التأشير ببراءة ذمة المدين

التأشير ببراءة ذمة المدين

147 – النصوص القانونية : تنص المادة 399 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” 1 – التأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين حجة على الدائن  291  إلى أن يثبت العكس ، ولو لم يكن التأشير موقعاً منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته ” .

 ” 2 – وكذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن بخطه دون توقيع ما يستفاد منه براءة ذمة المدين فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو المخالصة فى يد المدين ” ( [1] ) .

ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 230 / 295( [2] ) .

  292  

ويقابل فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 19 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 460 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 167 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 386( [3] ) – ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1332( [4] ) .

  293  

148 – حالتان : ويستخلص من نص التقنين الجديد –وقد احتذى فيه نص التقنين المدنى الفرنسى – أن التأشير على سند بما يفسر براءة ذمة المدين ، دون توقيع من الدائن ، يكون قرينة على الوفاء . وهى بعد قرينة قابلة لإثبات العكس . والذى يقف بالدائن عادة عن التوقيع هو أن يكون الوفاء جزئياً . فيدفع المدين الفوائد أو قسطاً من الدين ، ومن ثم يكتفى الدائن بالتأشير بذلك إما فى سند الدين الذى بيده ، وإما فى نسخة أصلية أخرى للسند فى يد المدين ، وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين ليؤشر فيها الدائن تباعاً بما يقوم به المدين من دفعات متوالية( [5] ) . ولا يوقع الدائن هذا التأشير ببراءة ذمة المدين ( [6] ) انتظاراً  294  للوفاء ببقية الدين ، فإذا تم الوفاء بالدين كله أعطى المدين مخالصة نهائية ، أو سلمه سند الدين ( [7] ) . على أن هذا لا يمنع من أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين من الدين كله .

وقد رأينا أن نص التقنين الجديد يميز بين حالتين : ( 1 ) التأشير على سند فى يد الدائن . ( 2 ) التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين . فنبحث كلا منهما .

  295  

المطلب الأول

التأشير على سند فى يد الدائن

149 – شرطان : يشترطن حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند فى يد الدائن ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك تأشير ببراءة ذمة المدين على سند الدين . ( 2 ) أن يبقى السند دائماً فى حيازة الدائن .

150 – الشرط الأول – تأشيرة ببراءة ذمة المدين على سند الدين : يجب أن يكون التأشير مكتوباً فى سند الدين ذاته . فإذا كتب فى روق أخرى غير هذا السند ، فى صورة للسند أو فى ورقة مستقلة عنه ، لم تقم قرينة الوفاء . ذلك أن أصل السند هو الذى يحتج به الدائن ، ويطالب المدين بمقتضاه . فالتأشير ببراءة ذمة المدين فى هذا الأصل بالذات يمنع الدائن أن يبرز السند لمطالبة المدين به دون أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين ثابتاً فى نفس السند الذى يطالب به . أما إذا كتب التأشير فى صورة للسد أو فى ورقة مستقلة عنه ، فإنه يسهل على الدائن إخفاء هذه أو تلك ، ثم يطالب المدين بمقتضى السند الأصلى وهو لا يحمل أى تأشير . ولهذا يحرض المدين على أن يكون التأشير فى سند الدين ذاته . ومن هنا تقوم قرينة الوفاء .

ويكتب التأشير فى أى مكان من السند ، فى ذيله أو على هامشه أو فى ظهره أو فى أى مكان آخر ( [8] ) .

  296  

ويكون مضمون هذا التأشير هو براءة ذمة المدين . وأية عبارة تفيد هذا المعنى تكفى ، فلا يشترط لفظ معين . فالتأشير بأن ذمة المدين قد برئت من الدين ، أو أبرئت ، أو أن الدين قد انقضى ، أو أنا لمدين قد قام بالوفاء ، أو أنه قد تخالص ، أو أنه قام بوفاء مبلغ كذا ، أو بوفاء قسط معين ، أو نحن ذلك من العبارات التى تفيد براءة ذمة المدين براءة كلية أو جزئية ، كل هذا يصلح أن يكون تأشيراً بالمعنى المقصود .

ولا يكون التأشير موقعاً من الدائن كما قدمنا ، وإلا لصلح أن يكون دليلاً كاملاً دون حاجة إلى نص . وكونه غير موقع من الدائن هو الذى يكشف عن وجه الاستثناء فى هذه المسألة ، إذ يكون القانون قد جعل من ورقة صادرة من شخص معين دليلاً كاملاً على هذه الشخص مع أن الورقة غير موقعة منه .

بل ليس ضرورياً أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى السابق ( م 230 / 295 ) ( [9] ) . أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 فقرة أولى ) فقد اشترط أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ( [10] ) . ولم ير التقنين المدنى المصرى الجديد – أسوة بالتقنين المدنى المصرى القديم – أن يضع هذا  297  الشرط ، وذلك لعدم انتشار الكتابة انتشاراً كافياً . ومن ثم يصح أن يكون التأشير مكتوباً بخط أجنبى ، بل بخط المدين نفسه ، ما دام السند فى حيازة الدائن كما سيأتى . ولكن إذا لم يكن من الضرورى أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ، فإنه يجب على الأقل أن يكون مكتوباً بإملائه أو بموافقة منه حتى يكون صادراً عنه ويكون هناك محل لقيام القرينة على الوفاء . ويفرض دائماً أن التأشير قد كتب برضاء الدائن ، حتى يثبت هو أنه كتب بغير رضائه .

وسواء كتب التأشير بخط الدائن أو كتب بخط غيره ، فقد يحدث أن هذا التأشير يمحى أو يشطب ( [11] ) . فهل تزول قوة التأشير فى الإثبات بهذا المحو أو الشطب ، أو هى تبقى بالرغم من ذلك؟ انقسم الفقه الفرنسى فى هذه المسألة ( [12] ) . وقد  298  تأ أثيرت المسألة فى لجنة المراجعة فرؤى تركها للقواعد العامة . ويبدو أن التأشير الممحو أو المشطوب يجب أن يبقى حافظاً لقوته فى الإثبات ، فتقوم قرينة الوفاء بالرغم من المحو أو الشطب . والدائن هو الذى يثبت أن القرينة فى الحقيقة غير قائمة ( [13] ) ، بأن يثبت أن المحو أو الشطب كان بسبب مشروع ، كأن يكون قد كتب التأشير مقدماً متوقعاً الوفاء فلم يتم ، فمحا التأشير تبعاً لذلك . ولو قلنا بالرأى الآخر ، وبأن التأشير تزول قوته بالمحو أو الشطب ، لسهل على الدائن بعد التأشير ببراءة ذمة المدين فى سنده بيده وفى حيازته أن يمحو هذا التأشير أو يشطبه ( [14] ) .

151 – الشرط الثانى – بقاء الند دائماً فى حيازة الدائن : ويجب حتى تقوم قرينة الوفاء أن يكون سند الدين الذى يحمل التأشير باقياً فى يد الدائن ، لم يخرج قط من حيازته . فإذا كان قد خرج من حيازته ولو لحظة واحدة ، منع ذلك من قيام قرينة الوفاء ، إذ يحتمل أن التأشير – وقد رأينا أنه لا يشترط فيه أن يكون بخط الدائن – قد كتب بخط أجنبى أو بخط المدين نفسه فى هذه اللحظة بالذات التى خرج فيها السند من حيازة الدائن . فإذا ما استرد الدائن حيازة السند ، لم تبق له حيلة فى التأشير إلا المحو أو الشطب ، وقد رأينا أنهما لا يزيلان قرينة الوفاء ( [15] ) .

  299  

وقد كان التقنين المدنى السابق لا يشترط هذا الشرط ، وهو فى الوقت ذاته لا يشترط – كما رأينا – أن يكون التأشير بخط الدائن . فقد كانت المادة 230 / 295 من هذا التقنين ، وقد سبق ذكرها ، تجرى على الوجه الآتى :

 ” التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ( [16] ) ” . ومن ثم كان الخطر كبيراً فى ظل هذا التقنين السابق من قيام قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فكان لا يبقى أمام الدائن إلا دحض القرينة بالدليل العكسى بعد قيامها . والظاهر أنه كان يكفيه فى ذلك أن يثبت أن السند قد خرج من حيازته فترة من الزمن ، حتى ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ليثبت أن التأشير لم يكتب فى اللحظة التى خرج منه سند الدين من حيازة الدائن ( [17] ) . ولما كان التقنين الجديد قد استحدث شرط بقاء السند فى حيازة الدائن ، فالعبرة بتاريخ خروج السند  300  من حيازة الدائن لمعرفة القانون الذى يسرى . فإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن قبل يوم 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يمنع خروج السند من حيازة الدائن أن تقوم قرينة الوفاء وفقاً لهذا التقنين . وإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن فى تاريخ غير سابق على 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين الجديد هو الذى يسرى ، وتسقط قرينة الوفاء .

وفى جميع الأحوال التى يسرى فيها التقنين الجديد ، يفترض دائماً أن السند لم يخرج من حيازة الدائن . فإذا ادعى هذا أنه خرج من حيازته فى أية لحظة ، فعليه عبء إثبات ذلك . وعلى هذا الوجه يتيسر إثبات واقعة مطلقة كالواقعة التى نحن بصددها ( [18] ) . وإذا تمكن الدائن من إثبات أن السند خرج من حيازته فإنه يكون بذلك قد أثبت عدم قيام قرينة الوفاء ، ولم يقتصر على دحضها بالدليل العكسى بعد قيامها ( [19] ) .

