورة هي التي ساقت إلى التنفيذ فكان التنفيذ نتيجة للمشورة . ويترتب على ذلك أن المشورة تستغرق التنفيذ ، وتصبح هي وحدها السبب الذي نقف عنده ، وتتحقق مسئولية الطبيب أو المحامي أو المهندس وحده مسئولية كاملة .

ب – تعدد الأسباب دون استغراق

604 – نظريتان : أما إذا تعددت الأسباب ولم يستغرق سبب منها الأسباب الخرى ، جاز عندئذ التساؤل هل نأخذ بهذه الأسباب جميعاً وهذه هي نظرية تكافؤ الأسباب que non theorie de l’equivalence des conditions – la condition sine أو تقف منها عند الأسباب المؤثرة المنتجة وهذه هي نظرية السبب المنتج ( theorie de la causalite adequate ) . وقد كان فقهاء الالمان – وتبعهم في ذلك فقهاء البلاد الأخرى – يقولون بنظرية تكافؤ الأسباب ، ثم هجروها – وتبعهم في ذلك أيضاً غيرهم – إلى نظرية السبب المنتج . ونستعرض الآن كلا من النظريتين .

605 – نظرية تكافؤ الأسباب : قال بهذه النظرية الفقهية الألماني فون بيري ( von Buri ) ( [1] ) ومؤداها أن كل سبب له دخل في إحداث الضرر – مهما كان بعيداً – يعتبر من الأسباب التي أحدثت الضرر . فجميع الأسباب التي تدخلت في إحداث الضرر متكافئة ، وكل واحد منها يعتبر سبباً في إحداثه . ويكون للسبب . دخل في إحداث الضرر إذا كان لولاه لما وقع الضرر . فلو أن ثملا سار في عرض الطريق فدهسته سيارة مسرعة ، وكان من اليسير على سائق السيارة أن يتفادى الحادث لو أنه كان يسير بسرعة معتدلة ، كما كان يمكن للثمل أن يتفادى الحادث لو أنه كان مالكاً لتوازنه ، كان هناك سببان في إحداث الضرر : خطأ السائق في السير بسرعة كبيرة وخطأ المصاب في السير في الطريق العام وهو ثمل . ذلك أن الضرر ما كان ليقع لو لم يكن السائق مسرعاً . وما كان أيضاً ليقع لو لم يكن المصاب ثملا . فالسببان متكافئان في إحداث الضرر ، ويعتبر كل منهما سبباً فيه ، ويكون صاحبة مسئولا . فتتحقق المسئوليتان معاً . كذلك لو كان لشخص سيارة ولم يتخذ الاحتياطات المعقولة للمحافظة عليها فسرقت منه ، وساقها السارق بسرعة كبيرة فدهس أحد العبارة ، كان هنا أيضاً سببان في إحداث الضرر : سرعة السائق وتقصير صاحب السيارة في المحافظة عليها . فالضرر ما كان ليقع لو لم يكن السارق مسرعاً ، وما كان أيضاً ليقع لو لم يهمل صاحب السيارة فتسرق منه فالسببان متكافئان في إحداث الضرر ، وكلاهما يعتبر سبباً في إحداثه .

606 – نظرية السبب المنتج : قال بهذه النظرية الفقيه الألماني فون كريس ( Von Kries ) ( [2] ) ، فانحاز لها الكثرة من الفقهاء في ألمانيا وفي غيرها من البلاد . وساعد على هجر نظرية تكافؤ الأسباب إلى نظرية السبب المنتج أن القرائن القانونية على الخطأ المفترض كثرت . فأصبح من اليسير استظهار خطأ مفترض ف يجانب المدعى عليه ينضم إلى أخطاء أخرى أكثر وضوحاً وبروزا . فلو قلنا بنظرية تكافؤ الأسباب لوجب اعتبار جميع هذه الأخطاء ، وفيها الخطأ المفترض ، أسباباً متكافئة . ومن ثم اثر الفقهاء نظرية السبب المنتج ، فيستعرضون الأسباب المتعددة التي كان لها دخل في إحداث الضرر ، ويميزون بين الأسباب العارضة ( fortuites ) والأسباب المنتجة ( adequates ) ، ويقفون عند الثانية دون الأولى ويعتبرونها وحدها السبب في إحداث الضرر . وإذا قيل إن كلا من السبب المنتج والسبب العارض كان له دخل في إحداث الضرر ، ولولاه لما وقع ، إلا أن السببية بهذا المعنى هي السببية الطبيعية . ونحن إنما نريد السببية القانونية ، فنبحث أي الأسباب التي يقف عندها القانون من بين الأسباب الطبيعية المتعددة ليعتبرها وحدها هي الأسباب التي أحدثت الضرر . والسبب العارض غير السبب المنتج . وإذا كان كلاهما تدخل في إحداث الضرر ، ولولاه لما وقع ، إلا أن السبب المنتج هو السبب المألوف الذي يحدث الضرر في العادة ( [3] ) ، والسبب العارض هو السبب غير المألوف الذي لا يحدث عادة هذا الضرر ولكن أحدثه عرضاً . أرأيت لو أهمل صاحب السيارة في المحافظة عليها فسرقت منه ، وعدا بها السائق في سرعة كبيرة فدهس أحد العابرة ، فاجتمع سببان في إحداث الضرر هما خطأ صاحب السيارة وخطأ السارق ، ماذا كان من هذين السببين هو السبب المألوف ؟ اليس هو خطأ السارق في أن يسير بسرعة كبيرة إذ هو الذي يحدث هذا الضرر في العادة ، وأليس خطأ صاحب السيارة في إهماله في المحافظة عليها حتى سرقت منه وإن كان له دخل في إحداث الضرر إلا أنه سبب غير مألوف لا يحدث عادة هذا الضرر ؟ فخطأ السارق وحده هو السبب المنتج ، أما خطأ صاحب السيارة فسبب عارض . ويجب الوقوف عند السبب المنتج دون السبب العارض ، واعتبار صاحب السبب المنتج هو وحده المسئول . وفي مثل الثمل الذي دهسته السيارة المسرعة اجتمع سببان في إحداث الضرر : خطأ الثمل وخطأ السائق . وكلاهما سبب مألوف يحدث هذا الضرر عادة ، فهما سببان منتجات ، وصاحباهما مسئولان معاً . ومن ثم يكون السببان في هذا المثل منتجين وفقاً لنظرية السبب المنتج ، ومتكافئتين وفقاً لنظرية تكافؤ الأسباب .

ويتضح مما تقدم أن نظرية السبب المنتج هي النظرية الأحرى بالاتباع ( [4] ) .

607 – الأثر الذي يترتب على تعدد الأسباب التي أحدثت الضرر : فإذا نحن عرفنا الأسباب التي أحدثت الضرر – سواء اهتدينا إلى هذه الأسباب عن طريق نظرية السبب المنتج أو عن طريق نظرية تكافؤ الأسباب – ووجدنا هذه الأسباب متعددة ، فقد رأينا فيما قدمناه عند الكلام في السبب الأجنبي أن هذا التعدد له اثر كبير في المسئولية . ونستعرض في إيجاز الفروض المختلفة ملخصين ما قدمناه في هذا الصدد .

فقد يجتمع سببان في إحداث الضرر : خطأ المدعى عليه وقوة قاهرة أو خطأ المدعى عليه وخطا المضرور أو خطأ المدعى عليه وخطا الغير . أو تجتمع أسباب ثلاثة : خطأ كل من المدعى عليه والمضرور والغير .

فإذا اجتمع خطأ المدعى عليه وقيام قوة قاهرة ، كان المدعى عليه مسئولا عن التعويض الكامل ، لأن خطأه كان سبباً في إحداث الضرر . ولا يستطيع الرجوع على أحد ، لأن الحادث الذي اشترك مع خطئه في إحداث الضرر كان قوة قاهرة ، يتحمل وحده المسئولية كاملة . فلو أن شخصا لكم شخصاً آخر في صدره لكمة بسيطة ، وتصادف أن المصاب كان مريضا بالقلب لوم يكن المدعى عليه يعلم ذلك ، فمات المصاب من جراء هذه اللكمة . كان المدعى عليه مسئولا مسئولية كاملة عن موت المصاب ( [5] ) . ولو سار سائق السيارة مسرعاً أكثر مما يجب ، فإذا بريح عاصف اقتلع شجرة ورماها في عرض الطريق أمام السيارة ، فانقلبت السيارة على أحد العابرة فأصابته ، كان المدعى عليه مسئولا عن التعويض الكامل ، ولا يستطيع الرجوع على أحد كما هو الأمر في المثل السابق .

وإذا اجتمع خطأ المدعى عليه وخطا المضرور ، كما إذا أسرع سائق السيارة في سيره فاعترض طريقه شخص ثمل فدهسه ، كان هناك خطأ مشترك ( faute commune ) كما قدمنا ، ورجع المضرور على المسئول بنصف التعويض على النحو الذي سبق أن بيناه .

وإذا اجتمع خطأ المدعى عليه وخطا الغير ، كما إذا سار السائق في سرعة كبيرة واعترضته حفرة في الطريق أحدثها الغير خطأ فانقلبت السيارة وأصابت أحد العابرة ، فإن كلا من الخطأين يعتبر سبباً في إحداث الضرر ، ويكون المدعى عليه مسئولا نحو المضرور عن تعويض كامل ، ويرجع بنصف التعويض على الغير الذي أحدث الحفرة خطأ في الطريق .

وإذا اجتمع خطأ كل من المدعى عليه والمضرور والغير ، كما إذا سار السائق بسرعة كبيرة فعثر بحفرة أحدثها الغير خطأ في الطريق فانقلبت السيارة وأصابت شخصاً ثملا كان يعبر الطريق ، كان السائق مسئولا نحو المضرور عن ثلثي التعويض ، ويرجع بالثلث على الغير .

2 – تسلسل النتائج

 ( أو تعاقب الأضرار والضرر غير المباشر )

608 – التمييز بين تعدد الأسباب وتسلسل النتائج : ينبغي أن نميز تمييزاً دقيقاً بين حالة تعدد الأسباب التي عالجناها فيما تقدم وحالة تسلسل النتائج أو تعاقب الأضرار التي نعالجها الآن . ففي الحالة الأولى الضرر واحد لم يتعاقب ، والأسباب هي التي تعاقبت فتعددت . وفي الحالة الثانية السبب واحد لم يتعدد ، والأضرار هي التي تعاقبت عن هذا السبب الواحد فصارت إضراراً متعددة . ففي إحدى الحالتين إذن السبب هو المتعدد ، أما الضرر فيبقى واحداً . وفي الحالة الأخرى الضرر هو المتعدد ، أما السبب فيبقى واحداً وقد تمتزج الحالتان فتتعدد الأسباب وتتعاقب الأضرار ، فيعطي لتعدد الأسباب حكمه الذي قدمناه ، ويعطي لتعاقب الأضرار الحكم الذي سنبسطه فيما يلي .

609 – أمثلة عملية لتسلسل النتائج أو تعاقب الأضرار : يوجد مثل تقليدي أورده بوتييه في الأضرار التي تتعاقب ، وهو مثل في المسئولية العقدية ولكنه ينطبق أيضاً على المسئولية التقصيرية : تاجر مواش يبيع بقرة . موبوءة ( [6] ) ، فتعدى مواشي المشتري ، وتموت ويموت معها سائر المواشي ، فلا يتمكن المشتري من زراعة أرضه ، فيعوزه المال ، فلا يستطيع الوفاء بديونه ، فيحجز الدائنون على أرضه ويبيعونها عليه بثمن بخس . فهذه أضرار متعاقبة يجر بعضها بعضاً : موت البقرة الموبوءة ، عدوى المواشي وموتها ، العجز عن الزراعة ، العجز عن وفاء الديون ، الحجز على الأرض وبيعها بثمن بخس ، ويرى ويرى بوتييه بحق أن الأضرار المباشرة التي يجب التعويض عنها هي موت البقرة الموبوءة وعدوى المواشي وموتها . أما العجز عن الزراعة وعن وفاء الديون والحجز على الأرض وبيعها بثمن بخس ، فهذه أضرار غير مباشرة لا محل للتعويض عنها .

وقد وقع في مصر ما يقرب من هذا ، فقضت فيه محكمة الاستئناف الوطنية ( [7] ) بما يأتي : ” إذا تلفت آلات وابور بسبب حادث حصل للقطار الذي كانت هذه الآلات مشحونة فيه ، فلا تسال المصلحة عن الضرر غير المتسبب مباشرة عن الحادث ، كأن يقال إن هذا الوابور كان معداً للتركيب على بئر ارتوازية وبسبب تلف الآلات تعذر الانتفاع بهذه البئر ، فتلفت زراعة صاحب البئر ، وكان أيضاً متعهداً بأن يروى لأصحاب الأطيان المجاورة فلم يروها بسبب هذا الحادث فطالبوه بتعويض الضرر ، ثم إنه لم ينتفع أيضاً بالأرض التي حفر البئر فيها وبالأرض التي أعدها لوضع الوابور ألخ ألخ ، وأن المصلحة مسئولة عن تعويض كل هذه الأضرار ” .

وقد قضت محكمة النقض ( [8] ) كذلك بما يأتي : ” . . . . . إذا حمل الحكم مصلحة الآثار مسئولية خطئها من سحب رخصة من متجر بالآثار ، وما يترتب على هذا السحب من اعتباره متجراً بغير رخصة ، وتحرير محضر مخالفة له ، ومهاجمة منزله ، وإزالة اللوحة المعلقة على محل تجارته ، وقضى له بناء على ذلك بتعويض عما لحقه من هذه الأضرار ، فقضاؤه صحيح قانوناً ( [9] ) ” .

فهذه أمثلة عملية منتزعة من صميم الحياة المصرية نرى فيها الأضرار عن السبب الواحد تتلاحق وتتعاقب وتتسلسل . فأين نقف ؟ القاعدة التقليدية هي إننا نقف عند الضرر المباشر ( dommage direct ) فنعوض عنه ، ونغفل الضرر غير المباشر ( dommage indirect ) فلا يجب له التعويض .

ولكن كيف نحدد ما إذا كان الضرر مباشراً أو غير مباشر ؟

610 – معيار الضرر المباشر : يجب بادئ الأمر التمييز ما بين الضرر المباشر ( direct ) والضرر المتوقع ( previsible ) ، فالضرر المتوقع هو ما كان محتمل الحصول ممكناً توقعه ، فهو بهذه المثابة يكون ضرراً مباشراً ، وقد فصلنا الكلام فيه في المسئولية العقدية . ويمكن القول إن كل ضرراً مباشراً ، وقد فصلنا الكلام فيه المسئولية العقدية . ويمكن القول إن كل ضرر متوقع يكون ضرراً مباشراً ، ولكن ليس كل ضرر مباشر يكون ضرراً متوقعاً ، فمن الأضرار المباشرة ما ليس محتمل الحصول ولا يمكن توقعه . فما هو إذن معيار الضرر المباشر ؟

تعرض الفقرة الأولى من المادة 221 من القانون المدني الجديد لهذه المسألة الهامة ، فنقول :

 ” إذا لم يكن التعويض مقدرا في العقد أو بنص في القانون ، فالقاضي هو الذي يقدره ، ويشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب ، بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به ، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعه الدائن أن يتوقا ببذل جهد معقول ( [10] ) ” .

فالضرر المباشر إذن هو ما كان نتيجة طبيعية ( normal ) للخطأ الذي أحدثه ويبقى بعد ذلك أن نعرف ما الذي يعتبر نتيجة طبيعية . يقول النص : ” ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول ” . وهذا معيار يجمع بين الدقة والمرونة ، نراه لأول مرة في القانون المدني الجديد ( [11] ) ، وإن كان يمكن استخلاصه من قضاء محكمة الاستئناف المختلطة ( [12] ) . فلنطبقه على الأمثلة العملية التي قدمناها .

البقرة الموبوءة التي نفقت بعد أن أعدت سائر المواشي فنفقت هذه أيضاً ، أكان المشتري يستطيع أن يتوقى هذه الأضرار ببذل جهد معقول ؟ ينظر في ذلك إلى الظروف الملابسة ، والظاهر أنه كان لا يستطيع ذلك . فتعتبر هذه الأضرار إضراراً مباشرة . أما العغجز عن الزراعة ، وعن وفاء الديون ، وحجز الأرض وبيعها بثمن بخس ، فإن هذا كله كان في وسع المزارع أن يتفاداه ببذل جهد معقول ، إذ كان في استطاعته أن يعمد إلى مواش أخرى يشتريها أو يستأجرها لزراعة أرضه ، فتقف بذلك سلسلة الأضرار المتلاحقة التي أصبته من جراء موت المواشى . ومن ثم يعتبر هذه الأضرار أضراراً غير مباشرة لا محل للتعويض عنها .

آلات الوابور التي تلفت بسبب الحادث الذي وقع للقطار ، أكان صاحبها يستطيع أن يتوقى تلفها ؟ ظاهر أنه كان لا يستطيع ذلك ، فيعتبر هذا التلف ضرراً مباشراً يجب تعويضه . أما تعذر الانتفاع بالبئر الارتوازية ، فتلف الزراعة ، والعجز عن ري الأطيان المجاورة ، وعدم الانتفاع بالأرض التي حفر البئر فيها والأرض التي أعدت لوضع الوابور ، فكل هذه أضرار غير مباشرة إذ كان صاحب الأرض يستطيع أن يتفاداها بالالتجاء إلى طريق آخر للري ( [13] ) .

سحب الرخصة خطأ من متجر يتجر في الآثار ، وما ترتب على ذلك من تحرير محضر مخالفة لصاحبه ، ومهاجمة منزله ، ونزع اللوحة المعلقة ، كل هذه أضرار مباشرة ، لأن صاحب المتجر لم يكن يستطيع تلافيها ببذل جهد معقول ( [14] ) .

ونرى من ذلك أن المعيار الذي أتى به القانون الجديد يستقيم في الأمثلة التي تقع في الحياة العملية ، وهو معيار يجمع كما رأينا بين الدقة والمرونة ( [15] ) .

ومن اليسير تأصيله بأن المضرور إذا لم يبذل جهداً معقولا في توقى الضرر يكون هو أيضاً قد أخطأ ، ومن ثم يوجد خطأ مشترك ، وعلى المضرور أن يتحمل تبعة خطاه بتحمل الأضرار التي تنجم عن هذا الخطأ . فإذا جرح شخص آخر ، فالضرر المباشر الذي ينجم عن الجرح يتحمله المسئول ، والضرر غير المباشر الذي ينجم عن إهمال المضرور في علاج نفسه يتحمله المضرور .

ونستخلص من ذلك أن الأضرار المباشرة ، أي الأضرار التي تكون نتيجة طبيعية للخطأ الذي أحدثها وهي التي كان المضرور لا يستطيع توقيعها ببذل جهد معقول ، هي وحدها التي تحتفظ من الناحية القانونية بعلاقة السببية بينها وبين الخطأ . أما الأضرار غير المباشرة ، وهي التي لا تكون نتيجة طبيعية للخطأ الذي أحدث الضرر ، فتنقطع علاقة السببية بينها وبين الخطأ ، ولا يكون المدعى عليه مسئولا عنها .


 ( [1] ) مازو 2 فقرة 1440 والمراجع المشار إليها .

 ( [2] ) مازو 2 فقرة 1441 والمراجع المشار إليها .

 ( [3] ) مارتي ( Marty ) في المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1939 ص 685 وما بعدها .

 ( [4] ) أنظر في تحول القضاء الفرنسي عن نظرية تكافؤ الأسباب إلى نظرية السبب المنتج مازو 2 فقرة 144 2 – 2 .

 ( [5] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا فرض أن المضرور في حادث كان لديه استعداد من قبل ( predispose ) للمرض الذي أصابه بسبب هذا الحادث ، فيكفي أن يكون الحادث هو السبب الذي حرك هذا الاستعداد ( predisposition ) حتى تقوم علاقة السببية بين الحادث والمرض ، فيلزم المتسبب في الحادث بتعويض الضرر ( استئناف مختلط في أول ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 55 ) .

 ( [6] ) أو يخلطها بمواشي الغير ، وهو عالم إنها موبوءة ، عن اهمال – وذلك حتى ينطبق المثل على المسئولية التقصيرية .

 ( [7] ) في 22 أكتوبر سنة 1914 الشرائع 2 رقم 51 / 2 ص 247 – أنظر أيضاً استئناف مختلط في 20 ديسمبر سنة 1883 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلفطة ) ص 29 – وفي 28 يناير سنة 1885 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 10 ص 43 – وفي 10 يونية سنة 1897 م ) ص 387 – وفي 6 يونية سنة 1899 م 11 ص 267 .

 ( [8] ) في 9 ابريل سنة 1936 المحاماة 17 رقم 40 ص 74 – ملحق مجلة القانون والاقتصاد 6 ص 176 مع تعليق الدكتور سليمان مرقص – أنظر كذلك محكمة طنطا في 14 ديسمبر سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 100 ص 235 – استئناف مختلط في 27 نوفمبر سنة 1913 م 26 ص 52 – وفي 4 مايو سنة 1916 م 28 ص 297 – وفي 14 نوفمبر سنة 1922 م 35 ص 23 .

 ( [9] ) وقضى أيضاً بأنه إذا أرسلت شركة آلات زراعية إحدى آلاتها حديثة الاختراع إلى وكيل لها في الريف ، فأصاب هذه الآلة تلف بفعل أمين النقل ، ترتب عليه فشل التجربة التي أجارها الوكيل على مشهد من كبار المزارعين في بلده ، ورفض المشتري قبول هذه الآلة ، وعدول المزارعين عن شراء مثلها ، فإن أمين النقل لا يسأل إلا عن تلف الآلة باعتباره ضرراً مباشرا ، أما ما تلى ذلك من أضرار فيعتبر نتيجة غير مباشرة لخطأ أمين النقل ( الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار ص 59 ) .

 ( [10] ) تاريخ النص ( الفقرة الأولى من المادة 221 فقط – أما الفقرة الثانية من هذه المادة فقد سبق إيراد تاريخها عند الكلام في المسئولية العقدية : أنظر آنفا فقرة 451 ) : ورد هذا النص في الفقرة الأولى من المادة 299 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي :

 ” إذا لم يكن التعويض مقدراً في العقد أو بنص القانون فالقاضي هو الذي يقدره . ويشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب ، بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به . ويدخل في ذلك الضرر الذي لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول ” . وقد أقرت لجنة المراجعة النص كما هو وأصبح رقمه الفقرة الأولى من المادة 228 من المشروع النهائي . وفي اللجنة التشريعية لمجلس النواب استبدلت بعبارة ” ويدخل في ذلك الضرر الذي لم يكن في استطاعة الدائن . . ” عبارة ” ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن . . ” وأرادت اللجنة بهذا التعديل أن تضع للقاضي معيارا يسترشد به في تقدير ما يعتبر نتيجة طبيعية لعدم الوفاء ، وهي في الوقت ذاته لا تقيده بهذا المعيار الذي نصت عليه المادة فلا مانع من أن يتخذ معياراً آخر إذا رأى ذلك . ووافق مجلس النواب على النص كما عدلته لجنته . وكذلك وافقت لجنة القانون المدني المجلس الشيوخ على النص كما أقره مجلس النواب وأصبح رقمه الفقرة الأولى من المادة 221 . ووافق مجلس الشيوخ عليه . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 563 – ص 566 ) .

ويقابل هذا النص في القانون المدني القديم المادتان 121 / 179 من هذا القانون ، وكانا ينصان على ما يأتي : ” التضمينات عبارة عن مقدار ما أصاب الدائن من الخسارة وما ضاع عليه من الكسب بشرط أن يكون ذلك ناشئاً مباشرة عن عدم الوفاء ” .

 ( [11] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” إذا لم يكن التعويض مقدراً في العقد ( الشرط الجزائي ) أو مقدراً بنص القانون ( الفوائد ) تولى القاضي تقديره . ويناط هذا التقدير ، كما هو الشأن في المسئولية التقصيرية ، بعنصرين قوامهما ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب . ويشترط لاستحقاق التعويض أن يكون الضرر نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر فيه ، سواء أكان أساسه فوات هذا الكسب أم تحقق تلك الخسارة . ويراعى أن عبارة ” النتيجة الطبيعية ” أمعن في الدلالة على المقصود من عبارة ” النتيجة المباشرة ” التي استعملها التقنين المصري ( القديم ) مقتدياً في ذلك بكثير من التقنينات الأخرى . وقد بلغ من أمر إعراض التقنين اللبناني عن اصطلاح ( النتيجة المباشرة ) أن نص في المادة 261 على وجوب الاعتداد بالضرر غير المباشر كما يعتد ” بالضرر المباشر على سبيل التخصيص والإفراد متى كانت له صلة محققة بالتخلف عن الوفاء بالالتزام ” . وقد عنى المشروع بتحديد دلالة عبارة ( النتيجة الطبيعية ) ، تحديدا وافيا ، فنص في المادة 299 على إنها تنصرف إلى الضرر الذي لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه . وقد تقدم عند تفصيل أحكام الخطأ المشترك أن الدائن يقاسم مدينه تبعة الخطأ ، ويحتمل المسئولية عن شق من الضرر إذا امتنع عن دفع هذا الشق متى كان في استطاعته أن يفعل ذلك ببذل قسط معقول من الحيطة ومؤدى هذا أن نصيب المدين من تبعة الضرر ينحصر فيما لا يكون للدائن قبل بتوقيه على الوجه الذي تقدمت الإشارة إليه . وهذا هو المقصود بالنتيجة الطبيعية لتخلف المدين عن الوفاء بالالتزام ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 564 – ص 565 ) .

 ( [12] ) فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه من المبادئ المقررة أن من صدر منه خطأ لا يجب عليه التعويض إلا في حدود الأضرار التي كان لا يمكن لمن ارتكب ضده الخطأ أن يتواقها بجهده . وعدم بذل هذا الجهد هو في ذاته خطأ يوجب المسئولية . فإذا ابطلت إجراءات نزع الملكية على أساس إنها اتخذت على وجه غير قانوني ضد محجور عليه ، لم يجز لورثة المحجور عليه مطالبة الدائن الذي اتخذ هذه الإجراءات بقيمة الثمرات التي انتزعت من مورثهم عن طريق الإجراءات الباطلة ، إذا كان من الثابت أن قيم المحجور عليه ومن بعده الورثة ، وكانوا على علم بهذه الإجراءات ، أبطأوا في رفع دعوى البطلان ، فمكنوا بخطئهم هذا للضرر من أن يقع ( استئناف مختلط في 7 يونية سنة 1928 م 40 ص 413 ) – كذلك إذا ابطلت إجراءات نزع الملكية وحكم مرسي المزاد لعدم انذار الحائز للعقار من جراء إغفال ذكر اسمه في الشهادة العقارية التي أعطيت للدائن الحاجز ، فلقلم الكتاب ، في الدفاع عن نفسه في دعوى تعويض ترفع عليه من الحائز عن المدة التي نزع منه فيها العقار ، أن يتمسك بأن الحائز كان على علم بالاجراءات التي اتخذت ، وبأنه إذا لم يكن ملزماً بتصحيح الإجراءات بأن يتصرف كما لو كان قد أندر ، إلا أنه كان من الواجب عليه أن يتوقى الضرر الذي كان لا بد أن ينجم من جراء نزع العقار من يده ( استئناف مختلط في 22 ابريل سنة 1926 م 38 ص 357 ) . وقضت هذه المحكمة أيضاً بان الطرف الذي يطالب بتعويض الضرر يجب أن يكون قد قام من جهته بكل ما هو ضروري لتوقى هذا الضرر ( استئناف مختلط في 30 مايو سنة 1934 م 46 ص 304 ) . أنظر أيضاً : استئناف مختلط في 15 يناير سنة 1924 م 36 ص 153 – وفي 3 فبراير سنة 1925 م 37 ص 204 – محكمة مصر المختلطة التجارية في 28 مارس سنة 1930 مجازيت 20 رقم 203 ص 192 – محكمة المنصورة المختلطة الجزئية في 22 مايو سنة 1920 جازيت 11 رقم 8 ص 11 .

ولكن لا يلام المضرور إذا هو لم يقبل إجراء عملية خطيرة مؤلمة ، ولا يحتج عليه بهذا الرفض للقول بأنه أخطأ في عدم تلاقي الضرر الذي أصابه ( استئناف مختلط في 3 مايو سنة 1923 جازيت 14 رقم 6 ص 2 ) .

 ( [13] ) ويلاحظ أن العجز عن ري الأطيان المجاورة قد لا يكون ضرراً إذا اعتبر تلف آلات الوابور قوة قاهرة تعفى صاحب الأرض من التزامه برى هذه الأطيان . أما عدم الانتفاع بالأرض التي حفر فيها البئر فقد يكون ضرراً مباشراً يعوض عنه ، إذا عدم صاحب الأرض الوسيلة للانتفاع بهذه الأرض عن طريق آخر . هذا ويعتبر ضرراً مباشراً يعوض عنه الفرق في تكاليف الري إذا كانت الطريقة التي لجأ إليها صاحب الأرض لري أرضه اشد مؤونة ولم يكن في وسعه الالتجاء إلى طريقة أقل كلفة .

 ( [14] ) والآلة الزراعية حديثة الاختراع التي تلفت بفعل أمين النقل ، لم تكن الشركة تستطيع أن تتوقى تلفها ، فيعتبر هذا التلف ضرراً مباشراً . أما فشل التجرة ، وما ترتب على هذا الفشل من انصراف المشتى وكبار المزارعين عن شراء الآلة وأمثالها ، فإن هذا كله كانت الشركة تستطيع توقيه ببذل جهد معقول لو أنها لم تعرض للتجربة هذه الآلة التالفة ، واستعاضت عنها بآلة صالحة ، فهذه إذن أضرار غير مباشرة .

 ( [15] ) وهو ، بعد ، ليس بالميعار الوحيد ، فقد رأينا أن لجنة الشؤون التشريعية بمجلس النواب تقول في تقريرها : ” وأرادت اللجنة بهذا التعديل أن تضع للقاضي معياراً يسترشد به في تقدير ما يعتبر نتيجة طبيعية لعدم الوفاء ، وهي في الوقت ذاته لا تقيده بهذا المعيار الذي نصت عليه المادة ، فلا مانع من أن يتخذ معياراً آخر إذا رأى ذلك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 566 ) . وهناك أحوال لا ينطبق فيها هذا المعيار ، ومع هذا لا يوجد شك أن الضرر غير مباشر . من ذلك ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا رفضت الإدارة تجديد رخصة لاحدى شركات النقل وكانت مخطئة في عدم تجديد الرخصة ، كانت مسئولية عن تعويض هذه الشركة عما اصابها من ضرر ، ولكنها لا تكون مسئولة عن تعويض بائع عربات النقل إذا أصابه ضرر من جراء عدم تجديد الرخصة بفوات صفقات كان من المنتظر أن يعقدها مع الشركة التي لم تجدد رخصتها ( استئناف مختلط في 7 نوفمبر سنة 1940 م 53 ص 8 ) . ويلاحظ هنا أن الضرر المشكو منه قد أصاب شخصين لا شخصاً واحداً : الشركة والضرر الذي أصابها ضرر مباشر ، وبائع عربات النقل والضرر الذي أصابه ضرر غير مباشر .

ويقع في أحوال أخرى أن يصيب الخطأ الواحد شخصين بالضرر . مثل ذلك أن يتسبب شخص في غرق شخص آخر ، فيتقدم شخص ثالث لانقاذ الغريق فيغرق معه . فهل مرتكب الخطأ يكون مسئولا أيضاً عن غرق المنقذ على أساس أن هذا الضرر إنما هو نتيجة مباشرة لخطئه ؟ قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه يكون مسئولا عن غرق المنقذ ، ولكن إذا تبين أن هذا قد خاطر مخاطرة غير مألوفة ( لارتفاع النيل ) لانقاذ الغريق الأول ، كان هناك خطأ مشترك يترتب عليه تخفيض التعويض ( استئناف مختلط في 8 ابريل سنة 1942 م 54 ص 161 – وقد وضعت المحكمة معياراً لمعرفة ما إذا كان الضرر مباشرا في مثل هذه الأحوال . فإذا كان تدخل الغير لانقاذ شخص من خطر وضع فيه بخطأ المدعى عليه إنما هو اندفاع طبيعي من الغير املاه قيام هذا الخطر ، كان الضرر الذي يصيب الغير من جراء تدخله ضرراً مباشراً يجب التعويض عنه ، وتنتقل المحكمة في هذا الحكم عن قضية إنجليزية معروفة . ( Wagner contre Int . R . Co . Corpus Juris . C . 45 p . 481 ) العبارات الآتية : ” الخطر يستدعى الإنقاذ . وصرخة الاستغاثة هي دعوى إلى النجدة . وليس القانون بالذي يتجاهل انفعالات العقل هذه عند ما يربط التصرف بنتائجه ، بل هو يعترف بها نتائج مألوفة ، ويضع ما يترتب عليها من اثر في حدود الأمور الطبيعية التي يغلب وقوعها . والخطأ الذي يتهدد حياة بالخطر هو خطأ يرتكب ذد المصاب المهدد ، وهو في الوقت ذاته خطأ يرتكب ضد من يتقدم لإنقاذه ” Danger invites rescue . The ory of distress is the summons to relief . The law does not igonore these reactions of the mind in tracing conduct to its consequences . It recognizes them as normal . It piaces their effects withing the range of the natural and probale . The wornd that imperils life is a wrong the imperiled vietim , it is wiong ase his .

وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه إذا تدخل شخص من تلقاء نفسه في عمل بقصد منع الضرر عن الغير ، كما إذا تدخل لوقف جواد جمح من سائقه ، فنتج عن تدخله ضرر لشخصه ، فإن من يكون مسئولا عن الحادثة فيما لو وقع الضرر للغير ، يكون مسئولاً أيضاً عن الضرر الذي أصاب ذلك الشخص ، وليس له أن يدفع عن نفسه هذه المسئولية بدعوى أن ذلك الشخص أخطأ في تدخله في الحادثة إذا كن هذا التدخل حصل بقصد القيام بعمل إنساني ( استئناف وطني في 30 أكتوبر سنة 1923 المجموعة الرسمية 25 رقم 95 ص 175 ) .

ويلاحظ أننا نبحث هنا في علاقة المسئول عن الخطأ بالغير الذي يتقدم لإنقاذ المضرور . أما في علاقة هذا الغير بالمضرور نفسه ، فالغير فضولي بالنسبة إليه ، وله طبقاً لقواعد الفضالة أن يرجع عليه بما يصيبه من ضرر ( أنظر في موضوع من يتقدم للإنقاذ sauvetuer مازو 2 فقرة 1098 وهو يوجه النظر إلى أن المنقذ قد يتقدم للإنقاذ عن رعونة ، فيكون هذا الحل مميتاً ) .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر في القانون المدني

علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر

 ( Le lien de causalite )

581 – السببية ركن مستقل : علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر معناها أن توجد علاقة مباشرة ما بين الخطأ الذي ارتكبه المسئول والضرر الذي أصاب المضرور . والسببية هي الركن الثالث من أركان المسئولية ، وهي ركن مستقل عن ركن الخطأ . وآية ذلك أنها قد توجد ولا يوجد الخطأ ، كما إذا أحدث شخص ضرراً بفعل صدر منه لا يعتبر خطأ وتتحقق مسئوليته على أساس تحمل التبعة ، فالسببية هنا موجودة والخطأ غير موجود . وقد يوجد الخطأ ولا توجد السببية . ويسوق أحد الفقهاء ( [1] ) لذلك مثلاً : يدس شخص لآخر سما . وقبل أن يسري السم في جسم المسموم يأتي شخص ثالث فيقتله بمسدس . فهنا خطأ هو دس السم ، وضرر هو موت المصاب ، ولكن لا سببية بينهما إذ الموت سببه إطلاق المسدس لا دس السم ، فوجد الخطأ ولم توجد السببية . ونورد مثلين آخرين يوجد فيهما الخطأ ولا توجد السببية . بعد أن يتم البيع يكشف المشتري عما عسى أن يثقل العقار الذي اشتراه من رهون ، فيبين من الكشف أن العقار غير مرهون ، ثم يتضح أن هذا الكشف غير صحيح وأن العقار مثقل برهن . وينزع الدائن المرتهن ملكية العقار فهنا خطأ وهو الكشف غير الصحيح ، وضرر وهو نزع ملكية العقار ، ولكن السببية غير موجودة فإن الكشف غير الصحيح لم يظهر إلا بعد تمام البيع فلم يكن هو السبب في وقوع الضرر شخص يقود سيارة دون رخصة ، ثم يصيب أحد المارة وتكون الإصابة بخطأ يقع من هذا المصاب . فهنا خطأ وهو قيادة السيارة دون رخصة ، وضرر وهو إصابة أحد المارة ، ولكن الخطأ ليس هو السبب في الضرر بل هناك سبب أجنبي هو خطأ المصاب ، فوجد الخطأ دون أن توجد السببية .

582 – اتصال السببية بالضرر : وفي الأمثلة الثلاثة المتقدمة يمكن القول إن السببية قد انفصلت عن الخطأ كما رأينا . ولكن يراعى ما يأتي :

أولاً – الضرر في هذه الأمثلة له سبب آخر غير الخطأ الأول . فالموت في المثل الأول سببه إطلاق المسدس لا دس السم ، ونزع ملكية العقار في المثل الثاني سببه الرهن لا الكشف غير الصحيح . وإصابة المار في المثل الثالث فيه خطأه هو لا انعدام الرخصة . فالسببية إذا هي انفصلت عن الخطأ . فإنها تتصل بالضرر .

ثانياً – إذا كان الخطأ الأول الذي أنعزل عن الضرر لا يحقق أية مسئولية ، فذلك لا لأن السببية منعدمة فحسب ، بل أيضاً لأن هذا الخطأ لم ينجم عنه أي ضرر . فحيث تنعدم السببية ينعدم في الوقت ذاته الضرر . ومن هذا الوجه يكون الضرر والسببية متلازمين .

ثالثاً – إذا قام السبب الأجنبي فإنه لا يعدم علاقة السببية وحدها ، بل هو أيضاً ينهي الالتزام القانوني الذي يقضي بعدم الإضرار بالغير والذي يعد الإخلال به هو الخطأ . ذلك أن الوفاء بهذا الالتزام قد أصبح مستحيلاً لسبب أجنبي ( م 373 ) . فالسبب الأجنبي إذن لا يعدم علاقة السببية وحدها بل يعدم معها الخطأ ( [2] ) .

583 – استقلال السببية عن الخطأ لا يظهر بوضوح إلا حيث يكون الخطأ مفترضاً : وإذا كانت السببية مستقلة عن الخطأ ، إلا أن هذا الاستقلال لا يظهر في جلاء عند ما يكون الخطأ واجب الإثبات . ذلك أن المضرور عندما يكلف بإثبات الخطأ ، يلجأ في العادة إلى إثبات خطأ يكون هو السبب في إحداث الضرر . ومن ثم فإثبات الطأ يكون في الغالب إثباتاً لعلاقة السببية . فتستتر السببية وراء الخطأ ولا يتبين في وضوح أنها ركن مستقل . وإنما يتضح استقلالها في الأحوال التي تقوم فيها المسئولية على خطأ مفترض أو خطأ مفروغ من إثباته ، كمسئولية الحارس عن الحيوان . ففي هذه الحالة الخطأ مفروغ منه ولا يكلف المضرور بإثباته . أما السببية فيمكن نفيها بإثبات السبب الأجنبي . ففيها إذن يتركز النضال ما بين المسئول والمصاب . ومن ثم تبرز هي ، ويدور الإثبات حولها وحدها دون الخطأ .

584 – خطة البحث : قدمنا أن الخطأ يجب أن يكون هو السبب في الضرر فإذا رجع الضرر إلى سبب أجنبي انعدمت السببية . وتنعدم السببية أيضاً حتى لو كان الخطأ هو السبب ولكنه لم يكن السبب المنتج ، أو كان السبب المنتج ولكنه لم يكن السبب المباشر .

فنبحث إذن أمرين : ( 1 ) انعدام السببية لقيام السبب الأجنبي ( 2 ) ثم انعدامها لأن السبب غير منتج أو غير مباشر .

المطلب الأول

انعدام السببية لقيام السبب الأجنبي

585 – النصوص القانونية : تنص المادة 165 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ( [3] ) ” .

فالسبب الأجنبي الذي يعدم رابطة السببية هو كما يقول النص :

 ( 1 ) القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ ( force majeure ou cas fortuit ) .

 ( 2 ) خطأ المضرور ( faute de la victime ) ( 3 ) خطأ الغير ( faute d’un tiers ) ( [4] ) ونستعرض كلاً من هذه الأسباب الثلاثة ( [5] ) .

 $ 1 – القوة القاهرة أو الحادث الفجائي

586 – القوة القاهرة والحادث الفجائي شيء واحد : قال بعض الفقهاء إنهما شيئان مختلفان ، ولكن هؤلاء لا يتفقون على فيصل التفرقة فيما بينهما .

فمنهم من يقول إن القوة القاهرة هي الحادث الذي يستحيل دفعه ، أما الحادث الفجائي فهو الحادث الذي لا يمكن توقعه . فتتوزع بينهما الخصيصتان اللتان سنفصلهما فيما يلي ، وهما استحالة الدفع وعدم إمكان التوقع . ويكفي في نظر هؤلاء أن يكون الحادث مستحيل الدفع أو أن يكون غير ممكن التوقع ، فلا يلزم اجتماع الخصيصتين .

