لا ضرورة لن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية

لا ضرورة لن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية

 أو أن يكون الإثراء باقياً وقت رفع الدعوى

 776 – موقف القانون المدني الجديد : ذكرنا في التطور التاريخي لقاعدة الإثراء بلا سبب أن هذه القاعد ة لم تستقم قاعدة مستقلة إلا منذ عهد قريب وأنها حتى بعد أن صار لها كيان ذاتي بقيت مغلولة بقيود لا يفسرها إلا ما صاحب القاعدة من تطبيق في الماضي . وإلا أنها استعصت على الطفرة فلم تستطيع أن تظفر باستقلالها إلا مقيداً بشروط ، إذا استطاع تاريخ القاعدة أن يفسرها . فإنه لا يستطيع أن يبررها .

وقد ألف الفقه والقضاء في فرنسا وفي مصر أن يقررا ، منذ قامت القاعدة مستقلة ، أن دعوى الإثراء بلا سبب دعوى احتياطية لا يجوز الالتجاء إليها إلا إذا انعدمت كل وسيلة قانونية أخرى . وأن الإثراء الذي يطالب المفتقر باسترداده يجب أن يكون قائماً وقت رفع الدعوى . والمبتدع لهذين القيدين هما الفقيهان الكبيران أن أوبري ورو على ما مر بنا .

وقد بدأ الفقه في فرنسا وفي مصر يكسر من أغلال القيد الأول . ولكنه هو القضاء بقيا جامدين إزاء القيد الثاني ، فظلا يقولان بأن من شروط دعوى الإثراء أن يكون الإثراء قائماً وقت رفع الدعوى .

أما القانون المصري الجديد فقد تكفل بتكسير القيدين معاً كما أسلفنا القول فهو لم يشترط أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية ، ثم هو قد نص صراحة في المادة 179على أن التزام المثري يبقى قائماً ولو زال الإثراء فيما بعد ( [1] ) . فتم بذلك تحرير القاعدة من قيودها ، وأقيمت على أساس من المنطق السليم .

ها نحن نستعرض كلا من هذين القيدين لنبرر موقف القانون المصري الجديد منهما .

 المطلب الأول

 لا ضرورة لأن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية

 1 – القانون الفرنسي

777 – اتفاق الفقه والقضاء بادئ الأمر على أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية :

منذ تحررت دعوى الإثراء وأصبحت دعوى مستقلة ، على ما مر بنا في التطور التاريخي لهذه الدعوى ، ومنذ أعلنت محكمة النقض الفرنسية ” أن دعوى الإثراء بلا سبب ، وهي تقوم على مبدأ عادل يحرم الإثراء على حساب الغير ، لم يعرض لتنظيمها نص في القانون ، فهي لا تخضع في استعمالها لأي شرط معين ، ويكفي لقبولها أن يتقدم المدعى بإثبات أنه جعل من يرفع عليه الدعوى يثري عن طريق تضحية تحملها هو أو عمل شخصي قام به ( [2] ) ” . ساد شعور قوى بأن تطوراً خطيراً قد وقع ، وأن دعوى الإثراء بعد أن كانت ترسف في أغلال التبعية لدعوى الفضالة . أصبحت طليقة من كل قيد . فتحولت من النقيض إلى النقيض ، وأنه يجدر البحث عن قيد تنضبط به . فلا تطغى على جميع نواحي القانون .

وسرعان ما عثر الأستاذان أوبري ورو على هذا القيد . فقررا أنه يشترط في دعوى الإثراء بلا سبب ألا يكون هناك لدى المدعي ” دعوى أخرى ناشئة من عقد أو شبه عقد جريمة أو شبه جريمة ” ( [3] ) . وفهم ذلك على أن دعوى الإثراء هي دعوى احتياطية ( action subsidiaire ) لا يلجأ إليها المدعى إلا إذا لم يكن لديه أية دعوى أخرى . وما لبثت محكمة النقض الفرنسية أن اعتنقت هذا المذهب في حكمها المشهور الصادر في 12مايو سنة 1914 ( [4] ) وانعقد إجماع الفقه والقضاء بعد ذلك على هذا المبدأ ( [5] ) .

778 – تزعزع الفقه الفرنسي عن موقفه : ولكن الفقه في فرنسا ما لبث أن تزعزع عن موقفه ، وبدأ يتعمق في بحث هذه الصفة الاحتياطية التي خلعها على دعوى الإثراء .

وبدأ هذا البحث الأستاذ بارتان ( Bartin ) ، فتساءل في تعليقه على كتاب الأستاذين أوبري ورو ماذا يريد الفقيهان بقولهما إن دعوى الإثراء دعوى احتياطية ( [6] ) ؟ثم أخذ الأستاذ رواست ( Rouast ) يعالج المسألة على وجه أعمق في مقال له معروف ( [7] ) . وأفاض بعد ذلك الأستاذ الموزنينو ( Almosnino ) في بحث الموضوع في رسالة له مشهورة ( [8] ) . ثم خطأ الأستاذ كابيتان خطوة أبعد ، فتشكك في أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية ، وتساءل لماذا لا تكون دعوى أصلية ( [9] ) .

ولكن بالرغم من هذه الحركة الفقهية لا تزال دعوى الإثراء عند جمهور الفقهاء في فرنسا وعند القضاء الفرنسي ( [10] ) دعوى احتياطية على المعنى الذي قال به أو برى ورو فيما قدمناه . والسبب في ذلك ، كما لاحظ بحق الأستاذ مارافان ( Maravent ) في رسالته ( [11] ) ، أن معنى ” سبب الإثراء ” لا يزال في فرنسا محل خلاف ، ولم ينضبط على الوجه الذي انضبط به في مصر . وسنرى أن هناك ارتباطاً شديداً بين سبب الإثراء والصفة الاحتياطية للدعوى ، وأنه متى انضبط معنى سبب الإثراء على الوجه الذي أسلفناه والذي أخذ به القانون المصري الجديد . وفسر هذا السباب بأنه هو المصدر القانوني الذي يكسب المثري الإثراء ، لم تعد هناك فائدة محسوسة للقول بأن دعوى الإثراء دعوى احتياطية . ويغني عن هذا القول تفسير السبب على الوجه المتقدم الذكر . وإذا كانت دعوى الإثراء قد أصبحت ، بعد أن انطلقت من عقالها ، في حاجة إلى قيد تنضبط به ، فالأولى إلا يكون القيد هو هذه الصفة الاحتياطية المزعومة التي ابتدعها الأستاذان أوبري ورو ، بل يكون هو ” سبب الإثراء ” مفهوماً على المعنى الذي قدمناه فيدخل قيدا ًفي الدعوى تنضبط به على الوجه المطلوب .

وسنرى الآن أن الفقه والقضاء في مصر تقدما في هذا السبيل تقدماً مشهوداً ، وأن القانون المصري الجديد خطا فيه الخطوة الحاسمة .

2 – القانون المصري

779 – الفقه والقضاء في مصر : سار الفقه والقضاء في مصر بادئ الأمر في الطريق الذي سار فيه الفقه والقضاء في فرنسا ، فقالا بالصفة الاحتياطية للدعوى ( [12] ) .

ولكن جانباً من الفقه ما لبث أن شق لنفسه طريقاً آخر ، واخذ يتساءل : هل صحيح ما يقال من أن دعوى الإثراء دعوى احتياطية ؟ وننقل هنا ما كبتناه في ” الموجز ” في ظل القانون المدني القديم :

 ” تقرر الفقهاء عادة أن دعوى الإثراء على حساب الغير هي دعوى احتياطية . ويريدون بهذا أنه لا يجوز للمدعي الالتجاء إليها إلا إذا اعوزته السبل الأخرى . إذا كان له سبيل غير دعوى الإثراء ، فعليه أن يسلك هذا السبيل . مثل ذلك أن يغتصب شخص مالا لغيره فينتفع به ، فهنا يستطيع صاحب المال أن يرجع على المغتصب بدعوى المسئولية التقصيرية فلا يرجع عليه بدعوى الإثراء . وقد يكون للمفتقر طريق آخر ، ولكن قبل الغير لا قبل المثري ، فهنا أيضاً يرجع المفتقر على الغير لا على المثري . مثل ذلك أن يتفق طبيب مع مريض على معالجته ، ويكون المريض قد أمن على نفسه ضد المرض ، فلا يرجع الطبيب على شركة التامين بدعوى الإثراء ، بل يرجع على المريض بدعوى العقد . ومثل ذلك أيضاً أن يوفي شخص ديناً على غيره معتقداً أن الدين في ذمته ، فيكون له ، إلى جانب دعوى الإثراء قبل المدين الحقيقي ، دعوى دفع مالا يجب قبل الدائن الذي استوفى الدين ، فعليه أن يرجع بالدعوى الثانية دون الأولى ” .

 ” ونحن لا نرى محلا للقول بأن دعوى الإثراء على حساب الغير دعوى احتياطية . فهي دعوى ككل الدعاوى متى توافرت شروطها أمكن رفعها ، حتى لو وجد المدعى أمامه طرقاً أخرى . أما ما يقال من أن الدعوى مبنية على قواعد العدالة ، فلا يجوز الالتجاء إليها إلا عندما تضيق القواعد القانونية ، فقول كان يصح في قانون كالقانون الروماني حيث كان هناك تمييز بين قواعد العدالة ممثلة في القانون البريطوري وقواعد القانون ممثلة في القانون المدني العتيق ، أو في القانون الإنجليزي حيث كانت قواعد العدالة منفصلة عن ” القانون العام ” . أما الآن فلا تمييز بين قواعد العدالة وقواعد القانون ، فكلاهما قانون يمكن الالتجاء إليه ، ولا يشترط الالتجاء إلى واحد قبل الآخر ” .

 ” أما ما قدمناه من الأمثلة التي رأينا فيها المدعى يملك دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ، فلا نرى فيها ما يمنع المدعى من أن يترك هذه الدعوى الأخرى إلى دعوى الإثراء . فيستطيع صاحب المال أن يترك دعوى المسئولية التقصيرية قبل المغتصب ، ويستطيع الطبيب أن يترك دعوى العقد قبل المريض ، ويستطيع من وفي دين غيره أن يترك دعوى دفع ما لا يجب قبل الدائن ، ويلجأ هؤلاء جميعاً إلى دعوى الإثراء . إلا إنهم لا يفعلون ، إذ أن هذه الدعاوى الأخرى أجدى عليهم من دعوى الإثراء ، ففيها يستولون على تعويض كامل ، أما في دعوى الإثراء فلا ينالون إلا أقل القيمتين من إثراء أو افتقار . . . . ( [13] ) ” .

هذا ما قلناه في ” الموجز ” في ظل القانون القديم ، ولا تزال نقوله حتى اليوم ، وفي ظل القانون الجديد ( [14] ) .

وينحو الدكتور محمود أبو عافية هذا النحو في رسالته ” التصرف القانوني المجرد ” بل هو يربط في وضوح ما بين ” السبب في الإثراء ” والصفة الاحتياطية للدعوى فيقول : ” يفسر الفقه في فرنسا ومصر هذا المبدأ بقوله إن دعوى الإثراء دعوى احتياطية . . . وهذا في رأينا خطأ يؤسف له لشدة ما يترتب عليه من تعقيد لمسألة الإثراء . ولا نرى علة لوجود هذا الخطأ سوى أخذ السبب في الإثراء بمعنى الغرض الشخصي المنشود . أما إذا أخذناه على معنى السبب المنشيء ، فإن دعوى الإثراء لا تجوز مباشرتها في الحالة المذكورة في المتن ( حالة المشتري الذي يدفع الثمن دون أن تنتقل إليه ملكية المبيع ، فلا يجوز له أن يرجع على البائع بدعوى الإثراء بل يرجع بدعوى البيع ) لا لأنها دعوى احتياطية ، وإنما لأن الإثراء له سبب هو العقد النائم ” ( [15] ) .

وينهج الأستاذ مارافان ( Maravent ) في رسالته هذا المنهج ، ويبين في وضوح وقوة أن الصفة الاحتياطية المزعومة لدعوى الإثراء لا تلبث أن تختفى إذا فهم ” السبب في الإثراء ” على الوجه الصحيح ( [16] ) .

هذا هو الفقه المصري في مرحلته الأخيرة قبل صدور القانون المدني الجديد أما القضاء في مصر فكان أقل وضوحاً في إنكار الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء ، ولكن محكمة النقض لم تصرح في حكم من أحكامها بأن للدعوى هذه الصفة على الرغم مما نسب إليه من ذلك ( [17] ) .

780 – القانون المصري الجديد : وجاء القانون الجديد صدى للفقه المصري في مرحلته الأخيرة ، مستجيباً لدعوته ، جاعلا من دعوى الإثراء دعوى أصلية ، مؤكداً بذلك استقلال هذه الدعوى ، بعد أن رد إليها اعتباره ، ونفي عنها الصفة الاحتياطية ، فرفعها بذلك إلى مرتبة دعوى العقد ودعوى المسئولية التقصيرية .

ويبقى أن نبرر هذا الموقف الحق الذي وقف القانون الجديد .

إن الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء لا يمكن أن تثار في أية حالة لا يكون فيها للمدعى دعوى أخرى إلى جانبها . والحالات التي من هذا القبيل كثيرة متنوعة . وقد رأينا أمثلة منها متعددة فيما قدمناه . وهذا هو الميدان الحقيقي لدعوى الإثراء .

أما إذا قامت دعوى أخرى إلى جانب دعوى الإثراء ، فهنا تثار الصفة الاحتياطية المزعومة ، ويقال إن المدعى لا يجوز له أن يرجع بدعوى الإثراء لأنها دعوى احتياطية لا تجوز مباشرتها إذا وجد سبيل قانوني آخر ، فيتعين عليه أن يباشر الدعوى الأخرى دون دعوى الإثراء . مثل ذلك المعير يدفع العارية للمستعير وله في استردادها دعوى العارية ودعوى الاستحقاق ، فلا يجوز له في هذه الحالة الرجوع بدعوى الإثراء ومثل ذلك أيضاً المغتصب لمال الغير ، يستطيع صاحب المال أن يرجع عليه بدعوى الغصب ، فلا يجوز أن يرجع عليه بدعوى الإثراء .

والصحيح أن المعير في المثل الأول ، إذا كان لا يجوز له الرجوع بدعوى الإثراء ، فليس ذلك لأنها دعوى احتياطية ، بل لأنها غير قائمة أصلاً ، إذ المثري هنا وهو المستعير قد اثرى بسبب قانوني هو عقد العارية كما رأينا فيما تقدم . وسنرى فيما يلي أن ” سبب الإثراء ” يغني في الكثرة الغالبة من الأحوال . كما أغنى في هذه الحالة ، عن الالتجاء إلى الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء أما في المثل الثاني فلا يوجد ما يمنع صاحب المال من الرجوع على المغتصب بدعوى الإثراء ، فهو بالخيار بين هذه الدعوى ودعوى الغصب ، وإن كان في الواقع يختار دعوى الغصب إذ هي تهيئ له تعويضاً أوفر ، فدعوى الإثراء لا تكون إذن دعوى احتياطية إلا إذا كان ذلك من ناحية الواقع لا من ناحية القانون ( [18] ) .

بقيت الحالات التي تكون فيها الدعوى الأخرى التي قامت إلى جانب دعوى الإثراء قد انسد طريقها ، فلا يستطيع المدعى أن يباشر دعوى الإثراء لأنها كما يقال دعوى احتياطية ، ولا الدعوى الأخرى لأن طريقها قد انسد . وجميع الأمثلة التي تورد عادة في هذا الصدد ليست إلا حالات تحقق فيها للإثراء سبب قانوني ، فلا يجوز للمدعى أن يرجع بدعوى الإثراء ، لا لأنها دعوى احتياطية ، بل لأنها ليست قائمة . فإذا اقرض شخص آخر مبلغاً من النقود يزيد على عشرة الجنيهات ولم يحصل على دليل كتابي ، وأراد المقرض – بعد أن انسد امامه طريق دعوى القرض لمانع قانوني هو انعدام الدليل الكتابي – أن يرجع على المقترض بدعوى الإثراء حتى يتمكن من إثبات القرض بالبينة كواقعة مادية ، لم يجز له ذلك لأن الإثراء هنا له سبب هو عقد القرض ( [19] ) . وإذا اقرض مصرف مديناً مبلغاً من النقود سدد به دائناً مرتهناً ، حكم القانون وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( [20] ) . وإذا تعاقد معلم مع والد تلميذ على أن يعطي التلميذ درساً خاصاً ، ثم يفلس الأب ، فتنسد أمام المعلم دعوى الرجوع عليه بالعقد لإعساره ، ويريد المعلم الرجوع على التلميذ بدعوى الإثراء بلا سبب ، لم يجز له ذلك لأن إثراء التلميذ له سبب هو التزام الأب أن يقوم على تعليم ولده ( [21] ) .

ويتبين مما قدمناه أن دعوى الإثراء هي دعوى أصلية . فإذا قامت دعوى أخرى إلى جانبها ، كان للمدعى الخيار بين الدعويين . وإذا كان يختار في الواقع الدعوى الأخرى ، فتبدو دعوى الإثراء في الظاهر كأنها دعوى احتياطية ، فإن ذلك يرجع إلى أن هذه الدعوى الأخرى إما أن تكون قد جعلت للإثراء سبباً فلا يستطيع المدعى أن يباشر دعوى الإثراء ، وإما أن تكون هي الأجدى على المدعى فلا يرغب في أن يباشر دعوى الإثراء .

وإذا كان هناك شيء يستبقى من فكرة الصفة الاحتياطية ، فليس ذلك ما يقال من أنه يجب على المدعى أن يستعرض الدعاوى واحدة بعد الأخرى ، فإذا استنفدها جميعاً ولم يستقم له أي منها التجأ إلى دعوى الإثراء . بل الذي يستبقى هو أنه يجب على المدعى أن يستعرض الأسباب القانونية واحداً بعد الآخر ، فإذا استنفدها جميعاً ولم يقم أي منها سبباً لإثراء المدعى عليه ، جاز له عند ذلك أن يرجع بدعوى الإثراء ( [22] ) .


 ( [1] ) وهذا ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد :وقد اكتفي المشروع بهذه الشروط الثلاثة دون أن يضيف إليها شرطين آخرين نصت عليهما بعض تقنينات تأثرت مما كان مأثوراً من الممانعة أو التحرز في قبول مبدأ الإثراء . فلا يشترط أن يظل الإثراء قائماً إلى وقت رفع الدعوى ( قارن المادة 142 من التقنين اللبناني وهي تنص على هذا الشرط في حالة الإثراء بحسن النية ) بل يكون الرد واجباً ولو زال الإثراء فيما بعد ، وهذا ما تقضى به صراحة المادة 248 من المشروع ( أنظر في هذا المعني المادة 2343 من التقنين الأرجنتيني ) . ولا يشترط كذلك ألا يكون للدائن دعوى سوى دعوى الإثراء يستطيع أن يلجأ إليها لاستيفاء حقه ، بل يجوز له أن يباشر هذه الدعوى ولو هيأ له القانون طريقاً آخر . ولا يزال التقنين اللبناني ( المادة 142 ) مبقياً على ما كان لدعوى ” رد غير المستحق ” من صفة احتياطية أو تبعية ، وقد قصد المشروع إلى إهمال هذا الشرط فتعمد إغفال النص عليه ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 442 ) .

 ( [2] ) محكمة النقض الفرنسية في 15 يونية سنة 1892 داللوز 92 – 1 – 596 .

 ( [3] ) أوبري ورو الطبعة الرابعة الجزء السادس ص 246 – ص 247 . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

 ( [4] ) محكمة النقض الفرنسية في 12 مايو سنة 1914 سيريه 1998 – 1 – 41 – وما لبثت المحكمة أن أصدرت حكماً آخر في هذا المعني في 2 مارس سنة 1915 داللوز 1920 – 1 – 102 ( أنظر تحليلاً لهذا الحكم وتعليقاً عليه للأستاذ كابيتان في كتابه الأحكام الكبرى للقضاء المدني طبعة ثالثة باريس سنة 1950 ص 335 – ص 336 ) .

 ( [5] ) بودري وبارد 4 فقرة 2849 ( 16 ) – بلانيول وريبير وبرلانجية 2 فقرة 1276 – جوسران 2 فقرة 574 – ديموج 3 ص 287 – محكمة النقض في 12 فبراير سنة 1923 داللوز 1924 – 1 – 129 – وفي نوفمبر سنة 1934 داللوز الأسبوعي 1934 ص 587 – وفي 11 سبتمبر سنة 1940 جازيت دي باليه 1141 وسيريه 1941 – 1 – 121 .

 ( [6] ) أوبري ورو مع تعليقات بارتان طبيعة خاصة جزء 9 ص 355 . وقد أول الأستاذ بارتان المعنى المراد بالصفة الاحتياطية تأويلات ثلاثة :1 ) فإما أن يراد بذلك أن دعوى الإثراء لا تجوز مباشرتها إلا حيث لا توجد أية دعوى أخرى يتمكن بها الدائن من الوصول إلى حقه . 2 ) وإما أن يراد أن دعوى الإثراء تجوز مباشرتها حتى لو وجدت هذه الدعوى الأخرى ما دامت هذه الدعوى قد فقدها الدائن بغير خطأ منه . 3 ) وإما أن يراد أن دعوى الإثراء تجوز مباشرتها حتى لو وجدت الدعوى الأخرى ولم يفتقدها الدائن ولكنها غير منتجة بسبب إجبار المدين في هذه الدعوى الأخرى .

 ( [7] ) ” الإثراء بلا سبب والقضاء المدني ” ( المجلة الفصلية للقانون المدني 1922 ص 35 وما بعدها ) . وقد ميز الأستاذ رواست في هذا المجال بين فرضين ( الفرض الأول ) أن توجد دعوى قائمة لدى الدائن يستطيع الالتجاء إليها بجانب دعوى الإثراء ، فهو لا شك يؤثرها على دعوى الإثراء لأنها تسير له تعويضاً أوفي . وسواء كانت دعوى الإثراء في هذا الفرض دعوى احتياطية أو دعوى أصلية فالواقع من الأمر أن الدائن لا يلجأ إليها ما دام الباب أمامه مفتوحاً عن طريق دعوى أخرى . فدعوى الإثراء في الفرض الذي نحن بصدده دعوى احتياطية على كل حال ، إما من طريق الواقع . ( والفرض الثاني ) أن تكون هناك دعوى أخرى إلى جانب الإثراء ، ولكنها انسدت أمام الدائن فلم يبق لديه إلا دعوى انسد طريقها لمانع قانوني ، أواند طريقها بفعل الدائن نفسه ، أواند طريقها بغير فعله ويكون ذلك عادة بإعارة المدين في الدعوى الأخرى .

 ( [8] ) الإثراء بلا سبب وصفته الاحتياطية باريس سنة 1931 ” . وقد بحث ألموزنينو في هذه الرسالة جميع الفروض المتقدمة وأرجعها إلى خمس أحوال 1 ) ليس لدى الدائن إلا دعوى الإثراء وحدها . 2 ) المدى للدائن دعوى قائمة منتجة غير دعوى الإثراء . 3 ) كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها أند لمانع قانوني . 4 ) كان لدى الدائن دعوى الإثراء ولكن طريقها أند بفعله هو . 5 ) كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها أند بغير فعله ( بسبب إعسار المدين في الدعوى الأخرى ) .

ففي الحالة الأولي – حالة ما إذا لم يكن لدي الدائن إلا دعوى الإثراء –لا تثار الصفة الاحتياطية لهذه الدعوى ، إذ هي الدعوى الوحيدة المفتوحة أمام الدائن ، وليس لديه غيرها للمطالبة بحقه . وفي الحالة الثانية – حالة ما إذا كان لدى الدائن بجانب دعوى الإثراء دعوى أخرى قائمة منتجة – يقول أنصار الصفقة الاحتياطية إن الدائن لا يستطيع مباشرة دعوى الإثراء لأن لديه أخرى قائمة منتجة . ويخالف البعض ( ومنهم الموزينينو ) هذا الرأي ، ويذهبون إلى إعطاء الدائن الخيار بين الدعويين ولكن المزنينو يتثنى من ذلك ما إذا كانت الدعوى الأخرى دعوى العقد أو دعوى الاستحقاق فتجب دعوى الإثراء ، وتصبح هذه الدعوى احتياطية وفي هذه الحالة الثالثة – حالة ما إذا كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها أند لمانع قانوني –لا يجوز الالتجاء إلى دعوى الإثراء حتى لا يداور المانع القانوني وتنجح الحيلة في مخالفته . ومثل المانع القانوني قواعد الإثبات ، فإذا أقرض شخص آخر مبلغاً يزيد على عشرة الجنيهات لم تستطع الرجوع عليه بدعوى الإثراء ليتمكن من إثبات القرض بالبينة ، إذ أن دعوى الإثراء تقوم على واقعة مادية فيجوز إثباتها بجميع الطرق . ولا يبقي أمام المقرض إلا دعوى القرض ، وفيها يجب الإثبات بالكتابة أو بما يقوم مقامها . ومثل المانع القانوني أيضاً التقادم ، فإذا قام تاجر بتوريد أشياء لشخص لا يتجر فيها وتقادم حقه بانقضاء سنة ( م 378 مدني جديد ) ، لم يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء لأن دعوى عقد التوريد قد انسد طريقها لمانع قانوني هو التقادم . ومثل المانع القانوني أخيراً قوة الشيء المقضي ن فإذا باع قاصر عقاراً بغبن فاحش ورفع دعوى لتكملة الثمن ( م 425 مدني جديد ) فقضى له بالتكملة ، ثم نزلت قيمة العقار في يد المشتري إلى أقل من أربعة أخماسه ، لم يستطيع المشتري أن يرجع على القاصر بدعوى الإثراء ليسترد منه التكملة لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى تكملة الثمن قد انسد طريقها لمانع قانوني هو قوة الشيء المقضي .

وفي الحالة الرابعة – ما إذا كان لدى لدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكن طريقها السد بفعله هو – لا يجوز للدائن في رأي رواست مباشرة دعوى الإثراء ولا الدعوى الأخرى التي انسد طريقها . وهذا معناه أن دعوى لإثراء دعوى احتياطية جبتها دعوى أصلية فقلا تجوز له مباشرتها ، ثم إن الدعوى الأصلية السد طريقها بفعله هو فلا يجوز له أيضاً أن يباشرها . فإذا أقرض مصرف مديناً النقود التي سدد بها دائناً مرتهناً ، وأهمل المصرف في أن يتخذ الإجراءات اللازمة لحلوله محل الدائن المرتهن ، وترتيب على ذلك أن رهناً قانونياً لقصر كان المدين وصياً عليهم سبق المصرف المرتبة ، فإن المصرف لا يستطيع الرجوع على القصر بدعوى الإثراء ( نقض فرنسي 12 يولية سنة 1889 داللوز 89 – 1 – 393 : قضية Arrazat ) ، لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى الحلول محل الدائن المرتهن انسد طريقها بإهمال المصرف . وإذا كان شخص يملك كليا فضل في غاية للصيد وأفزع الطري في الغابة ، فأمسك به صاحب الغاية وأبقاه عنده أياما ، فإنه لا يستطيع الرجوع على صاحب الكلب بدعوى الإثراء لما أنفقه عليه في إطعامه ( نقض فرنسي 11 نوفمبر سنة 1902 سيريه 1903 – 1 – 453 : قضية Rolland ) ، لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى الفضالة انسد طريقها بإغفال صاحب الغاية أن يسلم الكلب للبلدية وهي التي تتولى إطعامه تطبيقاً لأحكام قانون 21 يونية سنة 1898 في فرنسا . وإذا أهمل المقاول في اتخاذ الإجراءات اللازمة لقيد حق امتيازه على بناء أقامه لشخص أفلس ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على التفليسة ( نقض فرنسي 12 فبراير سنة 1923 داللوز 24 – 1 – 129 : قضية Marty ) ، لأن الدعوى الأخرى وهي دعوى حق الامتياز قد انسد طريقها إذ أضاعها المقاول بتقصيره .

أما الأستاذ ألمزينيو فيري أن دعوى الإثراء في هذه الحالة هي دعوى أصلية تجوز مباشرتها ولو انسد طريق الدعوى الأخرى بفعل الدائن .

وفي الحالة الخامسة – حالة ما إذا كان لدى الدائن دعوى أخرى غير دعوى الإثراء ولكنها أصبحت غير ذات فائدة بسبب إعسار المدين – فإذا كان المدين لا يستطيع الرجوع على المثري ، جاز للمفتقر أن يرجع عليه بدعوى الإثراء ، وتكون هذه الدعوى إذن دعوى أصلية . مثل ذلك أن يتعاقد معلم مع والد التلميذ على إعطاء التلميذ درساً خاصاً ، ويفلس الوالد ، فيستطيع المعلم في هذه الحالة أن يرجع بدعوى الإثراء على التلميذ ( انظر ألموزتينو ص 157 وفي فروض أخرى ص 158 – ص 173 ) .

 ( [9] ) أنظر كابيتان في كتابه الأحكام الكبرى للقضاء المدني طبعة ثالثة باريس سنة 1950 ص 336 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذا المرجع ) .

 ( [10] ) وقد سبقت الإشارة إلى الفقه والقضاء الفرنسيين اللذين يؤيدان الصفة الاحتياطية للدعوى .

 ( [11] ) مارفان مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 129 – ص 131 .

 ( [12] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 9 ابريل 1929 م 41 ص 345 – وفي 13 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 – وفي أول ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 37 – إتياي البارود 6 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 ص 1190 ( وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه الأحكام ) . وانظر والتون 2 ص 190 – ص 191 – ذهني فقرة 705 وما بعدها – حشمت أبو ستيت فقرة 523 ص 389 ( وقد سبت الإشارة إلى هذه المراجع ) – وينضم الدكتور وديع فرج في مذكراته إلى رأي من يقولون بالصفة الاحتياطية لدعوى الآثراء . ويأخذ على القانون الجديد أنه نفي هذه الصفة عن الدعوى . ثم يقول إن التعديل الذي أدخله القانون الجديد له أثر عميق ، إذ يصح تطبيقا لهذا التعديل – بحسب رأيه – أن يختار صاحب الأرض التي بنى فيها أجنبي بحسن نية ، في رجوعه على الباني ، بين المطالبة بما تقضي به المادة 925 وبين دعوى الإثراء بعد أن أصبحت دعوى أصلية . وواضح أن المادة 925 قد تكفلت ببيان حكم الباني بحسن نية في أرض الغير ، وهي تطبيق خاص لدعوى الإثراء ، كما أسلفنا القول فتطبيق هذه المادة إنما هو تطبيق الدعوى لإثراء ذاتها في حالة من حالاتها الخاصة . فلا يجوز القول بعد ذلك أن لصاحب الأرض أن يختار بينها وبين دعوى الإثراء . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

 ( [13] ) الموجز للمؤلف فقرة 390 – فقرة 391 .

 ( [14] ) وهذا مع تحفظ واحد خاص بتحديد معنى ” الافتقار ” في الأمثلة التي وردت في النص و؟؟ إليه بالتفصيل فيما يلي

 ( [15] ) الدكتور محمود أبو عافية : التصرف القانوني المجرد ( نسخة عربية 9 فقرة 52 ص 196 حاشية رقم 7 .

 ( [16] ) الدكتور مارافان ( Maravent ) مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 124 – ص 145 .

 ( [17] ) ينسب الدكتور حشمت أبو ستيت ( فقرة 533 ص 389 ) إلى محكمة النقض أن قضاءها استقر على أن لدعوى الإثراء صفة احتياطية . ويورد في سبيل الاستشهاد على ذلك حكماً صدر من هذه المحكمة في 22 ديسمبر سنة 1932 ( ملحق القانون والاقتصاد 3 ص 68 ) تقول فيه ” حيثما وجد بين المتخاصمين رابطة عقدية فلا قيام لدعوى الإثراء بغير سبب على حساب الغير ، بل تكون أحكام العقد هي مناط تحديد حقوق كل من المتخاصمين وواجباته قبل الآخر ” ( انظر أيضاً مارافان وهو يستشهد على هذا الرأي بنفس الحكم في ص 127 حاشية 2 ) . وغنى عن البيان أن الحكم غير صريح في المعنى المنسوب إلى محكمة النقض . وقد استشهدنا نحن بهذا الحكم ذاته في صدد أن الإثراء قد يكون سببه عقداً . ومن هنا نرى الارتباط القوي بين الصفة الاحتياطية والسبب في الإثراء ، فإن حكماً واحداً استشهد به على كل من الأمرين .

على أن هذين الأمرين جد مختلفين فالقول بأن دعوى الإثراء دعوى احتياطية لا تباشر إذا وجدت بجانبها دعوى أخرى غير القول بأنه إذا وجد للإثراء سبب فلا تقوم دعوى الإثراء . وفرق بين أن يقال إن دعوى الإثراء قائمة ولكنها لا تباشر ، وأن يقال إن دعوى الإثراء لا تباشر لأنها غير قائمة .

 ( [18] ) وقد رأينا فيما نقلنه عن الموجز ( فقرة 390 – فقرة 391 ) مثلين آخرين : ( 1 ) يتفق طبيب مع مريض على معالجته ويكون المريض قد أمن على نفسه من المرض . ( 2 ) يوفي شخص ديناً على غيره معتقداً أن الدين في ذمته – وقلنا إننا لا نرى ما يمنع من أن يترك الطبيب دعوى العقد قبل المريض إلى دعوى الإثراء قبل شركة التأمين ، وأن يترك من وفى دين غيره دعوى دفع غير المستحق قبل الدائن إلى دعوى الإثراء قبل المدين .

وفي هذين المثلين اجتمعت دعوى الإثراء مع دعوى العقد ومع دعوى دفع غير المستحق . وقد تجتمع مع دعوى المسئولية التقصيرية كما رأينا في ثمل المغتصب لمال الغير الذي أوردناه في المتن ، وكما يقع في المنافسة غير المشروعة وفي التقليد ( Contrefacon ) فيجوز للمدعى أن يرجعى المنافس أن المقلد بدعوى المسئولية التقصيرية أو بدعوى الإثراء . وقد تجتمع دعوى الإثراء مع دعوى الفضالة كما إذا كشف نسابة ميراثاً لشخص يجهل أنه وارث ، وكما إذا تولى محام عملا لصالح شخص دون توكيل ، فيجوز أن يرجع النسابة أو المحامي على من أثرى إما بدعوى الفضالة أو بدعوى الإثراء .

ونستخلص من هذه الأمثلة أن دعوى الإثراء هى دعوى أصلية ، فإذا اجتمعت مع دعوى أخرى – كدعوى العقد أو دعوى المسئولية التقصيرية أو دعوى دفع غير المستحق أن دعوى الفضالة – كان للمدعى الخيار بينها وبين هذه الدعوى الأخرى . وفي هذه النطاق وحده يمكن أن نتصور أن تقوم دعوى الإثراء مع قيام دعوى أخرى إلى جانبها .

ويمكن القول – وهذا هو التحفظ الذي أشرنا إليه عندما كنا ننقل عن الموجز – إن دعوى الإثراء حتى في هذا النطاق لا تقوم . ولعلنا نستطيع الوصول إلى هذه النتيجة عن طريق تحليل معنى ” الافتقار ” تحليلاً أبعد مدى مما قدمناه . إذ يلاحظ أن الافتقار في كل هذه الأمثلة يقابله حق ترتب للمفتقر بسبب افتقاره . فالمغصوب ماله كسب بالغصب حقاً في التعويض قبل الغاصب . والطبيب كسب بالعقد حقاً قبل المريض . والموفى لدين غيره كسب بالوفاء حقاً قبل الدائن . ومن نوفس منافسة غير مشروعة أو قلدت بضاعته كسب بالمنافسة غير المشروعة أو بالتقليد حقاً قبل المنافس أو المقلد . والنسابة والمحامي دون توكيل كسبا بالفضالة حقاً قبل الوارث وقبل من ترافع عنه المحامي – فهل إذا كان المفتقر في الوقت الذي افتقر فيه كسب حقاً يعادل هذا الافتقار ودخل هذا الحق في ماله ، يمكن القول مع ذلك إن افتقاره موجود ؟ ألا يجوز أن يقال إن الافتقار هنا قابله حق يعادله فانعدم ، فلا تقوم دعوى الإثراء في جميع الحالات التي قدمناها ؟ إذا صح ذلك انمحى كل فرض تقوم فيه دعوى الإثراء مع قيام دعوى أخرى إلى جانبها ، فهذه الدعوى الأخرى إذا قامت تكون إما ” سبباً ” للإثراء أو ” معادلا ” للافتقار ، وفي الحالتين لا تقوم دعوى الإثراء .

وهذا الرأي له مزيتان : ( أولاً ) ببسط المسألة التي نحن بصددها إلى حد كبير ، وبدلا من أن تفرض إلى جانب دعوى الإثراء دعوى أخرى قائمة ، ثم نتساءل أيجوز مع قيام هذه الدعوى الأخرى مباشرة دعوى الإثراء ، تقرر في ؟؟؟ أن دعوى الإثراء إذا توافرت أركانها لا يمكن أن تقوم إلى جانبها دعوى أخرى . فتصبح مسألة الصفة الاحتياطية لدعوى الإثراء مسألة غير ذات موضوع . ( ثانياً ) أنه يجعل للافتقار ” معادلا ” له مزية التحديد الذي جعلناه ” لسبب ” الاثرا ءز فكما أن الإثراء قد يكون له ” سبب ” هو المصدر القانوني الذي اكسب المثري هذا الإثراء ، كذلك الافتقار قد يكون له ” معادل ” هو الحق القانوني الذي كسبه المفتقر بسبب هذا الافتقار . والافتقار ” بمعادل ” كالإثراء ” بسبب ” ، كلاهما يعدم في دعوى الإثراء ركنا ًمن أركانها فلا تقوم .

هذا وقد تجتمع دعوى الإثراء مع الدعوى غير المباشرة ، كصاحب أرض يؤرها ويشترط على المستأجر أن يكون ما يقيمه هذا من بناء ملكا له . ثم يتعاقد المستأجر مع مقاول لإقامة البناء ، ويعجز عن الوفاء بالتزامه نحو كل من المقاول وصاحب الأرض ، فيلتزم هذا نحو المستأجر أن يعوض المقاول ويستولى على البناء . فللمقاول في هذه الحالة أن يرجع على صاحب الأرض إما بدعوى الإثراء أو بالدعوى غير المباشرة نيابة عن المستأجر . ولكن دعوى الإثراء هنا لم يوجد إلى جانبها دعوى أخرى للمقاول ، فإن الدعوى غير المباشرة ليست إلا دعوى المستأجر يستعملها المقاول نيابة عنه ( انظر محكمة السين الفرنسية في 8 ديسمبر سنة 1899 جازيت دي باليه 1900 – 1 – 290 – محكمة الاستئناف المختلطة في 5 مارس سنة 1919 م 31 ص 186 يعارض حكماً آخر في أول مايو سنة 1901 م 13 ص 286 ) .

 ( [19] ) ويرى الأستاذ تاكية ( Naquet ) جواز أن يباشر القرض دعوى الإثراء بشرط إثبات واقعة الإثراء بالكتابة قياساً على الوقائع القانونية التي تنطوي على عقود فإنه يجب إثباتها بالكتابة كما في جريمة خيانة الأمانة ( تعليق على حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 12 مايو 1914 سيرية 1918 – 1 – 41 ) .

والصحيح أن دعوى الإثراء هنا لا تقوم لوجود سبب للإثراء هو عقد القرض كما قدمنا .

وهذا هو شأن عقد المقاولة إذا أبرم كتابة بأجر إجمالي على أساس تصميم اتفق عليه من رب العمل ( م 658 فقرة 1 وفقرة 2 مدني جديد ) ، فإذا حدث في هذا التصميم تعديل أو إضافة لم يأذن بهما رب العمل كتابة ، وأراد المقاول الرجوع على رب العمل بزيادة في الأجر ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى العقد إذ لا يجوز له إثبات الاتفاق على التعديل أو الإضافة إلا بورقة مكتوبة ، ولا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء لأن إثراء رب العمل له سبب هو عقد المقاولة الأصلي .

وهذا أيضاً هو شان كل الفروض التي يقوم فيها إلى جانب دعوى الإثراء دعوى أخرى ينسد طريقها لمانع قانوني ( انظر الحالة الثالثة من الحالات الخمس التي بحثها ألموزنينو في رسالته ) فإذا قام تاجر بتوريد أشياء لشخص لا يتجر فيها ، وتقادم حقه بانقضاء سنة ( م 378 مدني جديد ) ، وانسد طريق دعوى العقد بالتقادم ، فإن التاجر لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء لأن المدعى عليه قد أثرى بسبب قانوني هو التقادم . وإذا باع قاصر عقاراً بغبن فاحش ورفع دعوى لتكملة الثمن فقضى له بالتكملة ، ثم نزلت قيمة العقار في يد المشتري إلى أقل من أربعة أخماسه ، وانسد طريق دعوى تكملة الثمن بصدور حكم نهائي ، فإن المشتري لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على القاصر لأن هذا قد أثرى بسبب قانوني هو قوة الشيء المقضى .

وقد رأينا فيما قدمناه من الأمثلة أن المانع القانوني الذي ينسد به طريق الدعوى الأخرى ينقلب فيكون سبباً للإثراء ، فيمنع بذلك قيام دعوى الإثراء . فإذا لم ينقلب هذا المانع القانوني سبباً للإثراء ، انسد الطريق دون الدعوى الأخرى من غير أن ينسد دون دعوى الإثراء . وهذا قاطع في أن دعوى الإثراء ليست بالدعوى الاحتياطية كما يقال . ونأتي بمثل لذلك : نصت المادة 184 من القانون المدني الجديد ( م 148 / 290 قديم ) على أنه ” لا محل لاسترداد غير المستحق إذا حصل الوفاء من غير المدين وترتب عليه أن الدائن ، وهو حسن النية ، قد تجرد من سند الدين ، أو مما حصل عليه من التأمينات أو ترك دعواه قبل المدين الحقيقي تسقط بالتقادم . ويلتزم المدين الحقيقي في هذه الحالة بتعويض الغير الذي قام بالوفاء ” . فهنا وجدت دعوى استرداد غير المستحق . وانسد طريقها لمانع قانوني وهو تجرد الدائن من سند الدين أو من التأمينات أو سقوط دعواه بالتقادم ، ولكن القانون اصطنع هذا المانع بقدر فلم يجعله سبباً للإثراء ، وأجاز للغير الذي قام بالوفاء أن يرجع بدعوى الإثراء على المدين الحقيقي . ولا يقال ، إذا ترك الدائن دعواه قبل المدين الحقيقي تسقط بالتقادم ، إن التقادم هو سبب للإثراء ، ذلك لأن دعوى الدائن وقت أن استوفى الدين ، أي وقت أن أثرى ، لم تكن قد سقطت بالتقادم ، والعبرة في الإثراء بوقت وقوعه لا بوقت الدعوى كما سنرى .

 ( [20] ) وهذا أيضاً هو شأن كل الفروض التي يقوم فيها إلى جانب دعوى الإثراء دعوى أخرى يسند طريقها بفعل الدائن ( انظر الحالة الرابعة من الحالات الخمس التي بحثها ألموزنيوم في رسالته ) . فإذا كان شخص يملك كاباً ضل في غابه للصيد ، فأمسك به صاحب الغابة وأبقاه عنده أياماً متولياً نفقة إطعامه دون أن يسلمه للبلدية ، فسد امامه طريق دعوى الفضالة بفعله ، فإن صاحب الغابة لا يستطيع أن يرجع بدعوى الإثراء على صاحب الكلب ، لأن هذا إذا كان قد أثرى فلا ثرائه سبب هو قانون 21 يونية سنة 1898 الذي يوجب في فرنسا تسليم الكلاب الضالة للبلدية وهي التي تتولى إطعامها ( انظر رسالة ألموزنينو من 151 – ص 152 – مارافان مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 141 – ص 142 – انظر أيضاً محكمة إتياي البارود في 6 ابريل سنة 1931 المحاماة 12 ص 790 – محكمة الاستئناف المختلطة في 13 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 – وفي أول ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 37 وهي الأحكام التي أشار إليها مارافان في المرجع الشار إليه ) . وإذا اهمل المقاول في اتخاذ الإجراءات اللازمة لقيد حق امتيازه على بناء اقامه لشخص أفلس ، فسد أمامه طريق دعوى الامتياز بفعله ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء بلا سبب على التفليسة ، لأن التفليسة إذا كانت قد أثرت من ضياع حق امتياز المقاول ، فلهذا الإثراء سبب قانوني هو أحكام القانون الخاصة بمراتب الدائنين ( أنظر ألموزنينو ص 152 – ص 154 – مارافان ص 140 ) .

يضاف إلى هذه الأمثلة مثل آخر قضية فرنسية هي قضية ( Deschalettes ) ( نقض فرنسي 13 نوفمبر سنة 1912 داللوز 13 – 1 – 433 ) : باع رجل أرضاً لخليلته بيعاً صورياً فرهنت الخليلة الأرض لمصرف في مقابل قرض اقامت به بناء على الأرض . فرفعت مطلقة البائع دعوى قضت فيها محكمة النقض الفرنسية ببطلان الرهن الصادر من الخليلة لأن ملكيتها للأرض ملكية صورية ، ورفضت أن يكون للمصرف دعوى إثراء قبل المطلقة التي أثرت من وراء بطلان الرهن إذا ارتفعت مرتبة رهنها القانوني على أموال مطلقها ومنها هذه الأرض . ويقول الأستاذ رواست في صدد هذه القضية إن دعوى الإثراء ترفض لأن المصرف أهمل . وهذا غير صحيح لأن المصرف لم يكن يعلم بصورية البيع ، وهبه اهمل فدعوى الإثراء لا تدفع بإهمال الدائن وقد رأينا أن الحائز سيء النية يرجع بدعوى الإثراء ، والصحيح أن محكمة النقض الفرنسية أخطأت في إبطال الرهن ، لأن الصورية لا يحتج بها على الغير حسن النية . أما إذا فرضنا جدلا أن الصورية يحتج بها هنا ، فإن محكمة النقض تكون قد أصابت في إنكار دعوى الإثراء على المصرف الذي سد طريق دعوى الرهن بفعله ، وإذا كانت المطلقة قد أثرت ، فإن لإثرائها سبباً قانونياً هو أحكام القانون الخاصة بحفظ مراتب الدائنين ( مارافان ص 138 – س 14 – ألموزنيفي ص 144 – ص 150 ) .

 ( [21] ) وقد رأينا أن محكمة مونبيلييه الفرنسية ( 3 فبراير سنة 1869 دللوز 69 – 2 – 213 ) أجازت رجوع العلم على التلميذ بدعوى الإثراء بلا سبب . ( أنظر ألموزنينو ص 157 ) وأنظر عكس ذلك مارافان ص 109 .

كذلك إذا باع شخص سيارة لآخر ، فوهبها المشتري لثالث ، وفسخ البائع البيع وأراد الرجوع على المشتري فوجده معسراً ، فهو لا يستطيع الرجوع على الموهوب له بدعوى الإثراء ، لأن الموهوب له قد أثرى بسبب قانوني هو حيازة المنقول بحسن نية ( لاعقد الهبة لأن الواهب قد انفسخ سند ملكيته ) . وقد سبقت الإشارة إلى أن المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد أشتمل على نص يجيز في هذه الحالة رجوع البائع على الموهوب له بدعوى الإثراء ، ولكن النص حذف في لجنة المراجعة ، فخرج المشروع النهائي خالياً منه .

 ( [22] ) وإذا أخذنا بفكرة ” المعادل ” في الافتقار على الوجه الذي قدمناه أمكن أن تقول إن دعوى الإثراء دعوى احتياطية بالمعنى الآتي : يجب على المدعى قبل أن يلجأ إلى دعوى الإثراء أن يستعرض كل الأسباب التي تصلح مصدراً قانونياً لقيام الإثراء أو لقيام معادل للافتقار ، فإذا استنفدها جميعاً ولم يجد أياً منها يصلح لذلك ، جاز له عندئذ أن يرجع بدعوى الإثراء .

نقلا عن محامي أردني

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

انعدام السبب

انعدام السبب

 ( Absence de cause )

770 – تجرد الإثراء عن سبب يبرره : يجب ، حتى تقوم دعوى الإثراء ، أن يتجرد الإثراء عن سبب يبرره . ذلك أن الإثراء كان له سبب فلا محل لاسترداده ، وللمثري أن يحتفظ به ما دام أن له سبباً يبرر الحصول عليه ( [1] ) .

ولكن الفقهاء اختلفوا في تحديد معنى ” السبب ” وكان هذا الاختلاف من أهم العوامل في تعقيد نظرية الإثراء وفي الغموض الذي أحاط بها حقبة طويلة . ونحن نستعرض في إيجاز بعضاً من هذه الآراء الفقهية المتعارضة ، ثم نبين معنى ” سبب الإثراء ” في القانون المصري الجديد .

اختلاف الفقهاء في تحديد معنى السبب :

771 – المعنى الأدبي :يرى الأستاذ ريبير في مؤلفه المعروف ” القاعدة الأدبية ” ( [2] ) أن المعنى المقصود من السبب هو معنى أدبي . وعنده أن الإثراء يكون له سبب إذا كان من العدل أن يستبقى المثري ما أفاده من الإثراء دون أن يرد منه شيئاً للمفتقر . ولذلك نراه يسمى الإثراء بلا سبب ” الإثراء غير العادل ” ( enrichissement ) . وهو يترك للقاضي تقدير ما إذا كان من العدل أن يستبقى المثري إثراءه فلا يحكم بالرد ، و إلا حكم به ويذهب الأستاذ بنكاز ( Bonnecase ) هو أيضاً إلى هذا المعنى الأدبي ( [3] ) .

وغنى عن البيان أن ترك قاعدة الإثراء بلا سبب إلى معنى غامض غير محدد ، هو المعنى العام للعدالة ، يجرد القاعدة من كل أسباب الثبات والاستقرار .

772 – المعني الاقتصادي القانوني : وتذهب طائفة أخرى من الفقهاء إلى آن للسبب معنى اقتصادياً قانونياً . فالسبب هو العوض ( ( compensation ) عن الإثراء ، وما دام الإثراء عوض فهو لا يسترد غير أن هؤلاء الفقهاء يختلفون فيما بينهم عندما يحاولون تحديد معنى ” العوض ” .

فيرى الأستاذ موري ( Maury ) أنه هو البديل ( equivalent ) من الناحية الاقتصادية وهو الحق الأدبي ( droit moral ) من الناحية الخلقية ( [4] ) .

ويرى الأستاذ رواست ( Rouast ) أن العوض ينطوي على معنى اعم من معنى البديل ، فهو المقابل ( contre – partie ) . ويختلف ” المقابل ” عن ” البديل ” في أن للمقابل معنى قانونياً . فأي ” مقابل ” يصلح قانوناً لأن يكون عوضاً للإثراء يمنع من الاسترداد ( [5] ) .

ويرى الأستاذ ديموج أن العوض هو ” النظير ” ( contre – prestation ) الذي يرجح حق المثري في استبقاء الإثراء على حق المفتقر في استرداده ( [6] ) .

وكل هذه المعاني مبهمة كما نرى ، ينقصها التحديد ، ويحوطها الغموض ( [7] ) .

معنى السبب في القانون المصري الجديد :

773 – السبب هو المصدر القانوني المكسب للإثراء : والقانون المصري الجديد قاطع في تحديد معنى السبب . فقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ما يستخلص منه في وضوح أن السبب هو المصدر القانوني الذي يكسب المثري الإثراء فيجعل له الحق في استبقائه ( [8] ) .

فالسبب إذن له معنى قانوني بحت ، فلا يمت لاعتبارات أدبية كما يقول ريبير ولا لاعتبارات اقتصادية كما يرى موري . وهذا المعنى هو أن يكون للمثري حق قانوني في كسب الإثراء الذي حصل عليه . الحق هذا لا يعدو مصدره أن يكون أحد المصدرين الذين تتولد منهما كل الحقوق : العقد أو القانون .

والأولي أن نقف عند هذا المعنى المحدد المنضبط ، فتكسب نظرية الإثراء بلا سبب من وراء ذلك ثابتاً وصلابة ، وتزاد إحكاماً ودقة ، ويتراوح عنها هذا الجو من الغموض والتحكم الذي كان يسودها في الماضي . وإذا كان القانون المصري الجديد قد آثر هذا المعني المحدد ، فذلك لأنه هو المعنى الذي يقول به الفقه في مصر ( [9] ) ، وكثير من الفقهاء في فرنسا ( [10] ) وهو المعنى الذي جرى به حكم القضاء في البلدين ( [11] ) ويبق أن نستعرض ” السبب ” بهذا المعنى في كل من مصدريه . عقداً كان المصدر أو حكماً من أحكام القانون .

774 – السبب في الإثراء عقد : قد يكون السبب الذي كسب المثري به الإثراء هو العقد فيمتنع الرد ( [12] ) . ويغلب أن يكون العقد الذي هو سبب الإثراء مبرماً ما بين المثري والمفتقر . فالطبيب إذا تعاقد مع المريض منعه العقد من الرجوع بدعوى الإثراء والمقاول إذا تعاقد مع العميل بأجر إجمالي منعه العقد من المطالبة بأية زيادة في الأجر ولو حدث في التصميم تعديل أو إضافة ( [13] ) ( م 658 ) . وما يستنبطه العامل من اختراعات في أثناء عمله يكون من حق رب العمل إذا كانت طبيعة الأعمال التي تعهد بها العامل تقتضي منه إفراغ جهده في الابتداع أو إذا كان رب العمل قد اشترط في العقد صراحة أن يكون له الحق فيما يهتدي إليه من المخترعات ( م 688 فقرة 2 ) ، وعقد العمل هو الذي يمنع العامل من الرجوع على رب العمل ( [14] ) وإذا اشترط المؤجر أن يتملك عند نهاية الإيجار التحسينات التي يدخلها المستأجر في العين المؤجرة امتنع على المستأجر الرجوع على المؤجر بتعويض عن هذه التحسينات لأن عقد الإيجار هنا سبب قانوني يمنع من هذا الرجوع ( [15] ) . وإذا أمن شخص على منزله من الحريق واحترق المنزل ، فأعادت شركة التأمين بناءه تنفيذاً لعقد التأمين ، كان إثراء المؤمن بقيمة المنزل بعد أن أعيد بناؤه وقيمته في حالته الأصلية سببه عقد التأمين فلا ترجع شركة التأمين عليه بدعوى الإثراء ( [16] ) . وإذا أحسن الوكيل الإدارة حتى زاد الربع زيادة كبيرة فلا رجوع له على الموكل بدعوى الإثراء لأن عقد الوكالة يمنع من ذلك ( [17] ) ولا يجوز للبائع أن يرجع على المشتري بدعوى الإثراء لمطالبته بباقي ثمن المبيع لأن عقد البيع هو مناط تحديد حقوق كل من المتعاقدين ( [18] ) .

وقد يكون العقد الذي هو سبب الإثراء مبرماً بين المثري والغير دون أن يكون المفتقر طرفاً فيه ، ويقوم العقد مع ذلك سبباً قانونياً للإثراء يمنع المفتقر من الرجوع على المثري . مثل ذلك مستأجر يستحدث تحسينا ت في العين المؤجرة ، ويتركها للمؤجر عند نهاية الإيجار طبقاً للعقد ، فيكون عقد الإيجار هذا مانعاً من الرجوع على المؤجر ، لا من المستأجر فحسب وقد رأينا هذا في مثل متقدم ، بل أيضاً من الدائن الذي عجل للمستأجر نفقات هذه التحسينات أو من المقاول الذي قام بها دون أن يقبض أجر عمله ، مع أن الدائن والمقاول لم يكونا طرفاً في عقد الإيجار وهو السبب القانوني لإثراء المؤجر بقيمة هذه التحسينات على حساب الدائن أو المقاول . والمثري في هذا المثل هو المؤجر ، والمفتقر هو الدائن أو المقاول ، وسبب الإثراء هو عقد الإيجار الذي أبرم بين المثري ( وهو المؤجر ) وشخص آخر غير المفتقر ( وهو المستأجر ) ( [19] ) ومثل ذلك أيضاً شخص يثري على حساب آخر ، ويهب ما أثري به إلى شخص ثالث ، فلا يستطيع المفتقر في هذه الحالة أن يرجع بدعوى الإثراء على الموهوب له ، لأن هذا قد أثرى بسبب قانوني وهو عقد الهبة ، وإن لم يكن المفتقر طرفاً في هذا العقد ( [20] ) .