152 – حجية التأشير على السند إذا توافر الشرطان : وردت الفقرة الأولى من المادة 399 من التقنين المدنى نصاً خاصاً يقرر حجية هذا التأشير . ولكن قبل أن نعرض لهذا النص الخاص ، نبادر إلى القول إن التأشير على سند الدين بما يفيد براءة ذمة المدين قد تكون له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة فى الإثبات بقطع النظر عن هذا النص الخاص . فهو إذا كان مكتوباً بخط الدائن . أمكن أن يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضده ، ولو لم يتوافر فيه الشرطان اللذان تقدم ذكرهما . مثل ذلك أن يكتب الدائن بخطه التأشير ببراءة ذمة المدين فى ورقة مستقلة عن سند الدين أو فى صورة لهذا السند ، أو أن يكتب هذا التأشير بخطه فى سند الدين ذاته ولكن يخرج هذا السند من حيازته . ففى هذه الأحوال لا يكون التأشير دليلاً كاملاً ضد الدائن ، لأن الشرطين اللذين تطلبهما القانون فى ذلك لم يتوافرا . ولكن هذا التأشير ، ما دام أنه مكتبو بخط الدائن ، يصح اعتباره  301  مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمله المدين بالبينة أو بالقرائن ليثبت أنه قد وفى الدين ( [20] ) .

أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير على سند الدين يكون حجة كاملة على الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكمالها ليثبت أنه وفى الدين . ويقع عبء الإثبات هنا على الدائن لا على المدين ، فهو الذى عليه أن يدحض قرينة الوفاء التى قامت باستيفاء التأشير لشرطيه ، فإذا لم يدحضها بالدليل العكسى فقد تم للمدين إثبات أنه قد قام بوفاء الدين .

وعندنا أن حجية التأشير تقوم على أساس ورقة عرفية غير موقعة ، هى هذا التأشير ذاته . ولا يمنع ذلك من القول بأن هذه الورقة العرفية يستخلص القانون منها قرينة على وفاء الدين ، وهى قرينة قابلة لإثبات العكس . فإذا نحن قلنا إن القرينة هنا قرينة قانونية بسيطة ، وقلنا إنها فى الوقت ذاته تقوم على ورقة عرفية غير موقعة ، فلا تعارض ما بين القولين . فجميع الأوراق العرفية غير الموقعة – دفاتر التجار والأوراق المنزلية وغيرها – هى فى هذا الوضع : أوراق عرفية غير موقعة تستخلص منها قرائن قانونية بسيطة ( [21] ) .

فمتى وجد التأشير على سند الدين مستوفياً لشرطيه ، استخلصت منه قرينة قانونية بسيطة على وفاء المدين بالدين . وكان التأشير حجة على الدائن ، ولكنها حجة قابلة للدحض . ذلك أن علة الاعتداء بهذا التأشير هى أن الدائن يقر فى سند الدين ذاته أن استوفى حقه ، وهذا الإقرار هو بمثابة ” إقرار غير قضائى لا يمكن استبعاده من السند الذى يتقدم به لاستيداء حقه ” ( [22] ) . ولكن يجوز مع ذلك هذا الإقرار غير مطابق للواقع . وتورد المذكرة الإيضاحية  302  للمشروع التمهيدى مثلاً لذلك فيما ” لو سلم الدائن السند لوكيل فوضه فى استبقاء الدين ، فهو يؤشر على هذا السند بالتخالص قبل أن يسلمه لوكيله ، ويقوم هذا برده إليه بما سبق أن دون فيه من تأشيرات فيما إذا تخلف المدين عن الوفاء عند المطالبة ( [23] ) . فيرجع سند الدين فى هذه الحالة وهو يحمل تأشير الدائن ببراءة ذمة المدين ، دون أن يكون الدائن قد استوفى الدين . ومن ذلك نرى أن القرينة هنا قد يقوم من الواقع دليل على عكسها . ومن أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها قابلة للدحض ( [24] ) . فيجوز للدائن ، بالرغم من التأشير ببراءة ذمة المدين ، أن يقيم الدليل على العكس ، أى على أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين .

وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض  303  عليه أنه يثبت ما يخالف الكتابة بغير الكتابة ، فإن التأشير الذى يثبت عكسه هنا هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجميع الطرق ( [25] ) ، وسيأتى تفصيل ذلك .

المطلب الثانى

التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين

153 – شرطان : يشترط هنا أيضاً ، حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك بخط الدائن تأشير ببراءة  304  ذمة المدين على نسخة أصلية أخرى لسند الدين أو على مخالصة ( 2 ) أن تقع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين .

154 – الشرط الأول – تأشير بخط الدائن على نسخة أصلية للسند أو على مخالصة بباءة ذمة المدين : يجب أن يكون التأشير هنا مكتوباً إما فى نسخة أصلية لسند الدين تكون بيد المدين وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين . والنسخة الأصلية ( double ) لسند الدين ليست صورة ( copie ) للسند ، بل هى أصل ( original ) كسند الدين ذاته . ويفهم من ذلك أن سند الدين كتب من نسختين أصليتين إحداهما بيد الدائن والأخرى بيد المدين . وفى هذه النسخة الأصلية الأخرى التى بيد المدين يقع تأشير الدائن . وفى هذا المعنى تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : ” ويراعى أن المشروع قد عنى فى النص باستظهار ما يقصد بكلمة نسخة ، فليس يقصد بها مجرد صورة أخرى من سند الدين ، وإنما شفعت هذه الكلمة بنعت أصلية ” تعييناً لدلالة المقصود ” ( [26] ) . غنى عن البيان أن عبارة ” النسخة الأصلية ” قد تسربت إلى التقنين المصرى من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ يشترط هذا التقنين الأخير أن يكون سند العقد الملزم للجانبين من نسخ أصلية متعددة كما رأينا . فقى عقد البيع توجد نسخة من العقد فى يد الباع ونسخة أخرى فى يد المشترى . فإذا دفع المشترى قسطاً من الثمن ، أشر البائع فى نسخة المشترى ببراءة ذمة المدين من هذا القسط . وهذا ما يقع أيضاً فى مصر بحكم الضرورة لا بمقتضى النص ، بل كان النص موجوداً كما رأينا فى المشروع الأول الذى سبق المشروع التمهيدى . ويصح أن يقع التأشير ، لا على النسخة الأخرى لسند الدين ، بل على مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه واحتفظ بها المدين إثباتاً لهذا الوفاء ( [27] ) .

ويتبين من ذلك أن التأشير إذا وقع على صورة للسند أو على رقة أخرى  305  مستقلة عن نسخة السند ، وأمكن اعتبار هذه أو تلك بمثابة مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه ، كان التأشير صحيحاً وقامت قرينة الوفاء ( [28] ) .

ويكتب التأشير فى أى مكان من الورقة ، وبأية عبارة تفيد معنى براءة الذمة ، ولا يكون موقعاً عليه من الدائن ، وذلك كله على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن .

ولكن التأشير هنا يجب أن يكون بخط الدائن ، وهذا على خلاف ما قررناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن من جواز أن يكون هذا التأشير بخط غير خطه . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 ) ، بل إن هذا التقنين يشترط كما رأينا أن يكون التأشير دائماً بخط الدائن ، سواء وقع على سند فى حيازة المدين أو قع على سند فى حيازة الدائن . أما التقنين المدنى المصرى السابق فالأرجح أنه لم يكن يدخل فى حسابه ، عندما أورد المادة 230 / 295 ، إلا التأشير على سند فى حيازة الدائن ، وقد ترك التأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين تسرى عليه القواعد العامة ، وسنعود إلى هذه المسألة بعد قليل .

واشتراط أن التأشير على سند فى حيازة المدين يكون بخط الدائن أمر واضح ، إذا لو سمح القانون أن يكون التأشير بخط غير الدائن ، لسهل على المدين ، والسند فى حيازته ، أن يستكتب أى شخص عبارة الإبراء ، فتقوم قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فقوة القرينة إذن هى فى أن التأشير بالإبراء قد كتب بيد الدائن واحتفظ به المدين .

وإذا أنكر الدائن خطه ، وجب على المدين أن يلجأ إلى إجراءات تحقيق الخطوط لإثبات أن التأشير بخط الدائن ( [29] ) . فإذا ما ثبت ذلك ، جاز للدائن بعد  306  هذا أن يسلك طريق الطعن بالتزوير ( [30] ) .

وإذا محى التأشير أو شطب ، زالت قوته فى الإثبات . ذلك أن السند موجود فى حيازة المدين ، فلا يمكن حمل المحو أو الشطب إلا على أن الوفاء لم يتم ، فمحا الدائن التأشير أو شطبه ، وقبل منه المدين ذلك بأن احتفظ بالسند فى يده والتأشير فيه ممحو أو مشطوب ( [31] ) . وهذا بخلاف ما رأيناه فى المحو أو الشطب عندما يكون السند فى حيازة الدائن ، فقد تقدم أن الفقه الفرنسى منقسم فى هذه المسألة ، ورجحنا الرأى القائل بأن المحو أو الشطب لا يزيل قوة الإثبات التى للتأشير .