ولا يجوز الأخذ بهذا الرأي ، لأن القوة القاهرة يجب أن تكون حادثاً لا مستحيل الدفع فحسب بل أيضاً غير ممكن التوقع ، ولأن الحادث الفجائي يجب أن يكون حادثاً لا غير ممكن التوقع فحسب بل أيضاً مستحيل الدفع ، ولا يكفي وجود إحدى هاتين الحصيصتين لانعدام رابطة السببية ( [6] ) .

ومن الفقهاء من يسلم بوجوب اجتماع الخصيصتين . ولكن يميز في خصيصة استحالة الدفع بين ما إذا كانت هذه الاستحالة مطلقة فتوجد القوة القاهرة ، أو نسبية فيوجد الحادث الفجائي ( [7] ) . وسنرى أن هذا التمييز لا يقوم على أساس صحيح ، إذ الاستحالة ، في كل من القوة القاهرة والحادث الفجائي ، يجب أن تكون استحالة مطلقة .

ومن الفقهاء من يقيم التمييز على أساس آخر . فيجعل كلاً من القوة القاهرة والحادث الفجائي حادثاً مستحيل الدفع غير ممكن التوقع ، ولكن القوة القاهرة تكون حادثاً خارجياً عن الشيء الذي تتحقق به المسئولية كعاصفة أو زلزال ، والحادث الفجائي حادث داخلي ينجم عن الشيء ذاته كانفجار آلة أو انكسار عجلة . ثم يجعل القوة القاهرة وحدها هي التي تمنع من تحقق المسئولية ، أما الحادث الفجائي فلا يمنع منت حققها بل يتحمل المدين تبعته ( [8] ) . وهذا الرأي لا يجوز التسليم به أيضاً إلا عند من يقولون بنظرية تحمل التبعة ، إذ يصح عند هؤلاء أن يكون الشخص مسئولاً عن الحادث الفجائي دون القوة القاهرة .

ونرى من ذلك أن التمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي لا يقوم على أساس صحيح لذلك تقول جمهرة الفقهاء بعدم التمييز بينهما ، وعلى هذا أيضاً إجماع القضا ( [9] ) .

587 – الشروط الواجب توافرها في القوة القاهرة والحادث الفجائي : ويبقى أن نفصل الشروط التي يجب توافرها حتى يكون الحادث قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً . ونص القانون يصف القوة القاهرة والحادث الفجائي بأنهما سبب أجنبي ( CAUSE ETRANGERE ) لا يد للشخص فيه ( non – imputable ) . ولكن هذا الوصف في حاجة إلى التحديد . وقد رأينا فيما قدمناه أن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي يجب أن يكون حادثاً غير ممكن التوقع ومستحيل الدفع ( [10] ) . فعدم إمكان التوقع ( imprevisibilite ) واستحالة الدفع ( irresistibilite ) هما الشرطان الواجب توافرهما في القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ، وإذا ما توافرا كان الحادث أجنبياً عن الشخص لا بد له فيه . أما العكس فغير صحيح . فقد يكون الحادث أجنبياً عن الشخص لا يد له فيه ، ومع ذلك يستطيع توقعه قبل أن يقع ، أو يستطيع دفعه بعد أن وقع .

ونستعرض الآن كلا من الشرطين ، ثم نورد بعض التطبيقات العملية .

588 – عدم إمكان التوقع : يجب أن تكون القوة القاهرة أو الحادث الفجائي غير ممكن التوقع . فإذا أمكن توقع الحادث حتى لو استحال دفعه ، لم يكن قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً . ويجب أن يكون الحادث غير مستطاع التوقع لا من جانب المدعى عليه فحسب ، بل من جانب أشد الناس يقظة وبصراً بالأمور ، فالمعيار هنا موضوعي لا ذاتي ، بل هو معيار لا يكتفي فيه بالشخص العادي ، ويتطلب أن يكون عدم الإمكان مطلقاً لا نسبياً .

ولا يكون الحادث ممكن التوقع لمجرد أنه سبق وقوعه فيما مضى . فقد يقع حادث في الماضي ،ويبقى مع ذلك غير متوقع في المستقبل ، إذا كان من الندرة بحيث لا يقوم سبب خاص لتوقع حدوثه .

وعدم إمكان التوقع ، في المسئولية العقدية ، يكون وقت إبرام العقد . فمتى كان الحادث غير ممكن التوقع وقت التعاقد ، كان هذا كافياً حتى لو أمكن توقعه بعد التعاقد وقبل التنفيذ . أما في المسئولية التقصيرية فيكون عدم إمكان التوقع وقت وقوع الحادث ذاته ( [11] ) .

589 – استحالة الدفع : ويجب أيضاً أن تكون القوة القاهرة أو الحادث الفجائي مستحيل الدفع . فإذا أمكن دفع الحادث حتى لو استحال توقعه ، لم يكن قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً . كذلك يجب أن يكون الحادث من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً ، وأن تكون الاستحالة مطلقة ، فلا تكون استحالة بالنسبة إلى المدين وحده ، بل استحالة بالنسبة إلى أي شخص يكون في موقف المدين ( [12] ) . وهذا هو الذي يميز بين نظرية القوة القاهرة ونظرية الحوادث الطارئة ، فقد رأينا في نظرية الحوادث الطارئة أن تنفيذ الالتزام يصبح مرهقاً لا مستحيلاً .

ويستوي أن تكون استحالة التنفيذ مادية أو أن تكون معنوية . فإذا استحال على المدين معنوياً تنفيذ الالتزام ، كما لو كان مغنياً وتعهد بإحياء حفلة غنائية فمات عزيز عنده يوم الحفلة وكان لذلك في نفسه أثر بالغ يستحيل معه أن يقبل على الغناء . كان الحادث قوة قاهرة . والقاضي هو الذي يقدر ما إذا كانت هناك استحالة معنوية . وعليه أن يحتاط في تقدير ذلك ( [13] ) .

590 – تطبيقات عملية : ونورد هنا بعض تطبيقات عملية لحوادث تجمع بين الشرطين المتقدمين فيصح وصفها بأنها قوة قاهرة أو حادث فجائي .

فالحرب قد تكون قوة قاهرة بما ينجم عنها من أحداث مادية ومن أزمات اقتصادية ، ما دامت مستحيلة الدفع غير متوقعة . والذي يجب أن يستحيل توقعه ودفعه ليس هو الحرب ذاتها . بل ما خلفته من أحداث واضطرابات فإذا هاجم العدو بلداً ، ودخلها فاتحاً ، وطرد منها سكانها ، كان هذا الحادث قوة قاهرة تعفى المستأجر من التزاماته المترتبة على عقد الإيجار ، والوديع من التزامه بالمحافظة على الوديعة ، والمقاول من التزامات المقاولة ، وهكذا وشرط ذلك كما قدمنا أن يكون المدين لمي توقع هذا الغزو ولم يستطع دفعه . أما إذا كانت الظروف التي تحيط بالمدين تمكنه من اتخاذ احتياطات معقولة ولم يتخذها ، كان هذا خطأ في جانبه يحقق مسئوليته إذا تسبب عنه ضرر . وقد تكون الحرب سبباً في تقلب سعر العملة وانقطاع المواصلات وغلاء الحاجيات والمواد الأولية ، فتكون قوة قاهرة ترفع المسئولية عن المدين في هذه الأحوال .

وكالحرب صدور تشريع أو أمر إداري واجب التنفيذ ( fait du prince ) أو وقوع زلزال ، أو حريق ، أو غرق ، أو هبوب عاصفة ، أو حدوث مرض طارئ ، أو إضراب غير متوقع ، أو سرقة . أو تلف ، أو نحو ذلك من الحوادث ما دام شرطاً استحالة التوقع واستحالة الدفع قد توافر ( [14] ) .

وقد تنطوي حوادث السيارات على قوة قاهرة أو حادث فجائي ، كما إذا انفجرت آلة . أو انكسرت عجلة ، أو انزلقت السيارة في أرض زلجة ، أو اعترضتها عقبة مفاجئة ، أو بهر بصر السائق نور خاطف . والمهم أن يتوافر شرطا استحالة التوقع واستحالة الدفع ( [15] ) .

وذعر حيوان على أثر وقوع صاعقة ، وانسعار الكلب ، كل هذا قد يكون قوة قاهرة أو حادثاً فجائياً إذا كان غير ممكن التوقع مستحيل الدفع ( [16] ) .

591 – أثر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي هو السبب الوحيد في وقوع الضرر ، انعدمت علاقة السببية ، ولا تتحقق المسئولية كما قدمنا .

وقد يكون من أثر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي لا الإعفاء من تنفيذ الالتزام ، بل وقف تنفيذه حتى يزول الحادث . فيبقى الالتزام موقوفاً على أن يعود واجب التنفيذ بعد زوال الحادث .

هذا ويجوز للطرفين أن يعدلا باتفاقهما من أثر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ، ويترتب على ذلك أنه يجوز لهما أن يتفقا على أن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي لا يخلى المدين من التزامه ، أو أن يتفقا على عدم إخلاء المدين من التزامه عند وقوع حادث معين كالإضراب أو الحرب ( [17] ) .

 $ 2 – خطأ المضرور

592 – وضع المسألة : نستبعد صورة لا محل للكلام فيها لوضوح حكمها : ألا يقع من المدعى عليه خطأ ما ، ثابت أو مفروض ، ويقع الضرر بفعل المضرور نفسه . فقد خرجنا هنا عن نطاق المسئولية التقصيرية . إذ لا يوجد أمامنا مسئول . فالمضرور هو الذي ألحق بنفسه الضرر ، وكان هذا بفعله ، سواء كان هذا الفعل خطأ أو غير خطأ .

وإنما يكون الكلام في خطأ المضرور إذا وقع من المدعى عليه خطأ ثابت أو مفروض ووقع في الوقت ذاته خطأ من المضرور ، ويراد أن نعرف أثر خطأ المضرور في مسئولية المدعى عليه . ويشترط في هذه الحالة أن يكون ما وقع من المضرور يعتبر خطأ وأن يكون له شأن في إحداث الضرر .

أما أن يكون ما وقع من المضرور يعتبر خطأ . فذلك لأن مجرد الفعل الذي يصدر من المضرور ولا يكون خطأ لا يصح أن يكون من شأنه أن يمحو أو يخفف من مسئولية المدعى عليه . وإلا لتعذر على المضرور أن يرجع بتعويض كامل عما أصابه من الضرر . فهو إذا دهسه القطار أو السيارة قد شارك بفعله في إحداث هذا الضرر : ألم يمش في الطريق فدهمته السيارة! ألم يحاول إدراك القطار فدهسه! وقل أن يصاب شخص بضرر دون أن يكون لفعل صدر منه دخل فيه ، وإنما يصح أن يؤثر الفعل الصادر من المضرور في مسئولية المدعى عليه إذا كان هذا الفعل خطأ . ويقاس الخطأ هما بمعياره المعروف : انحراف المضرور في سلوكه عن المألوف من سلوك الرجل المعتاد . وكل ما قيل هناك في خطأ المسئول يقال هنا في خطأ المضرور ( [18] ) .

وأما أن يكون خطأ المضرور له شأن في إحداث الضرر ، فذلك لأن المدعى عليه إنما يحتج به لأن له علاقة بالضرر الذي وقع ، فلو لم يكن لهذا الخطأ شأن في إحداث الضرر لما كان للمدعى عليه أن يحتج به ( [19] ) .

فإذا تحقق أن وقع من المدعى عليه خطأ ومن المضرور خطأ آخر ، وكان لكل من الخطأين شأن في إحداث الضرر ( [20] ) ، وجب أن نعرف إلى أي حد يؤثر خطأ المضرور في المسئولية التي نجمت عن خطأ المدعى عليه . وهنا يجب أن نميز بين ما إذاك أن أحد الخطأين قد استغرق الخطأ الآخر ، أو بقى كل من الخطأين مستقلاً عن الخطأ الآخر فتكوَّن منهما خطأ مشترك .

593 – استغراق أحد الخطأين للخطأ الآخر : إذا استغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر ، لم يكن للخطأ المستغرق من أثر . فإذا كان خطأ المدعى عليه هو الذي استغرق خطأ المضرور ، كانت مسئولية المدعى عليه كاملة لا يخفف منها خطأ المضرور . أما إذا كان خطأ المضرور هو الذي استغرق خطأ المدعى عليه ، فإن مسئولية المدعى عليه ترتفع لانعدام رابطة السببية .

ويستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر في حالتين : الحالة الأولى إذا كان أحد الخطأين يفوق كثيراً في جسامته الخطأ الآخر . والحالة الثانية إذا كان أحد الخطأين هو نتيجة الخطأ الآخر .

594 – الحالة الأولى – أحد الخطأين يفوق كثيراً في جسامة الخطأ الآخر : مهما كان أحد الخطأين يفوق في جسامته الخطأ الآخر . فإنه لا يتصور أن الخطأ الأشد يستغرق الخطأ الأخف إلا في صورتين : الصورة الأولى هي صورة ما إذا كان أحد الخطأين هو خطأ عمدي ، والصورة الثانية هي صورة ما إذا كان أحد الخطأين هو رضاء المضرور بما وقع عليه من الضرر وذلك في بعض الأحوال وهي قليلة .

ففي الصورة الأولى يكون أحد الطرفين ، المدعى عليه أو المضرور ، أراد إحداث الضرر متعمداً ، أما الآخر ف صدر منه خطأ غير متعمد . فإذا كان المدعى عليه هو الذي أراد إحداث الضرر متعمداً ، كانت مسئوليته متحققة ، ووجب عليه تعويض كامل لما أحدثه من الضرر حتى لو كان خطأ المضرور غير المتعمد له دخل في إحداث الضرر . ذلك أن تعمد المدعى عليه إحداث الضرر هو وحده الذي نقف عنده سبباً لوقوع الضرر ، أما خطأ المضرور فلم يكن إلا ظرفاً استغله المدعى عليه لإتمام قصده من إحداث الضرر . فإذا تعمد سائق السيارة أن يدهس رجلاً مكفوف البصر يسير في الطريق دون قائد ، لم يجز له أن يحتج بخطأ المضرور لتخفيف مسئوليته ، ولا يسمع منه في معرض الدفاع عن نفسه أن المضرور سار في الطريق دون قائد وهو مكفوف البصر فيكون قد أخطأ ، ذلك أن السائق تعمد دهس المضرور ولم يكن خطأ المضرور إلا ظرفاً استغله السائق في إنفاذ نيته . أما إذا كان المضرور هو الذي تعمد إلحاق الضرر بنفسه ، استغرق خطؤه خطأ المدعى عليه ، وارتفعت مسئولية المدعى عليه لانعدام رابطة السببية كما قدمنا ، فلو أن شخصاً أراد الانتحار فانتهز فرصة أن سائقاً يسير بسرعة تجاوز الحد المفروض ، فألقى بنفسه أمام السيارة ، فهو وحده الجاني على نفسه ، ولا يجوز أن يحتج –هو لو نجا أو ورثته لو مات – بأن السائق كان يسير بسرعة فائقة وكان ذلك خطأ ، فإن تعمده الانتحار هو وحده الذي نقف عنده سبباً لوقوع الضرر ، أما خطأ المدعى عليه فلم يكن إلا ظرفاً استغله المضرور لتنفيذ قصده ( [21] ) .

وفي الصورة الثانية يكون المضرور قد رضى بما وقع عليه من الضرر . ويجب بادئ الأمر أن نرسم الدائرة التي يعتبر المضرور فين طاقها راضياً بالضرر . فرضاء المضرور بالضرر منزلة وسطى بين إرادته إلحاق الضرر بنفسه ومجرد علمه بالضرر . فقد يرضى المضرور بالضرر ولكنه لا يريده .

كما يقع ذلك في المبارزة ، فكل من المتبارزين قد رضى أن يموت أو أن يجرح ولكنه لا يريده لنفسه هذا الضرر . وقد يعلم المضرور بالضرر ولكنه لا يرضى به ، فمن اشترك في إحدى الألعاب الرياضية يعلم بما عسى أن ينجم من ضرر عن هذه اللعبة ولكن لا يمكن القول بأنه رضى بهذا الضرر إلا بقدر ما تنطوي عليه اللعبة في العادة من أخطار . فلعب الكرة أو ” التنس ” لا ينطوي عادة على خطر . فمن اشترك فيه يمكن أن يقال عنه إنه يعلم بالضرر ولكنه لم يرض به . ” والبوكس ” والمصارعة تنطوي عادة على خطر ، فمن اشترك فيهما يمكن أن يقال عنه إنه يعلم بالضرر وقد رضى به . وصيد البط يعلم الصائد فيه بالضرر ولكنه لم يرض به ، أما صيد الوحوش المفترسة فقد علم فيه الصائد بالضرر ورضى به . والذي يعنينا هنا هو أن يكون المضرور قد رضى بالضرر ، فلا يرتفع إلى حد أن يريده ، ولا ينزل إلى مجرد العلم به . والقاعدة أن رضاء المضرور بالضرر ليس من شأنه أن يزيل عن فعل المدعى عليه صفة الخطأ ، ولا يزال المدعى عليه خطئاً حتى لو رضى المضرور بما وقع عليه من الضرر . فالطبيب إذا أجرى لمريض عملية جراحية خطرة في غير ما ضرورة يكون مخطئاً حتى لو رضى المريض بإجراء هذه العملية . والمهندس إذا نفذ تصميماً معيباً يكون مخطئاً حتى لو رضى عمليه بهذا التصميم . فرضاء المضرور بالضرر لا يمنع إذن من أن يكون فعل المدعى عليه خطأ . ولكن هل يستغرق رضاء المضرور هذا الخطأ كما استغرقه إرادة المضرور للضرر فيما سبق لنا أن بيناه؟ واضح أن هناك فرقاً ظاهراً بين أن يريد المضرور الضرر وبين أن يرضى به . وإذا كان معقولاً في الحالة الأولى أن يستغرق خطأ المضرور خطأ المدعى عليه ، فليس من المعقول أن يكون مجرد رضاء المضرور بالضرر من شأنه أن يستغرق خطأ المدعى عليه . فالأصل إذن أن رضاء المضرور يترك فعل المدعى عليه كما هو ، فال يزيل عنه صفة الخطأ ولا يستغرقه . ويكون المدعى عليه مسئولاً عما أحدثه بخطئه من الضرر مسئولية كاملة . ولكن قد يكون رضاء المضرور بالضرر يعد خطأ منه . ففي هذه الحالة يخفف هذا الخطأ من مسئولية المدعى عليه كما هو الشأن في الخطأ المشترك . فينظر في كل حالة هل كان المضرور مخطئاً عندما رضى بالضرر ( [22] ) . ويكون في أكثر الأحوال مخطئاً . فمن رضى أن يركب سيارة غير سليمة وهو عالم بذلك ، أو ترك سائق السيارة يسوقها وهو في حالة سكر بين ، أو دفع السائق أن يسير بسرعة فائقة . يكون قد رضى بالضرر ويعد رضاؤه هذا وخطأ من شأنه أن يخفف من مسئولية السائق . ومن رضى بإجراء عملية تجميل خطرة بالغرم من نصح الطبيب له بعدم إجرائها يكون قد رضى بالضرر رضاؤه خطأ يخفف من مسئولية الطبيب . ولكن إذا رضى بإجراء العملية مع علمه بخطرها وكان رضاؤه بناء على إشارة الطبيب . لم يكن هذا الرضاء خطأ ولم يكن من شأنه أن يخفف من مسئولية الطبيب . وكذلك الحكم إذا أقدم المهندس على تشييد بناء معيب وكان ذلك برضاء العميل . فإن كان الرضاء قد وقع بالرغم من نصح المهندس كان خطأ يخفف من مسئوليته ، وإن كان قد وقع بناء على إشارة المهندس لم يكن خطأ وبقيت مسئولية المهندس كاملة . هذا وفي بعض الأحوال القليلة قد يصل خطأ المضرور في رضائه بالضرر حداً من الجسامة يجعل من شأنه أن يستغرق خطأ المدعى عليه ، فتنتفي المسئولية عن هذا لانعدام رابطة السببية . فصاحب السفينة الذي يرضى عن بينة بنقل مهربات حربية فتصادر سفينته ، لا يرجع بشيء على صاحب المهربات ( [23] ) . والمرأة البالغة سن الرشد غير الغرة إذا انقادت عن شهوة إلى معاشرة خليلها لا ترجع عليه بالتعويض ( [24] ) . وإذا اتفق أهالي بلدين على المضاربة معاً ، ومات أحدهم في أثناء المضاربة ، فلا حق لورثته في التعويض لأنه هو الذي عرض نفسه باختياره إلى القتل ( [25] ) . وهذه الأحوال القليلة هي التي أشرنا إليها وفيها يستغرق رضاء المضرور بالضرر خطأ المدعى عليه .

595 – الحالة الثانية – أحد الخطأين هو نتيجة الخطأ الآخر : إذا كان خطأ المضرور هو نتيجة خطأ المدعى عليه ، استغرق الخطأ الثاني الخطأ الأول . واعتبر خطأ المدعى عليه هو وحده الذي أحدث الضرر ، وتكون مسئولية المدعى عليه مسئولية كاملة . فإذا ركب شخص مع صديق له في سيارة يقودها هذا الصديق مسرعاً في سيره بها . فنجم عن هذا السير السريع خطر دفع الراكب تحت تأثير الفزع إلى أن يأتي بحركة خاطئة التماساً للنجاة . ناضر بنفسه . كان خطأ المضرور هنا هو نتيجة لخطأ المدعى عليه ، فاستغرق خطا الصديق خطأ الراكب . وتحققت مسئولية الصديق كاملة ( [26] ) . وكذلك يكون الحكم إذا ارتكب المريض خطأ في علاج نفسه . وكان ذلك بناء على إشارة خاطئة من الطبيب . فإن خطأ الطبيب يستغرق خطأ المريض إذ الخطأ الثاني ليس إلا نتيجة للخطأ الأول . فيكون الطبيب مسئولاً عن التعيض كاملاً . وهذا هو شأن الموكل يخطئ إتباعا لنصيحة خاطئة من محاميه ، فيستغرق خطأ المحامي خطأ الموكل لأن الخطأ الثاني هو نتيجة الخطأ الأول .

أما إذا كان خطأ المدعى عليه هو نتيجة خطأ المضرور . فإن خطأ المضرور هو الذي يستغرق خطأ المدعى عليه . ولا نقف إلا عند خطأ المضرور سبباً للضرر الذي وقع . فلا تتحقق مسئولية المدعى عليه لانعدام رابطة السببية . فإذا دهس سائق السيارة أحد العابرة . وأثبت أن المضرور تحول فجأة من جانب الطريق إلى الجانب الآخر دون أي احتياط وكان هذا الخطأ هو السبب الوحيد للإصابة . فقد أثبت أن الخطأ المفروض في جانبه – وهو الخطأ في الحراسة – ليس إلا نتيجة خطأ المضرور . واستغرق خطأ العاب خطأ السائق ، وانعدمت علاقة السببية ما بين خطأ السائق والضرر . فانتفت مسئولية السائق إذ اعتبر خطأ المضرور هو وحده السبب وفي وقوع الضرر ( [27] ) .

596 – الخطأ المشترك : فإذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر ، بل بقيا تميزين كل منهما اشترك في إحداث الضرر مستقلاً ، كان للضرر سببان : خطأ المدعى عليه وخطأ المضرور . وهذا ما يسمى بالخطأ المشترك ( faute commune ) ( [28] ) .

والأصل أن كلا من الخطأين يعتبر سبباً في إحداث الضرر . إذ لولاه لما وقع هذا الضرر . ولما كان كل من المدعى عليه والمضرور مسئولاً بقدر ما أحدث من ضرر . وكان خطأ كل منهما سبباً لوقوع الضرر كله كما قدمنا ، فإن المسئولية تكون بالتساوي بينهما . ويكون المدعى عليه مسئولاً عن نصف الضرر .ويتحمل المضرور النصف الآخر فلا يرجع على المدعى عليه إلا بنصف الضرر ( [29] ) . ولو أن المدعى عليه شخصان لا شخص واحد ، وكانا هما والمضرور مسئولين بالتساوي ، فغن المضرور يرجع على أي منهما بثلثي الضرر لأنه تحمل الثلث الباقي ولأن المدعى عليهما المتضامنان في الثلثين . وهكذا توزع المسئولية على المدعى عليهم والمضرور على عدد الرؤوس ( par part virite ) . وفي هذا تطبيق خاص لقاعدة تعدد المسئولين . فقد نصت المادة 169 من القانون المدني الجديد على أنه ” إذا تعدد المسئولين عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر . وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ” . ووجه أن التطبيق خاص هنا هو أنه يوجد بين المسئولين المتعددين المضرور نفسه ، فيجب أن يدخل في الحساب عند توزيع المسئولية . فيتحمل نصيباً منها بالتساوي مع المسئولين المتعددين .

على أن القانون المدني الجديد لم يترك هذه المسألة الهامة دون أن يفرد لها نصاً خاصاً . فقضى في المادة 216 بأنه ” يجوز للقاضي أن ينقص مقدار التعويض ، أو ألا يحكم بتعويض ما ، إذا كان الدائن بخطئه قد اشترك في إحداث الضرر أو زاد فيه ( [30] ) ” . فالمضرور ، طبقاً لهذا النص . لا يتقاضى تعويضاً كاملاً ، بل يتحمل نصيبه في المسئولية . ونبادل إلى ملاحظة أمرين في شأن النص : أولهما أن يقول ” يجوز للقاضى أن ينقص مقدار التعويض ” ومعنى الجواز في الإنقاص احتمالاً لا ينقص القاضي من التعويض شيئاً ، ويكون ذلك في حالة ما إذا كان خطأ المضرور قد استغرقه خطأ المدعى عليه على النحو الذي بيناه . والأمر الثاني أن النص يقول ” أو لا يحكم بتعويض ما ” ، ويكون ذلك في حالة ما إذا كان خطأ المدعى عليه قد استغرقه خطأ المضرور في الصور التي أسلفنا ذكرها ( [31] ) .

بقى أن كلاً من النصين – المادة 169 والمادة 216 – يدع مجالاً للقاضي أن يوزع التعويض على المسئولين المتعددين ، ومن بينهم المضرور نفسه ، لا على عدد الرؤوس أي بالتساوي فيما بينهم ، بل على أساس آخر . والظاهر أن هذا الأساس الآخر هو جسامة الخطأ الذي صدر من كل من المسئولين وفي هذا يتمشى القانون المدني الجديد مع القضاء المصري ( [32] ) ، والقضاء الفرنسي ( [33] ) . ونصوص التقنينات الحديثة ( [34] ) . ولا يلجأ القاضي إلى التوزيع على عدد الرؤوس إلا إذا لم يستطع أن يحدد جسامة كل خطأ ، فعندئذ يفرض التكافؤ فيها جميعاً ، ويجري التوزيع بالتساوي على المسئولين ومنهم المضرور نفسه ( [35] ) .

هذا ويمكن تطبيق القاعدة المتقدمة في حالة ما إذا كان كل من الطرفين مسئولاً ومضروراً في الوقت ذاته . كما إذا تصادمت سيارتان . فأصاب السيارة الأولى ضرر قدر بمبلغ خمسين جنيهاً, وأصاب السيارة الثانية ضرر قدر بمبلغ عشرين جنيهاً . وثبت الخطأ في جانب كل من السائقين . أما الضرر الذي أصاب السيارة الأولى وقدره خمسون جنيهاً فيقسم بين السائقين بحسب جسامة الخطأ . فإذا فرض أن القاضي لم يستطع أن يتبين هذه الجسامة قسم بالتساوي ، فيكون السائق الثاني مسئولاً قبل السائق الأول بمبلغ خمسة وعشرين جنيهاً . وأما الضرر الذي أصاب السيارة الثانية وقدره عشرون جنيهاً فإنه يقسم أيضاً بالتساوي بين السائقين . فيكون السائق الأول مسئولاً قبل السائق الثاني بمبلغ عشرة جنيهات . وبعد أن تجري المقاصة يدفع السائق الثاني إلى السائق الأول في النهاية خمسة عشر جنيهاً ( [36] ) .

 $ 3 – خطأ الغير

597 – وضع المسألة : نستبعد هنا أيضاً ، كما فعلنا عند بحث خطأ المضرور ، حالة ما إذا لمي قع من المدعى عليه خطأ ما ، ثابت أو مفروض ، ووقع الضرر بفعل الغير وحده . فإن فعل الغير إذا كان هو السبب الوحيد في إحداث الضرر ، فإن كان خطأ كان الغير وحده هو المسئول ، وإن لم يكن خطأ كان من قبيل القوة القاهرة أو الحادث الفجائي فلا يكون أحد مسئولاً .

أما إذا وقع خطأ من المدعى عليه ، واشترك في إحداث الضرر مع هذا الخطأ فعل الغير ، كان هناك محل للتساؤل عن أثر فعل الغير في مسئولية المدعى عليه . ويشترط هنا أيضاً كما اشترط في فعل المضرور أن يكون فعل الغير خطأ له شأن في إحداث الضرر .

فإذا لم يكن فعل الغير خطأ فليس له أثر في مسئولية المدعى عليه . ويشترط هنا أيضاً كما اشترط في فعل المضرور أن يكون فعل الغير خطأ له شأن في إحداث الضرر .

فإذا لم يكن فعل الغير خطأ فليس له أثر في مسئولية المدعى عليه ، وكان هذا وحده هو المسئول ، وكانت مسئوليته كاملة . فلا بد إذن أن يكون فعل الغير خطأ . ويقاس الخطأ بمعياره المعروف : الانحراف عن السلوك المألوف للرجل المعتاد . ولابد كذلك أن يكون خطأ الغير له شأن في إحداث الضرر ، وإلا لما جاز للمدعى عليه أن يحتج به إذ لا علاقة له بالضرر ( [37] ) .

ويجب ألا يكون الغير الذي ارتكب الخطأ من بين الأشخاص الذي يعتبر المدعى عليه مسئولاً عنهم . فلو كان هذا الغير ولداً للمدعى عليه أو تلميذاً أو تابعاً ، فلا يكون للخطأ الصادر منه أثر في مسئولية المدعى عليه نحو المضرور ( [38] ) .

وليس من الضروري أن يكون الغير معروفاً ، فقد يقوم الدليل على أن الحادث كان من بين أسبابه خطأ صدر من شخص ثالث وقد هرب دون أن يعرف ، ويبقى مع ذلك خطأ هذا الغير مؤثراً في مسئولية المدعى عليه ( [39] ) .

598 – أثر خطأ الغير في خطأ المدعى عليه – استغراق أحد الخطأين للآخر : إذا كان لكل من خطأ المدعى عليه وخطأ الغير شأن في إحداث الضرر ، وكان أحد الخطأين يستغرق الخطأ الآخر ، اعتبر الخطأ المستغرق هو وحده السبب في إحداث الضرر . فإذا استغرق خطأ المدعى عليه خطأ الغير ، كان المدعى عليه وحده هو المسئول مسئولية كاملة ، ولا أثر لخطأ الغير في هذه المسئولية . أما إذا استغرق خطأ الغير خطأ المدعى عليه ، فالغير وحده هو المسئول مسئولية كاملة ، ولا أثر لخطأ المدعى عليه في هذه المسئولية .

ويستغرق أحد الخطأين الآخر – كما بينا في صدد الكلام في خطأ المضرور – إذا كان خطأ متعمداً أو كان هو الذي دفع إلى ارتكاب الخطأ الآخر . ولا يرد هنا ما رأيناه في خطأ المضرور من أن رضاءه قد يستغرق خطأ المدعى عليه ، فإنه إذا أمكن أن يتصور استغراق رضاء المضرور لخطأ المدعى عليه ، فلا يتصور أن خطأ المدعى عليه يستغرقه رضاء الغير .

599 – تعدد المسئولين : فإذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر ، بقيا قائمين ، واعتبر أن كلاً منهما سبب في إحداث الضرر . وهذه هي حالة تعدد المسئولين ، فقد اشترك مع المدعى عليه شخص آخر في إحداث الضرر ، فأصبح المسئول أكثر من شخص واحد .

وقد نصت المادة 169 من القانون المدني الجديد ، السابق ذكرها ، على هذه الحالة . فقضت بما يأتي :

 ” إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر ، وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي ، إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ( [40] ) ” .

ويلاحظ أن النص قرر التضامن فيما بين المسئولين ، فيجوز إذن للمضرور أن يرجع على أي من المدعى عليه أو الغير بالتعويض كاملاً ( [41] ) . ثم يتقاسم المسئولان الغرم فيما بينهما : والأصل بحسب النص أن تكون القسمة بالتساوي على عدد الرؤوس ، إلا إذا استطاع القاضي أن يحدد جسامة كل من الخطأين فيجوز له أن يجعل القسمة بحسب جسامة الخطأ . وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام في خطأ المضرور ( [42] ) .

600 – اشتراك خطأ المدعى عليه وخطأ الغير وخطأ المضرور في إحداث الضرر : وقد يساهم في إحداث الضرر خطأ أول يثبت في جانب المدعى عليه ، وخطأ ثان يثبت في جانب الغير ، وخطأ ثالث يثبت في جانب المضرور . ففي هذه الحالة يتحمل المضرور ، وقد ثبت خطأ في جانبه ، ثلث الضرر ، ويتحمل المدعى عليه والغير متضامنين بالثلثين الباقين . فيرجع المضرور بثلثي التعويض على المدعى عليه أو على الغير ، ويرجع من دفع الثلثين على المسئول الآخر بالثلث . هذا ما لم ير القاضي أن يكون التوزيع لا على عدد الرؤوس بل بحسب جسامة خطأ كل من الثلاثة ( [43] ) .


 ( [1] ) مارتو ( Marteau ) في رسالته ” السببية في المسئولية المدنية ” إكس سنة 1914 .

 ( [2] ) ومن هنا يصح التساؤل عن الفائدة العملية لقيام السببية ركناً مستقلاً عن الضرر وعن الخطأ . وقد رأينا في مثل أنها حيث تنعدم ينعدم معها الضرر وفي مثل آخر أنها حيث تنعدم ينعدم معها الخطأ . فلا تنتفي المسئولية إذن لانعدام السببية وحدها ، بل تارة لانعدامها مع الضرر ، وطوراً لانعدامها مع الخطأ . وكان يكفي أن يقال إن الضرر أو الخطأ قد انعدم ، ومن ثم انتفت المسئولية . ولا تبدو السببية ركناً متميزاً إلا حين الكلام في السبب المنتج والسبب المباشر .

 ( [3] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 332 من المشروع التمهيدي مع بعض خلاف في اللفظ . وأقرته لجنة المراجعة بعد تغيير كلمة ” المصاب ” بكلمة ” المضرور ” ، وأصبح رقمه المادة 169 في المشروع النهائي . وأقره مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة حول النص . وكان من رأي أحد الأعضاء أن يكون المبدأ في المسئولية التقصيرية هو افتراض الخطأ ، وتحمل التبعة ، فلا يستطيع المسئول أن يتخلص من المسئولية إلا إذا نفى علاقة السببية بإثبات السبب الأجنبي . فرد عليه بأنه لا توجد شريعة اتخذت كأساس للمسئولية مبدأ تحمل تبعة الخطأ والخطأ المفروض فقط ، وغنما يجب إثبات الخطأ لقيام المسئولية كمبدأ عام ، ثم ترد استثناءات على هذا المبدأ يؤخذ فيها بالخطأ المفروض . وانتهت اللجنة إلى إقرار النص تحت رقم المادة 165 . ووافق عليه مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 361 – ص 369 ) .

 وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص والنصوص التالية ما يأتي : ” تستظهر المواد من 232 إلى 235 سلسلة متصلة الحلقات من الأحكام ، تتناول تعيين أحوال ارتفاع المسئولية والتخفيف منها . وقد درج الفقه على التفريق بين أحوال ارتفاع المسئولية لانعدام رابطة السببية كما هو الشأن في السبب الأجنبي ، وأحوال ارتفاعها بسبب انتفاء الخطأ كما يقع ذلك في حالة الدفاع الشرعي وحالة صدور أمر من رئيس وحالة الضرورة . ومهما يكن من شأن هذه التفرقة فمن الأنسب من الناحية العملية أن تحشد هذه الأحوال المختلفة في صعيد واحد باعتبار أن فكرة انتفاء المسئولية تنتظمها جميعاً . ويقع عبء إثبات الخطأ على المضرور وتكون القرائن القضائية عادة سبيله إلى التماس الدليل . بل إنه يسوغ لمن أحدث الضرر أن يثبت وجود السبب الأجنبي وينفي بذلك مسئوليته باستبعاد كل قرينة عليها . وللمحدثين من الفقهاء تحليل أدق في هذا الشأن . فمن رأيهم أن المضرور إذا أقام الدليل على المسئولية بإثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما ، فلمن أحدث الضرر عندئذ أن يسقط الدليل على علاقة السببية هذه بإثبات السبب الأجنبي ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 377 – ص 378 ) .

 ( [4] ) يكون السبب الأجنبي عادة أحد هذه الأسباب الثلاثة . ولكن هذا البيان لم يرد على سبيل الحصر كما هو واضح من النص . وقد جاء في المذكرة الإ]ضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويكون هذا السبب ( الأجنبي ) بوجه عام حادثاً فجائياً أو قوة قاهرة – وليس ثمة محل للتفريق بينهما – أو خطأ وقع من المضرور أو من الغير . على أن هذا البيان غير وارد على سبيل الحصر . فقد يكون السبب الأجنبي عيباً لاصقاً بالشيء المختلف أو مرضاً خاص المضرور ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 378 ) .

 ( [5] ) وقد رأينا في المسئولية العقدية أن علاقة السببية تلتقى أيضاً بإثبات السبب الأجنبي ، وكل ما سنذكره في شأن السبب الأجنبي ، من حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ، ينطبق في كلتا المسئوليتين : المسئولية التقصيرية والمسئولية العقدية .

 ( [6] ) رادوان ( Radouant ) ( في الحادث الفجائي والقوة القاهرة باريس سنة 1920 ص 173 وما بعدها ) ولأبيه ( المجلة الانتقادية سنة 1870 ص 115 ) يقولان إن القوة القاهرة والحادث الفجائي تعبير أن يكمل أحدهما الآخر ، فالتعبير الأول يبرز خصيصة استحالة الدفع ، والتعبير الثاني يبرز خصيصة عدم إمكان التوقع ، ولكن لا بد من اجتماع الخصيصتين معاً في الحادث حتى تنعدم السببية . ولكن هذا الرأي يجعل التمييز ما بين القوة القاهرة والحادث الفجائي معدوم الفائدة من الناحية العملية .

 ( [7] ) كولان وكابيتان الطبعة العاشرة جزء 2 فقرة 126 .

 ( [8] ) جوسران الطبعة الثالثة جزء 2 فقرة 451 وما بعدها .

 ( [9] ) أنظر في هذا المعنى مازو 2 فقرة 1559 – فقرة 1561 ومراجع الفقه والقضاء التي يشير إليها .

 ( [10] ) ويندرج في شرط استحالة الدفع أن يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً كما سنرى .

 ( [11] ) استئناف مختلط في 20 يناير سنة 1902 م 15 ص 92 – وفي 8 فبراير سنة 1911 م 23 ص 159 – وفي 15 ديسمبر سنة 1927 – م 40 ص 81 .

 ( [12] ) استئناف مختلط في 8 فبراير سنة 1911 م 23 ص 159 .

 ( [13] ) مازو 2 فقرة 1570 .

 ( [14] ) مازو 2 فقرة 1578 – فقرة 1589 .

 ( [15] ) مازو 2 فقرة 1599 – فقرة 1605 .

 ( [16] ) مازو 2 فقرة 1606 . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن مسئولية الحكومة المصرية عن عدم إمداد أحد المحضرين بالحماية الكافية في أثناء قيامه بمأمورية خطرة تخضع للقواعد العامة ، ومن ثم يجب إثبات خطأ في جانب الحكومة وقيام سببية مباشرة ما بين هذا الخطأ والضرر الذي أصاب المحضر . ولا يجوز أن يكون الخطأ الذي سبب الضرر مباشرة في هذه الحالة هو ما قيل من رفض رئيس البوليس المحلي إعطاء المحضر قوة كافية لحمايته عندما طلب ذلك ، ما دام لم يثبت أن الاعتداء على المحضر ، الذي كان مفاجئاً بقدر ما هو عنيف ، لم يكن في هذه الظروف من المستطاع تفاديه ( استئناف مختلط في 29 مايو سنة 1941 م 53 ص 208 ) .

 ( [17] ) مازو 2 فقرة 1615 – فقرة 1621 . وانظر فقرة 654 فيما يلي .

 ( [18] ) وإذا كان للمدعى عليه أن يحتج بخطأ المضرور على النحو الذي سنبينه كان له أيضاً أن يحتج بهذا الخطأ على ورثة المضرور . فإذا كان المضرور قد أخطأ ، وكان خطؤه سبباً في وقوع الحادث الذي انتهى بموته ، كان للمدعى عليه أن يحتج بخطأ المضرور على ورثته كما كان يستطيع أن يحتج بهذا الخطأ على المضرور نفسه لو بقى حياً . هذا إذا كان الوارث يرفع دعوى المضرور باعتباره وارثاً . أما إذا تقدم أصيلاً في دعوى المسئولية باعتبار أنه قد أصابه ضرر مباشرة من موت المصاب ، فلا يجوز للمدعى عليه في هذه الحالة أن يحتج عليه بخطأ المصاب إلا بالقدر الذي يستطيع به الاحتجاج بخطأ الغير ، إذ أن المضرور الأصلي في الغرض الذي نحن بصدده هو الوارث ، والمصاب يعتبر من الغير بالنسبة إليه . ولكن يلاحظ أن الوارث إذا طالب بالتعويض كاملاً ، فإن المدعى عليه من حقه أن يرجع على المصاب في تركته بقدر مسئوليته . ويكون الوارث مسئولاً عن ذلك في حدود نصيبه في التركة . ويلاحظ كذلك أنه يجوز الاحتجاج على الوارث بخطئه هو ، كما لو كان المصاب طفلاً دهسته سيارة والوارث أبوه وقد أخطأ في القيام بواجبه من الرعاية لطفله بتركه إياه دون رقيب .