وقد يكون العقد الذي هو سبب الإثراء مبرماً بين المفتقر والغير دون أن يكون المثري طرفاً فيه ، ويقوم العقد مع ذلك سبباً قانونياً فلإثراء . مثل ذلك أن يتعاقد شخص مع وكيل ولكن لا باعتبار أنه وكيل باسمه الشخصي ، فلا يجوز له الرجوع على الموكل بدعوى الإثراء لأن هناك عقداً أبرم بينه ( وهو المفتقر ) وبين الوكيل ( وهو غير المثري ) ( [21] ) . ومثل ذلك أيضاً أن يتعاقد شخص مع أحد الشركاء في شركة محاصة ، فلا يجوز له الرجوع بدعوى الإثراء على أحد الشركاء الآخرين ، لأن الشريك في شركة المحاصة يتعاقد باسمه الشخصي لا باسم الشركة ولا باسم أحد من بقية الشركاء ، فيكون العقد الذي أبرم مع الشريك مانعاً من رجوع المتعاقد الآخر على بقية الشركاء الذين أثروا من وراء هذا العقد ، وذلك بالرغم من أن العقد أبرمه المفتقر مع غيرهم ( [22] ) .

775 – السبب في الإثراء حكم من أحكام القانون : وقد يكون سبب الإثراء ليس عقداً بل حكماً من أحكام القانون يصلح أن يكون مصدراً لكسب الإثراء ، فيكون قيام هذا السبب مانعاً للمفتقر من الرجوع على المثري بدعوى الإثراء ، لأن المثري يكون قد أثري بسبب قانوني . مثل ذلك العمل غير المشروع يكون سبباً قانونياً يمنع من الرجوع بدعوى الإثراء . فلا يلتزم من أخذ تعويضاً عن ضرر أصابه برد هذا التعويض . لأنه قد كسبه بسبب قانوني هو العمل غير المشروع . ومثل ذلك التقادم يمنع من استرداد الإثراء ، فإذا أقر ناظر الوقف بدين على الوقف كان إقراره باطلاً ، فإذا رجع الدائن بدعوى الإثراء فيما يتعلق بفوائد الدين فر يرجع بها إلا فيما لم يسقط منها بخمس سنين ، وما سقط بهذه المدة يمنع التقادم من استرداده ( [23] ) . كذلك قوة الشيء المقضي يعتبر سبباً مانعاً من دعوى الإثراء ، فإذا استبعد أحد دائني التفليسة بحكم حاز قوة الشيء المقضي لأنه لم يتقدم في الميعاد ، فإنه لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على السنديك ولا على أحد من سائر الدائنين ( [24] ) . وإذا لحقت بالموظف إصابة جعلته يستحق معاشاً قبل أن يبلغ السن القانونية ، فلا يجوز للحكومة أن تقول إنه أثرى دون سبب بقيمة الاستقطاعات التي كان يجب خصمها من مرتبه إلى حين بلوغ السن ، لأن استحقاقه للمعاش بسبب الإصابة هو حكم من أحكام القانون ، والقانون هنا هو قانون المعاشات ( [25] ) . وإذا أهمل المقاول فلم يقيد حق امتيازه ضاع هذا الحق ودخل مع سائر دائني التفليسة ، ولا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على هؤلاء الدائنين ، لأن إثراءهم له سبب هو حكم القانون القاضي بوجوب القيد للمحافظة على حق الامتياز ( [26] ) .


 ( [1] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 24 أبريل سنة 1928 فقرة 40 ص 315 .

 ( [2] ) فقرة 147 .

 ( [3] ) ملحق مبسوط بودري 3 فقرة 180 وفقرة 181 .

 ( [4] ) أنظر مؤلفه ” بحث في معنى التعادل في القانون الفرنسي ” ( Essai sur le role de la notion d quivalence en dr civ . fr . ) جزء 3 ص 352 .

 ( [5] ) رواست المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1922 ص 60 وما بعدها – أنظر أيضاً بلانيول وريبير وإسمان 7 فقرة 758 .

 ( [6] ) ديموج 3 فقرة 161 وما بعدها .

 ( [7] ) أنظر بحثاً في هذه المعاني المتضاربة في رسالة الدكتور محمود أبو عافية ” التصرف المجرد ” القاهرة سنة 1947 ص 181 – ص 185 ( النسخة الفرنسية ) . ونجد في هذه الرسالة بحثاً في تحديد معنى السبب في الإثراء في القانون الألماني . ويستخلص من هذا البحث أن القانون الألماني لا يقف عند معنى وأحد للسبب . ففي الأعمال القانونية التي يترتب عليها نقل حق من ذمة إلى أخرى ( actes d attribntion patrimoniale ) يقوم التصرف إما على سبب الوفاء ( cause solvendi ) أو على سبب الدائنية ( couso credendi ) أو على سبب التبرع ( cause donandi ) والسبب هنا هو الغرض الشخصي المباشر الذي يقصده المتصرف وهو أقرب ما يكون إلى السبب في العقد في النظرية الفرنسية التقليدية . فإذا كان التصرف مجرداً ( acte abstrait ) ولم يكن له سبب من هذه الأسباب الثلاثة ، فإنه يبقى مع ذلك صحيحاً . لكن إذا نقذه الدائن جاز للمدين أن يسترد ما دفعه بدعوى الإثراء بلا سبب ، ونرى من ذلك أن معنى ” السبب ” في الإثراء هو نفس معنى ” السبب ” في العقد . هذا إذا كان الإثراء آتياً من تنفيذ تصرف مجرد . أما إذا أتي الإثراء من عمل إرادي صادر من المثري ( بنى في أرضه بأدوات غيره ) أو عمل إرادي صادر من أجنبي ( بنى في أرض غيره بأدوات شخص ثالث ) أو واقعة طبيعية ( طرح البحر ) ، فيعتبر أن الإثراء له سبب إذا كان هناك مصدر قانوني يكسبه للمثري ( تقادم أو حسن نية أو انقضاء ميعاد أو قوة الشيء المفضي ) . ( أنظر الرسالة في نسختها الفرنسية ص 147 – ص 179 ) .

وينعى الدكتور أبو عافية على القانون الألماني هذا الازدواج في معنى السبب وما يلقيه في نظرية الإثراء بلا سبب من اضطراب وتعقيد ، فيقول : ” تلك هي النظرية الأساسية في الإثراء بلا سبب أوجزنا حدودها فيما تقدم . وهي كما نرى لها خاصية بارزة ، هي أنها تأخذ السبب القانوني للإثراء على معنيين . فإذا كان مصدر الإثراء تصرفاً قانونياً ( إضافة إلى الذمة ) أخذته على معنى الغرض الشخصي ( ziveck ) الذي يقصده المفتقر . أما إذا كان الإثراء واقعة قانونية أخذته على معنى السبب المنشئ ( Rechtsgrund ) ومرجعه إرادة القانون . ولا غرابة إذن في أن يسلم الفقه الألماني باستحالة وضع صيغة واحدة لفكرة السبب في الإثراء تغطي جميع الفروض . فكيف يمكن إعطاء صيغة واحدة لفكرة لها معنيان ، أحدهما يربطها بإرادة الأفراد والآخر يربطها بإرادة القانون ؟هذه الصيغة المزدوجة – رغم إجماع الفقه الألماني عليها – تبدو لنا مفككة متناثرة الأجزاء . فالغرض الشخصي ومرجعه الإرادة الخاصة والسبب المنشئ ومرجعه إرادة القانون هما فكرتان تناقض إحداهما الأخرى بحيث لا نستسيغ جمعهما تحت عنوان وأحد هو ” السبب في الإثراء ” …إن العيب في هذه النظرية يرجع –بصفة خاصة – إلى الطريقة الفنية التي اتبعها الفقه الألماني لحل مشكلة السبب في الإثراء . فقد رأينا هذا الفقه يبدأ بالسؤال الآتي :متى يكون الإثراء بلا سبب؟ وبعد أن يرفض الإجابة عليه بصيغة عامة يأخذ في معالجة مختلف فروض الإثراء بلا سبب كما هي معروفة في القانون الرماني . وكل ما يمكن أن يقال لصالح هذه الطريقة هو ما فيها من يسر جاء من كونها تقليدية موروثة وسائدة في ألمانيا منذ دخول القانوني الروماني فيها إلى يومنا هذا . ولكنها طريقة تنطوى على عيب خطير هو إغفال المسألة الأساسية في مادة الإثراء ، وهي إيجاد صيغة عامة لعنصر السبب تشمل جميع الأحوال دون أن تتغير طبيعة هذا العنصر بتغير الفروض . ونحن لا نصدر في ذلك عن مجرد التمسك بالاعتبارات المنطقية وغن كان فيها ما يبرر البحث عن صيغة واحدة لإيضاح العلاقات القانونية ، ولكننا فضلاً عن ذلك نرى أنا ما دمنا لم نصل إلى تلك الصيغة فإن مبدأ الإثراء نفسه بظل قاصراً مقاتلاً . فتحديد طبيعة السبب في الإثراء هو الأساس الذي تبني عليه نظرية الإثراء وترسم حدود تطبيقها ” ( رسالة الدكتور أبو عافية في نسختها العربية ص 182 – ص 183 – أنظر أيضاً ص 192 – ص 196 ) .

 ( [8] ) ورد في هذه المذكرة ما يأتي : ” ( والشرط ) الثالث إلا يكون للإثراء الحادث أو الافتقار المترتب عليه سبب قانوني يبررهما ، فلا يجوز للواهب مثلاً أن يرجع على الموهوب له بدعوى الإثراء بلا سبب ، لأن بين العاقدين تصرفاً قانونياً هو عقد التبرع يبرز افتقار أحدهما وإثراء الآخر ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 441 ) .

 ( [9] ) الموجز للمؤلف فقرة 387 – الدكتور حشمت أبو ستيت فقرة 538 – مارافان ( مجلة مصر المصرية سنة 1949 ) ص 102 – ص 104 – الدكتور شفيق شحاته ( جريدة المحاكم المختلطة عدد 3381 – 9 . 8 نوفمبر سنة 1944 ) . الدكتور محمود أبو عافية في رسالته ” التصرف القانوني المجرد ” ( نسخة فرنسية ص 185 – 189 ) – قارن والتون 2 ص 188 – ص 190 .

 ( [10] ) مبسوط بودري 15 فقرة 2849 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1270 – كولان وكابيتان 2 فقرة 413 – ( ويقتصران على العقد سبباً للإثراء ) – جوسران 2 فقرة 572 – فيرنيو ( Vergniaud ) رسالة من باريس 1916 ص 216 – بوديشنيانو ( Budisthteano ) رسالة من باريس 1920 ص 106 – موسيو ( Mosiou ) رسالة من باريس ص 236 .

 ( [11] ) محكمة النقض الفرنسية في 9 مايو سنة 1853 دالللوز 53 – 1 – 251 – وفي 18 أكتوبر سنة 1898 داللوز 99 – 1 – 105 – وفي 12 فبراير سنة 1923 داللوز 23 – 1 – 64 – وفي 12 نوفمبر سنة 1924 داللوز 1924 – 1 – 129 – وفي 11 فبراير سنة 1931 داللوز 1931 – 1 – 129 – وفي 28 فبراير سنة 1939 داللوز . 1940 – 1 – 1 – وفي 21 فبراير سنة 1944 داللوز الأسبوعي 1944 ص 58 – وفي 17 مايو سنة 1944 جازيت دي باليه 1944 – 2 – 71 أما القضاء المصري فستعرض له تفصيلاً فيما يلي .

 ( [12] ) محكمة الإسكندرية المختلطة في 6 مايو سنة 1926 جازيت 16 رقم 255 ص 256 .

 ( [13] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 15 ديسمبر سنة 1926 جازيت 17 رقم 42 ص 53 – وفي 26 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 53 ( فان مارافان ص 105 وهو يجعل السبب هنا القانون لا العقد ) .

 ( [14] ) وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة 658 ذاتها على أنه ” إذا كان الاختراع ذا أهمية اقتصادية جدية ، جاز للعامل في الحالات المنصوص عليها في الفقرة السابقة أن يطالب بمقابل خاص يقدر وفقاً لمقتضيات العدالة . ويراعي في تقدير هذا المقابل مقدرا المعونة التي قدمها رب العمل وما استخدم في هذا السبيل من منشآته ” . ونرى في هذا الفرض الخاص أن عقد العمل لا يكفي سبباً لجميع ما عاد على رب العمل من الإثراء ، وأن بعضاً من هذا الإثراء يبقى دون سبب وهو الذي يرجع به العامل على رب العمل .

 ( [15] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا اشترط في عقد الإيجار أن جميع التحسينات والإنشاءات التي يجريها المستأجر في العين المؤجرة تكون للمؤجر عند نهاية الإيجار ، فلا يجوز للمستأجر أن يرجع بدعوى الإثراء على المؤجر من أجل بئر ارتوازي أحدثه ضمن المنشآت التي أقامها وركب عليه آلة رافعة فأصبح كل ذلك عقاراً بالتخصيص . ومع ذلك إذا كان من الثابت أن إحداث البئر الارتوازي لم يكن وارداً في عقد الإيجار ، وأن الماء الآتي من هذا البئر ساعد كثيراً على تحسين الأرض المؤجرة وما في ذمة المؤجر للمستأجر بسبب مبادأته الموفقة بإنشاء البئر الارتوازي ( استئناف مختلط في 25 مارس سنة 1922 م 34 ص 258 ) . وظاهر أن محكمة الاستئناف لم تجعل عقد الإيجار سبباً يشمل الإثراء الآتي من البئر الارتوازي لأنه لم يكن وارداً في العقد ، واعتبرت هذا الإثراء دون سبب ، وقاصته في دين على المستأجر نشأ من عدم تحسينه لجزء من الأرض المؤجرة

وسنرى عند الكلام في الفضالة أن المستأجر الذي يستحدث إصلاحات في العين لمنفعته الشخصية لا يعتبر فضولياً .

 ( [16] ) الموجز للمؤلف فقرة 388 . انظر أيضاً في هذا المعنى محكمة النقض الفرنسية في 21 يولية سنة 1903 دللوز 1904 – 1 – 181 .

 ( [17] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 7 يونية سنة 1928 م 40 ص 415 .

 ( [18] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه ” حيثما وجد بين المتخاصمين رابطة عقدية فلا قيام لدعوى الإثراء بلا سبب على حساب الغير ، بل تكون أحكام العقد هي مناط تحديد حقوق كل المتخاصمين وواجباته قبل الآخر . فإذا كان الثابت بالحكم أن البائع طالب المشتري منه بباقي الثمن المقسط على خمسة أقساط ، ثم عدل طلباته إلى طلب الحكم له بباقي القسطين الأولين ، موصوفاً هذا الباقي خطأ بأنه باقي الثمن ، وقضى له بذلك ، ثم أراد أن يطالب بالأقساط الثلاثة الباقية ، ولتصور أنه قد سد في وجه طلها باعتبارها باقية من ثمن المبيع ، أقام بدعواه بالمطالبة بها على نظرية الإثراء بغير سبب على حساب الغير ، ومحكمة الموضوع حكمت ، بعد استعراض وقائع الدعوى ، بأنه لا محل للاستناد إلى هذه النظرية ، وبأن حق البائع في المطالبة بالأقساط الباقية القائم على أساس الشراء لا يزال بابه مفتوحاً أمامه ، فإن قضاءها بذلك سليم لا مطعن عليه ” ( نقض في 22 ديسمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 84 ص 157 ) .

هذا وقد قضت محكمة النقض أيضاً بأنه ” متى كان هناك عقد يحكم علاقات الطرفين فلا محل لتطبيق قاعدة الإثراء على حساب الغير ، فإن هذه القاعدة هي مصدر لا تعاقدي للالتزام فلا يكون لها على حث يوجد التعاقد . فإذا كان المستأجر قد التزم في عقد الإيجار بأجرة ري الأرض ، وتعهد بأن يدفع الأموال الأميرية على أن تخصم له من أجرة الأطيان ، ثم دفع للصراف على ذمة الأموال مبالغ تزيد على قيمة المستحق منها على الأطيان المؤجرة ، لخصمت له الحكومة الزيادة من أجرة الري الملتزم هو بها ، خصمتها المحكمة من أجرة الأطيان على أساس أن دفعها إنما كان على ذمة الأموال ، وحفظت للمؤجر أن يرجع بها على المستأجر بدعوى الإثراء على حساب الغير ، فإنها تكن قد أخطأت ” ( نقض في 16 نوفمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 157 ص 439 ) . وكان الواجب ألا تخصم محكمة الموضوع من أجرة الأطيان ما دفعه المستأجر من الزيادة على الأموال المستحقة ، لأن هذه الزيادة لم يثر بها المؤجر إذ أن الحكومة خصمتها من أجرة الري وهذه دين شخصي في ذمة المستأجر ، فلا يرجع المستأجر بهذه الزيادة على المؤجر . لا لأن هناك سبباً للإثراء يمنع من الرجوع ، بل لأن الإثراء ذاته غير موجود . ومتى امتنع رجوع المستأجر على المؤجر بالزيادة لم يصبح هناك محل لرجوع المؤجر على المستأجر بدعوى الإثراء أو بغيرها من الدعاوى –هذا هو في نظرنا الوضع القانوني الصحيح للقضية التي نحن بصددها

 ( [19] ) وقد قدمنا عند الكلام في الإثراء غير المباشر أنه إذا لم يكن في عقد الإيجار شرط ما يجعل التحسينات من حق المؤجر عند نهاية الإيجار ، فلا يصلح عقد الإيجار لأن يكون سبباً لإثراء المؤجر ، ويجوز للدائن وللمقاول في هذه الحالة الرجوع على المؤجر بدعوى الإثراء ( قارن كولان وكابيتان 2 فقرة 413 ص 300 – ص 301 – الأستاذ حشمت بوسنيت فقرة 537 – وانظر بلانيول وريبير وإسمان 7 فقرة 759 ) .

 ( [20] ) وهذه حالة تلف النظر ، فقد يكون الواهب مصراً فلا يستطيع المفتقر أن يحصل منه على حقه ، فإذا أراد الرجوع على الموهوب له يجز له ذلك لما قدمناه . والذي بلغت النظر هو أننا قدمنا هنا جلب المنفعة على درة الضرر ، إذا الموهوب له ، وهو يستبقي منفعة جلبها ، يفضل على المفتقر ، وهو يسعى لدرء الضرر عن نفسه . ومن أجل ذلك اشتمل المشروع التمهيدي على نص خاص في هذه المسألة ( هو الفقرة الثانية من المادة 248 من هذا المشروع ) وقد جرى على الوجه الآتي : ” فإذا تبرع المثري بما أثرى به كان من صدر له التبرع مسئولاً أيضاً عن التعويض ولكن بقدر ما أثرى ” . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية في صدد هذا النص ما يأتي : ” فإذا تصرف المثري بعوض فيما أثرى به ، فليس لمن افتقر حق الرجوع على من صدر له التصرف ، لأن هذا الأخير قد أثرى بمقتضى سبب قانوني هو التصرف نفسه . أما إذا كان التصرف على النقيض من ذلك بغير مقابل ، لأصل أن ينحصر حق الرجوع في المثري ما دام من صدر له التبرع قد أثرى بسبب قانوني هو عقد التبرع . يبد أن المشروع قد أثبت حق الرجوع على من صدر له التبرع بمقدار ما أثرى ، مقدماً بذلك درء الصرر على جلب المنفعة ، ويكون للمفتقر في هذا الفرض أن يرجع على المثري أو على من صدر له التبرع ، وفقاً لمصلحته في ذلك . فإذا كان مبلغ ما أصابه من خسارة 1000 جنيه وبلغت قيمة الإثراء بالنسبة للمثري 800 جنيه ، وبالنسبة لمن صدر له التبرع 900 جنيه ، فمن مصلحة المفتقر أن يرجع على من صدر له التبرع ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 442 ) – ومما يؤسف له أن هذا الحل العادل خلا منه المشروع عند خروجه من لجنة المراجعة ، فقد حذفت هذه اللجنة النص المشار إليه بدعوى أنه غير ضروري . وهذا ما ورد في الأعمال التحضيرية في هذا الصدد : ” المشروع في لجنة المراجعة : تليت المادة 248 من المشروع واقترح إدخال تعديلات لفظية وحذف الفقرة الثانية لعدم ضرورتها ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 443 وقد سبق ذكر ذلك ) . وأقر البرلمان المشروع خالياً من هذا النص .

أنظر في مثل آخر لعقد مبرم ما بين المثري والغير يكون سبباً للإثراء محكمة الاستئناف المختلطة في 22 مايو سنة 1901 م 13 ص 327 ( شخص سرقت منه سندات وتعاقد اللص مع شخص آخر للحصول على مبلغ من المال في نظير هذه السندات . فلا يجوز لصاحب السندات أن يرجع بدعوى الإثراء على هذا الشخص الآخر لأن العقد المبرم بين هذا الأخير –وهو المثري – وبين اللص – وهو غير المفتقر – يعتبر سبباً للإثراء . هذا ما لم يكن الشخص الآخر الذي تعاقد مع اللص سيء النية ) .

 ( [21] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 19 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 122 .

 ( [22] ) أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف المختلطة في أول مايو سنة 1901 م 13 ص 268 . ومع ذلك أنظر حكماً منها بغير هذا المعنى في 19 فبراير سنة 1903 م 15 ص 157 .

 ( [23] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 26 أبريل سنة 1917 جازيت 7 ص 142 .

 ( [24] ) وكذلك إذا لم يتقدم دائن في الميعاد يعارض في قائمة التوزيع النهائية ( محكمة الاستئناف المختلطة في 13 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 – وفي أول ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 27 ) .

 ( [25] ) محكمة النقض الفرنسية في 21 ديسمبر سنة 1923 داللوز 1924 – 1 – 48 – انظر أيضاً هنرى وليون مازو في المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1944 ص 181 .

 ( [26] ) محكمة النقض الفرنسية في 12 فبراير سنة 1923 دالللوز 1924 – 1 – 129 – كذلك إذا سدد مصروف دائناً مرتهناً وأغفل أن يتخذ الإجراءات القانونية للحلول مجلة فسبقه رهن قانوني كان متأخراً عن الدائن المرتهن الذي استوفي حقه لم يجز للمصرف الرجوع على صاحب الرهن القانوني بدعوى الإثراء لأن تقدمه على المصرف له سبب هو حكم القانون ( محكمة النقض الفرنسية في 11 يولية سنة داللوز 1889 – 1 – 393 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم وقررنا عند الإشارة إليه أن المانع من دعوى الإثراء ليس هو إهمال المفتقر بل هو وجود سبب قانوني للإثراء ) – كذلك إذا وضع شخص يده على أرض لا يملكها ورهنها في قرض أقام به بناء على هذه الأرض ، ثم استحقت الأرض وقد ملك المستحق البناء بالالتصاق فامتد الرهن القانوني إلى هذا البناء ، فإن الرهن الذي رتبه واضع اليد على الأرض يبطل لصدوره من غير مالك ، ولا يستطيع الدائن أن يرجع على الزوجة بدعوى الإثراء لأن لإثرائها سبباً قانونياً هو حكم من أحكام القانون ( محكمة باريس الاستئنافية في 5 يونية سنة 1905 داللوز 1908 – 2 – 129 ) – وتقضى المحاكم الفرنسية بأنه إذا قام مدرس بإعطاء تلميذ دروساً خاصة بمقتضى اتفاق مع والد التلميذ ، وأراد المدرس الرجوع على الوالد فوجده مصراً ، فإنه يستطيع الرجوع على التلميذ بدعوى الإثراء في ماله الخاص لأن التلميذ قد أثرى إثراء عقلياً بفضل هذه الدروس الخاصة ( محكمة مونبلييه الاستئنافية في 3 فبراير سنة 1869 داللوز 69 – 2 – 213 . وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم عند الكلام في الإثراء المعنوي – أنظر أيضاً محكمة إكس الاستئنافية في 11 أغسطس سنة 1812 جورنال دي باليه 1813 رقم 650 – ومحكمة بو الاستئنافية في 19 يناير سنة 1852 داللوز 53 – 2 – 198 ) . ويرى الأستاذ مارافان ( مجلة مصر العصرية سنة 1949 ص 109 ) . بحق أن المدرس لا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء على التلميذ لأن الإثراء هنا له سبب قانوني هو التزام والد التلميذ بتعليم ولده ، ولكن المدرس يستطيع أن يرجع على التلميذ بدعوى الفضالة لأنه كان يعمل لمصلحته ولمصلحة التلميذ معاً ، ودعوى الفضالة خير له من دعوى الإثراء . وإذا كان ناظر الوقف يعمل دون أجر بعد أن نزل عن أجره ، فإن مركزه القانوني من الوقف – وهو ناظره – يمنعه من المطالبة بأجر على أساس أن الوقف قد اثري على حساب جهوده . فجهوده هذه واجبة بحكم القانون على اعتبار أنه ناظر الوقف ، سواء عمل بأجر أو نزل عن أجره . ومن ثم لا يذهب إلى ما ذهبت إليه محكمة النقض في مثل هذه الصورة من أن الرابطة العقدية بين ناظر الوقف وجهة الوقف هي التي تمنع من المطالبة بدعوى الإثراء ، إذ الرابطة بين الناظر والوقف هي رابطة قانونية لا رابطة تعاقدية . وهذا هو ما قررته محكمة النقض في هذا الصدد : ” الأصل في الوكالة أنها تكون بغير مقابل ما لم يوجد شرط صريح بخلاف ذلك أو شرط ضمني يتضح من حالة الوكيل . فإذا استندت المحكمة في أن ناظر الوقف كان يحمل بغير أجر مقابل ما لم يوجد شرط صريح بخلاف ذلك أو شرط ضمني يتضح من حالة الوكيل . فإذا استندت المحكمة في أن ناظر الوقف كان يحمل بغير أجر إقراراته المتكررة فإنها لا تكون قد خالفت القانون . ولا يقبل من هذا الناظر قوله إنه لا يصح أن يثري الوقف على حساب جهوده ، فإن دعوى الإثراء على حساب الغير لا يكون لها محل إلا إذا لم توجد رابطة عقدية بين المتخاصمين وهذه ليست حالته ” ( نقض 14 يونية سنة 1945 مجوعة عمر 4 رقم 265 ص 722 ) .

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

وهذا مثل آخر لوجود سبب للإثراء هو حكم من أحكام القانون :دائن مرتهن تزل عن مرتبته إلى دائن مرتهن آخر متأخر عنه . وترتب على ذلك أنه تأخر في المرتبة فلم ينل في التوزيع إلا جزءاً من حقه . ولكن الدائن الذي حل محله لم يتمكن لسبب يرجع إلى إجراءات التوزيع من الحصول على كل حقه . فقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يجوز للدائن الذي نزل عن مرتبته الرجوع بدعوى الإثراء على من أثرى من الدائنين بسبب عدم تمكن الدائن الذي حل محله من الحصول على كل حقه ( استئناف مختلط 31 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 ) . ويمكن تعليل ذلك بأن الإثراء هنا له سبب قانوني هو الأحكام القانونية الواجبة الاتباع في التوزيع .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

مراجعة العقود المكتوبة مسبقا

 افتقار الدائن

 افتقار الدائن

 ( Appauvrissement du creancier )

764 – الافتقار وعلاقة السببية بالإثراء : الركن الثاني لقاعدة الإثراء بلا سبب هو افتقار الدائن افتقاراً ترتب عليه إثراء المدين . فيجب إذن أن يكون هناك افتقار في جانب الدائن ، وأن يكون هناك علاقة سببية مباشرة ما بين افتقار الدائن وإثراء المدين ( [1] ) .

765 – وجوب تحقق الافتقار :فإذا تحقق الإثراء في جانب شخص ولم يقابله افتقار في جانب الشخص الآخر ، لم يكن هناك مجال لتطبيق قاعدة الإثراء . ذلك أن المثري لا يلتزم إلا بدفع أدني القيمتين ، قيمة الإثراء وقيمة الافتقار ، والمفروض أن الافتقار معدوم فلا يلتزم إذن بشيء .

ويترتب على ذلك أنه أنشأ شخص حديقة في منزله يطل عليها منزل الجار ، وجمل هذه الحديقة حتى أصبحت سبباً في رفع قيمة منزل الجار ، فالجار في هذه الحالة يكون قد أثري . ولكن صاحب الحديقة لم يفتقر ، فأنه انشأ الحديقة لمنفعة وقد جنى هذه المنفعة كاملة ، وما أنفقه في إنشاء الحديقة وتجميلها قد عاد عليه بالفائدة التي قدرها . فهو قد أخذ المقابل لما أنفقه ، ولم يخسر شيئاً ، فلا يرجع بشيء على جاره ( [2] ) .

كذلك إذا استحدث المستأجر ، دون اتفاق مع المالك ، إصلاحات في العين المؤجرة تزيد في منفعتها ، واستوفي هذه المنفعة كاملة ، فإنه لا يرجع على المالك بشيء ، وليس له إلا أن ينتزع ما استحدثه من الإصلاحات وأن يعيد العين إلى حالتها الأصلية ، بل يجب عليه ذلك إذا طلب المالك ( [3] ) .

ويتحقق افتقار الدائن على النحو الذي يتحقق به إثراء المدين . فيكون لافتقار إيجابياً أو سلبياً ، مباشراً أو غير مباشراً ، مادياً أو معنوياً .

766 – الافتقار الإيجابي والافتقار السلبي : يكون الافتقار إيجابياً إذا فقد المفتقر حقاً ، عينياً كان أو شخصياً ، أو انتقص حق له . ويتحقق هذا عادة بالإنفاق . فإذا انفق الراسي عليه المزاد لإصلاح العين التي رسا عليه مزادها ثم آلت إلى شخص آخر ، أو دفع شخص ديناً في ذمة غير ه ، أو قام مساهم في شركة برفع دعوى تحمل نفقتها ليسترد من مدير هذه الشركة مالاً لها في يده ( [4] ) ، ففي كل هذه الأحوال يكون هناك افتقار إيجابي في جانب المفتقر .

ويكون الافتقار سلبياً إذا فات المفتقر كان من حقه أن يحصل عليها ، فيفتقر ، لا بقدر ما تحمل من خسارة كما في الافتقار الإيجابي ، بل بقدر ما فاته من منفعة . مثل ذلك أن يقوم المفتقر دون اتفاق بأداء عمل للغير ، فيفتقر بما فاته من منفعة هي أجر هذا العمل . ومثل ذلك أيضاً أن يسكن شخص منزلاً لآخر دون عقد إيجار ، فيفتقر صاحب المنزل بما فاته من منفعة هي أجرة منزله . ومثل ذلك أخيراً المهندس صاحب التصميم ، والموسيقى صاحب اللحن ، والعازف بالأنساب الذي هدى الوارث إلى ميراثه ، والسمسار الذي جمع ما بين البائع والمشتري ، كل هؤلاء افتقروا بما فاتهم من منفعة هي أجر عملهم ، فافتقارهم إذن سلبي ( [5] ) .

ويلاحظ أن الانتفاع السلبي لا يقابله ضرورة إثراء سلبي . فكثيراً ما يحدث أن يقابل الافتقار السلبي إثراء إيجابي ، كما هو الأمر في الحالات المتقدمة وفي كل حالة أخرى يقدم فيها المفتقر عملاً أو منفعة للمثري ، فإن الإثراء الناتج عن العمل أو المنفعة يكون إثراء إيجابياً ويكون الافتقار المقابل لهذا الإثراء افتقاراً سلبياً كما رأينا . وبالعكس قد يقابل الإثراء السلبي افتقار إيجابي ، فمن يدفع دين غيره يفتقر افتقاراً إيجابياً يقابله إثراء سلبي في جانب المدين .

767 – الافتقار المباشر والافتقار غير المباشر : وعلى العكس من ذلك الافتقار المباشر والافتقار غير المباشر ، فكل افتقار مباشر يقابلة إثراء مباشر ، وكل افتقار غير مباشر يقابله إثراء غير مباشر . ذلك أن القيمة المالية إذا انتقلت مباشرة من مال المفتقر إلى مال المثري فإنه كلا من الإثراء والافتقار يكون مباشراً في هذه الحالة . وإذا انتقلت القيمة المالية بتدخل أجنبي ، تدخلاً مادياً أو تدخلاً قانونياً ، فكل من الإثراء والافتقار غير مباشر . وقد مرت بنا الأمثلة على كل ذلك .

768 – الافتقار المادي والافتقار المعنوي :وإذا كان الأصل في الافتقار أن يكون مادياً كما مر بنا في الأمثلة المتقدمة ، فإنه كالإثراء قد يكون معنوياً فالشخص الذي نفع متجراً بصلاته التجارية الواسعة لم يفتقر افتقاراً مادياً بل معنوياً ( [6] ) . وهذا هو الشأن في افتقار المهندس الذي يعمل في مصنع فيعثر على اختراع يفيد منه المصنع ( [7] ) .

769 – السببية المباشرة بين الافتقار والإثراء :ولا يكفي أن يتحقق الافتقار بل يجب أيضاً ، كما أسلفنا القول ، أن يكون هذا الافتقار هو السبب المباشر في إثراء المدين . وتقوم السببية المباشرة ما بين الافتقار والإثراء إذا كانت واقعة واحدة هي السبب المباشر لكل منهما ، كما رأينا في الأمثلة التي قدمناها في الصور المختلفة للإثراء والافتقار . فإذا دفع شخص دين غيره ، فإن افتقاره وإثراء المدين لهما سبب مباشر وأحد ، هو دفع الدين . وليس من الضروري أن تكون واقعة هي السبب المباشر لكل من الإثراء والافتقار ، بل يكفي حتى تقوم هذه السلبية المباشرة التثبت من أن إثراء المدين لم يكن ليتحقق لولا افتقار الدائن . وهذه مسألة واقع لا مسألة قانون ، يستخلصها قاضي الموضوع من ظروف القضية ولا معقب عليه في ذلك ( [8] ) .

وعند تعدد أسباب الإثراء يجوز أن نحلل علاقة السببية المباشرة بين الإثراء والافتقا على النحو الذي حللنا به علاقة السببية ما بين الخطأ والضرر في المسئولية التقصيرية . ويمكن هنا أيضاً المفاضلة بين نظريتي تكافؤ الأسباب ( equivalence des causes ) والسبب المنتج ( canse etficiente ) ، والوقوف عند نظرية السبب المنتج للقول بوجود سببية مباشرة ما بين الافتقار والإثراء فإذا تبين أن الافتقار كان هو السبب المنتج للإثراء وجدت العلاقة المباشرة فيما بينهما . ويترتب على ما قدمناه أن المدينة إذا اتسعت وقعتها وعلت قيمة مبانيها ، فليس من الضروري أن تكون هناك سببية مباشرة ما بين اتساع رقعة المدينة وعلو قيمة المباني . فعلو هذه القيمة يرجع لأسباب متعددة قد يكون اتساع رقعة المدينة من بينها ، ولكن هذا السبب لا يكون في الراجح هو السبب المنتج ، إذ أن المباني في كثير من المدن الصغيرة عالية القيمة ، بل يحدث أن يكون صغر المدينة هو السبب في علو قيمة المباني ( [9] ) . ولكن توسيع شارع قديم أو فتح شارع جديد يكون في كثير من الأحوال هو السبب المنتج في علو قيمة الأرض الواقعة على جانبي الشارع ( [10] ) .


 ( [1] ) وقد رأينا أن بعض الفقهاء يذهب إلى أنه يكفي إثراء المدين دون أن يقابل ذلك افتقار في جانب الدائن ، ويقيمون قاعدة الإثراء بلا سبب على المنفعة المستحدثة ( profit cree ) مقابلين بينهما وبين الضرر المستحدث ( risque cree ) . ولكن هذه النظرية ، كنظرية الضرر المستحدث أو تحمل التبعة ، لم يقيض لها النجاح ولا في القضاء ولا في النفقة ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

 ( [2] ) ويقاس على هذا المثل كل حالة ينفق فيها الشخص لجلب منفعة يستوفيها – يقوى جسراً أو يشق ترعة أو يجمل مبنى أو يصقع حياً – فهو قد انتفع بقدر ما انفق ، وإذا كان غيره قد أفاد من عمله فهو لم تلحقه أية خسارة . ويمكن القول هنا إن الافتقار له سبب هو المنفعة التي حصل عليها . ولكن ” سبب ” الافتقار غير ” سبب ” الإثراء ، و سنرى ذلك عن بحث ركن انعدام السبب ( أنظر بلانيول وريبير وإسمان 7 فقرة 761 ) .

ويلاحظ أن بعض المحاكم تعبر خطأ عن المعنى نحن بصدده بانعدام السببية المباشرة بين الإثراء والافتقار ، فتقول في شخص يقيم بناء لمصلحته فيستفيد جاره عرضاً من هذا البناء ألا محل هنا للمطالبة بدعوى الإثراء ” لأن المنفعة جاءت من طريق غير مباشر ” … … ” والواجب أن يكون بين الاستفادة والضرر رابطة السببية ” . ( الواسطي في 17 يناير سنة 1938 المجموعة الرسمية 18 رقم 475 ص 1095 ) .

 ( [3] ) وسنرى عند الكلام في الفضالة أن المستأجر إذا أجرى إصلاحيات في العين المؤجرة لمنفعته الشخصية لا يكون فضولياً ولا يستطيع أن يرجع بدعوى الفضالة على المالك ، لأنه لم يقصد بعمله إلا تدبير شؤونه الشخصية لا تدبير شؤون المالك فالمستأجر في هذه الحالة لا يرجع على المالك لا بدعوى الفضالة ولا بدعوى الإثراء بلا سبب . وقد قضت محكمة استئناف مصر في هذا المعنى بما يأتي : ” أن محل تطبيق نظرية الإثراء بغير سبب على حساب الغير ودعوى الفضولي هو أن يكون الإثراء بغير سبب من الأسباب القانونية ولن يكون عمل الفضولي لحساب المالك لا لحسابه الخاص لغرض الوصول إلى الانتفاع بالعين شخصياً . فمستأجر الأرض الذي يجري تحسينات فيها ويقيم مباني ويغرس أشجاراً بقصد تسهيل وسائل الاستغلال والاستعمال الشخصي رغم الخطر الصريح عليه في عقد الإيجار بعدم إجراء شيء من ذلك إلا بأمر المالك ، يكون ملزماً بإزالة أحدثه بدون أن يكون له حق الرجوع على المالك بما أوجده من التحسينات في العين المؤجرة ” . ( استئناف مصر في 27 أبريل سنة 1937 المجموعة الرسمية 38 رقم 8 ص 175 – المحاماة 18 رقم 72 ص 150 ) . ويبدو أن المحكمة أست رفض دعوى الإثراء على انعدام السبب القانوني ، وكان الأولي أن تؤسسه على انعدام الافتقار .

 ( [4] ) محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة في 23 ديسمبر سنة 1911 جازيت 2 ص 63 – أنظر محكمة الاستئناف المختلطة في 5 يونية سنة 1929 م 41 ص 438 – وقارن محكمة الاستئناف المختلطة في 25 أبريل سنة 1928 م 40 ص 321 .

 ( [5] ) أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف المختلطة في 15 ديسمبر سنة 1926 جازيت 17 رقم 42 ص 53 .

 ( [6] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 4 مارس سنة 1925 م 37 ص 265 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم )

 ( [7] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 26 مايو سنة 1910 م 22 ص 338 .

 ( [8] ) مارافان مجلة مصر العصرية ص 91 – ص 93 – ديموج 3 فقرة 156 – أوبرى ورو وبارتان 9 ص 358 – بلانيول وريبير وإسمان 7 فقرة 755 .

 ( [9] ) أنظر في هذا المعنى ديموج 3 فقرة 156 ص 251 .

 ( [10] ) ويؤيد ذلك القوانين الخاصة التي تجعل للحكومة الحق في تقاضي تعويض من ملاك الأراضي على جانبي الشارع الجديد في مقابل ما ظفروا به من علو قيمة أراضيهم بسبب هذا الشارع الجديد .

هذا وهناك رأي يقضي بأنه إذا كان افتقار الدائن مقترناً بخطأ منه ، فلا يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء ( كولان وكابيتان وجوليودي لامورانديير 2 باريس سنة 1948 فقرة 411 ص 299 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 باريس سنة 1949 فقرة 1269 – ذهني بك في نظرية الالتزام فقرة 706 ) . ويستند هذا الرأي إلى حكم صدر من محكمة النقض الفرنسية ( 11 يولية سنة 1889 داللوز 1889 – 1 – 393 ) في قضية ثبت فيها أن مصروفاً أعطى مديناً قرضاً ليفي بدين عليه مضمون برهن في الدرجة الأولي ، وأهمل المصروف في أن يقوم بإجراءات الحلول محل الدائن المرتهن الأول ، وترتب على هذا الإهمال المصرف في أن يقوم بإجراءات الحلول محل الدائن المرتهن الأول ، وترتب على هذا الإهمال أن الدائن المرتهن في المرتبة الثانية ارتفع إلى المرتبة الأولي . فرجع المصروف على هذا الدائن بدعوى الإثراء إذ قد استفاد من افتقار المصرف فأصبح في المرتبة الأولي وجاء المصرف بعده ، فرفضت المحكمة دعوى المصرف ، وبنت حكمها على أن المصرف قد أهمل في عدم اتخاذ إجراءات الحلول . والرأي الصحيح في نظرنا أن المصروف ترفض دعواه لا لأنه أهمل في عدم اتخاذ إجراءات الحلول كما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية ، بل لأن الدائن الذي ارتفع إلى المرتبة الأولي قد أثرى بسبب مشروع إذا استفاد بمقتضى مركز قانوني وضعه فيه القانون ، وسنرى تفصيل ذلك في الكلام عن سبب الإثراء .

ولا يوجد في القواعد العامة التي يقوم عليها مبدأ الإثراء بلا سبب ما يؤيد الرأي الذي تنقذه . ذلك أنه متي ثبت أن شخصاً افتقر فاغتنى غيره على حسابه دون سبب مشروع ، فإن العدالة تقضى بتعويض المفتقر ، سواء اقترن بإهمال منه أو لم يقترن . وإنما وجب التعويض لأن أحد الشخصين اغتني على حساب الآخر دون سبب مشروع ، وهذا الأساس قائم سواء كان مفتقر مهملاً أو غير مهمل .

يؤيد ذلك أن التطبيقات التشريعية لبدأ الإثراء بلا سبب لم يخل بعضها من أن يكون المفتقر فيها مهملاً بل سئ النية فمن بنى فمن أو غرس في أرض غيره ولو بسوء نية لم يحرم من التعويض ( م 924 ) . كذلك لم يميز المشروع فيمن يتعامل مع ناقص الأهلية بين حسن النية وسيئها فكلاهما يستطيع الرجوع بدعوى الإثراء فيما إذا طلب ناقص الأهلية إبطال العقد ( م 142 ) . ( أنظر في هذا الموضوع الموجز للمؤلف فقرة 383 وقد نقلنا عنه ما قدمناه في هذا الصدد . وانظر الدكتور حشمت أبو ستيت في نظرية الالتزام فقرة 536 في آخرها . )

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

مراجعة العقود المكتوبة مسبقا

أركان الإثراء بلا سبب

أركان الإثراء بلا سبب

756 – أركان ثلاثة :قدمنا أن أركان قاعدة الإثراء بلا سبب ثلاثة :

1 ) إثراء المدين 2 ) افتقار الدائن المترتب على هذا الإثراء . 3 ) انعدام السبب القانوني لهذا الإثراء . هذه هي أركان القاعدة إذا توافرت قامت دعوى الإثراء وليس من الضروري بعد ذلك ، كما قدمنا ، أن تكون دعوى الإثراء دعوى احتياطية أو أن يكون الإثراء باقياً وقت رفع الدعوى .

 المبحث الأول

 إثراء المدين

 ( Enrichissement du debiteur )

757 – وجوب تحقق الإثراء : أول ركن لقاعدة الإثراء بلا سبب هو أن يتحقق إثراء المدين . ذلك أن مصدر الالتزام الذي يترتب في ذمته إنما هو هذا الإثراء ، فلا بد من تحققه حتى يقوم الالتزام . أما إذا لم يتحقق الإثراء فلا التزام ، كما لو وفي شخص ديناً عن شخص آخر وتبين أن هذا الدين قد سبق الوفاء به أو أنه لا وجود له . فهنا لم يتحقق الإثراء في جانب الشخص الآخر ولا رجوع للشخص الأول عليه ( [1] ) . وإنما يرجع هذا بما دفع على من دفع له إذا توافرت شروط دفع . غير المستحق على ما سنرى . ويمكن القول كذلك إن الصغير إذا افترض مالاً فأضاعه لم يكن مسئولاً ، لا بعقد القرض إذا أبطله . ولا بقاعدة الإثراء بلا سبب إذا ضاع المال فلم يتحقق الإثراء .

والأصل في الإثراء أن يكون إيجابياً ولكن يجوز أن يكون سلبياً ، وأن يكون مباشراً ولكن يجوز أن يكون غير مباشر ، وان يكون مادياً ولكن يجوز أن يكون معنوياً .

الإثراء الإيجابي والإثراء السلبي :

758 – الإثراء الإيجابي :يتحقق الإثراء الإيجابي عادة بأن تضاف قيمة مالية إلى ذمة المدين ( [2] ) . ويتم هذا بأن يكسب المدين حقاً ، عينياً كان أو شخصياً أو أن يزيد فيما يملك من ذلك . فإذا استهلك شخص قدراً من المياه أو النور عن طريق مواسير أو أسلاك خفية كان ما استهلكه قيمة مالية أثرى بها ( [3] ) . وإذا أقام الحائز للعقار المرهون بناء في هذا العقار أثرى الدائن المرتهن من وراء هذا البناء إذ يزيد ضمانه . وإذا قام المستأجر الذي انفسخ عقد إيجاره قبل انقضاء مدته بتحسينات في العين التي رسا عليه مزادها ثم نزعت العين من يده كان في هذا إثراء لمن تؤول إليه العين .

وقد يتحقق الإثراء الإيجابي لا عن طريق إضافة قيمة مالية إلى ذمة المدين ، بل من طريق منفعة يجنيها أو عمل يستثمره ( [4] ) . مثل المنفعة منزل انتفع به شخص دون عقد إيجار ( [5] ) . ومثل العمل تصميم قام به مهندس ( [6] ) أو لحن ألقه موسيقي وانتفع بهذا أو بذلك دون عقد . ومثل العمل أيضاً خطيبة تعمل لخطيبها دون أجر ثم لا يتم الزواج ، وعارف الأنساب يهدي الوارث إلى ميراث كان يجهله دون اتفاق على الأجر . والسمسار لا تتم الصفقة على يديه ولكنه هو الذي يجمع بين البائع والمشتري ( [7] ) .

759 – الإثراء السلبي : وقد يكون الإثراء سلبياً . ومن صور هذا الإثراء أن يوفي شخص بدين على آخر ، فيثري هذا إثراء سلبياً عن طريق النقص فيما عليه من ديون . مثل ذلك المستأجر يقوم بالترميمات الجسيمة وهي واجبة على المؤجر ، والتاجر يحضر للزوجة ما تحتاج إليه من مؤونة ونفقتها واجبة على الزوج ، والمشتري لعقار مرهون يدفع دين الراهن ( [8] ) .

ومن صور الإثراء السلبي كذلك أن يجنب الشخص خسارة كان وقوعها محتماً فيثري إثراء سلبياً بقدر ما تجنب من خسارة مثل ذلك الجار يتلف متاعاً له حتى يطفئ حريقاً شبت في منزل جاره ، وربان السفينة يلقي ببعض ما تحمل السفينة حتى ينقذ السفينة من الغرق ( [9] ) .

الإثراء المباشر والإثراء الغير مباشر :

760 – الإثراء المباشر : يكوكن الإثراء المباشر إذا انتقل ، في أية صورة من صوره ، مباشرة من مال المفتقر إلى مال المثري ، إما يفعل المفتقر وإما بفعل المثري نفسه . مثل الانتقال بفعل المفتقر من يدفع دين غيره ، والمستأجر يقوم بالترميمات الجسيمة في العين المؤجرة ( [10] ) . ومثل الانتقال بفعل المثري من يستولي على مال لغيره دون حق ، ومن يستهلك المياه والنور من مواسير وأسلاك خفية ( [11] ) . وقد يكون الانتقال بقوة قاهرة ، كما يحدث في طرح البحر ، فيكون الإثراء مباشراً .

761 – الإثراء غير المباشر : ويكون الإثراء غير المباشر إذا تدخل أجنبي في نقله من مال المفتقر إلى مال المثري . وقد يقع تدخل الأجنبي عن طريق عمل مادي كربان السفينة يلقي ببعض ما تحمل إلى البحر لإنقاذ الباقي من الغرق ، وكفرقة إطفاء الحريق تتلف متاعاً للغير حتى تتمكن من إطفاء الحريق ، وكالمغتصب يبني بمواد غيره في الأرض المغتصبة ( [12] ) . وقد يقع التدخل عن طريق عمل قانوني . مثل ذلك أن يشتري شخص سيارة من آخر ، ثم يدفعها إلى ” ميكانيكي ” لإصلاحها ، وينفسخ عقد بيع السيارة ، فيرجع الميكانيكي وهو المفتقر بمصروفات الإصلاح على البائع وهو المثري ، ويكون المشتري هنا هو الأجنبي الذي تدخل بعمل قانوني في نقل الإثراء من المفتقر إلى المثري . والعمل القانوني هو عقد المقاولة الذي أبرمه المشتري مع الميكانيكي لإصلاح السيارة ( [13] ) . ومثل ذلك أيضاً مستأجر الأرض الزراعية يشتري سماداً للأرض من تاجر دون أن يدفع ثمنه ، فإذا حجز المالك على زراعة المسـتأجر التي انتفعت بالسماد جاز للتاجر وهو المفتقر أن يرجع على المالك وهو المثري بقدر ما عاد به السماد على الزراعة من نفع في حدود الثمن ، والأجنبي الذي تدخل هنا هو المستأجر . وتدخله وقع عن طريق عمل قانوني هو شراء السماد ( [14] ) . ومثل ذلك أخيراً أن يعمد مدير شركة إلى اختلاس أسهم لها يرهنها في قرض يعود بالنفع على شركة أخرى هو أيضاً مديرها ، فترجع الشركة الأولي وهي المفتقرة على الشركة الثانية وهي المثرية بدعوى الإثراء ، والأجنبي الذي تدخل هنا هو المدير الذي أختلس الأسهم . والعمل القانوني الذي عن طريقه تم التدخل هو عمل من أعمال الإدارة قام به المدير بالنسبة إلى الشركة الثانية فجعلها تنتفع بالقرض الذي حصل عليه برهن الأسهم المختلسة ( [15] ) .

الإثراء المادي والإثراء المعنوي :

762 – الإثراء المادي : الأصل في الإثراء أن يكون مادياً . وفيما قدمناه من الأمثلة في الإثراء الإيجابي والسلبي ، والمباشر ، ما يتبين منه أن الإثراء هو قيمة مالية أو منفعة مادية انتقلت إلى ذمة المثري .

763 – الإثراء المعنوي :ولكن الإثراء قد يكون معنوياً كأن يكون إثراء عقلياً أو أدبياً أو صحياً . فالمدرس وهو يعلم التلميذ يجعله يثري إثراء عقلياً أو أدبياً أو صحياً . فالمدرس وهو يعلم التلميذ يجعله يثري إثراء عقلياً . والمحامي وهو يحصل على حكم ببراءة المتهم يجعله يثري إثراء عقلياً والمحامي وهو يحصل على حكم ببراءة المتهم يجعله يثري إثراء أدبياً . والطبيب وهو يشفي المريض يجعله يثري إثراء صحياً . فهل يصلح الإثراء المعنوي كالإثراء المادي ركناً لقاعدة الإثراء بلا سبب؟

ارتطمت هذه القاعدة هنا ، كما ارتطمت في الإثراء الناتج عن منفعة أو عن عمل وفي الإثراء غير المباشر ، بعقبات ما لبثت أن يذللها . فقد رأينا كيف أن النفقة في فرنسا كان يأبى أن يتحقق الإثراء عن طريق منفعة أو عمل ، ثم تطور فأجاز ذلك ، وتحررت قاعدة الإثراء من هذا القيد . ورأينا كيف أن النظرية الألمانية تأبي أن يكون الإثراء غير مباشر ، ولكن قاعدة الإثراء تحررت من هذا القيد أيضاً في فرنسا وفي مصر . وهنا كذلك نرى أن القانون الألماني والسويسري يشترطان في نصوصهما أن يكون الإثراء ذا قيمة مادية ( auf dessen kosten ) ، ونرى جانباً من الفقه في فرنسا يقول بهذا الرأي ( [16] ) . ولكن قاعدة الإثراء تحررت أيضاً من هذا القيد الثالث . وأصبح جمهور الفقهاء في مصر ( [17] ) وفي فرنسا ( [18] ) يقولون بجواز أن يكون الإثراء معنوياً ما دام من المستطاع أن يقدر بمال ، سواء في ذاته أو من ناحية الافتقار الذي يقابله ( [19] ) . وبهذا الرأي جرى القضاء في فرنسا ( [20] ) وفي مصر ( [21] ) .


 ( [1] ) أنظر محكمة الاستئناف المختلطة في 7 يونية المختلطة في 7 يونيه سنة 1928 م 40 ص 407 .

 ( [2] ) أنظر محكمة الاستئناف المختلطة في 21 ديسمبر سنة 1892 م 5 ص 85 .

 ( [3] ) أنظر محكمة الاستئناف المختلطة في 21 مارس سنة 1900 م 12 ص 170 .

 ( [4] ) ولم تخط قاعدة الإثراء بلا سبب هذه الخطوة إلا بعد تطور . فقد كان الفقه في فرنسا يشترط أن يتحقق الإثراء عن طريق إضافة حق إلى مال المدين ( أوبري ورو 9 فقرة 578 – ديموج 3 فقرة 150 – رينار ص 248 ) ) . ثم تطور فأجاز أن يكون الإثراء ناتجاً عن منفعة أو عمل ( بلانيول وريبير وإسمان 7 ص 48 ) .

 ( [5] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه ” إذا كانت المطالبة بأجر الأرض مؤسسة على أن المدعى عليه شغلها بغير حق وبذلك حرم مالكها المدعى من الانتفاع بها ، وكان واقع الحال أن المدعى عليه قد أدعى أن للمباني المشغولة بها الأرض حق البقاء والقرر عليها ورفض إزالتها ، ثم حكم بعدم حقه في ذلك وبوجوب الإزالة ، فإن المدعى يكون بهذا الحكم مستحقاً للتعويض عن فعل المدعى عليه بلا نظر إلى ادعائه عدم انتفاعه بالمباني بعض الزمن ، لأن المالك لم يتعهد له بهذا الانتفاع ، والأجر الذي يطلبه إنما هو في مقابل شغل أرضه بلا مسوغ قانوني لا في مقابل الانتفاع بالمباني . ولذلك يكون المدعي عليه مسئولاً عن أجر الأرض من يوم استحقاقه عليه إلى يوم إزالة المباني ” ( محكمة النقض في 2 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 ص رقم 70 ص 157 ) . وأنظر أيضاً في الإثراء عن طريق الانتفاع بالعين انتفاعاً مؤقتاً محكمة النقض الفرنسية في 11 ديسمبر سنة 1928 داللوز الأسبوعي 1929 – 18 .