155 – الشرط الثانى – وقوع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين : والأصل أن نسخة السند أو المخالصة التى أشر عليها الدائن بخطه تكون فى حيازة المدين . ولكن لا يشترط هنا أن تكون باقية دائماً فى حيازته ، بل يكفى أن تكون قد وقعت فى حيازته ولو خرجت بعد ذلك من يده . ذلك أن التأشير يجب أن يكون بخط الدائن كما قدمنا ، فوقوع هذا التأشير بخط الدائن فى حيازة المدين ولو لحظة واحدة يكفى لقيام قرينة الوفاء . ومتى قامت القرينة على هذا الوجه ، كان للدائن أن يدحضها كما سنرى .

والذى يقع عادة أن المدين يبرز الورقة التى تحمل تأشير الدائن بخطه ليحتج بها . فيكون بذلك قد أثبت أنها قد وقعت فى حيازته . أما إذا لم تكن الورقة فى يده ، واستطاع أن يحصل على أمر بتقديمها فقدمت ، فعليه أن يثبت أنها وقعت فى حيازته وقتاً ما حتى تقوم قرينة الوفاء .

156 – حجية التأشير إذا توافر الشرطان : هنا أيضاً نبادر إلى القول إن هذا التأشير ، ولو لم يتوافر شرطاه ، له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة  307  فى الإثبات ، بقطع النظر عن نص المادة 399 من التقنين المدنى . فهو ما دام مكتوباً بخط الدائن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، ولو لم يتوافر فيه ما قدمناه من الشروط الأخرى . مثل ذلك أن يكتب التأشير فى نسخة أصلية ثالثة ليست فى حيازة الدائن ولا فى حيازة المدين ، أو أن يعجز المدين عن إثبات أن الورقة التى كتب فيها التأشير قد وقعت فى حيازته ، أو نحو ذلك . ففى هذه الأحوال لا يصلح التأشير دليلاً كاملاً ، ولكن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن .

أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير يكون دليلاً كاملاً ضد الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكماله ليثبت أنه وفى الدين ، وذلك بمقضتى نص خاص هو نص المادة 399 . وحجية التأشير تقوم هنا أيضاً على أساس ورقة عرفية غير موقعة هى هذا التأشير ذاته ، على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن .

ثم إن علة الاعتداد بالتأشير هنا هى أن هذا التأشير قد كتب بخط الدائن نفسه ، وقد ترك الورقة التى تحمل التأشير فى يد المدين ، فتركه إياها فى يد من له مصلحة فى الاحتجاج بها قرينة على أنه استوفى الدين . فالتأشير فى هذه الحالة ” يكون فى الواقع بمثابة مخالصة تبقى فى يد المدين ” ( [32] ) . ولكن هذه القرينة ، هنا أيضاً ، قد يقوم من الواقع دليل على عكسها ( [33] ) . فقد يتصور – كما تقو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى – ” أن يكون الدائن قد سلم المخالصة  308  لوكيل مفوض فى استيفاء الدين ، ولما كان من واجب مثل هذا الوكيل أن يرد إلى الموكل المخالصة التى تسلمها إذا لم يتم له استيفاء الدين ، فالمفروض أن الدائن يحتفظ بهذه المخالصة لأنه لم يستوف حقه من المدين ” ( [34] ) . فإذا سلم الوكيل ، بالرغم من ذلك ، المخالصة للمدين ولم يستوفى منه الدين ، وعجز عن استرداد المخالصة ، فإنها ، وهى تحمل تأشير الدائن ، تكون فى يد المدين دون أن يكون هذا قد برئت ذمته . وفى هذا دليل من الواقع يدحض القرينة .

من أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها هنا أيضاً قابلة للدحض . فيجوز للدائن ، بالرغم من تأشيره بخطه ببراءة ذمة المدين ،أن يقيم الدليل على العكس ، فيثبت أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين .

وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبنية أو بالقرائن . ذلك أن التأشير الذى يثبت عكسه هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجمع الطرق ، وقد تقدم بيان ذلك .

157 – التأشير على سند فى حيازة المدين فى التقنين المدنى السابق : قدمنا أن المادة 230 / 295 من التقنين المدنى السابق كانت تنص على أن ” التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ” . وكان بعض الفقهاء فى مصر ( [35] ) يذهب إلى أن هذا النص يشمل الحالتين اللتين وردتا بعد ذلك فى المادة 399 من التقنين المدنى الجديد : حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن وحالة التأشير على سند فى حيازة المدين . ولكن يصعب القول إن المقصود من عبارة ” سند الدين ” التى وردت فى نص التقنين السابق هو سند آخر غير السند الذى يحتفظ الدائن به عادة فى حيازته ، وأن هذه العبارة مقصود بها أيضاً ” نسخة أصلية  309  أخرى للسند ” . فالأرجح أن يكون المقصود هو النص على حالة واحدة من الحالتين ، هى حالة التأشير على سند الدين وهو فى حيازة الدائن ، وأن الحالة الأخرى قد تركت للقواعد العامة تسرى عليها . ويزيد هذا الترجيح قوة أن نلاحظ أن نص التقنين المدنى السابق لم يشترط أن يكون التأشير بخط الدائن ، مع أن قرينة الوفاء فى التأشير على سند فى حيازة المدين إنما تستمد من أن هذا التأشير يكون بخط الدائن . وهذا الرأى الذى نرجحه هو الرأى الذى سار عليه الفقه فى مصر ( [36] ) .

ومن ثم يكون التقنين المدنى الجديد قد استحدث حكماً لم يكن موجوداً فى التقنين القديم ، بأن جعل للتأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين حجية كاملة ، ولم يقتصر على اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما تقضى بذلك القواعد العامة فى الإثبات . فإذا أشر الدائن بخطه على سند فى حيازة المدين ببراءة ذمته ، فإن كان التأشير قد كتب فى تاريخ سابق على يوم 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 فإن التقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يكون هذا التأشير إلا مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان التأشير قد كتب فى تاريخ بعد ذلك ، فإن التقنين الجديد يسرى فى هذه الحالة ، ويعتبر التأشير دليلاً لا حاجة إلى استكماله بدليل آخر ، على النحو الذى بيناه فيما تقدم .


( [1] )  تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 534 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” 1 – إذا كتب الدائن فى ذيل سند أو على هامشه أو فى ظهره ما يستفاد منه براءة ذمة المدين ، كانت هذه الكتابة حجة عليه إلى أن يثبت العكس ، ولو لم تكن الكتابة ممضاة منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته  . 2 – وكذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن هذه الكتابة على الوجه المبين بالفقرة السابقة ، فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو الوجه المبين بالفقرة السابقة ، فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو المخالصة فى يد المدين ”  . وفى لجنة المراجعة عدلت الفقرة الأولى تعديلا يستفاد منه عدم ضرورة صدور الكتابة من يد الدائن نفسه ، وبهذا تكون العبرة بمجرد التأشير ، ويعتبر بقاء السند فى حيازة الدائن قرينة على أنه هو الذى كتب التأشير أو الذى أمر بكتابته فهو على كلا التقديرين صادر منه  . وأثيرت مسألة شطب التأشير سواء كان الدائن قد وقعه أو لم يوقعه ، وقد رؤى ترك الحكم للقواعد العامة  . ثم عدلت الفقرة الثانية تعديلا يجعل المعنى أوضح  . وأصبح النص النهائى للمادة هو النص الذى استقر في التقنين الجديد ، وأصبح رقم المادة 412 فى المشروع النهائى  . ووافق عليه مجلس النواب ، ثم لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم المادة 399 ، ثم وافق مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 387 – 288 و ص 390 – 391 )  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ليس فى هذه المادة من جديد إذا قورنت بما يقابلها فى التقنين الأجنبية  . فلأحكامها نظير فى المادة 1332 من التقنين الفرنسى والمادة 1331 من التقنين الإيطالى والمادة 2438 من التقنين البرتغالى والمادة 1920 من التقنين الهولندى والمادة 1228 من التقنين الكندى  . وقد نصت المادة 230 / 295 من التقنين المصرى والمادة 439 من التقنين المراكشى على هذه الأحكام ذاتها ، مع تحفظ قوامه إباحة إقامة الدليل العكسى ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388 )  .

( [2] )  كانت المادة 230 / 295 من التقنين المدنى السابق تجرى على الوجه الآتى : ” التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك ”  .

( [3] )  نصوص التقنينات المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 19 : 1 – التأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين حجة على الدائن إلى أن يثبت العكس ، ولو لم يكن التأشير مؤرخا أن موقعا منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته  . 2 – وكذلك يكون الحكم إذا كتب الدائن بخطه دون توقيع ما يستفاد منه براءة ذمة المدين فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى الوصل وكانت النسخة أو الوصل فى يد المدين  . ( وهذا النص يتفق مع نص التقنين المصرى )  .