 ( [19] ) ولا نعرض هنا لما إذا كان المضرور قد استطاع إثبات أن الضرر ليس له إلا سبب واحد هو خطأ المدعى عليه أو استطاع المدعى عليه إثبات أن فعل المضرور هو وحده سبب الضرر . ففي الحالة الأولى يكون المدعى عليه مسئولاً عن تعويض الضرر تعويضاً كاملاً ، ولا دخل لفعل المضرور أو لخطئه في الضرر الذي حدث . وفي الحالة الثانية يكون فعل المضرور وحده هو السبب فيما أصابه من ضرر ، ولا دخل لخطأ المدعى عليه في هذا الضرر فلا تتحقق مسئوليته أصلاً .

 ( [20] ) ومن التطبيقات القضائية لهذا الوضع ما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة من أنه إذا لم يقف سائق التزام في المحطة ومع ذلك تسلق أحد الركاب على نحو غير مسموح به دون أن يلتفت إليه السائق وعلى غير انتظار ، فأصيب من جراء ذلك ، فإن السائق لا يكون مسئولاً ( استئناف مختلط في 23 يونية سنة 1948 م 61 ص 13 ) . أما إذا نزل الراكب عند تهدئة السائق للسير وهو يقترب من محطة إجبارية فإنه لا يرتكب إلا خطأ يسيراً جداً يجبه خطأ السائق إذا كان هذا بعد التهدئة لم يقف ، بل عاود السير بعد أن ترك الركاب يظنون أن هذه التهدئة أمام المحطة الإجبارية سيعقبها الوقوف ( استئناف مختلط في أول ديسمبر سنة 1948 م 61 ص 22 ) . وفي قضية أخرى هدأ السائق من سيره أمام محطة إجبارية ولكنه لم يقف ، وكان أحد الطلبة قد تعلق بمركبة ، وأسرع السائق في السير ، فسقط الطالب بين عجلات الترام ومات في المستشفى ، فاعتبرت المحكمة أن هناك خطأ مشتركاً بين السائق الذي أسرع بعد أن أوهم الناس أنه سيقف في المحطة الإجبارية وبين الطالب الذي تعلق بالمركبة والتزام يسير ولو بعد تهدئة السير ( استئناف مختلط في 16 فبراير سنة 1949 م 61 ص 57 ) . وإذا قامت الإدارة بأعمال حفر في الطريق العام ، فحفرت خندقاً في عرض شارع رئيسي ، وأتى راكب الموتوسيكل وهو يعلم بوجود الخندق ولم يقلل السرعة ، كان خطأ مشترك ( استئناف مختلط في 25 مارس سنة 1942 م 54 ص 149 ) .

 أنظر أيضاً : استئناف مختلط في 15 مارس سنة 1900 م 12 ص 157 ( صاحب ماكينة طحين كان من واجبه أن يحتاط فيقيم إفريزاً يفصل ما بينه وبين الطريق العام ) – وفي 28 يناير سنة 1926 م 38 ص 207 ( شخص حكم عليه من محكمة غير مختصة فلم يستأنف الحكم ورجع على الضامن ، فتمسك الضامن بخطأ المدعى في عدم استئناف الحكم ) – وفي 27 نوفمبر سنة 1940 م 53 ص 21 ( أعطى الكمارى إشارة المسير قبل الأوان ، والطفل لم تحافظ عليه مرافقته ، فالخطأ مشترك ) – وفي 26 يونية سنة 1941 م 53 ص 238 ( خطأ مشترك بين سائق السيارة وأحد المارة ) .

أنظر أيضاً في تطبيقات قضائية في فرنسا مازو 2 فقرة 1471 – فقرة 1474 – 4

 ( [21] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان المجني عليه تعمد الإضرار بنفسه ، فانتهز فرصة خطأ الجاني واتخذه وسيلة لتنفيذ ما تعمده من إيقاع الضرر بنفسه ، فلا يقضي له بتعويض ( نقض جنائي في 28 نوفمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 401 ص 815 ) . وتدق الحالة لو أن كلاً من المدعى عليه والمضرور قد أراد إحداث الضرر ، كما إذا دفع مصاب بمرض مستعص طبيباً في أن يخلصه من حياته . وعندنا أنه إذا لم يستغرق خطأ المريض خطأ الطبيب في هذه الحالة ، وبقى خطأ الطبيب قائماً ، ولم تنتف المسئولية عن طريق انتفاء الخطأ ، فإنها تنتفي عن طريق انتفاء الضرر ، فإن الطبيب لم يحدث ضرراً بمريض خلصه من حياة شقية .

 ( [22] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي أنه ” لا ينبغي أن يعتد بذلك الرضاء إلا حيث يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية . وفي حدود هذا الجواز فحسب ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 550 ) . ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك حالة ما إذا كان رضاه المضرور بالضرر يعتبر خطأ منه ، فتتبع في هذه الحالة قواعد الخطأ المشترك .

 ( [23] ) استئناف مختلط في 22 يونية سنة 1898 م 10 ص 328 .

 ( [24] ) استئناف مختلط في 12 يناير سنة 1928 م 40 ص 134 .

 ( [25] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 24 يناير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 6 ص 183 – وأنظر أيضاً محكمة الاستئناف الوطنية في 20 مايو سنة 1906 الحقوق 21 ص 215 ( لا تعويض لأحد في حالة تقاذف طرفي الخصوم ) – وبني سويف في 19 يونية سنة 1922 المحاماة 3 رقم 16 ص 38 ( لا تعويض في حالة تضارب فريقين وإصابة أحدهم بضربة أفضت إلى موته ) .

 ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض بأن كل مضاربة تتضمن بطبيعتها واقعتين بالنسبة إلى كل متضارب ، واقعة يكون هو فيها جانباً على غيره والأخرى يكون مجنياً عليه من هذا الغير . فمن يطلب التعويض منهما تطبق على طلبه قواعد المسئولية المدنية . ويقدر التعويض بحسب جسامة خطأ غريمه الناشئ عنه الضرر مع مراعاة مبلغ اشتراكه هو في إحداث الضرر لنفسه أو تسببه فيه . ثم يقضي له بالتعويض الذي يستحقه أو يرفض طلبه متى كان خصمه أيضاً قد طلب تعويضاً فوجدت المحكمة بعد البحث على الطريقة المتقدمة أن تعويض خصمه يعادل تعويضه أو وجدت أنه يربو على تعويضه فأوقعت المقاصة بين التعويض ، وقضت لخصمه بالزائد . وكل ما تجريه المحكمة من ذلك يجب بيانه في الحكم ، ولا يكفي في ذلك قول المحكمة من بادئ الأمر إنه ما دام كل فريق قد اعتدى على الآخر فقد سقط حقه في طلب التعويض على كل حال لأن هذا مخالف لقواعد المسئولية ( نقض جنائي في 28 نوفمبر سنة 1933 المحاماة 13 رقم 401 ص 815 ) : ونرى من ذلك أن محكمة النقض لم تذهب إلى أن المضاربة تنطوي على عنصر رضاء المضرور بالضرر ، بل تعتبر كل متضارب معتدياً ومجنياً عليه . فتأخذ منه بقدر ما اعتدى وتعطى له بقدر ما اعتدى عليه . وإذا كان هذا صحيحاً في المضاربة بوجه عام ، إلا أن الاتفاق على المضاربة – وهو أقرب ما يكون إلى المبارزة – ينطوي كما هو ظاهر على معنى رضاء المضرور بالضرر الذي قد يقع عليه .

 ( [26] ) أنظر في هذا المعنى نقض مدني في 26 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 162 ص 489 .

 ( [27] ) وقد جرى القضاء في فرنسا ، لتيسير عبء الإثبات على السائق ، على أن يسمح للسائق بإثبات أن خطأ المضرور كان لا يمكن توقعه ولا يستطاع دفعه ، فيكون هذا الخطأ بمثابة القوة القاهرة ( أنظر في هذا القضاء مازو 2 فقرة 1527 – 2 ) .

 ( [28] ) التعبير غير دقيق ، فالخطأ ليس مشتركاً ارتكبه الاثنان معاً ، بل هما خطآن مستقلان أحدهما ارتكبه شخص والثاني ارتكبه الآخر ( لالو فقرة 348 – مازو 2 فقرة 1507 ) .

 ( [29] ) أنظر تحليلاً آخر يقرب مما قدمناه في مازو 2 فقرة 1511 . وسنرى أن القضاء يميل إلى توزيع المسئولية بحسب جسامة الخطأ .

 ( [30] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 294 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” على أنه يجوز للقاضي أن ينقص مقدار التعويض ، أو ألا يحكم بتعويض ما ، إذا كان الدائن بخطئه قد اشترك في إحداث الضرر ، أو زاد فيه ، أو كان قد سوأ مركز المدين ” . وقد أقرته لجنة المراجعة ، وأصبح رقم المادة 223 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب .

 وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ حذفت عبارة ” أو سوأ مركز المدين ” ، لأنه يحسب إعمال القواعد العامة في هذه الحالة ولا سيما أن الحالة التي أغفلت تدخل ضمن إحداث الضرر أو الزيادة فيه . وأصبح رقم المادة 216 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 548 – ص 551 ) .

 وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” تعرض هذه المادة لحكم الخطأ المشترك ، وهو يسري على المسئولية التعاقدية والمسئولية التقصيرية على حد سواء . وقد تقدمت الإشارة إلى أن القاضي لا يحكم بالتعويض متى أقام المدين الدليل على أن الضرر نشأ عن خطأ الدائن وحده ، وأثبت بذلك وجود السبب الأجنبي . وكما أن حق الدائن في التعويض يسقط عند إنفراده بإحداث الضرر بخطئه ، كذلك لا يكون من حقه أن يقتضى تعويضاً كاملاً إذا اشترك بخطئه في إحداث هذا الضرر أو زاد فيه أو سوأ مركز المدين . ويتوقف مقدار ما ينقص من التعويض بوجه خاص على مبلغ رجحان نصيب الدائن أو المدين في إحداث الضرر . وقد جعلت المادة 354 من التقنين الألماني من هذا الترجيح عنصراً من عناصر التوجيه ، فنصت على أنه ” إذا كان الخطأ المضرور نصيب في إحداث الضرر عند وقوعه توقف قيام الالتزام بالتعويض ومدى التعويض الواجب أداؤه على الظروف ، وبوجه خاص على مبلغ رجحان نصيب أي من الطرفين في إحداث الضرر ” . وليس بمتنع إزاء ذلك أن يرجح نصيب الدائن في إحداث الضرر رجاناً يثير أمره البحث في قيام الالتزام بالتعويض بأسره . وهذا هو المعنى الذي قصدت المادة 294 إلى استظهاره بنصها على أن للقاضي ” ألا يحكم بتعويض ما ” . ويراعى أن رضاء المضرور بالضرر الحادث لا يؤخذ لزاماً عليه بوصفه خطأ يبرر انتقاص التعويض فالتقنين الألماني لا يجعل من هذا الرضاء سبباً للانتقاص ( م 254 ) على نقيض ما يقضي به التقنين السويسري ( م 44 فقرة 1 ) في هذا الشأن . فلا ينبغي أن يعتد بذاك الرضاء إلا حيث يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية ، وفي حدود هذا الجواز فحسب . وتعين فكرة الخطأ المشترك على ضبط حدود فكرة تقاربها ، هي فكرة ” النتيجة الطبيعية ” أو ” المألوفة ” لتخلف المدين . فقد تترتب على هذا التخلف نتائج يتفاوت مدى بعدها عنه ، وبذلك يسفر الموقف عن حلقات متسلسلة من الضرر لا يدري لدى أيها ينبغي الوقوف . ومناط الحكم في هذه الحالة هو فكرة النتيجة الطبيعية أو المألوفة . فيعتبر من قبيل النتائج الطبيعية أو المألوفة التي يجب التعويض عنها كل ضرر لم يكن في وسع الدائن عقلاً أن يحول دون وقوعه . ذلك أن امتناعه عن اتخاذ الحيطة المعقولة لحصر هذا الضرر في أضيق حدوده يكون بمنزلة الخطأ ، وبعبارة أخرى يترتب على هذا الامتناع قيام خطأ مشترك يستتبع الانتقاص من التعويض ، بل وسقوط الحق فيه أحياناً . وقد طبق القانون الألماني تلك الفكرة فنص في المادة 254 على وجوب إنقاص التعويض بل وسقوط الحق فيه ” إذا انحصر خطأ المضرور في عدم تنبيه المدين إلى خطر ضرر بالغ الجسامة لم يكن يعلم به ولم يكن يتحتم عليه العلم به أو في عدم دفع هذا الخطر أو الحد منه ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 549 – 550 ) .

 هذا وقد ورد في المادة 216 أن القاضي ينقص مقدار التعويض إذا كان الدائن بخطئه قد زاد في إحداث الضرر . ومثل ذلك شخص يجرح في حادث ، فيهمل في علاج نفسه ، فيزيد في الضرر ( استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1897 م ) ص 387 – وفي 24 يونية سنة 1903 م 15 ص 359 ) . ومثل ذلك أيضاً حادث يصيب منزلاً فيجعله غير قابل للسكنى مدة معينة ، فيهمل صاحب المنزل في إصلاحه ، وتطور من جراء ذلك المدة التي يبقى فيها المنزل غير صالح للسكنى ، فلا يتحمل المسئول ضرر ما طال من هذه المدة ( أنظر في هذا المعنى استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1945 م 57 ص 158 ) . أنظر أيضاً : استئناف مختلط في 2 أبريل سنة 1903 م 15 ص 226 – وفي 27 ديسمبر سنة 1905 م 18 ص 52 – وفي 23 نوفمبر سنة 1910 م 23 ص 30 – وفي 4 مارس سنة 1914 م 26 ص 259 – وفي 14 يونية سنة 1916 م 28 ص 429 – وفي 30 يونية سنة 1917 – حاريت 7 رقم 166 ص 470 – وفي 11 مايو سنة 1921 جازيت 12 رقم 28 ص 48 – وفي أول يونية سنة 1921 م 33 ص 361 – وفي 18 مايو سنة 1922 م 34 ص 413 – وفي 24 يناير سنة 1923 م 35 ص 185 – وفي 29 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 58 – وفي 10 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 – وفي أول مارس سنة 1928 جازيت 18 رقم 239 ص 303 – وفي 6 فبراير سنة 1930 م 42 ص 258 .

 ولكن المضرور لا يتحمل خطأ الغير في زيادة الضرر وعلى المسئول أن يرجع على هذا الغير . فإذا أحدث شخص كسراً في أحد أعضاء جسم المضرور ، ووقع خطأ في جبر الكسر تسبب عنه زيادة الضرر ، فالمضرور لا يكون مسئولاً عن هذا الخطأ وله أن يتقاضى من المسئول تعويضاً عن زيادة الضرر ، وللمسئول أن يرجع على من وقع منه الخطأ في جبر الكسر ( استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1934 م 46 ص 296 ) .

 ( [31] ) ونحن نفرض في غالب ما قدمناه أن كلاً من الخطأ الذي وقع من المسئول والخطأ الذي وقع من المضرور هو خطأ واجب الإثبات وقد ثبت في جانب كل منهما . وقد يكون الخطأ مفترضاً في جانب أي منهما أو في جانب كليهما .

 مثل الخطأ المفترض في جانب المسئول أن يرتكب صبي في رعاية أبيه خطأ يلحق ضرراً بشخص آخر . فيرجع المضرور على الأب يطالبه بتعويض الضرر على أساس خطأ مفترض في جانب الأب . فيثبت الأب خطأ في جانب المضرور ، فهل له أن يحتج بهذا الخطأ ليخلص من المسئولية كلها أو بعضها؟ يستطيع الأب بادئ الأمر أن يثبت أنه لم يخطئ في رعاية ولده ، فينفي بذلك الخطأ المفترض في جانبه ، ويخلص من المسئولية بتاتاً . ولكن إذا عجز الأب عن نفي الخطأ في جانبه ، فهل له أن يحتج بما أثبته من خطأ المضرور؟ ما دام قد ثبت خطأ في جانب المضرور فالضرر على أقل تقدير له سببان لا سبب واحد : خطأ المضرور الثابت وخطأ الأب المفترض . فتطبق قواعد الخطأ المشترك ، وتقسم المسئولية بين المضرور والأب . وستطيع الأب أن يخلص من المسئولية كلها إذا هو أثبت أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بواجب الرعاية بما ينبغي من العناية ( أنظر المادة 173 فقرة 3 من القانون المدني الجديد ) . وقد يكون الخطأ المفترض في جانب المسئول لا يقبل إثبات العكس . مثل ذلك سائق السيارة يدهس عابراً في الطريق ويثبت خطأ في جانب المضرور – هنا أيضاً خطأ مشترك ، خطأ العابر الثابت وخطأ السائق المفترض ، فتقسم المسئولية بين السائق والعابر . ويستطيع السائق أن يخلص من المسئولية كلها إذا هو أثبت أن الخطأ في الحراسة ، وهو الخطأ المفترض في جانبه ، لا دخل له في إحداث الضرر ، وأن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بواجبه في الحراسة كما ينبغي . ومن ذلك أن يثبت أن خطأ المضرور كان لا يمكن توقعه ولا يستطاع دفعه فيكون بمثابة القوة القاهرة ، وقد مر بيان ذلك . والمهم في الصورة التي نحن بصددها أن السائق لا يستطيع الخلاص من المسئولية الخطأ المفترض في جانبه ، لأن الخطأ هنا لا يقبل إثبات العكس ، وهذا بخلاف الصورة الأولى حيث ستطيع الأب أن ينفي الخطأ المفترض في جانبه كما قدمنا .

ومثل الخطأ المفترض في جانب المضرور أن سائق السيارة ، وهو يريد أن يتفادى دهس عابر كان يسير في الطريق دون احتياط ، ينحرف عن الجادة ويصطدم بحائط فيصاب بضرر . فالسائق في هذا المثل هو المضرور . فهل يستطيع العابر الذي كان يسير في الطريق دون احتياط فثبت الخطأ في جانبه أن يحتج بخطأ مفترض في جانب السائق؟ لا يجوز ذلك إطلاقاً ، لأن الخطأ المفترض في جانب السائق إنما فرض لمصلحة من يصيبه السائق بالضرر ، فهو خطأ مفترض في مصلحة المضرور . والمضرور هنا هو السائق كما قدمنا ، فلا يقوم الخطأ المفترض ضد مصلحته . ويتبنى على ذلك أن المسئول ، وهو عابر الطريق ، لا يستطيع أن يحتج على السائق بخطأ مفترض ، ويبقى خطأه هو – وهو السير في الطريق دون احتياط – السبب الوحيد في إحداث الضرر ، وتكون مسئوليته عن هذا الضرر كاملة .

ومثل الخطأ المفترض في جانب كل من المسئول والمضرور أن تصطدم سيارتان ولا يستطيع أحد من السائقين أن يثبت خطأ في جانب السائق الآخر . فإذا أصيبت إحدى السيارتين دون الأخرى بالضرر ، فإن سائق السيارة غير المصابة يكون مسئولاً عن هذا الضرر كاملاً ، ولا يستطيع أن يحتج بخطأ مفترض في جانب سائق السيارة المصابة كما رأينا فيما تقدم . أما إذا أصيبت السيارتان معاً بالضرر ، فإن كلاًم ، السائقين يعوض السائق الآخر تعويضاً كاملاً ما أصاب سيارته من الضرر ، ولا يستطيع أن يحتج عليه بخطأ مفترض في جانبه . ولا يجوز القول إن الخطأ المفترض في جانب سائق يتهاتر مع الخطأ المفترض في جانب السائق الآخر ، فيتخلص كل منهما من المسئولية بتاتاً ، فإن هذا معناه أن الخطأ يفترض ضد مصلحة المضرور ، وهذا غير مستساغ كما بينا .

 ( أنظر في هذا الموضوع مازو 2 فقرة 1515 – فقرة 1537 ) .

 ( [32] ) وقد وضعت محكمة النقض المبدأ الذي يسير عليه القضاء المصري في هذا الصدد فيما قضت به من أنه إذا كان المضرور قد أخطأ أيضاً ، وساهم هو الآخر بخطئه في الضرر الذي أصابه ، فإن ذلك يجب أن يراعى في تقدير مبلغ التعويض المستحق له ، فلا يحكم له على الغير إلا بالقدر المناسب لخطأ هذا الغير ، لأن كون الضرر الذي لحق المضرور ناشئاً عن خطأين ، خطئه هو وخطأ غيره ، ذلك يقتضي توزيع مبلغ التعويض بينهما بنسبة خطأ كل منهما ، وبناء على عملية تشبه المقاصة لا يكون الغير ملزماً إلا بمقدار التعويض المستحق عن كل ضرر منقوصاً منه ما يجب أن يتحمله المضرور بسبب الخطأ الذي وقع منه ( نقض جنائي في 2 أبريل سنة 1945 المحاماة 27 رقم 200 ص 486 ) .

 وقضت هذه المحكمة أيضاً قبل ذلك بأن المادة 151 من القانون المدني ( القديم ) قد نصت على إلزام : من يقع منه فعل ضار بالغير بتعويض الضرر الذي ترتب على فعله ، فإذا كان المضرور قد أخطأ هو الآخر وساهم في الضرر الذي أصابه ، فإن ذلك ، وإن كان يجب أن يراعى عند تقدير التعويض الذي يطالب به المضرور ، لا يصح أن يكون سبباً لرفع المسئولية المدنية عمن اشترك معه في حصول الضرر . وإذن فإذا كان الحكم قد قضى برفض الدعوى المدنية بناء على ما قاله من ” تكافؤ السيئات ” ، وكان المستفاد من البيانات التي أوردها أنه إنما قصد أن المحبي عليهم وقع من جانبهم هم أيضاً خطأ في حق أنفسهم ، ولم يقصد أن الخطأ تسبب عنه أي ضرر بالمدعى عليه ، فإن هذا يكون مقتضاه أن يحكم للمجنى عليهم بالتعويض مع مراعاة درجة خطئهم من الجسامة ( نقض جنائي في 2 نوفمبر سنة 1942 المحاماة 23 رقم 208 ص 517 ) . وقضت الدائرة المدنية من محكمة النقض بمثل ذلك فقالت إنه وإن كان ما يراه قاضي الموضوع من إثبات مساهمة المضرور في الفعل الضار لتوزيع المسئولية بينه هو ومن اشترك معه في إحداث الضرر متعلقاً بفهم الواقع في الدعوى ولا رقابة عليه لمحكمة النقض ، فإن وصف الأفعال التي وقعت من المضرور في الحادث الضار وأسس عليها اشتراكه فيه هو من التكييف الذي تراقبه هذه المحكمة ،و إذا كان مجرد ركوب شخص مع صديق له في سيارة يقودها هذا الصديق مسرعاً في سيره بها هو مما لا يعتبر في بعض الصور اشتراكاً في الخطأ الذي وقع فيه قائد السيارة ، وإذا كان مجرد قيام هذا الراكب تحت تأثير الفزع بحركة ما التماساً للنجاة فأضر بنفسه لا يعتبر كذلك اشتراكاً في خطأ القائد ، فإنه لا شك في أن مساهمة هذا الراكب في الاتفاق مع قائدة السيارة على إجراء مسابقة بها هي مما يجعله مخطئاً كالمتسابقين ومشتركاً معهم في خطئهم ومسئولاً عما يحدث من جراء ذلك . والأصل أن الضرر المترتب على فعل مضمون ومهدر يسقط فيه ما يقابل المهدر ويعتبر ما يقابل المضمون ، فينبغي إذن أن يستنزل من التعويض ما يقابل الفعل الذي ساهم به المضرور في الضرر ، ويعتبر الفعل الذي وقع من الغير ( نقض مدني في 26 يناير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 162 ص 489 ) .

 وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة كذلك أن توزيع المسئولية فيما بين المدينين المتضامنين يكون بحسب جسامة الخطأ الذي صدر من كل منهم ( استئناف مختلط في 22 أبريل سنة 1942 م 54 ص 172 – وأنظر أيضاً : استئناف مختلط في 18 مايو سنة 1922 م 34 ص 413 ) .

 وأحكام القضاء المصري من وطني ومختلط كثيرة في هذا الموضوع . أنظر : استئناف وطني في 31 ديسمبر سنة 1912 المجموعة الرسمية 14 رقم 35 ص 65 ( صدمة تسببت من إهمال في قيادة عربة وثبت أنه كان في إمكان المجني عليه منع الحادثة لو لم يكن تحت تأثير الحشيش ) – استئناف وطني في 7 يناير سنة 1914 الشرائع 1 رقم 334 ص 186 ( طفلة عمرها ثلاث سنوات دهسها القطار بسبب ترك السور الذي يحول بين منزل والدها وقضبان السكك الحديدية بدون ملاحظة فأزال العمال من الأعمدة لتقصير الطريق إلى منازلهم : خطأ مشترك من مصلحة السكك الحديدية ؟؟ وحدها خارج المنزل ) – استئناف مصر الوطنية في 21 نوفمبر سنة 1927 المحامة 8 رقم 235 ص 315 – وفي 31 يناير سنة 1928 المحاماة 8 رقم 492 ص 806 ( إهمال السائق والمجني عليه ) . وقد يذهب القضاء إذا كان خطأ المضرور فاحشاً إلى حد أن يجعل هذا الخطأ يستغرق خطأ المسئول : استئناف وطني في 3 ديسمبر سنة 1907 المجموعة الرسمية ) رقم 48 ص 107 . شخص أصابه ضرر من مصادمة وقعت بإهمال مصلحة السكك الحديدية ، فرفض طلب التعويض لأنه كان موجوداً خارج باب العربة في أثناء سير القطار – استئناف وطني في أول ديسمبر سنة 1915 الشرائع 3 رقم 52 ص 233 ( يمر الأهالي من غير المزلقان الذي أعدته المصلحة للجمهور فدهم أحدهم القطار فقتله ، فاستغرق خطأ المضرور خطأ المسئول ورفض طلب التعويض – استئناف مختلط في 13 مارس سنة 1930 م 42 ص 358 ) تلميذ صغير عمره ) سنوات : لا خطأ على والده أن يتركه يذهب إلى المدرسة بمفرده ) – استئناف مختلط في 5 مارس سنة 1931 م 43 ص 266 ( مثل القضية السابقة ) – استئناف مختلط في ) مارس سنة 1938 م 50 ص 162 ( خطأ مشترك لأن والد بنت صغيرة تركها في الشارع المزدحم بالحركة دون رقيب ) . استئناف مختلط في 21 فبراير سنة 1945 م 57 ص 104 ( التعويض الذي يعطي لقريب الميت في حالة الخطأ المشترك يكون هو أيضاً مخففاً كما لو كان الميت هو الذي يطالب شخصاً بالتعويض ) . أمثلة أخرى من قضاء محكمة الاستئناف المختلطة : استئناف مختلط في 2 فبراير سنة 1887 بوريللي م 213 رقم 15 – وفي 13 يونية سنة 1888 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 13 ص 255 – وفي 12 يونية سنة 1890 م 2 ص 421 – وفي 4 نوفمبر سنة 1896 م ) ص 5 – وفي أول يونية سنة 1898 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 23 ص 306 – وفي 17 يونية سنة 1908 م 20 ص 276 – وفي 2 أبريل سنة 1931 م 43 ص 331 – وفي 20 يناير سنة 1932 م 44 ص 130 – وفي 15 يونية سنة 1932 م 44 ص 376 – وفي 16 يونية سنة 1932 م 44 ص 383 – وفي 4 مايو سنة 1933 م 45 ص 265 – وفي 18 فبراير سنة 1937 م 49 ص 115 – وفي 25 مايو سنة 1938 م 50 ص 322 .

 وهناك أحكام قليلة لمحكمة الاستئناف المختلطة توزع التعويض بعدد الرؤوس لا بحسب جسامة الخطأ : استئناف مختلط في 14 نوفمبر سنة 1917 م 30 ص 31 – وفي 15 ديسمبر سنة 1921 م 34 ص 57 .

 هذا ولا يكون هناك خطأ مشترك إذا كان ثمة خطآن متميزان كل منهما أحدث أثراً مستقلاً عن الآخر . فإذا سلم قلم الكتاب شهادة خاطئة ترتب عليها إدراج دائن في المرتبة الأولى خطأ ، فلا يجوز لقلم الكتاب أن يحتج على هذا الدائن بأنه هو أيضاً أخطأ في أنه جعل قيده يمتد إلى أموال غير مملوكة لمدينه ما دام مال المدين المأخوذ عليه القيد يكفي لوفاء الدين في المرتبة التي أدرج فيها الدائن خطأ ( استئناف مختلط في 13 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 83 ) . وكذلك إذا كان خطأ المضرور ليس سبباً مباشراً في إحداث الضرر ، كما إذا علقت عجلات عربة بشريط الترام عن خطأ من السائق ، وبينما هو يعالج تخليص العربة مدة ربع ساعة إذا بترام أتى مسرعاً سرعة غير عادية فقتل السائق ، فإن سائق الترام وحده هو المسئول لا سائق العربة ( استئناف مختلط في 15 نوفمبر سنة 1922 م 35 ص 25 ) .

 ( [33] ) أنظر في تحليل القضاء الفرنسي مازو 2 فقرة 1512 .

 ( [34] ) التقنين الألماني م 254 – التقنين البولوني م 158 فقرة 2 – المشروع الفرنسي الإيطالي م 78 .

 ( [35] ) وفي هذا ، كما جاء في مازو 2 بقية ظاهرة من ميل القضاء إلى قياس التعويض على أساس جسامة الخطأ ، مما يلبس الخطأ المدني لباساً ذاتياً يقر به من الخطأ الجنائي ( أنظر في نقد هذا مازو 2 فقرة 1512 ) . على أن هذ هو الحل العملي العادل ، وهو إذا تعارض مع المنطق المحض ، فإنه يبقى مع ذلك حلاً إنسانياً يصعب الانحراف عنه . وهذا ما يقوله حتى نفس الأستاذين مازو ( أنظر مازو 2 فقرة 1973 ص 821 ) . ومع ذلك فإن المادة 169 من القانون المدني الجديد تجعل الأصل أن تكون القسمة فيما بين المسئولين بالتساوي على عدد الرؤوس ، وسيأتي بيان ذلك ( أنظر فقرة 599 في الهامش ) .

 ( [36] ) ويتبين من ذلك أن كلاً من السائقين يتحمل في النهاية نصف مجموع الضررين ( 50 + 20 ÷2 = 35 ) . فالسائق الأول أصيب بضرر ق دره خمسون جنيهاً ، تقاضى منه خمسة عشر جنيهاً ، فيتحمل في النهاية ضرراً قدره خمسة وثلاثون جنيهاً . والسائق الثاني أصيب بضرر قدره عشرون جنيهاً ، ثم دفع للسائق الأول خمسة عشر جنيهاً ، فيكون قد تحمل في النهاية ضرراً قدره خمسة وثلاثون جنيهاً هو أيضاً .

 هذا ويختلف حل المسألة ذاتها لو أن الخطأ كان مفترضاً في جانب كل من السائقين . فقد قدمنا أن كلاً من السائقين في هذه الحالة يعوض السائق الآخر عن الضرر الذي أصابه تعويضاً كاملاً . فيكون السائق الأول مسئولاً إزاء السائق الثاني بمبلغ عشرين جنيهاً ، ويكون السائق الثاني مسئولاً إزاء السائق الأول بمبلغ خمسين جنيهاً ، فتقع المقاصة . ويبقى السائق الثاني مسئولاً إزاء السائق الأول بمبلغ ثلاثين جنيهاً . وكان في الصورة الأخرى مسئولاً بمبلغ خمسة عشر جنيها فقط .

 ( [37] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا انتزع المالك منقولات المستأجر وبضائعه بعد أن أخذ مشورة أحد المحامين وطبقاً لهذه المشورة ، فانتفت نية الغش وهي ضرورية لوجود الجريمة ، فمن ناحية المسئولية المدنية ، حيث لا يجوز الجهل بالقانون بتاتاً ، وحيث تقوم المسئولية على مجرد الخطأ ، لا يكون لمشورة المحامي أي أثر ( استئناف مختلط في 26 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 127 ) . فيلاحظ أن المحكمة في هذه القضية لم تجعل لخطأ الغير ( وهو هنا المحامي ) أثراً في مسئولية المالك . وهذا بخلاف ما إذا كان الضرر من خطأ المحامي قد وقع على المالك مباشرة ، فقد رأينا أن الخطأ يكون مشتركاً في هذه الحالة . ولعل المحكمة اعتبرت في القضية التي نحن بصددها أن خطأ المالك ، وهو يعمل تحت مسئوليته في تصرفه نحو الغير ، قد استغرق خطأ المحامي .

 ( [38] ) وينبني على ذلك أن خطأ الولد أو التلميذ أو التابع لا يجوز أن يستغرق خطأ المدعى عليه ، بل يبقى هذا دائماً هو المسئول نحو المضرور ، ويدفع له التعويض كاملاً ، ولكن هذا لا يمنع من رجوع المدعى عليه ببعض هذا التعويض أو كله على الغير الذي ارتكب الخطأ ولو كان هو مسئولاً عن هذا الغير نحو المضرور .

 أما إذا لم يكن المدعى عليه مسئولاً عن الغير ، فالخطأ الذي يصدر من هذا الأخير يكون من شأنه أن يؤثر في مسئوليته ، بل يجوز أن يستغرق خطأه ، حتى لو قامت علاقة بين المدعى عليه والغير ، فإذا ترك صاحب السيارة سيارته لأحد من أهله أو من أصدقائه ، وهو ليس مسئولاً عنه ، وارتكب القريب أو الصديق خطأ ، عد خطأ صادراً من الغير ، وجاز أن يستغرق خطأ المدعى عليه .

 ( [39] ) يحوز أن يستغرق خطأ هذا الغير المجهول خطأ المدعى عليه .

 ( [40] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 236 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار ، كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر . 2 – ويرجع من دفع التعويض بأكمله على كل من الباقين بنصيب يحدده القاضي حسب الأحوال وعلى قدر جسامة الخطأ الذي وقع من كل منهم ، فإن استحال تحديد قسط كل منهم في المسئولية تكون القسمة سوية بينهم ” . وفي لجنة المراجعة أقر النص بعد إدخال تعديلات لفظية ، وأصبح رقم المادة 173 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة حول جعل التضامن فيما بين المسئولين إجبارياً بحكم القانون أو اختيارياً بحكم القاضي ، وحول الأساس الذي تقوم عليه قسمة التعويض فيما بين المسئولين . وانتهى رأي اللجنة إلى أنها حذفت الفقرة الثانية من النص ، وأضافت إلى الفقرة الأولى عبارة ” وتكون المسئولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض ” . وقد روعى في هذه الإضافة أن يكون الأصل هو المساواة في المسئولية بين من وقع منهم الفعل الضار ، إلا أن للقاضي أن يعدل في نصيب كل منهم في التعويض حسب تقديره للظروف . وأصبح رقم المادة 169 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 382 – ص 389 ) .

 وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” لا يقتصر هذا النص على تقرير التضامن بين من يشتركون في إحداث ضرر معين عند رجوع المضرور عليهم ، وهو ما يقضي به التقنين المصري الحالي في المادة 150 / 211 ، بل يتناول فوق ذلك تعيين كيفية رجوع المسئولين فيما بينهم إذا قام أحدهم بأداء التعويض بأكمله . ففيما يتعلق برجوع المضرور على المسئولين عن العمل الضار يكون هؤلاء متضامنين دون حاجة للتفريق بين المحرض والفاعل الأصلي والشريك ، على نحو ما فعل تقنين الالتزامات السويسري في المادة 50 ( أنظر أيضاً المادتين 108 / 99 من التقنين التونسي والمراكشي والمادة 1301 من التقنين النمساوي ) . ويلاحظ أن هذه المادة نفسها تنص أيضاً على مخفى الشيء المسروق لا يلتزم بالتعويض إلا إذا أصاب نصيباً من الربح أو أحدث ضرراً بمعاونته . ويؤدي هذا إلى التفريق بين حالتين : ( الأولى ) حالة وقوع الفعل الضار من أشخاص متعددين دون أن يكون في الوسع تعيين من أحدث الضرر حقيقة من بينهم ، أو تحديد نسبة مساهمة كل منهم في إحداثه ، وفي هذه الحالة لا يكون ثمة معدى عن تقرير التضامن بينهم جميعاً ( أنظر المادتين 109 / 100 من التقنين التونسي والمراكشي والمادة 830 من التقنين الألماني ) . ( والثانية ) حالة إمكان تعيين محدثي الضرر من بين من وقع منهم الفعل الضار رغم تعددهم وإمكان تحديد نصيب كل منهم في إحداثه ، وفي هذه الحالة لا يسأل كل منهم إلا عن الضرر الحادث بخطئه ، ولا يسألون البتة على وه التضامن ( أنظر المادة 136 من التقنين البولوني والمادة 1302 من التقنين النمساوي ) وهذا هو حكم حالة الإخفاء التي تقدمت الإشارة إليها في التقنين السويسري . أما فيما يتعلق برجوع المسئولين فيما بينهم عند التضامن ، فيحدد القاضي ما يؤديه كل منهم معتداً في ذلك بجسامة الخطأ الذي وقع منه ونصيب هذا الخطأ في إحداث الضرر وكل ظرف آخر من شأنه أن يكشف عن مدى مساهمة المسئول في الضرر الحادث من هؤلاء المسئولين جميعاً . فإذا استحال تحديد قسط كل منهم في المسئولية ، فتكون القسمة سوية بينهم ، إذ المفروض أن الدليل لم يقم على تفاوت تبعاتهم . وقد واجه تقنين الالتزامات السويسري حالة تعدد المسئولين عن ذات الضرر مع اختلاف أسباب المسئولية ، كأن يسأل البعض على أساس العمل غير المشروع ، والبعض على أساس التعاقد ، والبعض بمقتضى نص في القانون . وقد قضى هذا التقنين بإلزام كل منهم في هذه الصورة بأداء عين الدين إلزاماً مبتدأ ، وقرر في المادة 51 فيما يتعلق بعلاقة بعضهم بالبعض الآخر أن تبعة الضرر تقع أولاً على عاتق من أحدثه من بين المسئولين بعمل غير مشروع ، وتقع أخيراً على عاتق من يسأل عنه بمقتضى نص في القانون دون أن يكوى مسئولاً بناء على خطأ وقع منه أو بناء على التزام تعاقدي ، وغني عن البيان أن هذا الحكم لا يتيسر الأخذ به إلا بمقتضى نص خاص ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 383 – ص 384 ) .