 ( [6] ) أنظر محكمة الاستئناف المختلطة في 26 مايو سنة 1910 م 22 338 .

 ( [7] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن المتجر الذي ينتفع بجهود شخص وبصلاته التجارية في الخارج يكون قد أثري على حسابه ( محكمة الاستئناف المختلطة في 4 مارس سنة 1925 م 37 ص 265 ) .

 ( [8] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه ” إذا اشترى أشخاص أرضاً ودفعوا ثمنها كاملاً للبائع ، ولم يلتزموا في عقدهم بدفع أي دين على الأرض . ثم اشترى شخص آخر باقي الأرض المملوكة للبائع ، ووجد أنها مرهونة هي والأرض المبيعة لسواه من قبل ، فسدد ما على الأرض كلها من ديون ، كان الذين اشتروا قبله ملزمين بأن يسددوا للمشتري المذكور ما دفعه عن أرضهم ، لأنه مع التسليم بعد الالتزام هؤلاء المشترين شخصياً بالدفع ، إلا إنهم قد استفادوا فعلاً من دفع صاحب الأرض المشتركة مع أرضهم في ضمان الدين . ولا يجوز أن يستفيدوا هذه الفائدة على حساب غيرهم بدون مقابل ، خصوصاً وان المشتري لم يكن متطوعاً في سداد ذلك الدين ، بل كان مجبراً على سداده ليدفع عن أرضه خطر نزع الملكية ، ولم يكن لديه وسيلة أخرى لدفع هذا الخطر ما دام أن الدين مضمون برهن غيره قابل للتجزئة على أرضه وأرض الباقين والقول بغير ذلك وبعدم التزام من اشتروا قبلا بدفع ما سدده عنهم المشتري الأخير من الدين المطلوب على أرضهم فيه كل معنى الإثراء على حساب الغير ، لأن الإثراء كما يكون بأخذ مبلغ بلا مقابل يكون أيضاً بتوفير مبلغ واجب الدفع ، لأن هذا التوفير يزيد من طريق غير مباشر في ثروة الملتزم بالدفع ، فبدلاً من أن تنقص تبقى كما هي ” ( محكمة الاستئناف مصر في 21 أبريل سنة 1935 المحاماة 16 رقم 75 ص 161 ) .

وقضت محكمة النقض بأن ” الكفيل الذي يضمن أحد المدينين المتضامنين يملك قبل من كفله منهم الحق في المطالبة بجميع ما دفعه عنه عملاً بالمادة 505 من القانون المدني ( م 800 جديد ) ، وليس له قبل المدينين الآخرين إلا أحد سبيلين ( الأول ) أن يستعمل باسم مكفولة حقه قبلهم في المطالبة بما يجوز له أن يرجع به عليهم وذلك عملاً بالمادة 141 من القانون المدني ( م 235 جديد ) . ( والثاني ) أن يرجع عليهم بدعوى الإثراء على حساب الغير عملاً بالمادة 144 ( م 179 جديد ) ( محكمة النقض في 7 يناير سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 24 ص 61 ) .

أنظر أيضاً في الإثراء عن طريق سداد دين المثري محكمة النقض الفرنسية في 12 فبراير سنة 1929 جازيت دي باليه 1929 –1 – 615 – وحكماً آخر في 4 يونية سنة 1924 داللوز 1926 – 1 – 102 .

 ( [9] ) ومثل ذلك أيضاً –من قضاء محكمة النقض –أن يتقدم ناظر وقف يطلب شراء أطيان بمال البدل المتجمد ، فيتقدم شخص محتسباً يعارض في إتمام الصفقة ، ويثبت أن الأطيان المراد شراؤها ليست ملكاً للبائع بل هي موقوفة ولا يصح التصرف فيها . فيثمر جهده فائدة كبرى لجهة الوقف إذ يقيه ضياع آلاف من الجنيهات كانت على وشك الضياع لو تم الاستبدال الذي عمل على منعه . فالشخص المحتسب هنا قد افتقر بقدر ما تكفله من مصروفات وأتعاب محاماة للوصول إلى النتيجة التي وصل إليها ، وجهة الوقف قد أثرت على حسابه بقدر ما جنيها من خسارة كانت على وشك تحملها . وتكون مطالبة هذا الشخص المحتسب لجهة الوقف بما تجشمه من مصروفات وأتعاب محاماة هي مطالبة ممن أفاد لمنتفع بما استفاد ، وتكون دعواه هي دعوى الإثراء بغير سبب ( محكمة النقض في 4 يونية سنة 1936 مجموعة 1 عمرا رقم 373 ص 1145 ) . أنظر أيضاً في الإثراء عن طريق تجنيب المثري خسارة أو التوفير عليه في مصروف محكمة النقض الفرنسية في 15 يناير سنة 1866 سيريه 1912 – 1 – 513 . وانظر في هذا المعني بودري وبارد 4 فقرة 2849 ( 18 ) – ديموج 3 فقرة 149 .

 ( [10] ) انظر في أمثلة أخرى من القضاء المصري محكمة استئناف مصر في 14 ديسمبر سنة 1922 المجموعة الرسمية 25 رقم 43 ( الراسي عليه المزاد أحدث إصلاحات في العين التي رسا مزادها عليه ) – محكمة الاستئناف المختلطة في 4 أبريل سنة 1907 م 19 ص 201 وفي 31 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 135 ( المستأجر الذي أبطل إيجاره أو فسخ أحدث إصلاحات في العين المؤجرة ) – محكمة الاستئناف المختلطة في 28 يناير سنة 1909 م 21 ص 139 وفي 26 مايو سنة 1910 م 22 ص 338 ( المهندس الذي قام بعمل مشروعات أو تصميمات ) – محكمة الاستئناف المختلطة في 4 مارس سنة 1925 م 37 ص 265 وفي 15 ديسمبر سنة 1926 جازيت 17 ص 42 وفي 10 يونية سنة 1942 م 54 ص 237 وفي أول مارس سنة 1944 م 56 ص 68 ( التاجر والمحامي والسمسار يؤدون خدمات دون سابق انفاق ) .

 ( [11] ) استئناف مختلط في 21 مارس سنة 1900 م 12 ص 170 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) . أنظر أيضاً استئناف مختلط في 19 نوفمبر سنة 1896 م 9 ص 18 ( شخص ينتفع بنقود مملوكة لغيره دون عقد قر ) – استئناف مختلط في 9 مايو سنة 1912 م 24 ص 338 ( شخص يسكن عقاراً مملوكاً لغيره دون عقد إيجار ) .

 ( [12] ) وقد يكون الأجنبي المتدخل بعمل مادي هو ناظر الوقف يقترض مالاً دون إذن القاضي يدخل به تحسينات على العين الموقوفة فبطل القرض ويرجع المقرض على الوقف بدعوى الإثراء ( محكمة الاستئناف المختلطة في أول مارس سنة 1923 م 35 ص 259 ) وأنظر أيضاً استئناف مختلط في 12 يناير سنة 1905 م 17 ص 76 وفي 21 يناير سنة 1915 م 27 ص 133 وفي 9 أبريل سنة 1929 م 41 ص 345 . وانظر أيضاً استئناف مختلط في 2 يناير سنة 1896 م 8 ص 61 .

 ( [13] ) وللميكانيكي بداهة أن يرجع على المشتري الذي تعاقد معه على إصلاح السيارة بدعوى العقد .

 ( [14] ) أنظر مارافان ( Maravent ) في رسالته المنشورة في مجلة مصر المصرية سنة 1949 عدد يناير وفبراير ص 72 – هذا وقد قضت محكمة استئناف أسيوط بأنه ” إذا عرض المالك أرضه للتأجير بالمزاد ورسا مزادها على شخص دفع التأمين ، وبعد فوات المدة المسموح فيها بتقديم عطاءات جديدة زرع الأرض ثم آجرها المالك بناء على شرط في قائمة المزاد يسمح له بذلك ، كان المالك ملزماً بأن يرد إلى من رسا عليه المزاد قيمة ما صرفه في الزراعة لأنه زرع في أرضه بحسن نية ولأنه لا يجوز قانوناً الإثراء بلا مقابل . وإذا كان المالك سلم الأرض بما عليها من الزراعة إلى مستأجرة حق له أن يطالبه بما انتفع به من زرع غيره . أما الراسي عليه المزاد فلا علاقة له بالمستأجر حتى يطالبه بشيء ما ” ( استئناف أسيوط 21 ينايرسنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 39 ص 72 ) . وهذا يلاحظ هنا أن الإثراء في حالة رجوع الراسي عليه المزاد على المالك هو إثراء مباشر ، وفي حالة رجوع المالك على المستأجر هو إثراء غير مباشر بتدخل الراسي عليه المزاد عن طريق أعمال مادية أو أعمال قانونية وفقاً لطبيعة العمل الذي قام به الراسي عليه المزاد لزراعة الأرض .

وكالمستأجر للأرض الزراعية بغرس فيها زرعاً المقاول يقيم بناء على أرض مؤجرة تنفيذاً لعقد يتم بينه وبين المستأجر ، فيحق للمقاول الرجوع على المالك بدعوى الإثراء ، والإثراء هنا غير مباشر بتدخل من المستأجر عن طريق عمل قانوني هو العقد الذي تم بينه وبين المقاول ( أنظر محكمة مصر الابتدائية الوطنية في 21 نوفمبر سنة 1939 المحاماه 20 رقم 180 ص 470 ) . ودعوى الإثراء التي تعطي للمقاول في هذا القرض هي غير حق الامتياز الذي قرره القانون المدني الجديد للمقاولين ( قارن حكم محكمة الاستئناف المختلطة في 26 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 53 ) – ويلاحظ في هذه الأمثلة أن المؤجر لم يشترط في عقد الإيجار أن يكون البناء أو الغراس له عند نهاية الإيجار وإلا لكان لإثرائه سبب هو عقد الإيجار كما سيأتي .

 ( [15] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 22 مايو سنة 1901 م 13 ص 327 . أما الفقه في مصر فكالقضاء يجير الإثراء غير المباشر ( والتون 2 ص 174 – ص 177 – الموجز للمؤلف فقرة 368 – حشمت أبو ستيت فقرة 537 ) . – ولا يجيز القانونان الألماني والسويسري الإثراء غير مباشر ( أنظر رسالة وسيوMosiou ص 121 – ص 123 وص 160 – ص 165 ) . والقانون المصري الجديد لم ينحرف عن تقاليد الماضية فهو ، كالقانون القديم ، يجير الإثراء غير المباشر ( أنظر في هذا الموضوع رسالة مارافان ص 71 – ص 74 وبخاصة آخر ص 74 ) .

 ( [16] ) رينار ( المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1920 ) ص 248 – بنكاز ( Bonnecase ) ملحق مبسوط بودري 3 ص 343 . ويلاحظ أن هذا الجانب من الفقه في فرنسا الذي يتول بهذا الرأي هو الجانب الذي ينظر إلى قاعدة الإثراء بلا سبب نظرة مادية على اعتبار أنه تنظم علاقة ذمة مالية أخرى ، لا نظرة ذاتية على اعتبار أنها تنظم واجبات الأفراد الأدبية بعضهم ببعض . ومن هذا الرأي الأخير الأستاذ ريبير في كتابه المعروف ” القاعدة الأدبية في الالتزامات ” وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

وتجدر الإشارة إلى أن بعض ضروب الإثراء المعنوي يمكن اعتباره ذا قيمة مادية ، كما في براءة المتهم وفي شفاء المريض .

 ( [17] ) والتون 2 ص 186 – الموجز للمؤلف فقرة 379 ص 387 – الدكتور حشمت في نظرية الالتزام فقرة 35 ص 390 – مارافان ( Maravent ) مجلة مصر المصرية سنة 1949 ص 59 – ص 61 .

 ( [18] ) بلانيول وريبير وإسمان 7 فقرة 753 ص 49 – رواست ( المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1922 ) ص 54 – ( Mosiou ) ص 197 وما بعدها – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1267 – جوسران 2 فقرة 569 – ديموج 3 فقرة 150 ص 241 .

ويلاحظ أن الإثراء المعنوي في قاعدة الإثراء بلا سبب عاني من الصعوبات في الاعتراف به ما عاناه الضرر الأدبي ( prejudice moral ) في نظرية المسئول التقصيرية . على أن الضرر الأدبي قد أصبح الآن معترفاً به إلى حد أبعد من الحد الذي اعترف فيه بالإثراء المعنوي ( أنظر في هذا المعني ديموج 3 فقرة 150 ومارافان مجلة مصر المصرية سنة 1949 ص 60 ) . ويقول الأستاذ فرانسوا جوريه في كتابه في الإثراء على حساب الغير ( باريس ص 62 – ص 63 ) إن التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية التقصيرية أوسع مدى من التعويض عن الإثراء المعنوي في قاعدة الإثراء بلا سبب . ويعلل ذلك بأن التعويض في المسئولية التقصيرية ليس عديلاً ( equivalent ) عن الخسارة التي لحقت بالضرر ، بل عوض ( conipensation ) عن هذه الخسارة ؛أما في الإثراء بلا سبب فالتعويض هو عديل الإثراء لا عوض عنه . والعديل غير العوض ، إذا الخسارة الأدبية التي لا يمكن تقديرها بمال قد يكون لها عوض ول يكون لها عديل . فإذا لم يكن الإثراء المعنوي مما يمكن تقديره بمال تعذر أن يكون له عديل وإن جاز أن يكون له عوض ، فلا يصح أن يقوم ركناً في القاعدة الإثراء بلا سبب . ونحن نرى أن التمييز ما بين العديل والعوض في نظرية الإثراء بلا سبب دون نظرية المسئولية التقصيرية إنما يرجع إلى متخلف من نزعة الاستعصاء المألوفة التي تزال نظرية الإثراء بلا سبب تواجهها حتى اليوم .

 ( [19] ) أنظر بلانيول وريبير وإسمان 7 فقرة 753 ص 49 – مارافان مجلة مصر العصرية ص 61 .

 ( [20] ) محكمة النقض الفرنسية في 15 يولية سنة 1873 دالللوز 73 – 1 – 457 – وفي 13 يونية سنة 1892 داللوز 92 – 1 – 596 – وفي 30 نوفمبر سنة 1908 داللوز 1912 – 1 – 217 – وفي ديسمبر سنة 1910 داللوز 1911 – 1 – 177 – وفي 11 ديسمبر سنة 1928 ص 181 – محكمة مونبلييه في 3 فبراير سنة 1869 داللوز 69 – 2 – 213 ( الأجر عن التدريس ف حالة إعسار والد التلميذ وسنرى في موضوع آخر أن إثراء التلميذ هنا له سبب قانوني ) – محكمة إكس في 20 ديسمبر سنة 1888 سيريه 90 – 2 – 25 ( تحسين حالة مريض في مستشفي الأمراض العقلية وكانت قواعد الفضالة هي المنطقية في هذه القضية ) .

 ( [21] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 4 مارس سنة 1925 م 37 ص 265 ( الانتفاع بالصلات التجارية وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) – ومع ذلك أنظر حكماً لمحكمة طنطا الوطنية في 26 يونية سنة 1935 ( المحاماة 15 رقم 332 ص 407 ) تقول فيه : ” أما الإثراء الأدبي الذي يستتبع تحسين حالة فرد أو جماعة من ناحية أدبية احتمالية محضة فلا يعطي حقاً في دعوى الإثراء بلا سبب وإن كان القضاء الفرنسي قد أجاز أخيراً هذه الدعوى للدائن الذي زاد في ثروةالمدين العقلية والخلقية كالمربي ” .

ونحن لا نتردد في القبول بجواز أن يكون الإثراء معنوياً – وقد استعملنا لفظ المعنوي ” هنا بمعني فشمل الإثراء الصحي والجسمي ويعتبر هذا النوع من الإثراء عادة إثراء ذا قيمة مادية ، سواء في ظل القانون المدني القديم أو في ظل القانون المدني الجديد ( أنظر مارافان مجلة مصر العصرية من 61 حاشية رقم 6 ) . فلو أن بعثة للآثار وفقت إلى كشوف أثرية تزيح الغموض عن حقائق علمية وتاريخية ، وكان الاتفاق بينهما وبين مصلحة الآثار أن يكون لهذه المصلحة ملكية هذه الكشوف ، لجاز في رأينا أن يكون لدائني هذه البعثة الرجوع على مصلحة الآثار بما أثرت به من قيم معنوية –وهنا يمكن تقديرها بالمال – في حدود ما لهم من ديون في ذمة البعثة صرفت في القيام بهذه الكشوف الأثرية .

نقلا عن محامي أردني

الفقه الإسلامي بالإثراء بلا سبب

الفقه الإسلامي بالإثراء بلا سبب

وأوسع ما يعترف به الفقه الإسلامي في ذلك هو دفع غير المستحق . والظاهر من نصوص الشريعة الإسلامية أنها تجعلها مصدراً للالتزام . فلو أن شخصاً ظن أن عليه ديناً ، فبان خلافه ، رجع بما أدى ( [1] ) .

744 – لا يعترف الفقه الإسلامي بالإثراء بلا سبب مصدراً للالتزام إلا في حدود هي أضيق بكثير من المدى الذي وصل إليه القانون الروماني والقوانين اللاتينية والحرمانية التي اشنقت منه .

ولا يعترف الفقه الإسلامي بعمل الفضولي مصدراً للالتزام ، ويعتبر الفضولي متبرعاً لا يرجع بشيء على رب العمل ( [2] ) .

أما الإثراء بلا سبب كقاعدة عامة فلا يعترف به الفقه الإسلامي . على أنه توجد حالات معينة يكون فيها الإثراء بلا سبب في هذا الفقه ملزماً للمثري على حساب الغير . ويكون ذلك عادة إذا كان الشخص الذي افتقر لم يكن له يد من ذلك ، كما لو بنى صاحب العلو السفل بدون إذن صاحبه أو إذن الحاكم ، فلا يكون متبرعاً ويرجع بقيمة البناء على صاحب السفل لأنه مضطر إلى البناء إذا رفع الأمر إلى الحاكم فالحاكم لا يجبر صاحب السفل على بناء سفله لعدم تعديله ( [3] ) .

ومن ثم نرى أن الإثراء بلا سبب ليس بمصدر للالتزام في الفقه الإسلامي إلا في حالات قليلة .

القانون الإنجليزي ( [4] ) .

745 – وإذا كن باب الإثراء بلا سبب ضيقاً في الفقه الإسلامي ، فهو يزيد اتساعاً في القانون الإنجليزي وفي هذا يتقارب الفقه الإسلامي والقانون الإنجليزي ، ويبعدان معاً عن القانون الروماني .

وأوسع ما يعترف به القانون الإنجليزي هو دفع غير المستحق ، شأنه في ذلك شأن الفقه الإسلامي فمن دفع مبلغاً من النقود إلى غير دائن ، معتقداً بحسن نية أنه يدفع للدائن ، يسترد في القانون الإنجليزي ما دفعه بشرط أن يكون الغلط في الواقع لا في القانون ( [5] ) .

وليس للفضولي في القانون الإنجليزي الحق في استرداد ما أنفقه من مصروفات إلا في حالات محددة ، منها حالة إنقاذ سفينة من الغرق وحالة الدائن المرتهن فيما يتحمله من النفقة لحفظ العين المرهونة ( [6] ) .

أما مبدأ الإثراء بلا سبب ذاته فلا يعترف به القانون الإنجليزي إلا في حالات خاصة ( [7] ) . القانون الفرنسي الحديث :

746 – المرحلة الأولي ( إنكار المبدأ العام ) :لم يحتو قانون نابليون نصاً يشتمل على قاعدة عامة للإثراء بلا سبب بل اقتصر هذا القانون على حالات متفرقة تناثرت هنا وهناك أبرزها الفضالة ، ودفع غير المستحق ، والمصروفات الضرورية والنافعة ، والبناء والغراس في ارض الغير .

ولما كان عهد الشراح على المتون ( L Ecole de iExegese ) هو الذي تلقى التقنين الفرنسي في أول مراحله ، وكان هؤلاء الشراح يلتزمون النصوص التشريعية ولا ينحرفون عنها ، فقد ترتب على انعدام نص يقرر القاعدة العامة أن مبدأ الإثراء بلا سبب أنكر وجوده إنكاراً تاماً في هذه المرحلة الأولي . واقتصر الفقه والقضاء في فرنسا على تطبيق هذه النصوص المتفرقة في حالاتها الخاصة ، دون أن يصلا فيما بينهما .

747 – المرحلة الثانية ( الفضالة الناقصة ) :ثم دخل القانون الفرنسي في مرحلة ثانية اعترف فيها القضاء بقاعدة الإثراء بلا سبب ، ولكن على أنها فرع من الفضالة الواردة في النصوص التشريعية ، ضرب من الفضالة الناقصة على النحو الذي قال به يوتييه فيما قدمناه . وبدأت محكمة النقض الفرنسية تقضى بقياس الإثراء بلا سبب على الفضالة ، وتعتبر أن الإثراء بلا سبب فضالة اختل ركن من أركانها ، وبخاصة ركن القصد في تولي شؤون الغير ( [8] ) .

 748 – المرحلة الثالثة ( الاعتراف بالمبدأ العام منطوياً على قيدين ) :

ودخل القانون الفرنسي بعد ذلك في مرحلته الثالثة متأثراً بعاملين . العامل الأول زوال سلطان مدرسة الشرح على المتون ، وقد تحرر الفقه والقضاء من ربقة النصوص التشريعية ، وأمكن أن تصاغ المبادئ العامة دون حاجة لأن تستند إلى نصوص . والعامل الثاني أن نظرية الفضالة الناقصة ما لبثت أن ضاقت عن تطبيقات متنوعة لمبدأ الإثراء بلا سبب ، ولم يكن من الممكن إدخال هذه التطبيقات في حظيرة الفضالة ولو باعتبارها فضالة ناقصة . فكان لا بد من إذن من الاعتراف بقاعدة الإثراء بلا سبب مبدأ قائماً بذاته ، مستقلاً عن الفضالة كاملة كانت أو ناقصة .

وقاد هذه المرحلة الفقيهان المعروفان أوبرى ورو في كتابهما المشهور ، فاعتبرا أن قاعدة الإثراء بلا سبب تقوم بذاتها مبدأ مستقلاً عن الفضالة كمصدر للالتزام مبني على قواعد العدالة . وما ورد من نصوص تشريعية في القانون الفرنسي ليس إلا تطبيقات متنوعة لهذا المبدأ لم تذكر على سبيل الحصر ( [9] ) .

ما لبثت محكمة النقض الفرنسية في سنة 1982سارت وراء الفقهين العظيمين وقضت بقولهما ( [10] ) .

ويلاحظ في هذه المرحلة الثالثة أن قاعدة الإثراء بلا سبب ، إذا كانت قد استقرت قاعدة مستقلة عن الفضالة ، فإنها قد غلت بقيدين . أولهما أن دعوى الإثراء إنما هي دعوى احتياطية ( action subsidiaire ) لا يجوز الالتجاء إليها إلا إذا أعوزت السبل القانونية الأخرى بهذا قال الفقيهان أوبري ورو ، وتبعهما في ذلك الفقه والقضاء في فرنسا والقيد الثاني أن الإثراء يشترط فيه أن يكون قائماً وقت رفع الدعوى . ورد ذلك صراحة فيما قاله أوبري ورو ، وسبقها إليه بوتييه فيما نقلناه عنه ، وتبعهم في ذلك الفقه والقضاء الفرنسيان حتى اليوم .

ولا يزال القانون الفرنسي يعالج الدخول في مرحلة رابعة يتخلص فيها من هذين القيدين ، ويحرر القاعدة من جميع القيود التي تعطل من إطلاقها وشمولها .

القانون المصري :

749 – التقنين المصري القديم :لم يرد التقنين المدني القديم نص يقرر القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب . ولكن ورد نص غامض ، حائز بين الإثراء بلا سبب والفضالة هو نص المادتين 144 / 205وقد جرى بما يأتي ” من فعل بالقصد شيئاً تترتب عليه منفعة لشخص آخر ، فيستحق على ذلك الشخص مقدار المصاريف التي صرفها والخسارات التي خسرها ، بشرط ألا تتجاوز تلك المصاريف والخسارات قيمة ما آل إلى ذلك الشخص من المنفعة ” . وورد إلى جانب هذا النص نصوص أخرى متفرقة في دفع غير المستحق وفي المصروفات الضرورية والنافعة وفي البناء والغراس في أرض الغير وفي غير ذلك تطبيقات خاصة لقاعدة الإثراء بلا سبب .

ويبدو أن المشروع المصري في التقنين القديم تأثر بما كان العمل يجري عليه في القانون الفرنسي وقت صدور التقنين المصري . فقد صدر التقنين المختلط في سنة 1875والتقنين الأهلي في سنة 1883 . وهذا هو الوقت الذي كان القانون الفرنسي يجتاز فيه مرحلته الثانية ، وكان يخلط في هذه المرحلة بين الفضالة والإثراء بلا سبب كما رأينا والنص المصري يحمل اثر هذا الخلط واضحاً . فهو في صدره يتحدث عن أركان الفضالة ، وفي عجزه يبين أحكام الإثراء بلا سبب ، فيخلط بين الإثنين خلطاً كان سبباً في اضطراب الفقه والقضاء في مصر مدة غير قصيرة .

ويجتاز القضاء المصري مرحلة أولي لا يميز فيها بين الفضالة والإثراء بلا سبب ، فيتكلم عن واحدة وهو تقصد الأخرى ( [11] ) .

ثم يدخل مرحلة ثانية يميز فيها بين القاعدتين ، ويبرز قاعدة الإثراء بلا سبب مستقلة عن القاعدة الفضالة ، لها قوام ذاتي وكيان مستقل ، وهو يقتفي في ذلك أثر القانون الفرنسي في مرحلته الثالثة على الوجه الذي أسلفناه . وتبدأ هذه المرحلة بحكم تصدره محكمة الاستئناف المختلطة في سنة 1899 ( [12] ) أي بعد دخول القانون الفرنسي في مرحلته الثالثة بوقت قصير ( [13] ) . ولكن القضاء المصري ، في هذه المرحلة الثانية ، يبقي حائزاً أمام النص الغامض المضطرب بين الفضالة والإثراء بلا سبب ( م 144 / 205 ) . وتفسر محكمة الاستئناف المختلطة النص على أنه يتمحض لتقرير قاعدة الإثراء بلا سبب ، وتكل أحكام الفضالة إلى قواعد العدالة والقانون الطبيعي ( [14] ) .

وفي المرحلة الثالثة ، وتبدأ بحكم تصدره محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة في سنة 1917 ، لا تقتصر هذه المحكمة على التمييز بين الفضالة والإثراء بلا سبب ، بل هي ترد كل قاعدة إلى سندها القانون الصحيح ، فتقصر نص المادتين144 / 205على الفضالة ، وتستمد مبدأ الإثراء بلا سبب من قواعد العدالة والقانون الطبيعي ، فتصحح بذلك وضعاً بدأ مقلوباً ( [15] ) .

ويبقي الفقه والقضاء في مصر ، طوال هذه المرحلة الثالثة في ظل التقنين القديم ، يميزان بين القاعدتين ويردان كل قاعدة إلى أصلها ولكنهما يبقيان كذلك ، متأثرين دائماً بالقانون الفرنسي ، يقيدان من قاعدة الإثراء بلا سبب ، فيقولان مع الفقه والقضاء في فرنسا أن دعوى الإثراء دعوى احتياطية وإن الإثراء يجب أن يبقي قائماً وقت رفع الدعوى ( [16] ) . وإن كان جانب من الفقه نفي عن دعوى الإثراء الصفة الاحتياطية كما سنرى .

وكان لا بد من أن يصدر التقنين المدني الجديد حتى يدخل القانون المصري في مرحلته الرابعة التي يحرر فيها قاعدة الإثراء بلا سبب من هذين القيدين الآخيرين المختلفين عن أعقاب الماضي . وهذه المرحلة الرابعة التي وصل إليها التقنين المدني الجديد لا يزال القانون الفرنسي ، على ما رأينا ، يرده الإحجام عنها .

750 – التقنين المصري الجديد :خطا التقنين المصري الجديد كما ذكرنا إلى المرحلة الرابعة ، فابرز قاعدة الإثراء بلا سبب متميزة بالخصائص الآتية :

1 – جعلها قاعدة مستقلة قائمة بذاتها ، كمصدر من مصادر الالتزام .

2 – صحح الوضع الذي كان مقلوباً ، فيجعل الفضالة ودفع غير المستحق تطبيقين لمبدأ الإثراء بلا سبب . فهذا المبدأ هو الأصل . وهذان التطبيقان هما اللذان يتفرعان عنه . وقد رأينا أن مبدأ الإثراء بلا سبب كان قبلاً يتفرع عن الفضالة ، ويسمى بالفضالة الناقصة .

3 – حرر مبدأ الإثراء بلا سبب مما كان باقياً من قيود التقليدية ، فنفي عنه الصفة الاحتياطية ونص على أن الإثراء لا يشترط فيه أن يكون قائماً وقت رفع الدعوى .

وبذلك استكمل مبدأ الإثراء بلا سبب في ظل التقنين الجديد نموه ، وانفسحت أمامه سبل التطور . وسنرى تفصيل كل ذلك فيما يلي .

وليس التقنين الجديد بدعاً فيما استحدث ، فقد سبقه إلى السير في هذا الطريق كثير من التقنينات الحديثة ( [17] ) .

ونستعرض في فصلين متعاقبين ( أولاً ) القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب .

 ( ثانياً ) أبرز تطبيقين لهذه القاعدة :دفع غير المستحق والفضالة ( [18] ) .

 الفصل الأول

 القاعدة العامة :الإثراء بلا سبب ( [19] )

751 – النصوص :قدمنا أن القانون المصري القديم لم يشتمل على نص بورد قاعدة عامة للإثراء بلا سبب ، بل اقتصر على إيرادات نص مضطرب في الفضالة ، ونصوص أكثر عدداً في دفع غير مستحق ، وإشارات متفرقة إلى مبدأ الإثراء بلا سبب في مختلف نواحي القانون ( [20] ) .

أما القانون الجديد فقد بدأ بنصوص تقرر القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب ، ثم تناول بعد ذلك صورتين خاصتين لهذا المبدأ هما دفع غير المستحق والفضالة ( [21] ) .

والنص الجوهري الذي يقرر القاعدة العامة في القانون الجديد هو المادة 179 ، وقد جرت بما يأتي : ” كل شخص ، ولو غير مميز ، يثري دون سبب مشروع على حساب شخص آخر ، يلتزم في حدود ما أثري به بتعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة ، ويبقي هذا الالتزام قائماً ولو زال الإثراء فيما بعد ( [22] ) ” .

التأصيل القانوني لقاعدة الإثراء بلا سبب :

752 – مذاهب مختلفة –استنادها إلى الفضالة ( الفضالة الناقصة ) :

كانت المحاولة الأولي لتأصيل قاعدة الإثراء بلا سبب تأصيلاً قانونياً هي ربطها بنظرية كانت الفضالة ، لا على أن الثانية فرع عن الأولي كما هو الواقع ، بل على أن الأولي هي التي تشتق من الثانية . فهي ضرب من الفضالة :فضالة ناقصة ، أو هي امتداد لقواعد الفضالة حيث تختل أركانها . فالفضولي يجب أن يقصد تدبير شؤون رب العمل دون أن يفرض عليه هذا التدخل . فإذا انعدم هذا القصد ، أو تولي الفضولي شؤون غيره رغم إرادته ، اختل ركن من أركان الفضالة وترتب على اختلال هذا الركن تعديل بعض الأحكام ، فالمفترض في هذه الحالة لا يسترد كالفضولي كل المصروفات الضرورية والنافعة بل يسترد أقل قيمتي إثراء الغير وافتقاره . والقانون بهذا الرأي هم المتخلفون من أصحاب مدرسة الشرح على المتون ، فقد ظلوا في حيرة كيف يقيمون قاعدة الإثراء بلا سبب على غير نص تشريعي ، ثم تلمسوا في الفضالة وهي قائمة على نصوص تشريعية سنداً تشريعياً ينسبون إليه القاعدة ، بعض أركان الفضالة وبعض أحكامها وأسموها الفضالة الناقصة . والقول بأن الإثراء على حساب الغير فضالة ناقصة من شأنه أن يشوه كلا من النظريتين . فهناك فرق بين جوهري بينهما إذا جاز معه أن تعتبر الفضالة في بعض نواحيها تطبيقاً لبعض أحكام الإثراء بلا سبب ، فهو فرق يمتع معه أن يكون مبدأ الإثراء بلا سبب هو الذي يدخل في حدود الفضالة . ذلك أن هذا المبدأ نزعته موضوعية لا ذاتية ، فلا عبرة فيه بالنية ، ويكفي أن يفتقر شخص فيثري شخص آخر على حسابه دون سبب قانوني حتى يرجع المفتقر على المثري بدعوى الإثراء . أما الفضالة فنزعتها ذاتية إلى حد كبير ، إذ أن أساسها هو قصد الفضولي أن يدبر شؤون رب العمل حيث تدعو الضرورة إلى ذلك . فما لم يوجد هذا القصد فلا فضالة . ومن ثم وجد الفرق في الحكم : يرجع الفضولي بكل ما صرف جزاء ما قصد إليه ، ويرجع المفتقر بأقل القيمتين إذ هو لم يقصد خدمة المثري . فالنظريتان مختلفتان إذن في هذا الأمر الجوهري . وإذا أريد أن تكون إحداهما تطبيقاً للأخرى ، فالأولي أن تكون نظرية الفضالة – في الأصل الذي يبنى عليه رجوع الفضولي لا في مدى هذا الرجوع – هي التطبيق لنظرية الإثراء بلا سبب .

753 – استنادها إلى العمل غير المشروع :

ومنذ دالت دولة الشراح على المتون ، ولم تعد قاعدة الإثراء بلا سبب في نظر الفقه تحتاج إلى نص تشريعي تستند إليه ، تحررت القاعدة من ربقة النصوص التشريعية ، ولكنها بقيت ترسف في أغلال التبعية . فلا بد أن يسندها الفقه إلى قاعدة قانونية أخرى معروفة تعيش في ظلها . فأسندت إلى قاعدة العمل غير المشروع . إما عن طريق المقابلة وإما عن طريق الجمع ما بين القاعدتين تحت لواء المسئولية التقصيرية .

فالذين يقابلون ما بين قاعدة العمل غير المشروع قاعدة الإثراء بلا سبب يقولون إن القاعدة في العمل غير المشروع هي أن كل من أضر الغير بخطأه يلتزم بالتعويض . كذلك القاعدة في الإثراء بلا سبب هي أن كل من أثرى على حساب الغير دون سبب يلتزم بالتعويض .

والذين يجمعون ما بين القاعدتين تحت فكرة العمل غير المشروع –وعلى رأسهم بلانيول – يعبرون عن المعنى المتقدم بأسلوب آخر ويقولون إن الإثراء على حساب الغير هو عمل غير مشروع . ذلك أن من أثري على حساب غيره لا يجوز له أن يستبقي هذا الإثراء وإلا ارتكب خطأ يكون مسئولاً عنه مسئولية تقصيرية .

وعيب هذا الرأي واضح . فإن مصدر التزام المثري دون سبب هو واقعة الإثراء . وهذه الواقعة لا يشترط فيها أن تقترن بخطأ من المثري ، ولا هي في ذاتها تعد خطأ من المثري ، حتى يمكن وصفها بأنها عمل غير مشروع وغير المشروع إنما هو النتيجة التي أدت إليها الواقعة ، لا الواقعة ذاتها .

754 – استنادها إلى قاعدة تحمل التبعة :

وقد ذهب إلى ذلك الأستاذان ريبير ( ripert ) وتيسير ( teisseire ) ( [23] ) . فعندهما أن نظرية الإثراء بلا سبب ما هي إلا وجه الآخر لنظرية تحمل التبعة . فهذه النظرية تقرر أن من كان نشاطه مصدراً لغرم تحمل تبعته . ونظرية الإثراء بلا سبب تقرر أن من كان نشاطه مصدراً لغنم جنى فائدته . فالمفتقر قد كان نشاطه – عملاً كان أو مالاً –مصدراً لنقل قيمة مادية إلى مال المثري ، فوجب أن يسترد هذه القيمة لأنها من خلقة إذ هي نتيجة نشاطه . والغنم المستحدث ( le profit cree ) ليس إلا الوجه الآخر للغرم المستحدث le risque cree ) ) ، وهذا الرأي تعوزه الدقة . إذا صح لترتب عليه أن كل شخص يثري من وراء نشاط الغير يرجع عليه الغير بكل ما أثرى ، وليس بأدنى القيمتين فحسب . ولأصح شرط الافتقار غير ضروري . وسنرى أن الافتقار والرجوع بأدني القيمتين هما من الأحكام الأساسية في قاعدة الإثراء بلا سبب ( [24] )

755 – قاعدة الإثراء بلا سبب لا تستتر إلى قاعدة أخرى ، بل هي قاعدة مستقلة تقوم بذاتها :

والواقع من الأمر أن قاعدة الإثراء بلا سبب هي قاعدة أصلية لا تتفرع عن غيرها . فهي مصدر مستقل من مصادر الالتزام ، وليست ملحقة بالفضالة ( بل الفضالة هي التي تلحق بها ) ، ولا بالعمل غير المشروع ، ولا يتحمل التبعة . وهي تتصل اتصالاً مباشراً بقواعد العدالة ، المصدر الأول لكل القواعد القانونية . أليس العدل يقضي بأن على حساب غيره دون حق يجب أن يعوض من افتقر؟ فلماذا تذهب في البحث عن سند للقاعدة إلى ما وراء هذا القانون الروماني ذاته ، وهو الذي أخذنا عنه القاعدة ، يجعل أساسها العدالة ( [25] ) ؟أليس العمل غير المشروع ، ونبحث عنه في الإثراء بلا سبب ، وكل من القاعدتين مرده العدالة ؟

وإذا سرنا في تحليل قاعدة الإثراء بلا سبب خطوة أبعد أمكن تأصيلها على الوجه الآتي :

الأصل أن مال الشخص لا ينتقل إلى شخص آخر إلا في حالتين اثنتين : إذا اتفق الشخصان على ذلك ، أو كان القانون هو الذي قضى بانتقال المال . فإذا انتقل المال في غير هاتين الحالتين وجبت إعادته إلى صاحبه ، وهذه هي قاعدة الإثراء بلا سبب ( [26] )

وقد اقتضت هذه القاعدة العادلة ، على وضوحها ، وقتاً طويلاً حتى تكسب قواماً مستقلاً ويكون لها كيان ذاتي ، لأنها قاعدة بنيت رأساً على العدالة والداهية ، فلم تصقلها الصنعة القانونية . والقانون لا يهضم من قواعد العدالة إلا ما تدخلت فيه الصياغة ، فحولته من قواعد خلقية أو اجتماعية أو اقتصادية إلى قواعد قانونية تلتزمها الناس في التعامل . ولذلك وجب أن نسير في طريق الصياغة إلى مدي أبعد ، وان نكشف من هذه الناحية عن طبيعة هذا المصدر من مصادر الالتزام وعن مغايرته للمصادر الأخرى .

الواقعة التي ترتب الالتزام في ذمة المثري هي واقعة الإثراء على حساب الغير دون سبب وهي واقعة قانوني ( fait juridique ) لا عمل قانوني ( acte juridique ) Kومن ثم اختلف الإثراء عن العقد . وهي واقعة مشروعة لأن الإثراء لا يستلزم أن يقترن به خطأ من المثري كما قدمنا فقد يثري وهو حسن النية بل قد يثري دون علمه ، ومن ثم اختلف الإثراء عن العمل غير المشروع .

والإثراء واقعة تقوم على انتقال قيمة مالية من ذمة إلى أخرى دون أن يكون لهذا الانتقال سبب قانوني يرتكز عليه كمصدر له . وفي هذا أيضاً نرى أن الإثراء واقعة تختلف عن واقعة العقد وعن واقعة العمل غير المشروع .

فالإثراء بلا سبب يختلف إذن عن العقد وعن العمل المشروع من حيث طبيعته ومن حيث ما اشتمل عليه . ومن ثم فهو مصدر للالتزام مستقل قائم بذاته ، لا يستند إلى مصدر آخر ولا يتفرع عنه . وإنما يقوم رأساً على قواعد العدالة والمنطق القانوني ، كما يقوم العقد وكما يقوم العمل غير المشروع .

والتحليل على هذا الوجه يحدد أركان قاعدة الإثراء بلا سبب ويرسم أحكامها أما الأركان فهي أن يكون هناك إثراء في جانب ، يترتب عليه افتقار في جانب آخر ، دون أن يقوم سبب قانوني لهذا الإثراء .

وأما الأحكام فتتلخص في أن المثري يرد إلى المفتقر ما أثرى به الأول في حدود ما افتقر به الثاني .

ويبقي أن نعرض إلى تفاصيل هذه الأركان والأحكام


 ( [1] ) الأشباه والنظائر جزء أول ص 194 . وفي شرحه غمز عيون البصائر من دفع شيئاً ليس واجباً عليه فله استرداده إلا إذا دفعه على وجه الهبة . أنظر أيضاً في هذا المعنى م 202 وم 207 من كتاب مرشد الحيران .

 ( [2] ) يؤيد هذا ما ورد في مجمع الضمانات من النصوص الآتية : عمر دار امرأته لها بلا إذنها قال النسفي العمارة كلها لها ولا شيء عليها من النفقة فإنه متبرع ، وعلى هذا التفصيل عمارة كرم امرأته وسائر أملاكها ( ص 453 ) – المديون إذا اتفق على ولد رب الدين أو امرأته بغيره أمره لا يبرأ من الدين ولا يرجع بما أنفق على من أنفق عليه ( ص 449 ) – لو قضى دين غيره بغير أمره جاز ، فلو انتقض ذلك بوجه من الوجوه يعوض إلى ملك القاضي لأنه تطوع بقضاء الدين ، ولو قضى بأمره يعود إلى ملك من عليه الدين ، وعليه للقاضي مثلها ( ص 448 – ص 449 ) .

 ( [3] ) وفي جامع الفصولين زرع بينهما فغاب أحدهما وأنفق الآخر يكون متبرعاً بخلاف ذي العلو مع أن كلاً لا يصل إلى حقه إلا بالإنفاق . والفرق أن الأول مضطر لأن شريكه لو كان حاضراً يجبره القاضي على الإنفاق ولو غائباً يأمر القاضي الحاضر به ليرجع على الآخر ، فلما زال الاضطرار كان متبرعاً ، أما ذو العلو فمضطر في بناء السفل إذ القاضي لا يجبر صاحبه لو حاضراً فلا يأمر غيره لو غائباً ، والمضطر ليس بمتبرع ( شرح المجلة للأستاذ سليم باز ص 705 ) .

 ( [4] ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 61 ص 61 – ص 62 .

 ( [5] ) أنظر كينر ( Kenner ) في شبه العقد ص 85 وما بعدها وص 139 وما بعدها .

 ( [6] ) أنظر جنكس ( jenks ) م 720 .

 ( [7] ) نذكر منها ما يأتي : 1 – إذا دفعت شركة التأمين مبلغ الخسارة المؤمن عليها فلها أن ترجع على المؤمن بالتعويض الذي أخذه من الغير عن هذه الخسارة 2 – إذا استولى أحد الشركاء في الشيوع على أكثر من نصيبه في غلة العين الشائعة التزم برد هذه الزيادة ؟ إذا لم يقم أحد المتعاقدين بما عليه من التزام فللآخر أن يفسخ العقد وأن يسترد النقود التي دفعها للطرف الأول أو أن يطلب تعويضاً عما قام به هو من الأعمال تنفيذاً للعقد . يراجع في ؟؟؟؟وما بعدها .

 ( [8] ) محكمة النقض الفرنسية في 18 يونية سنة 1872 داللوز 72 72 – 1 – 471 . وقد تلى هذا الحكم حكمان آخران طبقاً هما أيضاً دعوى الفضالة في حالات الإثراء بلا سبب : محكمة النقض الفرنسية في 15 يولية سنة 1873 داللوز 73 – 1 – 457 ، وفي 19 ديسمبر سنة 1877 داللوز 78 – 1 – 204 . وآخر حكم طبقت فيه محكمة النقض الفرنسية نظرية الفضالة الناقصة صدر في 16 يولية سنة 1890 داللوز 91 – 1 – 49 مع تعليق للأول . وأنظر في الفقه الفرنسي ديمولومب 31 فقرة 49 – لوران 20 فقرة 337 – لارو 5 ص 601 .

 ( [9] ) أنظر أوبري ورو ( Aubry et rau ) الطبعة الرابعة الجزء السادس ص 246 – ص 247 . وقد أحاط الفقيهان المبدأ ، بعد أن أكدا استقلاله ، بقيدين وردا فيما تنقله هنا من عبارات الفقيهين ذاتها :

 ” …… . il n’est permis de s’enrichir aux depens d’autrui dans tous les cas ou le patrimoine d’une personne se trouvant sans cause legitime enrichi au detriment de celui d’une autre personne, cello – ci ne jouirait, pour obtenir co qui lui apparient ou ce qui lui est du, d’aucune action naissant d’un contrat, d’un quasi – contrat, d’un delit, d’un quasi – delit,…… on doit … . s’attacher non au moment ou l’obligation de restitution a pris naissance, mais a celui de l’introduction de l’action de in rem verso………’

 ( [10] ) محكمة النقض الفرنسية في 15 يونية سنة 1892 داللوز 92 – 1 – 596 وانتهت هذه المحكمة في حكيم مشهورين لها ( في 12 مايو سنة 1914 سيريه 1918 – 1 – 11 وفي 2 مارس سنة 1915 داللوز 1920 – 1 – 102 ) بأن استعارت بعض الألفاظ التي استعملها الفقيهان أو يرى ورو . فقالت في حكمها الصادر في 12 مايو سنة 1914 ( سيريه 1918 – 1 – 211 ما يأتي :

 ” Attendu que l’action de in rem verso, fondee sur le principe d’equite qui defend de s’enrichir au detriment d’autrui, doit etre admis dans tous les cas ou le patrimoine d’une personne, se trouvant, sans cause legitime enrichi aux depens de celui d’une autre personne, celle – ci ne jouirait, pour obtenir ce qui lui est du, d’aucune action naissant d’un contrat, d’un quasi – contrat, d’un delit, ou d’un quasi – delit . ‘

ثم تعاقبت بعد ذلك أحكام محكمة النقض الفرنسية في هذا المعنى .

 ( [11] ) أنظر محكمة الاستئناف المختلطة في 4 ديسمبر سنة 1884 بوريللي م 205 رقم 1 – حكماً ثانياً في 17 مايو سنة 1888 المجموعة الرسمية المختلطة 13 ص 224 ( راجع ملاحظات على هذا الحكم في رسالة الدكتور ( Maravent ) المنشورة في مجلة مصر العصرية سنة 1949 عدد يناير – فبراير ص 30 ) – حكماً ثالثاً في 21 ديسمبر سنة 1892 م 5 ص 85 ( أنظر أيضاً في هذا الحكم رسالة الدكتور Maravent ص 31 – ص 32 ) – أنظر أيضاً محكمة الاستئناف الأهلية في 5 ديسمبر سنة 1901 الحقوق 18 ص 109 – وحكماً ثانياً في 20 مارس سنة 1919 المجموعة الرسمية 30 ص 281 .

 ( [12] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 16 مارس 1899 م 11 ص 162 . وسبق هذا الحكم حكم آخر من المحكمة ذاتها في 13 فبراير سنة 1895 ( م 7 ص 122 ) رسم خصائص دعوى الإثراء بلا سبب في دقة وردها إلى سندها القانوني الصحيح ، أي إلى قواعد العدالة ، ولكن المحكمة سرعان ما عدلت عن هذا الموقف في حكمها الصادر في 16 مارس سنة 1899 وهو الحكم المشار إليه ، وسنرى بيان ذلك .

 ( [13] ) وقد رأينا أن القانون الفرنسي دخل في مرحلته الثالثة منذ سنة 1892 .

 ( [14] ) وقد صدر بعد هذا الحكم أحكام كثيرة من محكمة الاستئناف المختلطة تطبق صراحة مبدأ الإثراء بلا سبب : محكمة الاستئناف المختلطة في 17 مايو سنة 1900 م 12 ص 253 – حكماً ثانياً في 19 فبراير سنة 1903 م 15 ص 157 – حكماً ثالثاً في 4 أبريل سنة 1907 م 19 ص 201 – حكماً رابعاً في 23 أبريل سنة 1908 م 20 ص 192 – حكماً خامساً في 28 يناير سنة 1909 م 21 ص 139 – حكماً سادساً في 21 يناير سنة 1915 م 27 ص 133 – حكماً سابعاً في 22 يونية سنة 1916 م 28 ص 441 – حكماً ثامناً في 15 ديسمبر سنة 1926 جازيت 17 ص 53 – حكماً تاسعاً في 24 أبريل سنة 1928 م 40 ص 315 .

 ( [15] ) أنظر محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة في 6 يناير سنة 1917 جازيت 7 ص 90 . وقد اضطرت هذه المحكمة بعد أن ردت الفضالة إلى المادة 205 من القانون المدني المختلط أن تعدل من أحكام هذا النص في تحديد آثار الفضالة ، حتى تجعل الفضولي يسترد المصروفات الضرورية والنافعة دون أن يقتصر على أدنى القيمتين كما ورد في النص .

 ( [16] ) محكمة الاستئناف الأهلية في 30 أبريل سنة 1929 المجموعة الرسمية 30 رقم 140 – محكمة الاستئناف المختلطة في 13 يناير سنة 1931 م 43 ص 148 – حكم ثان في 28 مايو سنة 1931 م 43 ص 417 – حكم ثالث في أول ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 37 – حكم رابع في 14 يونية سنة 1933 جازيت 24 ص 393 . وأنظر في الفقه : والتون ص 190 – ص 191 – ذهني فقرة 705 وما بعدها – الموجز للمؤلف فقرة 394 ومع ذلك أنظر فقرة 391 – حشمت أبو ستيت فقرة 533 ( ويقرر في شيء من التردد أن الإثراء يجب أن يكون موجوداً وقت رفع الدعوى : فقرة 541 ) .

 ( [17] ) من ذلك التقنين الألماني ( م 812 ) والتقنين السويسري ( م 62 من قانون الالتزامات ) والتقنين البولوني ( م 123 ) والتقنين اللبناني ( م 140 ) والمشروع الفرنسي الإيطالي ( م 73 ) .

 ( [18] ) يوجد عدا ذلك في التقنين الجديد نصوص تشريعية وردت في حالات خاصة ، ويجب في هذه الحالات تطبيق النصوص كما وردت دون تطبيق القواعد العامة لدعوى الإثراء ، فإن هذه النصوص إنما هي دعوى الإثراء ذاتها محورة تحويراً يناسب كل حالة . من ذلك البناء والغراس في أرض الغير ( م 924 – 925 ) ، والبناء والغراس من الشفيع في العقار المشفوع ( م 946 ) والمصروفات الضرورية والنافعة ( م 980 ) . كما توجد نصوص هي تطبيقات محضة لمبدأ الإثراء بلا سبب فيطبق هذه المبدأ كما هو في الحالات اليت وردت فيها هذه النصوص ( من ذلك م 142 وم 160 وم 186 وم 196 وم 333 وم 688 فقرة 3 وم 897 ) .

 ( [19] ) المراجع : دي هانس الجزء الثاني – هالتون الجزء الأول – والتون الجزء الثاني – الدكتور عبد السلام ذهني بك في الالتزامات – الدكتور محمد وهيبة في الالتزامات – الدكتور محمد صالح في أصول – الموجز في الالتزامات للمؤلف – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت في نظرية الالتزام – بلانيول وإسمان الجزء السابع – ديموج الجزء الثالث – أوبري ورو الجزء التاسع . الرسائل : الدكتور محمود أبو عافية في التصرف القانوني المجرد – ستويسكو ( stolcesco ) باريس سنو 1904 – بوشيه ليكلير ( Bouhe – leclerc ) باريس سنة 1912 – سافاتبيه ( savatier ) بوانييه سنة 1916 – لويس لوكاس ( Louis Lucas ) ديجون سنة 1918 – موري ( Maury ) تولوز سنة 1920 – جيرونا ( Gerons ) باريس سنة 1925 ( في القانون الألماني ) – الموزتيتو ( Almosnino ) باريس سنة 1931 – موزوبي ( Mosoiu ) بارييس سنة 1932 – يبحثه ( Beguet ) الجزائر سنة 1945 – مارافان ( Maravent ) الرسالة المنشورة في مجلة مصر المصرية سنة 1949 عدد يناير وفبراير – فرانسوا جوريه ( Fr . Gore ) باريس سنة 1949 . المقالات : لوبير ( Loubers ) المجلة الانتقادية سنة 1912 – ريبير وتيسير ( Ripert et Tesseire ) المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1904 – رينار ( Rensrd ) المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1920 – رواست ( Rouast ) المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1922 – بيكار ( picard ) المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1922 . التعلقات :لآبيه ( Labbe ) سيريه 1890 – 1 – 1893 . 97 – 1 – 281 – بلانيول ( planiol ) داللوز 1891 – 1 – 49 – و 1892 – 1 – 161 – ساري ( sarrut ) داللوز 18921892 – 1 – 161 – فال ( wahl ) سيرية 1907 – 1 – 465 – ناكيه ( Naquet ) سيريه 1910 – 1 – 1918 . 425 – 1 – 313 – بوركار ( Bourcart ) سيريه 1911 – 1 – 313 – رواست ( Rouast ) داللوز 1923 – 2 – 17 .

 ( [20] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أوجز التقنين الحالي ( القديم ) إيجازاً مخلاً في إيراد الأحكام الخاصة بنظرية الإثراء بلا سبب ، مع مالها من أهمية بالغة . فلم يورد بشأن القاعدة العامة في الفضالة إلا نصاً واحداً تعوزه الدقة ويسوده الغموض . وإذا كان رد غير المستحق قد شغل من نصوصه حيزاً أرحب ، فمن الملحوظ أن القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب لم تجد لها ، على النقيض من ذلك ، مكاناً في هذه النصوص ، اللهم إلا إشارات متناثرة في مختلف أجزاء التقنين ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 439 ) .

 ( [21] ) جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد أيضاً ما يأتي : ” وقد بدأ المشروع ( القانون الجديد ) بتقرير القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب ، ثم تناول بعد ذلك صورتيه الغالبتين ، وهما رد غير المستحق والفضالة . وقد عزل المشروع أحكام الالتزام الطبيعي عن القواعد الخاصة برد غير المستحق رغم ما بينهما من تقارب ، وجعل الأولى مكانها بين النصوص المتعلقة بآثار الالتزام نزولا على ما يقتضيه المنطق ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 439 ) .

 ( [22] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 284 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” 1 – كل شخص ، لو كان غير مميز ، يثري دون سبب على حساب شخص آخر ، يلتزم بتعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة ، على ألا يجاوز في ذلك القدر الذي أثري به . ويبق هذا الالتزام حتى لو زال الإثراء فيما بعد .

2 – فإذا تبرع المثري بما أثري به كان من صدر له التبرع مسئولا أيضاً عن التعويض ، ولكن بقدر ما أثري ” .

لجنة المراجعة : تليت المادة 248 من المشروع ، واقترح إدخال تعديلات لفظية وحذف الفقرة الثانية لعدم ضرورتها ، فأصبح النص النهائي ما يأتي : ” كل شخص ولو غير مميز يثري دون سبب على حساب آخر يلتزم في حدود ما أثري به بتعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة . ويبقى هذا الالتزام قائماً حتى لو زال الإثراء فيما بعد ” . وأصبح رقم المادة 184 في المشروع النهائي . مجلس النواب : وافق المجلس على المادة دون تعديل تحت رقم 184 .