التقنين المدنى العراقى م 460 : الفقرة الأولى من هذه المادة مطابقة للفقرة الأولى من المادة 399 من التقنين المدنى المصرى  . وكذلك الفقرة الثانية فى كل من التقنيني مطابقة للأخرى ، فيما عدا أن التقنين العراقى يغفل ذكر لفظ ( المخالصة )  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 167 : إن ما يكتبه الدائن من العبارات التى تفيد براءة الذمة على سند دين بقى فى حوزته ، أو على نسخة من هذا السند أو على سند إيصال فى حوزة المديون ، يثبت الإيفاء ، ما لم يقم البرهان على العكس  . وليس من الضرورى أن تكون تلك العبارات مؤرخة أو ممضاة ( وهذا النص يتفق مع نص التقنين الفرنسى ويكاد يتفق مع نص التقنين المصرى )  .

( ملاحظة : أما المادة 168 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى فتقابلها المادة 349 من التقنين المدنى المصرى ، ولها مكان آخر )  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 386 : مطابقة لنص التقنين المدنى المصرى  .

( [4] )  التقنين المدنى الفرنسى م 1332 : ” إذا كتب الدائن فى ذيل سند أو هامشه أو فى ظهره ما يستفاد منه براءة ذمة المدين ، كانت هذه الكتابة حجة عليه ، ولو كانت غير موقعة منه ولا مؤرخة ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته  . وكذلك يكون الحكم إذا اثبت الدائن هذه الكتابة فى ظهر نسخة أصلية أخرى من السند أو فى مخالصة أو على هامشها أو فى ذيلها ، ما دامت هذه النسخة فى يد المدين ”  .

وهذا هو الأصل فى نصه الفرنسى :

Art 1332 : L’ecriture mise par le creancier a la suite, en marge ou au dos d’un titre, qui est toujours reste en sa possession, fait foi, quoique non signee par lui, lorsqu’elle tend a etablir la liberation du debiteur  . Li en est de meme de l’ecriture mise par le creancier, au dos, en marge ou a la suite du double d’un titre ou d’une quittance, pourvu que ce double soit entre les mains du debiteur  .

( [5] )  وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” وقد جرت العادة بأن يؤشر الدائن بالوفاء الجزئى أو الكلى على سند الدين ويستبقيه فى حيازته ( الفقرة الأولى ) أو بأ ، يؤشر بذلك على نسخة أصلية أخرى من هذا السند أو على مخالصة تكون فى يد المدين ( الفقرة الثانية ) ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388 )  .

( [6] )  ونطاق البحث هنا مقصور على تأشير الدائن ببراءة ذمة المدين  . أما التأشير بأى أمر آخر ، من الدائن أو من المدين ، فخارج عن نطاق هذا البحث  . غير أن الفقه الفرنسى يبحث عامة –مقتفياً فى ذلك أثر فقهاء القانون الفرنسى القديم مثل بواسو ( Boiceau ) وبوتييه ( Pothier ) – حالة تأشير المدين بالزيادة فى التزامه أو باستحداث دين جديد فى ذمته  . ثم يبحث حالة تأشير الدائن باستحداث دين فى ذمته هو  . والمفروض طبعاً أن كل هذه التأشيرات مكتوبة فى سند الدين ، وأنها غير موقعة وإلا كانت دليلا كاملا لا محل لأفراده بالذكر  .

أما حالة تأشير المدين بالزيادة فى التزامه أو باستحداث دين جديد فى ذمته ، فقد ميز فى صددها بواسو ، ومن بعده بوتييه ، بين فرضين : ( أولا ) إذا كان الالتزام الجديد ليس إلا ملحقاً بالالتزام الأصلى الثابت فى السند ، كأن كان إقراراً بفوائد للالتزام الأصلى أو تعهداً بدفع الالتزام الأصلى فى ميعاد معين أو على أقساط محددة أو قبولا لشرط فاسخ أو لشرط جزائى أو اعترافاً بغضافة إلى الالتزام الأصلى جدت بعد نشوء هذا الالتزام أو نحو ذلك ، فعندئذ يكون تأشير المدين حجة عليه ، وينسحب التوقيع الذى يحمله الالتزام الأصلى على هذا الالتزام الملحق  . ( ثانيا ) إذا كان الالتزام الجديد مستقلا كل الاستقلال عن الالتزام الأصلى ولا علاقة له به ، فعندئذ يكون تأشير المدين بهذا الالتزام الجديد ليس بحجة عليه لأنه غير موقع منه ، ويحتمل أن يكون مشروعاً لم يتم ، ويصح على كل حال أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ما دام مكتوباً بخط المدين  . وغنى عن البيان أن التأشير ، فى الفرضين المتقدمين ، إذا كان مكتوباً بخط الدائن لا بخط المدين ، لا يكون حجة على المدين إطلاقاً  .

وأما حالة تأشير الدائن باستحداث دين فى ذمته هو فلا تقاس على حالة تأشيره ببراءة ذمة المدين ، لأن الحالة الأخيرة ورد فى شأنها نص خاص استثنائى فلا يجوز القياس عليها  . ومن ثم لا يكون التأشير فى الحالة الأولى إلا مبدأ ثبوت بالكتابة ، ما دام مكتوباً بخط الدائن ، وليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العامة  .

وفى مصر تطبق القواعد العامة فى هذه الحالات وغيرها مما لم يرد فيه نص خاص  . ولا يجوز القياس على الحكم المنصوص عليه فى المادة 399 من التقنين المدنى ، لأن هذه المادة نص استثنائى لا يجوز تطبيقه فى غير الحالتين اللتين ورد فيهما  . ومن ثم لا يكون التأشير غير الموقع حجة على من صدر منه هذا التأشير ، ويصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان بخطه  . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ثم إن هذه الحجية لا تتوافر إلا إذا قصد من التأشير إلى إثبات براءة ذمة المدين ، أما ما عدا ذلك مما يؤشر به على سند الدين فلا تكون له حجية فى الإثبات إلا فى حدود القواعد العامة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 390 )  .

( أنظر فى هذه المسألة بودرى وبارد 4 فقرة 2457 – فقرة 2458 – بونييه فقرة 754 – ديمولومب 29 فقرة 660 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 2 – لوران 19 فقرة 362 – الموجز للمؤلف فقرة 645 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات فقرة 270 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 102 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 166 )  .

هذا وإذا أشر الدائن بما يفيد براءة ذمة المدين ، ولكنه أضاف إلى ذلك أن المدين شغل ذمته بدين آخر له ، كان التأشير حجة عليه بالنسبة إلى براءة ذمة المدين ، ولا يكون حجة له بالنسبة إلى شغل ذمة المدين بدين آخر ، بل يجب على الدائن بالرغم من هذا التأشير أن يحمل عبء إثبات هذا الدين الجديد  . وإلى هذا المعنى تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى حين تقول : ” ويراعى أن التأشير تقتصر حجيته على الدائن وحده ، ولا يجوز أن ينهض دليلا لصالحه على وجه الإطلاق ، إذ من الممتنع أن يصطنع دليلا لنفسه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 389 – ص 390 )  .

( [7] )  وقد جعل التقنين المدنى السابق فعلا من تسليم سند الدين إلى المدين قرينة على الوفاء تقبل إثبات العكس ( أنظر المادتين 219 – 220 / 284 – 285 من هذا التقنين )  . ولما كان تسليم سند الدين إلى المدين عملا مادياً لا يشتمل على ورقة مكتوبة ، فقد أغفلنا الكلام فى هذه القرينة هنا ونحن فى صدد بحث الأوراق المكتوبة ، وسنبحثها فى موضعها عند الكلام فى القرائن  .

( [8] ) وكان المشروع التمهيدى – كما رأينا – ينص على أن التأشير يكون فى الذيل أو على الهامش أو فى الظهر ، فحذفت هذه العبارة فى المشروع النهائى ، وأصبح النص مطلباً لا يتقيد بمكان دون آخر  . هذا وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ما يأتى : ” ويراعى أن المشروع لا يتطلب توافر أى شرط شكلى فى مثل هذا التأشير ، فهو لا يشترط بيان تاريخ التحرير أو وضع توقيع الدائن  . وهو لا يشترط إيراده فى مكان معين من السند أو النسخة الأصلية أو المخالصة ، فقد يرد فى ذيل الورقة أو على هامشها أو فى ظهرها ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389 )  .

( [9] ) الموجز للمؤلف فقرة 644  .

( [10] ) وهذا هو الرأى السائد فى الفقه الفرنسى  . وهناك من الفقهاء فى فرنسا من يكتفى بأحد الشرطين ، كتابة التأشير بخط الدائن أو حيازة الدائن للسند ، فإذا كان الدائن حائزاً للسند ولم يكن التأشير بخطه ، أو كان التأشير بخطه ولم يكن حائزاً للسند ، فإن هذا يكفى لقيام قرينة الوفاء ، وهذا ما كان بوتييه ( الالتزامات فقرة 761 ) يقول به ( تولييه 8 فقرة 353 – ديرانتون 13 فقرة 213 )  . ويعنى هذا الفريق من الفقهاء على نص التقنين المدنى الفرنسى عدم الدقة وأنه إنما أراد أن ينقل رأى بوتييه فأخطأه التوفيق  . بل هناك من يرى أحد الشرطين ضرورياً دون الاخر : إما أن حيازة الدائن للسند دون كتابة التأشير بخط الدائن هو الضرورى ( دلفنكور 2 ص 617 – ص 618 وهو فى هذا يتفق مع التقنين المصرى ) ، وإما أن الضرورى هو كتابة التأشير بخط الدائن دون حيازة الدائن للسند ( ماركاديه م 1332 فقرة 1 – فقرة 3 )  . والصحيح فى الفقه الفرنسى أن كلا من حيازة الدائن للسند وكتابة التأشير بخط الدائن ضرورى لقيام قرينة الوفاء ، كما هو صريح نص التقنين الفرنسى ( أوبرى ورو 12 فقرة 758 ص 274 هامش رقم 18 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 3 – ديمولومب 29 فقرة 645 – فقرة 647 – لوران 19 فقرة 358 – فقرة 359 – هيك 8 فقرة 253 – بونييه فقرة 749 – فقرة 750 – بودرى وبارد 4 فقرة 2450 – بلانيول وريبير وجابولك 7 فقرة 1495 ص 944 – بيدان وبرو 9 فقرة 1241 ص 327 هامش رقم 1 )  .