 ( [41] ) ونحن نفرض هنا ، كما فرضنا عند بحث خطأ المضرور ، أن كلاً من الخطأ الذي وقع من المسئول والخطأ الذي وقع من الغير هو خطأ واجب الإثبات وقد ثبت في جانب كل منهما . وقد يكون الخطأ مفترضاً في جانب أي منهما أو في جانب كليهما . مثل الخطأ المفترض في جانب المسئول أب مسئول عن خطأ صدر من ابنه ، وثبت في الوقت ذاته خطأ في جانب الغير كان هو أيضاً السبب في إحداث الضرر الذي جعل الأب مسئولاً عنه ، فيجز للأب – كما قدمنا في صدد خطأ المضرور – أن يثبت أنه لم يخطئ في رعاية ولده ، فينفي الخطأ المفترض في جانبه ، ويخلص من المسئولية بتاتاً . فإذا عجز عن ذلك بقى الخطأ مفترضاً في جانبه ، وهناك خطأ آخر ثابت في جانب الغير ، فيكون الأب والغير مسئولين بالتضامن نحو المضرور تطبيقاً للمادة 169 المتقدمة الذكر . وإذا دفع الأب التعويض كاملاً للمضرور ، رجع به كله على الغير الذي ثبت الخطأ في جانبه ، ولا يستطيع الغير أن يحتج بالخطأ المفترض في جانب الأب ، لأن هذا الافتراض لم يقمه القانون إلا لصالح المضرور وحده . وإذا استطاع الأب أن يثبت أن خطأ الغير كان هو السبب الوحيد في إحداث الضرر – بأن يثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً ولو قام بواجب الرعاية كما ينبغي – تخلص من المسئولية بتاتاً حتى نحو المضرور ، ولا يستطيع هذا أن يرجع آل على الغير الذي ثبت خطأ ه ، ويرجع عليه بالتعويض كاملا ولا يرجع الغير بشيء على الأب . وقد يكون الخطأ المفترض في جانب المسئول لا يقبل إثبات العكس . مثل ذلك سائق السيارة دهس أحد العابرة ، واثبت خطأ شخص اعترض طريقه فجأة فاضطره إلى الانحراف عن الطريق فدهس العابر . هنا لا يستطيع السائق ، كما استطاع الأب في المثل السابق ، أن ينفي الخطأ عن جانبه لأنه مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس . بقي أنه اثبت خطأ الغير . فبالنسبة إلى المضرور يكون كل من السائق والغير مسئولا بالتضامن ، ويستطيع للمضرور أن يرجع على أي منهما بالتعويض كاملا . فإذا رجع على السائق رجع هذا على الغير الذي ثبت خطأه بكل ما دفعه ، ولا يستطيع الغير أن يحتج بالخطأ المفترض في جانب السائق لأن هذا الافتراض لم يقمه القانون إلا لصالح المضرور وحده . أما إذا رجع المضرور على الغير ، فلا يرجع هذا على السائق بشيء لأنه لم يثبت في جانبه خطأ ولا يجدى الخطأ المفترض في جانبه كما قدمنا . ويستطيع السائق أن يتخلص من المسئولية بتاتاً نحو المضرور إذا هو اثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام بواجبه في الحراسة كما ينبغي ، لأنه يثبت بذلك أن خطأ الغير كان هو السبب الوحيد في إحداث الضرر ، وفي هذه الحالة لا يرجع المضرور إلا على الغير ، ويرجع عليه بالتعويض كاملا ، ولا يرجع الغير بشيء على السائق . ويستطيع السائق ، الإثبات أن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام بواجبه في الحراسة ، أن يثبت أن خطأ الغير كان لا يمكن توقعه ولا يستطاع دفعه ، فيكون بمثابة القوة القاهرة ، فيخلص السائق من المسئولية على النحو الذي قدمناه ( أنظر في هذا المعنى استئناف مختلط في 31 أكتوبر سنة 1935 م 48 ص 10 – وفي 2 ابريل سنة 1941 م 53 ص 144 – وفي 25 مارس سنة 1942 م 54 ص 150 ) – وقد يزيد الضرر الذي أحدثه السائق عن الضرر الذي قصد تفاديه فلا تكون ثمة قوة قاهرة ، وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان المتهم إنما ارتكب ما ارتكبه مريداً مختاراً بعد أن وازن بين أمرين ، القضاء على حياة الغلام الذي اعترض سيارته عند مفترق الطرق أو الصعود بالسيارة على إفريز الشارع حيث وقعت الواقعة ، وكان الفعل المرتكب في حالة الضرورة لا يتناسب بحال مع ما قصد تفاديه ، بل كان بالبداهة أهم منه شأناً وأجل خطراً وأكبر قيمة ، فإن التعويض يكون واجباً إذا ما لحق الغير ضرر ( نقض جنائي في 17 نوفمبر سنة 1941 المحاماة 22 رقم 158 ص 468 – وانظر في الفقه والقضاء الفرنسيين في هذه المسألة مازو 2 فقرة 1652 – فقرة 1653 – 2 ) .

ومثل الخطأ المفترض في جانب الغير هو عين المثل المتقدم إذا اعتبر المضرور الغير الذي كان سبباً في دهس السيارة إياه هو الفاعل الأصلي فرجع عليه بالتعويض كاملا . ولا يستطيع الفاعل الأصلي أن يرجع على السائق – وقد أصبح السائق هنا هو الغير – لأنه لا يستطيع الاحتجاج بالخطأ المفترض في جانب السائق إذ أن هذا الخطأ لم يفترض إلا لمصلحة المضرور كما قدمنا . ومثل ذلك أيضاً سيارتان اصطدمتا ، فأصيب من جراء هذا الاصطدام عابر في الطريق ، واستطاع المضرور أن يثبت خطأ في جانب أحد السائقين دون الآخر ، فإن السائق الذي ثبت في جانبه الخطأ ودفع التعويض كاملا لا يستطيع الرجوع بشيء على السائق الآخر – وهو هنا الغير – إذ لا يوجد فيجانب هذا الأخير إلا خطأ مفترض .

ومثل الخطأ المفترض في جانب كل من المسئول والغير سيارتان اصطدمتا ، فأصيب عابر من جراء هذا الاصطدام ، ولم يستطيع المضرور إثبات خطأ في جانب أي من السائقين . فللمضرور الرجوع على أي منهما بالتعويض كاملا بمقتضى الخطأ المفترض . ويبقى أن نرى هل يستطيع من دفع التعويض أن يرجع على المسئول الآخر بنصيبه فيه ؟ كان القياس ألا يرجع لأنه لا يستطيع الاحتجاج بالخطأ المفترض في جانب السائق الآخر ، ولكن القول بذلك يفتح الطريق أمام المضرور للتحكم ما بين السائقين ، فأيهما يختار يضطره إلى دفع التعويض كاملا دون رجوع على المسئول الآخر . ومن أجل ذلك جرى الفقه والقضاء في فرنسا على أن يرجع السائق الذي دفع التعويض كاملا على السائق الآخر بنصيبه في هذا التعويض ( مازو 2 فقرة 1661 ) .

 ( [42] ) ولا بد أن نلاحظ هنا أن النص جعل الأصل أن تكون القسمة فيما بين المسئولين بالتساوي على عدد الرؤوس . وهذا ظاهر أيضاً من الرجوع إلى الأعمال التحضيرية للمادة 169 وقد نقلناها فيما تقدم . فقد كان المشروع النهائي ينص على القسمة تبعاً لجسامة الخطأ ثم عدل فجعل الأصل أن تكون القسمة بالتساوي . أما القضاء المصري فكان يجري على أن الأصل هو أن تكون القسمة بحسب جسامة الخطأ . فقد قضت محكمة النقض بأنه إذا تبين أن حادثة الإصابة الخطأ وقعت باشتراك شخصين في الخطا ، وجب توزيع المسئولية عليهما كل بمقدار خطئه ( نقض جنائي في 5 مارس سنة 1931 المجموعة الرسمية 32 رقم 159 / 2 ص 325 ) . وانظر أيضاً في هذا المعنى : استئناف مختلط في 3 ديسمبر سنة 1931 م 4 ص 84 – وفي 3 مايو سنة 1934 م 46 ص 275 – وفي 14 ابريل سنة 1938 م 50 ص 236 – وفي 16 يناير سنة 1946 م 58 ص 22 .

 ( [43] ) أما إذا كان هناك خطأ مفترض : فإن كان مفترضاً في جانب المضرور وحده وخطا كل من المدعى عليه والغير ثابت ، لم يحتج بهذا الخطأ المفترض على المضرور لأنه أقيم لصالحه كما قدمنا ، ورجع المضرور على أن من المسئولين بالتعويض كاملا ، ويرجع هذا بنصف التعويض على المسئول الآخر .

وإذا كان الخطأ مفترضاً في جانب المدعى عليه وحده وخطأ كل من المضرور والغير ثابت ، فالقياس أن يرجع المضرور بثلثي التعويض على أن من المدعى عليه أو الغير ، ولكن هذا الحل يجعل الغير يضار بالخطأ المفترض في جانب المدعى عليه ، إذ لو انتفى هذا الخطأ ، وبقى الخطأ الثابت في جانب كل من المضرور والغير ، لتحمل الغير نصف التعويض لا الثلثين ، لذلك يرجع المضرور في الحالة التي نحن بصددها على الغير بالنصف ولا يرجع الغير بشيء على المدعى عليه ، وإذا رجع المضرور على المدعى عليه بالنصف ، رجع المدعى عليه بما دفع كاملا على الغير ( أنظر في هذا المعنى مازو 2 فقرة 1664 ص 548 – ص 549 ) .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب الغير وحده وخطا كل من المدعى عليه والمضرور ثابت ، رجع المضرور ، للأسباب التي قدمناها في الصورة السابقة ، على المدعى عليه بنصف التعويض ، ولا يرجع هذا على الغير بشيء ، ويجوز أيضاً للمضرور أن يرجع على الغير بالنصف ، ويرجع الغير بما دفعه كله على المدعى عليه .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب كل من المضرو والممدعى عليه وخطا الغير ثابت ، رجع المضرور بالتعويض كاملا على الغير ولا يرجع هذا ابشيء على المدعى عليه . ويستطيع المضرور كذلك أن يرجع بالتعويض كاملا على المدعى عليه ، ويرجع هذا على الغير بكل ما دفعه .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب كل من المضرور والغير وخطا المدعى عليه ثابت ، رجع المضرور بالتعويض كاملا على المدعى عليه ولا يرجع هذا بشيء على الغير . كما يجوز للمضرور أن يرجع بكل التعويض على الغير ، ويرجع هذا بكل ما دفعه على المدعى عليه .

وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب كل من المدعى عليه والغير وخطا المضرور ثابت ، فليس للمضرور أن يرجع إلا بنصف التعويض على أي من المسئولين ، لأن خطأ ثبت في جانبه ، ومن دفع نصف التعويض يرجع على المسئول الآخر بنصف ما دفع أي بنصف النصف . وإذا كان الخطأ مفترضا في جانب الثلاثة جميعاً ، كما إذا اصطدمت سيارات ثلاث وأصيبت إحداها ولم يستطع السائق المضرور أن يثبت خطأ أي من السائقين الآخرين جاز للسائق المضرور أن يرجع بالتعويض كاملا على أي من السائقين الآخرين ، والسائق الذي يدفع التعويض كاملا يرجع بنصفه على السائق الآخر ( أنظر في هذا الموضوع مازو 2 فقرة 1664 ) .

نقلا عن محامي أردني

الضرر

الضرر

 ( Le prejudice )

568 – تحديد الموضوع – الإثبات : الضرر هو الركن الثاني للمسئولية التقصيرية . فليس يكفي لتحقق المسئولية أن يقع خطأ ، بل يجب أن يحدث الخطأ ضرراً ( [1] ) ونتكلم هنا في قيام الضرر في يذاته . أما الكلام في التعويض عن الضرر فمحله الفرع الخاص بآثار المسئولية .

والمضرور هو الذي يثبت وقوع الضرر به . ووقوع الضرر واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ( [2] ) .

569 – الضرر المادي والضرر الأدبي : وقد يكون الضرر مادياً يصيب المضرور في جسمه أو في ماله ، وهو الأكثر الغالب . وقد يكون أدبياً يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو أي معنى آخر من المعاني التي يحرص الناس عليها . ونتكلم في كل من هذين النوعين .

المطلب الأول

الضرر المادي

570 – شرطان : الضرر المادي هو إخلال بمصلحة للمضرور ذات قيمة مالية . ويجب أن يكون هذا الإخلال محققاً ، ولا يكفي أن يكون محتملاً يقع أو لا يقع .

فللضرر المادي إذن شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك إخلال بمصلحة مالية للمضرور . ( 2 ) أن يكون محققاً ونبحث كلاً من هذين الشرطين .

 $ 1 – الإخلال بمصلحة مالية للمضرور

571 – الضرر إخلال بحق أو بمصلحة : قد تكون المصلحة المالية للمضرور حقاً أو مجرد مصلحة مالية . ونستعرض كلاً من الفرضين .

572 – الضرر إخلال بحق للمضرور : لكل شخص الحق في السلامة : سلامة حياته وسلامة جسمه . فالتعدي على الحياة ضرر ، بل هو أبلغ الضرر وإتلاف عضو أو إحداث جرح أو إصابة الجسم أو العقل بأي أذى آخر من شأنه أن يخل بقدرة الشخص على الكسب أو يكبد نفقة في العلاج هو أيضاً ضرر مادي ( [3] ) .

والتعدي على الملك هو إخلال بحق ويعتبر ضرراً . فإذا أحرق شخص منزلاً لآخر ، أو قلع زراعته ، أو خرب أرضه ، أو أتلف له مالاً كأثاث أو عروض أو غير ذلك ، كان هذا ضرراً مادياً أصاب المضرور في حق ثابت له . وكل إخلال بحق مالي ثابت ، عينياً كان هذا الحق أو شخصياً ، هو ضرر مادي . والأمثلة على ذلك كثيرة تجتزئ بما قدمناه منها .

وقد يصيب الضرر شخصاً بالتبعية عن طريق ضرر أصاب شخصاً آخر . فالقتل ضرر أصاب المقتول في حياته ، وعن طريق هذا الضرر أصيب بضرر أولاد المقتول بحرمانهم من العائل ، وهذا عدا الضرر الأول الذي أصاب المقتول نفسه ( [4] ) . والحق الذي يعتبر الإخلال به ضرراً أصاب الأولاد تبعاً هو حقهم في النفقة قبل أبيهم ( [5] ) . وقد يكون المضرور تبعاً دائناً للمصاب لا بنفقة ولكن بحق آخر ، فالإخلال بهذا الحق يعتبر ضرراً بالتبعية . مثل ذلك دائن يطالب المدين بعمل يستوجب تدخله الشخصي ، وقد قتل المدين ، فللدائن مطالبة القاتل بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء فقد مدينه وفوات الفرصة عليه في تنفيذ العمل . أما إذا كان الدائن يستطيع أن يحصل على حقه من غير تدخل المدين ، فلا يكون ثمة ضرر . ذلك أن التركة إذا كانت موسرة استطاع الدائن أن يتقاضى منها حقه ، وإذا كانت معسرة فقد ثبت أن المدين كان معسراً قبل موته ولم يحدث للدائن ضرر بالموت .

573 – الضرر إخلال بمصلحة مالية للمضرور : وقد يكون الضرر إخلالاً لا بحق للمضرور ولكن بمجرد مصلحة مالية ليه . مثل ذلك أن يصاب عامل فيستحق معاشاً عند رب العمل ، فيكون المسئول عن إصابة العامل قد أصاب رب العمل في مصلحة مالية له إذ جعله مسئولاً عن معاش العامل ، والإخلال بالمصلحة المالية على هذا النحو يعد ضرراً . ومثل آخر للمصلحة المالية التي يصاب فيها المضرور أن يفقد عائله دون أن يكون له حق ثابت في النفقة ، وهذا بخلاف من له حق ثابت في النفقة فإن الضرر يصيبه في حق لا في مصلحة . ويقع ذلك إذا كان شخص يعول أحداً من أقاربه أو ممن يلوذ به دون أن يلزمه القانون بالنفقة عليه – فمن يعال إذا فقد العائل يكون قد أصيب في مصلحة مالية – لا في حق – إذا هو أثبت أن العائل كان يعوله فعلاً وعلى نحو مستمر دائم وأن فرصة الاستمرار على ذلك في المستقبل كانت محققة ، فيقدر القاضي ما ضاع على المضرور من فرصة بفقد عائله ويقضي له بتعويض على هذا الأساس . كذلك الضرر الذي يصيب الخطيبة من فقد خطيبها يقاس بمقدار ما كلفتها الخطبة من نفقات وبمقدار ما ضاع عليها من فرصة في إتمام الزاج ، وهذا أمر يترك تقديره للقاضي ( [6] ) .

ويراعى أن المصلحة المالية التي يعد الإخلال بها ضرراً هي المصلحة المشروعة . أما المصلحة غير المشروعة فلا يعتد بها ، ولا يعتبر الإخلال بها ضرراً يستوجب التعويض . فالخليلة لا يجوز أن تطالب بتعويض عن ضرر أصابها بفقد خليلها ، لأن العلاقة فيما بينهما كانت غير مشروعة . أما الولد الطبيعي والأبوان الطبيعيان فيجوز لهم ذلك ، لأن العلاقة فيما بينهم ، وإن كانت قد نشأت عن علاقة غير مشروعة ، هي في ذاتها مشروعة ( [7] ) .

 $ 2 – تحقق الضرر

574 – الضرر الحال والضرر المستقبل : ويجب أن يكون الضرر محقق الوقوع ، بأن يكون قد وقع فعلاً ، أو سيقع حتماً ( [8] ) .

مثل الضرر الذي وقع فعلاً – وهو الضرر الحال – هو أن يموت المضرور أو يصاب بتلف في جسمه أو في ماله أو في مصلحة مالية له على النحو الذي قدمناه .

ومثل الضرر الذي سيقع حتماً – وهو الضرر المستقبل – هو أن يصاب عامل فيعجز عن العمل ، فيعوض ليس فحسب عن الضرر الذي وقع فعلاً من جراء عجزه عن العمل في الحال ، بل وعن الضرر الذي سيقع حتماً من جراء عجزه عن العمل في المستقبل . فإذا كان هذا الضرر يمكن تقديره فوراً قدره القاضي وحكم به كاملاً . أما إذا كان لا يمكن تقديره ، فقد يرجع ذلك إلى أن الضرر يتوقف تقديره على أمر لا يزال مجهولاً ، كما إذا أصيب العامل في ساقه وتوقف تقدير الضرر على ما إذا كانت الساق ستبتر أو ستبقى . فللقاضي في هذه الحالة أن يقدر التعويض على كلا الفرضين ويحكم بما قدر ، ويتقاضى العامل التعويض الذي يستحقه وفقاً لأي من الفرضين يتحقق في المستقبل . وقد يرجع عدم إمكان التقدير في الحال إلى أن العامل سيبقى عاجزاً عن العمل عجزاً كلياً أو جزئياً طول حياته ، ولا يعلم أحد في أي وقت يموت ، فيجوز للقاضى في هذه الحالة أن يجعل التعويض إيراداً مرتباً مدى الحياة – وقد يرجع عدم إمكان تقدير الضرر إلى أسباب أخرى ، فيجوز للقاضي بعد أن يقدر الضرر وفقاً لما تبينه من الظروف أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب في خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير ( [9] ) . وقد أشار إلى هذه الفروض القانون المدني الجديد . فقضى في المادة 170 بأن ” يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المضرور طبقاً لأحكام المادتين 221 و 222 مراعياً في ذلك الظروف الملابسة ، فإن لم يتيسر له وقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعييناً نهائياً فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير ( [10] ) ” . وقضى في الفقرة الأولى من المادة 171 بأن ” يعين القاضي طريقة التعويض تبعاً للظروف . ويصح أن يكون التعويض مقسطاً كما يصح أن يكون إيراداً مرتباً . ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بأن يقدم تأميناً ( [11] ) ” . وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام في التعويض .

على أن الضرر المستقبل قد لا يكون متوقعاً وقت الحكم بالتعويض فلا يدخل في حساب القاضي عند تقديره ، ثم تتكشف الظروف بعد ذلك عما تفاقم منه ، كأن يكف بصر العامل الذي أصيب في عينه أو أن تؤدي إصابته إلى وفاته . فهنا يجوز للمضرور أو لورثته أن يطالبوا في دعوى جديدة بالتعويض عما استجد من الضرر مما لم يكن قد دخل في حساب القاضي عند تقدير التعويض الأول . ولا يمنع من ذلك قوة الشيء المقضي ، فإن الضرر الجديد لم يسبق أن حكم بتعويض عنه أو قضى فيه . ولا يعتبر نزول النقد ظرفاً من شأنه أن يزيد في الضرر ، فإذا حكم لشخص بإيراد مرتب تعويضاً عن الضرر الذي وقع به ، وقدر الإيراد بمبلغ من النقود ، ثم انخفضت قيمة النقد بعد ذلك فلا يستطيع المضرور أن يطالب بإعادة النظر في تقدير الإيراد ، ما لم يكن المبلغ المحكوم به قد روعى فيه أن يكون كافياً لنفقة المضرور ، فيجوز عند ذلك زيادة الإيراد أو إنقاصه تبعاً لانخفاض قيمة النقد أو ارتفاعها ( [12] ) أما إذاك أن القاضي قدر قيمة الضرر وحكم بالتعويض وفقاً لهذا التقدير ، ثم تكشفت الظروف بعد ذلك عن تناقص الضرر تناقصاً لم يكن متوقعاً ، كأن قضى لعامل بتعويض عن إصابة أدت إلى كف بصره ، ثم تبين بعد ذلك أن العامل قد أسرد شيئاً من قوة الإبصار ، فلا يجوز في هذه الحالة أن يعاد النظر في تقدير التعويض لإنقاصه لأن هذا التقدير قد حاز قوة الشيء المقضي ( [13] )

575 – الضرر المحتمل : ويجب التمييز بين الضرر المستقبل ( prej . futur ) وهو ضرر محقق يجب التعويض عنه على ما بينا – والضرر المحتمل ( prej eventuel ) وهو ضرر غير محقق ، قد يقع وقد لا يقع ، فلا يكون التعويض عنه واجباً إلا إذا وقع فعلاً . مثل ذلك أن يحدث شخص بخطئه خللاً في منزل جاره ، فالضرر المحقق هنا هو ما وقع من هذا الخلل ، ويلتزم المسئول بإصلاحه ، ولكنه لا يلتزم بإعادة بناء المنزل إذا لم يكن من المحقق أن الخلل سيؤدي إلى انهدامه .ويتربص صاحب المنزل حتى إذا أنهدم منزله فعلاً بسبب هذا الخلل ، رجع على المسئول بالتعويض عن ذلك ( [14] ) .

576 – التعويض عن تفويت الفرصة : كذلك يجب التمييز بين الضرر المحتمل – وهذا لا يعوض عنه على النحو الذي مر – وتوفيت الفرصة ( pere d’une chance ) ويعوض عنه . ذلك أن الفرصة إذا كانت أمراً محتملاً ، فإن توفيتها أمر محقق . وعلى هذا الأساس يجب التعويض ، فإذا أهمل محضر في إعلان صحيفة الاستئناف إلى أن فات ميعاده ، أو قصرت جهة عقدت مسابقة في إخطار أحد المستابقين عن ميعاد المسابقة ففاته التقدم إليها ، فإنه إذا كان لا يمكن القول إن المستأنف كان يكسب الاستئناف حتماً لو أنه رفع في الميعاد ، أو أن المستابق كان يفوز حتماً في المسابقة لو أنه تقدم إليها ، فلا يمكن القول من جهة أخرى إن الأول كان يخسر الاستئناف حتماً ، وأن الثاني كان لا يفوز حتماً في المسابقة . وكل ما يمكن قوله إن كلا منهما قد فوتت عليه فرصة الكسب أو الفوز . وهذا هو القدر المحقق من الضرر الذي وقع وعلى القاضي أن يقدر هذا الضرر ، بأن ينظر إلى أي حد كان الاحتمال كبيراً في كسب الاستئناف أو في الفوز في المسابقة ، ويقضي بتعويض يعدل هذا الاحتمال . والأمر لا شك يتسع فيه مجال الاجتهاد ويختلف فيه التقدير ، وعلى القاضي أن يأخذ بالأحوط وأن يتوقى المبالغة في تقدير الاحتمال في نجاح الفرصة ( [15] ) .

ومما جرى به القضاء المصري التعويض عن توفيت فرصة النجاح في الامتحان ( [16] ) ، والتعويض عن توفيت الفرصة في كسب دعوى الشفعة ( [17] ) ، والتعويض عن تفويت الموظف الفرصة في الترقية إلى درجة أعلى ( [18] ) .

المطلب الثاني

الضرر الأدبي ( [19] )

577 – تحديد الضرر الأدبي : الضرر الأدبي ( dommage moral ) هو الضرر الذي لا يصيب الشخص في ماله . وقد رأينا أن الضرر الذي يصيب الشخص في حق أو في مصلحة مالية هو ضرر مادي . وعلى النقيض من ذلك الضرر الأدبي ، فهو لا يمس المال ولكن يصيب مصلحة غير مالية . ويمكن إرجاع الضرر الأدبي إلى أحوال معينة :

1 – ضرر أدبي يصيب الجسم . فالجروح والتلف الذي يصيب الجسم والألم الذي ينجم عن ذلك وما قد يعقب من تشويه في الوجه أو في الأعضاء في الجسم بوجه عام ، كل هذا يكون ضرراً مادياً وأدبياً إذا نتج عنه إنفاق المال في العلاج أو نقص في القدرة على الكسب المادي ، ويكون ضرراً أدبياً فحسب إذا لم ينتج عنه ذلك .

2 – ضرر أدبي يصيب الشرف والاعتبار والعرض . فالقذف والسب وهتك العرض وإيذاء السمعة بالتقولات والتخرصات والاعتداء على الكرامة ، كل هذه أعمال تحدث ضرراً أدبياً إذ هي تضر بسمعة المصاب وتؤذي شرفه واعتباره بين الناس ( [20] ) .

3 – ضرر أدبي يصيب العاطفة والشعور والحنان . فانتزاع الطفل من حضن أمه وخطفه ، والاعتداء على الأولاد أو الأم أو الأب أو الزوج أو الزوجة ، كل هذه أعمال تصيب المضرورة في عاطفته وشعوره ، وتدخل إلى قلبه الغم والأسى والحزن . ويلحق بهذه الأعمال كل عمل يصيب الشخص في معتقداته الدينية وشعوره الأدبي ( [21] ) .

4 – ضرر أدبي يصيب الشخص من مجرد الاعتداء على حق ثابت له . فإذا دخل شخص أرضاً مملوكة لآخر بالرغم من معارضة المالك ، جاز لهذا أن يطالب بتعويض عما أصابه من الضرر الأدبي من جراء الاعتداء على حقه . حتى لو لم يصبه ضرر مادي من هذا الاعتداء .

ويجب في جميع هذه الأحوال أن يكون الضرر الأدبي . كالضرر المادي ، ضرراً محققاً غير احتمالي .

578 – الضرر الأدبي قابل للتعويض : والضرر الأدبي على النحو الذي قدمناه قابل للتعويض بالمال . وقد كان القانون الروماني يقر أحوالاً كثيرة يعوض فيها عن الضرر الأدبي في كل من المسئوليتين التقصيرية والعقدية .

وتلاه القانون الفرنسي القديم ، فأجاز التعويض عن الضرر الأدبي ، وقصر ذلك على المسئولية التقصيرية دون المسئولية العقدية ، توهما أن هذا هو حكم القانون الروماني . وقد قدمنا أن هذا القانون لا يفرق بين المسئوليتين في وجوب التعويض عن الضرر الأدبي .

ونصوص القانون الفرنسي الحديث في عمومها وإطلاقها تسمح بالتعويض عن الضرر الأدبي بقدر ما تسمح بالتعويض عن الضرر المادي . وقد أقر القضاء الفرنسي هذا المبدأ منذ عهد طويل ، ووطده في أحكام كثيرة ( [22] ) أما الفقه الفرنسي فقد انقسم بادئ الأمر إلى فريقين . الفريق الأول رأي أن التعويض عن الضرر الأدبي متعذر إذ أن هذا الضرر بطبيعته غير قابل للتعويض ، وحتى إذا كان قابلاً له فإن التعويض فيه يستعصى على التقدير ( [23] ) . والفريق الآخر ميز بين ضرر أدبي يجوز تعويضه وضرر أدبي لا يجوز فيه التعويض ، واختلفوا في وضع حد هذا التمييز . فمنهم من يقصر التعويض على الضرر الأدبي الذي يجر إلى ضرر مادي ، ولا يعوض إلا هذا الضرر المادي وحده ( [24] ) . فهؤلاء إذن لا يجيزون تعويض الضرر الأدبي في ذاته .و منهم من يقصر التعويض على الضرر الأدبي الذي يترتب على جريمة جنائية ( [25] ) . وليس هناك أساس معقول لهذا التمييز . ومنهم من يجيز التعويض في الضرر الأدبي الذي يصيب الشرف والاعتبار لأنه في العادة يجر إلى ضرر مادي ، ولا يجيزه في الضرر الأدبي الذي يصيب العاطفة والشعور لأنه يتمحض ضرراً أدبياً لا يمتزج به ضرر مادي ( [26] ) . ولكن جمهور الفقهاء في العهد الأخير يقولون بجواز التعويض عن الضرر الأدبي ( [27] ) . أما القول بأن طبيعة هذا الضرر لا تقبل التعويض وأن تقدير التعويض فيه مستعص فمبنى على لبس في فهم معنى التعويض . إذ لا يقصد بتعويض الضرر محوه وإزالته من الوجود . وإلا فالضرر الأدبي لا يمحى ولايزول بتعويض مادي . ولكن يقصد بالتعويض أن يستحدث المضرور لنفسه بديلاً عما أصابه من الضرر الأدبي . فالخسارة لا تزول ، ولكن يقوم إلى جانبها كسب يعوض عنها . وعلى هذا المعنى يمكن تعويض الضرر الأدبي . فمن أصيب في شرفه واعتباره جاز أن يعوض عن ذلك بما يرد اعتباره بين الناس ، وغن مجرد الحكم على المسئول بتعويض ضئيل ونشر هذا الحكم لكفيل برد اعتبار المضرور ( [28] ) . ومن أصيب في عاطفته وشعوره إذا حصل على تعويض مالي فتح له المال أبواب المواساة تكفكف من شجنه . والألم الذي يصيب الجسم يسكن من أوجاعه مال يناله المضرور يرفه به عن نفسه أما تقدير مبلغ التعويض فليس بأشد مشقة من تقدير التعويض في بعض أنواع الضرر المادي . وما على القاضي إلا أن يقدر مبلغاً يكفي عوضاً عن الضرر الأدبي ، دون غلو في التقارير ولا إسراف .

وفي مصر استقر الفقه ( [29] ) والقضاء ( [30] ) على جواز التعويض عن الضرر الأدبي . ثم أتى القانون المدني الجديد فأكد هذا الحكم ، إذ نص في المادة 222 على ما يأتي :

 ” 1 – يشتمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً ، ولكن لا يجوز في هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق ، أو طالب الدائن به أمام القضاء ” .

 ” 2 – ومع ذلك لا يجوز الحكم بتعويض إلا للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية عما يصيبهم من ألم من جراء موت المصاب ( [31] ) ” .

وعلى هذا المبدأ استقرت التقنينات الحديثة ( [32] ) .

579 – من له حق التعويض عن الضرر الأدبي : كل من أصيب بضرر أدبي له الحق في المطالبة بالتعويض عنه . وقد حددنا فيما تقدم ما هو المقصود بالضرر الأدبي .

فإذا كان الضرر الأدبي هو موت شخص ، وجب التمييز بين الضرر الذي أصاب الميت نفسه ، ويراد أن ينتقل حق التعويض عنه بموته إلى ورثته ، والضرر الذي أصاب أقارب الميت وذويه في عواطفهم وشعورهم الشخصي من جراء موته ( [33] ) .

أما الضرر الذي أصاب الميت نفسه ، فلا ينتقل حق التعويض عنه إلى ورثته ذلك أن التعويض عن الضرر الأدبي لا ينتقل بالميراث – كما سنرى – إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق أو طالب الدائن به أمام القضاء . وفي حالتنا لا يتصور شيء من ذلك ، إذ الضرر الأدبي هو موت الشخص نفسه ، فلا يمكن أن يكون التعويض عن هذا الموت قد تحدد بمقتضى اتفاق مع الميت أو طالب به هذا أمام القضاء .

بقى الضرر الذي يصيب ذوي الميت بطريق مباشر . وهنا عرض النص إلى تحديد من هؤلاء يجوز الحكم له بالتعويض . . فذكر أنه لا يجوز الحكم بتعويض إلا للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية . ويتبين من ذلك أن الحق في المطالبة بالتعويض يقتصر على الزوج الحي وأقارب الميت إلى الدرجة الثانية وهم أبوه وأمه وجده وجدته لأيه أو لأمه وأولاده وأولاد أولاده وأخوته وأخواته . ولا يعطى القاضي تعويضاً لهؤلاء جميعاً إذا وجدوا ، بل يعطى التعويض لمن منهم أصابه ألم حقيقي بموت المصاب . والمقصود هنا التعويض عن الضرر الأدبي لا عن الضرر المادي ، فهذا الضرر الأخير العبرة فيه بمن له حق النفقة على الميت ومن كان الميت يعوله فعاد كما قدمنا . فإذا كانت الأقارب لا تدخل فيمن تقدم ذكرهم ، لم يجز الحكم لهم بتعويض عن الضرر الأدبي مهما كانت دعواهم فيما أصابهم من ألم بموت المصاب . فلا يحكم بتعويض عن الضرر الأدبي لأولاد الأخوة والأخوات ، ولا للأعمام والأخوال والعمات والخالات ، ولا لأولادهم من باب أولى ، ولا للخطيب والخطيبة ، ولا للأصدقاء مهما كان الميت قريباً إلى نفوسهم ( [34] ) . وظاهر أن خطة القانون الجديد في الضرر الأدبي غير خطته في الإكراه والدفاع الشرعي وحالة الضرورة ، حيث حصر الأقارب هنا ولم يحصرهم هناك . ويبرر ذلك الميل إلى حصر نطاق الإدعاء بوقوع ضرر أدبي ، والحد من المغالاة في ذلك منعاً للاستغلال .

أما إذا كان المصاب لم يمت ، فتعويض ذويه عن الضرر الأدبي الذي لحقهم بإصابته يجب الأخذ فيه بحذر أكبر ، وإن كان النص لم يعرض إلا لحالة الموت وترك ما دون ذلك لتقدير القاضي . ومن الصعب أن نتصور تعويضاً يعطى عن الضرر الأدبي في هذه الحالة لغير الأم والأب .

580 – متى يمكن انتقال الحق في التعويض عن الضرر الأدبي : الأصل في التعويض عن الضرر الأدبي أنه شخصي مقصور على المضرور نفسه فلا ينتقل إلى غيره بالميراث أو بالعقد أو بغير ذلك من أسباب الانتقال إلا إذا أصبحت مطالبة المضرور به محققة . وقد عرضت المادة 222 التي تقدم ذكرها لتحديد ذلك ، فذكرت أن انتقال حق التعويض لا يتم إلا بإحدى طريقتين : ( الأولى ) أن يكون التعويض قد اتفق على مبدئه وعلى مقداره ما بين المضرور والمسئول ، فتحدد التعويض على هذا الوجه بمقتضى اتفاق بين الاثنين . ( والثانية ) أن يكون قد استعصى الاتفاق فلجأ المضرور إلى القضاء وطالب المسئول بالتعويض ، أي أنه رفع الدعوى فعلاً أمام المحاكم .

أما قبل الاتفاق أو المطالبة القضائية فلا ينتقل الحق في التعويض إلى أحد . فإذا مات المضرور قبل ذلك فلا ينتقل التعويض إلى ورثته ، بل يزول الحق بموته ( [35] ) .

وكان القضاء المصري في عهد القانون القديم يجري على مقتضى هذا الحكم ( [36] ) . بل إنه تشدد في آخر ذلك العهد وأصبح لا يكتفي ، إذا لم يوجد اتفاق ، بالمطالبة القضائية لانتقال حق التعويض ، بل يشترط صدور حكم نهائي يقرر مبدأ التعويض ويعين مقداره ( [37] ) .


 ( [1] ) استئناف مختلط في 28 يناير سنة 1885 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 10 ص 43 – وفي 22 يناير سنة 1891 م 3 ص 164 – وفي 20 مايو سنة 1897 م 9 ص 349 – وفي 2 يناير سنة 1901 م 13 ص 93 – وفي 25 نوفمبر سنة 1909 م 22 ص 24 – وفي 18 أبريل سنة 1912 م 24 ص 292 – وفي 11 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 58 – وفي 3 أبريل سنة 1913 م 25 ص 297 – وفي 4 مارس سنة 1915 م 27 ص 199 – وفي 26 مايو سنة 1926 م 38 ص 443 – وفي 2 فبراير سنة 1928 م 40 ص 176 – أنظر أيضاً : استئناف وطني في 10 يونية سنة 1896 القضاء 3 ص 406 .

 ( [2] ) ووقوع الضرر مسألة موضوعية لا رقابة فيها لمحكمة النقض . ولكن الشروط الواجب توافرها في الضرر ، وجواز التعويض عن الضرر الأدبي ، وانتقال هذا التعويض إلى الورثة كل هذه مسائل قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض ( الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار ص 30 ) .

 ( [3] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 15 يونية سنة 1914 الشرائع 1 رقم 412 ص 251 .

 ( [4] ) استئناف مختلط في 29 مارس سنة 1944 م 56 ص 97 – وفي 28 يونية سنة 1944 م 56 ص 210 .

 ( [5] ) ويكفي أن يكون من فقد العائل له حق في النفقة ولو لم يكن يعال بالفعل ، ذلك أن فقد العائل قد أضاع عليه حقاً ثابتاً هو حقه في النفقة . أما إذا كان ليس له حق في النفقة ولكن كان يعال فعلاً ، فسنرى أن الضرر الذي ينزل به في هذه الحالة يكون إخلالاً بمصلحة مالية لا إخلالاً بحق ثابت – أما الزوج فلا يطالب بتعويض عن ضرر مادي بسبب موت زوجته لأن الزوج لا تجب له النفقة على زوجته ( استئناف مختلط في 19 أبريل سنة 1944 م 56 ص 106 ) . ولكن الزوجة تطالب بتعويض عن الضرر المادي لأن لها النفقة على زوجها ، فإذا ما تزوجت ثانية بعد موت زوجها الأول كان هذا محل اعتبار في تقدير التعويض ( استئناف مختلط في 7 أبريل سنة 1942 م 54 ص 161 ) . ولا يتقاضى الوالد تعويضاً عن ضرر مادي أصابه من موت ولده الصغير إلا إذا كان الوالد يستفيد من عمل ولده ( استئناف مختلط في 30 نوفمبر سنة 1938 م 5 ص 32 – وفي 23 يونية سنة 1943 م 55 ص 195 ) – ولا يدخل في تقدير التعويض ما أنفقه الوالد في تعليم ابنه المصاب فإن التعليم واجب عليه ( استئناف مختلط في أول مايو سنة 1930 م 42 ص 473 ) – وانظر عكس ذلك استئناف مختلط في 5 يونية سنة 1946 م 58 ص 224 ) .

 والقضاء مضطرد في جواز الحكم بتعيوض عن الضرر المادي الذي يصيب من فقد العائل ( استئناف مختلط في 28 أبريل سنة 1897 م ) ص 296 – وفي أول يونية سنة 1898 م 10 ص 292 – وفي 19 مارس سنة 1902 م 14 ص 192 – وفي 31 مايو سنة 1905 م 17 ص 302 – وفي 11 فبراير سنة 1914 م 26 ص 218 – وفي 7 مايو سنة 1925 م 37 ص 415 وفي 17 فبراير سنة 1927 جازيت 18 رقم 232 ص 293 ) . وهذا الحق ليس ميراثاً يتلقاه بل هو حق شخصي له ، فلا يعطى بنسبة النصيب في الإرث بل بمقدار الضرر الذي وقع ( استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1906 م 17 ص 296 – وفي 29 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 58 ) . ولا ينتقل حق التعويض إلى ورثة من فقد العائل حتى لو مات هذا بعد رفع الدعوى ( استئناف مختلط في 24 مايو سنة 1906 م 17 ص 295 ) . أما إذا ثبت أن أقارب المصاب مستقلون عنه وأنه ليس يعولهم فلا حق لهم في التعويض : استئناف مختلط في 11 أبريل سنة 1895 م 7 ص 222 ( بنت متزوجة ) – وفي 28 أبريل سنة 1897 م ) ص 296 ( شقيقة تزاول مهنة تستطيع أن تتعيش منها ) – وفي 11 فبراير سنة 1914 م 26 ص 218 ( بنت متزوجة وتعيش مستقلة مع زوجها وأولاد بلغوا سن الرشد موظفون في الحكومة ويعيشون مع والدهم ولكنه لا تتفق عليهم بل هم الذين يساعدونه ) .

 ( [6] ) أما المتعاملون مع المصاب ، كالحائك والقصاب والحجام ، فإن مجرد تعاملهم معه لا يكفي لتوليد مصلحة محققة يكون الإخلال بها ضرراً ، بل يجب أن يكون هناك عقد بينهم وبين المصاب ، فيكون الضرر هو الإخلال بحق نشأ من هذا العقد لا بمصلحة مالية فحسب ( مازو 1 فقرة 277 – 6 ) .

 ( [7] ) أنظر مازو 1 فقرة 277 – 7 إلى فقرة 291 .

 ( [8] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه يجب بمقتضى القانون لصحة طلب المدعى المدني الحكم له من المحكمة الجنائية بتعويضات مدنية أن يكون الضرر المدعى ثابتاً على وجه اليقين والتأكيد ، واقعاً ولو في المستقبل . ومجرد الإدعاء باحتمال وقوع الضرر لا يكفي بالبداهة ( نقض جنائي في 16 يونية سنة 1947 المحاماة 28 رقم 241 ص 746 ) . وأنظر أيضاً طنطا الاستئنافية في 4 مايو سنة 1913 الشرائع 1 رقم 76 ص 50 – وأنظر في القضاء المختلط : استئناف مختلط في 12 مايو سنة 1887 بوريللي م 179 رقم ) – وفي 10 يناير سنة 1895 م 7 ص 78 – وفي 22 نوفمبر سنة 1900 م 13 ص 20 – وفي 13 يناير سنة 1909 م 21 ص 110 – وفي 28 أبريل سنة 1909 م 21 ص 353 – وفي 11 فبراير سنة 1915 جازيت 5 رقم 68 ص 155 – وفي 4 مارس سنة 1915 م 27 ص 199 – وفي 29 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 58 – وفي 28 يناير سنة 1926 م 38 ص 207 .