لجنة مجلس الشيوخ : تليت المادة 184 ، فاقترحت إضافة كلمة ” مشروع ” إلى عبارة ” بدون سبب ” فوافقت اللجنة على ذلك . وأصبح رقم المادة 179 . مجلس الشيوخ :وافق المجلس على المادة كما أقرتها اللجنة . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 440 – ص 443 ) .

 ( [23] ) أنظر المجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1904 ص 727 .

 ( [24] ) وقد رجع الأستاذ ريبير ( Ripert ) عن هذا الرأي في كتابة ” القاعدة الأدبية ” ، وأسند مبدأ الإثراء بلا سبب رأساً إلى قواعد الأخلاق .

 ( [25] ) أنظر في هذا المعني محكمة الاستئناف المختلطة في 26 مايو سنة 1910 م 22 ص 338 – وحكماً ثانياً في 22 يونية سنة 1916 م 28 ص 441 – وحكماً ثالثاً في 15 ديسمبر سنة 1926 جازيت 17 رقم 42 ص 53 – وحكماً رابعاً في 24 أبريل سنة 1928 م 40 ص 315 .

 ( [26] ) يقرب من هذا الدكتور أبو عافية في رسالته ” التصرف القانون المجرد ” القاهرة سنة 1947 ص 190 – ص 192 .

نقلا عن محامي أردني

الإثراء بلا سبب في القانون المدني

الإثراء بلا سبب

 ( l Enrichissement sans cause )

 تمهيد

737 – الإثراء بلا سبب هو مصدر قديم من مصادر الالتزام : كل من أثرى على حساب الغير دون سبب قانوني يلتزم بأن يرد لهذا الغير قدر ما أثرى به في حدود ما لحق الغير من خسارة فإذا استولي شخص على ملك غيره ، دون أن يكون لهذا الاستيلاء بسبب قانوني ، وأضافه إلى ملكه ولو بنية حسنة ، يكون قد اثرى دون سبب قانوني على حساب الغير ، فيلتزم برد أدنى القيمتين : ما أثرى به هو وما افتقر به الغير .

وقاعدة الإثراء بلا سبب على هذا النحو الذي بيناه تعتبر من أولي قواعد القانون . تمتد جذورها فتتصل مباشرة بقواعد العدالة والقانون الطبيعي . وهي في غير حاجة إلى تبرير ، إذ تحمل في طياتها ما يبررها بل لعلها أول مصدر ظهر للالتزام في فجر التاريخ ، وهذا مبلغ حفظها من البداهة القانونية . وهي على كل حال مصدر للالتزام عاصر مصدر العمل غير المشروع ، وهذا هو من المصادر الأولي التي عرفها القانون ( [1] ) .

738 – على أن قاعدة الإثراء بلا سبب ، إذا كانت قد عرفت منذ القديم ، فهي لم تعرف إلا على نحو غير متصل الأجزاء : عرفها القانون الروماني لا كمبدأ عام تستخلص منه تطبيقاته المتنوعة ، بل كجزيئات متناثرة وفروض متفرقة تستقصي في حالات محددة ، دون أن يجمعها أصل مشترك أو تنتظمها قاعدة عامة .

وكان حظ القاعدة في العصور الوسطى ، سواء في القانون الفرنسي القديم أو في الفقه الإسلامي أو في القانون الإنجليزي ، حظاً ضئيلاً لا يداني حتى هذا المجال المحدود الذي ظفرت به في القانون الروماني .

وتلقاها القانون الحديث تراثاً مبعثراً مشتت الأجزاء ، فبقيت مختلطة بغيرها من مصادر الالتزام دون أن تظفر بقوام ذاتي وكيان مستقل ( [2] ) ، حتى عهد قريب ، إذ تناولها القضاء في فرنسا وفي مصر ، وتناولتها التقنيات الحديثة ، فارتسمت لها حدود معروفة المعالم واضحة المدى . وكسبت القاعدة ذاتيتها ، وقامت مصدراً مستقلاً إلى جانب غيرها من مصادر الالتزام .

وسجل القانون المصري الجديد أقضي مرحلة وصلت إليها القاعدة في مراحل تدرجها . ومن ثم يعنينا أن نتابع القاعدة في تطورها التاريخي .

 التطور التاريخي لقاعدة الإثراء بلا سبب

القانون الروماني :

739 – طائفتان من الدعاوى :عرف القانون الروماني طائفتين من الدعاوى تقومان على قاعدة الإثراء بلا سبب : دعاوى الاسترداد لما دفع دون سبب ( condictiones sine cause ) ودعاوى الإثراء بلا سبب ( action de in rem verso ) ولكن كلا من هاتين الطائفتين من الدعاوى لم تكن تباح إلا في حالات معينة حددت على سبيل الحصر . ولم يصل القانون الروماني إلى وضع القاعدة عامة تشتمل على جميع الأحوال التي يجوز أن يتناولها الإثراء دون سبب ونستعرض هاتين الطائفتين من الدعاوى .

740 – دعاوى استرداد ما دفع دون سبب :وهذه تشتمل على الدعاوى الآتية :

1 – دعوى يسترد بها الشخص ما دفعه دون حق وهو يظن أن هذا الغير دائن له ، وتسمى ( condictio indebiti ) .

2 – دعوى يسترد بها الشخص ما دفعه للغير لسبب مشروع لم يتحقق ، وتسمى ( condictio cause date cause non secutar ) .

3 – دعوى يسترد بها الشخص ما دفعه للغير لمنعه من القيام بعمل غير مشروع ( كمنعه من ارتكاب جريمة ) ، أو لدفعه إلى تلافي ما قام به من عمل غير مشروع ( كدفعة إلى رد ما سرقه ) . وهذه الدعوى تسمى ( turpem causam condictio ob ) فإذا كان السبب غير المشروع قائماً عند كل من المتعاقدين ، كما إذا تعاقد شخص مع آخر لدفعه إلى ارتكاب جريمة أو عمل من أعمال العهارة أو المقامرة ، امتنع الاسترداد .

4 – دعوى يسترد بها المفتقر من المثري ما افتقر به على خلاف أحكام القانون ، كالمدين يسترد من دائنه ما دفعه من فوائد غير قانونية أو من دين عقده تحت سلطان الإكراه . وهذه الدعوى تسمي ( causam condicto ob injustum ) .

5 – دعوى يسترد بها الشخص من الغير ما دفعه له في أحوال معينة ، إذا كان السبب غير موجود أو كان لم يتحقق أو كان قد انقطع بعد أن تحقق . وهذه الدعوى تسمي ( condictio sine causa ) بمعناها الضيق . ولكنها لم تكن تباح إلا في أحوال محددة على سبيل الحصر ، فلم تمتد إلى جميع الأحوال لتصبح قاعدة عامة . من ذلك أن المفتقر لم يكن له من سبيل إلى الاسترداد في بعض الحالات ، كالمصروفات ينفقها الحائز لأرض الغير وهو حسن النية ، وكالأرض يفقدها مالكها بتحول مجرى النهر .

يلاحظ في شأن دعاوى الاسترداد هذه أمور ثلاثة .

 ( الأمر الأول ) أن ظهور هذه الدعاوى في القانون الروماني كان نتيجة للشكلية ( formalisme ) والتجرد ( abstraction ) اللذين انطوى عليهما التعامل في هذا القانون فقد كان العقد يعتبر صحيحاً دون اعتبار لسببه ، حتى لو كان هذا السبب غير موجود أو كان غير مشروع ، ما دام العقد قد استوفى الشكل المفروض وكانت الملكية تنتقل طبقاً للأوضاع المرسومة حتى لو كان سبب نقلها غير موجود أو غير مشروع . ومن ثم وجدت دعاوى الاسترداد هذا فيما لو نفذ العقد وكان سببه غير موجود أو غير مشروع فيسترد المدين ما دفع ، وفيما لو انتقلت الملكية لسبب غير موجود أو غير مشروع فيسترد المالك ملكه . وقد سبق بيان ذلك عند الكلام في نظرية السبب .

 ( الأمر الثاني ) أن كل هذه الدعاوى تتصل بعقد قائم ما بين المثري والمفتقر ( negotium contractus ) إذ هي في أصلها مشتقة من دعوى الاسترداد في عقد القرض ( mutuum ) ( [3] ) ، فمن أجل ذلك وجب أن تتصل بعقد . ومن ثم لم يكن هناك سبيل للحائز أن يسترد مصروفاته إذ هو لم يرتبط بعقد مع مالك الأرض .

 ( الأمر الثالث ) أن الإثراء في هذه الدعاوى يجب أن يكون قد انتقل مباشرة من مال المفتقر إلى مال المثري دون وساطة أجنبي فإذا تحقق الإثراء عن طريق هذه الوساطة ، وأثرى شخص من وراء عقد لم يكن طرفاً فيه ، فإن الإثراء هنا يكون محلاً للطائفة الأخرى من الدعاوى وهي دعاوى الإثراء بلا سبب .

741 – دعاوى الإثراء بلا سبب : وهذه بدأت في دائرة محدودة هي دائرة التعاقد الذي يتم ما بين شخص وآخر ، يكون تحت السلطة الأبوية ولداً أو تحت سلطة السيد عبداً فإذا أثرى الأب أو السيد من وراء هذا التعاقد دون أن يكون هو طرفاً فيه ، جاز الرجوع عليه بقدر ما أثرى في حدود افتقار من تعاقد مع الولد أو العبد .

ثم اتسعت دائرة هذه الدعاوى ، فشملت التعاقد ما بين شخصين لا يخضع أحد منهما لسلطة ما . فإذا أثرى شخص ثالث من وراء هذا التعاقد جاز الرجوع عليه بدعوى الإثراء ، كشريك تعاقد مع الغير فعاد التعاقد بنفع على الشركة . ولكن ظلت الحالات التي تباح فيها هذه الدعاوى هي أيضاً محددة ، ولم توضع قاعدة عامة تشمل جميع حالات الإثراء بلا سبب .

القانون الفرنسي القديم :

742 – دعاوى استرداد ما دفع دون سبب :لم يعترف هذا القانون بقاعدة الإثراء بلا سبب قاعدة عامة شاملة التطبيق ، وقصر المبدأ على حالات معينة انتقلت إليه من القانون الروماني . واظهر هذه التطبيقات هي دعاوى استرداد ما دفع دون حق ( condictiones sine causa ) ( [4] ) وقد وقع تطور هام في شأن هذه الدعاوى منذ ظهرت نظرية السبب في القانون الفرنسي القديم . فقد ترتب على اعتبار السبب ركنا في العقد أن فقدت دعاوى استرداد ما دفع دون حق الشيء الكثير من أهميتها . إذ كانت في القانون الروماني – وعنده العقود شكلية مجردة كما سبق القول – ذريعة لتلاقي النتائج التي تترتب على هذه الشكلية وهذا التجريد ، فكان المتعاقد يسترد بها ما دفعه دون سبب أو لسبب غير مشروع أما بعد أن اعترف القانون الفرنسي القديم بالسبب ركناً في العقد . فقد أصبح العقد الذي لا سبب له أو الذي يكون سببه غير مشروع عقداً باطلاً . فلم تعد هناك حاجة لدعاوى الاسترداد إلا في الحالات القليلة التي ينفذ فيها العقد رغم بطلانه . أو في الحالات التي يفسح فيها العقد بعد تنفيذه .

743 – دعاوى الإثراء بلا سبب : وبقيت دعاوى الإثراء بلا سبب ( actio de in rem verso ) تباح في بعض حالات الإثراء ولكنها ما لبثت أن اختلطت بدعوى الفضالة وعالج بوتييه الأولي باعتبارها فرعاً عن الثانية . فذكر أنه إذا تولي شخص شؤون غيره ، معتقداً أنه يدبر شؤون نفسه . أو فعل ذلك رغم إرادة رب العمل ، اختل ركن من أركان الفضالة ، فلا تطبق أحكامها كاملة . وتطبق أحكام الفضالة ناقصة ( gestion d affaires anormale ) يقتصر فيها الفضولي على استرداد ما أنفق في حدود ما أثرى به رب العمل يوم رفع الدعوى ( [5] ) .


 ( [1] ) جيرار ( Girard ) موجز القانون الروماني باريس سنة 1924 ص 642 وما بعدها .

 ( [2] ) يشبهها الأستاذ ريبير ( Ripert ) في كتابه ” القاعدة الأدبية فقرة 133 ” بجدول من الماء يجري تحت الأرض ، فليست من القواعد القانونية المحددة ما يشهد بوجوده ، ولكن الجدول لا يظهر فوق الأرض أبداً .

 ( [3] ) أنظر سافيني ( Savigny ) في القانون الروماني ( ترجمة جينو 1851 – 1855 ) . ص 513 – ص 617 – قارن جيرار موجز القانون الروماني باريس سنة 1924 ص 625 وما بعدها .

 ( [4] ) أنظر دوما ( Domat ) ( القوانين المدنية 1 الكتاب الثاني الباب السابع الفصل الأول فقرة ؟؟ ) .

 ( [5] ) أنظر بوتيه ( Pothie ) في باب الوكالة فقرة 182 وفقرة 189 .

نقلا عن محامي أردني

الأساس الذي تقوم عليه المسئولية عن تهدم البناء

الأساس الذي تقوم عليه المسئولية عن تهدم البناء

718 – مسألتان :متى تحققت مسئولية حارس البناء على الوجه الذي تقدم ذكره ، قامت هذه المسئولية على خطأ مفترض في جانب الحارس كما بينا . فنفصل الآن ما هو هذا الخطأ ، والى أي حد هو مفترض .

 1 – ما هو الخطأ

719 – ما الذي يثبته المضرور :تقدم أن حارس البناء عن تهدمه ما لم يثبت أن الحادث لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه .

فالمضرور هو الذي يكلف أولاً بإثبات أمرين :

 ( 1 ) أن الضرر الذي أصابه نجم عن تهدم البناء تهدماً كلياً أو جزئياً . وقد بينا متى ينجم الضرر عن تهدم البناء .

 ( 2 ) أن المدعى عليه هو حارس البناء الذي تهدم . وقد بينا كيف يتحدد حارس البناء .

720 – ما الذي يثبته حارس البناء : فإذا ما أثبت المضرور ذلك ، كان على حارس البناء ، حتى يدفع مسئوليته عن طريق نفي الخطأ ، أن يثبت أن تهدم البناء لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه ( [1] ) .

فإذا لم يستطيع إثبات ذلك افترض القانون أمرين :

 ( أولاً ) أن التهدم سببه إهمال في صيانة البناء أو قدم هذا البناء أو وجود عيب فيه .

 ( ثانياً ) أن هذا الإهمال أو القدم أو العيب منسوب إلى خطأ حارس البناء ، فهو الذي قصر بأن لم يعن عناية كافية بصيانة البناء أو بتجديده أو بإصلاحه ، فترتب على هذا التقصير أن تهدم البناء .

ومن ثم نرى أن مسئولية حارس البناء تقوم على خطأ مفترض في جانبه ، هو الإهمال في صيانة البناء أو في تجديده أو في إصلاحه ، حتى تداعي البناء وتهدم فأصاب الغير بالضرر .

 2 – إلى أي حد هو مفترض

721 – الخطأ المفترض ذو شقين ، أحدهما قابل لإثبات العكس والآخر غير قابل لذلك :هذا الخطأ المفترض في جانب حارس البناء هو كما رأينا ذو شقين ، الشق الأول منه يقوم على أن التهدم سببه إهمال في صيانة البناء أو تجديده أو إصلاحه ، والشق الثاني يقوم على أن هذا الإهمال منسوب إلى خطأ الحارس .

والشق الأول من هذا الخطأ المفترض يقبل إثبات العكس ، أما الشق الآخر فلا يقبل .

وتفصيل ذلك أن حارس البناء يستطيع أن ينفي الشق الأول ، بأن يثبت أن التهدم ليس سببه إهمالاً في صيانة البناء أو في تجديده أو في إصلاحه . وهو يستطيع ذلك بإحدى وسيلتين :إما بإثبات أن البناء لم يكن في حاجة إلى صيانة أو إلى تجديد أو إلى إصلاح ، بل كان الحارس قائماً كما ينبغي بصيانته وتجديده وإصلاحه ، وإما بإثبات أن التهدم كن نتيجة لسبب غير الحاجة إلى الصيانة أو التجديد أو الإصلاح ، كحريق شب في البناء أو متفجرات دمرته أو قنابل ألقيت عليه أو نحو ذلك . فإذا قام بهذا الإثبات ، دفع عن نفسه الخطأ المفترض ووجب تطبيق القواعد العامة ، وتعين على المضروران يثبت خطأ في جانبه ( [2] ) .

أما إذا لم يستطيع أن ينفي الشق الأول ، بقى هذا الشق مفترضاً في جانبه وكذلك يبقي الشق الثاني مفترضاً لأن افتراضه لا يقبل إثبات العكس ، ويعتبر الإهمال في الصيانة أو التجديد أو الإصلاح منسوباً إلى خطته . ولا يستطيع الحارس في هذه الحالة أن يدفع عنه المسئولية إلا بنفي علاقة السببية ما بين تهدم البناء والضرر الذي وقع ، بأن يثبت مثلاً أن زلزالاً كان هو السبب في التهدم وهذه هي القوة القاهرة ، أو أن عدواً مغيراً هو الذي خرب البناء وهذا هو الخطأ الغير ، أو أن المضرور نفسه هو الذي منع حارس البناء من القيام بأعمال الصيانة أو التجديد أو الإصلاح وهذا هو خطأ المضرور .

ولما كان عديم التمييز لا يتصور الخطأ في جانبه ، وكانت مسئولية حارس البناء قائمة على خطأ مفترض ، فحارس البناء لا يجوز أن يكون عديم التمييز .

722 – الخطأ المفترض لا يقوم عند قيام علاقة عقدية : والخطأ المفترض بشقيه لا يقوم حيث توجد علاقة عقدية ما بين حارس البناء والمضرور . فإذا كان المضرور هو مستأجر البناء مثلاً وتهدم البناء فأصابه بالضرر ، رجع المستأجر على المؤجر بمقتضى مسئولية عقدية مصدرها عقد الإيجار ، ولا محل للمسئولية التقصيرية ( [3] ) . وإذا كان المضرور نزيلاً في فندق ، فصاحب الفندق مسئول قبله بمقتضى العقد لا بمقتضى العقد لا بمقتضى مسئولية تقصيرية . وقد قدمنا أن المسئولية العقدية تنفي المسئولية التقصيرية .

أما إذا كان المضرور خادماً لحارس البناء أو تابعاً له ، فإن العقد في هذه الحالة لا يلزم المتبوع بأن يكلف سلامة التابع ، فيكون الحارس مسئولاً قبل التابع بمقتضى المسئولية التقصيرية ، ويقوم الخطأ المفترض على الوجه الذي بيناه .

 المبحث الثالث

 مسئولية حارس الأشياء ( ( [4] ) )

723 – النصوص القانونية تطور المسئولية عن الأشياء :لم يشتمل القانون المدني القديم على نص خاص لتحديد مسئولية حارس الأشياء ، فكانت هذه المسئولية تترك للقواعد العامة . وقد تطورت المسئولية عن الأشياء غير الحية ( choses inanimese ) تطوراً سريعاً منذ بداية القرن العشرين . فقد كانت بادئ الأمر قائمة على أساس وجوب إثبات خطأ في جانب المسئول . ولم يفكر واضعو القانون المدني الفرنسي في تخصيص قاعدة لهذا النوع من المسئولية . بل أن المشروع الفرنسي عند ما قرر المسئولية عن الأشياء في الفقرة الأولي من المادة 1384 ، فنص على أن ” الشخص مسئول . . عن الأشياء التي تكون في حراسته ” ، لم يكن يقصد إلا الحالتين اللتين نص عليهما بعد ذلك ، وهما المسئولية عن الحيوان والمسئولية عن البناء ، بعد أن مهد لهما بهده العبارة العامة . أما سائر الأشياء غير الحيوان والبناء ، فما لا ريب فيه أن المشروع الفرنسي لم يرد أن يستثنيها من القاعدة العامة المقززة لمسئولية الإنسان عن فعله ، وهي القاعدة التي قررها في المادتين 1382و1383 ، فكل ضرر يصيب الغير من شيء يسأل عنه صاحب هذا الشيء إذا أثبت المضرور خطأ في جانبه ، ولا فر ق بين أن يصيب الإنسان غيره بالضرر بفعله المباشر أو بواسطة شيء في يده وقد سار الفقه والقضاء في فرنسا على هذا الرأي وقتاً طويلاً حتى أواخر القرن التاسع عشر .

ولكن النظم الاقتصادية لم تبق على حالها ، بل أحدثت المخترعات الحديثة تطوراً عظيماً ، فقامت الصناعات الكبيرة ووسائل النقل السريعة ، وسخر الإنسان القوي الطبيعة لخدمته ورفاهته ، ولم يبال أن تكون قوى عمياء لا يسيطر عليها كل السيطرة ، فهي إذا ما أفلتت من يده –وكثيراً ما تفلت – لا يلبث أن يكون ضحيتها . وكان لذلك أكبر الأثر في تطور المسئولية عن الأشياء . فإن من يستخدم هذه المخترعات ، فيعرض الأرواح للخطر ، والأموال للتلف ، من الحق أن يكون خاضعاً في المسئولية عن الضرر الذي تحدثه هذه الأشياء لقاعدة اشد من القاعدة التي يخضع لها في مسئوليته عن فعله الشخصي . وإذا بقينا نشترط إثبات خطأ في جانب صاحب الشيء ، فإنه يتعذر على المضرور في أكثر الأحوال إثبات هذا الخطأ . لذلك تلمس الفقه والقضاء في فرنسا طريقاً يجعلان به عبء الإثبات على صاحب الشيء لا على المضرور ، فيتمشى القانون بذلك مع التطور الاقتصادي والحاجات الاجتماعية ، فأخذا يتوسعان في تفسير الفقرة الأولي من المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي ( [5] ) ، فيجعلاها تقرر المسئولية عن الأشياء على أساس خطأ مفترض في جانب من يوجد الشيء في حراسته ( [6] ) .

وعلى هذا الأساس الجديد الذي ينيت عليه المسئولية عن الأشياء – هو الخطأ المفترض في جانب الحارس – بقى في تطور مستمر منذ مستهل القرن العشرين إلى اليوم . فقد كان افتراض الخطأ بادئ الأمر قابلاً لإثبات العكس ، ثم أصبح غير قابل لذلك . وكان الخطأ المفترض مقصوراً على الأشياء المنقولة ، ثم جاوزها إلى العقار . وكان يستثني من دائرة الخطأ المفترض الأشياء التي يحركها عمل الإنسان كالسيارات ونحوها ، ثم عممت القاعدة فشملت جميع الأشياء . وكان هناك تفريق بين الشيء الخطر ، يكون الخطأ فيه مفترضاً والشيء غير الخطر يطلب فيه إثبات الخطأ ، ثم زالت هذه التفرقة . وهكذا أصبحت دائرة الخطأ المفترض تتسع لأي شيء ، منقولاً كان أو عقاراً ، متحركاً بقوته الذاتية أو محركاً بيد الإنسان ، خطراً أو غير خطر . ولم يستبق القضاء الفرنسي إلا معنى ” الحراسة ( garde ) . فهو بيني المسئولية عن الشيء على ” خطأ في حراسته ( faute dans la garde ) . وهذا الخطأ مفترض افتراضاً غير قابل لإثبات العكس . ولا يعرف بين النظريات القانونية نظرية تطورت بالسرعة والخطورة التي تطورت بهما نظرية المسئول عن الأشياء ، فقد انقلبت في بضع عشرات من السنين إلى النقيض مما قصد المشروع . ولا شك في أن المحاكم الفرنسية كان قضاؤها قضاء اجتهاد لا قضاء تفسير ، وهي قد تمشت في ذلك لا مع النصوص القانونية كما قصد إليه المشروع وقت وضع التشريع ، بل مع ما جد من الحاجات الاقتصادية . وأيد الفقه القضاء في ذلك ، وتضافر كلاهما على وضع أسس لنظرية جديدة تكون أكثر انطباقاً على مقتضيات المدنية بعد تطور الصناعة وتقدم المخترعات .

أما في مصر فكانت الحالة في القانون المدني القديم تختلف عنها في فرنسا من حيث النصوص القانونية . فالقانون القديم لم يتضمن نصاً يقابل الفقرة الأولي من المادة 1384 ، وقد رأينا في القضاء الفرنسي قد استند إلى هذا النص في تأسيس نظريته الجديدة في المسئولية عن الأشياء . وقد تضمن القضاء المصري أحكاماً تذهب إلى جعل المسئولية عن الشيء مبينة على خطا مفترض في جانب الحارس ( [7] ) . وبنت أحكام أخرى هذا المبدأ على أساس المسئولية العقدية ( [8] ) ، وقاس بعض الأحكام المسئولية عن الشيء على المسئولية عن الحيوان ( [9] ) . بل هناك من الأحكام المصرية ما ذهب إلى أبعد من هذا ، فقال بنظرية تحمل التبعة دون أن يستند في ذلك إلى نص معين ( [10] ) . ولكن القضاء المصري في مجموعه كان لا يزال يرى أن المسئولية عن الشيء لا تتحقق إلا إذا ثبت خطأ في جانب الحارس ( [11] ) . ولم يكن في الواقع من الأمر مستطيعاً –من حيث النصوص القانونية – أن يجد ما يساعده على دعم نظرية جديدة مثل النظرية التي أخذ بها القضاء الفرنسي ( [12] ) .

فجاء القانون المدني الجديد بالنص المطلوب . وراعي فيه حالة البلاد الاقتصادية ، وحاجات الصناعات الناشئة ، فلم يطلق المسئولية القائمة على خطأ مفترض لتشمل جميع الأشياء ، بل قصرها على الآلات الميكانيكية وعلى الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة . وهي مرحلة من مراحل التطور مر بها القضاء الفرنسي كما رأينا . فنصت المادة 178من هذا القانون على ما يأتي :

 ” كل من تولي حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة أو حراسة آلات ميكانيكية يكون مسئولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر ، ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه . هذه مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة ( [13] ) ” .

وهذه الأحكام التي استحدثها القانون المدني الجديد ليس لها أثر رجعي فهي لا تسري إلا على الحوادث التي تقع ابتداء من 15من شهر أكتوبر سنة 1949 ، أي منذ نفاذ القانون الجديد . والعبرة هنا ، كما في قواعد المسئولية عن البناء ، بتاريخ وقوع الضرر الذي ينجم عن فعل الشيء ، فإذا وقع هذا الضرر في تاريخ سابق على هذا التاريخ فالقانون القديم هو الذي ينطبق ، وإلا فالقانون الجديد .

ونبحث الآن –كما بحثنا في الحالات الأخرى – متى تتحقق مسئولية حارس الأشياء ، وعلى أي أساس تقوم هذه المسئولية ، تطبيقاً للأحكام التي استحدثها القانون المدني الجديد .

 المطلب الأول

 متى تتحقق مسئولية حارس الأشياء

724 – شرطان لتحقق المسئولية :تتحقق المسئولية بتولي شخص حراسة شيء تقتضي حراسته عناية خاصة أو حراسة آلات ميكانيكية ووقوع الضرر بفعل الشيء . فعند ذلك يكون حارس الشيء مسئولاً عن هذا لضرر .

فتحقق المسئولية يستلزم إذن توافر شرطين ( 1 ) أن يتولى شخص حراسة شيء تقتضي حراسته عناية خاصة أو حراسة آلات ميكانيكية ( 2 ) أن يقع الضرر بفعل الشيء .

1 – حراسة شيء تقتضي حراسته عناية خاصة أو حراسة آلات ميكانيكية

725 – تحليل هذا الشرط :لا تتحقق المسئولية إلا إذا تولي شخص حراسة شيء فنبين معنى الحراسة وما هو المقصود بالشيء .

726 – حددنا لحراسة فيما تقدم . فهي ليست في يد مال الشيء ضرورة ، ولا في يد حائزه ، ولا في يد المنتفع به . إنما الحراسة هي السيطرة الفعلية علي الشيء قصداً واستقلالا ، سواء استندت هذه السيطرة إلى حق مشروع أو لم تستند .

والمفروض أن المالك هو حارس الشيء ، وعليه هو ، إذا رفعت ضده دعوى المسئولية ، أن يثبت أن الحراسة خرجت من يده وقت وقوع الحادث ويبقى المالك حارساً حتى لو افلت الشيء من يده ما دام لم يتخل عنه ( abandon ) فإذا ما تخلى عنه وأصبح سائبة ( res nullius ) زالت حراسته ، ولم تنتقل الحراسة إلى أحد وإذا كان المالك قد ملك بعقد بيع ، فالبائع قبل التسليم هو الحارس ، ويصبح الحارس هو المشتري بتسليم الشيء إليه ولو كان عقد البيع باطلاً أو قابلاً للإبطال أو موقوفاً فيه نقل الملكية وتسلم المشتري الشيء فإنه يصبح حارسه ولو لم تنتقل إليه الملكية ، لأن العبرة ليست بالملكية بل بالسيطرة الفعلية . والمالك تحت شرط فاسخ أو واقف يعتبر حارساً ما دامت له السيطرة الفعلية على الشيء .

وقد تنتقل الحراسة من المالك إلى غيره كالمنتفع ( usufruitier ) والمرتهن رهن حيازة والحائز بنية التملك سواء حاز بحسن نية أو بسوء نية ، ما دامت السيطرة الفعلية على الشيء قد انتقلت من المالك إلى وأحد من هؤلاء . فسارق الشيء يعتبر حارساً له ، أما مالك الشيء المسروق فيفقد الحراسة ولا يعتبر مسئولاً بمقتضى الخطأ المفترض ، ثم لا يكون مسئولاً إذا ثبت في جانبه إهمال أدى إلى سرقة الشيء لانقطاع علاقة السببية ما بين هذا الإهمال والضرر . أما المستأجر والمستعير والمودع عنده وأمين النقل فينتقل إليهم الحراسة إذا انتقلت إليهم السيطرة الفعلية على الشيء ، ويغلب أن يقع ذلك في المنقول ( [14] ) .

 والتابع لا يعتبر في العادة حارساً للشيء ، فحارس السيارة هو في الأصل مالكها حتى لو كان لها سائق ، وحتى لو قاد السائق السيارة من غير أن يكون فيها صاحبها فإذا ثبت خطأ في جانب السائق ، أمكنت مساءلة صاحب السيارة إما باعتباره متبوعاً ثبت خطأ في جانب السائق ، لم يبق إلا مساءلة صاحب السيارة باعتباره حارساً . وقد ينتقل المتبوع إلى التابع السيطرة الفعلية على السيارة ، فيصبح التابع في هذه الحالة هو الحارس وفي جميع الأحوال إذا خرج التابع عن تعليمات متبوعة ، وقاد السيارة الشخصية أو استولي عليها دون علم صاحبها ، فإنه يعتبر في هذه الحالة حارساً ويكون مسئولاً بمقتضى خطأ مفترض ، ويكون صاحب السيارة مسئولاً باعتباره متبوعاً . ،

وإذا أودعت السيارة في ” الجاراج ” ، فإن كان صاحب ” الجاراج ” له السيطرة الفعلية عليها فإنه يصبح الحارس ، وإلا فتبقى الحراسة عند صاحب السيارة . وكذلك الأمر إذا ترك صاحب السيارة سيارته في مكان وقوف السيارات تحت رقابة مشرف ، ويغلب في هذه الحالة أن تبقى السيارة في حراسة صاحبها فيما يخرج عن عمل المشرف ( [15] ) . والسيارة إذا سلمت إلى ميكانيكيي لإصلاحها تنتقل في الغالب حراستها إليه ، لأنه يصبح صاحب السيطرة الفعلية عليها . ولا يبقي صاحب السيارة حارساً في هذه الحالة ، إلا إذا أبقى السيارة تحت إشرافه وقت إصلاحها .

ومن يتعلم القيادة لا يكون حارساً للسيارة ، والحارس هو المعلم . وإذا خالف المتعلم إرشادات معلمه وتوجيهاته ، كان هذا خطأ ثابتاً في جانبه . أما الممتحن لمن تعلم القيادة فلا يكون حارساً ، والمتعلم هو الذي يستبقي الحراسة .

727 – الشيء : كل شيء مادي غير حي فيما عدا البناء يدخل في هذا النطاق ما دامت حراسته تقتضي عناية خاصة .

فالأشياء غير المادية والحيوان والبناء لا تدخل في النطاق المتقدم الذكر . وقد سبق تحديد المسئولية عن الحيوان وعن البناء . والمسئولية عن الحيوان لا تختلف في أحكامها من حيث الخطأ المفترض عن أحكام المسئولية عن الأشياء . أما لمسئولية عن البناء فتختلف ، وقد قدمنا أن الخطأ فيه ذو شقين ، أحدهما مفترض افتراضاً قابلاً لإثبات العكس ، والآخر مفترض افتراضاً غير قابل لإثبات العكس . ومن ثم وجب التمييز في الشيء بين ما إذا كان بناء أو غير بناء . فإن كان بناء ، استبعدت أحكام المسئولية عن الأشياء ، وقام خطأ مفترض عناية خاصة ، طبقت أحكام المسئولية عن الأشياء ، وقام خطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس على النحو الذي سنبينه .

ويعتبر شيئاً بالمعني المراد في المادة 178الآلات الميكانيكية إطلاقاً . ولم يشترط القانون في الآلات الميكانيكية أن تتطلب حراستها عناية خاصة كما اشترط ذلك في غيرها ، لأن هذه الآلات تتحرك بمحرك ذاتي ، فافترض القانون لذلك أن حراستها تتطلب دائماً عناية خاصة .

أما غير الآلات الميكانيكية فلا يعتبر شيئاً بالمعنى المراد في المادة 178إلا إذا اقتضت حراسته عناية خاصة ، كما سنرى أن فكرة العناية الخاصة هي فكرة نسبية ، فالشيء الواحد قد تستدعي حراسته عناية خاصة أو لا تستدعي هذه العناية بحسب ما يختلف عليه من وضع .

ويستوي أن يكون الشيء منقولاً أو عقاراً بطبيعته كالأشجار والأرض إذا انخسف والمباني إذا نجم الضرر لا عن تهدمها ، أو عقاراً بالتخصيص كالمصاعد والآلات الزراعية أو الصناعية المخصصة لخدمة مزرعة أو مصنع ولا يدخل الشيء المباح ( res nullius ) ، إذ ليس له حارس يكون مسئولاً عنه .

 2 – وقوع الضرر بفعل الشيء

728 – التدخل الإيجابي :يجب أن يكون الضرر ناشئاً عن فعل الشيء ( fait de la chose ) ولا يكفي في ذلك تدخل الشيء تدخلاً سلبياً . فإذا وقفت عربة في المكان المعتاد للوقوف واصطدمت بها عربة أخرى أو أحد العابرة ، أو كانت شجرة ثابتة في مكانها لم تقتلعها الريح فعثر فيها أحد المارة وأصيب بضرر من ذلك ، أو كانت آلة ميكانيكية ثابتة في مكانها الطبيعي لا تتحرك فاصطدم بها شخص فجرح ، كانت هذه كلها أوضاعاً سلبية للشيء ، ولا يمكن القول في مثل هذه الحالات إ ، الضرر الذي وقع هو من فعل الشيء ، لأن الشيء لم يدخل تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر ، بل كان تدخله سلبياً محضاً .

أما إذا كانت العربة تسير أو كانت واقفة ولكن في غير وضعها الطبيعي ، أو كانت الشجرة قد اقتلعتها الريح فقذفت بها في عرض الطريق ، أو كانت الآلة الميكانيكية في غير مكانها الطبيعي أو كانت تتحرك ، فإن الضرر يكون في هذه الحالات من فعل الشيء ، وقد تدخل إيجابياً في إحداثه .

ويمكن القول إن الشيء تدخل إيجابياً في إحداث الضرر ، إذا كان هذا الشيء في وضع أو في حالة تسمح عادة بأن يحدث الضرر ( [16] ) .

والمفروض ، إذا أحدث الشيء ضرراً ، أن الشيء قد تدخل تدخلاً إيجابياً في إحداثه . والمسئول هو الذي عليه أن يثبت أن الشيء لم يتدخل في إحداث الضرر إلا تدخلاً سلبياً ، فينتقي بذلك افتراض الخطأ ، ولا تتحقق المسئولية إلا بإثبات خطأ في جانب المسئول .

729 – عدم ضرورة الاتصال المادي المباشر :والتدخل الإيجابي لا يستلزم الاتصال المادي المباشر . فقد لا يتصل الشيء اتصالاً مادياً مباشراً بمن وقع عليه الضرر ، ومع ذلك يتدخل تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر . فإذا سارت عربة بسرعة تفوق السرعة المعتادة ففزع أحد المارة ووقع فأصيب بضرر دون أن تمسه العربة ، وإذا وقفت عربة وقوفاً فجائياً وكانت عربة تسير وراءها فاضطرت إلى تفادي الاصطدام بها بأن انحرفت عن الطريق فاصطدمت بشجرة ، وإذا سدت عربة منافذ الطريق على راكب ” موتوسيكل ” فختل توازن الراكب وسقط إلى الأرض ، ففي كل هذه الحالات تدخل الشيء تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر دون أن يمس الشخص أو الشيء المضرور أو يتصل به اتصالاً مادياً مباشراً .

730 – فعل الشيء وفعل الإنسان :وتجب الدقة في التمييز بين فعل الشيء ( fait de la chose ) وفعل الإنسان ( fait de lnhomme ) . ذلك أن المسئولية عن فعل الشيء تقوم على خطأ مفترض ، أما المسئولية عن فعل الإنسان فتقوم على خطأ واجب الإثبات . ومن ثم كان الفرق كبيراً بين المسئوليتين ، ووجب البحث عن معيار للتمييز فيما بينهما .

وقد سار القضاء الفرنسي مراحل متعاقبة في طريقه إلى هذا التمييز ففي المرحلة الأولي كان الضرر يعتبر من فعل الشيء إذا نجم عن فعل ذاتي للشيءfait autonome de la chose ) . ويتحقق ذلك في أحد فرضين : ( 1 ) إذا وقع الضرر من الشيء وهو غير محرك بيد الإنسان . ( 2 ) إذا وقع الضرر من الشيء وهو محرك بيد الإنسان ، ولكن الشيء انطوى على عيب ذاتي كان هو السبب في وقوع الضرر –ولكن هذا المعيار لم يكن مرضياً ، فهو يعتبر الضرر من فعل الإنسان ، ويقضي بوجوب إثبات الخطأ ، في حالة من أشد الحالات حاجة إلى افتراض الخطأ ، وهي حالة ما إذا أحدث سائق السيارة ضرراً وهو يقود السيارة ولم يكن بها عيب ذاتي . فهذه حالة لا تدخل في الحالتين اللتين يعتبر الضرر فيهما من فعل الشيء . فيجب فيها إثبات الخطأ في جانب السائق . وهو أمر متعذر في الكثرة الغالبة من الحوادث ( [17] ) . وقد أخذ القضاء الفرنسي بتذبذب في الأخذ بهذا المعيار وفي تركه . حتى صدر حكم من محكمة النقض الفرنسية صريح في تركه وفي اعتبار الضرر من فعل الشيء حتى لو كان هذا الشيء محركاً بيد الإنسان ولم يكن به عيب ذاتي . فسائق السيارة إذا حدث ضرراً وهو يسوق السيارة يكون مسئولاً بمقتضى خطأ مفترض في جانبه ، لأن السيارة في حاجة إلى الحراسة لما ينجم عنها من الخطر ( [18] ) .

وعلى هذا النحو استبدلت محكمة النقض الفرنسية ، في المرحلة الثانية معياراً بمعيار . وجعلت معيارها الجديد في حكم لها مشهور صدر في 21 فبراير سنة 1927 ( [19] ) ، أن يكون الشيء في ذاته خطراً بحيث يحتاج إلى الحراسة . وهذا المعيار قريب جداً من المعيار الذي أخذ به القانون المصري الجديد ، حيث يقول في المادة178 : ” كل من تولي حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة أو حراسة آلات ميكانيكية… ( ( [20] ) ” وبقى معيار ” الشيء الخطر ” تتداوله الفقهاء والمحاكم لتأييده أو لتنفذه ، وظل الأمر كذلك مدة قصيرة ، حتى طلعت محكمة النقض الفرنسية في دوائرها المجتمعة بحكم مشهور صدر في 13 فبراير سنة 1930 ( [21] ) ، قضت فيه على معيار ” الشيء الخطر ” فلم تردده أسباب حكمها ، بل ربطت المسئولية القائمة على خطأ مفترضة بفكرة الحراسة ( a la garde de la chose ) ، لا بالشيء ذاته خطراً كان أو غير خطر .

فأخذ الفقهاء ، في مرحلة ثالثة ، يحللون فكرة الحراسة . وذهب الأستاذان مازو إلى التمييز بين الحراسة المادية ( garde materielle ) والحراسة القانونية ( gard juridique ) . فالحراسة المادية هي السيطرة الفعلية على الشيء ، أما الحراسة القانونية فتوجد حيث يوجد التزام قانوني بالمحافظة على الشيء وبمنعه من أن يكون مصدراً ضرر للناس . ومن ثم يكون السارق قد استولى على الحراسة المادية دون الحراسة القانونية ، ويستبقي صاحب الشيء المسروق الحراسة القانونية ، فيكون ، هو دون السارق ، المسئول عن الشيء المسروق .

ثم عدل الأستاذان مازو عن هذا الرأي ، في المرحلة الرابعة وهي المرحلة الحالية ، بعد أن أصدرت محكمة النقض الفرنسية في دوائرها المجتمعة ، في 2ديسمبر سنة 1941 ( [22] ) ، حكماً آخر لا يقل أهمية عن الحكم المتقدم ، قالت فيه أن السارق يعتبر حارساً للشيء المسروق ، ويكون مسئولاً عما يحدثه هذا الشيء من الضرر بنا على خطأ مفترض في جانبه . واعتبر الأستاذان مازو والجمهرة من الفقهاء أن حراسة الشيء ، كحراسة الحيوان ، هي السيطرة الفعلية على الشيء والقدرة على التصرف في أمره ، مشروعة كانت هذه السيطرة أو غير مشروعة . ومالك الشيء إذا كان حائز له يعتبر حارساً لأن له السيطرة الفعلية عليه ، وهي سيطرة مشروعة . ويرتب الأستاذان مازو على هذا التحليل أن الضرر يعتبر من فعل الشيء إذا كان الشيء قد أحدث الضرر وهو مفلت من زمام حارسه ذلك أن الحارس ما دام قابضاً على زمام الشيء ، فكل ضرر يحدث يعتبر من فعله لا من فعل الشيء ، ولا يكون مسئولاً في هذه الحالة إلا إذا اثبت خطأ في جانبه . أما إذا أفلت الشيء لا من فعل الحارس ويكون هذا مسئولاً بمقتضى خطأ مفترض ( [23] ) . وعندما يطبق الأستاذان معيارهما الجديد ، ” إفلات زمام الشيء من سيطرة الحارس ” ، يذهبان إلى أن الشيء إذا أحدث ضرراً ، فالمفروض أن زمامه قد أفلت من يد الحارس وان الضرر قد حدث بفعل الشيء ، ما لم يكن الحارس قد وجه الشيء قصداً إلى إحداث الضرر ، فهنا يعتبر الضرر قد حدث بفعل الحارس ( [24] ) . ومن ثم فكل ضرر يحدث بتدخل إيجابي من الشيء ، ولم يكن مقصوداً من حارسه . يعتبر أنه قد حدث ” بفعل الشيء ( [25] ) ” .

731 – القانون المدني الجديد :والقانون المدني الجديد ربط الخطأ المفترض بحراسة الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة ، وفرض أن الآلات الميكانيكية تتطلب حراستها عناية خاصة دائماً .

لذلك لسنا في حاجة إلى إجهاد النصوص لتحديد الفكرة التي يقوم عليها الخطأ المفترض في المسئولية عن الأشياء في القانون الجديد . فهذا الخطأ المفترض يقوم على فكرة ” العناية الخاصة ” التي تتطلبها حراسة الشيء . ولا يجوز اعتبار أن الضرر قد حدث بفعل الشيء إلا في حالتين : ( الأولي ) أن يكون هذا الشيء آلة ميكانيكية تدخلت تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر ، أي كانت في وضع أو في حالة تسمح عادة بأن يحدث الضرر . ( والثانية ) أن يكون هذا الشيء ليس آلة ميكانيكية ولكن حراسته تقتضي عناية خاصة . وهذا أقرب ما يكون إلى المعيار ” الشيء الخطر ” كما قدمنا . فإذا كان الشيء في حراسة شخص ، وكانت هذه الحراسة تقتضي عناية خاصة بالنسبة إلى طبيعة هذا الشيء أو بالنسبة إلى ظروفه وملابساته ، ثم أحدث الشيء ضرراً ، فإنه يقترض أن الحارس قد قصر في بذل هذه العناية الخاصة حتى أفلت زمام الشيء من يده ، فأحدث الضرر . أما إذا كانت الحراسة لا تقتضي عناية خاصة ، فلا يفرض أن الحارس قد قصر في بذل العناية الواجبة ، بل يجب على المضرور أن يقيم الدليل على هذا التقصير .

يبقى بعد ذلك أن نعرف متى تحتاج حراسة الشيء إلى عناية خاصة؟ قدمنا أنه يجب في ذلك الرجوع إلى طبيعة الشيء ، ثم إلى ظروفه وملابساته . ويترتب على ذلك أنه متى كانت طبيعة الشيء تقتضي عناية خاصة قام الخطأ المفترض . على انه يلاحظ أن الآلات الميكانيكية ، كالسيارات والآلات الزراعية والصناعية والقاطرات البخارية والكهربائية والسفن البخارية والأسلحة النارية والمصاعد ، يفرض القانون بالنص أن حراستها تحتاج إلى عناية خاصة ، نظراً لطبيعتها ولما ركب فيها من محرك ذاتي ( dynamisme propre ) وليست الآلات الميكانيكية وحدها هي التي تحتاج حراستها إلى عناية خاصة نظراً لطبيعتها . بل توجد أشياء أخرى غير ميكانيكية تقتضي طبيعتها أن تكون في نفس الوضع . مثل ذلك الأسلحة غير الميكانيكية على اختلاف أنواعها والأسلاك الكهربائية والمواد الكيماوية والأدوية الطبية والزجاج والمصابيح والفؤوس والمناجل والمفرقعات وما إلى ذلك ( [26] ) .

على أن الشيء قد لا تقتضي حراسته عناية خاصة بالنظر على طبيعته ، ولكن الظروف والملابسات التي وجد فيها تجعل هذه الحراسة في حاجة إلى عناية خاصة فعربة الركوب والشجرة والسلم والحبل والرمال والصخر ، كل هذه ليست أشياء خطرة بطبيعتها ، ولكن قد تصبح خطرة في ظروف معينة فعربة الركوب بالنسبة إلى المشاة شيء خطر ، وهي ليست كذلك بالنسبة إلى السيارات والشجرة ليس ت خطرة ما دامت في وضعها الطبيعي ، فإذا اقتلعتها الريح ورمت بها في عرض الطريق أصبحت شيئاً خطراً . والسلم يصبح خطراً إذا دهن بمادة لزجة تجعل الانزلاق عليه أمراً محتملاً . والحبل قد يصبح خطراً إذا جعل في وضع بحيث ترتطم به الناس . وهذا هو الشأن في الرمال إذا انهالت ، وفي الصخر إذا انحدر ( [27] ) .

ومن ذلك نرى أن الشيء تقتضي حراسته عناية خاصة إذا كان خطراً بطبيعته أو كان خطراً بملابساته . وهو يصبح خطراً بملابساته إذا كان في وقع أو في حالة تسمح عادة بأن يحدث الضرر ، أي إذا تدخل تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر . وهنا يتلاقى القضاء الفرنسي مع نصوص القانون المصري الجديد ( [28] ) .

 المطلب الثاني

 على أساس تقوم مسئولية حارس الأشياء

732 – مسألتان : متى تحققت مسئولية حارس الشيء على النحو الذي قدمناه ، قامت هذه المسئولية على خطأ مفترض في جانب الحارس فنبين الآن ما هو هذا الخطأ ، والى أي حد هو مقترض .

 ما هو الخطأ

733 – خطأ في الحراسة : الخطأ المفترض في جانب الشيء ، كالخطأ المفترض في جانب حارس الحيوان ، هو خطأ في الحراسة ( faute dans la gar4de ) . فإذا ألحق الشيء ضرراً بالغير ، كان المفروض أن زمام هذا الشيء قد أفلت من يد حارسه ، وهذا هو الخطأ .

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الخطأ في الحراسة بهذا التفسير هو خطأ اقرب إلى الصنعة منه إلى الحقيقة ، فهو خطأ موهوم ، اخترعه الصياغة القانونية ليخفي تحته الواقع ، إذ المسئول قد أقحم عليه الخطأ إقحاماً ، وفرض عليه فرضاً لا يستطيع التملص منه . والأولي أن يقال أن المسئولية هنا قد فرضها القانون ، وأقامها على أساس من تحمل التبعة . ذلك أن المسئول هو الذي القي إلى المجتمع بشيء يصح أن يكون مصدراً للضرر ، وانتفع به ، فإذا وقع الضرر فعلاً وجب أن يتحمل تبعته ( [29] ) . والرد على نظرية تحمل التبعة هنا هو عين الرد على هذه النظرية في المسئولية عن الحيوان . فلا يمكن القول إن أساس المسئولية عن الشيء هو تحمل التبعة ، وإلا لكان المسئول هو المنتفع بالشيء لا الحارس ، ولما جاز دفع المسئولية بإثبات السبب الأجنبي .

734 – ما الذي يثبته المضرور :والمضرور لا يكلف إثبات الخطأ لأنه مفترض ، ولكنه يكلف إثبات الشروط التي تتحقق بها مسئولية حارس الأشياء . فيجب عليه أن يثبت أولاً أن المدعي عليه هو حارس الشيء الذي أحدث الضرر ، والمفروض هنا أن الحارس هو المالك ، إلى أن يثبت المالك أن حراسة الشيء قد خرجت من يده إلى يد شخص آخر وقت وقوع الضرر ، وعندئذ يكون هذا الشخص هو المسئول . ويجب على المضرور أيضاً أن يثبت أن الضرر قد وقع بفعل شيء تقتضي حراسته عناية خاصة أو بفعل آلة ميكانيكية ، والمفروض كما قدمنا أن الشيء قد تدخل تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر ، إلى أن يقيم الحارس الدليل على أن التدخل لم يكن إلا سلبياً

 2 – إلى أي حد هو مفترض

735 – الافتراض لا يقبل إثبات العكس : الخطأ هنا مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، كالخطأ المفترض في جانب حارس الحيوان .

فلا يجوز إذن للحارس أن ينفي الخطأ عن نفسه بأن يثبت أنه لم يرتكب خطأ أو أنه قام بما ينبغي من العناية حتى لا يفلت زمام الشيء من يده وقد كان القضاء الفرنسي في أولي مراحل تدرجه يجعل الخطأ مفترضاً افتراضاً قابلاً لإثبات العكس ، ويجيز للحارس أن ينفي الخطأ . ثم تدرج إلى جعل افتراض الخطأ غير قابل لإثبات العكس ، فلم يعد الحارس يستطيع أن ينفي الخطأ عن نفسه ( [30] ) .

وقد كانت هذه المسألة هي الميدان الذي هاجم فيه أنصار نظرية تحمل التبعة نظرية الخطأ المفترض . فقد اعترضوا كما رأينا على فكرة الخطأ المفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، وقالوا إن الخطأ إذا افترض وجب أن يكون الافتراض قابلاً لإثبات العكس . ذلك أن الحارس إذا استطاع أن يقيم الدليل على أنه لم يرتكب خطأ ، فإلصاق الخطأ به بالرغم من ذلك ليس إلا تحايلاً لإقامة المسئولية على أساس خطأ وهمي لا وجود له بعد أن أقام الدليل على نفيه . وهذا ما دعا محكمة النقض الفرنسية إلى أن تتحدث ، في حكمها الذي أصدرته في دوائرها المجتمعة في 13فبراير سنة 1930 ، عن ” افتراض المسئولية ” ( presomption de responsabilite ) ، لا عن ” افتراض الخطأ ( presomption de faute ) ويرد الأستاذان مازو على هذا الاعتراض بأن الخطأ الذي قامت عليه مسئولية حارس الشيء هو خطأ في الحراسة . والأصل في ذلك أن كل حارس يلتزم قانوناً بألا يجعل زمام الشيء يفلت من يده حتى لا يصاب أحد بضرر . وهذا الالتزام هو التزام بتحقيق غاية ( obligation de resultat ) ، لا التزام ببذل عناية ( obligation de moyen ) فإذا افلت زمام الشيء من يد حارسه ، فقد وقع الخطأ ، ولا سبيل بعد ذلك إلى نفيه بإثبات العكس ( [31] ) .

ونقرر هنا ما قررناه في المسئولية عن الحيوان من أن افتراض الخطأ إنما يقوم في العلاقة ما بين الحارس والمضرور . وقد قدمنا أن المضرور هو الذي ينتفع بهذا الافتراض ولا يضار به ، فلا يجوز أن يحتج به عليه . كذلك لا يقوم افتراض الخطأ إذا أحدث الشيء الضرر لذاته ( [32] ) . وقد تجتمع مسئولية حارس الشيء مع مسئولية المتبرع في شخص وأحد . فإذا كان مالك الشيء قد دفعه إلى تابعه واحتفظ بالحراسة ، وألحق الشيء ضرراً بالغير ، فإن المالك هنا يكون مسئولاً بأحد اعتبارين :إما باعتباره حارساً فيكون الخطأ مفترضاً في جانبه ، وإما باعتباره متبوعاً فيجب إثبات الخطأ في جانب التابع حتى يقوم الخطأ المفترض في جانب المتبوع والخطأ المفترض لا يقوم حيث توجد علاقة عقدية ما بين الحارس والمضرور . فأمين النقل وهو مسئول بالعقد عن سلامة الراكب ، والطبيب وهو ملتزم بالعقد أن يبذل العناية الواجبة في علاج المريض ، لا يكونان مسئولين مسئولية تقصيرية بمقتضى خطأ مفترض ، بل هما مسئولان بمقتضى العقد مسئولية عقدية ، وقد مر بيان ذلك وإذا قام عقد بين التابع والمتبوع يرتب التزاماً على المتبوع بضمان سلامة التابع ، وأصاب شيء في حراسة المتبوع التابع بالضرر ، كانت مسئولية المتبرع مسئولية عقدية ، لا مسئولية تقصيرية ، فإن كان العقد لا يرتب التزاماً بضمان سلامة التابع ، أو لم يوجد عقد أصلاً بين التابع والمتبوع ، كان المتبوع مسئولاً مسئولية تقصيرية تقوم على خطأ مفترض .

وحارس الشيء كحارس الحيوان لا يجوز أن يكون عديم التمييز ، لأن مسئوليته تقوم على الخطأ ، وعديم التمييز لا يتصور الخطأ في جانبه .

736 – جواز نفي المسئولية بنفي علاقة السببية :ولما كان حارس الشيء لا يستطيع أن يدفع المسئولية عن نفسه بنفي الخطأ على النحو الذي بيناه ، لم يبق أمامه لدفع المسئولية إلا أن ينفي علاقة السببية بين فعل الشيء والضرر الذي وقع . وهو لا يستطيع نفي العلاقة السببية هذه إلا إذا أثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي : قوة قاهرة أو حادث مفاجئ أو خطأ المصاب أو خطأ الغير . وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 178إذ تقول : ” …ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لايد له فيه ” . ثم ينتهي النص بهذه العبارة : ” هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة ” . ومن أهم هذه الأحكام الخاصة ما سبق أن ذكرناه من مسئولية رب العمل عن حوادث العمل ، فهي مسئولية لا تقوم على خطأ مفترض ، بل تقوم على أساس تحمل التبعة .