وقد رأينا أن المشروع التمهيدى للتقنين المدنى الجديد ( م 534 ) كان قد جارى التقنين المدنى الفرنسى فاشترط كتابة الدائن للتأشير بخطه وحيازته للسند فى وقت معاً ، ولكن لجنة المراجعة حذفت شرط كتابة الدائن للتأشير بخطه فى المشروع النهائى واستبقت شرط حيازة الدائن للسند ، مراعية فى ذلك أن شرط كتابة الدائن للتأشير بخطه إنما تتعين مراعاته إذا كان السند فى حيازة المدين ، أما إذا كان السند فى حيازة الدائن فتغنى هذه الحيازة عن هذا الشرط ، لا سيما فى بلد لا تزال الأمية فيه هى الغالبة  . على أن هناك من الفقهاء فى مصر من يرى ، من ناحية السياسة التشريعية ، أنه كان يجدر بالمشرع المصرى ، بعد أن استكثر الجمع بين الشرطين ، أن يكتفى بأيهما ، إذ أن التأشير بخط الدائن أهم من حيازة الدائن للسند ( الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 152 هامش رقم 1 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 303 ) – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات ص 190 هامش رقم 1 )  .

( [11] ) وعبء إثبات المحو أو الشطب ، وبخاصة المحو ، يكون على المدين لأنه هو الذى يدعى المحو أو الشطب لمنعه من الانتفاع بقرينة الوفاء  .

( [12] ) ويذهب بوتييه ( فقرة 761 ) إلى أن المحو أو الشطب لا يزيل قوة التأشير فى الإثبات ، وإلا لكان من السهل على الدائن والسند فى حيازته أن يمحو التأشير أو يشطبه  . وتبع بوتييه فريق من الفقهاء ( ديرانتون 13 فقرة 221 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 10 – لوراءن 19 فقرة 361 )  . ويذهب فريق آخر إلى أنه لما كانت العادة أن الدائن يكتب التأشير ببراءة ذمة المدين على السند قبل استيفاء الدين ، فشطب هذا التأشير بعد كتابته يجدر أن يفترض فيه أن الدائن بعد أن كتب التأشير لم يستوف الدين من المدين فمحا التأشير تبعاً لذلك ، وعلى المدين إذا ادعى العكس أن يثبته  . وهذا بخلاف التأشير بالوفاء فى ورقة منزلية ، فإن العادة ألا يحصل هذا التأشير إلا بعد تمام الوفاء ، فيفترض وقوع الوفاء بالرغم من محو التأشير أو شطبه ( أوبرى ور 12 ص 276 هامش رقم 21 – تولييه 8 فقرة 356 – بوتييه فقرة 753 – ديمولومب 29 فقرة 651 – بودرى وبارد 4 فقرة 2455 )  .

( [13] ) هو هنا لا يدحض القرينة بالدليل العكسى بعد قيامها ، بل هو يثبت أن القرينة لم تقم أصلاً لعدم توافر شرط من شروط قيامها  .

( [14] ) انظر فى هذا المعنى الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 102 مكررة – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 307 – ويذهب الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة إلى أنه ” ليس من الصواب القطع بدلالة الشطب فى هذه الحالة ، فما دام المسألة يسيطر عليها اعتباران متعارضان ، لكل منهما ما يبرره ، فيجب أن يترك الأمر لتقدير القاضى ” ( الإثبات فقرة 14 ص 192 )  .

( [15] ) ولا يعتبر السند قد خرج من حيازة الدائن إذا هو انتقل إلى وكيل له أو إلى مودع عنده أو إلى مدير لأعماله أو إلى دائن مرتهن أو إلى شخص عهد إليه فى تحصيل قيمته و فى تقديمه إلى القضاء  . أما إذا انتقل إلى المدين نفسه لسبب أو لآخر ، كأن سلم إليه ليكتب التأشير بنفسه قبل الوفاء فكتبه ولم يقم بالوفاء ، فإن حيازة السند فى هذه الحالة تكون قد انقطعت ، ولكن الدائن هو الذى يقع عليه عبء إثبات ذلك كما سنرى ( ديمولومب 29 فقرة 650 – لارومبيير 6 م 1332 ص 219 – ص 221 – بودرى وبارد 4 فقرة 2451 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 164 ص 191 )  .

( [16] ) ونرى من ذلك أن التقنين المدنى الجديد هو وسط ما بين التقنين المدنى السابق والتقنين المدنى الفرنسى  . فالتقنين المدنى السابق كان لا يشترط لا حيازة السند ولا خط الدائن  . والتقنين المدنى الفرنسى يشترط الاثنين معاً  . والتقنين المدنى الجديد يشترط حيازة السند دون خط الدائن  .

( [17] ) وقد حاء فى الموجز للمؤلف فى هذا الصدد ما يأتى : ” وهذان الشرطان ( أى التأشير بخط الدائن وبقاء السند فى حيازته )غير ضروريين فى مصر  . وقد يتوافر أحدهما دون الآخر ، فيكون التأشير بخط الدائن ولكن السند لم يخرج من حيازته ، وهنا أيضاً ما دام التأشير صادراً من الدائن ولو لم يكن بخطه ، فهو حجة عليه لأن السند لم يخرج من حيازته ، فمفروض أن التأشير الصادر منه تم بموافقته  . وقد لا يتوافر أى شرط من الشرطين المتقدمين ، فيكون التأشير بغير خط الدائن ويكون السند قد خرج من حيازته ، ولكن ما دام التأشير صادراً منه ولو لم يكن بخطه ، فهو حجة عليه حتى فى هذا الفرض  . له أن يدحض القرينة بإثبات العكس ، كما يملك هذا فى الفروض الأخرى المتقدمة ، وإن كان دحض القرينة فى الفرض الأخير أسهل ”  . ثم جاء فى حاشية عن قرينة براءة ذمة المدين فى الفرض الأخير ما يأتى : ” وقرينة براءة المدين فى هذا الفرض قائم على الوجه الآتى : المفروض أن الدائن يحتفظ بسند الدين فى حيازته ، فما دام قد تركه يخرج من حيازته وسمح للغير أن يؤشر عليه بما يفيد براءة المدين ، فالمفهوم أن هذا كله قد تم بموافقته  . ,إذا قيل يحتمل أن التأشير قد تم بغير علمه من شخص أراد أن يفقد السند قيمته ، أمكن الرد على ذلك بأنه كان من الأيسر على هذا الشخص أن يمزق السند أو أن يخفيه  . وإذا قيل يحتمل أن يكون السند قد خرج من حيازة الدائن دون رضاه ، فالرد أن مثل هذا الاحتمال هو الذى جعل القرينة قابلة لإثبات العكس ” ( الموجز فقرة 644 ص 675 وهامش رقم 1 )  .

( [18] ) بودرى وبارد 4 فقرة 2451 – دى باج 3 فقرة 829 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 148 هامش رقم 1  .

( [19] ) وقد رأينا نظيراً لذلك فيما قدمناه فى شأن محو التأشير أو شطبه  .

( [20] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” على أن تخلف أحد الشرطين المتقدمين لا يجعل التأشير خلواً من كل فائدة  . فللمدين مثلاً أن ينتفع منه بوصفه مبدأ ثبوت بالكتابة متى كان محرراً بخط الدائن  . ولم ير وجه للنص صراحة على هذا الحكم ، لأنه لا يعدو أن يكون تطبيقاً للقواعد العامة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389 )  .

( [21] ) وهى بهذه المثابة دليل كامل ولو أنها غير موقعة  . فهى إذن بمنزلة الأوراق الموقعة من حيث إنها ليست فى حاجة إلى أن تستكمل  . وهى أيضاً كالأوراق الموقعة يجوز إثبات عكسها  . ولكنها تخالف الأوراق الموقعة فى أنه يجوز إثبات عكسها بجميع الطرق دون أن تشترط الكتابة فى هذا الإثبات وسنعود إلى هذه المسألة بعد قليل  .

( [22] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388 – ص 389 )  .

( [23] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389  .

( [24] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” وقد نهج المشروع فى إباحة إقامة الدليل العكسى نهج التقنين الراهن ( م 230 / 295 ) والتقنين المراكشى ( م 439 ) مراعياً فى ذلك أن تأشير الدائن لا يعتبر قرينة قاطعة على براءة الذمة ، بل يكون لهذا الدائن أن يثبت أن ما أشر به قد صرد عن غلط منه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 390 )  .

أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 ) فلم يصرح بجواز إثبات العكس كما فعل التقنين المصرى  . لذلك يميز الفقه فى فرنسا بين الحالة التى نحن بصددها – حالة التأشير على سند الدين وهو فى حيازة الدائن – فيجيز إثبات عكس ما جاء فى التأشير بجميع الطرق لأن التأشير ورقة عرفية غير موقعة ( أوبرى ورو 12 ص 277 رقم 23 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 9 – ديمولومب 29 فقرة 657 – هيك 8 فقرة 264 – بودرى وبارد 4 فقرة 245+ – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1495 – بيدان وبرو 9 فقرة 1241 – دى باج 3 فقرة 875 ) – وحالة التأشير على نسخة أصلية لسند الدين أو على مخالصة وهى فى حيازة المدين ، فينقسم فى شأنها : فريق يقول بجواز إثبات عكس ما جاء فى التأشير بجميع الطرق كما فى الحالة السابقة لأن التأشير لا يزال ورقة عرفية غير موقعة ( ديمولومب 29 فقرة 657 – لارومبيير 6 م 1332 فقرة 9 – هيك 8 فقرة 264 – بودرى وبارد 4 فقرة 2456 ) ، وفريق آخر يذهب إلى أن التأشير فى هذه الحالة ، بحم أنه بخط الدائن وهو فى الوقت ذاته فى حيازة المدين ، يكسب طابعاً تعاقدياً إذ هو وضع اشترك فى إقامته كل من الدائن والمدين ، الأول بخطه والثانى بحيازته ، فأضفيا عليه صيغة السند الموقع كما يقول أوبرى ورو ( revet, en quelque sorte, le caractere d’un acte proprement ) ، ومن ثم لا يجوز إثبات ما يخالفه إلا بالكتابة ( أوبرى ورو وبارتان 12 فقرة 758 ص 277 هامش رقم 23 – بيدان برو 9 فقرة 1242 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1495 – دى باج 3 فقرة 875 )  .

( [25] ) الموجز للمؤلف فقرة 644 ص 675 – ويذهب الأستاذ سليمان مرقس ، فى كتابة ” أصول الأثبات ” ص 148 هامش رقم 2 ، ” إلى أن النص الخاص بالتأشير على سند الدين لا يقتصر على إنشاء قرينة قانونية على البراءة ، وإنما هو يعطى هذه الكتابة غير الموقعة قيمة الكتابة الموقع’  . وإذن تسرى على التأشير قواعد حجية الورقة العرفية الموقعة ، فيجوز إثبات عكس ما تضمنه ، على أن يكون ذلك بالكتابة أو بما يقوم مقامها أو بالبينة والقرائن فى الأحوال التى يوجد فيما ما يسوغ الإثبات بها استثناء ”  . انظر أيضاً فقرة 202 ص 375 – ص 386 من الكتاب ذاته  .

ولا ضير من القول بأن المشرع رفع التأشير ببراءة ذمة المدين ، وهو تأشير غير موقع ، إلى منزله الورقة الموقعة, ولكن يبقى التأشير مع هذا قابلاً لإثبات العكس بجميع الطرق  . ويرجع ذلك إلى تحديد ما هو المقصود بعبارة ” الدليل الكتابى ” الواردة فى المادة 410 من التقنين المدنى المصرى ، عندما يقرر هذا النص أنه لا يجوز الإثبات بالبينة ” فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابى ”  . وفى رأينا أن المقصود بالدليل الكتابى هنا هو ورقة عرفية موقعة ، لا ورقة غير موقعة ولو ارتفعت إلى منزلة الورقة العرفية الموقعة  . وهذا هو ما استقر عليه الفقه والقضاء فى مصر وفى فرنسا  . والسبب فى إجماع الفقه والقضاء فى فرنسا على هذا الرأى أن التقنين المدنى الفرنسى ( م 1341 ) قد أورد القاعدة التى تقضى بعدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلى بالكتابة فى نفس النص الذى أوجب الكتابة فيما يزيد على النصاب المعين  . فالكتابة التى عناها فى الحالتين هى الكتابة الموقعة ، ما فى ذلك من شك  . فوضح من هذا أن الكتابة التى لا يسمح بإثبات ما يخالفها إلا بالكتابة إنما هى الكتابة الموقعة دون غيرها  . ولم يرد المشرع المصرى بتاتاً أن يحيد عن هذا المبدأ فهو عندما منع فى المادة 401 الإثبات بالبينة ” فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابى ” قد قصد دون ريب ” بالدليل الكتابى ” الورقة العرفية الموقعة المطلوبة فى إثبات ما تزيد قيمته على عشرة جنيهات ، كما يستخلص ذلك ضمناً من نص المادة 400  . ولا يمكن القول ، لمجرد تحوير لفظى ، أن المشرع المصرى قصد مغايرة القواعد الجوهرية فى الإثبات التى نقلها عن المشروع الفرنسى  .

( [26] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 388  .

( [27] ) ويلاحظ هنا أن التقنين المدنى العراقى ( م 460 ) يشترط أن يقع التأشير على النسخة الأصلية الأخرى لسند الدين ، فلا يجوز أن يقع على مخالصة أو على أية ورقة أخرى  . وفى هذا وحده ، كما قدمنا ، يختلف هذا التقنين عن التقنين المصرى  .

( [28] ) أما إذا أشر البائع ببراءة ذمة المشترى على نسخة أصلية لعقد البيع ليست فى يده ولا فى يد المشترى ، بأن تعدد المشترون وكان التأشير على نسخة ثالثة فى يد مشتر آخر ، فإن التأشير فى هذه الحالة لا يكون صحيحاً لوقوعه فى سند ليس فى حيازة الدائن ولا فى حيازة المدين  .  . ولكنه ما دام مكتوباً بخط الدائن يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( أوبرى ورو 12 ص 275 هامش رقم 19 )  .

انظر طريقة توكيل محامي

( [29] ) ذلك أن إجراءات تحقيق الخطوط تقبل فى جميع الأوراق العرفية ، موقعة كانت أو غير موقعة  .

( [30] ) الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 147 هامش رقم 1 وص 153  .

( [31] ) ديرانتون 13 فقرة 656 – بودرى وبارد 4 فقرة 2455 – دى باج 3 فقرة 829 – بيدان وبرو 9 فقرة 1242 – الموجز للمؤلف فقرة 645 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 102 مكررة – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 307 مكررة – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 165 ص 194  .

( [32] ) المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 389 )  .

( [33] ) وقد كان المشروع الأول الذى سبق المشروع التمهيدى يميز بين حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن فيجعل التأشير قابلاً لإثبات العكس ، وحالة التأشير على سند فى حيازة المدين فيجعل التأشير غير قابل لإثبات العكس ( م 19 من هذا المشروع )  . ولعل المشروع قد تأثر فى ذلك بأن فريقاً من الفقهاء الفرنسيين لا يسمحون ، فى إثبات عكس التأشير على سند فى حيازة المدين ، بأن يكون الإثبات بجميع الطرق ، بل يشترطون أن يكون الإثبات بالكتابة على النحو الذى بيناه فيما تقدم  . وواضح أن هذا أمر يختلف عن قابلية التأشير لإثبات العكس فى ذاته ، سواء كان إثبات العكس بجميع الطرق أو كان بطرق معينة  . وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ( المذكرة الإيضاحية 2 ص 690 )  . عبارة تردد هذا التمييز  . وهى عبارة خاطئة ، لن التقنين الجديد ( وكذلك المشروع التمهيدى ) لم يفرق بين حجية القرينة فى حالة التأشير على سند فى حيازة المدين وحجيتها فى حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن ، فكلتا القرينتين قابلة لإثبات العكس  . ومن أجل ذلك لم تنقل هذه العبارة إلى مجموعة الأعمال التحضيرية ( انظر فى هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 152 هامش رقم 3 والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات ص 194 هامش رقم 2 )  .

( [34] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 39  .

( [35] ) انظر فى هذا المعنى الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات الطبعة الرابعة فقرة 266 والطبعة الخامسة فقرة 306  .

( [36] ) الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 101 ص 152 هامش رقم 2 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 165 ص 193 

المصدر: محامي في الأردن

الدفاتر والأوراق المنزلية

الدفاتر والأوراق المنزلية

143 – النصوص القانونية : تنص المادة 398 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” لا تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة على من صدرت منه إلا فى الحالتين الآتيتين ” :

 ” أ – إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى ديناً ” .

 ” ب – إذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه فى هذه الأوراق أن تقوم مقام  284  السند لن أثبتت حقاً لمصلحته ( [1] ) ” . ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق .

ويقابل النص فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 18 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 459 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 169 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 385( [2] ) . ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1331( [3] ) .

  285  

ويتبين من هذه النصوص أن الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون بوجه عام حجة لصاحبها . ولكنها قد تكون حجة عليه . فعندنا مسائل ثلاث :

( 1 ) ما هى الدفاتر والأوراق المنزلية .

( 2 ) الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لصاحبها .

( 3 ) الدفاتر والأوراق المنزلية قد تكون حجة على صاحبها .