 ( [9] ) وقد جرى القضاء في عهد القانون القديم على هذا المبدأ ، فكان يسمح للمضرور أن يطلب تعويضاً مؤقتاً ثم يستكمله بعد ذلك في دعوى تالية . وقضت محكمة النقض في هذا المعنى بما يأتي : إذا دخل شخص مدعياً بحق مدني أمام محكمة الجنح طالباً أن يقضي له بمبلغ بصفة تعويض مؤقت عن الضرر الذي أصابه بفعل شخص آخر ، مع حفظ له في المطالبة بالتعويض الكامل من المسئول عنه بقضية على حدة ، وقضى له بالتعويض الموقت ، فذلك لا يمنعه من المطالبة بتكملة التعويض بعد أن يتبين له مدى الأضرار التي لحقته من الفعل الذي يطلب التعويض بسببه . وقالت المحكمة في أسباب الحكم ما يأتي : ” . . . .أن المطعون ضده إذا كان قد تدخل في دعوى الجنحة وطلب فيها خمسة جنيهات تعويضاً عن الحادثة التي يطلب التعويض بسببها الآن ، فلقد حدد قدر التعويض وصفته وأثبتت محكمة الجنح له أنه إنما يطلب تعويضاً مؤقتاً ( أي شيئاً بسيطاً مما يستحق له من التعويض ) محتفظاً بحقه في طلب التعويض الكامل من المسئولين عنه بعد أن يبين الزمن مدى الأضرار التي نشأت له من الحادثة . . . كل هذا قد بينه الحكم المطعون فيه بصدوره على هذا الوضع ، وأكد أن المطعون ضده لم يستنفد في دعوى الجنحة ما كان له من حق فموضوع هذه الدعوى هو إذن غير موضوع الدعوى الولى ، بل هو تكملة له كما قال الحكم المطعون فيه ( نقض مدني في 7 يونية سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 190 ص 475 ) . أنظر أيضاً في هذا المعنى : نقض مدني في 2 أبريل سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 150 ص 422 – نقض جنائي في 4 ديسمبر سنة 1944 المحاماة 27 رقم 49 ص 98 – المنصورة الكلية الوطنية في 12 سبتمبر سنة 1943 المحاماة 24 رقم 130 ص 395 – استئناف مختلط في 19 أبريل سنة 1899 م 11 ص 188 – وفي 29 نوفمبر 1932 م 45 ص 40 .

 وقد جرت العادة عندما كان القضاء المختلط قائماً ، إذا كانت دعوى المسئولية من اختصاصه والدعوى الجنائية من اختصاص المحاكم الوطنية ، أن يدخل المضرور مدعياً مدنياً في الدعوى الجنائية بمبلغ ضئيل على سبيل التعويض الموقت ، ثم يرفع دعوى المسئولية أمام المحاكم المختلطة مطالباً بتعويض كامل ( استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1947 م 60 ص 33 ) .

 ( [10] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” وقد لا يتيسر للقاضي أحياناً أن يحدد وقت الحكم مدى التعويض تحديداً كافياً كما هو الشأن مثلاً في جرح لا تستبين عقباه إلا بعد انقضاء فترة من الزمن . فللقاضي في هذه الحالة أن يقدر تعويضاً موقوتاً بالتثبت من قدر الضرر المعلوم وقت الحكم على أن يعيد النظر في قضائه بعد فترة معقولة يتولى تحديدها . فإذا انقضى الأجل المحدد أعاد النظر فيما حكم به ، وقضى للمضرور بتعويض إضافي إذا اقتضى الحال ذلك ، وعلى هذا سار القضاء المصري ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 393 ) . وقيل في لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ في صدد الاعتراض على النص بمبدأ قوة الشيء المقضي ما يأتي : ” إذا رأى القاضي أن الموقف غير جلي ، واحتفظ في حكمه للمضرور بالرجوع بتعويض تكميلي خلال مدة بعينها ، فلا يتنافى ذلك مع قاعدة حجية الأحكام ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 394 ) .

 ( [11] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية في صدد هذا النص ما يأتي : ” والأصل في التعويض أن يكون مبلغاً من المال ، ومع ذلك يجوز أن تختلف صوره ، فيكون مثلاً إيراداً مرتباً يمنح لعامل تقعده حادثة من حوادث العمل عن القيام بأوده . ويجوز للقاضي في هذه الحالة أن يلزم المدين بأن يقدم تأميناً ، أو أن يودع مبلغاً كافياً لضمان الوفاء بالإيراد المحكوم به . وينبغي التمييز بين التعويض من طريق ترتيب الإيراد وبين تقدير تعويض موقوت مع احتمال زيادته فيما يعد بتقدير تعويض إضافي ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 397 ) .

 ( [12] ) مازو 1 فقرة 221 .

 ( [13] ) مازو 1 فقرة 230 .

 ( [14] ) أنظر عدم جواز التعويض عن ضرر محتمل إلا إذا وقع فعلاً : استئناف مختلط في 2 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 12 –و في 25 أبريل سنة 1935 م 47 ص 276 .

 ( [15] ) مازو 1 فقرة 219 .

 ( [16] ) وقد قضت محكمة مصر الكلية الوطنية بأن يحكم للطالب الذي يحرم دون حق من الامتحان ، بعدم إعطائه الفرص التي أباحها القانون ، بتعويض مناسب ( مصر الكلية الوطنية في 23 نوفمبر سنة 1930 الجريدة القضائية 53 ص 49 ) .

 ( [17] ) ففي قضية ترتب على إهمال محضر في إعلان عريضة دعوى الشفعة أن سقط الحق فيها ، وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية أن ليس لها إلا أن تتحقق من الوقائع التي تثبت تولد الشفعة ، فلا يجوز لها أن تفصل بنفسها في حقوق الأخصام في دعوى الشفعة كما كان يفصل فيها لو قدم موضوع الدعوى إلى المحكمة ، وإنما عليها أن تحكم بتعويض إذا ترجح لديها احتمال نجاح الشفيعة في دعواها ( استئناف وطني في 7 أبريل سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 134 ص 366 ) .

 ( [18] ) وقد أصدرت محكمة النقض في هذه المسألة أحكاماً متعاقبة صريحة في هذا المعنى . فقضت بأنه إذا أدخل الحكم ضمن التعويض المحكوم به ما فات على الموظف من فرصة الترقي بسبب إحالته إلى المعاش قبل الأوان فلا خطأ في ذلك ، فإن القول بأن الترقى من الإطلاقات التي تملكها الجهات الرئيسية للموظف وليس حقاً مكتسباً محله بالبداهة أن يكون الموظف باقياً يعمل في الخدمة . أما إذا كانت الوزارة هي التي أحالت الموظف إلى المعاش بدعوى بلوغه السن بناء على قرار باطل ، فلا مناص من إدخال تفويت الترقية على الموظف ضمن عناصر الضرر التي نشأت عن الإخلال بحقه في البقاء في الخدمة . ذلك أن القانون لا يمنع من أن يحسب في الكسب الفائت الذي هو عنصر من عناصر التعويض ما كان المضرور يأمل الحصول عليه ما دام هذا الأمل له أسباب معقولة ( نقض مدني في أول أبريل سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 44 ص 107 ) . وقضت في حكم ثان بأنه إذا كان الحكم قد وقف في جبر الضرر الناشئ عن خطأ عند حد القضاء للموظف على الحكومة بالفرق بين معاشه وصافي راتبه ، ولم يعوضه عما فاته من فرصة الترقي إلى رتبة اللواء التي خلت ، مستنداً في ذلك إلى أن الترقية ليست حقاً للموظف ولو تحققت فيه شرائط الأقدمية والجدارة ، بل هي حق للحكومة تتصرف فيه كما تشاء بلا رقيب ولا حسيب ، فإنه يكون قد أخطأ ، إذ أن حرمانه من الفرصة التي سنحت له للحصول على الترقية هي عنصر من عناصر الضرر يتعين النظر فيه . ولقد كان يصح ما قاله الحكم لو أن ذلك الضابط كان قد بقى في الخدمة ولم ترقه الوزارة فعلاً ، حيث يصح القول بأن الترقى هو من الإطلاقات التي تملكها الوزارة وتستقل بها بلا معقب . أما والوزارة قد أحالته على المعاش قبل بلوغه السن بناء على قرار باطل اتخذته في تقدير سنه ، مخالفة في ذلك قراراً آخر صحيحاً ملزماً لا تملك نقضه ، فإن هذا القول لا يسوغ جعل تصرفها الخاطئ فوق رقابة قضاء التضمين ( نقض مدني في 12 ديسمبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 120 ص 275 ) . وقضت في حكم ثالث بأن القانون لا يمنع من أن يدخل في عناصر التعويض ما كان لطالبه من رجحان كسب فوته عليه العمل الضار غير المشروع . فإذا كان الحكم لم يعتد بهذا العنصر فيما قضى به من تعويض لموظف أحيل إلى المعاش دون مسوغ ، ولم يورد لذلك أسباباً من شأنها أن تفيد أن ترقية طالب التعويض كانت غير محتملة لو أنه استمر في الخدمة حتى بلوغه سن التقاعد ، فإنه يكون متعيناً نقضه في هذا الخصوص ونقض مدني في 3 فبراير سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 378 ص 709 ) .

 أنظر أيضاً في هذه المسألة : نقض مدني في 3 فبراير سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 90 ص 262 – وفي 2 يونية سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 126 ص 390 .

 ( [19] ) بعض المراجع : ريبير في القاعدة الأدبية فقرة 181 – دورفيل ( Dorville ) رسالة من باريس سنة 1901 – أشار ( شؤاشقي ) رسالة من جنيف سنة 1908 – جاند ( Gand ) رسالة من باريس سنة 1924 – ديوا ( Dubois ) رسالة من ليون سنة 1935 – جيفور ( Givord ) رسالة من جرينوبل سنة 1938 – دلماس ( Delmas ) رسالة من تولوز سنة 1939 . لالو فقرة 149 وما بعدها – سافاتييه 2 فقرة 525 وما بعدها – ديموج 4 فقرة 402 وما بعدها – مازو 1 فقرة 292 وما بعدها – الموجز للمؤلف فقرة 330 – مصطفى مرعى بك فقرة 124 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت بك فقرة 467 – فقرة 468 – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الصلح فقرة 25 .

 ( [20] ) ومما يؤذي السمعة أن يذاع عن شخص أنه مصاب بمرض خطير ، وقد قضت محكمة مصر الكلية الوطنية بأن الأمراض في ذاتها من العورات التي يجب سترها حتى لو كانت صحيحة ، فإذاعاتها فيم حافل عامة وعلى جمهرة المستمعين يسيء إلى المرضى إذا ذكرت أسماؤهم ، وبالأخص بالنسبة للفتيات لأنه يضع العراقيل في طريق خيانتهن ويعكر صفو آمالهن ، وهذا خطأ يستوجب التعويض ( 14 مارس سنة 1949 المحاماة 29 رقم 117 ص 202 ) .

 ( [21] ) والإخلال بإقامة الشعائر الدينية يعتبر ضرراً أدبياً . وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأنه إذا تعهد مقاول لوزارة الأوقاف بإصلاح دورة مياه مسجد تابع لها وتأخر في ذلك ، ثم لم يقم إلا ببعضه ، يعتبر الضرر متوفراً لأن الوزارة مسئولة عن إقامة الشعائر ، والتأمين الذين أخذته من المتعهد يصبح حقاً مكتسباً لها كما شرط في التعهد ( 30 نوفمبر سنة 1940 المحاماة 21 رقم 258 ص 575 ) .

 ( [22] ) وقد استقر القضاء الفرنسي على هذا المبدأ منذ حكم قديم أصدرته محكمة النقض الفرنسية في 15 يونية سنة 1833 ( سيريه 1833 – 1 – 458 ) . وأنظر أيضاً : نقض فرنسي في 25 أكتوبر سنة 1921 دالوز 1922 – 1 – 163 – وفي 29 ديسمبر سنة 1936 جازيت دي باليه 1937 – 1 – 399 – وفي 23 يونية سنة 1938 جازيت دي باليه 1938 – 2 – 586 – محكمة ديجون الاستئنافية في 25 يولية سنة 1946 جازيت دي باليه 1946 – 2 – 206 .

 ( [23] ) بودرى وبارد 4 فقرة 2871 – ماسان ( massin ) رسالة من باريس سنة 1893 – تورنييه ( Tournier ) رسالة من مونبلييه سنة 1896 – سافيني في القانون الروماني 1 ص 330 وما بعدها .

 ( [24] ) مينيال ( Meynial ) في المجلة الانتقادية سنة 1884 – إسمان في المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1903 .

 ( [25] ) أوبرى ورو الطبعة الخامسة جزء 6 فقرة 445 ص 345 – ص 348 .

 ( [26] ) مانجان ( mangin ) 1 فقرة 123 – لا بورد ( Laborde ) في المجلة الانقتادية سنة 1894 ص 26 .

 ( [27] ) كولان وكابيتان 2 فقرة 1298 – بلانيول وربير 2 فقرة 1012 وما بعدها – بالنيول وريبير وإسمان 1 فقرة 546 – جوسران 2 فقرة 441 وما بعدها – سوردا 1 فقرة 33 – ديموج 4 فقرة 402 – لالو فقرة 149 وما بعدها – جاردينا وريتشي فقرة 95 وما بعدها – مازو 1 فقرة 304 وما بعدها .

 ( [28] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن نشر منطوق الحكم في الصحف يكون تعويضاً كافياً عن الضرر الأدبي الناجم عن ” بروتستو ” كيدي ( 23 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 82 ) . وكذلك الحكم بالمصروفات ( استئناف مختلط في 12 يونية سنة 1902 م 14 ص 351 ) – أو تصحيح الواقعة المكذوبة ( استئناف مختلط في أول مارس سنة 1906 م 17 ص 144 ) . ويخفف التعويض إهمال المضرور في نشر تكذيب للخبر المنسوب إليه وكان هذا من حقه ( استئناف مختلط في 20 مارس سنة 1913 م 25 ص 253 ) .

 ( [29] ) الموجز للمؤلف فقرة 330 – مصطفى مرعي بك فقرة 124 – الدكتور أحمد حشمت أبو سنيت بك فقرة 467 – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 25 .

 ( [30] ) كان القضاء الوطني بادئ الأمر متردداً في تعويض الضرر الأدبي ، فقضت محكمة قنا الاستئنافية بأن الشرف لا يقوم بمال ( 11 ديسمبر سنة 1900 الحقوق 16 ص 11 ) ، وقضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه لا يستحق تعويضاً أدبياً إلا من اختل نظام معيشته بسبب موت المضرور ( 4 يناير سنة 1896 الحقوق 11 ص 247 ) ، ولكنه ما لبث أن استقر على جواز التعويض عن الضرر الأدبي : نقض جنائي في 7 يناير سنة 1905 الاستقلال 4 ص 165 – وفي 25 مارس سنة 1905 المجموعة الرسمية 6 رقم 75 ص 156 – وفي 4 مايو سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 130 ص 256 – وفي 7 نوفمبر سنة 1932 الجريدة القضائية عدد 151 ص 6 – استئناف وني في 4 يولية سنة 1893 الحقوق 8 ص 171 ( مبلغ زهيد كتعويض رمزي : أنظر في هذا المعنى أيضاً مصر الكلية الوطنية في 14 مارس سنة 1949 المحاماة 29 رقم 117 ص 202 ) – وفي 8 ديسمبر سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 ص 89 ( تستحق الزوجة تعويضاً عن الضرر الأدبي ل هجر زوجها لها وهذا غير النفقة ) . وفي 17 مارس سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 111 ص 303 – وفي 13 يناير سنة 1914 المجموعة الرسمية 15 رقم 35 ص 73 – وفي 22 ديسمبر سنة 1914 الشرائع 2 رقم 132 ص 122 – وفي 31 مايو سنة 1915 المجموعة الرسمية 17 رقم 17 نوفمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 310 ص 615 – وفي 26 نوفمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 315 ص 621 مجلس حسبي عال في 2 نوفمبر سنة 1924 المجموعة الرسمية 25 رقم 100 ص 187 .و ميل القضاء الوطني ألا يجعل التعويض الأدبي سبيلاً للإثراء أو للاستغلال .

 وكذلك استقر القضاء المختلط على جواز التعويض عن الضرر الأدبي ، على ألا يكون هناك مغالاة في تقدير التعويض وألا يكون التعويض وسيلة للاستغلال : استئناف مختلط في 20 أبريل سنة 1892 م 4 ص 225 – وفي ) أبريل سنة 1903 م 15 ص 238 – وفي 20 فبراير سنة 1908 م 20 ص 99 – وفي 28 نوفمبر سنة 1917 م 30 ص 66 – وفي 12 يونية سنة 1918 م 30 ص 469 – وفي 16 مارس سنة 1922 م 34 ص 248 – وفي 23 ديسمبر سنة 1926 جازيت 18 رقم 249 ص 318 – وفي 23 يناير سنة 1936 م 48 ص 89 – وفي 5 مايو سنة 1937 م 49 ص 212 – وفي 17 نوفمبر سنة 1937 م 50 ص 21 – وفي 15 مايو سنة 1940 م 52 ص 281 . ولا يجوز أن يكون التعويض عن الضرر الأدبي بمثابة عقوبة ( استئناف مختلط في 30 نوفمبر سنة 1938 م 51 ص 32 ) .

 ( [31] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 300 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” يشمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً إذا توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة 238 ” . وفي لجنة المراجعة نقل حكم المادة 238 إلى هذا المكان وأصبح النص في المشروع النهائي على الوجه الآتي : ” 1 – يشمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً ، ولكن لا يجوز في هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إلا إذا تحدد بمقتضى اتفاق أو طولب به أمام القضاء . 2 – ويجوز بوجه خاص أن يحكم القاضي للأقارب والأزواج والأصهار بالتعويض عما يصيبهم من ألم من جراء موت المصاب ” وأصبح رقم المادة 229 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على النص – وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ استبدلت اللجنة عبارة ” أو طالب الدائن به أمام القضاء ” بعبارة ” أو طولب به ” الواردة في الفقرة الأولى . ورؤى تقييد الأقارب اللذين يحكم لهم بالتعويض عن الضرر الأدبي وقصره على الأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية ، وكان النص المعروض لا يمنع القاضي من أن يحكم بالتعويض لغير الأقارب والأصهار والأزواج وفي هذا توسع لا تحمد عقابه ، فضلاً عن مخالفته الكبيرة لما استقرت عليه الأحكام وأصبح رقم المادة 222 . ووافق مجلس الشيوخ على النص كما عدلته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 566 – ص 568 ) .

 ( [32] ) أنظر المادة 47 من قانون الالتزامات السويسري والمادة 1327 من القانون النمساوي والمادة 85 من المشروع الفرنسي الإيطالي والمادة 134 من القانون اللبناني والمادة 166 من القانون البولوني .

 ( [33] ) أنظر في هذا التمييز : استئناف مختلط في 31 ديسمبر سنة 1941 م 60 ص 34 .

 ( [34] ) وكان القضاء المصري في عهد القانون المدني القديم يجعل حلقة الأقارب أضيق . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن من عدا الأب والأم ، كالأخوة والأخوات ، لا يجوز أن يحكم لهم بتعويض عن الضرر الأدبي ( 25 فبراير سنة 1942 م 54 ص 117 ) ، وحتى الأب الذي يهجر ابنه ولا يفكر فيه إلا عند موته للمطالبة بتعويض عن الضرر الأدبي ، لا يحق له هذا الطلب ( استئناف مختلط في أول يونية سنة 1935 م 47 ص 349 ) . أنظر أيضاً في هذه المسألة : استئناف مختلط في 20 أبريل سنة 1892 م 4 ص 225 – وفي 28 فبراير سنة 1900 م 12 ص 141 – وفي 21 يناير سنة 1903 م 15 ص 95 – وفي 17 مايو سنة 1905 م 17 ص 280 – وفي 31 مايو سنة 1905 م 17 ص 302 – وفي 21 مارس سنة 1906 م 18 ص 160 ( الابن الصغير دون الزوج أو الأب ) – وفي 20 فبراير سنة 1908 م 20 ص 99 – وفي 5 فبراير سنة 1914 م 26 ص 209 ( لا تعويض للاخوة لأم ) – وفي 29 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 58 – محكمة مصر الكلية المختلطة في 27 يناير سنة 1919 جازيت 9 رقم 74 ص 111 ( الأصول والفروع دون الحواشي ) .

 وكان المشروع النهائي تتسع فيه حلقة الأقارب والأصهار ، فضيقت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ الحلقة على النحو الذي رأيناه ، واستندت في ذلك إلى ما استقر عليه القضاء المصري في عهد القانون المدني القديم ( أنظر آنفاً فقرة 578 ومجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 568 ) .

 ( [35] ) وقد تشدد القانون المدني الجديد في التعويض عن الضرر الأدبي من ناحيتين : ناحية من له الحق في المطالبة به وناحية تقييد انتقاله إلى الغير .

 ( [36] ) كان القضاء المصري يشترط لانتقال حق التعويض عن الضرر الأدبي إلى الورثة أن يكون المورث قد رفع الدعوى ( استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1914 جازيت 4 رقم 204 ص 486 – وفي أول ديسمبر سنة 1915 م 28 ص 37 – وفي 13 مارس سنة 1918 م 30 ص 279 ) . واكتفى حكم في انتقال التعويض إلى الورثة بأن يكون المجني عليه قدم شكواه بأن ألقى أقواله أمام المحقق ( بني سويف في 2 مارس سنة 1922 المحاماة 2 رقم 115 / 1 ص 362 ) .

 ( [37] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الورثة لا ينتقل إليهم حق مورثهم في التعويض عن الضرر الأدبي إلا إذا تحدد هذا التعويض قبل موت المورث إما باتفاق مقدم أو بحكم نهائي ، فإذا مات المورث في أثناء نظر القضية أمام محكمة الاستئناف لم ينتقل حق التعويض إلى الورثة ( استئناف مختلط في 27 نوفمبر سنة 1940 م 53 ص 20 – وأنظر أيضاً استئناف مختلط في 15 يونية سنة 1938 م 50 ص 367 ) .

 وإذا اعتبرنا أن القضاء المصري قد استقر في عهده الأخير على النحو الذي قدمناه ، فإن القانون الجديد يكون قد استحدث حكماً يقضي بجواز انتقال الحق في التعويض إلى الورثة بمجرد رفع الدعوى في حياة المورث دون حاجة إلى صدور حكم نهائي . فإذا وقع الضرر الأدبي قبل نفاذ القانون الجديد ( 15 أكتوبر سنة 1949 ) ، ورفعت الدعوى بعد نفاذه ، ثم مات المورث قبل صدور حكم نهائي ، فإن حق التعويض ينتقل إلى الورثة بفضل الأثر الفوري للقانون ( effet immediat ) . وكذلك الحكم إذا رفعت الدعوى قبل نفاذ القانون الجديد ومات المورث بعد نفاذه وقبل صدور حكم نهائي . أما إذا رفعت الدعوى قبل نفاذ القانون الجديد ومات المورث قبل نفاذ هذا القانون أيضاً وقبل صدور حكم نهائي ، فإن حق التعويض لا ينتقل إلى الورثة ، لأن القانون القديم وفقاً لما فسره به القضاء ، هو الذي يسري في هذه الحالة

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

التعسف في استعمال الحق في القانون المدني

التعسف في استعمال الحق

 ( Abus du droit )

552 – مسائل ثلاث : قدمنا أن الخطأ يكون لا في الخروج عن حدود الرخصة فحسب ، ولا في الخروج عن حدود الحق فحسب ، بل أيضاً في التعسف في استعمال الحق . وقلنا إن رجال الفقه في القرن الماضي كانوا لا يرون أن الشخص يجوز عليه الخطأ وهو يستعمل حقه . ولكن نظرية التعسف في استعمال الحق – ولها جذور في أعماق الماضي السحيق – ما لبثت أن استقرت في العصر الحاضر ، وثبت عليها القضاء ، وسلم بها الفقه .

فنحن نتابع هذه النظرية : ( 1 ) في تطورها التاريخي إلى أن نصل بها إلى يومنا هذا لنراها مسجلة في تقنيننا المدني الجديد . ( 2 ) ثم نبحث على أي أساس تقوم النظرية ، وبأي معيار تأخذ . ( 3 ) ثم ننظر في حظها من التطبيق العملي في نواحي النشاط المختلفة .

1 – التطور التاريخي لنظرية التعسف في استعمال الحق :

553 – نظرية التعسف في استعمال الحق نظرية قديمة : ليست نظرية التعسف في استعمال الحق بالنظرية الجديدة أو المبتدعة ، بل هي نظرية قديمة عرفها الرومان ، وانتقلت إلى القانون الفرنسي القديم ، وتشبع يبها الفقه الإسلامي . ولكنها اختفت ردحاً من الزمن بعد أن ظهرت مبادئ الفردية ( individualisme ) وأمعنت الثورة الفرنسية في الأخذ بهذه المبادئ وبقيت مختفية طوال القرن التاسع عشر . لا تكاد تطول برأسها في بعض أحكام القصاء حتى يتنكر لها الفقهاء ، إلى أن قيض الله لها فقيهين من أعلام الفقه الفرنسي هما سالي ( Saleilles ) وجوسران ( josserand ) ، فنفضا عنها التراب ، وأعادا لها الجدة . فما لبثت أن استقرت في الفقه بعد أن ثبت عليها القضاء . ثم أخذت بها التقنينات الحديثة . وأصبحت اليوم نظرية ثابتة مستقرة لا يستطيع أحد أن يفكر تفكيراً جدياً في الانتفاض عليها .

554 – النظرية في القوانين القديمة : قلنا إن القانون الروماني عرف النظرية . يشهد بذلك ما أورده فقهاء هذا القانون من تطبيقات لها مختلفة . من ذلك أن قرر الفقيه إيلبيان ( ulpien ) أن من حفر بئراً في أرضه وتعمق في الحفر حتى قطع العروق النابعة في عين لجاره ، لا يكون مسئولاً عن تعويض هذا الضرر ولكنه يكون مسئولاً إذا كان التعمق في الحفر من شأنه أن يسقط حائط الجار . وقد توسع القانون البريطوري ( droit pretorien ) في تطبيق النظرية ، حتى يتخفف من حدة القانون القديم وصرامته ( [1] ) .

وانتقلت النظرية إلى القانون الفرنسي القديم بعد إحياء دراسات القانون الروماني في العصور الوسطى . وذهب دوما ( Domat ) فيما يبدو إلى أن الشخص يكون متعسفاً في استعمال حقه إذا هو قصد الإضرار بالغير أو لم تكن له مصلحة في استعماله . وكان يرى أن من يباشر إجراءات التقاضى قد يتعسف في مباشرتها فتتحقق مسئوليته ( [2] ) .

ولم يكن الفقه الإسلامي ، وهو الفقه المشبع بروح دينية سامية تنهي عن التعسف وتأمر بالرفق والإحسان ، بأقل توسعاً من القانون الروماني في الأخذ بنظرية التعسف في استعمال الحق ( [3] ) بل إن القانون المدني الجديد قد حرص على أن ينتفع في صياغة النص الذي أورده في هذه النظرية بالقواعد التي استقرت في الفقه الإسلامي ، واستمد من هذا الفقه الضوابط التي اشتملت عليها النص ( [4] ) .

555 – الثورة الفرنسية والتقنين المدني الفرنسي : كان هذا العهد مشبعاً بروح الفردية كما قدمنا ، ينادى بحقوق الإنسان ، ويجعل منها حقوقاً مطلقة مقدسة . فلم تكن هناك حدود جدية تقيد من حرية الإنسان في استعمال حقه ما دام لا يجاوز الحدود المادية لهذا الحق . فانتكصت النظرية في ذلك العهد وفيما تلاه من العهود طوال القرن التاسع عشر . ولم يتحدث عنها أحد من الفقهاء . وساعد على ذلك أن مبدأ تحريم التعسف في استعمال الحق ، إذا كان قد عرف منذ القديم في القانون الروماني وفي القانون الفرنسي القديم ، كان ينقصه أن يصاغ في نظرية فقهية شاملة تجمع شتاته . وهذا ما اضطلع به رجال الفقه في القرن العشرين .

556 – انتعاش النظرية في العصر الحاضر : كان للقضاء ثم للفقه في فرنسا الفضل في إحياء مبدأ تحريم التعسف في استعمال الحق ، فصوغ المبدأ في نظرية عامة شاملة ، ما لبثت أن استقرت وأصبحت من أمهات النظريات القانونية .

بدأ القضاء الفرنسي منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر يقرر المبدأ في كثير من الصراحة والوضوح . فهذه محكمة استئناف كولمار ( Colmar ) تقول في حكمها الصادر في 2 مايو سنة 1855 ( [5] ) ، وقد أدانت مالكاً أقام فوق سطح منزله مدخنة غرضه الوحيد من إقامتها أن يحجب النور عن جاره ، ما يأتي : ” ومن حيث إن المبادئ العامة تقضي بأ ، حق الملكية هو على وجه ما ( en quelque sorte ) حق مطلق يبيح للمالك أن ينتفع بالشيء ، وأن يستعمله وفقاً لهواه ( abuser ) . ولكن استعمال هذا الحق ، كاستعمال أي حق آخر ، يجب أن يكون حده هو استيفاء مصلحة جدية مشروعة ( interet serieux et legitime ) وأن مبادئ الأخلاق والعدالة لتتعارض مع تأييد القضاء لدعوى يكون الباعث عليها رغبة شريرة ( malveillance ) ، وقد رفعت تحت سلطان شهوة خبيثة ( mauvaise passion ) ، دعوى لا يبررها أية منفعة شخصية ( aucune utilite personnelle ) ، وهي تلحق بالغير أذى جسيماً ( grave prejudice ) ” . وفي سنة 1871 قررت محكمة النقض الفرنسية المبدأ الآتي : ” حتى يكون ثمة محل للتعويض يجب أن يكون هناك خطأ . والقانون لا يعتبر الشخص مخطئاً إذا هو عمل ما من حقه أن يعمله ، إلا إذا قصد بالعمل أن يؤذي الغير دون أن تكون له مصلحة في ذلك ( interet pour lui – meme pour nuire a autrui et sans ) ( [6] ) ” .

ولكن الفقه لم يتنبه إلى هذه الطلائع من أحكام القضاء الفرنسي إلا في أواخر القرن التاسع عشر . فكتب بعض الفقهاء في ذلك ( [7] ) . على أن الفقيهين اللذين قادا الفقه في هذا الميدان ، في مستهل القرن العشرين ، هما كما قدمنا سالي وجوسران . واستأثر جوسران بالجولات الأولى والأخيرة ، فوضع منذ سنة 1906 مؤلفاً أسماه ” التعسف في استعمال الحقوق ” ( De l’abus des droits ) جمع فيه أحكام القضاء منسقة ، واستخلص منها أصول نظرية عامة في هذه المسألة ، على غرار نظرية سبقتها في القانون الإداري هي نظرية التعسف في استعمال السلطة ( detournement de pouvoir ) ( [8] ) . ثم كتب في سنة 1927 مؤلفاً آخر أسماه ” في روح الحقوق وفي نسبيتها – النظرية المسماة بنظرية التعسف في استعمال الحق ” ( De l’esprite de droits et de leur relativite – theorie dite de l’abus des droits ) ، كان أشمل المؤلفات في هذه المسألة وأكثرها وضوحاً .

ولم تسلم النظرية من خصوم ، وأظهر من ناصب النظرية العداء هو بلانيول الفقيه الفرنسي المعروف ، وهو يذهب إلى أن التعسف في استعمال الحق إنما هو خروج عن الحق ، ويقول في ذلك : ” ينتهى الحق حيث يبدأ التعسف ، ولا يمكن أن يكون ثمة تعسف في استعمال حق ما ، لسبب غير قابل لأن يدحض ، هو أن العمل الواحد لا يصح أن يكون في وقت معاً متفقاً مع القانون ومخالفاً له ( [9] ) ” . وظاهر أن النقد شكلي . إذ يكفي لرده أن نقول إن هناك نوعين من الخروج عن الحق : خروجاً صريحاً عن حدود الحق ، وخروجاً عن الحق بالتعسف في استعماله . ولا يتعرض بلانيول على امتداد المسئولية إلى هذا النوع الثاني ، وكل ما ينكره هو أن يسمى هذا تعسفاً في استعمال الحق ولا يسمى خروجاً عن الحق ، لأن التعسف في رأيه هو خروج عن حدود الحق . فالفرق إذن في التسمية لا في الحكم أما أن العمل الواحد لا يصح أن يكون في وقت معاً متفقاً مع القانون ومخالفاً له ، فهذا لا شك فيه . ولكن يصح أن يكون العمل الواحد متفقاً مع حدود الحق ، ويكون في الوقت ذاته مخالفاً للقانون ( [10] ) .

ومهما يكن من أمر فإن الفقه ، منذ صاغ نظرية التعسف ونسق ما بين أجزائها ، أنار السبيل للقضاء ، فصار يمشي على هدى ، وكثرت الأحكام والتطبيقات القضائية لهذه النظرية الخطيرة . وهكذا أثر القضاء في الفقه ، ثم تأثر به . وما لبث المشرع الفرنسي أن سار هو أيضاً في هذا السبيل ، فسجل انلظرية في كثير من تشريعاته المتفرقة ( [11] ) .

وقد أخذت النظرية مكاناً محترماً في التقنينات الحديثة ، حتى سما بها القانون المدني السويسري إلى الصدر من نصوصه ، ليجعل منها نظرية عامة تتمشى على جميع نواحي القانون ، ولم يقتصر على جعلها تطبيقاً من تطبيقات المسئولية التقصيرية تذكر في المكان الذي نص فيه على هذه المسئولية ( [12] ) .

وانتقلت النظرية من الفقه والقضاء الفرنسيين إلى الفقه والقضاء المصريين في ظل القانون القديم . أما التشريع المصري فلم يكن يشتمل على نص عام في الموضوع ، وإن كان قد أشتمل على بعض نصوص تطبيقية ( [13] ) .

ولكن القانون المدني الجديد احتفل بالنظرية ، وعنى بها عناية خاصة . فأحلها مكاناً بارزاً بين نصوصه ، وجعلها نظرية عامة مكانها الباب التمهيدي لا المسئولية التقصيرية ( [14] ) .

557 – النصوص القانونية : نصت المادة 4 من القانون المدني الجديد على ما يأتي :

 ” من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسئولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر ( [15] ) ” .

ثم نصت المادة 5 على ما يأتي :

 ” يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية :

 ” ( أ ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير ” .

 ” ( ب ) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها ” .

 ” ( ج ) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة ( [16] ) ” .

ويلاحظ بادئ الأمر أن القانون المدني الجديد ، إذا كان قد آثر أن يضع هذه النصوص في الباب التمهيدي لتكون مبدأ من المبادئ الجوهرية التي تسود جميع نواحي القانون ، لم يرد بذلك أن يقيم المبدأ على غير أساسه القانوني . فالتعسف في استعمال الحق ليس إلا صورة من صورتي الخطأ التقصيري على النحو الذي قدمناه ، فيدخل بهذا الاعتبار في نطاق المسئولية التقصيرية ( [17] ) .

558 – الأساس القانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق : فالأساس القانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق ليس هو إذن إلا المسئولية التقصيرية . إذ التعسف في استعمال الحق خطأ يوجب التعويض . والتعويض هنا ، كالتعويض عن الخطأ في صورته الأخرى وهي صورة الخروج عن حدود الحق أو عن حدود الرخصة ، يجوز أن يكون نقداً كما يجوز أن يكون عيناً . وليس التعويض العيني – كالقضاء بهدم المدخنة التي تحجب النور عن الجار – بمخرجه عن نطاق المسئولية التقصيرية ، فإن التعويض العيني جائز في الصورة الأخرى من الخطأ كما سنرى . ولا نحن في حاجة إلى القول بأساس مستقل للتعسف في استعمال الحق يتميز به عن المسئولية التقصيرية – كما ذهب بعض الفقهاء ( [18] ) إلى ذلك – إذا نحن سلمنا بجواز الحكم بتهديد مالي في شأنه ( [19] ) ، فإن التهديد المالي جائز في الالتزام الناشئ عن المسئولية التقصيرية جوازه في أي التزام آخر ( [20] ) .

ويبقى التعسف داخلاً في نطاق المسئولية التقصيرية حتى لو كان تعسفاً متصلاً بالتعاقد ( [21] ) . فالمؤجر الذي يتمسك بالشرط المانع من الإيجار من الباطن تعسفاً منه تتحقق مسئوليته التقصيرية .ويكون مسئولاً مسئولية تقصيرية كذلك من تعسف في إنهاء عقد جعل له الحق في إنهائه ، كعقد العمل أو عقد الشركة إذا لم تحدد المدة فيهما وكعقد الوكالة .

559 – معيار نظرية التعسف في استعمال الحق : فما هو إذن المعيار الذي يصلح اتخاذه لنظرية التعسف في استعمال الحق؟ هو دون شك المعيار عينه الذي وضع للخطأ التقصيري ، إذ التعسف ليس إلا إحدى صورتيه كما قدمنا . ففي استعمال الحقوق كما في إتيان الرخص يجب ألا ينحرف صاحب الحق عن السلوك المألوف للشخص العادي . فإذا هو انحرف – حتى لو لم يخرج عن حدود الحق – عد انحرافه خطأ يحقق مسئوليته .

غير أن الانحراف هنا لا يعتد به إلا إذا اتخذ صورة من الصور التي عددها نص القانون الجديد : 1 ) قصد الإضرار بالغير . 2 ) رجحان الضرر على المصلحة رجحاناً كبيراً . 3 ) تحقيق مصلحة غير مشروعة . ونبحث الآن هذه الصور واحدة بعد الأخرى .

560 – قصد الإضرار بالغير : المعيار هنا ، على الرغم من ذاتيته ، يمكن أن يندرج في المعيار الموضوعي العام للخطأ . فإنه لا يكفي أن يقصد صاحب الحق الإضرار بالغير ، بل يجب فوق ذلك أن يكون استعماله لحقه على هذا النحو مما يعتبر انحرافاً عن السلوك المألوف للشخص العادي . فقد يقصد شخص وهو يستعمل حقه أن يضر بغيره ، ولكن لتحقيق مصلحة مشروعة لنفسه ترجح رجحاناً كبيراً على الضرر الذي يلحقه بالغير . فقصد الإضرار بالغير في هذه الحالة لا يعتبر تعسفاً ، إذ أن صاحب الحق بهذا التصرف م ينحرف عن السلوك المألوف للشخص العادي . أما إذا كان قصد إحداث الضرر هو العامل الأصلي الذي غلب عند صاحب الحق وهو يستعمل حقه للإضرار بالغير ، اعتبر هذا تعسفاً ، ولو كان هذا القصد مصحوباً بنية جلب المنفعة كعامل ثانوي ، سواء تحققت هذه المنفعة أو لم تتحقق ويكون تعسفاً ، من باب أولى ، قصد إحداث الضرر غير المقترن بنية جلب المنفعة حتى لو تحققت هذه المنفعة عن طريق عرضي ، فلو أن شخصاً غرس أشجاراً في أرضه بقصد حجب النور عن جاره ، كان متعسفاً في استعمال حق الملكية حتى لو تبين فيما بعد أن هذه الأشجار قد عادت على الأرض بالنفع .

ويجب أن يثبت المضرور أن صاحب الحق وهو يستعمل حقه قصد إلى إلحاق الضرر به . ويثبت هذا القصد بجميع طرق الإثبات ، ومنها القرائن المادية . ولا يكفي إثبات أن صاحب الحق تصور احتمال وقوع الضرر من جراء استعماله لحقه على الوجه الذي اختاره ، فإن تصور احتمال وقوع الضرر لا يفيد ضرورة القصد في إحداثه ( [22] ) .

بقى أن نعالج فرضاً كثير الوقوع في العمل ، هو ألا يقوم دليل قاطع على وجود القصد في إحداث الضرر ، ولكن الضرر مع ذلك . ويتبين أن صاحب الحق لم تكن له أية مصلحة في استعمال حقه على الوجه الذي أضر فيه بالغير . ونرى أن انعدام المصلحة هنا انعداماً تاماً قرينة على قصد إحداث الضرر ، كما يدل الخطأ الجسيم على سوء النية . ولكن هذه القرينة قابلة لإثبات العكس ( [23] ) .

561 – رجحان الضرر على المصلحة رجحاناً كبيراً : المعيار هنا موضوعي . وهو محض تطبيق للمعيار الرئيسي في الخطأ ، معيار السلوك المألوف للرجل العادي . فليس من المألوف أن الرجل العادي يستعمل حقاً على وجه يضر بالغير ضرراً بليغاً ولا يكون له في ذلك إلا مصلحة قليلة الأهمية لا تتناسب البتة مع هذا الضرر . ويكون استعمال الشخص لحقه تعسفاً ، على حد ما جاء في النص ، ” إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها ” . نقول ليس من السلوك المألوف للشخص العادي أن يفعل ذلك . ومن يفعل ، فهو إما عابث مستهتر لا يبالي بما يصيب الناس من ضرر بليغ لقاء منفعة ضئيلة يصيبها لنفسه ، وإما منطو على نية خفية يضمر الإضرار بالغير تحت ستار من مصلحة غير جدية أو مصلحة محدودة الأهمية يتظاهر أنه يسعى لها . وفي الحالين قد انحرف عن السلوك المألوف للشخص العادي ، وارتكب خطأ يوجب مسئوليته . . وقد طبق المشرع هذا المعيار ، إذ جاء في الفقرة الثانية من المادة 818 من القانون المدني الجديد ما يأتي : ” ومع ذلك فليس لمالك الحائط أن يهدمه مختاراً دون عذر قوي إن كان هذا يضر الجار الذي يستتر ملكه بالحائط ( [24] ) ” .

562 – عدم مشروعية المصالح التي يرمي صاحب الحق إلى تحقيقها : والمعيار هنا هو أيضاً موضوعي ، وإن كان طريق الوصول إليه عاملاً ذاتياً هو نية صاحب الحق . وهو على كل حال تطبيق سليم لمعيار الخطأ . فليس من السلوك المألوف للشخص العادي أن يسعى تحت ستار أنه يستعمل حقاً له إلى تحقيق مصالح غير مشروعة . فرب العمل الذي يستعمل حقه في فصل عامل لأن التحق بنقابة من نقابات العمال ، والإدارة التي تفصل موظفاً إرضاء لغرض شخصي أو لشهوة حزبية ، والمالك الذي يضع أسلاكاً شائكة في حدود ملكه حتى يفرض على شركة طيران تهبط طائراتها في أرض مجاورة أن تشتري منه أرضه بثمن مرتفع ، ومؤجر العقار الذي يمتنع من الترخيص في الإيجار من الباطن لمشتري المصنع الذي أقيام على العقار بعد أن اقتضت الضرورة أن يبيع المستأجر هذا المصنع وذلك لا توقياً لضرر بل سعياً وراء كسب غير مشروع يجنيه من المشتري ( أنظر م 594 فقرة ثانية من القانون المدني الجديد ) – كل هؤلاء يتعسفون في استعمال حقوقهم ، لأنهم يرمون من وراء استعمالها إلى تحقيق مصالح غير مشروعة ( [25] ) .