 ( [1] ) أما في القانون المدني الفرنسي ، فقد قدمنا أن المضرور هو الذي يجب عليه أن يثبت في جانب مالك البناء إهمالاً في الصيانة أو عيباً في البناء . فالإهمال في الصيانة أو العيب في البناء غير مفترض في القانون الفرنسي ، بل يجب على المضرور إثباته . وهو في القانون المصري الجديد مفترض إفتراضاً قابلاً لإثبات العكس ، وحارس البناء هو الذي يثبت أن تهدم البناء لا يرجع سببه إلى ذلك كما رأينا .

 ( [2] ) لكن إذا ثبت أن التهدم وقع في أثناء القيام بهدم البناء أو بإصلاحه ، فإن كان التهدم راجعاً إلى إهمال في الصيانة أو إلى قدم في البناء أو إلى عيب فيه ، تحققت المسئولية بمقتضى الخطأ المفترض . أما إذا كان التهدم لم يقع إلا نتيجة للهدم أو للإصلاح ، وجب تطبيق القواعد العامة وإثبات الخطأ في جانب المسئول .

 وقد قدمنا أن البناء إذا شبت حريق فيه أو خربته متفجرات أو قنابل ، وبقى مخرباً ، ثم تهدم بعد ذلك ، قامت المسئولية على الخطأ المفترض . أما إذا تهدم البناء فوراً بشبوب الحريق أو بفعل المتفجرات أو القنابل ، لم تقم المسئولية على خطأ مفترض ، بل طبقت القواعد العامة ، ووجب إثبات الخطأ في جانب المسئول .

 ( [3] ) أنظر عكس ذلك الأستاذ مصطفى مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 278 – فقرة 282 – وما أورده من أحكام القضاء المصري . وأنظر عكس ذلك أيضاً : استئناف مختلط في 20 فبراير سنة 19؟؟ م 14 ص 154 – وفي 24 مارس سنة 1904 م 16 ص 172 – وفي 5 يونية سنة 1955 م 35 ص 485 – وفي 0 يناير سنة 1924 م 36 ص 140 .

 ( [4] ) بعض المراجع : سالي في حوادث العمل والمسئولية المدنية ( سنة 1897 ) – جوسران في المسئولية عن فعل الشيء ( سنة 1897 ) والوجيز 3 فقرة 529 – فقرة 555 – بلانيول دراسات في المسئولية ( المجلة الانتقادية سنة 1906 ص 80 ) – مازو 2 فقرة 1138 – فقرة 1368 – جودميه في تطور جديد في نظرية المسئولية المدنية ( المجلة الفصلية 1927 من 893 ) – بالنيول وريبير وغسمان 1 فقرة 612 – فقرة 625 – كولان وكابيتان ولامورانديير 2 فقرة 366 – فقرة 379 – بالنيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 1042 – فقرة 1083 – الرسائل : بيزييه ( pisier ) باريس 1899 – بونيه ( Bonnet ) بواتييه 1908 – فيتري ( vitry ) ليل 1922 – توزان ( tauzin ) باريس 1925 – بيسون ( besson ) ديجون 1927 – ديلا كرواه ( Delacroix ) تولوز 1928 – ليسيو ( luceo ) رن 1928 – كورني ( Cornu ) مونبيليه 1929 – كاهيرن ( Caherne ) رن 1929 – لارتيج ( Lartige ) تولوز 1931 – الدكتور برسوم القاهرة 1931 – جربوي ( Gerbouille ) باريس 1932 – ليبمان ( Libmann ) استراسبورج 1933 – بيشيه ( Biechet ) ديجون 1933 – دافيد ( David ) ليل 1934 – فورز ( Forse ) مونبلييه 1936 – لاردنواه ( Lardonnois ) نانسي 1936 – بينيكس ( Beineix ) باريس 1937 – فيزيل ( Fiezel ) باريس 1937 – سن ( Sen ) باريس 1939 – لانديل ( Landelle ) رن 1940 – ليفبفر ( Lefebvre ) باريس 1941 – جولدمان ( Goldman ) ليون 1947 – الموجز للمؤلف فغقرة 363 – فقرة 372 – الأستاذ مصطفى مرعى بك في المسئولية المدينة فقرة 309 – فقرة 317 – الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 5620 – فقرة 526 – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 113 – فقرة 121 .

 ( [5] ) قبل أن يتوسع الفقه والقضاء في فرنسا في تفسير الفقرة الأولى من المادة 1384 توسلاً بطريقين آخرين : ( 1 ) الطريق الأول هو تطبيق المسئولية العقدية على حوادث العمل وحوادث النقل ، وهذه هي أكثر الحوادث شيوعاً . أما عن حوادث العمل ، فقد كانت المحاكم الفرنسية تقضي ، قبل صدور تشريع سنة 1898 ، بأن العامل المصاب يجب أ ، يثبت خطأ في جانب رب العمل حتى ينال تعويضاً . ولما كان الإثبات في أكثر الأحوال متعذراً ، فقد كان العامل هو الذي يتحمل الخسارة وحده ، وقلما كان ينجح في دعوى التعويض التي يرفعها على صاحب المصنع . فقام فقيهان ، أحدهما في فرنسا ( Sauzet ) والآخر في بلجيكا ( Sainctelette ) ، يذهبان إلى أن مسئولية رب العمل نحو العامل مسئولية عقدية ، لأنه التزم بمقتضى عقد العمل أن يحافظ على سلامة العامل من مخاطر العمل ، فإذا أصيب العامل التزم رب العمل أن يعوضه عن الضرر الذي أصابه ، إلا إذا أثبت أن الإصابة لا ترجع إلى خطأ في جانبه ، وبذلك يتحمل رب العمل لا العامل عبء الإثبات . وقد صادفت هذه النظرية نجاحاً في الفقه ، فتبعها بعض الفقهاء ، إلا أن القضاء لم يأخذ بها . ثم صدر بعد ذلك تشريع سنة 1898 فعدمت المسألة أهميتها العملية . أما عن عقد النقل ، فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن المادة 1784 من القانون المدني الفرنسي ، التي تجعل أمين النقل مسئولاً عن تلف البضائع ما لم يثبت أن تفها كان قضاء وقدراً أو بقوة قاهرة ، يمكن تطبيقها على نقل الأشخاص ، فإذا أصيب شخص بضرر في أثناء النقل كان أمين النقل مسئولاً ، ويقع عبء الإثبات عليه إذا أراد الخلاص من المسئولية ، ذلك أنه التزم بالعقد أن يحافظ على سلامة المتعاقد معه . ولكن القضاء الفرنسي لم يأخذ في أول الأمر بهذا المذهب وغن كان قد أصبح يميل إليه في أكثر أحكامه ( ب ) والطريق الثاني هو التوسع في تفسير المادة 1386 ، فقد أخذ القضاء الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر يتوسع في تفسير كلمة ” البناء ” ، فأدخل فيه الشجر والآلات بل والمنقولات الأخرى ، وأصبح صاحب الشيء – عقاراً كان أو منقولاً – بعد هذا التفسير مسئولاً عنه بمجرد أن يثبت المصاب عيباً في الشيء أو نقصاً في تعهده ، قياساً على البناء . ولا خلاص من المسئولية إلا إذا ثبت أن الحادث قد وقع قضاء وقدراً أو بقوة قاهرة أو بفعل الغير أو بخطأ المصاب ، فصار عبء الإثبات على صاحب الشيء . غير أن هذا التفسير يتناقض تناقضاً صريحاً مع نص المادة 1386 ، فهي تذكر ” البناء ” و ” التهدم ” ، والفرق كبير بين هذا وبين ما فسر به النص مما تقدم ذكره . لذلك لم يثبت القضاء الفرنسي طويلاً على هذا التفسير ، وعدل عنه إلى متابعة الفقهاء الذين وجدوا في الفقرة الأولى من المادة 1384 تكئة يستندون إليها في تقرير المسئولية عن الأشياء .

 ( [6] ) وقد حاول بعض الفقهاء في فرنسا أن يصوغ من نص الفقرة الأولى من المادة 1384 نظرية عامة يحمل فيها صاحب الشيء تبعته ( theoriedes risques ) دون أن تستند المسئولية في ذلك إلى أي خطأ ، ولو كان هذا الخطأ مفتراَ . وفي مقدمة هؤلاء الفقهاء سالي ( Saleilles ) وجوسران ( josserand ) ، ولكن القضاء لم يتمش إلى هذا الحد ، بل استمر يرى أساس المسئولية عن الأشياء خطأ في جانب الحارس .

 ( [7] ) محكمة استئناف مصر الوطنية في 10 أبريل سنة 1927 المجموعة الرسمية 28 رقم 59 – وفي 28 أكتوبر سنة 1929 المحاماة 10 ص 154 – وفي 22 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 رقم 218 ص 435 – وفي 7 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 374 ص 760 – محكمة الاستئناف المختلطة في 2 يناير سنة 1914 م 26 ص 160 – وفي 26 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 59 – وفي 12 ديسمبر سنة 1940 م 53 ص 37 – وفي 29 يناير سنة 1941 م 53 ص 75 .

 ( [8] ) استئناف مختلط في 14 يونية سنة 1899 م 11 ص 280 – وفي 3 يونية سنة 1903 م 15 ص 335 – محكمة اللبنان الجزئية الوطنية في 21 فبراير سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 رقم 93 / 1 .

 ( [9] ) محكمة استئناف أسيوط في 11 ديسمبر سنة 1928 المحاماة 9 رقم 146 ص 244 .

 ( [10] ) محكمة مصر الكلية الوطنية في 26 مايو سنة 1927 المحاماة 8 رقم 367 ص 560 محكمة الزقازيق الكلية في 9 أبريل سنة 1929 المحاماة 10 رقم 88 ص 169 ( وقد خلط هذا الحكم بين الخطأ المفترض ومذهب تحمل التبعة ) . وأنظر أيضاً محكمة مصر الكلية المختلطة في 14 يونية سنة 1927 جازيت 18 رقم 295 ص 233 – وفي 17 يونية سنة 1929 جازيت 20 رقم 188 ص 195 .

 ( [11] ) استئناف وطني في 20 فبراير سنة 1894 الحقوق 9 ص 4 – وفي 19 يناير سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 5 ص 10 – وفي 29 مارس سنة 1908 الحقوق 24 ص 50 – وفي 29 ديسمبر سنة 1926 المجموعة الرسمية 28 رقم 128 ص 247 – وفي 28 مايو سنة 1930 المحاماة 11 رقم 90 ص 149 – وفي 24 ديسمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 548 ص 1104 .

ولكن القضاء المصري كان يتساهل كثيراً في استخلاص الخطأ من الوقائع . وقد جاء في الموجز للمؤلف ( فقرة 372 ص 378 ) في هذا المعنى ما يأتي : ” فالقضاء المصري يتشدد في إلزام من يكون الشيء في حراسته باليقظة والانتباه ( استئناف وطني في 19 مايو سنة 1914 الشرائع 1 ص 246 – وفي 28 أبريل سنة 1915 الحقوق 32 ص 11 – استئناف مختلط في 15 فبراير سنة 1911 م 23 ص 180 – وفي 17 نوفمبر سنة 1920 م 33 ص 20 – وفي 25 نوفمبر سنة 1926 م 39 ص 41 – وفي 19 مايو سنة 1927 م 39 ص 491 – وفي 13 مارس سنة 1930 م 42 ص 358 ) – ثم هو يتساهل في تخفيف عبء الإثبات على المصاب ( استئناف مختلط في 28 أبريل سنة 1927 م 39 ص 415 – وفي 25 أكتوبر سنة 1928 م 41 ؟؟؟ القانونية التي يقيمها القضاء الفرنسي قرينة قضائية يستخلصها من وقائع الدعوى ( استئناف مختلط في 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 34 – وفي 8 مايو سنة 1930 جازيت 20 رقم 184 ص 169 ) ” وأنظر أيضاً في هذا المعنى : استئناف مصر الوطنية في 29 مايو سنة 1934 المحاماة 15 رقم 156 / 2 ص 326 – وفي 10 فبراير سنة 1935 المحاماة 16 رقم 408 ص 892 – وفي 9 نوفمبر سنة 1938 المحاماة 19 رقم 335 ص 824 – وفي 16 نوفمبر سنة 1938 المحاماة 19 رقم 345 ص 841 – استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1908 م 20 ص 276 – وفي 4 مايو سنة 1910 م 22 ص 288 – وفي 8 فبراير سنة 1911 م 23 ص 59 – وفي 15 فبراير سنة 1991 م 23 ص 180 – وفي 28 يناير سنة 1925 م 37 ص 188 – وفي 10 يناير سنة 1940 م 52 ص 93 – وفي 29 مايو سنة 1946 م 59 ص 5 – وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا قضت محكمة الموضوع بإلزام وزارة الأشغال العمومية بتعويض الضرر الناشئ عن الخلل الذي أحدثه في منزل المدعى تسرب المياه إلى نتيجة كسر أنبوبتها ، وأسست تقريرها خطأ الوزارة على تقصيرها في مراقبة الأنابيب وملاحظتها وتعهدها في باطن الأرض والكشف عليها من آن لآخر للتأكد من سلامتها ودوام صلاحيتها ، فهذا الحكم لا يكون قد أخطأ في تطبيق القانون ( نقض مدني في 17 أبريل سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 185 ص 398 ) .

ومهما يكن من أمر ، فإن القضاء المصري كان يصرح بوجوب إثبات الخطأ . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن القانون المدني المختلط لا يعرف لا المسئولية المادية ولا المسئولية القائمة على خطأ مفترض عن الأشياء غير الحية ( استئناف مختلط في 8 مايو سنة 1930 م 42 ص 486 ) ، وقضت أيضاً بأن المسئولية عن الأشياء غير الحية لا تقوم على خطأ مفترض ، بل يجب على المضرور إثبات الخطأ ، وتقوم القرائن القضائية مقام القرائن القانونية ( استئناف مختلط في أول مايو سنة 1901 م 13 ص 269 – وفي 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 34 ) . وكان لابد من إثبات خطأ في المسئولية عن الحريق ( استئناف مختلط في 5 يناير سنة 1893 م 5 ص 161 – وفي 20 مايو سنة 1914 م 26 ص 390 – وفي 11 أبريل سنة 1917 م 29 ص 362 – وفي 23 أكتوبر سنة 1918 م 31 ص 1 ) ، وهذا هو أيضاً ما نص عليه قانون 7 نوفمبر سنة 1922 في فرنسا ، أما في القانون المدني الجديد في مصر فالمسئولية عن الأشياء التي تحتاج حراستها إلى عناية تقوم على خطأ مفترض حتى لو كان الضرر قد نجم عن الحريق . وكان لابد من إثبات خطأ أيضاً في المسئولية عن السيارات ومركبات النقل ( استئناف مختلط في أول ديسمبر سنة 1927 م 40 ص 64 – وفي 20 يونية سنة 1929 جازيت 20 رقم 192 ص 181 – وفي 14 نوفمبر سنة 1929 جازيت 20 رقم 193 ص 182 – وفي 28 نوفمبر سنة 1929 جازيت 20 رقم 192 ص 180 – وفي 20 فبراير سنة 1930 م 42 ص 306 – وفي 13 مارس سنة 1930 م 42 ص 358 – وفي 27 مارس سنة 1930 جازيت 20 رقم 192 ص 181 ) .

 ( [12] ) وقد جاء في هذا المعنى في الموجز للمؤلف ما يأتي : ” ولكن القضاء المصري في مجموعه – أهلياً كان أو مختلطاً – لا يزال يرى أن المسئولية عن الشيء لا تتحقق إلا إذا ثبت خطأ في جانب الحارس . فهو لا يزال في الحالة التي كان عليها القضاء الفرنسي قبل تطوره الأخير في أواخر القرن التاسع عشر . وهو في الواقع من الأمر لا يستطيع – من حيث النصوص القانونية – أن يجد ما يساعده على تدعيم نظرية جديدة مثل النظرية التي أخذ بها القضاء الفرنسي . بل هو ليس في حاجة – في الوقت الحاضر – إلى هذه النظرية الجديدة . فالظروف الاقتصادية في مصر تختلف عنها في فرنسا : الصناعة لا تزال في عهد الطفولة ، والآلات الميكانيكية لم تبلغ من الكثرة ما يجعلها خطراً داهماً على الحياة الاجتماعية ، بل إن الصناعة الناشئة في مصر تتطلب في أول عهدها أن تشجع ، لا أن يثقل القضاء كاهلها بالتشدد في مسئولية أصحاب المصانع ، سيما أن تشديد المسئولية يقتضي تقدم نظام التأمين ، حتى تستطيع أصحاب المصانع أن تواجه ما تفاجأ به من خسارات فادحة تترتب على هذا التشديد . على أنه إذا وجد في حالة مصر الاقتصادية ما يستدعي التشديد في المسئولية عن الأشياء ، إما لحماية طائفة مستضعفة هي طائفة العمال ، أو لدرء الخطر من ازدياد وسائل النقل وتكاثر السيارات وغيرها ، فإن القضاء المصري قد عالج الأمر في جزم وحكمة ، فاستعاض عن القرينة القانونية التي قال بها القضاء الفرنسي بقرينة قضائية ، أسرع ما يكون إلى استخلاصها إذا كانت الظروف تستدعي ذلك ” ( الموجز للمؤلف فقرة 366 ص 372 ) .

 ( [13] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 247 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” كل من تولى حراسة آلات ميكانيكية أو أشياء أخرى تتطلب حراستها عناية خاصة يكون مسئولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر ، ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه . هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة ” . وقد أقرت لجنة المراجعة المادة على أصلها ، وأصبح رقمها 183 في المشروع النهائي . ووافق عليها مجلس النواب . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، قررت الأغلبية في أول الأمر حذف المادة اكتفاء بما تقرره القواعد العامة والأحكام الخاصة في قوانين العمل . ثم رأت اللجنة بعد ذلك أن تنتقل إلى النقيض من موقفها الأول ، فعدلت النص على الوجه الآتي : ” يكون الشخص مسئولاً عن الأضرار الناشئة عن الأشياء الواقعة ف حراسته إلا إذا أثبت أن وقوع الضرر كان بخطأ المضرور أو بفعل الغير أو بقوة قاهرة أو حادث فجائي ، هذا مع عدم الإخلال بما ورد في ذلك من أحكام خاصة ” . فجعلت النص عاماً ينصرف إلى الأشياء جميعاً ، سواء ما كان من قبيل الآلات الميكانيكية أم غيرها . ثم عادت اللجنة أخيراً إلى النص الأصلي فأقرته مع تعديله تعديلاً طفيفاً بأن قدمت عبارة ” أو أشياء أخرى تتطلب حراستها عناية خاصة ” على عبارة ” آلات ميكانيكية ” ليكون المعنى أكثر وضوحاً . وبذلك انتهت اللجنة إلى قصر نطاق النص على الآلات الميكانيكية وما يتطلب من الأشياء عناية خاصة في الحراسة ، كما كان الأمر في المشروع التمهيدي . وأصبح رقم المادة 178 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 434 – ص 438 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” لم يورد التقنين المصري ( القديم ) أي نص يتعلق بالمسئولية عن الجمادات . وإزاء ذلك عمد القضاء المصري إلى تطبيق القواعد العامة بشأنها ، كما فعل في المسئولية عن البناء ، فجعل ترتيبها معقوداً بإقامة الدليل على وقوع خطأ من حارس الشيء ولكنه جرى على التسامح كل التسامح في استخلاص هذا الخطأ . فهو يكتفي بأقل إهمال ، بل بمجرد العلم بما ينطوي في الشيء من أسباب الخطر ، للقول بتوافر الخطأ الذي تنبغي إقامة الدليل عليه . وهو بهذا يقيم قرينة قضائية على الخطأ ، يستعيض بها عما تقرر النصوص من قرائن قانونية في هذا الصدد . فليس من العدل في شيء مثلاً أ ، يلقى عبء الإثبات على المضرور في حادث من حوادث السيارات ، إذ يغلب أن يمتنع عليه عملاً أن يتبين كيفية وقوع الحادث ، وليس شك في أن سائق السيارة أقدر من غيره على تعليل ما وقع . ولهذه العلة اختار المشروع فكرة الخطأ المفروض ، مقتفياً في ذلك أثر التشريعات الأجنبية ، بل وأثر القضاء الفرنسي نفسه في مراحل تطوره الأخيرة . على أن المشروع لم يمض في هذا السبيل للقصى من غاياته . بل اجتزأ بما تقتضيه أحوال البلاد في المرحلة الراهنة من حياتها الاقتصادية . فهو لم يبلغ شأو القضاء الفرنسي في الحديث من أحكامه فيما يتعلق بإطلاق حكم هذه المسئولية على الجمادات بجميع أنواعها ، بل اقتصر على الآلات الميكانيكية وبوجه عام على الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة وبديهي أن هذا التخصيص قصد به إلى قصر الحكم على تلك الأشياء التي تحتاج لحراسة بسبب الخطر الملازم لها . وبهذا يكون من الميسور تصور إقامة قرينة على خطأ في الحراسة : أنظر في هذا المعنى المادتين 152 و 153 من التقنين اللبناني والمادة 131 من التقنين البولوني ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 435 – ص 436 ) .

 ( [14] ) على أنه إذا أعيرت سيارة بسائقها ، فإن المعير في هذه الحالة يستبقى الحراسة عادة . وقد قضت محكمة النقض بأن المعير لسيارة بسائقها يكون مسئولاً عن إهمال السائق إذا نشأ من هذا الإهمال حادث في أثناء قيامه بمأموريته في مدة الاستعارة ( نقض في 8 يناير سنة 1931 المحاماة 11 رقم 464 ص 932 ) .

 ( [15] ) وعمل المشرف هو أن يستبقى السيارة في مكان معين فتصبح له الحراسة من هذه الناحية . وأما أجزاء السيارة وآلاتها فتبقى في حراسة صاحبها . فإذا نقل شخص السيارة من مكان إلى آخر ، ولو من غير علم المشرف ، فأحدثت ضرراً ، كان المشرف هو المسئول وإذا كان بالسيارة خلل أحدث ضرراً ، فإن المسئول عن هذا الضرر هو صاحب السيارة .

 ( [16] ) مازو 2 فقرة 1211 – 9 مكرر ص 180 .

 ( [17] ) على أن هناك أشياء تحركها يد الإنسان ، ويبدو أن افتراض الخطأ فيها لا ينبغي أن يقوم ، لأنها إنما تتحرك طوعاً لإرادة رجال فنيين إذا أخطأوا وجب اعتبار الخطأ من فعلهم هم لا من فعل هذه الأشياء . مثل ذلك مصنع الجراح وآلات الأشعة .

 ( [18] ) وواضح أن أهم الحوادث التي يطبق فيها الخطأ المفترض هي حوادث السيارات .

 ( [19] ) داللوز 1927 – 1 – 97 مع تعليق ريبير – سيريه 1927 – 1 – 137 مع تعليق إسمان . وقد جاء في هذا الحكم ما يأتي : ” ومن حيث إن القانون في تطبيق الافتراض الذي يقرره ، لا يميز بين ما إذا كان الشيء محركاً أو غير محرك بيد الإنسان ، وإنما يكفي أن يكون الشيء خاضعاً لحراسة واجبة ، وذلك بسبب ما يمكن أن يعرض له الناس من الأخطار ” . ( … . mais attendu que la loi, pour l’application de la presumption qu’elle ediete, ne distingue pas suivant que la chose etait ou non actionnee par la main de l’homme, qu’il suffit qu’il s’agisse d’une chose soumise a la necessite d’une garde, en raison des danger qu’elle peut faire courir a autrui )

 ( [20] ) ومعيار الشيء الخطر قال به الأستاذ ريبير ، ولا يزال يقول به – هذا وينكر الأستاذان مازو أن يكون المعنى الذي قصدت إليه محكمة النقض في حكمها هذا هو معيار الشيء الخطر . فالمحكمة إنما قالت إن المسئولية التي تقوم على خطأ مفترض تتأسس على حاجة الشيء للحراسة لما يعرض الناس له من الخطر . فهي لا تميز بين الشيء الخطر والشيء غير الخطر ، بل تفسر حاجة الشيء للحراسة ، فترجعها إلى ما يعرض الشيء له الناس من الخطر ( مازو 2 فقرة 1229 ) .

 ( [21] ) داللوز 1930 – 1 – 57 مع مذكرة ماتير ( matter ) وتعليق ريبير – سيريه 1930 – 1 – 121 مع تعليق إسمان . وقد جاء في هذا الحكم ما يأتي : ” ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد رفض تطبيق النص المشار إليه ( م 1384 فقرة 1 ) بدعوى أن الحادث الذي تسببه سيارة تتحرك بدفع وبتوجيه من يد الإنسان ، لا يكون من فعل الشيء تحت الحراسة وفقاً للمادة 1384 فقرة أولى ، ما دام لم يثبت مطلقاً أن الحادث يرجع إلى عيب ذاتي في السيارة ، ومن ثم يجب على المضرور للحصول على تعويض ما أصابه من الضرر أن يثبت خطأ في جانب السائق . ومن حيث إن القانون ، في تطبيق الافتراض الذي يقرره ، لا يميز بين ما إذا كان الشيء الذي أحدث الضرر محركاً أو غير محرك بيد الإنسان ، كما أنه ليس من الضروري أن يكون منطوياً على عيب في طبيعته يكون من شأنه أن يحدث الضرر ، فإن المادة 1384 تربط المسئولية بحراسة الشيء لا بالشيء ذاته ” .

 ” Que l’arret attaque a refuse d’appliquer le texte susvise ( art . 1384 $ 1 ) par le motif que l’accident cause par une automobile eu movement, sous l’impulsion et la direction de l’homme, ne constituait pas, alors qu’aucune prevue n’existe qu’il soit du a un vice proper de la voiture, le fait de la chose que l’on a sous sa gard dans les termes de l’article 1384 $ i, et que , des lors, la victime etait tenue, pour obtenier reparation du prejudice, d’etablir a la charge du conducteur une faute que lui fut imputable; mais, attendu que la loi, pour l’application de la presumption qu’elle edicte, ne distingue pas suivant que la chose que a cause le dommage etait ou non actionnee par la main de l’hommer qu’il n’est pas necessaire qu’ell ait un vice inherent a sa nature et susceptible de causer la dommage’ l’article 1384 rattachant la responsabilite a la garde de la chose, non a la chose olle – meme “

 ( [22] ) داللوز 1942 – 1 – 25 مع تعليق ريبير – سيريه 1941 – 1 – 217 مع تعليق هنري مازو .

 ( [23] ) مازو 2 فقرة 1249 .

 ( [24] ) مازو 2 فقرة 1256 .

 ( [25] ) مازو 2 فقرة 1256 ص 218 .

 ( [26] ) وإذا انفجرت مواد ملتهبة فشبت حريق من جراء هذا الانفجار ، كان الحارس مسئولاً بمقتضى خطأ مفترض . وفي فرنسا لا يكون مسئولاً إلا إذا ثبت خطأه بمقتضى قانون 7 نوفمبر سنة 1922 .

 ( [27] ) أنظر في تطبيقات أخرى متنوعة مازو 2 فقرة 1258 – فقرة 1270 .

 ( [28] ) ويعترض الأستاذان مازو على مثل هذا الرأي ( انظر مازو 2 فقرة 1239 ) . وهما يقولان إن كل شيء قد يصبح خطراً في ظروف معينة . وهذا صحيح وهو منذ يصبح خطراً بقيام هذه الظروف تحتاج حراسته إلى عناية خاصة . فإذا أحدث ضرراً غير مقصود ، فرض أن زمامه قد ألفت من يد الحارس . فيرجع الأمر إذن إلى ” الخطر النسبي للأشياء بالنسبة إلى الظروف الملابسة ” ، وما إذا كان الشيء قد جعل في وضع أو في حالة تسمح عادة بأن يحدث ضرراً ، فعندئذ تحتاج حراسته إلى عناية خاصة . وهذا هو عين ما يقوله الأستاذان في شرح القضاء الفرنسي . فهما كما رأينا يرجعان بعد إسهاب طويل إلى فكرة التدخل الإيجابي . وليست هذه الفكرة إلا فكرة الشيء الخطر بالنسبة إلى وضعه وملابساته .

 ( [29] ) أنظر في هذا المعنى ؟ 2 فقرة 553 .

 ( [30] ) أنظر تفصيل ذلك في مازو 2 فقرة 1297 .

 ( [31] ) أنظر مازو 2 فقرة 1315 وفقرة 1318 وفقرة 1320 وفقرة 1326 وفقرة 1327 – ويلاحظ أن القضاء الفرنسي عندما تكلم عن افتراض المسئولية ، جعل المفروض هو علاقة السببية لا الخطأ ، حتى لا يصطدم بالمادة 1352 من القانون المدني الفرنسي ، والسببية هنا مفترضة افتراضاً قابلاً لإثبات العكس ، وهي تنتفي بإثبات السبب الأجنبي .

 ( [32] ) مازو 2 فقرة 1272 – 3

نقلا عن محامي أردني

 مسئولية حارس البناء  

 مسئولية حارس البناء  

710 – النصوص القانونية : لم يكن القانون المدني القديم يشتمل على نص لتحديد المسئولية عن تهدم البناء ، فكانت القواعد العامة للمسئولية هي التي تنطبق ، وإذا كان القضاء المصري ، عن طريق القرائن القضائية ، اقترب من القواعد الخاصة التي اشتمل عليها القانون الفرنسي في المسئولية عن تهدم البناء . إذ تنص المادة1386 من القانون الفرنسي على أن ” مالك البناء يكون مسئولاً عما يحدث تهدمه من الضرر إذا كان هذا التهدم يرجع إلى نقص في الصيانة أو إلى عيب في البناء ” فكان هذا النص يشدد من مسئولية مالك البناء عما قررته القواعد العامة ، فمسئولية المالك طبقاً لهذا النص تقوم على خطأ مفترض متى أثبت المضرور يرجع إلى نقص في صيانة البناء أو إلى عيب فيه ، ويفترض عندئذ افتراضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا النقص في الصيانة أو هذا العيب منسوب إلى خطأ من المالك . أما القانون المصري القديم فلم يتضمن كما قدمنا ما يقابل المادة 1386من القانون الفرنسي وترتب على ذلك أن حارس البناء لا المالك كان هو المسئول ، وكانت مسئوليته مبنية على القواعد العامة ، أي على خطأ ثابت لا على خطأ مفترض ، فكان لا بد من أن يثبت المضرور خطأ في جانب الحارس حتى تتحقق المسئولية .

قلنا إن القضاء المصري كان قد اقترب من قواعد القانون الفرنسي ، وقرب الشقة بين القانونين المصري والفرنسي أمران :

 ( أولاً ) أن القضاء المصري كان يتشدد كل التشدد في التزام حارس البناء ، فكان يطالبه باليقظة والانتباه حتى لا يكون البناء مصدراً للخطر ، وأي إهمال في ذلك مهما كان تافهاً يوجب مسئولية الحارس عن تعويض ما وقع من الضرر .

 ( ثانياً ) أن هذا القضاء من جهة أخرى كان يتساهل كل التساهل في حق المضرور فيجيز له إثبات خطأ حارس البناء بأتفه القرائن .

فهذا التشدد في جهة وهذا التساهل في جهة أخرى كان من شأنه أن يجعل القضاء المصري يقترب من القانون الفرنسي ، ويستعيض عن القرينة القانونية المقررة في هذا القانون بقرينة قضائية قررها هو . ومن ثم أمكنه في كثير من الأحوال أن يقرر دون نص مسئولية حارس البناء إذا ثبت أن هناك عيباً في البناء أو نقصاً في الصيانة ( [1] ) .

وقد جاء القانون المصري الجديد بنص خاص في مسئولية حارس البناء فقضى في المادة 177بما يأتي :

 ” 1 – حارس البناء ، ولو لم يكن مالكاً له . مسئول عما يحدثه انهدام البناء من ضرر ، ولو كان انهداماً جزئياً ، ما لم يثبت أن الحادث لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه ” .

 ” 2 – ويجوز لمن كان مهدداً بضرر يصيبه من البناء أن يطالب المالك باتخاذ ما يلزم من التدابير الضرورية لدرء الخطر . فإن لم يقم المالك بذلك ، وجاز الحصول على إذن من المحكمة في اتخاذ هذه التدابير على حسابه ( [2] ) ” .

ويتبين لأول وهلة من هذا النص أنه يختلف من النص الوارد في القانون الفرنسي في أمور ثلاثة :

 ( 1 ) في أنه يجعل المسئولية على حارس البناء لا على مالكه ، وهذا هو الذي يتمشى مع قواعد المسئولية .

 ( 2 ) وفي أنه يشدد من المسئولية أكثر مما يفعل القانون الفرنسي ، إذا لا يتطلب النص المصري أن يثبت المضرور إهمالاً في الصيانة أو قدماً في البناء أو عيباً فيه ، بل حارس البناء هو الذي يثبت الإهمال في الصيانة وألا قدم في البناء وألا عيب فيه .

 ( 3 ) في أنه يجيز اتخاذ احتياطات وقائية إذا كان البناء يهدد بالسقوط ، فلا ينتظر من كان مهدداً بضرر من جراء تهدم البناء أن يتهدم فيطالب بالتعويض ، بل يستطيع أن يطالب باتخاذ التدابير الضرورية لدرء الخطر قبل وقوعه .

ولا شك في أن القانون الجديد شدد كثيراً في المسئولية عن تهدم البناء ، وأتي لمساعدة من تصيبهم أضراراً من ذلك ، فلم يتركهم إلى القواعد العامة التي توجب عليهم إثبات الخطأ في جانب المسئول .

وتسري هذه القواعد الجديدة منذ 15من شهر أكتوبر سنة 1949 ، أي منذ نفاذ القانون الجديد . والعبرة في ذلك بتاريخ وقوع الضرر الذي ينجم عن تهدم البناء ، فإذا وقع هذا الضرر في تاريخ سابق على هذا التاريخ فالقانون القديم هو الذي ينطبق ، وإلا فالقانون الجديد .

ونفصل الآن قواعد هذه المسئولية ، فتتكلم في أمرين ( 1 ) متى تتحقق المسئولية عن تهدم البناء ( 2 ) وعلى أساس تقوم هذه المسئولية .

 المطلب الأول

 متى تتحقق المسئولية عن تهدم البناء

711 – شرطان لتحقق المسئولية : تتحقق هذه المسئولية إذا تهدم البناء تهدماً كلياً أو جزئياً وألحق تهدمه ضرراً بالغير . فعندئذ يكون حارس البناء مسئولا عن هذا الضرر .

فتحقق المسئولية يستلزم إذن توافر شرطين : ( 1 ) حراسة البناء ( 2 ) تهدم البناء الذي أحدث الضرر .

 1 – حراسة البناء

712 – تحليل هذا الشرط : لا تتحقق المسئولية إلا إذا تولي شخص حراسة بناء فنيين ما معنى الحراسة وما المقصود من لفظ البناء ” .

713 – الحراسة : تتحدد الحراسة هنا على النحو الذي حددناها به في حراسة الحيوان . فحارس البناء إذن هو من له السيطرة الفعلية على البناء ، فيكون مكلفاً بحفظه وتعهده بالصيانة والاستيئاق بأنه ليس قديماً ولا معيباً بحيث يتهدد الناس بالخطر ، ويكون هو المتصرف في أمره ، سواء ثبتت هذه السيطرة الفعلية بحق أو بغير حق ، أي سواء كانت السيطرة شرعية أو غير شرعية ما دامت سيطرة فعلية قائمة . فحارس البناء لا يكون ضرورة هو المالك ، ولا المنتفع ولا الحائز .

ولكن المفروض أن مالك البناء هو الذي يسيطر عليه سيطرة فعلية وهو المتصرف في شؤونه ، ومن ثم توجد قرينة على أن حارس البناء هو المالك والبائع قبل التسليم ، حتى بعد تسجيل عقد البيع ، يستبقي السيطرة الفعلية على البناء ، فيبقي هو الحارس ، ولا تنتقل الحراسة إلى المشتري إلا بالتسليم ( [3] ) . والمقاول الذي قام بتشييد البناء يعتبر حارساً له حتى يسلمه لمالكه ( [4] ) . والمالك المعلق ملكه على شرط فاسخ أو على شرط واقف يعتبر أنه هو الحارس إذا تسلم البناء وكانت له عليه السيطرة الفعلية .

وقد تنتقل الحراسة من المالك إلى غيره كالمنتفع ( usufruitier ) والمستحكر والمرتهن رهن حيازة والحائز للبناء بنية تملكه سواء حاز بحسن نية أو بسوء نية . أما المستأجر والمستعير فلا يعتبران في الغالب من الأحوال حارسين لأن السيطرة الفعلية على البناء خلافاً للحيوان المنقول – تبقى عادة عند المالك ( [5] ) . لكن إذا أقام المستأجر بناء في العين المستأجرة اعتبر حارساً له إلى أن تنتقل ملكية هذا البناء على المالك وفقاً للاتفاق أو لقواعد الالتصاق ( [6] ) .

وقد يكون الحارس شخصاً معنوياً كجمعية أو شركة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة .

وقد يجعل القانون للحارس حق الرجوع على شخص آخر مسئول نحوه كمهندس البناء والمقاول وهما مسئولان عما يحدث في خلال عشر سنوات من ضرر عن تهدم البناء ( م 65 من القانون الجديد ) ، وكالمستأجر وهو المسئول عن صيانة العين المؤجرة ، والبائع وهو ضامن ، وكالبائع وهو الضامن للعيب الخفي .

714 – البناء :والبناء هو مجموعة من المواد مهما كان نوعها – خشباً أو جيراً أو جبساً أو حديداً أو : كل هذا معاً أو شيئاً غير هذا –شيدتها يد إنسان لتتصل بالأرض اتصال قرار . ويستوي أن يكون البناء معداً لسكني إنسان أو لإيواء حيوان أو لإيداع أشياء . فالبيوت والزرابي والخازن تعتبر بناء بل قد لا يكون البناء معداً لشيء من ذلك ، فالحائط المقام بين حدين بناء ، والعمد التذكارية وما إليها من تماثيل مبنية على سطح الأرض بناء ، وكذلك القناطر والخزانات والسدود والجسور ( الكباري ) وكل ما أشيد في باطن الأرض بناء ، كالأنفاق والمصارف والمجاري وأنابيب المياه والغاز . ويعتبر كل هذا بناء ولو لم يتم تشييده ، فإذا أحدث تهدمه ولما يزل في دور التشييد ضرراً كان الحارس –وهو المقاول عادة – مسئولاً عنه .

ولا يعتبر بناء العقار بالتخصيص كالمصاعد . وكذلك الأرض لا تعتبر بناء ، فإذا تطايرت منها شظايا أضرت بالغير ، فلا يعتبر هذا الضرر قد أحدثه تهدم البناء .

 2 – تهدم البناء هو الذي أحدث الضرر

715 – تحليل هذا الشرط : يجب أن يكون الضرر الذي أصاب المضرور ناجماً من تهدم البناء . فتنظر فيما يعتبر تهدماً وما لا يعتبر كذلك .

716 – وما يعتبر تهدماً : تهدم البناء هو تفككه وانفصاله عن الأرض يتصل بها اتصال قرار . ويستوي أن يكون التهدم كلياً أو جزئياً ، كما إذا وقع سقف أو تهدم حائط أو انهارت شرفة أو سقط سلم . ويستوي كذلك أن يكون البناء قديماً أو جديداً ، معيباً أو غير معيب ، فلو تخرب مبنى بسبب قدمه أو بسبب حادث كأن يرمي بالقنابل في غارة جوية ، فإن تهدمه بعد ذلك تهدماً كلياً أو جزئياً إذا أحدث ضرراً يرتب مسئولية في ذمة حارس البناء بمقتضى خطأ مفترض .

717 – مالا يعتبر تهدما :ولا يكفي أن يكون الضرر آتيا من البناء ما دام هذا البناء لم يتهدم كله أو بعضه . فلو أن شخصاً زلقت رجله وهو يمشي في غرفة دهنت ” أرضيتها ” دهاناً جعلها زلجة فأصيب بضرر ، فإن هذا الضرر لا يعتبر ناجماً عن تهدم البناء ، وعليه أن يثبت خطأ في جانب المسئول . ولو أن جسماً صلباً سقط من نافذة في مبني فوقع على شخص أصيب من جراء ذلك بأذى ، فإن هذا الضرر لا يعتبر ناجماً من تهدم البناء ما دام سقوط الجسم الصلب لم يكن نتيجة لتهدم النافذة ( [7] ) .

ويجب أن ينجم الضرر عن تهدم البناء تهدماً فعلياً ، لا عن مجرد أن يكون البناء مهدداً بالسقوط أو التهدم . وقد كان القانون الروماني في هذه الحالة يجعل الحق للشخص المهدد أن يستولي على البناء وان يصلح ما به من الخلل . واتبع القانون الفرنسي القديم هذه القاعدة ، دون أن يجعل للشخص المهدد حق الاستيلاء على البناء . أما القانون الفرنسي الجديد فلم ينص على هذا التدبير الوقائي . وسار القانون المدني المصري القديم على نهج القانون الفرنسي في عدم النص على ذلك . ولكن القانون المدني الجديد أجاز في هذه الحالة اتخاذ تدابير واقية ، وقد رأيناه ينص في الفقرة الثانية من المادة 177على ما يأتي : ” ويجوز لمن كان مهدداً بضرر يصيبه من البناء أن يطالب المالك باتخاذ ما يلزم من التدابير الضرورية لدرء الخطر . فإن لم يقم المالك بذلك ، جاز الحصول على إذن من المحكمة في اتخاذ هذه التدابير على حسابه ” . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وقد احتذي المشروع مثال بعض التقنيات الأجنبية ، فقرر بين أحكام المسئولية عن البناء قاعدة خاصة بشأن ما يتخذ من التدابير الوقائية التي لا تنطوى على معنى التعويض . ويكفي لإعمال هذه القاعدة أن يتحقق معنى التهديد بوقوع الضرر من جراء البناء دون أن يقع فعلاً . فلمن يتهدده هذا الضرر أن يكلف المالك ، دون الحارس ، باتخاذ ما يلزم من التدابير لدرء الخطر . فإذا لم يستجب مالك البناء لهذا التكليف ، جاز للمحكمة أن تأذن لمن يتهدده الضرر باتخاذ هذه التدابير على حساب المالك ( [8] ) ” .

والحريق غير التهدم ، فإذا احترق بناء وامتدت الحريق إلى مبان مجاورة ، فأصيبت بضرر ، لم يكن هذا الضرر ناجماً عن تهدم البناء ، حتى لو كان البناء المحترق انهدم عقب الحريق مباشرة نتيجة لهذا الحريق فأصاب الغير بالضرر ( [9] ) .


 ( [1] ) انظر نقض مدني في 17 يونية سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 64 ص 175 ( وقارن نقض مدني في 3 نوفمبر سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 140 ص 421 ) – استئناف مصر وطني في 16 ديسمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 279 / 2 ص 586 – وفي 28 نوفمبر سنة 1937 المحاماة 18 رقم 403 ص 871 – وفي 16 نوفمبر سنة 1938 المحاماة 19 رقم 345 ص 841 – استئناف مختلط في 2 مايو سنة 1894 م 6 ص 270 – وفي 28 يونية سنة 1903 م 15 ص 111 – وفي 8 فبراير سنة 1911 م 23 ص 160 – وفي 5 يناير سنة 1928 م 40 ص 122 – وفي 6 فبراير سنة 1930 م 42 ص 258 – وفي 8 مايو سنة 1930 م 42 ص 485 . وانظر الموجز للمؤلف فقرة 363 .

 ( [2] ) تاريخ النص :ورد في هذا النص في المادة 245 من المشروع التمهيدي على وجه يقارب نص القانون الجديد . وأقرته لجنة المراجعة بعد التعديلات لفظية تحت رقم المادة 181 من المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب . وأضافت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ عبارة ” ولم يكن مالكاً ” بعد عبارة ” حارس البناء ” وأصبح رقم المادة 177 . وقالت اللجنة في تقريرها ” اقترح الاستعاضة عن اصطلاح الحارس في المادة 177 باصطلاح مالك البناء أو حائزه بنية التملك . ولم تر اللجنة الأخذ بهذا الاقتراح ، لأن تعبير ” حارس البناء أو الشيء ” قد يتسع نطاقه لصور أخرى لا تندرج تحت الصيغ المقترحة ، وقد استعمل الفقه في مصر اصطلاح الحراسة في هذا الشأن يوصفه مرادفاً لتعبير ( garde ) في اللغة الفرنسية ، ودلالة هذا التعبير معروفة ، وهي مرنة ، ومن غير المرغوب فيه حصرها في حدود صور بخصوصها . وتعبير المشروع مع هذا الإيضاح لا يدعو إلى لبس ولا يقيد الاجتهاد ” ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها لجنة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 428 – ص 434 ) .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” لم يعرض التقنين المصري للمسئولية عن البناء ، ولذلك جرى القضاء المصري بشأنها على تطبيق القواعد العامة ، وجعل من الخطأ الثابت أساساً لها ، ولو أنه لا يتشدد كثيراً فيما يتعلق بجسامة هذا الخطأ الثابت أساساً لها ، ولو أنه لا يتشدد كثيراً فيما يتعلق بجسامة هذا الخطأ . أما المشروع فقد آثر تأسيس هذه المسئولية على الخطأ المفروض ، وألقى عبثها على عاتق حارس البناء دون مالكه على خلاف ما أختار التقنين الفرنسي . فتظل مسئولية الحارس قائمة ما لم يثبت أن تداعي البناء لا يرجع إلى إهمال في صيانته أو قدم أو عيب في إنشائه أما التقنين الفرنسي فيلزم المضرور على النقيض من ذلك بإقامة الدليل على إهمال الصيانة أو القدم أو العيب في إنشاء البناء فإذا تم له تحصيل هذا الدليل أصبح مفروضاً أن تداعي البناء يرجع إلى أحد هذه الأسباب ، ويكون إذن ناشئاً عن خطأ المالك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 431 ) .

 ( [3] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه لا مسئولية على المالك لمنزل لو سقط بعض بنائه على إنسان فقتله إذا تبين أن المالك المذكور اشترى هذا المنزل ، ولكنه لم يكن قد وضع يده عليه بسبب النزاع وقع بينه وبين آخرين ( استئناف وطني في 17 فبراير سنة 1915 الشرائع 2 رقم 200 ص 184 ) – وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بمسئولية المشتري بعقد غير مسجل ما دام حائزاً ( استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1925 م 58 ص 112 ) .

 ( [4] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه يجب على المقاول اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع الضرر عن الجيران ( استئناف مختلط في 14 فبراير سنة 1920 م 41 ص 222 – وفي 5 ديسمبر سنة 1920 م 42 ص 83 – وفي 7 يونية سنة 1928 م 40 ص 404 ) – على أن الجار الذي يكون منزله قديماً غير متين لا يجوز له أن يزيد في أعباء المالك أو المقاول ، وعليه أن يساهم في نفقات تقوية بنائه ( استئناف مختلط في 7 يونية سنة 1928 م 40 ص 402 – في 31 أكتوبر سنة 1929 م 42 ص 9 – وفي 14 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 36 – وفي 5 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 83 ) .

 ( [5] ) وقد قضت محكمة النقض بأن تمسك مالك البناء بأن العين المملوكة له مؤجرة للغير وبذا انتقلت حيازتها القانونية لهذا الغير ، وبانه اشترط عليه أن يقوم هو بالتصليحات اللازمة أو إذن فغن المسئولية عن الضرر الذي وقع تنتقل إلى المستأجر ، فذلك لا يجديه في دفع المسئولية عنه ، ولكنه لا يمنعه من الرجوع على المستأجر منه إذا رأى أنه مسئول أمامه ( نقض مدني في 17 يونية سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 64 ص 175 ) .

 ( [6] ) ومن أحكام القضاء المصري فيمن هو المسئول عن تهدم البناء في ظل القانون القديم :إذا كان المالك قاصراً فلا تكون عنده الحراسة ، بل المسئول هو الوصي ( استئناف مختلط في 6 فبراير سنة 1930 م 42 ص 258 ) – والحائز سواء كان حسن النية أو سيئها يكون هو المسئول لا المالك ( استئناف مختلط في 17 ديسمبر سنة 1925 م 58 ص 1129 – والبناء في أثناء تشييده أو ترميمه تكون المسئولية فيه على المقاول دون المالك ( استئناف مختلط في 10 مايو سنة 1911 م 23 ص 306 – وفي 5 ينار سنة 1928 م 40 ص 122 ) . فإذا تمت الأعمال وسلم البناء للمالك ومضت مدة كافية على ذلك ، رجعت إليه المسئولية على أن يرجع على المقاول إذا كان هناك وجه لذلك ( استئناف مختلط في 27 أبريل سنة 1899 م 11 ص 196 – وفي 10 فبراير سنة 1904 م 16 ص 132 ) – مقاول أعمال البناء مسئول عن تسرب المياه تحت الأرض ( مختلط في 3 يناير سنة 1929 م 41 ص 152 ) – إذا كان أحد شركاء البناء هو المشرف على عملية البناء ، فهو وحده المسئول دون سائر شركائه ودون المقاول الذي كان مقتصراً على توريد الأنفار ( استئناف وطني في 3 يناير سنة 1928 المحاماة رقم 465 ص 764 ) – وفي المسئولية عن المصعد ( استئناف مختلط في 14 مارس سنة 1935 م 47 ص 197 – وفي 8 يونية سنة 1935 م 47 ص 363 – وفي 23 يونية سنة 1937 م 49 ص 276 ) .

 ( [7] ) وقد كان المشروع التمهيدي يشتمل على نص ( م 246 من هذا المشروع ) يقضي بما يأتي : ” كل من يقيم في مسكن يكون مسئولاً عما يحدث من ضرر بسبب ما يلقي أو يسقط من هذا المسكن ، ما لم يثبت أن وقوع الحادث كان بسبب أجنبي لا بد له فيه ” وقد أقرت لجنة المراجعة هذا النص . ووافق عليه مجلس النواب ولم توافق عليه أغلبية لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، لأنها آثرت أن تظل في نطاق ما يقتضي به النص خاضعة للقواعد العامة . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” عمد المشروع إلى تعزيز أحكام المسئولية عن البناء بإيراد قاعدة تتعلق بالمسئولية عما يلقي أو يسقط من المسكن ، ويراعي أن الضرر في هذه الحالة لا يحدث بسبب البناء نفسه أو بسبب جزء منه أو بسبب ما يتبعه من الملحقات ، بل بسبب ما يلقي أو يسقط منه متى كان مخصصاً للسكنى ، فيفترض خطأ ساكن البناء في هذه الصورة ، ويلزم بالتعويض ، إلا أن يقيم الدليل على أن الحادث وقع من جراء سبب أجنبي ,تختلف هذه المسئولية عن المسئولية العامة عن البناء من وجوه ثلاثة ( 1 ) فهي لا تترتب بناء على ضرر ينجم على البناء أو أجزائه أو ملحقاته ( ب ) وهي لا تقع على عاتق الساكن ( جـ ) وهي ترتفع إلا بإقامة الدليل على السبب الأجنبي ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 429 في الهامش ) .

 ( [8] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 431 ( وأنظر في هذا المعنى المادتين 98 / 90 من التقنين التونسي والمراكشي ، والمادة 59 من تقنين الالتزامات السويسري ، والمادة 151 فقرة 2 من التقنين البولوني . وأنظر عكس ذلك المادة 1166 من التقنين الأرجنتيني ) .

 ( [9] ) أما إذا أنهدم البناء بعد الحريق بمدة كافية ، ولو كان الانهدام نتيجة الحريق ، كان الضرر الذي يحدث ناجماً عن تهدم البناء . هذا وقد صدر قانون 7 نوفمبر سنة 1922 في فرنسا ، أضاف فقرة جديدة إلى المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي ، وقضى بأن الحائز للعقار أو المنقول ، إذا شب فهي حريق ، لا يكون مسئولاً عن الضرر الذي يلحق الغير إلا إذا ثبت حصول الحريق بخطأ الحائز – أما في العلاقة فيما بين المؤجر والمستأجر ، إذا احترقت العين المؤجرة ، فقد نصت المادة 584 من القانون المدني الجديد على أن المستأجر مسئول عن حريق العين المؤجرة إلا إذا أثبت أن الحريق نشأ عن سبب لا يد له فيه ، فإذا تعدد المستأجرون لعقار واحد ، كان كل منهم مسئولاً الحريق بنسبة الجزء الذي يشغله ، ويتناول ذلك المؤجر إن كان مقيماً في العقار ، هذا ما لم يثبت أن النار ابتدأ شبوبها في الجزء الذي يشغله أحد المستأجرين فيكون وحده مسئولاً عن الحريق .

 هذا والمسئولية عن تهدم البناء غير المسئولية عن الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة ، ولو كان هذا البناء تتطلب حراسته هذه العناية الخاصة ، كمصنع لعمل المفرقعات . فإذا تهدم هذا المصنع ، فأصاب الغير بضرر ، كان النص الواجب التطبيق هو المادة 177 لا المادة 178 ، فيجوز لحارس المصنع أن يخلص من المسئولية لا بإثبات السبب الأجنبي فحسب ، كما هو الأمر في المادة 178 ، بل أيضاً بإثبات أن الحادث لا يرجع سببه إلى إهمال الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه . أما إذا وقع الضرر من المفرقعات ذاتها لا من تهدم المصنع ، وجب تطبيق المادة 178 ، ويكون حارس المفرقعات مسئولاً ولا يتخلص من المسئولية إلا بإثبات السبب الأجنبي .

نقلا عن محامي أردني

خدمة كتابة العقود

الاستشارات القانونية حول العقود

الأسئلة المتكررة حول كتابة العقود

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

 المسئولية الناشئة عن الأشياء

 المسئولية الناشئة عن الأشياء

696 – حالات ثلاثة : بعد أن فصلنا حالتي المسئولية عن عمل الغير ، ننتقل إلى حالات المسئولية الناشئة عن الأشياء ، الحي منها وغير الحي . ذلك أن الشخص يسأل عما هو في حراسته في حالات ثلاث :

الأولي – مسئولية حارس الحيوان عما يحدثه الحيوان من ضرر .

الثانية – مسئولية حارس البناء عما يحدثه انهدام البناء من ضرر .

والثالثة – مسئولية من تولي حراسة آلات ميكانيكية أو أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر .

وتنتظم هذه الحالات الثلاث فكرة ” الخطأ في الحراسة ” ( faute dans la garde ) . فلا تزال المسئولية فيها مبنية على الخطأ ، والحارس مسئول عن خطئه في الحراسة ، والخطأ في الحراسة هو أن يترك الحارس زمام الشيء يفلت من يده .

 المبحث الأول

 مسئولية حارس الحيوان ( ( [1] ) )

697 – النصوص القانونية :كان القانون المدني القديم ينص في المادتين 153 / 215على ما يأتي :

 ” وكذلك يلزم مالك الحيوان أو مستخدمه بالضرر الناشئ عن الحيوان المذكور ، سواء كان في حيازته أو تسرب منه “

وقد نقل القانون المدني الجديد هذا الحكم دون تعديل إلا في الصياغة ، فنصت المادة 176من هذا القانون على ما يأتي :

 ” حارس الحيوان ، ولو لم يكن مالكاً له ، مسئول عما يحدثه الحيوان من ضرر ، ولو ضل الحيوان أو تسرب ، ما لم يثبت الحارس أن وقوع الحادث كان بسبب أجنبي لا يد له فيه ( [2] ) ” .

والنص الجديد أكثر وضوحاً من النص القديم ، وأوسع إحاطة بأحكام لمسئولية التي نحن بصددها ( [3] ) ، ولكنه لم يستحدث حكماً جديداً كما قدمنا .

ونبحث هنا أيضاً متى تتحقق مسئولية حارس الحيوان ، وعلى أي أساس تقوم هذه المسئولية .