144 – ما هى الدفاتر والأوراق المنزلية : الدفاتر والأوراق المنزلية تشمل ما ألف الناس تدوينه فى مذكرات خاصة عن شؤونهم المالية و المنزلية : ما قبضوه أو دفعوه من مال ، وما أنفقوا على معيشتهم ، وما قاموا به من ضروب التعامل ، وما ارتبطوا به من التزامات ، وما لهم من حقوق عند غيرهم وما عليهم من ديون ، وما ينوون القيام به من أعمال ومشروعات .

وليس لهذه الدفاتر والأوراق المنزلية شكل خاص أو أغراض معينة أو أسماء معروفة كما رأينا ذلك فى دفاتر التجار . ولا يلتزم أحد بتدوين هذه الدفاتر والأوراق أو بحفظها كما يلتزم التجار بإمساك الدفاتر التجارية على النحو الذى بيناه .

فتارة تكون الأوراق المنزلية دفاتر كاملة منظمة كدفاتر الحساب ، وهذه تبعث عادة على الاطمئنان عند تقدير قوتها فى الإثبات . وطوراً تكون فى صورة ” أجندات ” ويوميات . وأخرى تكون فى صورة مذكرات بعضها يكتب فى دفاتر وبعضها فى أوراق منثورة . وهذه الدفاتر والأوراق قد تكون موقعة من صاحبها ، والغالب ألا تكون موقعة . والأصل أن صاحبها يكتبها بخطه ، ولكن قد يعهد فى كتبابتها إلى أمين سر خاص أو إلى كاتب فى خدمته . وقد تكتب بالمداد أو بالرصاص أو بالآلة الكاتبة . والبارز فى شأنها أنها دفاتر وأوراق خاصة كتبها صاحبها ، دون أن يتقيد بشكل معين ، محتفظاً بها للرجوع إليها عند الاقتضاء( [4] ) .

  286  

145 – الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لصاحبها : والأصل أن أحداً لا يستطيع أن يصطنع دليلا لنفسه . ونم ثم لا تكون هذه الدفاتر والأوراق المنزلية حجة لصاحبها ، إذ هى صادرة منه . بل هى لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة لمصلحته ، لأنها غير صادرة من خصمه . فإذا قدم الدائن دليلا على حقه دفتراً منزلياً أثبت فيه هذا الحق ، أو قدم المدين دليلا على براءة ذمته من الدين ورقة منزلية أثبت فيها أنه وفى به ، فلا يجوز أن يؤخذ هذا دليلا لا على وجود الحق ولا على براءة الذمة ، بل لا يجوز اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما قدمنا ( [5] ) . ويترتب على ذلك أن المدين إذا دفع بتقادم الدين ، فلا يجوز لدائنه أن يتمسك بانقطاع التقادم بحجة أنه أثبت فى أوراقه المنزلية أن المدين كان يقوم بدفع أقساط الدين أو بدفع فوائده مما يعد اعترافاً بالدين قاطعاً للتقادم ( [6] ) .

على أنه قد يقع أن يكون ما دون فى الأوراق المنزلية قرينة قضائية على صحة ادعاء الدائن ، كما لو كان طبيباً واعتاد أن يدون فى مذكراته الخاصة على نحو منظم ما يقوم به نم زيارات للمرضى ، ولو فيما يجاوز نصاب البينة لقيام المانع الأدبى . ولا تعدو القرينة هنا أن تكون قيمة قضائية يؤخذ بها أو لا يؤخذ ، وهى على كل حال قابلة لإثبات العكس ( [7] ) . ثم إنه يجوز أن يقبل الخصم الاحتكام  287  برضاه إلى ما دون فى مذكرات خصمه وأوراقه المنزلية ، فإذا كانت هذه المذكرات والأوراق قد دونت بقدر كاف من العناية والدقة جاز أن تكون دليلا لصاحبها( [8] ) .

وليس فى كل ما قدمناه إلا تطبيق للقواعد العامة لا حاجة فيه إلى نص . ولم يشتمل التقنين القديم ولا التقنين الجديد ( [9] ) على نص فى ذلك . فالأحكام فى هذه المسألة واحدة فى ظل التقنيين .

146 – الدفاتر والأوراق المنزلية قد تكون حجة على صاحبها : أما أن تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة على صاحبها ، فهذا جائز من ناحيتين : ناحية تطبيق القواعد العامة وناحية وجود نص خاص يقضى بذلك .

ولكن قد نتساءل –قبل الدخول فى هذه التفصيلات – كيف يتأتى أن يبرز الشخص دفاتر وأوراقاً منزلية تكون حجة عليه ، وهو لا يجبر أن يقدم دليلا على نفسه؟ يحدث ذلك ، بحكم القانون ، فى الحالات التى يجوز فيها للخصم إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده . ويتحقق هذا فى حالة ما إذا كانت الأوراق المنزلية مشتركة بين الخصمين كما هو الأمر فى التركات والشركات ، وفى حالة ما إذا كان الخصم قد استند إليها فى أية مرحلة  288  من مراحل الدعوى ( م 253 من تقنين المرافعات ) . ويحدث ذلك أيضاً ، بحكم الواقع ، فى محضر حصر التركة ، إذ يدون فى المحضر عادة ما ورد من بيانات فى دفاتر المورث وأوراقه المنزلية عما له من حقوق وما عليه من ديون وعن بعض التفصيلات التى تتعلق بتركته . وفى غير ذلك لا يجوز إلزام الشخص بتقديم دفاتره وأوراقه المنزلية أو الأمر بالإطلاع عليها ، كما جاز فى دفاتر التجار على ما رأينا ( [10] ) .

فإذا تقدمت الأوراق المنزلية إلى القضاء عن طريق من الطرق المتقدمة ، فإن القواعد العامة تقضى بأن ما ورد فيها من البيانات قد يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد صاحبها إن كانت قد كتبت بخطه . وقد يعتبرها القضاء دليلا كاملا إذا كانت تحمل توقيع صاحبها وكانت لا تدع مجالا للتشكك فى صحتها . فالأمر متروك لتقدير القضاء ، إذ قد لا يطمئن القاضى إلى حجية ورقة منزلية لم تعد للإثبات وقد وقعها صاحبها على عجل أو عن خطأ أو قبل أن يتم الأمر الذى ورد البيان فى شأنه ( [11] ) . وفى كل هذا لا فرق ما بين التقنين الجديد والقديم ( [12] ) .

ولكن التقنين الجديد استحدث –فوق ما تقدم ذكره – نصاً يقضى بأن الدفاتر والأوراق المنزلية تكون حجة على من صدرت منه فى حالتين :

( 1 ) إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى دينا .

( 2 ) وإذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه  289  فى هذه الأوراق أن تقوم مقام السند لمن أثبتت حقاً لمصلحته ( [13] ) .

والجديد فى هذا النص أنه ليس من الضرورى أن تكون الأوراق وفى هاتين الحالتين تحمل توقيع صاحبها ، وإلا جاز أن يكون ذلك دليلا كاملا بالتطبيق للقواعد العامة من غير حاجة إلى نص خاص . بل ليس من الضرورى أن تكون هذه الأوراق مكتوبة بخط صاحبها ، ويكفى أن تكون مكتوبة بخط أمين سره أو كاتب عنده أو مدير لأعماله ، بل قد تكون مكتوبة بخط المدين الذى كتب البيان لصالحه إذا كان قد فعل ذلك تحت بصر الدائن وبموافقته . وبالرغم من أن الأوراق غير موقعة ولا مكتوبة بخط صاحبها ، فهى تصلح مع ذلك أن تكون دليلا كاملا ضده باستيفاء الدين أو بالمديونية . وهذا هو وجه الاستثناء من القواعد العامة ، ومن ثم قامت الحاجة إلى نص خاص ينشئ هذا الحكم .

ولابد فى تطبيق هذه الاستثناء من أن يذكر صاحب الأوراق صراحة أنه استوفى الدين إذا كان دائناً ، أو أنه قصد أن يعترف بدين عليه لا يوجد به سند فى يد الدائن وأن تقوم الأوراق مقام هذا السند غير الموجود إذا كان مديناً . ولا يكفى أن يفهم ذلك ضمناً من البيان الذى يكتبه ولو كان موقعاً منه ( [14] ) . وإذا ذكر صراحة أنه استوفى الدين ، ثم محا ما كتبه أو شطبه بحيث أصبح غير مقروء ، فإن حجية البيان تزول . أما إذا بقى البيان المشطوب مقروءاً ، فإنه يستمر حافظا لحجيته . وهذا بخلاف البيان الذى يذكر فيه صاحبه صراحة أنه يعترف بدين عليه وقد قصد أن تقوم الأوراق مقام السند ، فإن محو هذا البيان أو شطبه يزيل حجيته ، سواء أصبح البيان غير مقروء أوب قى مقروءاً . والفرق بين الحالتين أن الاعتراف بالدين أمر ذو خطر ، فأى محو أو شطب يلحقه يكفى لإزالة حجيته حتى لو بقى مقروءاً بعد المحو أو الشطب ( [15] ) . وإذا كان البيان  290  المكتوب تتعارض أجزاؤه وينقض بعضها بعضاً ، كان على القاضى أن يفسره بما يزل هذا التعارض ( [16] ) . ولا تجوز تجزئة البيان والأخذ بجزء منه دون جزء ، فإذا جاء فى البيان أن الدائن قد استوفى الدين مقاصة فلا يجوز أن يتمسك المدين بأن الدين قد استوفى نقداً ، بل يجب أن يستبعد البيان بجملته ويتقدم لإثبات أنه وفى الدين نقداً( [17] ) .