وقد آثر القانون الجديد هذا المعيار على معيارين آخرين شائعين في الفقه ، أحدهما معيار الغرض غير المشروع ( motif illegitime ) ، والثاني معيار الهدف الاجتماعي ( but social ) .

أما معيار الغرض غير المشروع فيتلخص في أن صاحب الحق يكون متعسفاً في استعمال حقه إذا كان الغرض الذي يرمي إليه غرضاً غير مشروع ( [26] ) . وظاهر أن معيار ” المصلحة غير المشروعة ” خير من معيار ” الغرض غير المشروع ” . وإذا كان كلاهما يؤدي إلى نتيجة واحدة ، فإن معيار ” المصلحة غير المشروعة ” هو تعبير موضوعي عن المعنى الذاتي الذي ينطوي عليه معيار ” الغرض غير المشروع ” . فهو إذن أدق من ناحية الانضباط وأسهل من ناحية التطبيق ( [27] ) .

ومعيار الهدف الاجتماعي يتلخص في أن الحقوق أعطاها القانون لأصحابها لتحقيق أهداف اجتماعية . فكل حق له هدف اجتماعي معين . فإذا انحرف صاحب الحق في استعمال حقه عن هذا الهدف ، كان متعسفاً وحقت مسئوليته وعيب هذا المعيار ، بالرغم من كونه موضوعياً ، هو صعوبة تحديد الهدف الاجتماعي لكل حق من الحقوق ، ثم خطر هذا التحديد . أما صعوبة التحديد فلأنه ليس من اليسير أن يرسم لكل حق هدف اجتماعي أو اقتصادي يكون منضبطاً إلى الحد الذي يؤمن معه التحكم ويتقي به تشعب الآراء . وأما خطر التحديد فلأن الهدف الاجتماعي هو الباب الذي ينفتح على مصراعيه لتدخل منه الاعتبارات السياسية والنزعات الاجتماعية والمذاهب المختلفة ، مما يجعل استعمال الحقوق خاضعاً لوجهات من النظر متشعبة متباينة ، وفي هذا من الخطر ما فيه . أما معيار ” المصلحة غير المشروعة ” فهو أبعد عن التحكم ، وأدنى إلى الاعتبارات القانونية المألوفة ( [28] ) .

563 – معياران في المشروع التمهيدي حذفا في المشروع النهائي : وقد كان المشروع التمهيدي يضيف إلى المعايير الثلاثة المتقدمة معيارين آخرين :

 ( 1 ) التعارض مع مصلحة عامة جوهرية . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” والمعيار الثاني قوامه تعارض استعمال الحق مع مصلحة عامة جوهرية . وهذا معيار مادي استقاه المشروع من الفقه الإسلامي . وقننته المجلة من قبل إذ نصت في المادة 26 على أن الضرر الخاص يتحمل لدفع ضرر عام ( أنظر أيضاً المواد 27 و 28 و29 من المجلة ) . وأكثر ما يساق من التطبيقات في هذا الصدد عند فقهاء المسلمين يتعلق بولاية الدولة في تقييد حقوق الأفراد صيانة للمصلحة العامة . كمنع اختزان السلع تجنباً لاستغلال حاجة الأفراد إليها خلال الحروب والجوائح . على أن الفكرة في خصبها لا تقف عند حدود هذه التطبيقات . فهي مجرد أمثلة تحتمل التوسع والقياس ( [29] ) ” . ويتبين من ذلك أن المعيار هنا أقرب إلى أن يكون خطة تشريعية ينهج المشرع على مقتضاها في وضع تشريعات استثنائية تقتضيها ظروف خاصة . من أن يكون معياراً يتخذه القاضي للتطبيق العملي في الأقضية اليومية . وقد حذف في المشروع النهائي كما قدمنا .

 ( 2 ) التعارض مع حقوق أخرى يتعطل استعمالها على الوجه المألوف . فقد كان نص المشروع التمهيدي يجعل استعمال الحق غير مشروع إذا كان هذا الاستعمال ” من شأنه أن يعطل استعمال حقوق تتعارض معه تعطيلاً يحول دون استعمالها على الوجه المألوف ” . وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي :

 ” والثالثة حالة استعمال الحق استعمالاً من شأنه أن يعطل استعمال حقوق تتعارض معه تعطيلاً يحول دون استعمالها على الوجه المألوف . والمعيار في هذه الحالة مادي وإذا كان الفقه الغربي لا يؤكد استقلالها هذا المعيار ، إذ يلحقه بمعيار انتفاء صفة المشروعية عن المصلحة ، أو ي جعل منه صورة لمجاوزة حدود الحق يطلق عليها اسم الإفراط ، إلا أن الفقه الإسلامي يخصه بكيان مستقل . والقضاء في مصر أميل إلى الأخذ بمذهب الفقه الإسلامي ( العطارين الجزئية في 21 أكتوبر سنة 1929 المحاماة 10 ص 783 – استئناف مختلط في 11 ديسمبر سنة 1930 م 43 ص 78 ) . وكانت المجلة قد قننت هذا الفقه فقضت في المادة 1198 بأن ” كل أحد له التعلي على حائط الملك وبناء ما يريد ، وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرره فاحشاً ” ، وعرفت الضرر الفاحش في المادة 1199 بأنه : كل ما يمنع الحوائج الأصلية يعني المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى أو ما يضر بالبناء أي يجلب له وهنا ويكون سبب انهدامه ” . وعقبت على ذلك بتطبيقات مختلفة في المواد من 1200 إلى 1212 . وقد جرى القضاء المصري منذ عهد بعيد على الأخذ بهذه المبادئ ، ولا سيما فيما يتعلق بصلات الجوار . فقضت محكمة الاستئناف المختلطة في 30 أبريل سنة 1903 بأن ” الملكية الفردية أياً كانت سعة نطاقها تتقيد بواجب الامتناع عن إلحاق أي ضرر جسيم بالجار . . . ويدخل في ذلك كل فعل يمنع الجار من تحصيل المنافع الرئيسية من ملكه . وتواترت الأحكام بعد ذلك على تقرير المبادئ ذاتها ( [30] ) ” . ويتبين من ذلك أن هذا المعيار الثاني ليس إلا المعيار الذي يطبق في حقوق الجوار ، وهو معيار ” الضرر الفاحش ” . وقد حذف في المشروع النهائي لأن مضار الجوار في القانون المدني الجديد تخرج عن نطاق نظرية التعسف في استعمال الحق فالضرر الفاحش فيما بين الجيران ليس تعسفاً في استعمال الحق . بل هو خروج عن حدود الحق ، وقد رأينا ذلك فيما تقدم ( [31] ) .

564 – معايير التعسف ومعايير الخطأ : ويتبين مما تقدم أن للتعسف في استعمال الحق على الوضع الذي جاء به القانون المدني الجديد معايير ثلاثة : نية الإضرار ، ورجحان الضرر ، والمصلحة غير المشروعة .

ونية الإضرار هي المقابلة للخطأ العمدي . ورجحان الضرر هو المقابل للخطأ الجسيم والمصلحة غير المروعة هي المقابلة للخطأ غير الجسيم .

فالعمد والخطأ الجسيم متطابقان في صورتي الخطأ : صورة التعسف في استعمال الحق وصورة الخروج عن حدود الحق أو الرخصة . أما الخطأ غير الجسيم ، ففي الخروج عن حدود الحق أو الرخصة رأيناه أي انحراف عن السلوك المألوف للرجل العادي ، وفي التعسف في استعمال الحق لا يكون الانحراف إلا في حالة واحدة هي أن يرمي صاحب الحق في استعماله لحقه إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة . ومن ثم يكون الخطأ غير الجسيم في التعسف أضيق منه في الخروج عن الحق أو الرخصة . ويرجع السبب في ذلك إلى نصوص القانون التي ضيقت من حدود التعسف ( [32] ) . وقد يبرر ذلك أن صورة الخطأ في التعسف هي صورة مستحدثة ، فيحس عدم التوسع فيها .

ج – تطبيقات مختلفة لنظرية التعسف في استعمال الحق

565 – تطبيقات تشريعية وتطبيقات قضائية : تنتشر تطبيقات التعسف في استعمال الحق في جميع نواحي القانون . وبعض هذه التطبيقات وردت فيها نصوص تشريعية خاصة في القانون المدني الجديد ، فتسري عليها هذه النصوص بالذات . وبعضها كان ثمرة اجتهاد القضاء المصري في عهد القانون المدني القديم ، ولم يخرج القضاء في تطيقه لنظرية التعسف عن المبادئ التي قدمناها . فنورد بعضاً من التطبيقات التشريعية وبعضاً من التطبيقات القضائية ( [33] ) .

566 – تطبيقات تشريعية من نصوص القانون المدني الجديد :

نصت الفقرة الأولى من المادة 11 على ما يأتي : ” الحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم يسري عليها قانون الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم . ومع ذلك ففي التصرفات المالية التي تعقد في مصر ، وتترتب آثارها فيها ، إذا كان أحد الطرفين أجنبياً ناقص الأهلية وكان نقص الأهلية يرجع إلى سبب فيه خفاء لا يسهل على الطرف الآخر تبينه ، فإن هذا السبب لا يؤثر في أهليته ” فناقص الأهلية هنا إذا طلب إبطال العقد يكون متعسفاً ، فيرد عليه قصده ، ويحرم من الحق في إبطال العقد ، ولا يؤثر هذا السبب الخفي في أهليته . وجزاء التعسف هنا هو منع الضرر من أن يقع .

ونصت الفقرة الأولى من المادة 410 على ما يأتي : ” يجوز لكل من الخصين أن يوجه اليمين الحاسمة إلى الخصم الآخر . على أنه يجوز للقاضي أن يمنع توجيه اليمين إذا كان الخصم متعسفاً في توجيهها ” . وهنا أيضاً جزاء التعسف هو منع الضرر من أن يقع .

ونصت الفقرة الثانية من المادة 695 في عقد العمل على ما يأتي : ” وإذا فسخ العقد بتعسف من أحد المتعاقدين ، كان للمتعاقد الآخر ، إلى جانب التعويض الذي يكون مستحقاً له بسبب عدم مراعاة ميعاد الإخطار ، الحق في تعويض ما أصابه من ضرر بسبب فسخ العقد فسخاً تعسفياً ” . وجزاء التعسف هنا تعويض نقدي .

ونصت المادة 696 6في عقد العمل على ما يأتي : ” 1 – ويجوز الحكم بالتعويض عن الفصل ولو لم يصدر هذا الفصل من رب العمل ، إذا كان هذا الأخير قد دفع العامل بتصرفاته ، وعلى الأخص بمعاملته الجائرة أو مخالفته شروط العقد ، إلى أن يكون هو في الظاهر الذي أنهى العقد . 2 – ونقل العامل إلى مركز أقل ميزة أو ملاءمة من المركز الذي كان يشغله لغير ما ذنب جناه ، لا يعد عملاً تعسفياً بطريق غير مباشر إذا ما اقتضته مصلحة العمل ، ولكنه يعد كذلك إذا كان الغرض منه إساءة العامل ” . وجزاء التعسف هنا أيضاً تعويض نقدي .

ونصت الفقرة الثانية من المادة 818 على ما يأتي : ” ومع ذلك فليس لمالك الحائط أن يهدمه مختاراً دون عذر قوي إن كان هذا يصر الجار الذي يستتر ملكه بالحائط ” . ويجوز أن يكون جزاء التعسف هنا هو إزالة الضرر بعد أن وقع ، فيقام الحائط الذي هدمه مالكه تعسفاً من جديد .

ونصت المادة 1029 على ما يأتي : ” لمالك العقار المرتفق به أن يتحرر من الارتفاق كله أو بعضه إذا فقد الارتفاق كل منفعة للعقار المرتفق ، أو لم تبقى له غير فائدة محدودة لا تتناسب البتة مع الأعباء الواقعة على العقار المرتفق به ” . والتعسف هنا في أن يطالب مالك العقار المرتفق بقاء حتى الارتفاق بعد أن زالت منفعه . والجزاء هو إزالة الضرر عيناً بإنهاء حق الارتفاق ( [34] ) .

567 – تطبيقات قضائية : والقضاء المصري في عهد القانون المدني القديم عني بالأحكام التي تطبق نظرية التعسف في استعمال الحق في نواح مختلفة . ونجتزئ هنا بالإشارة إلى بعض منها .

من ذلك التعسف في استعمال حق الملكية ، إذا استعمل المالك حقه بنية الإضرار بالغير . ويؤخذ قرينة على نية الإضرار ألا يكون للمالك نفع ظاهر من استعمال حقه على النحو الذي اختاره مع علمه بالضرر الذي يلحق الغير . فيعتبر متعسفاً المالك الذي يقيم حائطاً في حدود ملكه يستر النور ويمنع الهواء عن جاره دون نفع ظاهر له ( [35] ) . أما إذا أقام الحائط ليستتر من أن يطل الجار على داره أو على حديقته ، فلا تعسف ولا تعويض ( [36] ) . وإذا استعمل المالك حقه دون حيطة ، فانحرف بذلك عن السلوك المألوف للشخص العادي وأضر بالجار ضرراً بليغاً ، كان مسئولاً مثل ذلك من يبني في أرضه فيخالف قواعد فن البناء تقصيراً أو إهمالاً فيضر بجاره ( [37] ) . ومثل ذلك أيضاً من يقيم في ملكه مدخنة تؤذي الجار وكان يمكنه تجنب هذا الأذى لو أقام المدخنة في مكان آخر ( [38] ) .

ومن ذلك أيضاً التعسف في استعمال الحق في إنهاء العقد . فرب العمل الذي يفصل عاملاً مدفوعاً في ذلك بعامل الانتقام يكون متعسفاً وتتحقق مسئوليته التقصيرية ( [39] ) .

ومن ذلك أخيراً التعسف في استعمال السلطة الوظيفة ، وهو ما يعرف في القانون الإداري بالتعسف في استعمال السلطة ( detournement du pouvoir ) . فإذا انحرف الموظف في أعمال وظيفته عن مقتضى الواجب المفروض عليه ، وصدر تصرفه بقصد الإضرار لأغراض نقابية عن المصلحة العامة . كان متعسفاً في استعمال السلطة وتحققت مسئوليته ( [40] ) .


 ( [1] ) أبلتون في المجلة الدولية للتعليم سنة 1924 ص 151 ب .

 ( [2] ) منقول عن مازو 1 فقرة 556 .

 ( [3] ) أنظر في هذا الموضوع رسالة المرحوم الأستاذ أحمد فتحي في نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي – الدكتور السعيد مصطفى السعيد بك في مدى استعمال حقوق الزوجية .

 ( [4] ) أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد 1 الباب التمهيدي ص 31 – ص 35 .

 ( [5] ) دبللوز 185 – 2 – 9 .

 ( [6] ) أنظر مازو 1 فقرة 577 – تعليق فرون ( ferron ) فى سيريه 1905 – 2 – 19 .

 ( [7] ) سنكتلت ( sainetelette ) في كتابه المسئولية والضمان ( Responsabilite et garantie ) – سوزيه ( Sauzet ) في المجلة الانتقادية للتشريع والقضاء سنة 1883 ص 616 وما بعدها .

 ( [8] ) وقد كان القانون الإداري طليعة للقانون المدني في نظريات ثلاث من النظريات الرئيسية : نظرية التعسف في استعمال الحق ونظرية الحوادث الطارئة ونظرية تحمل التبعة .

 ( [9] ) وهذا أصل ما كتبه بلانيول : Le droite cesse ou l’abus commence, e il ne peut y avoir usage abusive d’un droite quelconque, pour la raison irrefatable qu’un scul et meme acte ne peut pas etre tout a la conforme au droite et contraire au droit, ( planiol II no . 841 )

 ( [10] ) الموجز في النظرية العامة للالتزامات للمؤلف فقرة 324 – وجاء في هذه الفقرة أيضاً ما يأتي : ” أما الذين ينكرون على النظرية أن من معاييرها تلمس الدافع الذي حدا بالشخص على استعمال حقه على النحو الذي اختاره ، وأن الدافع شيء نفسي يتعذر الغوص عليه في أعماق الضمير ، فينبغي أن يتنبهوا إلى أن هذا النقد لا ينصب على هذه النظرية وحدها ، بل هو يتناول كل معيار شخصي في القانون . والمعايير الشخصية كثيرة . وفي كل وقت يطلب من القاضي أن يطبقها على الأقضية التي تعرض له ، فيبحث عن حسن النية وسوء النية ، وعن الغلط الدافع للتعاقد ، وعن السبب الدافع كركن من أركان الالتزام ، وعن الغش والتواطؤ في الدعوى البوليصية ، وما إلى ذلك ” .

 ( [11] ) أنظر في هذه التشريعات المختلفة مازو 1 فقرة 558 .

 ( [12] ) وهذا ما جاء في المادة الثانية من القانون المدني السويسري : ” يجب على كل شخص أن يستعمل حقوقه وأن يقوم بتنفيذ التزاماته طبقاً للقواعد التي يرسمها حسن النية . أما التعسف الظاهر ( abus manifeste ) في استعمال الحق فلا يقره القانون ” . ونصت المادة 226 من القانون الألماني على أنه ” لا يجوز استعمال حق لمجرد الإضرار بالغير ” ونصت الفقرة الثانية من المشروع الفرنسي الإيطالي ما يأتي : ” يلتزم أيضاً بالتعويض كل من أوقع ضرراً بالغير ، بأن جاوز في استعماله لحقه الحدود التي يقيمها حسن النية أو الغرض الذي من أجله أعطى هذا الحق ” .

 أنظر أيضاً المادة 135 من قانون الالتزامات البولوني والفقرة الثانية من المادة 1295 من القانون النمساوي والمادة الأولى من القانون السوفييتي .

 ( [13] ) مثل ذلك : م 38 / 59 – 60 مدني قد : ” ليس للجار أن يجبر جاره على إقامة حائط أو نحوه على حدود ملكه ولا على أن يعطيه جزءاً من حائطه أو من الأرض التي عليها الحائط المذكور ، ومع ذلك ليس لمالك الحائط أن يهدمه لمجرد إرادته إن كان ذلكيترتب عليه حصول ضرر للجار المستتر ملكه بحائطه ما لم يكن هدمه بناء على باعث قوي ” . – م 115 / 120 من قانون المرافعات القديم : ” يجوز للمحكمة في جميع الدعاوى أن تحكم بتعويضات في مقابلة المصاريف الناشئة عن دعوى أو مرافعة كان القصد منها مكيدة الخصم ” .

 ( [14] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في يهذا الصدد ما يأتي : ” بيد أن المشروع أحل النص الخاص بتقرير نظرية التعسف في استعمال الحق مكاناً بارزاً بين النصوص التمهيدية لأن لهذه النظرية من معنى العموم ما يجعلها تنبسط على جميع نواحي القانون دون أن تكون مجرد تطبيق لفكرة العمل غير المشروع . وإذا كان القضاء قد رأى أن يستند في تطبيقها إلى قواعد المسئولية التقصيرية بسبب قصور النصوص ، فهو لم يقصر هذا التطبيق على ناحية معينة من نواحي القانون المدني ، وإنما بسطه على هذه النواحي جميعاً ، بل وعلى نواحي القانون قاطبة ، فهو يجزم بأن النظرية تنطبق على روابط الأحوال الشخصية كما تنطبق على الروابط المالية ، وأنها ستري في شأن الحقوق العينية سريانها في شأن الحقوق الشخصية ، وأنها لا تقف عند حدود القانون الخاص بل تجاوزه إلى القانون العام . ولذلك آثر المشروع أن يضع هذه النظرية وضعاً عاماً ، محتذياً مثال أحدث التقنينات وأرقاها ( أنظر المادة 2 من التقنين المدني السويسري والمادة الأولى من التقنين المدني السوفييتي ) . وقد ساعد على اختيار هذا المسلك إقرار الشريعة الإسلامية لنظرية التعسف في استعمال الحق بوصفها نظرية عامة وعناية الفقه الإسلامي بصياغتها صياغة تضارع إن لم تقف في دقتها وإحكامها أحدث ما أسفرت عنه مذاهب المحدثين من فقهاء الغرب . وإزاء ذلك حرص المشروع على أن ينتفع في صياغة النص بالقواعد التي استقرت في الفقه الإسلامي ، وهي قواعد صدر عنها التشريع المصري في التطبيقين اللذين تقدمت الإشارة إليهما ( المواد 38 / 59 – 60 مدني و 115 / 120 مرافعات ) واستلهمها القضاء في كثير من أحكامه ( استئناف مختلط في 6 أبريل سنة 1906 م 18 ص 189 – وفي 3 مايو سنة 1906 م 18 ص 235 ) . ولهذا لم ير المشروع أن ينسج على منوال التقنين السويسري في النص على أن كل شخص يجب عليه أن يباشر حقوقه ويبقى التزاماته وفقاً لما يقتضي حسن النية أن يختار الصيغة التي آثرها المشرع السوفييتي إذ قضى في المادة الأولى من التقنين المدني بأن القانون يتكفل بحماية الحقوق المدنية إلا أن تستعمل على وجه يخالف الغرض الاقتصادي أو الاجتماعي من وجودها . وأعرض أيضاً عن الصيغة التي اختارها التقنين اللبناني ( م 124 ) وهي لا تعدو أن تكون مزاجاً من نصوص التقنين السويسري والتقنين السوفييتي . والواقع أن المشرع تحامى اصطلاح ” التعسف ” لسعته وإبهامه وجانب أيضاً كل تلك الصيغ العامة بسبب غموضها وخلوها من الدقة ، واستمد من الفقه الإسلامي بوجه خاص الضوابط الثلاثة التي اشتمل عليها النص . ومن المحقق أن تفصيل الضوابط على هذا النحو يهيئ للقاضى عناصر نافعة للاسترشاد ، ولا سيما أنها جميعاً وليدة تطبيقات عملية انتهى إليها القضاء المصري عن طريق الاجتهاد . . . . وعلى هذا النحو وضع المشروع دستوراً لمباشرة الحقوق ألف فيه بين ما استقر من المبادئ في الشريعة الإسلامية وبين ما انتهى إليه الفقه الحديث في نظرية التعسف في استعمال الحق ولكن دون أن يتقيد كل التقيد بمذاهب هذا الفقه . وبذلك أتيح له أن يمكن للنزعة الأخلاقية والنزعات الاجتماعية الحديثة وأن يصل بين نصوصه وبين الفقه الإسلامي في أرقى نواحيه وأحفلها بعناصر المرونة والحياة ” . ( المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي 1 الباب التمهيدي ص 31 – ص 32 و ص 35 ) .

 ( [15] ) تاريخ النص : لم يكن للمادة 4 مقابل في المشروع التمهيدي . وقد اقترح في لجنة المراجعة وضع النص الآتي : ” من استعمل حقه استعمالاً جائزاً لا يكون مسئولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر ” ، ليقرر المبدأ العام الذي يمهد للنص التالي الخاص بالتعسف في استعمال الحق ، فأقرت اللجنة النص وأصبح رقمه المادة 4 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب عليه ، ثم لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ بعد استبدال كلمة ” مشروعاً ” بكلمة ” جائزاً ” وبقى رقم النص المادة 4 . ووافق عليه مجلس الشيوخ كما أقرته لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 199 – ص 200 ) .

 ( [16] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 6 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” يصبح استعمال الحق غير جائز في الأحوال الآتية : ( 1 ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير ( ب ) إذا كان متعارضاَ مع مصلحة عامة جوهرية ( ج ) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة ، أو كانت هذه المصالح قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها ، أو كان استعمال الحق من شأنه أن يعطل استعمال حقوق تتعارض معه تعطيلاً يحول دون استعمالها على الوجه المألوف ” . وفي لجنة المراجعة عدلت المادة على الوجه الآتي : ” يكون استعمال الحق غير جائز في الأحوال الآتية : ( 1 ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير ( ب ) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها ( ج ) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة ” . ووافق مجلس النواب على المادة تحت رقم 5 . ووافقت عليها لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ بعد استبدال كلمة ” مشروع ” بكلمة ” جائز ” ، وبقى رقمها 5 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما أقرتها لجنته . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 200 – ص 211 ) .

 ( [17] ) وقد ناقشت لجنة مراد سيد أحمد باشا طويلاً المكان الذي يوضع فيه النص الخاص بالتعسف في استعمال الحق . فقال أحد الأعضاء إن نظرية إساءة استعمال الحق إن هي إلا توسع في فكرة العمل غير المشروع ، ولهذا السبب يكون مكانها المنطقي في باب الالتزامات بين تلك التي تنشأ عن العمل غير المشروع ، وهذا هو ما أخذت به أحدث التشريعات كالمشروع الفرنسي الإيطالي والقانون البولوني والقانون اللبناني . فقيل رداً على ذلك إن نطاق تطبيق مبدأ استعمال الحق ليس مقصوراً عن الحقوق الناشئة عن التزامات ، بل يمتد إلى كل قانون سواء في ذلك القانون المدني أو القانون التجاري أو قانون المرافعات أو القانون العام . فإذا كان هناك نص ينبغي بطبيعته أن يدرج بين النصوص التمهيدية فهو ذلك الخاص بإساءة استعمال الحق وقد أورد التقنين السويسري نصاً بهذا المعنى في الباب التمهيدي ( م 2 ) . أما التقنين الألماني فقد أفرد لهذا الموضوع نصاً تحت عنوان ” في استعمال الحقوق ” ( م 266 ) . وإذا كانت بعض التقنينات الحديثة قد أوردت هذا النص في باب الالتزامات فما ذلك إلا اضطراراً ، حيث إن هذه التقنينات إنما جاءت خاصة بالالتزامات . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 202 – 204 في الهامش ) .

 ( [18] ) أنظر بنكلز ملحق بودري 3 فقرة 236 – سافاتييه في تعليق له في داللوز 1938 – 1 – 73 .

 ( [19] ) وذلك كالحكم على من أقام حائطاً في ملكه ليحجب النور عن جاره بمبلغ من المال يدفعه عن كل يوم يتأخر فيه عن إزالة هذا الحائط .

 ( [20] ) ماز 1 فقرة 564 هامش رقم 2 .

 ( [21] ) وقد قضت محكمة النقض بأن نظرية إساءة استعمال الحق مردها إلى قواعد المسئولية في القانون المدني ، لا إلى قواعد العدل والإنصاف المشار إليهما في المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية ( القديمة ) . فإذا كان الحكم قد أسس قضاءه على تلك النظرية ، فإنه يكون قد أعمل القانون المدني في الدعوى لا قواعد العدل والإنصاف ( وكان وجه الطعن هو أن الحكم خالف المادة 29 من اللائحة إذ أخذ بنظرية إساءة استعمال الحق على الرغم من صراحة نص العقد في حين أنه لا مجال للاجتهاد والاستناد إلى قواعد العدل متى كان النص صريحاً ) نقض مدني في 28 نوفمبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 144 ص 259 ) .

 ( [22] ) فلو أن شخصاً يملك أرضاً للصيد ، وصاد فيها ، فأصاب شخصاً آخر دون أن يتعمد ذلك ، فإنه لا يكون لديه قصد الإضرار بالغير حتى لو ثبت أنه تصور احتمال وقوع هذه الإصابة ، ولا يعد هذا التصرف تعسفاً ، لا باعتبار أنه ينطوي على قصد الإضرار بالغير ، ولا بأي اعتبار آخر ، إذ هو لا يدخل تحت حالة من الحالات الثلاث التي يتحقق فيها التعسف في استعمال الحق .

 ( [23] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وأول هذه المعايير هو معيار استعمال الحق دون أن يقصد من ذلك سوى الإضرار بالغير . وهذا معيار ذاتي استقر الفقه الإسلامي والفقه الغربي والقضاء على الأخذ به . وقد أفرد له التقنين الألماني المادة 226 وهي في طليعة النصوص التشريعية التي دعمت أسس نظرية التعسف في استعمال الحق . والجوهري في هذا الشأن هو توافر نية الإضرار ، ولو أفضى استعمال الحق إلى تحصيل منفعة لصاحبه . ويراعى أن القضاء جرى على استخلاص هذه النية من انتفاء كل مصلحة من استعمال الحق استعمالاً يلحق الضرر بالغير متى كان صاحب الحق على بينة من ذلك . وقد جرى القضاء أيضاً على تطبيق الحكم نفسه في حالة تفاهة المصلحة التي تعود على صاحب الحق في هذه الحالة ” ( المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي 1 الباب التمهيدي ص 32 – ص 33 ) .

 ( [24] ) أنظر أيضاً المادتين 826 و 1029 من القانون المدني الجديد . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” والثانية حالة استعمال الحق ابتغاء تحقيق مصلحة قليلة الأهمية لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها . والمعيار في هذه الحالة مادي . ولكنه كثيراً ما يتخذ قرينة على توافر نية الإضرار بالغير . ويساير الفقه الإسلامي في أخذه بهذا المعيار اتجاه الفقه والقضاء في مصر وفي الدول الغربية على حد سواء ” . ( المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي 1 الباب التمهيدي ص 34 ) .

 ( [25] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” الأولى حالة استعمال الحق استعمالاً يرمي إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة . وتعبير المشروع في هذا المقام خير من نص بعض التقنينات على صرف الحق عن الوجهة التي شرع من أجلها . ولا تكون المصلحة غير مشروعة إذا كان تحقيقها يخالف حكماً من أحكام القانون فحسب ، وغنما يتصل بها هذا الوصف أيضاً إذا كان تحقيقها يتعارض مع النظام العام أو الآداب . وغذا كان المعيار في هذه الحالة مادياً في ظاهره ، إلا أن النية كثيراً ما تكون الغلة الأساسية لنفي صفة المشروعية عن المصلحة . وأبرز تطبيقات هذا المعيار يعرض بمناسبة إساءة الحكومة لسلطاتها كفصل الموظفين إرضاء لغرض شخصي أو شهوة حزبية ( استئناف مصر الدوائر المجتمعة في أول مارس سنة 1928 المحاماة 8 ص 750 ) . وأحكام الشريعة الإسلامية في هذا الصدد تتفق مع ما استقر عليه الرأي في التقنينات الحديثة والفقه والقضاء . ( المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي 1 الباب التمهيدي ص 33 ) .

 ( [26] ) أنظر جوسران 2 فقرة 296 .

 ( [27] ) أنظر فى نقد معيار الغرض غير المشروع مازو 1 فقرة 575 .

 ( [28] ) أنظر في نقد معيار الهدف الاجتماعي مازو 1 فقرة 572 .

 ( [29] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي 1 الباب التمهيدي ص 33 – مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 209 .

 ( [30] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي 1 الباب التمهيدي ص 34 – مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 210 .

 ( [31] ) أنظر آنفاً فقرة 551 – هذا وقد كان النص الخاص بالتعسف في استعمال الحق محل مناقشات مشبهة في لجنتي مراد سيد أحمد باشا وكامل مصدقي باشا . وقد أقرت لجنة مراد سيد أحمد باشا النص الآتي : ” لا يسمح باستعمال الحق إذا تجاوز الحدود التي يمليها حسن النية أو يقررها الغرض الذي من أجره وجد هذا الحق ” . وفي لجنة كامل صدق باشا اقترح النص الآتي : ” لا يكون استعمال الحق مشروعاً إذا جاوز الحدود التي يقتضيها حسن النية أو الغرض الذي من أجله تقرر هذا الحق ” . وذكر أن هذا النص يكاد يردد حرفياً ما جاء بالمادة 74 فقرة 2 من المشروع الفرنسي الإيطالي والمادة 35 من القانون البولوني والمادة 124 من القانون اللبناني . وقال أحد أعضاء اللجنة إنه يبدو من مقارنة وجهات النظر جميعاً أن نظرية إساءة استعمال الحق تخضع لاعتبارين أساسيين : أحدهما نفسي محض وهو نية التدليس التي تصرف العمل المشروع إلى قصد واحد هو الإضرار بالغير ، والثاني مادي يواجه الضرر المتسبب عن مباشرة هذا العمل في نطاق يجاوز الحدود المادية المرسومة له ، وقد اقترح بناء على ذلك النص التالي : ” لا يجوز لأحد أن يستعمل حقه دون مصلحة تعود عليه ولمرد قصد الإضرار بالغير ” ، فهذا النص يوفق بين الاعتبارين السابق ذكرهما ، ويتضمن الشروط الأربعة المطلوبة وهي : ( 1 ) استعمال الحق . ( 2 ) انعدام المصلحة من هذه الاستعمال . ( 3 ) قصد الإضرار ( ويستوي معه الخطأ الجسيم ) . ( 4 ) الضرر الفعلي . ورأى أحد الأعضاء أن من الخير عدم استحداث جديد في هذه النظرية وذلك باقتباس نص قائم في أي من التشريعات الحديثة لتجنيب المحاكم الوقوع في العثرات التي يهيئها تطبيق نص جديد في مثل هذا الموضوع ، واقترح اقتباس نص المشروع الفرنسي الإيطالي . واقترح أحد الأعضاء النص التالي : ” يعد مسئولاً كل من تجاوز حدود الغرض الاجتماعي الذي من أجله تقرر الحق ” .

 وتقدم أحد الأعضاء بنص آخر يجمع بين الفكرة التي عبر عنها القانون المدني الألماني وفكرة استعمال الحق بطريقة منافية للغرض الاجتماعي الذي من أجله تقرر إلحاق ، على النحو الآتي : ” تنتهي مشروعية استعمال الحق إذا كان من شأنه الإضرار بالغير دون فائدة تعود على من يستعمله ، أو إذا كان مخالفاً صراحة للغرض الاجتماعي الذي تقرر من أجله ” . ثم اقترح أخيراً الأخذ بالنص الوارد في المشروع النهائي للقانون المدني الإيطالي وهو : ” لا يسوغ لأحد أن يستعمل حقه بطريقة تتعارض والغرض الذي من أجله تقرر له هذا الحق ” . فوافقت اللجنة على الأخذ بهذا النص وجعله المادة 7 من الباب التمهيدي . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 204 – ص 208 في الهامش ) .

 ( [32] ) وكان القضاء المصري في عهد القانون القديم يطبق هذه المبادئ قبل أن ترد في نصوص القانون الجديد . من ذلك ما قضت به محكمة استئناف مصر الوطنية من أن نظرية الاعتساف في استعمال الحق تسمح بأن يكون لصاحب الحق جواز إنكاره بما يرجع لتقديره هو لظروفه الخاصة به ، إلا إذا استخدم بقصد التنكيل بالغير ولغير غرض جدى شريف يرجوه لنفسه من وراء الإنكار ( استئناف مصر في 22 يونية سنة 1931 المحاماة 12 رقم 222 ص 443 ) . وما قضت به محكمة مصر الكلية الوطنية من أنه لا يجوز استعمال الحق إذا كان الغرض الأساسي منه هو الإضرار بالغير ( محكمة مصر الكلية الوطنية في 31 مايو سنة 1937 المحاماة 18 رقم 31 ص 74 ) . وما قضت به محكمة الاستئناف المختلطة فيمن اختار عمداً من بين الطرف القانونية المواتية له ما يضر منها بالغير من غير أية فائدة يجنيها ، فإنه يسيء استعمال حقه ويلزم بالتعويض ( استئناف مختلط في 12 فبراير سنة 1 936 المحاماة 17 رقم 333 ص 698 ) . وما قضت به هذه المحكمة أيضاً من أن التعسف في استعمال الحق عمل غير مشروع ، إما لأنه قد تم بقصد الإضرار بالغير ، وغما لأنه انحرف عن العرض الذي أعطى الحق من أجله ، وإما لأنه ألحق بالغير ضرراً جسيماً ( استئناف مختلط في 7 أبريل سنة 1945 م 57 ص 125 ) .

 هذا وجزاء التعسف في استعمال الحق يغلب أن يكون تعويضاً نقدياً . وقد يكون تعويضاً عينياً ، إما بإزالة الضرر بعد أن وقع ( هدم الحائط الذي يحجب النور مثلاً ) ، وإما يمنع الضرر أن يقع ( كما إذاك أن في التنفيذ العيني إرهاق للمدين ، وتعسف الدائن في المطالبة بهذا التنفيذ في غير مصلحة جدية ، فإنه يمنع من ذلك ويفرض عليه أن يقتصر على تعويض نقدي : م 203 فقرة 2 ) . وسنرى أمثلة أخرى في التطبيقات التشريعية للتعسف .

 ( [33] ) هذا وكثيراً ما تختلط تطبيقات التعسف في استعمال الحق بتطبيقات الخروج عن حدود الحق أو الرخصة . وقد سبق أن بينا الفرق ما بين الوضعين .

 ( [34] ) أنظر في تطبيقات تشريعية أخرى يتنوع فيها الجزاء : م 124 ( التمسك بالغلط على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية ) – م 516 فقرة 10 ( عزل الشريك من الإدارة دون مسوغ ) – م 594 فقرة 2 ( إيجار من الباطن للعقار الذي أنشئ به مصنع أو متجر ) – م 815 ( تعلية الحائط المشترك ) – م 1023 ( زيادة عبء حق الارتفاق ) – م 10224 – 1025 ( تجزئة العقار المرتفق والعقار المرتفق به ) م 1094 ( إنقاص حق الاختصاص إلى الحد المناسب ) – م 1106 ( إدارة المرهون رهن حيازة إدارة سيئة ) .

 ( [35] ) استئناف مختلط في 17 أبريل سنة 1919 م 31 ص 252 – وفي 12 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 27 .

 ( [36] ) استئناف مختلط في 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 34 – وفي 9 ديسمبر سنة 1937 م 50 ص 42 .

 ( [37] ) استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1915 م 27 ص 403 .

 ( [38] ) استئناف مختلط في 25 نوفمبر سنة 1880 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 6 ص 8 .

 ( [39] ) استئناف مختلط في 19 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 41 – وأنظر أيضاً : استئناف مختلط في 9 ديسمبر سنة 1903 م 16 ص 45 – وفي 10 أبريل سنة 1913 م 25 ص 308 – وفي 30 ديسمبر سنة 1914 م 27 ص 93 – وفي 25 يونية سنة 1918 م 30 ص 491 – وفي 21 فبراير سنة 1924 م 36 ص 242 – وفي 12 مايو سنة 1925 م 37 ص 417 .

 ( [40] ) نقض مدني في 19 نوفمبر سنة 1942 مجموعة عمر 4 رقم 3 ص 3 – وقد يقع التعسف في استعمال السلطة عن طريق قرار إداري يصدر من الموظف ، فيكون باطلاً ويوجب التعويض . وكل من دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في هذه الحالة يكون من اختصاص محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ، ويشترك القضاء العادي مع القضاء الإداري في الاختصاص بنظر دعوى التعويض دون دعوى الإلغاء . وقد يقع التعسف في استعمال السلطة عن طريق عمل مادي ، فيوجب مسئولية كل من الموظف والحكومة مسئولية تقصيرية ، ودعوى المسئولية هنا من اختصاص القضاء العادي وحده .

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

تطبيقات مختلة لفكرة الخطأ

تطبيقات مختلة لفكرة الخطأ

544 – التمييز بين الخروج عن الحق والتعسف في استعمال الحق : قدمنا أن الخطأ هو انحراف عن السلوك المألوف للرجل العادى . ويجب هنا أن نوجه النظر إلى تمييز جوهرى لا يلتفت إليه في العادة ، مع أنه في نظرنا هو الذي يضع نظرية التعسف في استعمال الحق في مكانها الصحيح .

ذلك أن الانحراف في السلوك قد يقع من الشخص وهو يأتي رخصة ، وقد يقع منه وهو يستعمل حقاً ، وليس هنا مجال الإفاضة في التمييز ما بين الرخصة والحق . وبحسبنا أن نقول إن الرخصة هي حرية مباحة في التصرف ، كالسير والتعاقد والتقاضى والكتابة والنشر ونحو ذلك من الحريات العامة التي كفلتها الدساتير للأفراد . أما الحق فهو مصلحة معينة مرسومة الحدود يحميها القانون فالملكية حق ، والتملك رخصة . ذلك أن القانون كفل لجميع الناس الحرية في أن يتملكموا طبقاً للقواعد التي قررها في أسباب الملك ، ومن ثم فالتملك رخصة فإذا ما كسب الشخص ملكية شيء معين بسبب من أسباب الملك ، انتقل من الرخصة إلى الحق ، وأصبح له مصلحة معينة مرسومة الحدود هي حق الملكية على هذا الشيء المعين الذي ملكه ، وهي مصلحة يحميها القانون ( [1] ) .