 المطلب الأول

 متى تتحقق مسئولية حارس الحيوان

698 – شرطان لتحقق المسئولية : تتحقق المسئولية إذا تولي شخص حراسة حيوان وأحدث الحيوان ضرراً للغير . فعندئذ يكون حارس الحيوان مسئولاً عن هذا الضرر .

فتحقق المسئولية يستلزم إذن توافر شرطين : ( 1 ) تولي شخص حراسة حيوان

 ( 2 ) إحداث الحيوان ضرراً للغير .

 1 – حراسة الحيوان

699 – تحليل هذا الشرط :لا تتحقق المسئولية إلا إذا تولي شخص حراسة حيوان . فنبين ما معنى الحراسة وما المقصود من لفظ ” الحيوان “

700 – الحراسة ( la garde ) : قدمنا الخطأ في الحراسة هي أن يترك الحارس زمام الشيء يفلت من يده . فحارس الحيوان إذن هو من في يده زمام الحيوان . فتكون له السلطة الفعلية عليه في توجيهه وفي رقابته ، ويكون هو المتصرف في أمره سواء ثبت هذه السيطرة الفعلية بحق أو بغير حق . أي سواء كانت السيطرة شرعية أو غير شرعية ، ما دامت سيطرة فعلية قائمة فليس حارس الحيوان هو ضرورة مالكه ، فقد ينتقل زمام الحيوان – السيطرة الفعلية في توجيهه وفي رقابته وفي التصرف في أمره – من يده إلى يد غيره ، فيصبح هذا الغير هو الحارس . وليس الحارس هو ضرورة المنتفع بالحيوان إذا لم يكن لهذا السيطرة الفعلية في توجيه الحيوان وفي رقابته . وليس الحارس هو من يعرف عيوب الحيوان ويتركه مع ذلك يضر بالماس ، ما دام لا يملك التصرف في أمره وليست له سيطرة فعلية عليه في توجيهه وفي رقابته وليس الحارس هو من يكون الحيوان في حيازته دون أن تكون له السيطرة الفعلية عليه في التوجيه والرقابة ، فلا يعتبر حارساً بوجه عام لا الراعي ولا السائق ولا الخادم ولا السائس ( [4] ) .

فيجب إذن أن نقف عند المعيار الذي قدمناه ، وان نعتبر حارس الحيوان هو من بيده زمامه ، فيملك السيطرة الفعلية عليه في التوجيه والرقابة ويكون هو المتصرف في أمره . ونص القانون المدني الجديد يتفق مع هذا المعيار ، فقد رأينا المادة 176تنص على أن ” حارس الحيوان ، ولو لم يكن مالكاً له ، مسئول عما يحدثه الحيوان ، من ضرر ( [5] ) ” . وإذا أردنا أن نطبق معيار ” السيطرة الفعلية ” تطبيقاً عملياً أمكن أن نفصله على الوجه الآتي :

مالك الحيوان هو في الأصل صاحب السيطرة الفعلية عليه ، وهو الذي يملك زمامه في يده ، فله التوجيه والرقابة ، وهو المتصرف في أمره ,من ثم يكون حارس الحيوان هو أصلاً مالكه . فهناك إذن قرينة على أن مالك الحيوان هو الحارس ، وإذا رجع المضرور على المالك فليس عليه أن يثبت أنه هو الحارس ، بل المالك هو الذي عليه أن يثبت أنه لم يكن حارس الحيوان وقت إحداثه الضرر . وإذا أفلت زمام الحيوان من يد المالك بأن ضل أو تسرب ، كان هذا خطأ في الحراسة ( faut dans la garde ) ويكون مسئولاً عما يحدثه الحيوان من ضرر وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 176إذ نقول :حارس الحيوان ، ولو لم يكن مالكاً له ، مسئول عما يحدثه الحيوان من ضرر ، ولو ضل الحيوان أو تسرب ” ومن باب أولي إذا ترك الحارس الحيوان في الطريق دون رقيب ، كان مسئولاً عما يحدث من ضرر .

وإذا انتقل الحيوان من يد المالك إلى يد أخرى ، فإن كان قد انتقل رغم إرادة المالك أو دون علمه ، كما لو انتقل إلى لص سرق الحيوان ، أو إلى تابع للمالك استولي على الحيوان لمنفعته الشخصية فإن السيطرة الفعلية على الحيوان تنتقل في هذه الحالة من المالك إلى هذا الغير ، ويصبح السارق أو التابع الذي استولي على الحيوان لنفعه الخاص هو الحارس ، ويكون هو المسئول عما يحدث الحيوان من ضرر . ومن ثم نتبين أنه ليس من الضروري أن تكون السيطرة الفعلية سيطرة مشروعة لها سند من القانون ، ففي المثلين اللذين نحن بصددهما يتضح أن كلا من اللص والتابع مسيطر على الحيوان سيطرة غير مشروعة .

أما إذا انتقل الحيوان من يد المالك إلى يد الغير برضاء من المالك ، وكان الغير تابعاً للمالك كالسائق والخادم والراعي ، فالأصل أن انتقال الحيوان إلى يد التابع لا ينقل إليه السيطرة الفعلية على الحيوان ، إذ الغالب أن المالك يستبقي سيطرته الفعلية على الحيوان حتى بعد أن يسلمه لتابعه . فيبقى المالك في هذه الحالة هو الحارس . ولكن لا شيء يمنع في بعض الحالات من أن تنتقل السيطرة الفعلية إلى التابع ، كما إذا سلم صاحب الحصان حصانه لخيال ( jockey ) يجري به في السباق ، فإن الخيال في هذه الحالة من وقت أن أمسك زمام الحصان وبدأ يجري به في السباق ، وقد انتقلت إليه السيطرة الفعلية على الحصان وأصبح هو الحارس ، فيكون مسئولاً مسئولية الحارس ، ويكون المالك مسئولاً مسئولية المتبوع .

وإذا كان المالك قد نقل الحيوان إلى شخص غير التابع ينتفع به كالمستأجر أو المستعير ، انتقلت في الغالب من الأحوال إلى هذا الشخص السيطرة الفعلية على الحيوان ، إذ هو في سبيل الانتفاع به يمسك زمامه في يده وله حق التصرف في أمره ، ومن ثم يكون هو الحارس . فإن نقله المالك إلى شخص غير التابع لا لينتفع به بل للمحافظة عليه أو لعلاجه ، كصاحب الاصطبل وصاحب الفندق والطبيب البيطري ، فالأصل هنا أيضاً أن السيطرة الفعلية تنتقل إلى هذا الشخص ، ويكون هو الحارس . ولكن قد يستبقى المالك في هذه الحالة السيطرة الفعلية على الحيوان في أثناء الوديعة أو وقت العلاج ، فيبقى هو الحارس ( [6] ) .

701 – الحيوان : أي نوع من الحيوان ، مستأنساً كان أو متوحشاً ، كبيراً أو صغيراً خطراً أو غير خطر يكون حارسه مسئولاً عنه فالدواب والبهائم بأنواعها المختلفة من خيل وبغال وحمير وجمال ومواش ، والحيوانات الأليفة من كلاب وقطط وقردة ، والدواجن والطير ، وما عسى أن يمتلك الشخص من حيوانات مفترسة كالسباع والنمور والفيلة وغيرها ، كل هذا يكون حارسه مسئولاً عنه . وقد يكون الحيوان معتبراً عقاراً بالتخصيص ، كالمواشي الملحقة بأرض زراعية ، ولا يمنع ذلك من أن يكون حارسها مسئولاً عنها ، ولا عبرة بأنها تعد عقاراً .

ولكن يشترط أن يكون الحيوان حياً ومملوكاً لأحد من الناس وان تكون حراسته ممكنة . فجثة الحيوان الميت تعتبر شيئاً غير حي لا حيواناً ، والمسئولية عنها تكون مسئولية عن شيء حي لا عن حيوان ، فلا تتحقق وفقاً للمادة 178من القانون المدني الجديد إلا إذا كانت حراستها تتطلب عناية خاصة . والطير الذي لا مالك له لا يسأل شخص عما يحدثه من التلف إلا إذا ثبت خطأ في جانبه . والجراد إذا صاب زرعاً فأتلفه لا يسأل عن عمله إلا شخص ثبت أنه أثار الجراد بخطأه .

 2 – إحداث الحيوان ضرراً للغير

702 – تحليل هذا الشرط : حتى تتحقق مسئولية حارس الحيوان يلزم أن يكون هذا الحيوان قد أحدث ضرراً للغير فيلزم إذن أن يكون الضرر من فعل الحيوان ( fait de lanimal ) ، ويكون هناك أمران نتكلم فيهما :

 ( 1 ) فعل الحيوان ( 2 ) والضرر الذي يحدثه .

703 – فعل الحيوان : يجب أن يكون الحيوان هو الذي ” أحدث ” الضرر ، أي أن يكون قد أتي عملاً إيجابياً كان هو السبب في الضرر . أما إذا كان الضرر قد حدث دون أن يكون للحيوان دور إيجابي ، كما إذا ارتطم شخص بجسم حيوان حي فجرح ، أو سقطت جثة حيوان ميت على إنسان فأصابته بالضرر ، فإن الضرر لا يكون في هذه الحالة من فعل الحيوان ، إذا لم يكن للحيوان في ذلك إلا دور سلبي .

 وإذا كنا نتطلب أن يقوم الحيوان بدور إيجابي في إحداث الضرر ، فليس هذا معناه أن يكون الحيوان قد اتصل اتصالاً مادياً الجسم الذي ألحق به الضرر ، بل يكفي أن يكون هو السبب الإيجابي لإحداثه . فلو خرج حيوان مفترس في حراسة شخص فجأة إلى الطريق العام ، فأصاب الذعر أحد المارة وسقط فجرح دون أن يمسه الحيوان ، فهذا لضرر يعتبر من فعل الحيوان .

وهناك فروض يكون فيها قد اشترك مع الحيوان عامل آخر في إحداث الضرر ، كما إذا كان المتسبب المباشر في الإصابة هي المركبة التي يقودها الحيوان . فإذا كان الحيوان هو العامل المتغلب كما هو الراجح ، فإن الإصابة تعتبر من فعله . ويدق الأمر إذا كن الحيوان عند إحداث الإصابة يقوده إنسان أو يمتطيه ، فهل تعتبر الإصابة قد حدثت من فعل الإنسان أو من فعل الحيوان ؟ ولا شك في أن القول برأي من هذين الرأيين تترتب عليه أهمية علمية كبيرة . إذ لو اعتبرت الإصابة من فعل الإنسان ، فلا يفترض الخطأ . بل يكلف المدعى إثباته طبقاً للقواعد العامة . وإذا اعتبرت الإصابة من فعل الحيوان ، كان هناك خطأ مفترض في جانب الحارس . ولا يكلف المدعي إثبات هذا الخطأ وقد سار القضاء الفرنسي مدة طويلة على اعتبار أن الإصابة قد حدثت من فعل الإنسان ( [7] ) . وتابع القضاء المصري القضاء الفرنسي في ذلك ( [8] ) . ثم عدل القضاء الفرنسي عن هذا الرأي ، واعتبر أن الإصابة قد حدثت من فعل الحيوان ( [9] ) . وهذا هو الرأي الصحيح ، لأن راكب الحيوان أو قائده لا تعتبر لا تعتبر الإصابة من فعله إلا إذا كان قد تعمدها . فإن اعترف بذلك ، وهذا غير محتمل ، كان الخطأ ثابتاً في جانبه . وإلا فإن الحيوان عندما أحدث الضرر يكون زمامه قد أفلت من يده ، وتكون الإصابة قد حدثت بفعل الحيوان ( [10] ) .

704 – الضررالذي يحدثه الحيوان :أي ضرر يحدثه الحيوان يكون حارسه مسئولاً عنه . فإذا دهس حيوان شخصاً فجرحه أو قتله ، وإذا أتلف الحيوان مالاً مملوكاً للغير ولو كان هذا المال حيواناً مثله ، وإذا عض كلب شخصاً فأحدث به ضرراً ( [11] ) ، وإذا انتقل مرض معد من حيوان مريض ، فكل هذه تعتبر أضراراً يكون حارس الحيوان مسئولاً عنها .

والضرر الذي يحدثه الحيوان قد يقع على الغير كما هو الغالب ، وقد يقع على الحارس نفسه ، وقد يقع على المالك إذا لم يكن هو الحارس ، وقد يقع على الحيوان ذاته أي أن الحيوان يصيب نفسه بالضرر .

فإذا أوقع الحيوان الضرر بالغير ، جاز للغير أن يرجع بالتعويض على الحارس بالخطأ المفترض . وهذه هي الصورة المألوفة في المسئولية عن الحيوان .

ويعتبر في حكم الغير تابع المالك إذا لم تنتقل إليه الحراسة . فإذا ألحق الحيوان ضرراً بسائسه أو بسائقه ، فقد تقدم أن المالك في هذه الحالة يعتبر في الأصل أنه هو الحارس ، ويكون مسئولاً تجاه السائس أو السائق بالخطأ المفترض ( [12] ) . وإذا كانت هناك علاقة عقدية ما بين حارس الحيوان والمضرور ، كما إذا استأجر شخص الحيوان وصاحبه لينقله من مكان إلى آخر ، فأضر الحيوان بالمستأجر ، فإن صاحب الحيوان في هذه الحالة يكون مسئولاً مسئولية عقدية لا مسئولية تقصيرية ، لأنه في عقد النقل بضمان سلامة الراكب . وإذا أحدث الحيوان ضرراً بحيوان آخر ، فمالك الحيوان المضرور يرجع على الحارس الحيوان الأول بالخطأ المفترض لأنه من الغير ( [13] ) .

وإذا أوقع الحيوان الضرر بالحارس نفسه ، فلا يستطيع الحارس أن يرجع على المالك إلا إذا أثبت خطأ في جانبه طبقاً للقواعد العامة .

وإذا وقع الحيوان الضرر بالمالك وكان غير الحارس ، فالمالك أن يرجع على الحارس بالخطأ المفترض ، ويعتبر غيراً في هذه الحالة .

وإذا أوقع الحيوان الضرر بذاته ، بأن اختنق بحبل مثلاً ، وكان الحارس هو المالك . هلك الحيوان على مالكه . أما إذا كان الحارس غير المالك ، فلا يستطيع المالك في هذه الحالة أن يحتج على الحارس بالخطأ المفترض ، فإن افتراض الخطأ لا يقوم إلا لضرر أصاب الغير لا الحيوان ذاته . ولكن يجوز للمالك أن يثبت خطأ في جانب الحارس ، فيرجع عليه بالتعويض للخطأ الذي أثبته لا لخطأ مفترض .

 المطلب الثاني

 الأساس الذي تقوم عليه مسئولية حارس الحيوان

705 – مسألتان :متى تحققت مسئولية حارس الحيوان على النحو الذي قدمناه . قامت هذه المسئولية على خطأ مفترض في جانب الحارس كما أسلفنا ونبين الآن :

 ( 1 ) ما هو هذا الخطأ ( 2 ) والى أي حد هو المفترض .

 1 – ما هو الخطأ

706 – خطأ في الحراسة :الخطأ المفترض في جانب حارس الحيوان هو خطأفي الحراسة ( faute dans la garde ) . وعلى هذا الخطأ قامت مسئولية الحارس ، فالخطأ إذن هو أساس المسئولية . ولا يمكن أن يقال أن أساس المسئولية هو تحمل التبعة ( risque ) ، وإلا لكان المسئول هو المنتفع بالحيوان لا الحارس ، ولما جاز دفع المسئولية بإثبات السبب الأجنبي . والخطأ في الحراسة هو إفلات الحيوان من سيطرة الحارس ، لأن هذا الإفلات هو الذي أحدث الضرر .

707 – ما الذي يثبته المضرور :ولا يكلف المضرور إلا بإثبات الشروط التي تحقق بها مسئولية حارس الحيوان . فيجب عليه أن يثبت أولاً أن المدعى عليه هو حارس الحيوان ، وقد قدمنا أن هناك قرينة على أن المالك هو الحارس إلى أن يثبت أن حراسة الحيوان قد خرجت من يده . ويجب عليه بعد ذلك أن يثبت أن الضرر قد وقع بفعل الحيوان ، أي أن الحيوان قد تدخل تدخلاً إيجابياً في إحداث الضرر ، وإن الضرر قد حدث بفعل الإنسان ولا يفعل الشيء ، على التفصيل الذي سبق ذكره .

 2 – إلى أي حد هو مفترض

708 – الافتراض من لا يقبل إثبات العكس :الخطأ هنا مفترض افتراضاً لا يقبل العكس ( [14] ) ، بخلاف الخطأ المفترض في جانب متولي الرقابة فهو افتراض يقبل إثبات العكس كما قدمنا .

فلا يجوز إذن للحارس ، متى أثبت المضرور الشروط التي تتحقق بها مسئولية أن ينفى الخطأ عن نفسه ، بأن يثبت أنه لم يرتكب خطأ وأنه قام بما ينبغي من العناية حتى لا يحدث الحيوان الضرر . ذلك أن الضرر لم يحدث لأن زمام الحيوان قد افلت من يده ، وهذا الإفلات هو ذات الخطأ . وقد ثبت الإفلات بدليل وقوع الضرر ، فلا حاجة إذن لإثباته بدليل آخر ، ولا جدوى من نفيه بإثبات العكس . وهذا هو المعنى المقصود من أن الخطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، فهو خطأ قد تم إثباته ، ولا يتصور إذن أن يثبت عكسه ( [15] ) . وقد سبق القول أن افتراض الخطأ إنما يقوم في العلاقة ما بين الحارس والمضرور ، فلا يقوم إذا أحدث الحيوان ضرراً لنفسه أو أحدث ضرراً للحارس ( [16] ) وقدمنا أيضاً أن مسئولية حارس الحيوان قد تجتمع مع مسئولية المتبوع في شخص وأحد . فمالك الحيوان إذا دفعه إلى السائق محتفظاً بالحراسة ، فألحق الحيوان ضرراً بالغير ، أمكنت مساءلة المالك باعتباره حارساً للحيوان حيث يفترض الخطأ في جانبه افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، كما تمكن مساءلته باعتباره متبوعاً للسائق ولكن يجب على المضرور في هذه الحالة أن يثبت خطأ في جانب السائق ( [17] )

وقد رأينا أن المتبوع تتحقق مسئوليته ولو كان عديم التمييز . أما حارس الحيوان فلا يجوز أن يكون عديم التمييز ، لأن مسئوليته قائمة على الخطأ ، وعديم التمييز لا يتصور الخطأ في جانبه .

709 – جواز نفي المسئولية بنفي علاقة السببية : ولا يستطيع حارس الحيوان أن ينفي عنه المسئولية إلا بنفي علاقة السببية ما بين فعل الحيوان والضرر الذي وقع ، وذلك بأن يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي ، قوة قاهرة أو حادث مفاجئ أو خطأ المضرور أو خطأ الغير . وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 176إذ تقول : ” …ما لم يثبت الحارس أن وقوع الحادث كان بسبب أجنبي لا يد له فيه ” . وهو ما أجمع عليه الفقه ( [18] ) والقضاء ( [19] ) في مصر .


 ( [1] ) بعض المراجع :مازو 2 فقرة 1071 – فقرة 1137 – بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 592 – فقرة 606 – بلانيول وريبير وبولانجييه 2 فقرة 1058 وفقرة 1063 – فقرة 1083 – كولان وكابيتان ولامورانديير 2 فقرة 357 – فقرة 361 – جوسران 2 فقرة 515 – فقرة 523 – الموجز للمؤلف فقرة 355 – فقرة 358 – الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 235 – فقرة 254 – الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 511 – الدكتور مرقص في الفعل الضار فقرة 102 – فقرة 106

 ( [2] ) تاريخ النص :ورد هذا النص في المادة 244 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” حارس الحيوان مسئول عما يحدثه الحيوان من ضرر ، حتى لو ضل الحيوان أو تسرب ، ما لم يثبت الحارس أن وقوع الحادث كان سبباً أجنبي لا يد له فيه ” . وأقرت لجنة المراجعة هذا النص تحت رقم المادة 180 من المشروع النهائي وأقره مجلس النواب ورأت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ أن عبارة ” حارس الحيوان ” قد تشتبه بالحراسة بالمعنى المفهوم ، وقد يخرج عنها المالك ، فقررت أن تكون صيغة المادة كما يأتي ” حارس الحيوان ولو لم يكن مالكاً له ” فأضافت عبارة ” ولو لم يكن له ” بعد عبارة ” حارس الحيوان ” لتبرر أن اصطلاح حارس الحيوان لا يفي اعتبار المالك حارساً أن توافرت الشروط المقررة في هذا الشأن . وقد اقترح على اللجنة الاستعاضة عن اصطلاح ” الحارس ” باصطلاح ” المنتفع ” فلم تر الأخذ بهذا الاقتراح لأن تعبير ” حارس الحيوان ” قد يتسع نطاقه لصور أخرى لا تتدرج تحت الصور المقترحة ، وقد استعمل الفقه في مصر اصطلاح الحراسة في هذا الشأن بوصفه مرادفاً لتعبير ( garde ) في اللغة الفرنسية ودلالة هذا التعبير معروفة وهي مرنة ، ومن غير المرغوب فيه حصرها في حدود الصور بخصوصها ، وتعبير المشروع مع هذا الإيضاح لا يدعو إلى ليس ولا يقيد الاجتهاد . ووافق مجلس الشيوخ على النص كما عدلته لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 423 – ص 428 ) .

 ( [3] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في تفضيل نص القانون الجديد ما يأتي : ” يعتبر هذا النص متقدماً على نظيره في نصوص التقنين المصري الحالي ( القديم ) من ناحيتين ( 1 ) فيلاحظ من ناحية أنه نوه صراحة بفكرة الحراسة ، وجعل حارس الحيوان مسئولاً عما يحدثه الحيوان من ضرر . هذه الفكرة لا تستخلص إلا اقتضاء من دلالة عبارة المادة 153 / 215 إذ تنص على إلزام ” مالك الحيوان أو مستخدمه بالضرر الناشئ عن الحيوان المذكورة ” وقد جهد الفقه الحديث في تحليل فكرة الحراسة تحليلاً دقيقاً بلغ به أحياناً حد الإرهاف أو التهافت . فهو يفرق على الأخص بين الحراسة المادية والحراسة القانونية والثانية دون الأولى هي التي تبني عليها المسئولية ، وعلى هذا النحو يسأل مالك الحيوان متى كانت له الحراسة القانونية عما يحدثه هذا الحيوان من ضرر للرائض الذي استخدمه للعناية به وقد عى التقنين اللبناني بالنص على هذا الحكم في عبارة صريحة ، فقضى في الفقرة الثانية من المادة 129 بأن تلك المسئولية تترتب ولو كان الحارس المضرور قد ارتبط من قبل بعقد من عقود كالإجازة الأشخاص مثلاً ، ما لم ينص على خلاف ذلك ” ويراعي أن الحراسة القانونية تظل قائمة ولو ضل الحيوان أو تسرب . ( ب ) ويلاحظ من ناحية أخرى أن المشروع اختار صراحة فكرة الخطأ المفترض ، وجعل منها أساساً لمسئولية حارس الحيوان . وقد جرى القضاء المصري على اتباع هذا الرأي ، رغم أن المادة 153 / 215 من التقنين المصري لم تذكر شيئاً في هذا الشأن وقد وقعت التقنينات الأجنبية من فكرة افتراض الخطأ هذه مواقف مختلفة فيما يتعلق بقوة القرينة التي تقوم عليها من حيث جواز سقوطها أو عدم سقوطها بإثبات العكس فبعض هذه التقنينات يبيح لحارس الحيوان الاكتفاء بإقامة الدليل على أنه التزام الحيطة الواجبة لمنعه من الإضرار أو لرقابته ( المادتان 94 / 86 من التقنين التونسي والمراكشي ، والمادة 2394 من التقنين البرتغالي والمادة 56 من تقنين الالتزامات السويسري والمادة 1527 من التقنين البرازيلي ، والمادة 190 من التقنين الصيني ) ,بعضها لا يبيح إثبات السبب الأجنبي ( المادة 81 من المشروع الفرنسي الإيطالي ، والمادة 129 من التقنين اللبناني ، والمادة 1905 من التقنين الأسباني ) ، وهذه هو ما اختاره القضاء المصري والقضاء الفرنسي ويتوسط التقنين الولوني هذين الرأيين ، فيكتفي من حارس الحيوان بإقامة الدليل على أن خطأ ما لم يقع منه أو من أحد ممن يسأل عنهم ( م 1489 ) ومع ذلك فهو يجيز للمحكمة رغم قيامه هذا الدليل أن تلزم مالك الحيوان أو مستخدمه بتعويض كل الضرر أو بعضه إذا اقتضت العدالة ذلك مع مراعاة الظروف ويسار المضرور ومالك الحيوان أو مستخدمه بوجه خاص ( المادة 149 في فقرتها الأخيرة ) ولم يبيح المشروع إلا إثبات السبب الأجنبي افتداء بما جرى عليه القضاء المصري في هذا الشأن ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 424 – ص 425 ) .

 ( [4] ) ويجب أيضاً أن نستبعد معيارين ، أحدهما قال به الأستاذان مازو ثم عدلا عن قولهما والآخر قالت به محكمة النقض الفرنسية .

فقد كان الأستاذان مازو يميزان بين الحراسة المادية 9 garde materielle ) والحراسة القانونية ( garde juridique ) فيجعلان الحراسة القانونية وهي حق يعطيه القانون للشخص في السيطرة على الشيء ، هي التي تترتب عليها المسئولية . وقد عدلا عن هذا الرأي على أثر حكم محكمة النقض الفرنسية في دوائرها المجتمعة في 2 ديسمبر سنة 1941 – 1 – 217 – وأنظر مازو 2 فقرة 1087 وفقرة 1159 ) ، وأخذ الأستاذان بمعيار السيطرة الفعلية في التوجيه والرقابة .

أما محكمة النقض الفرنسية في دوائرها المجتمعة فقد قضت في الحكم الذي أشرنا إليه بأن حارس الشيء هو من يستعمل الشيء بنفسه أو بواسطة تابع له الاستعمال الذي يلائم ممارسة مهنته ( ceiui qui par lui – meme ou par ses peposes,en fait lusage que – comporte lexercice de sa profession ) وهذا هو المعيار أرادت محكمة النقض أن تنزل فيه عند التعبير الذي استعمله القانون المدني الفرنسي في المادة 1358 ، إذ أن هذا النص يجعل المسئولي هو مالك الحيوان أو من يستعمله ( le proprietaire ou celui qui sen sert ) وقصدت به أن توفق بين عبارة القانون الفرنسي والتحليل الصحيح لمعنى الحراسة ولكن يؤخذ عليه أنه كان من يستعمل الحيوان الاستعمال الذي يلائم ممارسة مهنته تكون له في الغالب السيطرة الفعلية على الحيوان في يد غير اليد التي تستعمله الاستعمال الملائم للمهنة .

 ( [5] ) وقد جاء في مناقشات لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ما يؤيد هذا التفسير ، فقيل : ” إن التشريعات الحديثة تستعمل هذا الاصطلاح ( الحراسة ) في هذا المقام وقد استقر في لغة الفقة القانوني الحديث الذي جهد في تحليل فكرة الحراسة تحليلاً دقيقاً بلغ به أحياناً حد الإرهاف أو التهافت ، فقد كان يفرق على الأخص بين الحراسة المادية والحراسة القانونية ، والثانية دون الأولي هي التي تبني عليها المسئولية ، ولكن التطور اتجه إلى الاعتداء بالسيطرة الفعلية ، وعلى هذا النحو يسأل مالك الحيوان متى كانت له الحراسة الفعلية عما يحدثه هذا الحيوان من ضرر للرائض الذي استخدمه للعناية به ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 426 ) .

 ( [6] ) أنظر في هذا المعني مازو 2 فقرة 1104 – فقرة 1108 – ويرى الأستاذ مصطفي مرعي بك أن الذي تنتقل إليه الحراسة هو الذي يتسلم الحيوان بقصد الانتفاع به ، لأنه وهو ينتفع به يحيط بخصاله وطبائعه ، أما من يحوز الحيوان يحم صناعته التي تجيزه على تلقي كل حيوان يرد إليه ، كالراعي والبيطار والطبيب البيطري وشركات النقل ، فلا تنتقل إليه الحراسة ( المسئولية المدنية فقرة 245 ) .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بان المسئول عن الحيوان هو حارسه لا مالكه ( استئناف مختلط في 19 مارس سنة 1913 م 25 ص 239 ) . فلا يصح المالك متى سلم الحيوان إلى شخص آخر ينتفع به ويستخدمه لمصلحته فانتقلت إليه الحراسة ، والمالك هو الذثي يكون مسئولاً ( استئناف مختلط في 27 مارس سنة 1907 م 19 ص 187 ) . ولا يكون المالك مسئولاً إلا إذا ارتكب خطأ بان سلم الحيوان إلى شخص غير قادر على حراسته ( الحكم السابق ) ولكن مالك الحيوان يكون مسئولاً عن خطأ تابعه كالسائق ( استئناف مختلط في أول يونية سنة 1897 م 9 ص 364 ) .

وقضت محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة بأنه إذا وقع الضرر من وأحد بين حيوانات متعددة ، ولم يعرف على وجه اليقين أيها هو الذي أحدث الضرر ، كان جميع الأشخاص الذين وجدت الحيوانات في حراستهم متضامنين في المسئولية . فإذا ترك صاحب الكلب كلبه طليقاً في الطريق العام ، فاختلط بكلاب أخرى ، وأصيب مار من هذه الكلاب ، ولم يعرف أي كلب عضه ، فأصحاب الكلاب جميعاً مسئولون بالتضامن ( محكمة الإسكندرية الكلية المختلطة في 19 ديسمبر سنة 1913 جازيت 5 رقم 30 ص 66 ) .

 ( [7] ) نقض فرنسي في 6 مايو سنة 1901 سيريه 1902 – 1 – 268 – وحكم آخر في 11 مايو سنة 1908 داللوز 1911 – 1 – 399 .

 ( [8] ) استئناف مختلط في 3 يناير سنة 1906 م 18 ص 83 .

 ( [9] ) نقض فرنسي في 30 يناير سنة 1928 سيريه 1928 – 1 – 177 – وحكم آخر في 24 يونية سنة 1930 سيريه 1931 – 1 – 121 .

 ( [10] ) مازو 2 فقرة 1122 .

 ( [11] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا عض كلب إنساناً ولم يكن الكلب موضوعاً في قيد بل ترك طليقاً في الحديقة مع أنه كلب ، خطر ، فإن صاحب الكلب مسئول حتى لو كان المضرور يعلم أن الكلب خطر ( استئناف مختلط في 3 أبريل سنة 1930 م 42 ص 402 ) .

 ( [12] ) وقد قضت في هذا المعني محكمة الاستئناف الوطنية بأنه إذا أصيب ” عربجي ” في أثناء خدمته بجرح بليغ من حصان مخدومه ، وكان عالماً بعيب الحصان ولكنه كان يحتاط لنفسه منه ، فإن السيد ملزم بالتعويض ارتكاناً على المادة 153 مدني ( قديم ) ، لأنه لم يثبت أن الضرر الحاصل نشأ عن خطأ الخادم أو بالقضاء والقدر ( استئناف وطني في 3 ديسمبر سنة 1912 المجموعة الرسمية 14 رقم 20 ص 37 ) . وقضت محكمة استئناف مصر الوطنية في مسئولية صاحب جمل عض جمله الجمال عندما كان يقدم له الطعام ، بأن القانون يفترض حصول الخطأ أو الإهمال من صاحب الحيوان ويعفي المجني عليه من عبء الإثبات ، سوء كان المجني عليه هو العامل الذي يقود الحيوان وعفي المجني من عبء الإثبات سواء كان المجني عليه هو العامل الذي يقود الحيوان أو أجنبياً عنه ، ولا يسقط هذا الافتراض القانوني قبل مالك الحيوان بإثبات عدم حصول خطأ أو إهمال منه ، بل يجب لذلك أن يثبت أن الإصابة حصلت بسبب قهري أو بخطأ المجني عليه ولما كان مالك الحيوان لم يثبت أن الإصابة حصلت بسبب قهري أو بخطأ المجني عليه . ولما كان مالك الحيوان لم يثبت أن الإصابة حصلت بسبب قهري أو بخطأ المجني عليه ، إذا لا يكفي أن يستنتج خطأ المجني عليه من هدوء طبيعة الجمل وعدم اعتياده على العض وأنه لا بد لذلك أن يكون قد أسئ إليه ، بل يجب أن يقوم الدليل على هذه الإساءة فإن افتراض الخطأ يبقى قائماً في جانب المالك ( استئناف مصر الوطنية في 15 مايو سنة 1929 المحاماة 9 ص 1080 ) وقضت أيضاً في قضية مماثلة ، سلم فيها الجمل جمله إلى أجير عنده لقيادته فعقر الجمل الأجير بأنه يؤخذ من نص المادة 153 مدنين أهلي ( قديم ) أن الشارع جعل مسئولية مالك الحيوان أو مستخدمه هي الأصل ، إلا إذا قام دليل قاطع على أن الضرر الذي أصاب الغير إنما أصابه بحادثة قهرية أو بإهماله هو ، والذي يستفيد من هذه المسئولية المفترضة ليس فقط الشخص الأجنبي عن المالك / ، بل يستفيد منها أيضاً الأشخاص الذين يعملون في خدمة المالك إذا كلفهم المالك المذكور بأن يسرقوا الحيوان أو يعتنوا به أو يقوموا بخدمة ( استئناف مصر الوطنية 17 يونية سنة 1931 المحاماة 12 رقم 261 ص 529 – انظر أيضاً محكمة مصر الكلية الوطنية في 2 نوفمبر سنة 1921 المجموعة الرسمية 24 رقم 48 ص 79 ) . وقضت استئناف أسيوط في هذا المعنى أيضاً بأن القانون في المادة 153 مدني ( قديم ) يفترض وقوع خطأ أو إهمال من مالك الحيوان الذي أحدث ضرراً بالغير ، ولذا جعله مسئولاً عن كل ضرر ينشأ عن الحيوان بلا أدني قيد ، والمصاب في غير حاجة إلى إقامة الدليل على خطأ أو إهمال من المالك لأن القانون افترض خطأه . ولما كان تدخل المصاب من تلقاء نفسه وهو عامل عند صاحب الحمير لمنع الحمير من التشاجر فيما بينهما دون الاستعانة بعصاً لا يعد خطأ أو إهمال منه ، لذلك تكون المسئولية واقعة على المالك لأن خطأه المفترض قانوناً لم يرفع بخطأ المصاب ( استئناف أسيوط في 15 أبريل سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 44 ص 80 ) .

أما إذا ثبت خطأ في جانب المصاب ، فإن الخطأ قد ينفي علاقة السببية ما بين الضر والخطأ المفترض في جانب المسئول وقد قضت محكمة طنطا الاستئنافية بأنه إذا ثبت أن الجمل انتزع رباطه من الوتد وعض الخادم المكلف بخدمة المواشي ، وثبت أن الخادم لم يتخذ الاحتياطات الضرورية في ذلك الفصل من السنة لأنه لم يكمم الجمل ، وأن الجمل لم يكن حيواناً خطراً معتاداً على العض ، كان الضرر ليس إلا نتيجة إهمال المصاب وتعين دعواه ( طنطا استئنافي في 10 فبراير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 120 ص 337 ) .

وإذا سلم صاحب الحيوان حيوانه إلى المستخدم لينتفع به انتفاعاً شخصياً انتقلت الحراسة إلى المستخدم ، ولا يكون صاحب الحيوان مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه الحيوان للمستخدم ( استئناف مختلط في 27 مارس سنة 1907 م 19 ص 187 ) .

ويذهب الأستاذ مصطفي مرعي بك إلى أن مالك الحيوان لا يكون مسئولاً تجاه خادمهم المكلف بمراقبة الحيوان ، بمقتضى خطأ مفترض ، بل يجب على الخادم أن يثبت خطأ في جانب المالك ، كأن يكون المالك قد أخفي عن خادمه عيباً يعلمه في الحيوان أو يكون المالك قد سلم الحيوان لخادم صغير لا تسمح له سنة بملاحظة الحيوان ، أو يكون المالك قد قصر في تجهيز الحيوان بالأدوات اللازمة لصدة وكبح جماحه ( المسئولية المدنية فقرة 241 ) .

 ( [13] ) وإذا اتفق شخصان على أن يتركا مواشيهما في مكان واحد ، وان يعفي كل منهما من مسئوليته عن مواشيه ، فإن شرط الإعفاء من المسئولية التقصيرية ، فيكون باطلاً ويعتبر كل منهما مسئولاً عن مواشيه قبل الآخر بمقتضى خطأ مفترض .

 ( [14] ) وتختلف مسئولية صاحب الحيوان الجنائية عن المسئولية المدنية ، في الأول لا يفترض الخطأ بل يجب إثباته . وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بأنه لا يكفي لمحاكمة شخص جنائياً عما يصيب الغير من الأذى بفعل الحيوان أن يثبت أن ذلك الحيوان مملوك له ، لأن ذلك إذا صح مبدئياً أن يكون له سبباً للمسئولية المدنية ، فإنه لا يكفي لتقرير المسئولية الجنائية التي لا يصح أن يكون لها محل إلا إذا ثبت على المالك نوع من أنواع الخطأ في المحافظة على حيوانه ومنع أذاه عن الغير ، وفي هذه الحالة يجب بيان نوع هذا الخطأ في الحكم ووجه نسبته إلى مالك الحيوان بالذات ( نقض جنائي في 23 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 رقم 143 ص 262 ) . أنظر في هذه المسألة الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 236 .

 ( [15] ) الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 106 – وقد كان الفقه في فرنسا يجعل افتراض الخطأ قابلاً لإثبات العكسِ ، وتابعه القضاء الفرنسي في ذلك . ثم تحول القضاء فجعل اقتراض الخطأ غير قابل لإثبات العكس ، وتحول الفقه إلى هذا النظر أيضاً ، وتبعهما في ذلك القانون المصري القديم ثم القانون المصري الجديد .

 ( [16] ) ولا يقوم افتراض الخطأ أيضاً في العلاقة ما بين حارس الحيوان وشخص غير المضرور ، فلو ثبت أن فعل الحيوان الذي أحدث الضرر كان سببه استفزاز أجنبي للحيوان ، وأراد حارس الحيوان أن يرجع بما دفع من تعويض للمضرور على هذا الأجنبي ، فلا يجوز للأجنبي في هذه الحالة أن يحتج بالخطأ المفترض في جانب الحارس لتقسيم التعويض فيما بينهما ( الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 105 ص 123 ) .

 ( [17] ) انظر آنفاً فقرة 693 .

 ( [18] ) الموجز للمؤلف فقرة 358 – الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 248 – الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 515 – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 106 .

 ( [19] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن المادة 153 مدني أهلي ( قديم ) نفترض حصول خطأ أو إهمال من صاحب الحيوان ، وهذا الفرض القانوني لا يسقطه إثبات عدم الحصول خطأ أو إهمال بل يجب لإسقاط المسئولية أن يثبت المسئول أن الإصابة حصلت بسبب قهري أو بخطأ المجني عليه ( استئناف مصر الوطنية في 15 مايو سنة 1929 المحاماة 9 رقم 585 ص 1080 ) . وقضت أيضاً بأن الذي يؤخذ من نص المادة 153 مدني أهلي ( قديم ) أن الشارع جعل مسئولية مالك الحيوان أو مستخدمه هي الأصل ، إلا إذا قام دليل قاطع على أن الضرر الذي أصاب الغير إنما بحادثة قهرية أو بإهمال هو ( استئناف مصر الوطنية في 17 يونية سنة 1931 المحاماة 12 رقم 261 ص 529 ) . وانظر أيضاً في هذا المعني استئناف أسيوط في 15 أبريل سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 44 ص 80 – محكمة بني سويف في 11 فبراير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 124 ص 346 . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن المسئولية عن الحيوان لا ترتفع إلا بإثبات السبب الأجنبي ( استئناف مختلط في 27 نوفمبر سنة 1902 م 15 ص 18 :ولا يكفي أن يقال أن الحصان جفل من قدوم راكب آخر أو أن المصاب كان يسير وسط الطريق ” . انظر أيضاً :استئناف مختلط في 9 ديسمبر سنة 1902 م 21 ص 58 ( ترك الحمال على الرصيف دون قيد ، ولكن المار تعرض له ليمر فأصيب : خطأ مشترك ) – وفي 26 يناير سنة 1921 م 33 ص 154 ( من يقود حيواناً في طريق عام يجب عليه أن يحكم وثاقه حتى لا يفلت منه ) – وفي 3 أبريل سنة 1930 م 42 ص 402 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذه الحكم :لا يعفي حارس الحيوان من المسئولية أن يكون المصاب عالماً أن الكلب مطلق سراحه في الحديقة وهو كلب خطر ، فقد كان الواجب على الحارس إلا يدع الكلب وهو خطر مطلق السراح ) – وفي 11 أبريل سنة 1935 م 47 ص 238 – وقضت محكمة الإسكندرية الجزئية المختلطة في 8 ديسمبر سنة 1928 ( جازيت 20 رقم 187 ص 172 ) أنه تعتبر قوة قاهرة أن ينتزع حصان من أجراس مركبة الحريق فيجفل فيصيب ماراً .

نقلا عن محامي أردني

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

مسئولية المتبوع عن التابع

مسئولية المتبوع عن التابع

 ( Responsabilite du commettant dufait de son prepose )

675 – النصوص القانونية :كان القانون المدني القديم ينص في المادتين 152 / 214على ما يأتي :

 ” يلزم السيد أيضاً بتعويض الضرر الناشئ عن أفعال خدمته متى كان واقعاً منهم في حالة تأدية وظائفهم “

وكان هذا النص يعيبه أنه لم يحدد علاقة التبعية ، وأنه يضيق عن أن ينتظم جميع أعمال التابع التي يكون المتبوع مسئولاً عنها .

فجاء القانون المدني الجديد وأصلح هذه العيوب ، إذ نص في المادة 174على ما يأتي :

 ” 1 – يكون المتبوع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً في حال تأدية وظيفته أو بسببها ” .

 ” 2 – وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن حراً في اختيار تابعه متى كانت له عليه سلطة فعلية في رقابته وتوجيه ( [1] ) ” .

ويتبين من هذا النص أن القانون الجديد تجنب العيبين اللذين أشرنا إليهما في القانون القديم . فوسع من دائرة الأعمال التي يسأل عنها المتبوع ، إذ ذكر أنها الأعمال التي تقع من التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببها ، وفي هذا لم يفعل القانون الجديد إلا أن يسجل ما جرى عليه القضاء المصري في هذه المسألة .

ثم حدد علاقة التبعية بأنها تقوم على سلطة فعلية في الرقابة والتوجيه . ولا تقوم ضرورة على حق الاختيار ، وهذا أيضاً ما كان القضاء المصري يجري عليه ، ولم يزد القانون الجديد على أن سجله .

فنصوص القانون الجديد في هذا الموضوع ، وإن كانت أدق وأكثر وضوحاً من نصوص القانون القديم ، لم تستحدث جديداً ، بل اقتصرت على تسجيل الأحكام التي اقرها القضاء المصري .

ونبحث هنا ، كما بحثنا في مسئولية متولي الرقابة ، أمرين ( 1 ) متى تتحقق مسئولية المتبوع عن التابع ( 2 ) الأساس الذي تقوم عليه هذه المسئولية( المصدر محامي شركات )..

 المطلب الأول

 متى تتحقق مسئولية المتبوع

676 – شرطان :تتحقق المسئولية إذا قامت علاقة تبعية ما بين شخصين متبوع وتابع ، وارتكب التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببها خطأ أحدث ضرراً .

فتحقق المسئولية يستلزم إذن توافر شرطين : ( 1 ) علاقة التبعية ( 2 ) خطأ التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببها .

 1 – علاقة التبعية

 ( lien de preposition )

677 – عنصران : تقوم علاقة التبعية في كثير من الحالات على عقد الخدمة . ولكنها لا تقتضي حتما وجود هذا العقد ، بل هي لا تقتضي أن يكون التابع مأجوراً من المتبوع على نحو دائم ، أو أن يكون مأجوراً على الإطلاق . فلا ضرورة إذن ، في قيام علاقة لأن يكون هناك عقد أصلاً بين الاثنين /

وقد بينت الفقرة الثانية من المادة 174من القانون المدني الجديد ما هو المقصود بعلاقة التبعية . إذ نصت على ما يأتي : ” وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه متى كانت له عليه سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه ” فعلاقة التبعية تقوم إذن على هذه السلطة الفعلية في الرقابة والتوجيه التي تثبت للمتبوع على التابع ( [2] ) . ونستعرض هذين العنصرين : ( 1 ) عنصر السلطة الفعلية ( 2 ) وعنصر الرقابة والتوجيه .

678 – عنصر السلطة الفعلية :تقوم علاقة التبعية على سلطة فعلية . فليس ضرورياً من جهة أن تكون هذه السلطة عقدية تقوم على الاختيار ، ولا أن تكون من جهة أخرى سلطة شرعية .

ليس من الضروري أن تكون سلطة عقدية تقوم على الاختيار وقد قدمناه أن علاقة التبعية لا تقتضي حتماً أن يكون هناك عقد بين التابع والمتبوع . وقد يوجد هذا العقد . بل هو موجود في كثير من الأحوال ، ويغلب أن يكون عقد عمل . فالعامل والخادم والطاهي والسائق والمستخدم والموظف ، كل هؤلاء تابعون ومتبوعهم هو رب العمل أو سيد البيت أو صاحب المتجر أو الحكومة . ولكن علاقة التبعية ، حتى في هذه الأحوال ، لا تقوم على عقد العمل . فلو أن هذا العقد كان باطلاً ، لبقيت مع ذلك علاقة التبعية قائمة ما دامت هناك سلطة فعلية للمتبوع على التابع . بل ليس من الضروري أن يكون المتبوع قد اختار شخص تابعه . ويعتبران خطأ المتبوع المفترض هو خطأ في الاختيار ( culpa ineligendo ) . ولكنهما نبذا هذا الرأي تدرجاً فأجاز أولاً أن يكون الاختيار مقيداً . أي محصوراً في أشخاص معينين لا يملك المتبوع أن يختار تابعه إلا منهم . كما إذا كان الاختيار موكولاً إلى مسابقة يشترط للتقدم إليها مؤهلات خاصة . ثم أجازا بعد ذلك أن يكون الاختيار مفروضاً على المتبوع . كالسفينة تدخل في الميناء فيقودها ” مرشد ” لا تملك أن تختار سواه . وكمجلس بلدي يقوم بالعمل عنده موظفون تعينهم الحكومة فلا يد له في اختيارهم وكما أنه ليس من الضروري أن يكون للمتبوع حق اختيار تابعه . كذلك ليس من الضروري أن يملك أمر فصله وهذا هو شأن موظفي المجلس البلدي اللذين عينتهم الحكومة ، فالمجلس لم يخترهم ولا يملك أمر فصلهم ، بل الحكومة هي التي تعينهم وتفصلهم . ومع ذلك فإنهم يعتبرون تابعين للمجلس البلدي لا للحكومة .

وليس من الضروري أن تكون السلطة شرعية ، بل يكفي أن تكون سلطة فعلية . فقد لا يكون للمتبوع الحق في هذه السلطة ، بأن يكون استمدها من عقد باطل أو عقد غير مشروع أو اغتصبها دون عقد أصلاً ، ولكنه مادام يستعملها فعلاً بل ما دام يستطيع أن يستعملها حتى لو لم يستعملها بالفعل ، فهذا كاف في قيام علاقة التبعية ( [3] ) .

679 – عنصر الرقابة والتوجيه : ويجب أن تكون هذه السلطة الفعلية منصبة على الرقابة والتوجيه ( [4] ) . فالمتبوع لا بد أن تكون له السلطة في أن يصدر لتابعه من الأوامر ما يوجهه بها في عمله ولو توجيها عاماً ( [5] ) . وان تكون له الرقابة عليه في تنفيذ هذه الأوامر ( [6] ) .

ولا يكفي أن يكون هناك مطلق رقابة وتوجيه . فالأب له الرقابة على ولده . ومعلم الحرفة يوجه صبيه ، ولا يستلزم هذا أن يكون الولد تابعاً للأب ولا أن يكون الصبي تابعاً لمعلم الحرفة . بل لا بد أن تكون هذه الرقابة والتوجيه في عمل معين يقوم به التابع لحساب المتبوع ( [7] ) . وهذا ما يميز المتبوع عن الأب ومعلم الحرفة ومقدم العمال . إذ الأب له الرقابة على ولده ولكن في غير عمل معين ، ومعلم الحرفة ومقدم العمال لهما الرقابة والتوجيه على الصبية والعمال في عمل معين ، ولكن الصبية لا يقومون بهذا العمل لحساب معلمهم بل ليتدربوا على العمل . والعمال لا يقومون بالعمل لحساب المقدم عليهم بل لحساب رب العمل ، فهم والمقدم معهم تابعون جميعاً لرب العمل ( [8] ) . وتتراخى علاقة الرقابة والتوجيه ، حتى إذا لم يبق لدى المتبوع سلطة كافية في الرقابة والتوجيه انعدمت علاقة التبعية . فالأطباء الذين يعملون في مستشفي لحسابهم لا يعتبرون تابعين لإدارة المستشفي . وأعضاء الجمعية لا يعتبرون تابعين لها . والشركاء لا يعتبرون تابعين للشركة ( [9] ) . والمقاول إذا كان مستقلاً لا يعتبر تابعاً لرب العمل ، وهذا فرق ما بين عقد العمل وعقد المقاولة ( [10] ) . وإذا أعار شخص سيارته لصديق وترك له زمامها فلا يعتبر الصديق تابعاً لصديقه ، ولكن إذا ترك الأب سيارته لولده يقودها وأشرف عليه في قيادتها اعتبر تابعاً لأبيه ( [11] ) . وإذا استأجر صاحب السيارة سائقاً اعتبر هذا السائق تابعاً له ( [12] ) . أما إذا استأجر شخص سيارة بالأجرة ( تاكسي ) فإن السائق لا يكون له تابعاً له لأنه مستقل عنه وليس للراكب عليه حق الرقابة والتوجيه ( [13] ) أما العلاقة فيما بين الموكل والوكيل فقد تكون علاقة تبعية أو لا تكون . تبعاً لما إذا كان الوكيل خاضعاً أو غير خاضع لرقابة الموكل وتوجيهه في العمل الذي عهد به إليه ( [14] ) .

وقد تتوزع الرقابة والتوجيه بين أكثر من شخص وأحد . فإذا استخدم عدة أشخاص شخصاً واحداً في عمل مشترك لهم . كانوا كلهم متبوعين لمستخدمهم وكانوا مسئولين عن عمله بالتضامن فيما بينهم . وقد يقوم شخص بأعمال متفرقة لأشخاص متعددين . كالخادم تقوم بالشؤون المنزلية لأسرات متعددة في أوقات متعاقبة فتنتقل من منزل إلى آخر . ونكون في هذه الحالة تابعة للمخدوم الذي تقوم بشؤون منزله في الوقت الذي تؤدي فيه هذا العمل ( [15] ) . وقد يعير المتبوع تابعه لشخص آخر ، فإذا استبقى المعير رقابته وتوجيهه بقى متبوعاً ، أما إذا انتقلت الرقابة والتوجيه إلى المستعير كان هذا هو المتبوع . مثل ذلك شخص يعير سيارته مع سائقها لصديق ، فإن انتقلت الرقابة والتوجيه إلى الصديق وبخاصة إذا كانت الإعارة لمدة طويلة أصبح السائق تابعاً له ( [16] ) ويظل السائق تابعاً لمتبوعه الأول إذا كان هذا قد احتفظ لنفسه بحق الرقابة والتوجيه .

 وليس من الضروري أن يكون المتبوع قادراً على الرقابة والتوجيه من الناحية الفنية ، بل يكفي أن يكون من الناحية الإدارية هو صاحب الرقابة والتوجيه . فصاحب السيارة حتى لو لم يكن يعرف القيادة متبوع لسائقها ، وصاحب المستشفي متبوع لأطبائه الذين يعملون لحسابه في المستشفي حتى لو لم يكن هو نفسه طبيباً ( [17] ) وقد يكون المتبوع غير قادر على الرقابة والتوجيه حتى من الناحية الإدارية . كأن يكون صغيراً أو غير مميز . فينوب عنه نائبه من ولي أو وصى أو قيم ، في القيام بالرقابة على التابع وفي توجيهه ( [18] ) .

 2 – خطأ التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببها

680 – أمران : متى قامت علاقة التبعية بين شخصين على النحو الذي قدمناه ، فإن مسئولية المتبوع عن التابع تتحقق إذا ارتكب التابع خطأ أضر بالغير في حالة تأدية وظيفته أو بسببها . وهذا ما نصت عليه صراحة الفقرة الأولي من المادة 174 : ” يكون المتبوع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها ” .

فيشترط إذن أمران ( 1 ) أن يرتكب التابع خطأ يضر بالغير ( 2 ) وأن يرتكب هذا الخطأ في حال تأدية وظيفته أو بسببها .

681 – خطأ يرتكبه التابع يضر بالغير : لا تقوم مسئولية المتبوع إلا إذا تحققت مسئولية التابع فإن الأولي فرع عن الثانية ( [19] ) .

وحتى تقوم مسئولية التابع يجب أن تتوافر بالنسبة إليه أركان المسئولية الثلاثة : والخطأ والضرر وعلاقة السببية .

فيجب إذن على المضرور . حتى في رجوعه على المتبوع . أن يثبت خطأ التابع . ومن الجائز في بعض الحالات أن تتحقق مسئولية التابع على أساس خطأ مفترض . مثل ذلك أن يكون التابع مدرساً في مدرسة أميرية . فتقوم مسئوليته عن تلاميذه على أساس خطأ مفترض افتراضاً يقبل إثبات العكس . فإذا لم يثبت العكس كان مسئولاً بمقتضى هذا الخطأ المفترض وكانت الحكومة مسئولة عنه باعتبارها متبوعاً . ومثل ذلك أيضاً أن يقود التابع سيارة هو الحارس لها ، ويدهس أحد العابرة حال تأدية وظيفته أو بسبب هذه الوظيفة ، فإن مسئولية تتحقق في هذه الصورة على أساس خطأ مفترض افترضاً لا يقبل إثبات العكس باعتباره الحارس للسيارة ، وتتحقق معها مسئولية المتبوع . فالقاعدة إذن أنه حيث تتحقق مسئولية التابع ، بناء على خطأ واجب الإثبات أو بناء على خطأ مفترض افتراضاً قابلاً لإثبات العكس أو غير قابل لذلك ، فإن مسئولية المتبوع تقوم إلى جانب مسئولية التابع ( [20] ) .

ويجب على المضرور كذلك أن يثبت أن خطأ التابع قد ألحق به الضرر . وسنرى أنه يجوز أن يكون المضرور هو أيضاً تابعاً لنفس المتبوع ، فيبقى المتبوع مسئولاً أمامه عن خطأ الأول . أما إذا كان المضرور هو المتبوع ذاته ، فسترى أن التابع لا يستطيع أن يتمسك بخطأ مفترض ضده ليتخفف من المسئولية ، وكذلك إذا كان المضرور هو التابع وقد ألحق الأذى بنفسه وهو في خدمة متبوعة ، فسنرى أنه لا يرجع على المتبوع بخطأ مفترض .

682 – حال تأدية الوظيفة أو بسببها – القاعدة العامة : ويجب أن يكون التابع قد ارتكب الخطأ حال تأدية وظيفته أو بسببها . وهذا هو الضابط الذي يربط مسئولية المتبوع بعمل التابع . ويبرر في الوقت ذاته هذه المسئولية . فإنه لا يجوز إطلاق مسئولية المتبوع عن كل خطأ يرتكبه التابع ، وإلا كانت هذه المسئولية غير مستساغة ولا معقولة إذا اقتصرت على الخطأ الذي يرتكبه التابع حال تأدية وظيفته أو بسببها ، ففي هذه الحدود وحدها يقوم الأساس الذي تبنى عليه مسئولية المتبوع ، سواء كان هذا الأساس خطأ مفترضاً أو ضماناً أو امتداداً لشخصية المتبوع على النحو الذي سنبسطه فيما بعد .

والقاعدة هي أن يقع الخطأ من التابع وهو يقوم بعمل من أعمال وظيفته أو أن يقع الخطأ منه بسبب هذه الوظيفة . فلا يكفي أن يقع الخطأ بمناسبة الوظيفة ( aloccasion de la fonction ) ، بأن تكون الوظيفة قد سهلت ارتكاب الخطأ أو ساعدت عليه أو هيأت الفرصة لارتكابه ( [21] ) . بل يجب إذا لم يكن الخطأ قد وقع في عمل من أعمال الوظيفة ، أن تكون هناك في القليل علاقة سببية وثيقة بين الخطأ والوظيفة ، بحيث يثبت أن التابع ما كان يستطيع ارتكاب الخطأ أو ما كان يفكر في ارتكابه لولا الوظيفة . ويستوي أن يتحقق ذلك عن طريق مجاوزة التابع لحدود وظيفته . أو عن طريق الإساءة في استعمال هذه الوظيفة ، أو عن طريق استغلالها ( [22] ) . ويستوي كذلك أن يكون خطأ التابع قد أمر به المتبوع أو لم يأمر ( [23] ) ، علم له أو لم يعلم ( [24] ) . عارض فيه أو لم يعارض ( [25] ) . ويستوي أخيراً أن يكون التابع في ارتكابه للخطأ قد قصد خدمته متبوعه أو اندفع إلى الخطأ بحافز شخصي ( [26] ) . يستوي كل ذلك ما دام الشرط الذي أسلفناه ذكره قد توافر ، فلم يكن التابع ليستطيع ارتكاب الخطأ أو لم يكن ليفكر في ارتكابه لولا الوظيفة ( [27] ) .

وإذا كان لا يكفي لمساءلة المتبوع أن يقع الخطأ بمناسبة الوظيفة ، فأولي ألا تتحقق هذه المساءلة إذا كان خطأ التابع أجنبياً عن الوظيفة لا تربطه بها أي علاقة .

ويخلص لها مما قدمناه حالات أربع : ( 1 ) الخطأ في تأدية الوظيفة . ( 2 ) الخطأ بسبب الوظيفة ( 3 ) الخطأ بمناسبة الوظيفة ( أو الخطأ الذي هيأت له الوظيفة ) .

 ( 4 ) الخطأ الأجنبي عن الوظيفة .

والخطأ في الحالتين الأوليين يحقق مسئولية المتبوع ، ولا يحققها في الحالتين الأخيرتين . ونستعرض كلا من الحالات الأربع .

683 – الخطأ في تأدية الوظيفة : الأصل أن الخطأ الذي يرتكبه التابع . فتتحقق به مسئولية المتبوع . يقع وهو عملاً من أعمال وظيفته . فسائق السيارة ، وهو تابع لصاحبها . إذا دهس شخصاً في الطريق عن خطأ يكون قد ارتكب هذا الخطأ وهو يقود السيارة مسئولاً عن هذا الخطأ والخادم وهو يقوم بأعمال النظافة في منزل مخدومة . فيلقي خطأ في الطريق جسيماً صلباً يؤذي أحد المار . يرتكب الخطأ وهو يؤدي عملاً من أعمال وظيفته ، فيكون المخدوم مسئولاً عنه . وخفير الدرك وهو يضبط المتهم ، فيطلق عياراً نارياً عن خطأ منه فتصيب مقتلاً من المتهم ، يكون قد ارتكب خطأ وهو يؤدي عملاً من أعمال وظيفة ، وتكون الحكومة مسئولة عنه . والطبيب الذي يعمل لحساب مستشفي . إذا أخطأ في علاج مريض ، يكون قد ارتكب الخطأ وهو يؤدي عملاً من أعمال وظيفته ، فتكون إدارة المستشفي مسئولة عنه وقس على هذه الأمثلة كثيراً غيرها ( [28] ) .

وقد قدمنا أنه يستوي أن يكون الخطأ في تأدية الوظيفة قد وقع بناء على أمر من المخدوم ، أو يغير أمر منه ولكن بعمله, أو بغير علم منه ولكن دون معارضة ، أو وقع الخطأ بالرغم من معارضة المخدوم . والخطأ في جميع هذه الأحوال هو, كما عرفناه ، انحراف عن السلوك المألوف للرجل المعتاد .

684 – الخطأ بسبب الوظيفة : وقد يرتكب التابع الخطأ وهو لا يؤدي عملاً من أعمال وظيفته ، ولكن الوظيفة تكون هي السبب في ارتكابه لهذا الخطأ فيكون المتبوع مسئولاً عنه في هذه الحالة ، لأن هناك علاقة وثيقة بين الخطأ والوظيفة ، إذ كانت الوظيفة هي السبب المباشر للخطأ .

ولا يكفي القول بالسببية المباشرة لتحديد الحالة التي نحن بصددها بل يجب أن نسير خطوة أبعد في هذا التحديد . ونورد طائفتين من الأمثلة تقتطفها من أحكام القضاء المصري ، لنستخلص المعيار الذي يصلح أساساً لكل طائفة منهما .

الطائفة الأولي : ( ! ) أحب خفير امرأة متزوجة ، فاستدرج زوجها إلى دركه ليلاً وقتله لتخلص له الزوجة ، فقضت محكمة النقض بأن الحكومة مسئولة عن عمل الخفير ، وقالت : ” إذا كان الخطأ الذي وقع من المتهم ، وضر به المدعى بالحق المدني ، إنما رقع منه بوصفه خفيراً وفي الليل وفي الدرك المعين لتأدية خدمته فيه وبالسلاح المسلم إليه من الحكومة التي استخدمته ، وأنه إنما تذرع بوظيفته في التضليل بالمجني عليه حتى طاوعه وجازت عليه الخدعة ، ثم تمكن من الفتك هي التي سهلت له ارتكاب جريمته ، فمسئولية الحكومة من تعويض الضرر الذي تسبب فيه المتهم باعتباره خفيراً معيناً من قبلها ثابتة : سواء على أساس أن الفعل الضار وقع منه أثناء تأدية وظيفته ، أو على أساس أن الوظيفة هي التي هيأت له ظروف ارتكابه ( [29] )

 ( 2 ) ذهب صراف إلى المركز في عمل من أعمال وظيفته . فكلف العمدة خفيرين بحراسته ، فانقض عليه الخفيران في الطريق وقتلاه . وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأن الجريمة ارتكبت في أثناء تأدية الخفيرين لوظيفتهما ، فتكون الحكومة مسئولة عنهما ( [30] ) .

 ( 3 ) ذهب كونستابل في مهمة رسمية ومعه مسدسه ، فزار في الطريق بعض أقاربه ، وفي أثناء الزيارة عبث بالمسدس فانطلق وأصاب مقتلاً من صبي كان بجانبه . فاعتبرت محكمة النقض الحكومة مسئولة عن عمل الكونستابل ، وقالت في أسباب حكمها إن المادة152 ( قديم ) إذا تقرر مسئولية السيد عن الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمه متى كان واقعاً منهم في حال تأدية وظائفهم قد عممت ، فلم تجعل المسئولية واجبة فقط عن الأضرار الناشئة من تأدية الوظيفة نفسها ، بل جعلتها واجبة أيضاً عن الأضرار الناشئة عن كل فعل وقع حال تأدية الوظيفة ولو لم يكن من أعمال الوظيفة ذاتها ولكن هيأه للخادم أداؤه الوظيفة بحيث لولا هذا الأداء ما كان هذا الفعل ليقع كما وقع . فإذا كان الضرر الذي وقع من الموظف نتيجة عبثه بسلاح تسلمه بحكم وظيفته ، فالوزارة التي هو تابع لها مسئولة عن تعويض هذا الضرر ( [31] ) ” .

 ( 4 ) كلف سيد خادمه بإحضار أحد العمال لإصلاح سيارته ، وأعطاه بطاقتين ليشتري بهما ” البنزين ” فأحضرت الخادم عاملاً فحص السيارة وقرر أن ليس بها عطل ، فأخذها الخادم واشترى البنزين ، وذهب يبحث عن سيده ليسلمه السيارة ، فأصاب أحد العابرة بخطئه . فقضت محكمة النقض بمسئولية السيد عن الخادم ، قالت في أسباب حكمها : ” السيد مسئول عن خطأ تابعه ولو كان هذا الخطأ قد وقع منه وهو متجاوز حدود وظيفته ، ما دامت وظيفته هي التي هيأت له إتيان خطئه . المستوجب للمسئولية ( [32] ) .

 ( 5 ) ترصد فراش لناظر مدرسته معتزماً اغتياله لاعتقاده أن الناظر يضطهده واقترب الفراش من سيارة الناظر متظاهراً أنه يفتح له بابها بصفته رئيساً له وقتله بسكين أعدها لهذا الغرض . فاعتبرت محكمة النقض الحكومة مسئولة عن الفراش ، وقالت في أسباب حكمها : ” إذا كان الفعل لم يقع من التابع وقت تأدية وظيفته بالذات ، ففي هذه الحالة تقوم المسئولية كلما كانت الوظيفة هي التي ساعدت على إثبات الفعل الضار وهيأت للتابع بأية طريقة كانت فرصة ارتكابه ، لأن المخدوم يجب أن يسأل في هذه الحالة على أساس إساءة الخدم استعماله شؤون الخدمة التي عهد هو بها إليهم ، متكفلاً بما افترضه القانون في حقه من وجوب مراقبتهم وملاحظتهم في كل ما تعلق بها . فإذا ترصد المتهم عند باب المدرسة التي يشتغل بها فراشاً مع زملائه الفراشين فيها حتى موعد انصراف المجني عليه منها ( وهو مدرس منتدب للقيام بأعمال نظارة المدرسة ) . وتمكن منه في هذه الفرصة واغتياله في هذا المكان وهو يتظاهر بأنه إنما يقترب منه لكي يفتح له بصفته رئيساً باب السيارة التي كانت في انتظاره . فذلك يبرر قانوناً إلزام الوزارة بتعويض الضرر الذي وقع على المجني عليه من خادمها المتهم ( [33] ) ” ( 6 ) سرق أحد سعاة البريد كتاباً ( خطاباً ) تسلمه بحكم وظيفته ، فاعتبرت محكمة الاستئناف الوطنية أن مصلحة البريد مسئولة عنه ( [34] )

 ( 7 ) ترك السائق السيارة وبها مفتاح الحركة التابع آخر لمخدومه ( خفير زراعة ) فعبث هذا التابع بالمفتاح ، فانطلقت السيار ، وأصابت شخصين في الطريق فاعتبرت محكمة النقض المخدوم مسئولاً عن عمل كل من السائق وخفير الزراعة ( [35] ) .

والمتأمل في هذه الطائفة من الأحكام يستطيع ردها جميعاً إلى أصل وأحد ففي كل منها يرتكب التابع خطأ لم يكن يستطيع ارتكابه لولا وظيفته فالخفير في المثل الأول ما كان يستطيع استدراج الزوج إلى الدرك لولا تذرعه بوظيفته والخفيران في المثل الثاني ما كانا يستطيعان قتل الصراف لو لم يكلفا بحراسته . والكونستابل في هذا المثل الثالث ما كان ليعبث بالمسدس لو لم يتسلمه بحكم الوظيفة والخادم في المثل الرابع ما كان ليصيب العابر لو لم يتسلم السيارة من سيده باعتباره خادماً له . والفراش في المثل الخامس لم يكن ليستطيع اغتيال الناظر لولا تقدمه إلى باب السيارة باعتباره فراشاً ( [36] ) وساعي البريد في المثل السادس لم يكن ليسرق الكتاب لو لم يتسلمه بحكم عمله وخفير الزراعة في المثل الأخير ما كان ليعبث بمفتاح الحركة في السيارة لو لم يكن خفيراً عند مخدومه .

نقول إن المعيار الذي يستخلص من هذه الأمثلة هو أن التابع لم يكن ليستطيع ارتكاب الخطأ لولا الوظيفة وتعارض بهذا المعيار معيارين آخرين قال بأحدهما القضاء ، وقال الفقه بالثاني .

أما معيار القضاء فهو هذا الذي تكرر في الأسباب التي نقلناها عن محكمة النقض ، إذ غلب فيها ذكر أن الوظيفة هي التي ساعدت على إثبات الخطأ وهيأت الفرصة لارتكابه ( [37] ) . وكانت المحكمة في عنى عن هذا المعيار الذي يفيض عن الحاجة فيما يتسع له ( [38] ) فليس كافياً أن تكون الوظيفة ساعدت على إثبات الخطأ أو أنها هيأت الفرصة لارتكابه ، بل يجب فوق هذا إثبات أن التابع ما كان يستطيع ارتكاب الخطأ لولا الوظيفة . فعلاقة الوظيفة بالخطأ ليست فحسب أنها ساعدت عليه وهيأت الفرصة لارتكابه ، . بل هي أكثر من ذلك ، إذ هي ضرورية لإمكان وقوع الخطأ ، واولادها لما استطاع التابع أن يأتي العمل الذي جعله مسئولاً .

وأما معيار الفقه فيتلخص كما أسلفنا في أن تكون الوظيفة سبباً مباشراً للخطأ ( [39] ) والسببية المباشرة ، فوق ما تنطوي عليه من إبهام ، لا تزال أوسع من المعيار الذي نقول به . فقد تكون الوظيفة سبباً مباشراً للخطأ دون أن تكون ضرورية في ارتكابه .

فنحن إذن نؤثر المعيار الذي قررناه ، ونذهب إلى أن الوظيفة يجب أن تكون ضرورية لارتكاب الخطأ ( [40] ) . وهذا هو المعيار الأول في الخطأ بسبب الوظيفة ، استخلصناه من هذه الطائفة الأولي من الأحكام . وتنتقل الآن إلى المعيار الثاني ، نستخلصه من الأحكام التي تنتظمها الطائفة الثاني .

الطائفة الثانية ( 1 ) ارتكب موظف إداري جريمة تحط من كرامة أشخاص ينتمون إلى الحزب المعارض لسياسة الحكومة ، لا مدفوعاً بعامل شخصي ، بل إرضاء للحكومة القائمة ، وابتغاء الزلفي عندها . فقضت محكمة جنايات المنصورة ( [41] ) بأن الحكومة تكون مسئولة عن هذا الموظف ، وأيدت محكمة النقض ( [42] ) هذا الحكم .

 ( 2 ) رأى خادم سيده يتضارب مع شخص آخر ، فبادر إلى مساعدته ، وضرب الشخص الآخر ضرباً لم يقصد به قتله لكنه أفضى إلى موته . فقضت محكمة النقض بأن السيد يعتبر مسئولاً عن نتيجة الأعمال التي ارتكبها الخادم في مصلحة سيده ، ولو كانت هذه النتيجة أشد خطورة مما كان يريده السيد ( [43] ) .

 ( 3 ) نسب إلى أعمال أحد المقاولين أنهم اعتدوا على أرض زراعية ، فغضب ناظر الزراعة واعتدى على هؤلاء العمال اعتداء مسلحاً . فاعتبرت محكمة الاستئناف المختلطة أن الدائرة التي يعمل ناظر الزراعة في خدمتها ، والتي وقع الاعتداء المسلح على العمال لحمايتها ، مسئولة عن عمل ناظر الزراعة ، سواء كان هذا العمل الذي قصد به الناظر مصلحتها قد أدى إلى نفعها أو عاد عليها بالضرر ( [44] ) .

 ( 4 ) انهم شخص بالسرقة ، فأراد وكيل شيخ الخفير أن يفرض عليه صلحاً لقاء مبلغ من النقود يدفعه لمن وقعت عليه السرقة ، ولما لم يجد معه نقوداً ضربه ضرباً افضى إلى موته فاعتبرت محكمة النقض أن الحكومة مسئولة عن عمل وكيل شيخ الخفر ، وقالت في أسباب حكمها أن المجني عليه ” كان تحت حراسة رجال الحفظ الذين منهم وكيل شيخ الخفر ، فإذا ما تعدى هذا الأخير عليه بالضرب في هذا الظرف ، كان هذا التعدي واقعاً منه أثناء تأدية وظيفته . ولم يكن التفتيش والضرب إلا اعتماداً على تلك الوظيفة وبذلك تكون الحكومة مسئولة مدنياً عن نتيجة خطأ المتهم طبقاً للمادة 152مدني ( قديم ) ، ولا تأثير للباعث على الجريمة وهو فرض الصلح على المجني عليه في الدعوى الحالية وعدم قيامه بدفع المبلغ المطلوب منه ، لأن نص تلك المادة صريح في فرض المسئولية على المخدوم عن كل ما يأتيه الخادم حال تأدية عمله بقطع النظر عن البواعث التي يمكن أن تكون قد دفعته إلى ارتكاب ما ارتكب . ولأن أساس مسئولية المخدوم عن خطأ خادمه يرتكز على افتراض سوء الاختيار والنقص في المراقبة . ويكفي لقيام هذا الافتراض أن يرتكب الخادم خطأ أثناء تأدية عمله ، سواء كان هذا الخطأ ناشئاً عن باعث شخصي له أو عن الرغبة في خدمة المخدوم ( [45] )

 ( 5 ) اعتدى سائق إحدى السيارات العامة على راكب بسبب ما أبداه الراكب من الاعتراض على السائق لعدم وقوفه عند محطة إجبارية ، فاعتبرت محكمة الاستئناف المختلطة أن الشركة التي يعمل السائق في خدمتها مسئولة عن خطأ هذا السائق ( [46] ) .

والمتأمل في هذه الطائفة من الأحكام يستطيع أن يردها هي أيضاً إلى أصل وأحد ففي كل منها يرتكب التابع خطأ لم يكن ليفكر في ارتكابه لولا الوظيفة فالموظف الإداري في المثل الأول ما كان ليفكر في الاعتداء على الأشخاص الذين ينتمون إلى الحزب المعارض لولا وظيفته ، وما ولدته هذه الوظيفة في نفسه من الرغبة في تملق الحكومة القائمة . والخادم في المثل الثاني ما كان ليفكر في ضرب المعتدي على سيده لولا أنه خادم هذا السيد . وناظر الزراعة في المثل الثالث ما كان ليفكر في الاعتداء على العمال لولا أنه يعمل في خدمة الدائرة التي قصد حمايتها . ووكيل شيخ الخفر في المثل الرابع ما كان ليفكر في ضرب المتهم لو لم يكن من رجال الحفظ وقد رغب في إنهاء الحادث صلحاً . والسائق في المثل الخامس ما كان ليفكر في الاعتداء على الراكب لو لم يكن هو السائق للسيارة . ومن ثم فالمعيار الثاني الذي يستخلص من هذه الأمثلة هو أن التابع لم يكن ليفكر في ارتكاب الخطأ لولا الوظيفة .

فهناك إذن معياران للخطأ بسبب الوظيفة ، ويعتبر التابع قد ارتكب خطأ بسبب وظيفته إما لأنه لم يكن ليستطيع ارتكاب هذا الخطأ ، وإما لأنه لم يكن ليفكر في ارتكابه ، لولا الوظيفة ( [47] ) .

685 – الخطأ بمناسبة الوظيفة :ويتبين مما تقدم أن المتبوع لا يكون مسئولاً إذا لم يكن خطأ التابع قد وقع بسبب الوظيفة على النحو الذي فصلناه ، بل كان هذا الخطأ قد وقع بمناسبة الوظيفة ، بأن اقتصرت الوظيفة على تيسير ارتكاب الخطأ أو المساعدة عليه أو تهيئة الفرصة لارتكابه ، ولكنها لم تكن ضرورية لإمكان وقوع الخطأ أو التفكير التابع فيه . وإذا كانت محكمة النقض عندنا تقرر غير ذلك فيما تتقدم به من الأسباب لأحكامها ، وتذكر في كثير من هذه الأسباب أنه يكفي لتحقق مسئولية المتبوع أن تكون الوظيفة قد سهلت ارتكاب الخطأ أو ساعدت عليه أو هيأت الفرصة لارتكابه ، فقد رأينا أنها كانت في غنى عن هذا التوسع ، وأن أحكامها تستقيم فيما عرض لها من الأفضلية لو أنها التزمت المبدأ الصحيح ، اشترطت أن يكون الخطأ قد وقع بسبب الوظيفة ، لا بمناسبة الوظيفة فحسب ، فأن الأحكام التي أصدرتها في هذا الموضوع كان منطوقها لا يتغير لو أقيمت أسبابها على هذا الأساس الدقيق . ولقد كان القانون المدني الجديد موفقاً كل التوفيق عندما جلا الغموض الذي يحيط بهذه المسألة ، فقد رأينا أنه نص صراحة في الفقرة الأولي من المادة 174على أن ” يكون المتبوع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه حال تأدية وظيفته أو بسببها ” . فذكر الخطأ في تأدية الوظيفة والخطأ بسبب الوظيفة ، وتجنب أن يذكر الخطأ بمناسبة الوظيفة أو الخطأ الذي تكون الوظيفة قد هيأت الفرصة لارتكابه ( [48] ) .

ونأتي بأمثلة للخطأ الذي تهيئ الوظيفة لارتكابه وهو الخطأ بمناسبة الوظيفة ، لنتبين الفرق بينه وبين الخطأ بسبب الوظيفة .

لو أن سائق السيارة ، بدلا من أن يعتدي على الراكب معه مما يجعل الخطأ واقعاً بسبب الوظيفة فيما قدمناه ، كان يضمر الحقد لخصم له ، فقصد الانتقام منه ، وتعقبه في الطريق ، وانتهز فرصة قيادته للسيارة فدهسه بها ، لم يكن صاحب السيارة مسئولاً عن عمل السائق ، لأن السائق كان ينوي الإضرار بخصمه ، سواء كان ذلك بدهسه أو بأن يلحق به أي نوع آخر من أنوع الآذى . فلم تكن وظيفة السائق ضرورية لارتكاب الخطأ . بل اقتصرت على تيسيره وهيأت الفرصة لوقوعه . ويكون الخطأ في هذه الحالة قد وقع . لا بسبب الوظيفة بل بمناسبة الوظيفة .

ولو أن طاهياً أمسك بالسكين التي يستخدمها في عمله ، وطعن بها القصاب الذي يشتري منه اللحم لسيده لشجار بينهما نشب بسبب هذا التعامل ، كان هذا الخطأ بسبب الوظيفة ، لأن الطاهي لم يكن ليفكر في الاعتداء على القصاب لولا وظيفته . ولكن هذا الطاهي نفسه ، لو كان له خصم يريد إيذاءه . فذهب إليه حيث يسكن ، وأخذ السكين معه وطعنه بها ، لم يكن هذا الخطأ بسبب الوظيفة ، لأن الطاهي لو لم يجد هذه السكين لعثر على غيرها ، فوظيفته لم تكن ضرورية لارتكاب الخطأ ، بل اقتصرت على أن تسير له ارتكابه ، وان نهيئ له الفرصة في ذلك . فالخطأ هنا لم يقع بسبب الوظيفة ، بل بمناسبة الوظيفة ، ولذلك لا يكون السيد مسئولاً عن عمل الطاهي . ولو أن الخفير الذي أحب امرأة متزوجة فاستدرج زوجها إلى دركه ليلاً وقتله لتخلص له الزوجة ، فارتكب خطأ بسبب الوظيفة على النحو الذي قدمناه ، لم يتذرع بوظيفته في التضليل بالزوج بل ذهب إليه في مسكنه وفي غير وقت العمل ، وأطلق عليه عياراً نارياً فقتله ، لم يكن هذا العمل خطأ بسبب الوظيفة ، لأن الخفير كان يستطيع قتل الزوج بسلاح آخر غير السلاح الذي تسلمه من الحكومة ، وإنما يسر له سلاح الحكومة ارتكاب جريمته ، وهيأ له الفرصة في ذلك . فيكون الخطأ الذي وقع منه خطأ بمناسبة الوظيفة ، ولا تكون الحكومة مسئولة عنه . وقد سبق أن رأينا أن الخفير ، وهو يضبط المتهم ، فيطلق عياراً نارياً عن خطأ فيصيب مقتلاً منه ، يكون قد ارتكب خطأ في تأدية الوظيفة . فهذا عيار ناري يطلقه الخفير ، يكون خطأ : تارة في تأدية الوظيفة ، وطوراً بسبب الوظيفة ، وثالثة بمناسبة الوظيفة .

686 – الخطأ الأجنبي عن الوظيفة : وإذا كان الخطأ بمناسبة الوظيفة لا يجعل المتبوع مسئولاً عن عمل تابعه ، فأولي بالخطأ الأجنبي عن الوظيفة أن يكون له هذا الحكم .

ومن أمثلة الخطأ الأجنبي عن الوظيفة ما قضت به محكمة النقض من أنه إذا كان الثابت بالحكم أن حادث القتل المطلوب التعويض عنه قد وقع خارج المصنع الذي يعمل فيه القتيل وفي غير أوقات العمل ، وأن مرتكبيه من عمال المصنع قد دبروه فيما بينهم خارج المصنع أيضاً عشية وقوعه . فلا يصح اعتبار أنهم ارتكبوه أثناء تأدية وظيفتهم لدى صاحب المصنع ، وبالتالي لا يصح إلزامه بالتعويض عنه مهما كان سببه أو الدافع إليه ، ما دامت العلاقة الزمنية والمكانية منعدمة بينه وبين العمل الذي يؤديه الجناة لمصلحة صاحب المصنع ( [49] ) . وقضت محكمة جنايات طنطا بأن الحكومة غير مسئولة عن جناية ارتكبها أحد رجال البوليس في وقت كان فيه متغيباً عن عمله في أجازة رسمية ( [50] ) .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن المصلحة لا تكون مسئولة عن الضرر الذي أصاب شخصاً من جراء حادث من حوادث الصيد وقع بخطأ من الحارس وهو يصطاد في غير ساعات العمل ( [51] ) .

وقضت هذه المحكمة أيضاً بأن الذي يتدخل دون حق في عملية تسليم البضائع ، فيوجه مباشرة أوامر للحمالين ، ويخالف بذلك اللوائح ، ليس له أن يرجع على إدارة الجمارك بالضرر الذي يحدثه الحمالون وهم ينفذون أوامره ( [52] ) . وهنا نرى أن التابع ، وهم الحاملون ، قد ارتكب الخطأ الأجنبي عن الوظيفة في المكان وفي الزمان الذين يؤدى فيهما الوظيفة . فليس من الضروري إذن ، حتى يكون الخطأ أجنبياً عن الوظيفة ، أن يكون منقطع الصلة بها في الزمان أو في المكان ( [53] )

 المطلب الثاني

 الأساسي الذي تقوم عليه مسئولية المتبوع

687 – مسألتا :متى تحققت مسئولية المتبوع بتوافر الشرطين اللذين تقدم ذكرهما –علاقة التبعية وخطأ في تأدية الوظيفة أو بسببها – قامت هذه المسئولية على أساس ينبغي تحديده ، وهي على كل حال لا تجب مسئولية التابع ، بل تقوم إلى جانبها .

فتتكلم في مسألتين ( 1 ) تكييف مسئولية المتبوع . ( 2 ) قيام مسئولية التابع إلى جانب مسئولية المتبوع .

 1 – تكييف مسئولية المتبوع

688 – أراء مختلفة :بعد أن بينا الشرطين الواجب توافرهما حتى تقوم مسئولية المتبوع عن التابع ، بقى أن نكيف هذه المسئولية التكييف الذي يتلاءم مع هذين الشرطين .

قد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن مسئولية المتبوع عن التابع تقوم على خطأ مفترض ( faute presumee ) في جانب المتبوع . وأخذ بهذا الرأي كثير من أحكام القضاء ولكن الرأي أصبح منتقداً . وكاد يصبح رأياً مرجوحاً . وقام إلى جانبه آراء أخرى مختلفة فهناك من يقول بأن مسئولية المتبوع تقوم على فكرة تحمل التبعة ( idee de risque ) وآخرون يقولون بل تقوم على فكرة الضمان ( idee de garantie ) وذهب بعض إلى أنها تقوم إما على فكرة النيابة ( idee de representation ) . وإما على فكرة الحلول ( idee de substitution ) والمتأمل في هذه الآراء الخمسة يستطيع أن يردها إلى أصلين . فإما أن تكون مسئولية المتبوع عن التابع مسئولية ذاتية ( responsabilite personnelle ) أو هي مسئولة عن الغير ( responsabilite pour autrui ) فإذا قدرنا أنها مسئولية ذاتية رددناها إلى اعتبار في شخص المتبوع :خطأ في جانبه وهذا هو الخطأ المفترض ، أو نفع بجنيه لنفسه وهذا هو تحمل التبعة وإذا قدرنا أنها مسئولية عن الغير رددناها إلى اعتبار في العلاقة ما بين المتبوع والتابع : فإما أن تعتبر المتبوع كفيلاً للتابع وهذا هو الضمان ، وإما أن نعتبر التابع نائباً عن المتبوع وهذه هي النيابة ، وإما أن نعتبر شخصية التابع امتداداً لشخصية المتبوع وهذا هو الحلول .

والصحيح في نظرنا أن مسئولية المتبوع عن التابع ليست مسئولية ذاتية ، بل هي مسئولية عن الغير ( [54] ) . ولعلها هي المسئولية الوحيدة عن الغير فيما قرره القانون من مسئوليات مختلفة . فإن مسئولية متولي الرقابة مسئولية ذاتية كما رأينا ( [55] ) وسنرى أن المسئولية عن الحيوان وعن البناء وعن الأشياء هي أيضاً مسئولية ذاتية تقوم على خطأ في جانب المسئول نفسه . فلا يبقى إلا مسئولية المتبوع عن التابع ، وهذه هي المسئولية عن الغير .

ومتى قررنا أن المسئولية المتبوع عن التابع هي مسئولية عن الغير ، يستوي عندنا بعد ذلك أن تقوم على فكرة الضمان أو على فكرة النيابة أو على فكرة الحلول ، فكلها تؤدي إلى نتيجة رئيسية واحدة ، وإن اختلفت في بعض التفصيلات .

ونستعرض الآن ، بعد هذا التمهيد ، الآراء الخمسة التي سبقت الإشارة إليها : الخطأ المفترض وتحمل التبعة والضمان والنيابة والحلول .

689 – الخطأ المفترض :هذا الرأي هو أقدم الآراء الخمسة ، وكان هو الرأي التقليدي السائد إلى عهد قريب . ويتخلص في أن المتبوع يقوم في جانبه خطأ مفترض :خطأ في الرقابة أو خطأ في التوجيه أو خطأ في الاختيار ، أو خطأ فيها جميعاً . وهذا الخطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس . فالتابع إذا ارتكب الخطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس . فالتابع إذا ارتكب خطأ كان المتبوع مسئولاً عنه بمقتضى خطأ آخر نفترضه قائماً في جانب المتبوع ، فإما أن يكون المتبوع قد قصر في اختيار تابعه ، أو قصر في الرقابة عليه ، أو قصر في توجيهه . وهذا التقصير نفترضه افتراضاً ، ولا نقبل من المتبوع أن يقيم الدليل على أنه لم يقصر . وقد قال بهذا الرأي ، كما قدمنا ، كثير من الفقهاء والمحاكم في مصر وفي فرنسا ( [56] ) .

والذي يؤخذ على هذا الرأي أنه يؤدي إلى نتيجتين لا يصح التسليم بهما وهما :

 ( أولاً ) لو كانت مسئولية المتبوع مبنية على خطأ مفترض افتراضاً غير قابل لإثبات العكس ، لأمكن للمتبوع في القليل أن يتخلص من هذه المسئولية إذا هو أثبت أن الضرر كان لا بد واقعاً ولو قام بواجبه في الاختيار والرقابة والتوجيه بما ينبغي من العناية ، أي إذا نفى علاقة السببية بين الضرر الذي وقع والخطأ المفترض في جانبه ( [57] ) . وهذا ما لا يستطيعه بإجماع الفقه والقضاء نعم هو يستطيع نفي علاقة السببية ما بين الضرر الذي وقع وخطأ التابع لا خطئه هو ، فيتخلص من المسئولية . ولكن لا عن طريق أنه غير مسئول عن تابعه ، بل عن طريق أن التابع نفسه غير مسئول ، ومسئولية المتبوع لا تقوم كما قدمنا إلا تبعاً لمسئولية التابع ( [58] ) . ولكنه لا يستطيع التخلص من المسئولية بإثبات أنه كان يستحيل عليه أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر ( [59] ) . ولو أنه أثبت ذلك . فنفى علاقة السببية بين الضرر وخطئه المزعوم ، ليبقى مع ذلك مسئولاً عن تابعه . وفي هذا الدليل قاطع على أن مسئولية المتبوع لا تقوم على خطأ مفترض ، بل لا تقوم على خطأ أصلاً ، إذ أن المسئولية التي تقوم على خطأ حتى لو كان هذا الخطأ مفترضاً وحتى لو كان الافتراض غير قابل لإثبات العكس ، ترتفع بنفي علاقة السببية . وقد رأينا هنا أن مسئولية المتبوع لا ترتفع بنفي هذه العلاقة ( [60] ) .

 ( ثانياً ) لو كانت مسئولية المتبوع مبنية على خطأ مفترض لسقطت مسئولية المتبوع إذا كان غير مميز . فقد رأينا أن غير المميز لا يتصور ارتكابه للخطأ ، فكيف يتصور افتراض الخطأ في جانبه!وفي الحالات النادرة التي يكون فيها غير المميز مسئولاً ، تكون مسئوليته قائمة لا على الخطأ ، بل على تحمل التبعة كما رأينا . فإذا عرفنا أن المتبوع حتى لو كان غير مميز يكون مسئولاً عن تابعه ، أدركنا أن مسئولية المتبوع لا يمكن أن تكون مبنية على الخطأ . وقد رأينا فيما قدمناه ( [61] ) أن المتبوع قد يكون صغيراً أو غير مميز ، فينوب عنه نائبه ، من ولي أو وصى أو قيم ، في القيام بالرقابة على التابع وفي توجيهه . وهذا ما قضت به محكمة النقض في مصر في حكمين معروفين ( [62] ) . وفي ذلك دليل آخر على أن مسئولية المتبوع لا تقوم على الخطأ .

690 – تحمل التبعة :قال بهذا الرأي الفقهاء الذين يجعلون مسئولية المتبوع مسئولية ذاتية ، دون أن يقيموها على الخطأ ( [63] ) فما دام المتبوع مسئولاً مسئولية ذاتية ، وما دام لا يفترض خطأ في جانبه ، فلا يبقى إلا أن يقال إن المتبوع ينتفع بنشاط تابعه ، فعليه أن يتحمل تبعة هذا النشاط ، والغرم بالغنم .

وهذا الرأي فيه مزيتان يتجنب بهما العيبين اللذين لاحظناهما على الرأي الذي يقول بالخطأ المفترض . فهو أولاً لا يجيز للمتبوع أن يتخلص من المسئولية حتى لو أثبت أنه كان يستحيل عليه أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر ، إذ المسئولية المبنية على تحمل التبعة لا ترتفع بهذه الاستحالة ، بل يبقى المتبوع مسئولاً لأنه يتحمل تبعة نشاط تابعه بعد أن انتفع بهذا النشاط . وهو ثانياً يجعل المتبوع مسئولاً حتى لو كان غير مميز ، فغير المميز إذا لم يجز قيام مسئوليته على الخطأ جاز قيامها على تحمل التبعة .

ولكن هذا الرأي يؤخذ عليه هو أيضاً أنه يؤدي إلى نتيجتين لا يصح التسليم بهما . وهما :

 ( أولاً ) لو صح أن مسئولية المتبوع تقوم على تحمل التبعة ، ففيم إذن اشتراط وقوع خطأ من التابع؟ أليس المتبوع يتحمل تبعة نشاط تابعه ، لا تبعة خطته!فكل نشاط من التابع يصيب الغير بالضرر ، سواء انطوى هذا النشاط على خطأ ا كان مجرداً من أي خطأ ، كان ينبغي أن يحقق مسئولية المتبوع تطبيقاً لمبدأ تحمل التبعة ، ما دامت هذه المسئولية تقوم على هذا المبدأ . بل إن نشاط التابع الذي لا ينطوي على خطأ هو النشاط المألوف الذي ينتفع به المتبوع ، فهو أولى بالتحمل . ونحن قد رأينا أن الأمر على النقيض من ذلك ، وأن مسئولية المتبوع لا تقوم إلا إذا وقع الخطأ من التابع .

 ( ثانياً ) لو صح أن مسئولية المتبوع تقوم على تحمل التبعة ، وتحققت هذه المسئولية فوق المتبوع المضرور ما يستحق من التعويض ، لما جاز للمتبوع أن يرجع على التابع ، فالمتبوع إنما يتحمل تبعة نشاط يفيد منه ، فيكون قد أخذ مقابلاً لما أعطى ، ففيم إذن رجوعه على التابع أمر قد انعقد عليه إجماع الفقه والقضاء .

ونرى من ذلك أن مبدأ تحمل التبعة لا يستقيم مع أحكام مسئولية المتبوع ، بما تقتضيه هذه المسئولية من خطأ يقع من التابع ، وبما ترتبه في العلاقة ما بين المتبوع والتابع من حق الرجوع .

والحق أن مسئولية المتبوع ليست مسئولية ذاتية كما سبق القول ، فهي لا تقوم على خطأ يفترض في جانب المتبوع ، ولا تستند إلى تبعة يجب عليه أن يتحملها وإنما هي مسئولية عن الغير ، المتبوع فيها لا خطأ في جانبه ، ولكنه يتحمل وإنما هي مسئولية عن الغير ، المتبوع فيها لا خطأ في جانبه ، ولكنه يتحمل جريرة تابعة لا تبعه نشاطه . وتنتقل الآن الآراء التي تتوخى هذا النظر .

691 – مسئولية عن الغير – الضمان والنيابة والحلول : فالمتبوع إذن مسئول عن التابع مسئولية الشخص عن غيره . ويبقى أن نحدد على أي أساس تقوم هذه المسئولية . يقيمها بعض الفقهاء على أساس الضمان ( [64] ) . فالمتبوع يكفل التابع فيما يرتكب من خطأ يصيب الغير بالضرر ، ما دام للمتبوع حق الرقابة والتوجيه على التابع ، وما دام الخطأ الذي ارتكبه التابع قد وقع في تأدية الوظيفة أو بسببها ، . فهذه التي ترسم نطاق مسئولية المتبوع هي التي تفسر فكرة الضمان وتبررها . والمتبوع كفيل التابع دون أن يكون له حق التجريد ، فيجوز للمضرور أن يرجع على المتبوع قبل أن يرجع على التابع . والكفالة هنا مصدرها نص القانون لا الاتفاق .

ويقيمها فريق ثان على أساس النيابة ( [65] ) . فالتابع نائب عن المتبوع . والنيابة قانونية وهنا نرى التوسع في فكرة النيابة الذي أشرنا إليه من قبل فكما يلزم النائب الأصيل بما يقوم به من تصرفات القانونية في حدود نيابته ، كذلك يلزم التابع المتبوع بما يقوم به من أعمال مادية – أي ما يرتكبه من خطأ – في حدود تبعيته . فالحدود التي ترسم نطاق مسئولية المتبوع تفسر هنا أيضاً فكرة النيابة وتبررها ، بشرط أن تتسع هذه الفكرة لتتناول التصرفات القانونية والأعمال المادية في وقت معاً .

ويقيمها فريق ثالث على أساس الحلول ( [66] ) . فالتابع قد حل محل المتبوع ، وأصبح الشخصان شخصاً واحداً ، فإذا ارتكب التابع خطأ في الحدود المعروفة فكأنما المتبوع هو ارتكب هذا الخطأ . أو قل إن التابع هو امتداد لشخصية المتبوع ، فما يقترف التابع من خطأ يكون المتبوع هو الذي اقتراضه ( [67] ) . ولا بد أن يضاف إلى هذا الرأي أن التابع يحل محل المتبوع في التمييز أيضاً لو ارتكب خطأ وهو مميز وكان المتبوع غير مميز ، انتقل تمييز التابع إلى المتبوع عن طريق الحلول ، فأصبح هذا مسئولاً كذاك .

واعتبر مسئولية المتبوع مسئولية عن الغير – على أي وجه فسرت هذه المسئولية وبخاصة إذا فسرت بفكرة الضمان – يجعل المتبوع مسئولاً عن تابعه ، ولا يستطيع التخلص من هذه المسئولية ولو أثبت أنه كان يستحيل عليه أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر ، فالتزامه التزام بتحقيق غاية لا التزام يبذل عناية . وهذا الاعتبار يجيز أيضاً استبقاء مسئولية المتبوع حتى لو كان غير مميز ، فمسئوليته عن التابع ليس مصدرها الاتفاق حتى يشترط التمييز ، بل مصدرها القانون سواء كانت ضماناً أو نيابة أو حلولاً . وبذلك نتجنب العيبين اللذين كانا السبب في نبذ فكرة الخطأ المفترض .

692 – الاقتصار على العلاقة فيما بين المتبوع والمضرور :ومزية أخرى لتكييف مسئولية المتبوع على أنها مسئولية عن الغير ، هي أن هذا التكييف يفسر وجوب الاقتصار على العلاقة فيما بين المتبوع والمضرور . فالمتبوع مسئول عن تابعه إزاء المضرور . وفي حدود هذه العلاقة دون غيرها – علاقة المتبوع بالمضرور – يقوم هذا التكييف .

فلا يقوم في العلاقة ما بين المتبوع والتابع . ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للتابع أن يحتج بفكرة الضمان مثلاً على المتبوع عند رجوع هذا عليه كما سنرى ولكن ليس هناك ما يمنع الضرر مثلاً على المتبوع عند رجوع هذا عليه كما سنرى ولكن ليس هناك ما يمنع المضرور ، وقد وقع عليه ضرر من خطأ التابع ، من أن يكون هو ذاته تابعاً لنفس المتبوع فإذا اعتدى موظف وهو يؤدي وظيفته على موظف آخر ، كانت الحكومة مسئولة عن الموظف الأول إزاء الموظف الآخر ، ولو أن الموظفين تابعان لها جميعاً . وهذا ما يدعى في القانون الإنجليزي باسم الخدمة المشتركة ( common employment ) ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .

693 – اجتماع مسئولية المتبوع مع مسئولية من نوع آخر : وقد يكون المتبوع مسئولاً كمتبوع ومسئولا ًعلى وجه آخر في وقت وأحد فصاحب السيارة إذا استخدم سائقاً ارتكب خطأ أصاب الغير بالضرر ، أمكن اعتباره مسئولاً كمتبوع وتابعه هو السائق . وأمكن كذلك اعتباره حارس السيارة إذا لم تكن الحراسة للسائق ، فيكون مسئولاً بمقتضى هذه الحراسة مسئولية مبنية على خطأ مفترض افتراضاً غير قابل لإثبات العكس . والمضرور وشأنه في اختيار أحد الاعتبارين والرجوع على صاحب السيارة بمقتضاه . وقد يختار اعتبار صاحب السيارة حارساً لا متبوعاً ، حتى يعفى نفسه من إثبات الخطأ في جانب السائق .

 2 – قيام مسئولية التابع إلى جانب مسئولية المتبوع

694فيما بين المتبوع والمضرور رأينا أن مسئولية المتبوع إنما تستند إلى مسئولية التابع استناد التبع إلى لأصل . فمسئولية التابع – وقد ثبت في جانبه الخطأ والضرر وعلاقة السببية أي أركان المسئولية جميعاً – تقوم إذن إلى جانب مسئولية المتبوع ، بل هي الأصل كما قدمنا .

وينبني على ذلك أن المضرور يكون بالخيار ، إما أن يرجع على التابع ، وإما أن يرجع على المتبوع ، وإما أن يرجع عليهما معاً . والاثنان متضامنان أمامه وقد يكون للتابع شريك في الخطأ فيصح للمضرور أن يرجع على المتبوع والتابع وشريكه . ويجوز للمضرور أيضاً أن يرجع على المتبوع والتابع ، أو على المتبوع وشريك التابع ، أو على التابع وشريكه . فهو حر في أن يختار من يرفع الدعوى عليه من المسئولين الثلاثة ، واحداً أو أكثر ، ويطالب المدعي عليه بكل التعويض لأن الثلاثة متضامنون ( [68] )

695 – فيما بين المتبوع والتابع : فإذا رجع المضرور على التابع دون المتبوع وقف الأمر عند هذا . أما إذا رجع المتبوع دون التابع . فالمتبوع أن يرجع بما دفع تابعه لأنه مسئول عنه لا مسئول معه . هذا ما تنص عليه المادة175 من القانون المدني الجديد إذ نقول : ” للمسئول عن عمل الغير حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها هذا الغير مسئولاً عن تعويض الضرر ” ( [69] ) . وقد سبق ذكر هذا النص عند الكلام في مسئولية متولي الرقابة . وبينا هناك أن المسئول عن عمل الغير هو متولي الرقابة والمتبوع ( [70] ) ، وان المتبوع يرجع على التابع بما دفع من التعويض ، أما متولي الرقابة فيرجع على المميز دون عديم التمييز ، وان هذه هي حدود مسئولية الغير عن تعويض الضرر التي أشار إليها النص . على أن المتبوع لا يرجع على التابع إلا ببعض ما دفع من التعويض ويتحقق ذلك إذا اشترك مع التابع في الخطأ ، فيقسم التعويض بينهما في علاقة أحدهما بالآخر وفقاً للقواعد التي قررناها عند تعدد المسئولين وهذه هي حدود أخرى لمسئولية الغير عن تعويض الضرر ، وهي حدود تتعلق بمسئولية التابع نحو المتبوع ، وتضاف إلى الحدود التي تقدم ذكرها متعلقة بمسئولية عديم التمييز نحو متولي الرقابة . ولا بد ، في العلاقة ما بين المتبوع والتابع ، أن يثبت التابع أن المتبوع اشترك معه في الخطأ ، كأن يكون قد أمره بارتكاب أو ساهم معه فيه ، ولا يستطيع التابعان يحتج على المتبوع بالمسئولية المفترضة ، فإن هذه لا يحتج بها على المتبوع إلا المضرور كما سبق القول ( [71] ) .

ويقع كما قدمنا أن يرجع المضرور على المتبوع دون التابع ، لأن الأول يكون عادة هو المليء ، ففي هذا الحالة يجوز للمتبوع أن يدخل التابع ضامناً في الدعوى ليحكم عليه بما عسى أن يحكم به على المتبوع . بل يجوز للمتبوع ، والدعوى مرفوعة من المضرور عليه هو والتابع معاً ، أن يرفع على التابع دعوى ضمان فرعية ليحكم له على التابع بما يحكم عليه للمضرور ( [72] ) .

ويثبت المضرورة عادة الخطأ في جانب التابع حتى تقوم مسئولية المتبوع كما قدمنا ، فيستفيد المتبوع من ذلك ولا يعود في حاجة إلى إثبات خطأ التابع عند الرجوع عليه . ولكن قد يقع أن يكون التابع مسئولاً نحو المضرور بمقتضى خطأ مفترض في جانبه ، كأن يكون معلماً مسئولاً عن تلميذ ولم يستطيع نفي الخطأ المفترض ، أو يكون سائق سيارة احتفظ بحراستها قصار مسئولاً نحو المضرور بمقتضى خطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، ففي هذه الحالة لا يحتاج المضرور إلى إثبات خطأ التابع لأن هذا الخطأ مفترض فهل يستفيد المتبوع هنا أيضاً من الخطأ المفترض في جانب التابع عند رجوعه عليه ؟ ليس له ذلك ، بل عليه إذا أراد الرجوع على تابعه أن يثبت خطأه ولا يكتفي بالخطأ المفترض في جانبه ، لأن هذا الخطأ المفترض ، في الحالة التي نحن بصددها ، إنما يقوم في العلاقة ما بين التابع والمضرور ، لا في العلاقة ما بين التابع والمتبوع .


 ( [1] ) تاريخ النص :ورد هذا النص في المادة 242 من المشروع التمهيدي على الوجه الأتي : ” 1 – يكون المتبرع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع أثناء تأدية الوظيفة التي عهد بها إليه ، ويكون مسئولاً كذلك إذا كانت الوظيفة هيأت الفرصة للتابع في ارتكاب العمل غير المشروع حتى لو لم يكن هذا العمل من بين أعمال تلك الوظيفة 2 – تقوم علاقة التبعية حتى لو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه ، ما دامت له سلطة فعلية في الرقابة عليه وفي توجيهه ، وما دام يملك أمر فصله . 3 – ولا يستطيع المتبوع أن يخلص من هذه المسئولية إلا إذا أثبت أنه كان يستحيل عليه أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر ” . وفي لجنة المراجعة عدل النص على الوجه الآتي : ” 1 – يكون المتوع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع إذا كانت الوظيفة هي التي هيأت للتابع الفرصة لارتكاب العمل غير المشروع ولو لم يكن هذا العمل من بين أعمال تلك الوظيفة . 2 – وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حراً في اختياره تابعه متى كانت له عليه سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه وكان يملك أمر فصله . 3 – ويستطيع المتبوع أن يخلص من هذه المسئولية إذا أثبت أنه لم يكن في مقدوره أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر ” وقد أثار أحد أعضاء اللجنة مسألة مسئولية المتبوع إذا إذا كان غير مميز ، فأجيب بأنه ما دامت المسئولية هنا مبينة على خطأ مفترض فلا يتصور افتراض الخطأ في جانب غير المميز . ( المؤلف :سنرى أن المتبوع يكون مسئولاً حتى لو كان غير مميز ) . وأصبح رقم المادة 178 في المشروع النهائي ووافق عليها مجلس النواب دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ عدلت الفقرة الأولي على الوجه الآتي : ” يكون المتبوع مسئولاًِ عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها ” ، وقد آثرت اللجنة أن تنسج على منوال القانون القديم في التعبير إبقاء على ما انتهي إليه القضاء من نتائج في تفسير نص المادة 152 من القانون القديم . وحذفت من الفقرة الثانية عبارة ” وكان يملك أمر فصله ” لأن مسألة الفصل لا تعتبر عنصراً لازماً من عناصر رابطة التبعية ، فأحياناً لا يكون أمر الفصل راجعاً إلى المتبوع ومع ذلك تثبت المسئولية ، كما هو الشأن في المجدين تجنيداً إجبارياً أو فيمن يخصص لخدمة شخص معين من قبل هيئة من الهيئات . وحذفت اللجنة الفقرة الثالثة من هذه المادة لأن حكمها يفضي إلى جعل قرينة المسئولية من قبيل القرائن البسيطة في هذه الحالة ، ولا محل للعدول عما قرره القانون الحالي من جعل هذه القرينة قاطعة لا تسقط بإثبات العكس . وأصبح رقم المادة 174 . ووافق عليها مجلس الشيوخ كما أقرتها لجنة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 412 – ص 420 ) .

 ( [2] ) وقد كان المشروع التمهيدي يضيف حق الفصل . والى هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي حيث تقول :فيراعى أن المشروع حدد علاقة التبعية تحديداً بيناً . فليس من طبيعة الأشياء ما يحتم قيام هذه العلاقة على حرية المتبوع في اختيار تابعه ، فقوامها ولاية الرقابة والتوجيه وما نستتبع عند الاقتضاء من إعمال حق الفصل ” . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 414 ) . وقد رأينا فيما تقدم أن لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ حذفت حق الفصل من معيار علاقة التبعية لأنه ليس عنصراً ضرورياً من عناصرها فقد لا يكون أمر الفصل راجعاً إلى المتبوع ومع ذلك تثبت المسئولية ، كما هو الشأن في المجندين تجنيداً إجبارياً أو فيمن يخصص لخدمة شخص معين عن كل هيئة من الهيئات .

وقد ذهبت محكمة النقض في عهد القانون القديم ، في بعض أحكامها ، إلى الأخذ بحق الاختيار وحق التأديب والفصل من الخدمة لتحديد العلاقة التبعية ، فقضت بأن ضمان السيد قانوناً يقوم على مظنة خطئه في اختيار خادمه وفي مراقبته إياه بما له عليه من حق التأديب والفصل من الخدمة ، فتبعية الخفراء لوزارة الداخلية ترجع إلى أنها مرجع تعيينهم ، وهي التي تتولى تعليمهم وتراقبهم ، كما أن لها عليهم حق التأديب والفصل من الخدمة ( نقض في 27 مارس سنة 1930 المجلة القضائية 19 ص 19 ) .

ثم تركت محكمة النقض معيار الاختيار والفصل إلى معيار السلطة الفعلية في الرقابة والتوجيه ، وهو المعيار الذي أخذ به القانون الجديد ، فقضت بأن مسئولية السيد عن أعمال خادمه لا تقوم على مجرد اختياره تابعه ، بل هي في الواقع تقوم على علاقة التبعية التي تجعل السيد يسيطر على أعمال التابع فيسيره كيف شاء بما يصدره إليه من الأوامر والتعليمات ( نقض مدني في 14 ديسمبر سنة 1939 المحاماة 20 رقم 294 ص 761 ) .

 ( [3] ) وقد يكون الولد تابعاً لأبيه ويكون الأب تابعاً لابنه ، وتكون الزوجة تابعة لزوجها ويكون الزوج تابعاً لزوجته ، ويكون الصديق تابعاً لصديقه ، كل هذا فيما يكل المتبوع منهم لتابعه من أعمال إذا كان للمتبوع السلطة الفعلية على تابعه .

 ( [4] ) استئناف مختلط في 3 مايو سنة 1917 م 29 ص 404 – وفي 8 مايو سنة 1930 م 42 ص 486 .

 ( [5] ) ومن ثم يكون الجندي في الجيش تابعاً لوزارة الدفاع ، إذ يتلقى منها التوجيه العام ( محكمة استئناف مصر الوطنية في 29 أكتوبر سنة 1945 المحاماة 26 رقم 245 ص 652 ) .

 ( [6] ) ومن ثم لا يكون البواب تابعاً للسكان ولو كان يتقاضى منهم أجراً تلقاء خدمات صغيرة ، ولكنه تابع لصاحب العمارة ويكون هذا مسئولاً عنه إذا احدث ضرراً بالسكان أو بالغير أو إذا سرق أحد السكان بإعمال من البواب ( استئناف مختلط في 4 فبراير سنة 1897 م 9 ص 149 – وفي 27 ديسمبر 1928 م 41 ص 140 – وفي 21 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 49 – وفي 14 مارس سنة 1935 م 47 ص 197 – وفي 26 أكتوبر سنة 1944 م 57 ص 1 ) ولا ترتفع مسئولية صاحب العمارة حتى لو اشترط في عقد الإيجار إعفاءه من المسئولية عن أعمال البواب ، فالمسئولية التقصيرية لا يجوز اشتراط الإعفاء منها ( استئناف مختلط في 24 فبراير سنة 1927 م 39 ص 268 – وفي 6 يناير سنة 1938 م 50 ص 85 ) .

والحمال يكون تابعاً لصاحب الأمتعة التي يحملها فيكون هذا مسئولاً عنه ( استئناف مختلط في 12 يونية سنة 1940 م 52 ص 304 ) . ومصلحة السكك الحديدية تكون مسئولة عن الحمال باعتباره تابعاً إذا كان هذا الحمال يعمل في شركة تخضع لرقابة المصلحة وتوجيهها ( استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1942 م 54 ص 242 ) . فإذا لم يكن الحمال تابعاً للمصلحة وتسبب في الإضرار براكب ، فإن المصلحة تكون مسئولة عن خطئها الشخصي في أنها لم تتخذ التدابير الكافية لوقاية الركاب ، وتكون متضامنة مع الحمال في المسئولية ( استئناف مختلط في 17 يونية سنة 1942 م 54 ص 242 ) .