وللرجل العادى في سلوكه المألوف إذا أتى رخصة يلتزم قدراً من الحيطة والتبصر واليقظة حتى لا يضر بالغير . وإذا استعمل حقاً فإنه لا يجاوز الحدود المرسوم لهذا الحق . فإذا ما انحرف شخص وهو يأتي رخصة – مشى أو تعاقد أو تقاضى أو كتب أو نشر – عن هذا السلوك المألوف من الرجل العادى ، فمشى بسيارته ولم يلتزم اليقظة اللازمة فدهس أحد المارة ، أو تعاقد مع أحد الفنيين الموظفين في مصنع منافس وحمله بذلك على أن يخل بالتزاماته نحو مصنعه ، أو تقاضى فتنكب سبيل الاعتدال وأمعن في الإضرار بخصمه باستعمال إجراءات التقاضى في غير ما وضعت له لدداً في الخصومة ، أو كتب فأفشى سراً من أسرار المهنة كان لا يجوز له إفشاؤه ، أو نشر فقذف شخصاً ، كان كل هذا خطأ يحقق مسئوليته . كذلك إذا استعمل حقاً معيناً – حق ملكية أو حق ارتفاق أو حق رهن أو حق دين – فجاوز الحدود المرسومة للحق الذي يستعمله ، بأن بنى في ملكه مجاوزاً حدود هذا الملك ، أو فتح المطل في المسافة الممنوعة قانوناً ، أو قيد الرهن بأكثر من الدين ، أو تقاضى فيما له من الدين فوائد أكثر مما يبيحه القانون ، كان كل هذا أيضاً خطأ يحقق مسئوليته .

وقد كان رجال الفقه في القرن الماضى يرون تقييد الرخصة ولا يرون تقييد الحق . فيشترطون في إتيان الرخصة ألا ينحرف الشخص عن السلوك المألوف للرجل العادى . أما الحق فلا يشترطون في استعماله إلا عدم مجاوزة حدوده . فكان الخطأ في نظرهم هو انحراف عن السلوك في إتيان الرخصة أو مجاوزة للحدود في استعمال الحق . أما إذا استعمل الشخص حقاً ولم يجاوز الحدود المرسومة لهذا الحق ، فإنه لا يخطئ ولو أضر بالغير . ومن ثم كان استعمال الحق مرهوناً بمدى حدوده . فإن جاوزها صاحب الحق كان هذا خروجاً عن الحق ، وهو خطأ يحقق مسئوليته . وإن التزمها فلا تتحقق مسئوليته ، حتى لو انحرف في استعمال الحق عن السلوك المألوف للشخص العادى فأضر بالغير .

فلا يشترط إذن في استعمال الحق عند رجال الفقه القديم إلا عدم مجاورة الحدود التي وضعت له . وما دام صاحب الحق داخل هذه الحدود فلا يرتكب خطأ مهما أضر بالغير ، ومهما كان مهملاً أو كان سيء النية . وهذه الصورة هي التي نظر فيها رجال الفقه الحديث . ورأوا خلافاً للفقه في الماضى أن المسئولية فيها يجب أن تتحقق وأطلقوا عليها اسماً معروفاً هو ” التعسف في استعمال الحق ” ( abusdu droit ) .

ومن ثم أصبح للخطأ صورتان : صورته الأولى وهي الخروج عن حدود الرخصة أو عن حدود الحق ، وصورته الجديدة وهي التعسف في استعمال الحق .

ونتناول كلاً من الصورتين في تطبيقاتها المختلفة .

 $ – الخروج عن حدود الرخصة أو عن حدود الحق .

545 – من قاعدة عامة واحدة إلى حالات متعددة : رأينا أن هناك قاعدة عامة تقضى بأن كل خطأ يسبب ضرراً يوجب التعويض . وهذه هي السياسة التشريعية التي جرت عليها التقنينات اللاتينية . فهي لا تورد تطبيقات تفصيلية للخطأ ، بل تقتصر على وضع قاعدة عامة على النحو الذي أسلفناه . أما القوانين الأنجلوسكسونية والحرمانية فإنها تعمد إلى التفصيل ، وتتفاوت في إيراد الحالات التفصيلية للخطأ ( [2] ) . ومن المعروف في القانون الإنجليزي أنه لا يشتمل على قاعدة عامة في الخطأ ، بل يحوي أنواعاً مختلفة من الخطأ يورد لكل نوع منها حكمه ، ومن ثم سمى هذا القسم من القانون الإنجليزي ، لا بقانون الخطأ ( Law of tort ) ، بل بقانون الأخطاء ( Law of torts ) .

على أن الفرق ليس بكبير كما يظهر لأول وهلة ما بين القوانين اللاتينية وبين القواعد الإنجليزية والحرمانية . فالثانية تعدد حالات الخطأ . ولكن يمكن أن يستخلص من هذه الحالات قاعدة عامة تتناول الخطأ في ذاته وتحدد أركانه أما الأولى فتبدأ بهذه القاعدة العامة ، ولكنها تنتهي في تطبيقها القضائي إلى حالات في الخطأ تعددها المحاكم حالة حالة وتبين خصائص كل حالة منها . فهناك إذن طوائف من الجرائم المدنية واضحة المعالم بينة الحدود ، شبيهة بالجرائم الجنائية التي يعددها قانون العقوبات .

وها نحن ، على سبيل المثال ، نتناول في إيجاز ، بعض هذه الحالات على النحو الذي انتهى إليه فيها قضاء المحاكم .

546 – حوادث النقل والسيارات والسكك الحديدية وغيرها من وسائل النقل : من الميادين التي يتسع فيها المجال لوقوع الخطأ حوادث النقل . فقد زادت أخطار النقل بقدر ما تعدد من وسائله وما امتد من نشاطه . ويقع كل يوم من حوادث النقل ما يوجب المسئولية . وهي حوادث متنوعة تنجم عن وسائل النقل المختلفة : من الدواب إلى المركبات إلى السيارات إلى السفن إلى الطائرات ، وفي البر والبحر والجو .

والنقل قد يكون بأجر أو بغير أجر . والنقل بأجر قد يكون نقلاً للأشياء أو نقلاً للأشخاص . ففي نقل الأشياء يلتزم عامل النقل بنقل ما عهد إليه في نقله سليماً إلى المقر المتفق عليه ، فإذا تلف في أثناء النقل كان عامل النقل مسئولاً ، والمسئولية هنا مسئولية عقدية لقيامها على التزام يترتب على عقد النقل ، فلا يستطيع عامل النقل أن يتخلص من المسئولية إلا إذا أثبت السبب الأجنبي وتجب المسئولية العقدية في رأينا المسئولية التقصيرية ، فلا خيرة بين المسئوليتين .

وفي نقل الأشخاص لم يكن القضاء الفرنسي في بادئ الأمر يرتب مسئولية عقدية . ثم انتهى إلى أن يستخلص من عقد النقل التزاماً بضمان سلامة الراكب ، وأصبح عامل النقل ملزماً بموجب العقد أن يصل بالراكب إلى المقر المتفق عليه سليماً معافى . والالتزام بضمان السلامة في نقل الأشخاص ، كما هو في نقل الأشياء ، التزام بتحقيق غاية . فإذا أصاب الراكب ضرر بسبب النقل كان عامل النقل مسئولاً مسئولية عقدية لا يستطيع الخلاص منها إلا بإثبات السبب الأجنبي ( [3] ) .

وقد يكون النقل بغير أجر ( transport benevole, gratuit ) ، كأن يستصحب شخص صديقاً له في سيارته في نزهة أو إلى مكان معلوم ، فإذا أصيب الصديق بحادث من جراء ركوب السيارة ، فهل يكون صاحب السيارة مسئولاً ، وعلى أي أساس تقوم مسئوليته؟ نرى أن النقل في هذه الحالة ليس بعقد ، لأن الطرفين لم يقصدا أن يرتبطا ارتباطاً قانونياً ، وقد تقدم ذلك . فنستبعد إذن المسئولية العقدية ( [4] ) . ولا تبقى إلا المسئولية التقصيرية . وهنا تنفتح أمامنا طرق ثلاثة : هل تكون هذه المسئولية هي مسئولية حارس الأشياء ، فيعتبر صاحب السيارة وهو الحارس لها مسئولاً نحو صديقه عن الضرر الذي أصابه حتى يقيم الدليل على السبب الأجنبي؟ ( [5] ) أو تستبعد المسئولية على أساس الحراسة وتبقى في دائرة المسئولية القائمة على خطأ واجب الإثبات ، ونقول إن الصديق المضرور يجب أن يثبت خطأ في جانب صديقه صاحب السيارة؟ وإذا قلنا بذلك ، فأي نوع من الخطأ يجب أن يثبت؟ هل يجب أن يثبت خطأ جسيماً باعتبار أنه رضى بإخلاء مسئولية صديقه بعد أن تبرع هذا بنقله ، فلا يكون صاحب السيارة مسئولاً إلا عن الخطأ الجسيم؟ ( [6] ) أو يكاد أن يثبت خطأ يسيراً طبقاً للقواعد العامة في المسئولية التقصيرية؟ ( [7] ) أما المسئولية على أساس الحراسة فيجب استبعادها ، إذ شرطها ألا يكون المضرور قد اشترط مجاناً في استعمال الشيء الذي أحدث الضرر ( [8] ) كذلك يجب استبعاد أن الصديق المضرور قد رضى بإخلاء مسئولية صاحب السيارة ، إذا حتى على فرض أن هذا صحيح فهو اتفاق على الإعفاء عن مسئولية تقصيرية وهو لا يجوز . فلا يبقى إذن إلا الطريق الثالث ، ويكون صاحب السيارة مسئولاً نحو صديقه المضرور إذا أثبت هذا خطأ يسيراً في جانبه وفقاً للقواعد العامة ( [9] ) .

وهناك مسئولية تقصيرية أخرى تترتب على حوادث النقل إذا كان الضرر قد وقع لا على الراكب بل على المارة في الطريق . ومن الأمثلة المألوفة أن يقوم شخص سيارة ويسير بسرعة ينجم عنها الخطر ، أو أن يسير في الليل دون أن يوقد مصباح السيارة ، أو أن يسير على الجانب الأيسر من الطريق ( [10] ) ، أو أن يدخل من شارع جانبى إلى شارع رئيسي دون أن ينتظر مرور السيارات التي تسير في الشارع الرئيسي ( [11] ) ، أو أن يغفل تنبيه العابرة إلى خطر يتهددهم من سيارته ، أو أن يخالف لوائح المرور ونظمها ( [12] ) . وكثيراً ما تقع الحوادث من قطارات السكك الحديدية ( [13] ) والمركبات الكهربائية ( [14] ) وغير ذلك من وسائل النقل المختلفة ( [15] ) . ويلاحظ في كل ذلك أن المسئول عن الخطأ ، وهو السائق استعمل رخصة أباحها له القانون ، بأن اتخذ وسيلة من وسائل النقل المعروفة ، فانحرف في إتيان هذه الرخصة عن السلوك المألوف للرجل العادى ، وأضر بالغير ، فكان هذا خطأ يستوجب المسئولية . وسنرى أن المسئولية في أكثر هذه الأحوال ، بعد نفاذ القانون المدنى الجديد ، لا تبنى على خطأ واجب الإثبات ، بل على أساس حراسة الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة أو الآلات الميكانيكية ، فيكون الحارس مسئولاً عما تحدثه وسائل النقل من ضرر لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه ( م 178 من القانون المدنى الجديد ) ، وسيأتي تفصيل ذلك .

547 – حوادث العمل : وليست حوادث العمل بأقل من حوادث النقل بعد تقدم المخترعات الميكانيكية وشيوع الصناعات الكبرى . ولعل حوادث النقل وحوادث العمل هي أبلغ الحوادث أثراً في تطور المسئولية التقصيرية .

وقبل صدور قانون العمل رقم 64 لسنة 1936 ( وقد حل محله القانون رقم 89 لسنة 1950 ) كان القضاء المصرى لا يجعل صاحب العمل مسئولاً قبل العامل عن حوادث العمل إلا إذا أثبت العامل خطأ في جانب صاحب العمل ( [16] ) .ولكنه كان يكتفي بإثبات أي إهمال ( [17] ) ، ويوجب على صاحب العمل أن يتخذ الاحتياطات اللازمة حتى يحمي العمال من مخاطر العمل وإلا كان مسئولاً ( [18] ) وتصبح مسئولية صاحب العمل أشد إذا كان العامل صبياً صغير السن ( [19] ) . ولا يستطيع صاحب العمل أن يخفف باتفاق من مسئوليته التقصيرية ( [20] ) . وهو مسئول عن خطأ تابعه ( [21] ) . ولكن يجوز أن يتعهد بتعويض العمال تعويضاً مقدراً عن مخاطر العمل ( [22] ) ، وترتفع مسئوليته إذا كان الضرر قد وقع بخطأ العامل نفسه ( [23] ) .

وبعد أن صدر قانون رقم 64 لسنة 1936 ، ثم قانون رقم 89 لسنة 1950 الذي حل محله ، خضعت حوادث العمل لهذا التشريع الجديد ، ولم يعد يجوز للعامل فيما يتعلق بحوادث العمل أن يتمسك ضد رب العمل بأحكام أي قانون آخر ما لم يكن الحادث قد نشأ عن خطأ جسيم من جانب رب العمل ( [24] ) .

548 – المسئولية عن الأخطاء الفنية في مزاولة المهنة : وكثيراً ما يخطئ رجال الفن من أطباء وصيادلة ومهندسين ومحامين وغير ذلك في مزاولة مهنهم فالطبيب قد يخطئ وهو يقوم بعملية جراحية ، وقد يخطئ الصيدلي في تركيب الدواء ، والمهندس في عمل التصميم الهندسي ، والمحامي في القيام بإجراءات التقاضى ومراعاة المواعيد المقررة لذلك .

وأول ما تجب ملاحظته في هذا الشأن أن مسئولية هؤلاء الفنيين تكون في أكثر الأحوال مسئولية عقدية لا مسئولية تقصيرية ، لأنهم يرتبطون بعقود مع عملائهم في تقديم خدماتهم الفنية ( [25] ) . ولكن الخدمة الفنية التي يلتزمون بتقديمها بمقتضى العقد لا تزيد على أن تكون بذل عناية فنية معينة هي التي تقتضيها أصول المهنة التي ينتمون إليها . فالتزامهم بالعقد هو إذن التزام ببذل عناية لا التزام بتحقيق غاية . ومن ثم يتلاقى بالنسبة إليهم معيار المسئولية العقدية بمعيار المسئولية التقصيرية . فهم في المسئولية التقصيرية يطلب منهم أيضاً بذلك العناية الفنية التي تقتضيها أصول المهنة ، فإن هذا هو السلوك الفني المألوف من رجل من أوسطهم علماً وكفاية ويقظة . فالانحراف عن هذا المعيار ، سواء كانت المسئولية عقدية أو تقصيرية ، يعتبر خطأ مهنياً ( PROFESSIONNELLE ) وغني عن البيان ألا خيرة بين المسئوليتين ، فإذا كان الخطأ المهني عقدياً جبّ المسئولية التقصيرية . وإذا كان معيار الخطأ المهني واحداً في المسئوليتين ، فهناك فروق معروفة بين المسئولية العقدية والمسئولية التقصيرية تجعل انعدام الحيرة بين المسئوليتين ذا أهمية عملية .ونقتصر هنا على معيار الخطأ المهني ، وهو واحد في المسئوليتين كما قدمنا .

ذهب بعض الفقهاء في فرنسا إلى وجوب التمييز في مزاولة المهنة بين الخطأ العادي والخطأ المهني . فالخطأ العادي هو ما يرتكبه صاحب المهنة عند مزاولة مهنته دون أن يكون لهذا الخطأ علاقة بالأصول الفنية لهذه المهنة ، كما إذا أجرى الطبيب عملية جراحية وهو سكران . ومعيار الخطأ العادة هو معيار الخطأ المعروف : الانحراف عن السلوك المألوف للرجل العادى . أما الخطأ المهني فهو خطأ يتصل بالأصول الفنية للمهنة ، كما إذا أخطأ الطبيب في تشخيص المرض . ولا يسأل صاحب المهنة ، في نظر هؤلاء الفقهاء ، عن الخطأ المهني إلا إذا كان خطأ جسيماً ، حتى لا يقعد به الخوف من المسئولية عن أن يزاول مهنته بما ينبغي له من الحرية في العمل ومن الطمأنينة والثقة في فنه وفي كفايته الشخصية ( [26] ) . وبهذا الرأي أخذ القضاء المختلط في بعض أحكامه ( [27] ) .

والتمييز بين الخطأ العادى والخطأ المهني في مزاولة المهنة ، فوق أنه دقيق في بعض الحالات ، لا مبرر له . وإذا كان الطبيب أو غيره من الرجال الفنيين في حاجة إلى الطمأنينة والثقة ، فإن المريض أو غيره من العلماء في حاجة إلى الحماية من الأخطاء الفنية . والواجب اعتبار الرجل الفني مسئولاً عن خطئه المهني مسئوليته عن خطئه العادى ، فيسأل في هذا وذاك حتى عن الخطأ اليسير . وبهذا أخذ القضاء والفقه في فرنسا وفي مصر ( [28] ) . والذي أدخل اللبس في شأن الخطأ المهني أن المعيار الذي يقاس به هذا الخطأ هو أيضاً معيار فني . فهو معيار شخص من أوساط رجال الفن . مثل هذا الشخص لا يجوز له أن يخطئ فيما استقرت عليه أصول فنه . والأصول المستقرة للفن هي ما لم تعد محلاً للمناقشة بين رجال الفن ، بل إن جمهرتهم يسلمون بها ولا يقبلون فيها جدلاً ( [29] ) . ومن ثم يبدو الخروج على هذه الأصول المستقرة خطأ لا يغتفر ، ويكاد يلامس الخطأ الجسيم ، فاختلط به . ولكن يجب التنبيه إلى أن أي خروج على هذه الأصول المستقرة ، جسيماً كان هذا الخروج أو يسيراً ، يعد خطأ مهنياً يستوجب المسئولية . والشخص الفني الوسط الذي يؤخذ معياراً للخطأ المهني يجب ألا يتجرد من الظروف الخارجية ، وفقاً للقواعد المقررة في هذا الصدد فإذا كان طبيباً وجب النظر إلى أي طائفة من الأطباء ينتمى : هل هو طبيب يزاول الطب بصفة عامة ويعالج مرضى الحي من مختلف أنواع المرض ، أو هو أخصائي لا يعالج إلا نوعاً واحداً من المرض ، أو هو العالم الثقة الذي يرجع إليه في الحالات المستعصية . لكل من هؤلاء أجره ، ولكل مستواه المهني ، ولكل معياره الفني ( [30] ) . وما يقال في الطبيب يقال في المحامي والمهندس والزراعى وغيرهم من رجال الفن .

549 – الاعتداء على الشرف والسمعة : وكثيراً ما يكون الخطأ اعتداء على الشرف والسمعة . وليس من الضروري أن يكون المعتدى سيء النية ، بل يكفى أن يكون أرعن متسرعاً ، وفي الرعونة والتسرع انحراف عن السلوك المألوف للشخص العادى ، وهذا خطأ موجب للمسئولية . والاعتداء على الشرف والسمعة يقع بطرق مختلفة .

يقع عن طريق النشر في الصحف بالسب والقذف ( [31] ) . حتى لو انتفى سوء النية ما دامت هناك رعونة وعدم احتياط ( [32] ) . ولكن يراعى عدم التشدد في اعتبار ما ينشر في الصحف سباً أو قذفاً في بعض الظروف التي تقتضى الإطلاق من حرية الصحابة من أجل المصلحة العامة ، وذلك كظروف الحرب ( [33] ) ، وظروف الانتخابات ( [34] ) ، وفي الحملات الصحفية التي تقوم لغرض التطهير من فساد منتشر ( [35] ) ؛ وفي النقد العلمي والفني البرئ ( [36] ) .

ويقع الاعتداء عن طريق البلاغ الكاذب . وليس سوء النية شرطاً في المسئولية التقصيرية كما هو شرط في المسئولية الجنائية . فقد يحفظ البلاغ الكاذب ويكون صاحب البلاغ مع ذلك مسئولاً مدنياً لأنه كان أرعن متسرعاً ولو أنه لم يكن سيء النية ( [37] ) كما قد يكون صاحب البلاغ غير مسئول لا جنائياً ولا مدنياً لأنه لم يكن سيء النية ولم يرتكب رعونة أو تسرعاً ( [38] ) . ويكفي لنفي التسرع والرعونة أن يتجمع لدى المبلغ من الدلائل ما يلقى في روعه صحة ما يبلغ عنه ولو لم يكن صحيحاً في الواقع . ويتخذ في هذا معيار موضوعي مجرد هو المعيار المعروف للخطأ . فلا يكفي أن تكون هذه الدلائل قد ألقت في روع المبلغ ذاته صحة ما بلغ عنه ، بل يجب أن يكون من شأن هذه الدلائل أن تلقى ذلك في روع الشخص العادى المجرد عن الظروف الداخلية التي تحيط بالمبلغ ( [39] ) .

ويقع الاعتداء عن طريق دفاع في دعوى يتهم فيها الخصم خصمه أو يتهم الشهود أو الخبراء تهماً غير صحيحة تنطوي على الرعونة والتسرع ، حتى لو لم يكن الخصم سيء النية في هذا الاتهام ( [40] ) .

ويقع الاعتداء عن طريق إذاعة أخبار غير صحيحة أو إشاعات كاذبة بمس سمعة شخص ، دون أن يصطنع المذيع الحيطة الواجبة للتثبت من هذه الأخبار والإشاعات قبل إذاعتها ( [41] ) .

ويقع الاعتداء عن طريق إعطاء معلومات كاذبة ، بسوء نية أو عن رعونة ( [42] ) . ولكن المصلحة التي تذكر أسباب فصل موظف من موظفيها بناء على طلب قدم لها في هذا الشأن لا تكون مسئولة ( [43] ) . ولا يكون مسئولاً بوجه عام من أعطى معلومات عن الغير بحسن نية وبطريقة سرية وبناء على طلب معين ( [44] ) .

550 – فسخ الخطبة والإغواء : والخطبة ، أو الوعد بالزواج ، ليست عقداً ملزماً ، لأنه لا يجوز أن يتقيد شخص بعقد أن يتزوج ، ومن باب أولى أن يتزوج من شخص معين ، فمثل هذا التقيد يكون مخالفاً للنظام العام . ولكن فسخ الخطبة أو الإخلال بالوعد بالزواج ، إذا لم يكن خطأ عقدياً ، قد يكون خطأ تقصيرياً يوجب التعويض ( [45] ) . ومعيار الخطأ هنا هو المعيار المعروف ، فإذا انحرف الخطيب وهو يفسخ الخطبة عن السلوك المألوف للشخص العادى في مثل الظروف الخارجية التي أحاطت بالخطيب ، كان فسخ الخطبة خطأ يوجب المسئولية التقصيرية . والأصل أن فسخ الخطبة لا يجعل حقاً في التعويض إلا عن الضرر المادي ( [46] ) . ولكن إذا سبقه استغواء فإنه يلزم بالتعويض عن الضرر الأدبي ( [47] ) . على أنه إذا استسلم الخطيبان للضعف الجنسي ، فلا تعويض لا لضرر مادي ولا لضرر أدبي ، حتى لو كان هناك مشروع للزواج لم يتم ( [48] ) . وإذا كان فسخ الخطبة بين خطيبين أحدهما قاصر ، فوالد الخطيبة هو المسئول إذا كان هو السبب في الفسخ ( [49] ) .

هذه المبادئ الواضحة ، على وضوحها ، لم تستقر في القضاء المصري إلا بعد اضطراب وتأرجح . فقد صدرت أحكام من القضاء الوطني بنوع خاص ، تقضي بأن فسخ الخطبة لا يوجب التعويض إذ هو أمر مباح فلا سبيل إلى تحميل الحاطب الذي يعدل مسئولية عمل مشروع ، والقضاء ممنوع من تقييد المباحات العامة ، كما أن تحري العوامل التي دعت إلى فسخ الخطبة والظروف التي لابست هذا الفسخ يقتضي التدخل في أدق الشؤون الشخصية والاعتبارات اللصيقة بحرمات الناس ، هذا إلى أن الشريعة لم تحمل الزوج الذي يطلق قبل الدخول إلا خسارة نصف المهر الذي دفعه ، فكيف يصح إلزام الخاطب بتعويض قد يربو على ذلك إن هو عدل عن الخطبة! ( [50] ) وفي الوقت ذاته صدرت أحكام أخرى ، من القضاء الوطني والقضاء المختلط ، تقضي بجواز التعويض عن فسخ الخطبة ، وبخاصة إذا سبق الفسخ استهواء أو سببت الخطبة مصروفات أو أخذت صورة واضحة من العلانية ذلك أن الحكمة في جواز العدول عن الخطبة هي تمكين طرفيها من تفادى الارتباط بزواج لا يحقق الغاية المرجوة منه ، فلا تحمى الشرائع عدولاً طائشاً لا يبرره مسوغ يقتضيه ،و خسارة نصف المهر في حالة الطلاق قبل الدخول ليست إلا مقابلاً للطلاق في ذاته مجرداً عن كل ظرف آخر يجعل منه فعلاً ضاراً موجباً للمسئولية المدنية ، ولا يستطيع القضاء أن يتخلى عن سلطته في تقدير الأفعال التي يترتب عليها إضرار أحد الخطيبين بالآخر ، سواء كان ذلك بسلوكه أثناء الخطبة أو بعدوله عنها بكيفية ضارة ، احتجاجاً بدقة تقدير مثل هذه الأمور الشخصية اللصيقة بالحرمات . فما كانت دقة النزاع لتصلح دفعاً بعدم اختصاص القضاء بنظره ، وليس أحق برعاية القضاء وإشرافه شيء أكثر من الأعراض والحرمات لمساسها بذات الإنسان ( [51] ) . ثم إن الأحكام التي قضت بجواز التعويض ذهب بعضها إلى أن الخطبة عقد ملزم ، العدول عن الوفاء به يوجب التعويض ( [52] ) . ولكن الكثرة الغالبة ذهبت إلى أن التعويض إنما يعطى على أساس المسئولية التقصيرية لا المسئولية العقدية ( [53] ) .

والذي يمكن تقريره في هذا الشأن ، باعتبار أن القضاء قد استقر عليه ، هو ما يأتي : ( 1 ) الخطبة ليست بعقد ملزم . ( 2 ) مجرد العدول عن الخطبة لا يكون سبباً موجباً للتعويض . ( 3 ) إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعال أخرى ألحقت ضرراً بأحد الخيطبين ، جاز الحكم بالتعويض على أساس المسئولية التقصيرية . وقد قررت محكمة النقض أخيراً هذه المبادئ في حكم لها جاء فيه ما يأتي : ” إن الخطبة ليست إلا تمهيداً لعقد الزواج ، وهذا الوعد بالزواج لا يقيد أحداً من المتواعدين ، فلكل منهما أن يعدل عنه في أي وقت شاء ، خصوصاً وأنه يجب في هذا العقد أن يتوافر للمتعاقدين كامل الحرية في مباشرته لما للزواج من الخطر في شؤون المجتمع ، وهذا لا يكون إذا كان أحد الطرفين مهدداً بالتعويض . ولكن إذا كان الوعد بالزواج والعدول عنه ، باعتبار أنهما مجرد وعد فعدول ، قد لازمتهما أفعال أخرى مستقلة عنهما استقلالاً تاماً ، وكانت هذه الأفعال قد ألحقت ضرراً مادياً أو أدبياً بأحد المتواعدين ، فإنها تكون مستوجبة التضمين على من وقعت منه ، وذلك على أساس أنها هي في حد ذاتها – بغض النظر عن العدول المجرد – أفعال ضارة موجبة للتعويض ( [54] ) ” .

أما الإغواء ( seduction ) فلا يكون سبباً في التعويض إلا إذا اصطحب بالخديعة والغش أو اقترن بضغط أدبي ( [55] ) . فإذا كانت ضحية الإغواء في سن تسمح بتدبر العواقب ، كان هذا سبباً في تخفيف التعويض ( [56] ) . وإذا كانت العلاقة الجنسية نتيجة استسلام متبادل سكن إليه الطرفان ، ورضيت المرأة أن تكون خليلة على علم من أقاربها فلا تعويض ( [57] ) . فإذا وعد الخليل خليلته بعد هجرها بالتعويض كان هذا قياماً بالتزام طبيعي ، بخلاف ما إذا كان هذا الوعد سابقاً على المعاشرة وقد قصد منه الإغراء فيكون باطلاً لعدم مشروعية السبب ، وقد تقدم بيان ذلك . وقد يكون الإغواء سبباً للتعويض . حتى لو كان الشاب قاصراً ، فإن المسئولية هنا تقصيرية لا عقدية ، والقاصر تجوز مساءلته تقصيرياً ( [58] ) .

551 – حالات أخرى مختلفة في الخطأ التقصيري : وهناك ، عدا ما تقدم ، حالات أخرى مختلفة في الخطأ التقصيري توجب المسئولية ، منها الأعمال التي تترتب عليها مسئولية شركة المياه والغاز والنور ( [59] ) . ومنها المنافسة التجارية غير المشروعة ، وتقع عادة بتقليد العلامات التجارية ( الماركات ) ، أو استعمال طرق احتيالية كاتخاذ اسم تجاري مقارب للاسم التجاري المزاحم . وقد تقع المنافسة غير المشروعة بإغراء عمال المتجر المزاحم على ترك متجرهم إلى المتجر الآخر . وتقع كذلك بنشر إشاعات كاذبة عن المتجر المزاحم ، وبالتشهير بعيوب هذا المتجر ، وغير ذلك من وسائل المنافسة غير المشروعة ( [60] ) . ومنها الإجراءات القضائية الكيدية ( [61] ) ، كالدعاوى والدفوع الكيدية ( [62] ) ، ودعاوى الإفلاس الكيدية ( [63] ) والتنفيذ الكيدي ( [64] ) . ومنها المضار الفاحشة للجوار ( [65] ) . وقد تترتب مسئولية الحكومة لأعمال تصدر من موظفيها مخالفة للقانون ( [66] ) .


 ( [1] ) وكان المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد يشتمل على نص ، هو المادة 5 من هذا المشروع ، يقضي بما يأتي : ” الحقوق المدنية نوعان : حقوق محددة يكسبها الشخص ويختص بها دون غيره ، ورخص قانونية أو حقوق عامة يعترف بها القانون للناس كافة ” . وورد بالمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” تفرق المادة 5 من المشروع بين الحق والرخصة . وهي بذلك تمهد للأحكام المتعلقة بالتعسف في استعمال الحق . فالتعسف يرد على استعمال الحقوق وحدها . أما الرخص فلا حاجة إلى فكرة التعسف في ترتيب مسئولية من يباشرها عن الضرر الذي يلحق الغير من جراء ذلك . ويقصد بالحق في هذا الصدد كل مكنة تثبت لشخص من الأشخاص على سبيل التخصيص والإفراد كحق الشخص في ملكية عين من الأعيان أو حقه في اقتضاء دين من الديون . . . أما ما عدا ذلك من المكنات التي يعترف بها القانون للناس كافة دون أن نكون محلاً للاختصاص الحاجز فرخص أو إباحات كالحريات العامة وما إليها . وهذه الرخص أو الإباحات لا حاجة إلى فكرة التعسف فيها لتأمين الغير ما ينجم من ضرر عن استعمال النا؟ لها لأن الأحكام المسئولية المدنية تتكفل بذلك على خير وجه ” . وقد حذفت لجنة المراجعة – هذا النص في المشروع النهائى لعدم الحاجة إليه ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 201 في الهامش ) .

 ( [2] ) وكذلك الفقه الإسلامي لا يضع قاعدة عامة ، وإنما يورد حالات تفصيلية . وهناك حالتان رئيسيتان يوجب فيهما الضمان فيعالج بهما الضرر الذي يقع على المال ، وهما الغصب والإتلاف . فالغصب هو أخذ مال متقوم محترم ، بلا إذن من له الإذن ، على وجه يزيل يده ، بفعل في العين – ويجب على الغاصب رد المغصوب لو كان قائماً في مكان غصبه ، أو رد قيمته لو هلك حتى لو كان الهلاك بقوة قاهرة . والإتلاف قد يكون مباشرة أو تسبباً . فالإتلاف مباشرة هو إتلاف الشيء بالذات ، من غير أن يتخلل بين فعل المباشر والتلف فعل آخر ، والإتلاف تسبباً يكون بعمل يقع على شيء فيفضى إلى تلف شيء آخر . فمن قطع جبل قنديل معلق يكون سبباً مفضياً لسقوطه على الأرض وانكساره ، ويكون حينئذ قد أتلف الحبل مباشرة ، وكسر القنديل تسبباً والقاعدة أن المباشرة ضامن وإن لم يتعد ، والمتسبب غير ضمان لا إذا كان معتمداً أو متعدياً ( مجمع الضمانات ص 146 ) – أما الضرر الذي يقع على الجسم فتتدخل فيه فكرة العقوبة الجنائية مع التعويض المدني . وجزاؤه الدية والأرش وحكومة العدل . أما الدية فتجب في القتل غير العمد ( أما القتل العمد فيجب فيه القصاص وهو عقوبة خاصة لا تعويض مدني ) وفي الجناية على ما دون النفس عن غير عمد على عضو تمكن فيه المماثلة . والأرش جزء من الدية ، فإذا تعدد العضو الذي تمكن فيه المماثلة ، وأصيب بعض منه ، فالدية تجب بنسبة ما أصيب ، وتسمى في هذه الحالة أرشاً ، فيجب نصف الدية في العين الواحدة وربعها في أحد أشغار العين الأربعة وهكذا وحكمة العدل تكون فيما لا يجب فيه قصاص أو دية أو أرش ، أي في الجناية على ما لا تمكن فيه المماثلة ، عمداً كان ذلك أو غير عمد . ويترك تقديراً الجزاء للقاضى ، وهذا معنى حكومة العدل ( البدائع 7 ص 233 وما بعدها ) . ويستخلص من ذلك أن حكومة العدل ، وهي أكثر مرونة من القاص والدية والأرش ، تكاد تضع مبدأ عاماً في الشريعة الإسلامية يقضى بأن العمل الضار الذي يصيب النفس فيما لا تمكن فيه المماثلة ( ويدخل في هذا أكثر الجراح والشجاج ) عمداً كان أو غير عمد ، يوجب التعويض حسب تقدير القاضى . وهذا المبدأ يكمل المبدأ الآخر الذي يستخلص من قواعد الغصب والإتلاف وهو متعلق بالعمل الضار الذي يصيب المال . ( أنظر في كل ذلك نظرية العقد للمؤلف فقرة 66 ) .

 ( [3] ) أنظر في هذا الموضوع مازو 1 فقرة 152 – فقرة 153 – بلانيول وريبير وبولانجيه ، فقرة 960 .

 ( [4] ) أنظر عكس ذلك لالو فقرة 187 ص 122 . وهو يقول بالمسئولية العقدية في النقل المجاني .

 ( [5] ) أنظر من هذا الرأي جوسران في تعليقه في دالوز 1927 – 1 – 137 – بيسون ص 160 .

 ( [6] ) أنظر من هذا الرأي ريكول ( Ricol ) في تعليقه في داللوز 1926 – 2 – 121 – وروجيه ( Roger ) في تعليقه في داللوز 1935 – 1 – 38 . وينزع القضاء المصرى إلى هذا الرأي فقد قضت محكمة مصر الكلية الوطنية بأن الصديق الذي يتسلم لقيادة صديقه المتبرع بها على طول مسافة الطريق يعتبر أنه على اتفاق معه فيما ينتهجه من أساليب القيادة وأنه موقن من حذقه ومهارته ، وكلاهما يكون مستهدفاً للخطر بدرجة واحدة . ومن غير المعقول أن يتطلب من أي شخص أن يوجه عنايته للغير أكثر مما يوجهها لنفسه ( 11 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 178 / 2 ص 338 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة في أحكام كثيرة بأن من يقبل النقل مجاناً يعتبر أنه قد أعفى صاحب السيارة من مسئوليته ، فلا يستطيع الرجوع إلا إذا أثبت في جانب صاحب السيارة خطأ جسيماً ، بأن أثبت أنه كان يسير بسرعة جنونية لا تجعله يوقد مصابيح سيارته ( استئناف مختلط في 13 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 22 – وفي 2 أبريل سنة 1931 م 43 ص 327 – وفي 30 مارس سنة 1933 م 45 ص 225 – وفي 4 مايو سنة 1933 م 45 ص 265 – وفي 19 مايو سنة 1943 م 55 ص 163 – محكمة مصر المختلطة في 23 مايو سنة 1929 جازيت 20 رقم 190 ص 176 ) .

 ( [7] ) أنظر من هذا الرأي بلانيول وربير وإسمان 1 فقرة 622 – جاردينا وريتشي فقرة 104 ص 661 – جنى فيت عليقه في سيريه 1928 – 1 – 353 – ريبير في تعليقه في داللوز 1928 – 1 – 146 – إسمان فيت عليقه في سيريه 1929 – 1 – 249 . وبهذا الرأي أخذت محكمة النقض الفرنسية : 27 مارس سنة 1928 – داللوز 1928 – 1 – 146 مع تعليق ريبير وسيريه 1928 – 1 353 مع تعليق جنى – وفي 9 يونية سنة 1928 داللوز 1928 – 1 – 153 – وفي 11 يونية سنة 1928 داللوز الأسبوعي 1928 ص 414 – وفي 7 يناير سنة 1929 سيريه 1929 – 1 – 249 مع تعليق إسمان – وفي 22 يولية سنة 1929 جازيت دي باليه 1929 – 1 – 588 – وفي 18 يولية سنة 1934 داللوز 1935 – 1 – 38 – وفي 5 مايو سنة 1942 سيريه 1942 – 1 – 125 مع تعليق هنرى مازو . ( أنظر في أحكام أخرى بهذا المعنى لمحكمة النقض الفرنسية مازو 1 فقرة 1278 ) .

 ( [8] ) أنظر مازو 1 فقرة 1274 – فقرة 1275 وفقرة 1281 – فقرة 1287 .

 ( [9] ) أنظر في هذا الموضوع مازو 1 فقرة 1273 – فقرة 1289 والمراجع المشار إليها فيه ( فقرة 1274 هامش رقم 1 مكرر ) . وانظر في الفقه المصري مقالاً للدكتور حلمي بهجت بدوي بك في مجلة القانون والاقتصاد السنة الثانية ص 137 – ومصطفى مرعى بك في المسئولية المدنية فقرة 66 – فقرة 69 .

 ( [10] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن سائق السيارة ، حتى لو سار في طريق ذي اتجاه واحد ، يجب عليه مع ذلك أن يلزم الجانب الأيمن من الطريق ( استئناف مختلط في ) فبراير سنة 1944 م 56 ص 56 ) .

 ( [11] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن السائق الذي يأتي من شارع جانبي يجب عليه أن ينتظر حتى يمر السائق الذي يسير في الشارع الرئيسي ، فإذا كان هذا الأخير يسير أيضاً بسرعة زائدة كان هناك خطأ مشترك ( استئناف مختلط في 28 يونية سنة 1944 م 56 ص 210 – وأنظر أيضاً في هذا المعنى استئناف مختلط في 23 يونية سنة 1943 م 45 ص 194 ) . وقضت محكمة الاسكندرية الكلية المختلطة بأن السائق الذي يأتي من الشارع الأصغر يجب عليه أن ينتظر حتى يمر السائق الذي يسير في الشارع الأكبر ، فإن كان التنازعان متساويين في الأهمية ، فالسائق الذي يأتي من جهة اليمين هو الذي يسبق ( محكمة الاسكندرية الكلية المختلطة في 2 ديسمبر سنة 1944 م 57 ص 16 ) .

 ( [12] ) استئناف مختلط في 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 36 – وفي 20 فبراير سنة 1930 م 42 ص 306 – وفي 13 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 22 – وفي 3 مارس سنة 1932 م 44 ص 214 – وفي 17 نوفمبر سنة 1932 م 45 ص 29 – وفي 9 مارس سنة 1933 م 45 ص 197 – وفي 24 يناير سنة 1935 م 47 ص 132 – وفي 28 فبراير سنة 1935 م 47 ص 176 – وفي 8 يونية سنة 1935 م 47 ص 362 – وفي 9 يناير سنة 1936 م 48 ص 73 – وفي أبريل سنة 1936 م 48 ص 211 .

وأنظر في حوادث السيارات : 30 نوفمبر سنة 1938 م 51 ص 32 – وفي 19 أبريل سنة 1939 م 51 ص 263 – وفي 31 مايو سنة 1939 م 51 ص 367 – وفي 14 يونية سنة 1939 م 51 ص 381 – وفي 29 مايو سنة 1940 م 52 ص 288 – وفي 26 يونية سنة 1940 م 52 ص 328 – وفي 9 فبراير سنة 1944 م 56 ص 56 – وفي 21 فبراير سنة 1945 م 57 ص 104 – وفي 23 مايو سنة 1945 م 57 ص 156 – وفي 7 مايو سنة 1947 م 59 ص 193 . وكان القضاء المختلط يقضي بأن المسئولية في حوادث السيارات لا تبنى على مجرد أن المسئول هو مالك السيارة ( استئناف مختلط في 19 مارس سنة 1931 م 43 ص 302 – وفي 9 فبراير سنة 1933 م 45 ص 167 – وفي 29 مارس سنة 1933 م 45 ص 223 ) ، ولكن بعد نفاذ القانون المدنى الجديد تبني المسئولية في حوادث السيارات على أساس الحراسة ، فحارس السيارة هو المسئول ولا يتخلص من المسئولية إلا إذا أثبت السبب الأجنبي ( م 178 من القانون المدني الجديد ) .