 ( [7] ) ولا يشترط أن يكون للمتبوع علاقة مباشرة بالتابع ، مادام هذا يعمل لحسابه وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن المتبوع يكون مسئولاً عن عماله الأصغرين الثانويين ولو كان تعيينهم بمعرفة الموظفين الرئيسيين ما دام أن التعيين بمعرفتهم داخل فيما رسم لهم صاحب العمل من الاختصاصات . فإذا حوكم ممرض لتسببه بإهماله في وفاة مريض وحكم عليه نهائياً بالعقوبة ، فالمتبوع يسأل عن هذا الإهمال سواء أكان هو الذي أقام الطبيب في المستشفي وفي وظيفته وهذا الأخير هو الذي عين الجميع مباشرة ( 15 نوفمبر سنة 1936 المحاماة 17 رقم 203 ص 433 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن التابع إذا أحل ابنه محله ، كان المتبوع مسئولاً عن ابن تابعه إذا كان إحلال الابن تعتبر خطأ من التابع ( 12 يونية سنة 1946 م 59 ص 18 ) . بل ويكون التابع غير معين ، ويبقي المتبوع مسئولاً عنه وإن كان لا يستطيع الرجوع عليه فيما بعد ، ويكون شأن المتبوع معه في ذلك شأنه مع التابع المعسر . وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بأنه يكفي في مساءلة المخدوم مدنياً أن يثبت أن الحادث قد تسبب عن خطأ خادم له ولو تعذر تعيينه من بين خدمه . فما دام الحكم قد أثبت أن وفاة المجني عليه لا بد أن تكون قد نشأت عن خطأ أحد المتهمين ( الكمساري أو السائق ) اللذين هما تابعات لإدارة النقل المشترك ، فإن مساءلة هذه الإدارة مدنيا تكون متعينة لأنها مسئولة عما يقع من مستخدميها في أثناء تأدية خدمتهم ، لا يمنع من ذلك أن المحكمة لم تستطيع تعيين المخطئ منهما . وليس في الالتزام الإدارة بالتعويض مع تبرئة الكمساري خروج من القواعد الخاصة بالمسئولية ، لأن هذه التبرئة قائمة على عدم ثبوت ارتكابه الخطأ الذي أدى إلى وقوع الحادث ، أما مسئوليتها فمؤسسة على ما ثبت قطعاً من أن هذا الخطأ إنما وقع من أحد خادميها اللذين يعملان معاً في السيارة ولا يشترط لمساءلة المخدوم عن خطأ خادمه أن يكون الخادم حاضراً وممثلاً في الدعوى التي تقام على المخدوم ، فالتنازل عن مخاصمة ورثة الخادم لا يحول دون مطالبة المخدوم ، إذ هذا التنازل ليس فيه ما يفيد عدم مسئولية الخادم حتى كان يمكن أن يقال بعدم مسئولية المخدوم ( نقض جنائي في 22 نوفمبر سنة 1943 المحاماة 26 رقم 137 ص 372 . وانظر تعليقاَ على هذا الحكم للدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 17 العدد الثاني – وقد أشار المعلق في تعليقه إلى حكم آخر صادر في هذا المعني من محكمة الاستئناف في 4 ديسمبر سنة 1929 المحاماة 10 ص 594 ، وفيه اعتبرت الحكومة مسئولة عن استبدال قطن من رتبة أدني قطن من رتبة أعلى من المقطوع به فيه أن هذا الاستبدال قد حدث إما في المركز أو لدى نائب العمدة أو لدى شيخ الخفراء ، فكل هؤلاء تابعون للحكومة ) .

 ( [8] ) ولهذا التمييز أهمية كبيرة ، إذ أن مسئولية الأب عن ولده باعتباره تابعاً تختلف عن مسئوليته عن ولده باعتباره تحت رقابته ، فالمسئولية الأولي لا تندفع المسئولية الأخرى تنفيه على النحو الذي قدمناه .

 ( [9] ) ولكن مدير الشركة يعتبر تابعاً للشركة ( استئناف مختلط في 11 يونية سنة 1913 م 25 ص 435 – وفي 30 يناير سنة 1923 م 35 ص 189 ) . والملتزم يبيع منتجات شركة في جهة معينة تعتبر سائقه تابعاً لهذه الشركة إذا كان الملتزم ممثلاً للشركة ( استئناف مختلط في 12 مارس سنة 1913 م 25 ص 230 ) .

وتعتبر الممرضة تابعة للطبيب الذي تعمل في خدمته ( استئناف مختلط في 2 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 10 ) . ولا يعتبر المؤجر متبوعاً لمستأجره ( محكمة المنصورة الجزئية المختلطة في 12 فبراير سنة 1919 جازيت 10 رقم 84 ص 80 ) – ولا يعتبر الوصي تابعاً للقاصر ( استئناف مختلط في 6 فبراير سنة 1930 م 42 ص 258 ) .

ولا يعتبر ناظر الوقف تابعاً والوقوف متبوعاً إلا إذا كان الناظر معيناً من قبل المستحقين ، أما إذا عينته وزارة الأوقاف أو القاضي فر ( استئناف مختلط في 24 ديسمبر سنة 1879 المجموعة الرسمية للمحاكم المختلطة 5 ص 83 – وفي 19 يونية سنة 1930 م 42 ص 576 ) . وهناك أحكام مختلطة قضت بأن الوقف لا يكون متبوعاً لأنه ليس بشخص اعتباري ( استئناف مختلط في 7 مايو سنة 1925 م 37 ص 410 ) ، ولأن الوقف لا يلتزم في غير الحالة المرضي إلا بدين أجازه القاضي ولأن تصرف الناظر لا يلزم الوقف إلا فيما فيه صالح الوقف ( استئناف مختلط في 16 مايوسنة 1894 م 6 ص 282 – وفي 31 مارس سنة 1927 م 29 ص 357 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن ناظر الوقف الذي لا يعطي المستحقين استحقاقهم في الوقف لا يجعل الوقف مسئولاً عنه ( 19 يونية سنة 1930 م 42 ص 576 وفي 29 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 166 . ويري الأستاذ مصطفي مرعي بك أن الوقف يسأل عن الخطأ الذي يقع من الناظر في أثناء عمله المنوط به بحكم وظيفته ، فإذا أتي الناظر في أثناء هذا العمل خطأ ضاراً بالغير كان للمضرور أن يرجع على الوقف متضامناً مع الناظر وللوقف أن يرجع على الناظر بما يدفعه عنه ( المسئولية المدنية فقرة 209 – 211 . ونحن إذا كنا نرى أن الوقف شخص معنوي إلا أننا نؤثر ألا يلتزم بتصرفات الناظر ، قولية كانت أو فعلية ، إلا في الحدود التي رسمها الفقه الإسلامي ، فإن الوقف نظام من خلق هذا الفقه ، فيؤخذ منه كما هو في غير ما تدعو له الضرورة .

والحارس على الأشياء المحجوزة يعتبر تابعاً للحاجز إذا كان هو الذي أختاره ( محكمة استئناف مصر الوطنية في 18 ديسمبر سنة 1930 المحاماة 11 رقم 368 ص 724 ) ، ولا يعتبر تابعاً له إذا عينه المحضر ( محكمة مصر الوطنية في 27 يناير سنة 1931 المحاماة 12 رقم 134 ص 351 – استئناف مختلط في 30 نوفمبر سنة 1893 م 6 ص 55 – وفي 3 مايو سنة 1917 م 29 ص 403 ) .

 ( [10] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن المقاول إذا كان يعمل مستقلا لا تحت رقابة صاحب العمل ، فإن المقاول لا يعتبر تابعاً لصاحب العمل ( استئناف مختلط في 27 أبريل سنة 1899 م 11 ص 196 – وفي 24 يونية 1903 م 15 ص 359 – وفي 22 نوفمبر سنة 1916 م 29 ص 64 – وفي 7 مايو سنة 1925 م 37 ص 415 – وفي 3 يونية سنة 1926 م 38 ص 460 – وفي 3 يناير سنة 1929 م 41 ص 152 – وفي 17 يناير سنة 1929 م 41 ص 182 ) .

وهناك أحكام قضت بأن المقاول يعتبر تابعاً لصاحب العمل متى كان يتبعه اقتصادياً ولو كان مستقلاً عنه في العمل ، كمعلم أنفار يعتبر تابعاً لصاحب العمل أو للمقاول الأصلي ( استئناف مختلط في 7 مايو سنة 1925 م 37 ص 415 – وفي 13 يناير سنة 1927 م 39 ص 170 ) . ولا تعتبر الحكومة متبوعة للمقاول ولا تكون مسئولة عن خطئه إذا تحتفظ إلا بحق الإشراف العام عليه دون أن يكون لها حق التوجيه والإدارة ( استئناف مختلط في 24 فبراير سنة 1949 م 61 من 60 ) ، وكانت الأحكام القديمة تقضى بقيام علاقة التبعية في هذه الحالة ( محكمة استئناف مصر الوطنية في 31 يناير سنة 1937 المحاماة 17 رقم 541 ص 1061 – استئناف مختلط في 24 يونية سنة 1902 م 15 ص 362 – وفي 4 نوفمبر سنة 1914 م 27 ص 8 ) ثم تطورت الأحكام إلى التمييز بين مجرد الإشراف العام فلا تقوم علاقة التبعية والإشراف المصحوبة بالتوجيه والإدارة فتقوم هذه العلاقة ( استئناف مختلط في 3 يناير سنة 1229 م 41 ص 152 – وفي 17 يناير سنة 1929 م 41 ص 182 – وفي 7 يونية سنة 1934 م 46 ص 322 – وفي فبراير سنة 1937 م 49 ص 95 – وفي 17 يونية سنة 1948 م 60 ص 149 – وفي 24 فبراير سنة 1949 م 61 ص 60 وهو الحكم الذي سبقت الإشارة إليه ) ، وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بأنه إذا أسس الحكم مسئولية الحكومة عن المقاول على مجرد قوله إنها كانت تشرف على عمل المقاول دون أن يبين مدى هذا الإشراف حتى يعرف ما يكون قد وقع من موظفيها من خطأ في عملية المقاولة ، وما أثر هذا الخطأ في سير الأعمال ، وما علاقته بالضرر الذي وقع ، أو هل الإشراف قد تجاوز التنفيذ في حد ذاته واحترام شروط المقاولة مما يؤخذ منه أن الحكومة تدخلت تدخلاً فعلياً في تنفيذ عملية المقاولة بتسييرها المقاول كما شاءت ، فهذا الحكم يكون قاصراً عن إيرادات البيانات الكافية القيام المسئولية ( نقص مدني في 17 أبريل سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 112 ص 340 ) . وقضت محكمة النقض أيضاً بأن مالك المنزل لا يسأل عن خطأ المانع الذي استأجره لعمل معين إذا كان لم يتدخل معه في إجراء هذا العمل ( نقص مدني في 14 ديسمبر سنة 1939 مجموعة عمر 3 رقم 13 ص 25 ) .

ومتى ثبت أن المقاول ليس تابعاً لرب العمل ، فلا يكون هذا مسئولاً عنه إلا إذا ارتكب خطأ شخصياً بأن عهد بالعمل إلى مقاول لا تتوافر فيه الشروط اللازمة للعمل الفني الذي عهد به إليه فيكون صاحب العمل مسئولاً عن خطئه الشخصي لا عن خطأ المقاول ( استئناف مختلط في 24 يونية سنة 1903 م 15 ص 359 – وفي 10 مايو سنة 1911 م 23 ص 306 – وفي 4 نوفمبر سنة 1914 م 27 ص 7 – وفي 3 يناير سنة 1929 م 41 ص 152 – وفي 17 يناير سنة 1929 م 41 ص 182 ) . ولا يكون المقاول الأصلي مسئولاً عن تابع المقاول من الباطن ( استئناف مختلط في 14 يناير سنة 1897 م 9 ص 118 :ولكن إذا ارتكب المقاول الأصلي خطأ شخصياً كان مسئولاً عنه )

 ( [11] ) استئناف مختلط في 9 أبريل سنة 1947 م 59 ص 175 – وإذا كلف الأب ولده تأدية مهمة ، فساق الوالد سيارة لتأدية هذه المهمة ، اعتبر تابعاً لأبيه ( استئناف مختلط في 22 مايوسنة 1940 م 52 ص 281 ) . وإذا أعار الأب ابنه أو ابنته سيارة وكان الابن أو البنت تملك رخصة شخصية للقيادة ، فلا يعتبر أي منهما تابعاً لأبيه ( استئناف مختلط في 29 مارس سنة 1933 م 45 ص 223 – وفي 19 مارس سنة 1931 م 43 ص 302 ) . وكذلك لا يكون الابن تابعاً إذا أعاره أبوه سيارته ولم يكن الابن يقضي مصلحة للأب بل يقضي مصلحة شخصية لنفسه ( استئناف مختلط في 15 يونية سنة 1932 م 44 ص 376 ) ويعتبر الأب مسئولاً عن حادث سيارة ، ولو اشتريت باسم ابنته ، إذا كان سائق السيارة الذي وقع بخطئه الحادث اقر انه مستخدم عند الأب وتبين أن الابنة تقيم ع والديها وليس لها مال ظاهر يسمح بشرائها السيارة ( استئناف مختلط في 22 مايو سنة 1930 م 42 ص 514 ) .

 ( [12] ) استئناف مختلط في 8 يونية سنة 1910 م 22 ص 360 – وفي 12 ابريل سنة 1939 م 51 ص 249 – وصاحب ” الجراج ” مسئول عن أخطاء السائق الذي يستخدمه ( استئناف مختلط في 11 ديسمبر سنة 1946 م 59 ص 73 ) ، حتى لو ذهب هذا وساق السيارة لعميل ليحضرها إلى الجراج ( استئناف مختلط في 8 فبراير سنة 1939 م 51 ص 149 ) .

 ( [13] ) ولا تعتبر الشركة مسئولة عن أعمال صاحب عربة تستخدمه للنقل إذا كان مستقلاً في عمله ( استئناف مختلط في 12 يونية سنة 1946 م 59 ص 18 ) . ولكن مالك سيارة الأجرة ( التاكسي ) يكون مسئولاً عن السائق ( استئناف مختلط في 13 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 21 ) .

 ( [14] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الموكل يسأل بالتضامن مع وكليه عن الإجراءات الكيدية التي يباشرها الوكيل ولو بغير إجازة موكله ( 6 مايو سنة 1926 م 38 ص 393 ) . وقضت أيضاً بان الموكل يسأل عن الغش الذي وقع من وكيله ( 4 فبراير سنة 1930 م 42 ص 249 ) . وقضت كذلك بأن الموكل يسأل عن الغش الذي وقع من وكيله ( فبراير سنة 1930 م 42 ص 249 ) . وقضت كذلك بأن المالك مسئول عن الخطأ الذي يرتكبه من يدير ملكه ( 28 يناير سنة 1926 م 38 ص 340 ) . وانظر في المسئولية الموكل عن وكيله الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 204 فقرة 208 .

 ( [15] ) استئناف مختلط في 28 فبراير سنة 1935 م 47 ص 175 .

 ( [16] ) ويكون الصديق في هذه الحالة متبوعاً عرضياً ( commettant occasionnel ) :انظر في مسئولية المتبوع العرضي تعليقاً للدكتور مرقص على الحكم الصادر من محكمة النقض في 15 فبراير سنة 1943 ( القضية رقم 513 قضائية ) في مجلة القانون والاقتصاد 15 ص 545 – ص 558 .

وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا ثبت أن الطاعن قد اختار السائق وكانت له عليه وقت حصول الحادث سلط الأمر والنهي ، ولو لم يكن هو المالك للسيارة ، فإن الحكم بإلزام الطاعن بالتعويض عن خطأ السائق في هذه الحالة يكون صحيحاً ( نقض جنائي في 18 أكتوبر سنة 1949 المحاماة 30 رقم 227 ص 432 ) . ويعتبر صاحب السيارة المعطلة متبوعاً عرضياً لسائق يربط السيارة المعطلة في سيارته ( استئناف مختلط في 28 ديسمبر سنة 1933 م 46 ص 109 ) .

 ( [17] ) وقد قضت محكمة النقض بأن وجود علاقة تبعية بين الطبيب وإدارة المستشفي الذي عالج فيه المريض ، ولو كانت علاقة تبعية أدبية ، كاف لتحمل المستشفي خطأ الطبيب ( نقض مدني في 22 يونية سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 379 ص 1156 ) .

 وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الصيدلي يعتبر تابعاً لصاحب الصيدلية ولو لم يكن هذا فنياً ، لأنه هو الذي أختاره وعليه رقابته ( 16 مارس سنة 1922 م 34 ص 240 ) . ولكن لا يعتبر المقاول متبوعاً لطبيب إذا نظم المقاول عيادة لعماله بالمجان واستخدم فيها الطبيب وكان هذا حائزاً على المؤهلات اللازمة ( استئناف مختلط في 15 فبراير سنة 1911 م 23 ص 183 ) .

 ( [18] ) وسنرى فيما يلي ، عند الكلام في أساس مسئولية المتبوع ، أن المتبوع قد يكون غير مميز .

 ( [19] ) محكمة استئناف أسيوط في 2 يونية سنة 1927 المحاماة 8 رقم 27 / 3 ص 50 وقد قضت محكمة النقض بأن انتفاء المسئولية المدنية عن التابع ينفيها أيضاً عن المتبوع بطريق التبعية ( نقض مدني في 19 نوفمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 94 / 1 ص 198 ) وقضت كذلك بأن الحكم ببراءة التابع لجنونه لا يجيز الحكم بالتعويض على متبوعه ( نقض جنائي في 18 مارس سنة 1946 المحاماة 27 رقم 57 ص 99 ) .

 ( [20] ) وإذا كانت السيارة في المثل الذي نحن بصدده في حراسة شخص غير التابع والمتبوع كما لو أعار صديق سيارته للمتبوع مع الاحتفاظ بالحراسة ( garde ) ، فدفعها هذا إلى تابعه ودهس بها التابع أحد العابرة ، فِإن المضرور يكون له الرجوع على التابع بمقتضى خطأ يجب إثباته ، ومن ثم يكون له الرجوع على المتبوع . كذلك يكون له الرجوع على صاحب السيارة الذي احتفظ بالحراسة بمقتضى خطأ مفترض ، فإذا رجع عليه دون أن يثبت خطأ في جانب التابع ، فإنه لا يستطيع الرجوع على التابع ما دام لم يثبت في جانبه خطأ ، كما لا يستطيع الرجوع على المتبوع لأن مسئولية التابع لم تتحقق .

 ( [21] ) وقد ذهب الأستاذ مصطفي مرعي بك في كتابه ” المسئولية المدنية في القانون المصري فقرة 220 – فقرة 229 ) إلى أنه يكفي أن نكون الوظيفة قد سهلت ارتكاب الخطأ أو ساعدت عليه أو هيأت الفرصة لارتكابه ، حتى تتحقق مسئولية المتبوع عن تابعه –واستشهد بأحكام صدرت من محكمة النقض وردت فيها هذه العبارات . ونحن نرى أن هذا توسع لا مبرر له في مسئولية المتبوع . وان محكمة النقض في الأقضية التي فصلت فيها كانت في غنى عن تقرير المبدأ على هذا النحو من السعة ، وسنعود إلى تفصيل ذلك ( أنظر في هذا المعنى الدكتور سليمان مرقص في تعليقه المنشور في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 169 – ص 176 ) .

 ( [22] ) ويفصل بعض الفقهاء ما بين هذه الفروض الثلاثة – مجاورة حدود الوظيفة والإساءة في استعمالها واستغلالها – حتى إذا أورد الأمثلة على كل فرض منها ، دق التمييز بينها حتى ينبهم ، وحتى تتدخل الفروض بعضها في بعض ، ويصعب التفريق بين فرض وفرض ( أنظر المسئولية المدنية للأستاذ مصطفي مرعي بك فقرة 220 وما بعدها حيث يستعرض هذه الفروض ، ويأتي بأمثلة لكل فرض يصعب في بعضها تخصيصه لفرض دون آخر )

 ( [23] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه لا يشترط أن تكون الجريمة التي تقع من الخادم قد وقعت بتحريض من السيد ، وبأن أساس مسئولية السيد عن أخطاء خادمه قائمة قانوناً على ما يفترض في جانب المتبوع من الخطأ والتقصير في اختيار التابع أو في رقابته ، وهذا النوع من المسئولية لا يشترط فيه تحريض من السيد ولا صدور أي عمل إيجابي منه ( نقض جنائي في 6 نوفمبر سنة 1939 المحاماة 20 رقم 201 ص 583 ) .

 ( [24] ) وقد قضت محكمة النقض بأن مسئولية المتبوع تتحقق حتى لو كان غائباً وغير عالم بجريمة التابع ( نقص جنائي في 6 نوفمبر سنة 1939 المحاماة 20 رقم 201 ص 583 وهو الحكم الذي سبقت الإشارة إليه –قارن نقض جنائي في 29 مارس سنة 1931 المحاماة 12 رقم 59 ص 105 ) .

 ( [25] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه يكفي لتطبيق المادة 152 من القانون المدني ( القديم ) أن يقع الخطأ المنتج للضرر من خادم وان يكون الخطأ قد وقع أثناء تأدية لخادم عمله ، فمتى توافرت هذه الشروط ثبتت مسئولية السيد بحكم القانون ، وبغير حاجة إلى البحث فيما إذا كان السيد قد احسن أو أساء اختيار خادمه ومراقبته ، أو أن الخادم خالف أمر سيده ، لان هذه المسئولية إنما هي مسئولية مفترضة افتراضاً قانونياً ( نقض مدني في 12 نوفمبر سنة 1936 مجموعة عمر 2 رقم ص 81 ) . وقضت محكمة الاستئناف الوطنية بان السيد متولي ولو كان الخادم ارتكب العمل رغماً من أوامر سيده ( استئناف في 2 فبراير سنة 1925 المحاماة 5 رقم 609 / 3 ص 737 ) ، وقضت أيضاً بأن مسئولية المتبوع تتحقق طالما كان العمل متصلاً بعمل التابع ، ولو كان ناشئاً عن سوء استعماله لمهام وظيفته أو عن إغفاله أوامر سيده ( استئناف في 7 فبراير سنة 1928 المحاماة رقم 521 / 2 ص 866 ) .

 ( [26] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه متى ارتكب الخادم الخطأ أثناء تأدية عمله ، وسواء كان هذا الخطأ ناشئاً عن باعت شخصي له أو عن الرغبة في خدمة السيد ، فقد ترتبت مسئولية السيد ، فقد ترتبت مسئولية السيد مدنياً عن هذا الخطأ ( نقص جنائي في 8 نوفمبر سنة 1937 المحاماة 18 رقم 219 ص 420 – وفي 22 أبريل سنة 1940 المحاماة 21 رقم 18 ص 19 – وفي 27 يناير سنة 1941 المحاماة 21 رقم 359 ص 852 – قارن نقض جنائي في 10 أبريل سنة 1933 المحاماة 14 رقم 3 / 1 ص 4 – محكمة مصر الوطنية في 12 مايو سنة 1927 المحاماة 7 رقم 481 ص 829 – استئناف مختلط في 20 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 104 – وفي 14 ديسمبر سنة 1933 م 46 ص 85 ) .

 ( [27] ) وضمنا الشرط الذي يجب توافره لتحقق مسئولية المتبوع في هذه الصيغة عمداً ، إذ لا يكفي أن يقال –كما يقال عادة –أنه لولا الوظيفة لما وقع الخطأ ، بل يجب أن يثبت أيضاً أنه لولا الوظيفة لما استطاع التابع أن يرتكب الخطأ أو لما فكر في ارتكابه .

 ( [28] ) وقد قضت محكمة النقض أن الخفير الذي يطلق في رعونة عياراً نارياً في أثناء حراسته ليلاً فيصيب شخصاً يكون قد ارتكب خطأ يجعل الحكومة مسئولة عنه ( نقض جنائي في 2 فبراير سنة 1925 المحاماة 5 رقم 609 ص 737 ) . وقضت أيضاً بأن سائق السيارة إذا تركها وبها مفتاح الحركة في عهدة تابع أخر لمخدومه ( خفير زراعة ) فعبث هذا التابع الذي يجهل القيادة بالمفتاح ، فانطلقت السيارة على غير هدى وأصابت المجني عليهما ، يكون قد ارتكب خطأ وهو يقوم بعمل من أعمال وظيفته ، وهو حفظ السيارة من أن يبعث بها ، ويكون المخدوم مسئولاً عن ذلك ( نقض جنائي في 23 ديسمبر سنة 1940 المحاماة 21 رقم 307 ص 702 ) وقضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن الممرض الذي يعمل في خدمة مستشفي ، إذا أخطأ فأعطى المريض سماً بدلا من الدواء ، وترتب على هذا الخطأ موت المريض ، يكون قد ارتكب الخطأ في عمل من أعمال وظيفته ، وتكون إدراة المستشفي مسئولة عنه 0 استئناف مصر في 29 فبراير سنة 1919 المجموعة الرسمية 22 رقم 36 ص 67 ) وقضت أيضاً بان المحضر الذي يبطئ في إعلان صحيفة الاستئناف ، ويترتب على ذلك عدم قبول الاستئناف يكون قد أخطأ في عمل من أعمال وظيفته ، وتكون الحكومة مسئولة عنه ( استئناف مصرفي 20 نوفمبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 356 ص 720 ) . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن البواب ، إذا تهاون فمكن لصاً من سرقة مال أحد المستأجرين ، يكون قد ارتكب خطأ في عمل من أعمال وظيفته ، ويكون المالك مخدومه مسئولاً عنه ( استئناف مختلط في 27 ديسمبر سنة 1928 م 41 ص 140 ) .

 ( [29] ) نقض جنائي في 27 يناير سنة 1941 مجموعة عمر لأحكام النقض الجنائية 5 رقم 196 ص 369 .

ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض في حكم آخر بأنه إذا ارتكب الموظف حال قيامه بوظيفته خطأ بدفع شخصي من انتقام أو حقد أو نحوها ، فالموظف وحده هو الذي يجب أن يسأل عما جر إليه من الضرر بالغير ، فإذا ذهب الخفير مع العمدة لإبطال السواقي التي كانت تدار لري الشراقي ، وأبطلا الساقية التي كان يديرها المجني عليه وولده ، غير أنه بعد انصراف العمدة والخفراء عاد الخفير الأول وأصر على أن يعطل ساقية المجني عليه ، فخلع الجازية وخلع الطين المثبت بها بواسطة فأس صغيرة ، ولما اعترضه المجني عليه ضربه عمداً بيد الفأس ، فكان ذلك سبباً في وفاته ، كان في كل هذا ما يشعر بجواز أن يكون الخفير إنما اعتدى على المجني عليه بدافع الانتقام إرضاء لضغينة سابقة ( نقض جنائي في 10 يناير سنة 1933 المحاماة 14 رقم 4 ص 5 – وأنظر نقداً لهذا الحكم في كتاب المسئولية المدنية للأستاذ مصطفي مرعي بك ص 201 – ص 203 )

 ( [30] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 18 نوفمبر سنة 1914 الشرائع 2 رقم 116 ص 115 .

 ( [31] ) نقض مدني في 28 نوفمبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 115 ص 260 . ومع ذلك فقد قضت محكمة جنايات أسيوط في 11 أغسطس سنة 1923 ( المحاماة 5 رقم 32 ص 31 ) بأنه إذا انطلق عيار ناري من بندقية الخفير وهو بعيد عن دركه الرسمي ، لغير عمل رسمي ، وكان الخفير محمل البندقية معبأة في غير الأحوال التي نصت عليها التعليمات ، فلا مسئولية على الحكومة .

 ( [32] ) نقض جنائي في 22 مارس سنة 1937 مجموعة عمر لأحكام النقض الجنائي 4 رقم 62 ص 56 .

 ( [33] ) نقض جنائي في 22 أبريل سنة 1940 المحاماة 21 رقم 18 ص 19 .

 ( [34] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 18 يولية سنة 1907 المجموعة الرسمية 9 رقم 17 ص 42 . ويقرب من هذا ، ما قضت به محكمة النقض الفرنسية أن إدارة السكك الحديدية مسئولة عن خطأ الكمساري الذي يستغل وظيفته في تهريب مسروقات من بلد إلى آخر ( نقض فرنسي في 22 مارس سنة 1907 – 1 – 473 )

 ( [35] ) نقض جنائي في 23 ديسمبر سنة 1940 المحاماة 21 رقم 307 ص 702 . وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم وذكرت محكمة النقض في أسباب حكمها ما يأتي : ” إن إصابة المجني عليهما قد سببت عن خطأ السائق أثناء قيامه بعمله عند مخدومه وخطأ الخفير وهو يؤدي عملاً لسيده ما كان يؤديه لو لم يكن خفيراً عنده “

ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الخادم ، وهو السائس لا السائق ، غير مكلف من قبل مخدومه بقيادة السيارة وكان أجنبياً عن هذه الخدمة ، فاستعمل السيارة في غفلة من المخدوم ، وصدم بها شخصاً فقتله ، فإن المخدوم لا يكون مسئولاً عن فعله ( نقض جنائي في 29 مارس سنة 1931 المحاماة 12 رقم 59 ص 105 – وانظر نقداً لهذا الحكم للأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية ص 195 س 196 )

 ( [36] ) ؟؟؟ أن الفراش لم يكن يفكر في ارتكاب الخطأ ؟؟؟ ؟؟ .

 ( [37] ) وقد دافع الأستاذ مصطفي مرعي بك عن هذا المعيار دفاعاً شديداً ( أنظر كتابه في المسئولية المدنية فقرة 229 بوجه خاص ) .

 ( [38] ) أنظر في هذا المعنى تعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 169 – ص 178 .

 ( [39] ) أنظر تعليق الدكتور سليمان مرقص في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 155 وما بعدها ، وهو التعليق الذي سبقت الإشارة إليه . وأنظر تعليقاً آخر له في مجلة القانون والاقتصاد . 17 العدد الثاني .

 ( [40] ) وقد رأينا فيما تقدم ( فقرة 682 في الهامش ) أنه لا يكفي القول بأنه لولا الوظيفة لما وقع الخطأ . فهذه العبارة لا تفيد أكثر من قيام علاقة السببية المباشرة ما بين الوظيفة والخطأ ، ولا تفهم منها حتماً أن الوظيفة كانت ضرورية لإمكان وقوع الخطأ .

 ( [41] ) جنايات المنصورة في 15 يناير سنة 1930 المحاماة 11 رقم 214 ص 378 .

 ( [42] ) نقض جنائي في 7 مايوسنة 1931 المحاماة 12 رقم 148 ص 267 .

 ( [43] ) نقض جنائي في 5 يناير سنة 1925 المحاماة رقم 503 ص 606 وقضت محكمة بني سويف في هذا المعنى بأنه إذا تضارب عمدة مع شخص آخر ، فاعتدي خادم العمدة على هذا الشخص الآخر ، كان العمدة مسئولاً عن فعل خادمه ( بني سويف في 31 يناير سنة 1921 المحاماة 2 رقم 94 ص 292 ) .

 ( [44] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 23 مايو سنة 1900 م 12 ص 274 . أنظر أيضاً استئناف مختلط في 20 مايو سنة 1903 م 15 ص 307 .

 ( [45] ) نقض جنائي في 8 نوفمبر سنة 1937 مجموعة عمر لأحكام النقض الجنائية 4 رقم 109 ص 90 .

 ( [46] ) استئناف مختلط في 19 أبريل سنة 1934 م 46 ص 264 . كذلك يكون عامل النقل مسئولاً عن عمل سائق عنده هتك عرض طفله كان مكلفاً بنقلها ( محكمة السين الفرنسية في 28 مايوسنة 1873 داللوز 1873 – 3 – 7 ) ، وعن سرقة عامل عنده لمتاع أحد الركاب ( محكمة السين الفرنسية في 24 فبراير سنة 1909 داللوز 1909 – 5 – 75 ) .

 ( [47] ) وقد رأينا أن التابع يعتبر قد ارتكب خطأ بسبب وظيفته ، سواء حرضه المتبوع على هذا الخطأ أو لم يحرضه ، وسواء علم المتبوع بالخطأ أو لم يعلم ، وسواء عارض فيه أو لم يعارض . ورأينا كذلك أن الخطأ يكون بسبب الوظيفة حتى لو دفع التابع إلى ارتكابه حافز شخصي .

وبقي أن تقرر أن مسئولية المتبوع تنتفي ، ولو كان الخطأ بسبب الوظيفة ، إذا تبين أن المضرور قد عامل التابع وهو عالم بمجاوزته حدود وظيفته ، فإن المضرور في هذه الحالة يكون قد عامل التابع بصفته الشخصية لا باعتباره تابعاً . وقد قضت محكمة النقض بأن معاملة التابع مع العلم بأنه لا يعمل لحساب متبوعه لا يجعل المتبوع مسئولاً ، كمستخدم في مصرف عومل على اعتبار أنه يعمل لحساب نفسه ، فلا يكون المصرف مسئولاً عنه ( نقض جنائي في 11 نوفمبر سنة 1946 المحاماة 27 رقم 114 ص 296 ) . فلو أن سائق السيارة انفق مع صديق له على أن يختلس السيارة من سيده للتنزه بها معا ، وارتكب السائق خطأ كان سبباً في إصابة صديقه ، لم يكن صاحب السيارة مسئولاً عن هذا الخطأ ( الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار فقرة 96 ص 111 – أنظر تعليقاً له في مجلة القانون والاقتصاد 13 ص 180 – وانظر استئناف مختلط في 5 يناير سنة 1916 م 28 ص 91 – وفي 16 مارس سنة 1932 م 44 ص 228 )

 ( [48] ) وقد رأينا أن المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد قد جاري محكمة النقض فيما درجت عليه من توسع يجاوز الحاجة ، فنصت الفقرة الأولي من المادة 242 من هذا المشروع على أن يكون المتبوع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع أثناء تأدية الوظيفة التي عهد بها إليه ، ويكون مسئولاً كذلك إذا كانت الوظيفة قد هيأت الفرصة للتابع في ارتكاب العمل غير المشروع حتى لو لم يكن هذا العمل من بين أعمال تلك الوظيفة ” . وكذلك فعل المشروع النهائي والمشروع الذي اقره مجلس النواب ولجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ هي التي أدخلت هذا التعديل الموفق على النص ، فجعلت ” المتبوع مسئولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها ” ، وان كانت قد ذكرت في تقريرها أنها آثرت ” أن تنسج على منوال التقنين الحالي ( القديم ) في التعبير إبقاء على ما أنتهي إليه القضاء من نتائج في تفسير نص المادة 152 من القانون الحالي ( القديم ) ” . فلم تكن تحس وقت أن أدخلت هذا التعديل مقدار ما أصابت من التوفيق ( أنظر مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 413 – ص 420 ) .

 ( [49] ) نقض مدني في 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 156 ص 436 . وقد قرر هذا الحكم أن أحكام مسئولية المتبوع عن التابع واحدة في القانونين المصري والفرنسي ، ثم بحث عن الأساس الذي تقوم عليه هذه المسئولية . فقال في هذا المعنى إن المادة 152 من القانون المدني ( القديم ) تقتضي لمساءلة المخدوم أن يكون الضرر الذي أصاب الغير ناشئاً عن فعل الخادم في حال تأدية وظيفته ( en exerqant ses fonetions ) تلك العبارة التي يقابلها في المادة 1384 من القانون الفرنسي ( dans les fonctions auxquelles ils ont employes ) والعبارتان مؤداهما وأحد ، ولا فرق بينهما إلا من حيث أن النص في القانون المصري قد لوحظ فيه دقة التعبير عن المعني المقصود . والمادة المذكورة إذ جعلت المسئولية تتعدى إلى غير من أحدث الضرر قد جاءت استثناء من القاعدة العامة التي مقتضاها ، بناء على المادة 151 من القانون المدني ( القديم ) أن الذي يلزم بالتعويض هو محدث الضرر . وهذا الاستئناف –على كثرة ما قيل في صدد تسوقه – أساسه أن شخصية المتبوع تتناول بحيث يعتبران شخصاً واحداً لذلك يكون من المتعين عدم الأخذ بهذا الاعتبار إلا في الحدود المرسومة في القانون ، وهي أن يكون واقعاً أثناء قيامه بوظيفته وبما أن مسئولية المخدوم عن خطأ خادمه ، وإن كان محل خلاف من حيث وجوب اتصال الفعل الضار بالوظيفة إذا كان قد وقع أثناء القيام بها او عدم وجوب اتصاله بها ، إلا أنه لا جدال في أن الحادث الموجب للمسئولية يجب أن يكون قد افترضه التابع في وقت لم يكن قد تخلي فيه عن عمله عند المتبوع وانقطعت الصلة بينهما لو موقتاً وأصبح التابع بذلك حراً يفعل ما يريد ويتصرف كما يشاء تحت مسئوليته وحده . ذلك لأن مسئولية المتبوع إنما تقوم على ما للسيد من حق إصدار أوامره وتعليماته إلى تابعه والتمكن من ملاحظته في تنفيذ ما عهد به إليه . فإذا انفلت هذا الزمام من يد المتبوع كان التابع غير قائم بوظيفته ، وكان المتبوع من ثم غير مسئول عن تصرفاته بحال ما .

ومهما يكن من وجاهة هذه الأسباب ، فإن هناك محلاً للتحفظ في هذه القضية . ذلك أن القتيل كان رئيسياً لعمال المصنع ، وقد قتلوه انتقاماً منه ، لضربه واحداً منهم لاحظ عليه مخالفته للتعليمات . فيمكن القول أن العمال ما كانوا ليفكروا في ارتكاب جريمتهم لولا الوظيفة ، ويكون الخطأ الذي صدر منهم قد وقع بسبب الوظيفة ، فتقوم مسئولية صاحب المصنع باعتباره مخدوماً للعمال .

 ( [50] ) جنايات طنطا في 5 فبراير سنة 1924 المحاماة 5 رقم 33 ص 34 . كذلك لا يكون المخدوم مسئولاً إذا سرق خادمه متاعاً من المنزل الذي يقيم فيه بعيداً عن سيده ، أو سرق شيئاً من مطعم يتردد عليه ، أو بدد وديعة أو ثمن عليها بصفته الشخصية ( الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 230 ص 207 )

 ( [51] ) استئناف مختلط في 3 مايوسنة 1905 م 17 ص 257 . وقد تكون ” البندقية ” التي كان الحارس يصطاد بها سلمت له بحكم عمله ، فتكون الوظيفة قد ساعدت على ارتكاب الخطأ ، وتنتقل بذلك من خطأ أجنبي عن الوظيفة إلى خطأ بمناسبة الوظيفة ، ولكن في الحالتين لا مسئولية على المتبوع .

 ( [52] ) استئناف مختلط في 2 مايوسنة 1906 م 18 ص 231 – وانظر أيضاً محكمة مصر التجارية المختلطة في 28 مارس سنة 1930 جازيت 20 رقم 200 ص 192 .

 ( [53] ) أنظر في هذا المعني الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 230 – وقد أورد مثل من يرسل خادمه ليشتري له شيئاً من السوق ، فيتشاجر الخادم في الطريق مع آخر ويعتدي عليه ، فلا يكون المخدوم مسئولاً . وأورد أيضاً مثل الموظف يستقبل في مكتبه وفي وقت عمله دائناً له ، وتقوم مشادة بين الاثنين بسبب الدين ، فيعتدي الموظف على الدائن بالضرب ، فلا يكون المخدوم مسئولاً .

 ( [54] ) وقد كنا نأخذ برأي آخر في الموجز ( فقرة 353 ) ، فكنا نقول بأن مسئولية المتبوع عن تابعه مبينة على خطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس .

 ( [55] ) أنظر آنفاً فقرة 671 في الهامش .

 ( [56] ) وقد كنا ، كما سبق القول ، ممن يقول بهذا الرأي ، وقد جاء في الموجز ( فقرة 353 ) في هذا الصدد ما يأتي : ” مسئولية المتبوع عن تابعه ، في الحدود التي بيناها ، مبينة على خطأ في ” التوجيه والرقابة ” ، وهو خطأ مفروض في جانب المتبوع لا يكلف المدعي بإثباته . وليس على هذا إلا أن يثبت خطأ التابع ، فيفرض أن المتبوع قد قصر في توجيه تابعه أو في رقابته حتى وقع منه هذا الخطأ والخطأ المفروض في جانب المتبوع لا بقبل إثبات العكس ، فلا يجوز للمتبوع أن يتخلص من المسئولية بإثبات أنه اتخذ جميع الاحتياطات المعقولة لتوجيه تابعه والرقابة على أعماله كما يستطيع ذلك من يتولى رعاية شخص آخر فيما قدمناه ” أنظر أيضاً الدكتور حشمت أبو ستيت بك في نظرية الالتزام فقرة 509 ( وهو ينتهي بأن هذه المسئولية لا يمكن ردها إلى أساس من المنطلق مستقيم ، ولا مناص من التسليم بها كما أرادها القانون والقضاء ) . وانظر كذلك الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 232 . وقد صدرت من حكمة النقض أحكام كثيرة في معنى الخطأ المفترض . من ذلك ما قضت به هذه المحكمة من أن ” ضمان السيد يقوم قانوناً على مظنة خطئه في اختياره خادمه وفي مراقبته إياه خطأ من المخدوم في اختيار الخادم أو في مراقبته ولا يعفى السيد من الضمان إلا إذا أثبت أن الحادث الضار قد نشأ عن قوة قاهرة لا شأن فيها لخادمه أو عن خطأ المجني عليه نفسه ” ( نقض جنائي في 27 مارس سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 ص 67 – ويلاحظ ان المحكمة هنا قد أعفت المتبوع من المسئولية عند ما ينفي هذه المسئولية لا عن نفسه هو بل عن تابعه ، فتنفي المسئولية عن المتبوع لا اعتداء بل معاً لا نتفائها عن التابع – انظر نقض جنائي في 7 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر لأحكام النقض الجنائية 3 رقم 1 ص 1 ) ومن ذلك أيضاً ما قضت به من أن ” هذه المسئولية ( مسئولية المتبوع ) مفترضة افتراضاً قانونياً ” ( نقض مدني في 12 نوفمبر سنة 1936 مجموعة عمر 2 رقم 5 ص 8 ) ، وما قضت به من ” أن أساس مسئولية السيد عن أخطأ خادمه قائمة قانوناً على ما يفترض في جانب المتبوع من الخطأ والتقصير في اختيار التابع أو في رقابته ” ( نقض جنائي في 6 نوفمبر سنة 1939 المحاماة 2 رقم 201 ص 583 ) ، وما به من أن المتبوع يجب أن يسأل على أساس إساءة الخدم استعمال شؤون الخدمة التي عهد هو بها إليهم ، متكفلاً بما افترضه القانون في حقه من وجوب مراقبتهم وملاحظتهم في كل ما تعلق به ” ( نقص جنائي في 22 أبريل سنة 1940 المحاماة 21 رقم 18 ص 19 – وانظر أيضاً في هذا المعني :نقض جنائي في 27 يناير سنة 1941 المحاماة 21 برقم 359 ص 852 ) وما قضت به من أن مسئولية السيد أساسها خطأه بسوء اختيار من عهد إليهم بخدمته وبتقصيره في مراقبتهم ، وهذه ( المسئولية ) ليست إلا تطبيقاً خاصاً لقواعد المسئولية الشخصية ، إلا أن الشارع قد أراد أن يجعل من خطأ الخادم قرينة قاطعة على خطأ سيده ، فلم يغنه عموم نص المادة 151 ( القديمة ) ( نقض مدني في 28 نوفمبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 115 ص 260 ) .

وجاء في الأعمال التحضيرية للقانون المدني الجديد ما يفيد أن مسئولية المتبوع مبينة على خطأ مفترض ، من ذلك ما ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي من ” أن المشروع جعل من الخطأ المفترض أساساً لهذه المسئولية . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 414 ) . ومن ذلك ما وقع في لجنة المراجعة من أن أحد أعضاء هذه اللجنة أثار مسئولية المتبوع إذا كان غير ” فأحسب بأنه ما دامت المسئولية مبنية على خطأ مفترض فلا يتصور افتراض الخطأ في عمر مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 5 القانون المدني بمجلس الشيوخ أن ” خطأ الخادم مفروض فيه انه يرجع لسوء اختياره من قبل السيد ، فالخطأ مفروض فرضاً غير قابل لإثبات العكس ، وهذا هو ما أجمع عليه القضاء ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 419 – أنظر أيضاً ص 418 ) . ولا نظن أن الأعمال التحضيرية ، على صراحتها في أن مسئولية المتبوع تقوم على خطأ مفترض ، تقيد الفقه في اجتهاده ، إذا هو ذهب إلى أساس آخر لهذه المسئولية في ظل القانون الجديد .

ومن الفقهاء الفرنسيين الذين يقولون بالخطأ المفترض بودرى وبارد 4 فقرة 2911 – ديمولومب 8 فقرة 610 – لوران 20 فقرة 570 وما بعدها –بيدان فقرة 1211 ومن ذلك نرى أن الخطأ المفترض هو الرأي التقليدي في فرنسا في هذه المسألة . وانظر في الأحكام الفرنسية التي أخذت بهذا الرأي مازو 1 فقرة 931 في الهامش .

 ( [57] ) وقد رأينا أن متولي الرقابة يستطيع التخلص من المسئولية على هذا الوجه ، كما يستطيع التخلص بإثبات أنه قام بواجب الرقابة ( أنظر أنفاً فقرة 673 ) ، لأن افتراض الخطأ في جانبه قابل لإثبات العكس ، فيستطيع نفي المسئولية بإثبات العكس كما يستطيع نفيها بنفي علاقة السببية .

 ( [58] ) أنظر في هذا المعني :نقض جنائي في 27 مارس سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 ص 67 . وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم والى هذه الملاحظة .

 ( [59] ) وقد كان المشروع التمهيدي للقانون الجديد يتضمن نصاً بهذا المعني ( الفقرة الثالثة من المادة 242 من هذا المشروع ) ، وقد حذفته لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ ، وان كانت قد ذكرت في تقريرها سبباً لهذا لحذف أن حم الفقرة المحذوفة ” يقضي إلى جعل قرينة المسئولية من قبيل القرائن البسيطة في هذه الحالة ، ولا محل للعدول عما قرره القانون الحالي ( القديم ) من جعل هذه القرينة قاطعة لا تسقط بإثبات العكس ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 420 ) وقفي هذه الخطأ واضح بين نفي الخطأ ونفي علاقة السببية .

 ( [60] ) على أن هناك من التقنيات الحديثة ما يقيم مسئولية المتبوع على خطا مفترض ، بلا لا يتشدد في هذا الافتراض إلى حد أن يجعله غير قابل لإثبات العكس ، فيجيز للمتبوع نفي الخطأ ( أنظر في هذا المعني التقنين الألماني م 831 وتقنين الالتزامات السويسري م 55 والتقنين الصيني م 188 . ويصل التقنين النمساوي م 1385 إلى حد انه يجعل المضرور مطالباً بإثبات الخطأ في جانب المتبوع ) . ويمكن القول أن التقنيات الجرمانية أكثر تساهلاً في مسئولية المتبوع من التقنيات اللاتينية ، فهذه لا تجيز للمتبوع حتى أن ينفي علاقة السببية ( أنظر التقنين الفرنسيم 1384 فقرة ثالثة – المشروع الفرنسي الإيطالي م 79 – التقنين المصري القديم م 152 / 214 – التقنين المصري الجديد م 174 – تقنين كويبك م 1054 فقرة 7 – وعلى هذا النهج سار التقنين البولوني م 144 ) .

 ( [61] ) أنظر آنفاً فقرة 679 في آخرها .

 ( [62] ) قضت محكمة النقض بأن القاصر يسأل في ماله عن خطأ خادمه عملاً بالمادة 152 مدني ( قديم ) ، ولا يحمل عنه وصية هذه المسئولية ( نقض مدني 12 نوفمبر سنة 1936 مجموعة عمر 5 ص 8 ) . وقضت أيضاً بأن المادة 152 ص القانون المدني ( القديم ) ، إذ نصت بصيغة مطلقة على أنه ” يلزم السيد بتعويض الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمه متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظائفهم ، فقد أفادت أنه لا يقتضي ثبوت أي تقصير أو إهمال من جانب المتبوع الذي يلزم بالتعويض ، بل يكفي لتطبيقها أن يكون الخطأ المنتج للضرر قد وقع من التابع أثناء تأدية وظيفته لدى المتبوع . وإذن فيصح بناء على هذه المادة مساءلة القاصر عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن أفعال خدمه الذين عينهم له وليه أو وصيه أثناء تأدية أعمالهم لديه . ولا يرد على ذلك بأن القاصر بسبب عدم تمييزه لصغر سنه لا يتصور أي خطأ في حقه ، إذ المسئولية هنا ليست عن فعل وقع من القاصر فيكون للادراك والتمييز حساب ، وإنما هي عن فعل رقع من خادمه أثناء تأدية أعماله في خدمته ( نقض جنائي في 25 مايو سنة 1942 المحاماة 23 رقم 95 ص 212 ) .

أما ورد في الأعمال التحضيرية ، وسبقت الإشارة إليه ، من أنه عندما أنيرت مسألة المتبوع إذا كان غير مميز في لجنة المراجعة ، ” فأجيب بأنه ما دامت المسئولية مبنية على خطأ مفترض فلا يتصور افتراض الخطأ في جانب غير المميز ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 415 ) ، فلا يعتبر تفسيراً لأحكام القانون المدني الجديد في هذه المسألة .

 ( [63] ) جوسران 2 فقرة 513 – ديموج 5 فقرة 882 – سافاتييه 1 فقرة 284 وما بعدها –دالانDallant ) في تعليقه في داللوز 1931 – 1 – 171 – بلانيول في المجلة لانتقادية سنة 1909 .

وانظر أيضاً محكمة الاستئناف المختلطة في 7 مايو سنة 1925 م 27 ص 415 .

 ( [64] ) أنظر في هذا المعني ريبير في القاعدة الأدبية في الالتزامات المدنية فقرة 126 – بيسون في تعليقه في داللوز 1928 – 2 – 13 – شوفو فقرة 23 – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك في مسئولية المتبوع عن فعل تابعه ، رسالة باللغة الفرنسية سنة 1929 ص 48 وما بعدها .

 ( [65] ) انظر في هذا المعني محكمة الاستئناف المختلطة في 14 ديسمبر سنة 1933 م 46 ص 85 – محكمة النقض الفرنسية في 11 مايو سنة 1846 داللوز 1846 – 1 – 192 .

 ( [66] ) انظر في هذا المعني مازو 1 فقرة 93 – تيسير ( Teisseire ) رسالة من أكس سنة 1901 ص 256 – كولان وكابيتان ودي لامورانديير 2 فقرة 350 – بلانيول وربير 2 فقرة 112 – الدكتور سليمان مرقص في الفعل الضار ص 115 ( ويرى أن أساس مسئولية المتبوع إذا كان خطأ التابع قد وقع في تأدية الوظيفة هو الخطأ المفترض ، وإذا كان الخطأ قد وقع مجاوزا لحدود الوظيفة كان الأساس إما فكرة الحلول أو فكرة الضمان أو فكرة التبعة ) .

 ( [67] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة في هذا المعني بأن المتبوع يكون مسئولاً قانوناً عن خطأ تابعه ولو لم يرتكب هو أي خطأ شخصي ، فإن خطأ التابع يعتبر كأنه خطأ المتبوع ( استئناف مختلط في 4 فبراير سنة 1937 م 49 ص 95 ) .

وقضت النقض في حكم لها بأن أساس مسئولية المتبوع هو فكرة الحلول ، فقالت أن المادة المذكورة ( م 152 مدني قديم ) إذ جعلت المسئولية تتعدى إلى غير من احدث الضرر قد جاءت استئناف من القاعدة العامة التي مقتضاها ، بناء على المادة 151 من القانون المدني القديم أن الذي يلزم التعويض هو محدث الضرر . وهذا الاستثناء – على كثرة ما قيل في صدد تسويغه – أساسه أن شخصية المتبوع تتناول التابع بحيث يعتبران شخصاً واحداً ” ( نقض مدني تسويغه – أساسه أن شخصية المتبوع تتناول التابع بحيث يعتبران شخصاً واحداً ” . ( نقض مدني في 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 156 ص 436 ) .

 ( [68] ) وقد قضت محكمة إسكندرية الكلية الوطنية بأنه إذا وقعت جريمة من خادم باشتراكه مع آخر كان المخدوم مسئولاً أمام المجني عليه من كامل التعويض المستحق عن الجريمة ” سواء رفعت الدعوى عليه بمفرده أو رفعت عليه مع خادمه أو عليه مع شريك خادمه أو عليهم جميعاً بالتضامن ( إسكندرية الكلية الوطنية في 29 أكتوبر سنة 1932 المحاماة 13 رقم 443 ص 903 ) .

 ( [69] ) أنظر تاريخ النص آنفاً ( فقرة 674 في الهامش ) .

 ( [70] ) وقد سبق أن أشرنا إلى أن مسئولية المتبوع هي وحدها التي تتمحض مسئولية عن الغير ” أما مسئولية متولي الرقابة فهي مسئولية ذاتية تنتهي إلى أن تكون مسئولية عن الغير . فهي إذن ابتداء مسئولية ذاتية ، وانتهاء عن الغير . أما مسئولية المتبوع فمسئولية عن الغير ابتداء وانتهاء .

 ( [71] ) وقد قضت محكمة النقض في هذا المعنى بأن القانون يعتبر المخدوم مسئولاً عن الفعل الضار الذي يقع من خادمه أثناء خدمته ، وهذا الاعتبار ميناه مجرد افتراض قانوني في حق المخدوم لا يتحقق إلا بالنسبة لمن وقع عليه الضرر ، ولا يمكن أن يستفيد منه الخادم إلا إذا أقام الدليل على وقوع خطأ من جانب مخدومه أيضاً . فإذا كان المخدوم لم يقع منه أي خطأ ، فإنه يحق له أن يطلب تحميل خادمه هو والمتهمين معه ما ألزم بدفعه للمدعي بالحقوق المدنية تنفيذاَ للحكم الصادر بالتضامن معهم لأن هذا التضامن لم يقرره القانون إلا لمصلحة من وقع عليه الضرر وان تقدير حصة كل ممن اشتركوا في إحداث الضرر يجب بحسب الأصل أن يكون المناط فيه مبلغ جسامة الخطأ الذي ساهم به فيما أصاب المضرور إذا كانت وقائع الدعوى تساعد على تقدير الأخطاء على هذا الأساس . أما إذا كان ذلك ممتعاً ، فإنه لا يكون ثمة من سبيل إلا اعتبار المخطئين مسئولين بالتساوي عن الضرر الذي تسببوا فيه ( نقض جنائي في 19 مايو سنة 1941 المحاماة 22 رقم 79 ص 237 ) .

 ( [72] ) أنظر الأستاذ مصطفي مرعي بك في المسئولية المدنية فقرة 234 ص 214 – وقد أشار إلى حكم في هذه المعنى لمحكمة النقض قضت فيه ” بأنه إذا رفعت دعوى تعويض على متهم عما أحدثه من أضرار المدعى بالحق المدني وعلى وزارة الداخلية بالتضامن مع المتهم لأنه من رجالها وهي مسئولية عن أفعال رجالها ومتضامنة معهم في تعويض كل ضرر يحدث منهم أثناء تأدية وظائفهم ، فللحكومة أن توجه دعوى الضمان الفرعية إلى المتهم في حالة الحكم للمدعين بالتعويض فإذا قضت المحكمة بعدم قبول دعوى الضمان الفرعية بحجة أنها سابقة لأوانها ، كان قضاؤها بذلك خاطئاً في تطبيق القانون ، ويتعين نقصه ” . ( نقص جنائي في 25 مايو سنة 1936 مجموعة عمر لأحكام النقض الجنائي 3 رقم 475 ص 604 ) .

نقلا عن محامي أردني