 ( [13] ) أنظر في مسئولية مصلحة السكك الحديدية بسبب مصباح زيت معيب أحرق مركبة ( استئناف مختلط في 4 يناير سنة 1911 م 23 ص 99 ) – وبسبب إعطاء إشارات فجائية ( استئناف مختلط في 25 مارس سنة 1891 م 3 ص 266 ) – وبسبب وقوف القطار بعيداً عن المحطة ( استئناف مختلط في 16 يونية سنة 1897 م 9 ص 388 ) – وفي مسئوليتها عن الأضرار التي تصيب الموظفين ( استئناف مختلط في 9 مايو سنة 1899 م 11 ص 220 – وفي 2 أبريل سنة 1902 م 14 ص 207 – وفي 31 مايو سنة 1905 م 17 ص 302 – وفي 3 يناير سنة 1906 م 18 ص 82 – وفي 2 مايو سنة 1917 م 29 ص 398 ) – وفي مسئوليتها عن خروج القطار عن الشريط ( استئناف مختلط في 28 أبريل سنة 1897 م 9 ص 296 – وفي 14 يونية سنة 1899 م 11 ص 280 – وفي 20 ديسمبر سنة 1899 م 12 ص 51 – وفي 3 يونية سنة 1903 م 15 ص 335 – وفي 15 يونية سنة 1904 م 16 ص 327 – وفي 8 مارس سنة 1905 م 17 ص 152 ) – وفي المسئولية عن الشرار الذي يتطاير ( استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1902 م 15 ص 59 – وفي 27 مايو سنة 1903 م 15 ص 318 ) – وفي تصادم القطارات ( استئناف مختلط في 25 مارس سنة 1897 م 9 ص 238 – وفي نوفمبر سنة 1898 م 11 ص 2 ) وبسبب إحدى الحوادث ( استئناف مختلط في 24 فبراير سنة 1943 م 55 ص 63 ) . وأنظر أيضاً نقض مدنى في 15 نوفمبر سنة 1934 – المحاماة 15 رقم 78 / 1 ص 155 – استئناف مصر في 24 ديسمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 548 ص 1104 – وفي 3 ديسمبر سنة 1933 المحاماة 14 رقم 258 / 2 ص 495 .

وأما عن حوادث مجازات ( مزلقانات ) السكة الحديد فقد قضت محكمة النقض في دائرتها الجنائية بأنه إذا صح أن مصلحة السكة الحديد في الأصل غير مكلفة بأن تقيم حراساً على المجازات لدفع الخطر عن المارة من قطاراتها ، إلا أنها إذا أقامت حراساً بالفعل عهدت إليهم إقفالها كلما كان هناك خطر عليهم من اجتيازها وفتحها حيث لا خطر ، وأصبح ذلك معهوداً للناس ، فقد حق لهم أن يعولوا على ما أوجبته على نفسها من ذلك وأن يعتبروا ترك المجاز مفتوحاً إيذاناً بالمرور بعدم وجود الخطر . فإذا ترك الحارس عمله وأبقى المجاز مفتوحاً حيث كان ينبغي أن يقفله وجب اعتباره متخلياً عن واجب فرضه على نفسه ، ومن ثم فعمله هذا إهمال بالمعنى الوارد بالمادتين 238 و 244 عقوبات ، وتكون مصلحة السكة الحديد مسئولة عما ينشأ من الضرر للغير من فعل تابعها على ما قضت به المادة 152 من القانون المدنى ( القديم ) . ولا محل للتحدى هنا بأنه على الجمهور أن يحتاط لنفسه ، كما أنه لا محل للتحدى بنص لائحة السكة الحديد التي حظرت على الجمهور المرور بالمجازات عند اقتراب مرور القطارات ورتبت على مخالفة هذا الحظر جزاء متى كانت الواقعة الثابتة بالحكم لا تفيد أن سائق السيارة حاول المرور من المجاز مع علمه بالخطر ( نقض جنائى في 10 نوفمبر سنة 1947 المحاماة 28 رقم 319 ص 905 ) .

وقضت محكمة المنصورة الكلية الوطنية بأنه وإن كانت مصلحة السكة الحديد غير ملزمة ؟ المزلقانات ، إلا أنها ملزمة باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتنبيه المارة بوجود المزلقانات ، وخاصة إن كانت تقع على طريق مطروق كثيراً بوضع فانوس للتحذير ليلاً . وإذا وضعت مصلحة السكة الحديد فانوسين بنور أحمر على جانبي المزلقان لتحذير المارة ليلاً ، ووضعت لوحة للاحتراس من القطارات فلا مسئولية عليها عند وقوع حادث ( المنصورة الكلية الوطنية في 15 يناير سنة 1944 المحاماة 24 رقم 33 ص 70 ) .

وأنظر من القضاء المختلط في حوادث المزلقانات : استئناف مختلط في 5 فبراير سنة 1931 م 43 ص 205 – وفي 3 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 45 – وفي 10 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 59 – وفي 8 يونية سنة 1933 م 45 ص 321 – وفي 19 أبريل سنة 1934 م 46 ص 264 – وفي 2 أبريل سنة 1936 م 48 ص 211 .

 ( [14] ) أنظر في مسئولية شركة الترام عن سير القطار قبل أن ينزل الراكب ( استئناف مختلط في 6 ديسمبر سنة 1899 م 12 ص 34 – وفي 12 ديسمبر سنة 1900 م 13 ص 38 – وفي أول يونية سنة 1904 م 16 ص 291 – وفي 2 مايو سنة 1917 م 29 ص 397 – وفي 19 يناير سنة 1928 م 40 ص 148 – وفي 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 38 ) – وعن نزول الركاب مسرعين في ذعر بسبب حادث وإصابتهم من جراء ذلك ( استئناف مختلط في 30 مارس سنة 1905 م 17 ص 193 – وفي 10 يونية سنة 1914 م 26 ص 414 – وفي 23 فبراير سنة 1928 م 40 ص 211 ) – وعن إصابة المارة في الطريق ( استئناف مختلط في 10 مارس سنة 1900 م 12 ص 149 – وفي 12 فبراير سنة 1902 م 14 ص 121 – وفي 30 أبريل سنة 1902 م 14 ص 268 – وفي 13 أبريل سنة 1904 م 16 ص 189 – وفي 21 مارس سنة 1906 م 18 ص 160 – وفي 16 ديسمبر سنة 1908 م 21 ص 68 – وفي 2 أبريل سنة 1913 م 25 ص 279 – وفي 20 يونية سنة 1917 م 29 ص 511 – وفي 12 يونية سنة 1918 م 30 ص 469 – وفي 15 ديسمبر سنة 1920 م 33 ص 74 – وفي 15 نوفمبر سنة 1922 م 35 ص 25 – وفي 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 36 – وفي 30 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 134 – وفي 9 مارس سنة 1933 م 45 ص 196 – وفي 31 مارس سنة 1937 م 49 ص 174 – وفي 12 مايو سنة 1937 م 49 ص 317 – وفي ) فبراير سنة 1938 م 50 ص 126 – وفي 6 ديسمبر سنة 1939 م 52 ص 41 – وفي 27 يناير سنة 1943 م 55 ص 49 ) .

 ( [15] ) أنظر في حوادث الطيارات : استئناف مختلط في 23 يونية سنة 1943 م 55 ص 196 .

 ( [16] ) استئناف مختلط في 2 ديسمبر سنة 1903 م 16 ص 19 – وفي 28 ديسمبر سنة 1904 م 17 ص 51 – وفي 8 مارس سنة 1906 م 17 ص 155 – وفي 24 مايو سنة 1906 م 17 ص 295 – وفي 14 يونية سنة 1906 م 17 ص 335 – وفي 28 مارس سنة 1906 م 18 ص 172 – وفي 18 أبريل سنة 1906 م 18 ص 203 – وفي 13 مارس سنة 1907 م 19 ص 151 – وفي 17 يونية سنة 1908 م 20 ص 276 – وفي 17 فبراير سنة 1909 م 21 ص 196 – وفي 7 يونية سنة 1911 م 23 ص 359 – وفي 26 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 91 – وفي 5 مارس سنة 1913 م 25 ص 211 – وفي 17 مايو سنة 1916 م 28 ص 334 – وفي 11 أبريل سنة 1917 م 29 ص 361 – وفي 24 أكتوبر سنة 1917 م 30 ص 8 – وفي 24 مارس سنة 1920 م 32 ص 229 – وفي 24 يناير سنة 1923 م 35 ص 181 – وفي 28 يونية سنة 1923 م 35 ص 542 – وفي 25 نوفمبر سنة 1926 م 39 ص 41 – وفي 28 أبريل سنة 1927 م 39 ص 415 – وفي 19 مايو سنة 1928 م 40 ص 371 .

 ( [17] ) استئناف مختلط في 24 نوفمبر سنة 1887 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 13 ص 19 – وفي 28 أبريل سنة 1927 م 39 ص 415 .

 ( [18] ) استئناف مختلط في 3 يونية سنة 1896 م 8 ص 303 – وفي أول مايو سنة 1902 م 14 ص 278 – وفي 18 يناير سنة 1906 م 17 ص 62 – وفي 18 أبريل سنة 1906 م 18 ص 204 – وفي 11 نوفمبر سنة 1907 م 20 ص 28 – وفي 28 أبريل سنة 1909 م 21 ص 337 – وفي أول ديسمبر سنة 1909 م 22 ص 36 – وفي 27 مايو سنة 1914 م 26 ص 399 – وفي 3 يونية سنة 1926 م 38 ص 461 – وفي 25 نوفمبر سنة 1926 م 39 ص 41 – وفي 13 يناير سنة 1927 م 39 ص 170 – وفي 28 أبريل سنة 1927 م 39 ص 415 – وفي 19 مايو سنة 1927 م 39 ص 491 .

 ( [19] ) استئناف مختلط في 24 يناير سنة 1900 م 12 ص 94 – وفي 27 مايو سنة 1914 جازيت 4 رقم 419 ص 170 – وفي 21 أبريل سنة 1915 م 27 ص 284 – وفي 29 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 59 .

 ( [20] ) استئناف مختلط في 30 ديسمبر سنة 1908 م 21 ص 93 – وفي 15 ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 81 .

 ( [21] ) استئناف مختلط في 24 ديسمبر سنة 1896 م ) ص 78 – وفي 11 نوفمبر سنة 1907 م 20 ص 28 – وفي 17 فبراير سنة 1927 م 39 ص 250 .

 ( [22] ) استئناف مختلط في 13 نوفمبر سنة 1912 م 25 ص 16 – وفي أول أبريل سنة 1914 م 26 ص 304 – وفي 15 ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 81 .

 ( [23] ) استئناف مختلط في 13 مارس سنة 1907 م 19 ص 151 – وفي 13 يناير سنة 1927 م 39 ص 170 – وفي 19 مايو سنة 1927 م 39 ص 491 – وفي 15 ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 82 .

 ( [24] ) أنظر آنفاً فقرة 522 في الهامش . وأنظر استئناف مختلط في 8 ديسمبر سنة 1948 م 61 ص 25 .

 ( [25] ) الدكتور وديع فرج بك في مسئولية الأطباء الجراحين المدنية مقال في مجلة القانون والاقتصاد 12 ص 381 وما بعدها – كولان وكابيتان 2 فقرة 928 – بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 524 – جوسران 2 فقرة 1287 – مازو 1 فقرة 148 وفقرة 508 – لالو فقرة 422 – سافاتييه فقرة 775 – نقض فرنسي في 18 يناير سنة 1938 جازيت دي باليه 1938 – 1 – 314 – وفي 27 يونية سنة 1939 سيريه 1940 – 1 – 73 – وفي 27 مايو سنة 1940 سيريه 1940 – 1 – 84 .

 أما القضاء في مصر فيقضى بأن مسئولية الطبيب مسئولية تقصيرية بعيدة عن المسئولية العقدية ( نقض مدنى في 22 يونية سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 376 ص 1156 – استئناف مصر 23 يناير سنة 1941 المحاماة 22 رقم 85 ص 258 – اسكندرية ومصر الوطنية في 30 ديسمبر سنة 1943 المحاماة 24 رقم 35 ص 78 .

 ( [26] ) لوران 4 فقرة 1187 – ديموج 3 فقرة 264 – سافاتييه في تعليقه في داللوز 1939 – 1 – 49 .

 ( [27] ) قضت محكمة الاستئناف المختلطة في بعض أحكامها بأن مسئولية الأطباء لا تتحقق إلا في خطأ جسيم : 29 فبراير سنة 1912 م 24 ص 166 – 2 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص ) – 2 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 10 – 14 فبراير سنة 1935 م 47 ص 154 – 19 نوفمبر سنة 1936 م 49 ص 19 – 21 أبريل سنة 1938 م 50 ص 250 .

 ( [28] ) سوردا فقرة 677 مكررة – بلانيول وربير وإسمان 1 فقرة 524 – لالو فقرة 426 – مازو 1 فقرة 511 . محكمة النقض الفرنسية في 21 يولية 1919 داللوز 1920 – 1 – 30 – وفي 29 نوفمبر سنة 1920 سيريه 1921 – 1 – 119 – وفي 20 مايو سنة 1936 داللوز 1936 – 1 – 88 – وفي 24 يونية سنة 1938 جازبت دي باليه 1938 – 2 – 721 – جرينويل في 4 نوفمبر سنة 1946 سيريه 1947 – 2 – 38 .

وقضت محكمة استئناف مصر بأن مسئولية الطبيب تخضع للقواعد العامة متى تحقق وجود خطأ مهما كان نوعه ، سواء كان خطأ فنياً أو غير فني ، جسيماً أو يسيراً . لهذا فإنه يصح الحكم على الطبيب الذي يرتكب خطأ يسيراً ، ولو أن هذا الخطأ له مسحة طبية ظاهرة ( 2 يناير سنة 1936 المحاماة 16 رقم 334 ص 713 ) . وقضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بأن الطبيب الذي يخطئ مسئول عن نتيجة خطئه ، بدون تفريق بين الخطأ الهين والجسيم؛ ولا بين الفنيين وغيرهم . . . والقول بعدم مساءلة الطبيب في حالة خطأ المهنة إلا عن خطئه الجسيم دون اليسير ، هاذ القول كان مثار اعتراضات لوجود صعوبات في التمييز بين نوعي الخطأ ، ولأن نص القانون الذي يترتب مسئولية المخطئ عن خطئه جاء عاماً غير مقيد ، فلم يفرق بين الخطأ الهين والجسيم ولا بين الفنيين وغيرهم . ويسأل الطبيب عن إهماله سواء كان خطأ جسيماً أو يسيراً ، فلا يتمتع الأطباء باستثناء خاص ( 30 ديسمبر سنة 1943 المحاماة 24 رقم 35 ص 78 ) – أنظر أيضاً استئناف مصر في 16 أبريل سنة 1921 المجموعة الرسمية 23 رقم 53 ص 84 – محكمة مصر الكلية الوطنية في 3 أكتوبر سنة 1944 المحاماة 26 رقم 55 ص 132 . وقضت محكمة النقض بأن الطبيب مسئول عن تعويض الضرر المترتب على خطئه في المعالجة ، ومسئوليته هذه مسئولية تفسيرية ( كذا ) بعيدة عن المسئولية التعاقدية ، فقاضى الموضوع يستخلص ثبوتها من جميع عناصر الدعوى من غير مراقبة عليه ( نقض مدنى في 22 يونية سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 376 ص 1156 ) . وكانت محكمة الاستئناف المختلطة تقضى في الماضي بمسئولية الطبيب ولو عن خطأ يسير ما دام محققاً متميزاً ( CERTAINE ET CARACTERISER ) : استئناف مختلط في 3 فبراير سنة 1910 م 22 ص 120 – وفي 15 فبراير سنة 1911 م 23 ص 183 .

وانظر في الفقه المصري : الدكتور سليمان مرقص في بحثه في مسئولية الطبيب ومسئولية إدارة المستشفى ( مجلة القانون والاقتصاد 7 ص 155 وما بعدها ) وفي مؤلفه الفعل الضار فقرة 42 – فقرة 44 – الدكتور وديع فرج في مسئولية الأطباء والجراحين المدنية ( مجلة القانون والاقتصاد 12 ص 381 وما بعدها ) – مصطفى مرعى بك في المسئولية المدنية فقرة 70 – فقرة 73 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت بك فقرة 449 .

 ( [29] ) أما المسائل الفنية التي تقبل المناقشة والتي لم يستقر عليها إجماع من أهل الفن ، فهذه لا شأن للقاضى بها ، وليس له أن يتدخل فيها برأي شخصي يرجع مذهباً على مذهب . وفي هذا المعنى تقول محكمة الاسكندرية الوطنية الكلية : ” يسأل الطبيب عن خطئه في العلاج إن كان الخطأ ظاهراً لا يحتمل نقاشاً فنياً تختلف فيه الآراء . فإن وجدت مسائل علمية يتجادل فيها الأطباء ويختلفون عليها ، ورأى الطبيب إتباع نظرية قال بها العلماء ولو لم يستقر الرأي عليها فاتبعها فلا لوم عليه . ولعى القضاء أن يتفادى النظر في المناقشات الفنية عند تقدير مسئولية الأطباء ، إذ مهمته ليست المفاضلة بين طرق العلاج المختلف عليها ، بل قاصرة على التثبت من خطأ الطبيب المعالج ” ( 30 ديسمبر سنة 1943 المحاماة 24 رقم 35 ص 78 وقد سبقت الإشارة إليه ) – ومن ثم فالخطأ المهني ، ولو كان يسيراً ، يجب أن يكون ثابتاً ثبوتاً ظاهراً بصفة قاطعة لا احتمالية . وفي هذا المعنى تقول محكمة استئناف القاهرة : ” مسئولية الطبيب عن خطئه مسئولية تقصيرية ( كذا ) بعيدة عن المسئولية التعاقدية . ومن مصلحة الإنسان أن يترك باب الاجتهاد مفتوحاً أمام الطبيب حتى يتمكن من القيام بمهمته العالية من حيث خدمة المريض وتخفيف آلامه وهو آمن مطمئن لا يسأل إلا إذا ثبت ثبوتاً ظاهراً بصفة قاطعة لا احتمالية أنه ارتكب عيباً لا يأتيه من له إلمام بالفن الطبي إلا عن رعونة وعدم تبصر ” ( 23 يناير سنة 1941 المحاماة 22 رقم 85 ص 258 ) .

 ( [30] ) وتقول محكمة استئناف مصر في هذا المعنى : ” وبالنسبة للأطباء الأخصائيين يجب استعمال منتهى الشدة معهم ، وجعلهم مسئولين عن أي خطأ ولو كان يسيراً ، خصوصاً إذا ساءت حالة المريض بسبب معالجتهم ، لأن واجبهم الدقة في التشخيص والاعتناء وعدم الإهمال في المعالجة ” ( 2 يناير سنة 1936 المحاماة 16 رقم 334 ص 713 وقد سبقت الإشارة إليه ) . أنظر أيضاً في هذا المعنى الدكتور وديع فرج في مسئولية الأطباء والجراحين المدنية ( مجلة القانون والاقتصاد 12 ص 399 – س 400 – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 44 ) .

 ( [31] ) استئناف مختلط في 2 يونية سنة 1898 م 10 ص 298 – وفي 21 فبراير سنة 1900 م 12 ص 134 – وفي 24 يونية سنة 1908 م 20 ص 298 – وفي 19 مايو سنة 1927 م 39 ص 488 .

 ( [32] ) استئناف مختلط في 3 يونية سنة 1902 م 14 ص 335 – وفي 6 مايو سنة 1903 م 15 ص 291 – وفي 27 نوفمبر سنة 1913 م 26 ص 52 – وفي 3 يناير سنة 1920 م 32 ص 94 – وفي أول مارس سنة 1927 م 39 ص 288 – وفي 2 مارس سنة 1927 م 39 ص 286 .

 ( [33] ) استئناف مختلط في 21 يونية سنة 1917 م 29 ص 512 .

 ( [34] ) استئناف مختلط في 17 أبريل سنة 1919 م 31 ص 254 .

 ( [35] ) استئناف مختلط في 16 مايو سنة 1894 م 6 ص 337 .

 ( [36] ) استئناف مختلط في 28 ديسمبر سنة 1892 م 5 ص 90 وفي 12 يونية سنة 1902 م 14 ص 351 . وانظر في حدود النقد المباح من النواحي العلمية والأدبية والتاريخية مازو 1 فقرة 515 – 5 .

 ( [37] ) دائرة النقض بمحكمة الاستئناف في 24 يونية سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 34 ص 81 – استئناف وطني في 19 يناير سنة 1914 الشرائع 1 رقم 441 ص 282 استئناف مختلط في 24 مارس سنة 1910 م 22 ص 232 – وفي 10 فبراير سنة 1927 م 39 ص 235 .

 ( [38] ) استئناف مختلط في 4 فبراير سنة 1909 م 21 ص 161 – وفي 16 يناير سنة 1918 م 30 ص 156 .

 ( [39] ) أما إذا كان المبلغ موظفاً بين موظفي الأمن العام فلا مسئولية عليه إذا هو بلغ قبل أن يتثبت من صحة الخبر إذا قامت عنده شبهات جدية كافية ، لأن التبليغ عن الجرائم واجب عليه بمقتضى القانون ( محكمة مصر الشكلية الوطنية في 6 ديسمبر سنة 1927 المحاماة 10 رقم 169 ص 337 ) . كذلك يكفي لعدم مسئولية المبلغ أن يكون هو المجني عليه متى قامت لديه شبهات جدية تبرر الاتهام ( أنظر في الموضوع مصطفى مرعى بك في المسئولية المدنية فقرة 85 – مازو 1 فقرة 500 ) .

 ( [40] ) استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1896 م 8 ص 330 – وفي 29 أبريل سنة 1926 م 38 ص 380 – وفي 22 يناير سنة 1930 م 42 ص 221 – وفي 16 أبريل سنة 1930 م 42 ص 427 .

 ( [41] ) استئناف مختلط في 19 مايو سنة 1926 م 38 ص 419 .

 ( [42] ) استئناف مختلط في 19 مايو سنة 1926 م 38 ص 419 ( وقد سبقت الإشارة إليه ) . أنظر أيضاً مازو 1 فقرة 501 .

 ( [43] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 26 ديسمبر سنة 1923 المحاماة 4 رقم 412 ص 538 – محكمة الاستئناف المختلطة في 16 مايو سنة 1895 م 7 ص 286 .

 ( [44] ) استئناف مختلط في 4 فبراير سنة 1909 م 21 ص 164 .

 ( [45] ) استئناف مختلط في 7 مايو سنة 1908 م 20 ص 211 – وفي 24 أبريل سنة 1947 م 59 ص 189 – وكفسخ الخطبة الطلاق ، كلاهما رخصة لا يجوز الانحراف في استعمالها عن السلوك المألوف للشخص العادى . فإذا غير زوج مسيحي دينه ليطلق امرأته كان مسئولاص عن التعويض ( استئناف مختلط في 5 يونية سنة 1907 م 19 ص 287 ) . أما الزوج المسلم إذا طلق امرأته فلا يكون في الأصل مسئولاً أيضاً عن التعويض إذا كان استعماله لرخصة الطلاق خطأ يوجب مسئوليته التقصيرية ( محكمة مصر الكلية الوطنية في 20 يونية سنة 1922 م 34 ص 486 ) . ولكنه قد يكون مسئولاً أيضاً عن التعويض إذا كان استعماله لرخصة الطلاق خطأ يوجب مسئوليته التقصيرية ( محكمة مصر الكلية الوطنية في 20 يناير سنة 1926 المجموعة الرسمية 28 رقم 65 ص 107 – محكمة شبين الكوم في 10 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 277 / 2 ص 540 – محكمة مصر الكلية الوطنية في 10 ديسمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 564 ص 1133 – قارن محكمة الاستئناف الوطنية في 18 ديسمبر 1927 المجموعة الرسمية 29 رقم 38 ص 82 – وانظر في هذا الموضوع رسالة الدكتور السعيد مصطفى السعيد ) .

 ( [46] ) استئناف مختلط في 2 مارس سنة 1922 م 34 ص 214 – وفي 12 يناير سنة 1928 م 40 ص 134 .

 ( [47] ) استئناف مختلط في 19 أبريل سنة 1928 جازيت 18 رقم 323 ص 252 – وفي 20 فبراير سنة 1930 م 42 ص 307 .

 ( [48] ) استنئاف مختلط في 18 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 84 .

 ( [49] ) استئناف مختلط في 7 مايو سنة 1908 م 20 ص 211 .

 ( [50] ) أنظر في هذا المعنى استئناف مصر الوطنية في 15 يناير سنة 1924 المحاماة 5 ص 324 – وفي 23 مايو سنة 1926 المجموعة الرسمية 27 رقم 45 ص 68 – وفي 30 يونية سنة 1930 المحاماة 11 رقم 313 / 3 ص 626 – وفي 17 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 422 / 2 ص 855 – محكمة الزقازيق الاستئنافية في 3 نوفمبر سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 رقم 75 ص 132 .

 ( [51] ) أنظر في هذا المعنى استئناف مصر الوطنية في 29 نوفمبر سنة 1925 المجموعة الرسمية 27 رقم 103 ص 161 – وفي 30 يونية سنة 1931 المحاماة 12 رقم 267 ص 539 – محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية في 10 ديسمبر سنة 1929 المجموعة الرسمية 31 رقم 27 ص 53 – وفي 14 نوفمبر سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 رقم 30 ص 73 – محكمة سوهاج الكلية في 30 مايو سنة 1948 المحاماة 28 رقم 434 ص 1056 – استئناف مختلط في 20 فبراير سنة 1930 م 20 ص 307 – وفي 11 ديسمبر سنة 1930 م 43 ص 79 – وفي 23 فبراير سنة 1932 م 44 ص 196 – وفي 21 نوفمبر سنة 1935 م 48 ص 32 – وفي 6 فبراير سنة 1936 م 48 ص 112 . ويؤيد الأستاذ مصطفى مرعى بك هذا الرأي في كتابه المسئولية المدنية ( فقرة 117 – فقرة 121 ) ويورد طائفة من أحكام القضاء التي أخذت به والتي أخذت بعكسه .

 ( [52] ) وأظهر حكم في هذا المعنى ما قضت به محكمة سوهاج الكلية ، وقد جاء في حكمها ما يأتي : ” الخطبة تنشئ علاقات بين الطرفين لا يجوز تجاهلها ، كما لا يمكن إغفال اعتبارها ولا تجريدها من أي تقدير قانوني . ففيها يصدر إيجاب يقترن بقبول على الوعد بالزواج ، فهو ارتباط قانوني وعقد قائم . وفي هذا العقد يلتزم كل من الطرفين بإجراء التعاقد النهائي في الوقت الملائم . وإنه وإن كان ليس ثمة ما يوجب وفاء الالتزام عيناً أي إجراء هذا التعاقد النهائي لأن الوعد بالتعاقد لا ينشئ إلا حقاً شخصياً ، إلا أن العدول عن الوفاء بهذا الالتزام يوجب التعويض . وليس في هذا ما يمس حرية الزواج إ ” لاقاً ، إذ لكل من الطرفين أصلاً أن يعدل عن وعده . ولكن إذا أجرى ذلك في تهور أو عنف أو خالياً مما يبرره أو بغير مسوغ مشروع أو لمجرد الهوى ، فإن ذلك يوجب التعويض . والتعويض الأدبي لا يقصد به الإثراء ولكن لرد الكرامة ومحو الأثر السيء الذي تخلف عن فعل المخطئ . وتستحق الخطيبة تعويضاً مادياً عما لحقها من ضرر فيما تكلفته من معدات الزواج في مجموعها ما دامت لا تضمن الانتفاع بها على الوجه الصحيح ” ( سوهاج الكلية في 30 مايو سنة 1948 المحاماة 28 رقم 434 ص 1056 . وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) .

 ( [53] ) وتقول محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية في هذا المعنى ما يأتي : ” ومنشأ المسئولية في هذه الحالة هو الإساءة وهل فعل ضار ، فهي مسئولية عن شبه جنحة ، وليست مسئولية تعاقدية منشؤها الإخلال بعقد ” . ( الإسكندرية الكلية الوطنية في 10 ديسمبر سنة 1929 المجموعة الرسمية 31 رقم 27 ص 53 . وقد سبقت الإشارة هذا الحكم ) .

 ( [54] ) نقض مدنى في 14 ديسمبر سنة 1939 مجموعة عمر 3 رقم 14 ص 30 – أنظر أيضاً في هذا المعنى نظرية العقد للمؤلف فقرة 480 .

 ( [55] ) استئناف مختلط في 29 يناير سنة 1916 جازيت 6 رقم 239 ص 76 .

 ( [56] ) استئناف مختلط في 12 ديسمبر سنة 1894 م 7 ص 38 .

 ( [57] ) استئناف مختلط في 2 يونية سنة 1921 م 33 ص 368 – وفي 25 يونية سنة 1925 م 37 ص 498 – وفي 12 يناير سنة 1928 م 40 ص 134 .

 ( [58] ) محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة في 6 أبريل سنة 1911 جازيت 2 ص 126 – محكمة القاهرة الكلية المختلطة في 29 ديسمبر سنة 1913 جازيت 4 رقم 173 ص 67 .

 ( [59] ) أنظر في هذه المسألة : استئناف مختلط في 6 يونية سنة 1894 م 6 ص 316 – وفي 7 فبراير سنة 1895 م 7 ص 118 – وفي 6 أبريل سنة 1898 م 10 ص 232 – وفي 2 أبريل سنة 1903 م 15 ص 226 – وفي 5 يونية سنة 1907 م 19 ص 294 وفي 21 مايو سنة 1908 م 20 ص 241 – وفي 14 يونية سنة 1913 م 25 ص 447 – وفي أول ديسمبر سنة 1915 م 28 ص 40 – وفي 27 ديسمبر سنة 1917 م 30 ص 109 – وفي 11 أبريل سنة 1918 م 30 ص 354 – وفي 10 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 – وفي 25 أكتوبر سنة 1928 م 41 ص 15 .

 ( [60] ) أنظر الموجز في النظرية العامة للالتزامات للمؤلف فقرة 320 .

 ( [61] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الالتجاء إلى القضاء رخصة لا ترتب تعويضاً ( استئناف مختلط في 8 ديسمبر سنة 1917 م 30 ص 72 ) ، إلا إذا كان مصحوباً بسوء نية أو بخطأ جسيم ( استئناف مختلط في 13 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 84 – وفي 20 نوفمبر سنة 1924 م 37 ص 31 ) – ومن الأمثلة على الإجراءات الكيدية الاستئناف الكيدي ( استئناف مختلط في 10 يونية سنة 1914 م 26 ص 415 ) ، والتماس إعادة النظر الكيدي ( استئناف مختلط في 15 أبريل سنة 1924 م 36 ص 313 ) ، ومعارضة الشخص الثالث الكيدية ( استئناف مختلط في 16 مارس سنة 1904 م 16 ص 162 ) . وقضت محكمة النقض بأن إنكار الدعوى إن كان في الأصل حقاً لكل مدعى عليه ، إلا أن هذا الحق ينقلب مخبثة إذا ابتغى المدعى عليه مضارة خصمه وتمادى في الإنكار أو غلا فيه أو تحيل به ( نقض مدني في ) نوفمبر سنة 1933 المحاماة 14 ص 93 ) – وقضت محكمة الاستئناف الوطنية بأن إنكار الأخت لأخيها يعد دفاعاً كيدياً ، فيحكم على الأخت بتعويض الضرر المادي الذي أصاب أخاها من جراء هذا الإنكار وهي المصاريف التي صرفت منه في سبيل إثبات وراثته ، وتلزم أيضاً بتعويض الضرر الأدبي الذي أصاب أخاها بسبب إنكارها ( 12 أبريل سنة 1916 الشرائع 3 رقم 192 ) – وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الوارث الذي يخسر دعوى الاستحقاق في صورة دفع في معارضة ضد تنبيه بنزع الملكية وبدلاً من أن يستأنف يرفع دعوى استحقاق مستقلة يكون مسئولاً ( 11 ديسمبر سنة 1930 م 43 ص 78 ) .

 ( [62] ) أنظر : استئناف مختلط في 7 نوفمبر سنة 1889 م 1 ص 366 – وفي 30 أبريل سنة 1896 م 8 ص 265 – وفي 13 يناير سنة 1904 م 16 ص 101 – وفي 21 مارس سنة 1912 م 24 ص 220 – وفي 12 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 60 – وفي 6 مايو سنة 1926 م 38 ص 393 – وفي 11 مايو سنة 1927 م 39 ص 465 – وفي 18 فبراير سنة 1930 م 42 ص 292 – وفي 26 فبراير سنة 1930 م 42 ص 325 .

 ( [63] ) استئناف مختلط في 4 ديسمبر سنة 1889 م 2 ص 41 – وفي 3 ديسمبر سنة 1919 م 32 ص 42 .

 ( [64] ) ويعد تنفيذاً كيدياً أن ينفذ الدائن على أموال مدينه بما يزيد كثيراً على الدين ، إذا كانت هذه الأموال تقبل التجزئة بحيث كان يكفي التنفيذ على بعضها ( استئناف مختلط في 29 ديسمبر سنة 1938 م 51 ص 89 ) – ويعد ذلك تنفيذاً كيدياً لتنفيذ بمبالغ أكثر من المبالغ المستحقة ( استئناف مختلط في 22 مايو سنة 1907 م 19 ص 267 ) . ويعتبر بالدائن الذي ينفذ بحقه مسئولاً عن صحة إجراءات التنفيذ ، فإذا اخطأ فيها بما يجعل المزاد باطلاً ، كان مسئولاً عن تعويض الراسي عليه المزاد بمقتضى هذا الخطأ التقصيري ( استئناف مختلط في 11 ديسمبر سنة 1902 م 15 ص 45 – وفي 31 يناير سنة 1918 م 30 ص 187 – وفي 6 يناير سنة 1930 م 42 ص 160 – وفي 4 فبراير سنة 1930 م 42 ص 249 ) . كذلك المدين إذا علم أن الشيء المحجوز عليه ليس ملكه ومع ذلك يترك التنفيذ يتم ويخصم الثمن الذي رسا به المزاد من دينه ، فإنه يكون مسئولاً ( استئناف مختلط في ) يناير سنة 1902 م 14 ص 82 ) . ومن الأمثلة على التنفيذ الكيدي الحجز القضائي الكيدي ( استئناف مختلط في 7 فبراير سنة 1907 م 19 ص 134 – وفي 20 نوفمبر سنة 1924 م 37 ص 31 – وفي 11 فبراير سنة 1925 م 37 ص 223 ) ، والحجز الإداري الكيدي ( استئناف مختلط في 28 فبراير سنة 1929 م 41 ص 281 – وفي 6 مارس سنة 1930 م 42 ص 346 ) . والحراسة الكيدية ( استئناف مختلط في أول مايو سنة 1924 م 36 ص 347 ) . ولا يعتبر تنفيذاً كيدياً أن يوقع الدائن الحجز على محصولات المستأجر من المدين بحسن نية ولا يقدم المستأجر ما يدل على أن المحصولات له ( استئناف مختلط في 30 نوفمبر سنة 1893 م 6 ص 55 ) .

 أنظر في حق الإدعاء وحق دفع الدعوى وحق الاستعانة بوسائل التنفيذ والتحفظ إذا كان استعمال هذه الرخص كيدياً إلى مصطفى مرعى بك في المسئولية المدنية فقرة 86 – فقرة 102 .

 ( [65] ) ويلاحظ أن المادة 807 من القانون المدنى الجديد رسمت حداُ لحق الملكية ، فقضت ألا يغلو المالك في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار ، وأن للجار أن يطلب إزالة مضار الجوار إذا تجاوزت الحد المألوف . فالخروج على هذا الحد رسمه القانون لحق الملكية يعد خروجاً على حدود الحق لا تعسفاً في استعماله ( قارن مصطفى مرعى بك في المسئولية المدنية فقرة 111 – فقرة 116 ) . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة في هذا الصدد بأن الشركة التي تقيم مصانع وآلات في أحياء للسكن تكون مسئولة عما يقع من أضرار غير مألوفة ( استئناف مختلط في 2 مايو سنة 1940 م 52 ص 246 ) . وقضت أيضاً بأنه إذا نجم عن تشييد بناء ضرر للعقار المجاور ، فإن صاحب البناء والمقاول والمهندس مسئولون بالتضامن عن الضرر ( استئناف مختلط في 23 يناير سنة 1941 م 53 ص 72 ) . وقضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأنه إذا أنشأت الحكومة محطة من محطات المجارى على قطعة من أملاكها أقلقت إدارتها راحة السكان في حي مخصص للسكنى ، كان لهؤلاء السكان الحق في الرجوع على الحكومة بالتعويض عما أصابهم وأصاب أملاكهم من أضرار ( استئناف مصر الوطنية في 17 أكتوبر سنة 1940 المحاماة 21 رقم 376 ص 891 ) . وقضت بألا مسئولية إذا بنيت منازل بجانب مصانع كانت موجودة قبل بناء المنازل ( استئناف مصر الوطنية في 31 ديسمبر سنة 1927 المجموعة الرسمية 29 رقم 41 ص 89 ) .

 ( [66] ) ومسئولية الحكومة مسئولية تقصيرية لا تخضع للقضاء الإداري كما قدمنا . ومن ثم لم تتقرر مبادئ خاصة بهذه المسئولية الإدارية على غرار المبادئ التي قررها مجلس الدولة في فرنسا وهو مختص بنظر هذا النوع من الأقضية . والقضاء العادي في مصر يطبق في شأن مسئولية الحكومة مسئولية تقصيرية قواعد المسئولية التي يطبقها على الأفراد والهيئات الخاصة . ويبدو ذلك بنوع خاص في رفض هذا القضاء تحميل الحكومة تبعة الأشغال العامة التي تقوم بها لمصلحة المجموع . وقد وصل مجلس الدولة في فرنسا إلى تحميل الحكومة هذه التبعة ، فلا يشترط خطأ لجعل الحكومة مسئولة عن الأضرار التي تقع بسبب ما تقوم به من الأشغال العامة ، وهذا ضرب من التضامن الاجتماعي إذ يعوض المجموع الفرد ما يلحقه من الضرر عن عمل تم لمصلحة المجموع .

ونذكر بعضاً من الأحكام التي صدرت من المحاكم الوطنية في مصر في شأن مسئولية الحكومة مسئولية تقصيرية : نقض جنائي في 27 مايو سنة 1931 المحاماة 12 رقم 148 ص 269 ( مسئولية الحكومة عن أعمال موظفيها في أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها أو بمناسبتها ) – نقض مدني في 21 يونية سنة 1934 المحاماة 15 رقم 42 / 1 ص 83 ( مسئولية الحكومة عن إبقاء أجنبي محبوساً مدة طويلة بغرض إبعاده ) – نقض مدني في 3 يونية سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 61 ص 170 ( عدم مسئولية الحكومة عن ضرر تحقق حصوله من مشروع عام ما دام المشروع قد نفذ بطريقة فنية : ولم ترض المحكمة العليا أن تحمل الحكوتمة تبعة الأشغال العامة ) – نقض مدني في 16 فبراير سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 165 ص 505 ( مسئولية الحكومة عن استيلائها على أرض وسواق قبل نزع ملكيتها ) – نقض مدني في 4 ديسمبر سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 127 من 387 ( مسئولية الحكومة عن مرض وبائي في الأشجار المغروسة في جوانب الطرق العامة ) – نقض مدني في 4 مارس سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 33 ص 62 ( مسئولية الحكومة عن تشتيت المظاهرات وقتل شخص غير متظاهر ) – نقض مدني في 4 نوفمبر سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 74 ص 206 ( مسئولية الحكومة عن ترعة سببت نشعاً ) – بل وقد تسأل الحكومة عن بطئها غير العادي في نقل التكليف ( استئناف مختلط في 5 أبريل سنة 1936 المحاماة 17 رقم 480 ص 939 ) – استئناف مصر الوطنية في 26 مايو سنة 1930 المحاماة 7 رقم 33 ص 59 ( مسئولية الحكومة عن الحوادث التي تقع بسبب مزلقانات السكك الحديدية : أنظر أيضاً في هذه المسألة : استئناف مصر الوطنية في 24 يونية سنة 1933 المحاماة 14 رقم 90 / 2 ص 175 – وفي 18 فبراير سنة 1937 المحاماة 17 رقم 590 ص 1180 – استئناف مختلط في 3 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 13 رقم 315 ص 610 ) – استئناف مصر الوطنية في 11 مايو سنة 931 المحاماة 12 رقم 127 ص 238 ، ( تبخير وزارة الزراعة الأشجار بطريقة فنية لا يوجب مسئوليتها – استئناف مصر الوطنية في ي 20 نوفمقر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 356 ص 720 ( مسئولية الحكومة عن إهمال قلم المحضرين ) – استئناف مصر الوطنية في 22 أبريل سنة 1934 المحاماة 15 رقم 264 / 2 ص 558 ( ضرورة عدم مجاوزة المدة اللازمة لإطلاق النار على المتظاهرين ) – استئناف مصر الوطنية في 4 نوفمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 194 / 2 ص 194 ( إصابة خفير شخصاً خطأ بعيار ناري – أنظر أيضاً استئناف مختلط في 19 فبراير سنة 1947 م 59 ص 201 : عسكري يطلق البندقية قبل الإنذار ) – استسناف مصر الوطنية في 12 مايو سنة 1935 المحاماة 16 رقم 123 ص 293 ( سحب رخصة آثار مخالف للقانون ) – استئناف مصر الوطنية في 7 مارس سنة 1937 المحاماة 17 رقم 593 س 1185 ( تعويض الأهالي عن أعمال الوقاية من الفيضان كقطع جسر النيل وتصريف المياه في أرض الغير ) .

نقلا عن محامي أردني