على أن الحجية التى أضفاها القانون على البيان الوارد فى الأوراق المنزلية ليست مطلقة . بل يجوز لصاحب هذه الأوراق أن يثبت أن البيان الوارد فيها غير صحيح ، وأنه إنما كتب خطأ أو قبل أن يتم الأمر الذى ورد البيان فى شأنه أو نحو ذلك . ويجوز إثبات ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يقال هنا إنه لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، فإن البيان المكتوب ليس ورقة عرفية موقعة ولمي عرض مقدماً للإثبات ، فيجوز إثبات عكسه بغير الكتابة . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أوفى( [18] ) .


( [1] )  تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 533 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” 1 – لا تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة لمن صدرت منه  . 2 – ولكنها تكون حجة عليه : ( أ ) إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى ديناً  . ( ب ) إذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه فى هذه الأوراق أن تقوم مقام السند لمن أثبتت الأوراق حقاً لمصلحته ”  . وفى لجنة المراجعة حذفت الفقرة الأولى لأنها مجرد تقرير للقواعد العامة ، وعدل النص على الوجه الذى استقر فى التقنين الجديد تحت رقم المادة 411 من المشروع النهائى ، ووافق عليه مجلس النواب ، ثم لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم المادة 398 ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 385 – ص 387 )  .

( [2] )  التقنين المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 18 : ” 1 – لا تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة لمن صدرت عنه  . 2 – ولكنها تكون حجة عليه : ( أ ) إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى ديناً  . ( ب ) إذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه فى هذه الأوراق أن تقوم مقام السند لمن أثبتت الأوراق حقاً لمصلحته ”  . ( وهذا النص يطابق نص المشروع التمهيدى للتقنين المدنى المصرى السابق ذكره )  .

التقنين المدنى العراقى م 459 : يطابق نص التقنين المدنى المصرى  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 169 : ” أن السجلات والأوراق العملية تصلح حجة على منشئها وعلى خلفائه العموميين : 1 – عندما تفيد حصول إيفاء ما  . 2 – عندما تثبت ديناً للغير ”  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 385 : يطابق نص التقنين المدنى المصرى  .

ويتبين من النصوص المتقدمة أنه لا يوجد خلاف فى هذه المسألة بين أحكام التقنين المدنى المصرى وأحكام التقنينات المدنية العربية الأخرى  .

( [3] )  التقنين المدنى الفرنسى م 1331 : ” لا تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة لمن كتبها  . ولكنها تكون حجة عليه : ( 1 ) فى جميع الأحوال التى تذكر فيها صراحة استيفاء دين  . ( 2 ) إذا ذكرت صراحة أنه قصد بما دون فيها أن تقوم مقام السند لمن أثبتت حقاً لمصلحته ”  .

وهذا هو النص فى أصله الفرنسى : Art 1331 : Les registres et papiers domes – tiques ne font point un titre pour celui qui les a ecrits  . Lis font foi contre lui : 1 – dans tous les cas ou ils enoncent formellement un paiement recu; 2 – lorsqu’ils contienment la mention expresse que la note a ete faite pour suppleer le defaut du titre en faveur de celui au profit duquel ils enoncent une obligation  .

( [4] )  وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى شأن النص الذى نحن بصدده ما يأتى : ” صاغ المشروع هذه المادة على مثال المادة 1331 من التقنين الفرنسى والمادة 1330 من التقنين الإيطالى والمادة 2439 من التقنين البرتغالى والمادة 1228 من التقنين الأسبانى والمادة 438 من التقنين المراكشى والمادة 1918 من التقنين الهولندى والمادة 287 من المشروع الفرنسى الإيطالى  . وليس يقتصر نطاقها على الدفاتر ، بل يتناول كذلك الأوراق المنزلية ، أى المحررات الخاصة المتعلقة بغير التجار ، كدفاتر الحساب والأجندات والمذكرات ”  . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 385 )  .

( [5] )  وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ولا يلزم آحاد الناس ، عرفاً أو قانوناً ، بتدوين حساباتهم فى دفاتر أو أوراق ، على نقيض ما تقدم بشأن التجار  . وبديهى أن انتفاء هذا الإلزام لا يتيح بوجه من الوجوه اعتبار هذه الأوراق وتلك الدفاتر طريقاً من طرق الإثبات  . بل ولا يتيح الاستعانة بها بوصفها مبدأ ثبوت بالكتابة لصالح من حررها  . ولذلك نصت الفقرة الأولى من المادة 533 من المشروع ( وقد رأينا أنها حذفت فى المشروع النهائى لأنها مجرد ترديد للقواعد العامة ) على أن الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لمن صدرت منه ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 385 – ص 386 )  .

( [6] )  وقد قضت محكمة النقض بأن من يدعى براءة الذمة فعلية إقامة دليلها  . والإنسان لا يستطيع أن يتخذ من علم نفسه دليلا لنفسه يحتج به على الغير  . فدفتر الناظر المثبت لحساب الوقف ومقدار ما يستحقه كل من المستحقين لا يعتبر دليلا لورثته على المستحقين بقبضهم قيم استحقاقهم ما دام لا توقيع لهم على هذا الدفتر يثبت هذا القبض ( نقض مدنى 20 يونيه سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 290 ص 883 ) – أنظر أيضاً أوبرى ورو 12 ص 268 – ص 269  .

( [7] )  الموجز للمؤلف فقرة 649 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 15 ص 184 – محكمة مصر المختلطة 23 نوفمبر سنة 1914 جازيت 5 رقم 14 ص 29 – كذلك قد يجد القاضى فى البيانات التى تحتويها الدفاتر والأوراق المنزلية سبيلا من سبل الاستئناس المتعددة التى لا تقيد القاضى فى شيء  . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ومع ذلك فليس ثمة ما يحول دون اعتداد القاضى بالدفاتر والأوراق التى تقدمت الإشارة إليها ، باعتبارها قرائن تضاف إلى وثائق أخرى أو عناصر أدلة سبق تقديمها ، وفقاً للقواعد العامة بشأن الإثبات بالقرائن  . وقد عرضت الفقرة الثالثة من المادة 1918 – من التقنين الهولندى لهذا الوضع بالتحديد ، فقضت بأن للقاضى فيما عدا ذلك من الأحوال أن يحكم بما يقضى به القانون  . ولم ير وجه لإيراد نص مماثل ، لأنه لا يعدو أن يكون مجرد تطبيق للقواعد العامة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 386 )  .

( [8] )  أوبرى ورو 12 ص 269 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1492 ص 941 – استئناف مختلط 27 يناير سنة 1920 م 32 ص 141  . ويجوز كذلك أن تكون حجة لصاحبها فى المسائل التجارية وفى كل ما يمكن إثباته بالقرائن القضائية إذا رأى فيها القاضى قرائن مقنعة ( بيدان وبرو 9 فقرة 1237 ص 323 – ص 324 )  .

( [9] )  وقد قدمنا أن المشروع التمهيدى كان يشتمل على نص حذف فى لجنة المراجعة لعدم الحاجة إليه  . وقد اشتمل التقنين الفرنسى ( م 1331 الفقرة الأولى ) على نص تقدم ذكره  .

( [10] )  أوبرى ورو 12 ص 272 – ص 273 والهامش رقم 16 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1494 ص 943 – وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يمكن إجبار ديوان الأوقاف على تقديم دفاتره لكى يثبت المستأجر بمقتضاها أنه قد دفع الأجرة ( 11 ديسمبر سنة 1890 م 3 ص 4 ) ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدوائر الزراعية ( 25 أبريل سنة 1889 م 1 ص 310 ) ، وبالنسبة إلى دفاتر ناظر الوقف فلا يجبر على تقديمها ليثتب المستأجر من الوقف أنه وفى بالأجرة ( 11 ديسمبر سنة 1890 م 3 ص 83 )  . وقضت محكمة مصر الكلية الأهلية فى دائرتها الاستئنافية بأن الأوراق الخصوصية أو المنزلية هى ملك لصاحبها ، فلا يجوز إجباره على تقديمها والحكم عليه بذلك  . وتدخل فى عداد الأوراق الخصوصية دفاتر كل مصلحة من المصالح حتى العمومية منها إذا كانت متعلقة بحسابها الخاص من مصرف وإيراد والتى تسجل فيها أعمالها الخصوصية بصفتها شخصاً أدبياً ، وكذلك ما يكون بينها وبين فروعها من المخابرات والرسائل ( 2 ديسمبر سنة 1899 المجموعة الرسمية 1 ص 159 )  .

( [11] )  الموجز للمؤلف فقرة 650  .

( [12] )  استئناف مختلط 17 أبريل سنة 1900 م 12 ص 212  .

( [13] )  أنظر المادة 1331 من التقنين المدنى الفرنسى ، التى تقدم ذكرها ، ونص التقنين المصرى مأخوذ منها – ويلاحظ أن الدائن إذا كتب مخالصة ، ولكن استبقاها عنده ، فلا يكون لها دلالة الورقة المنزلية الخاصة التى يذكر فيها أنه استوفى الدين ، إذا استبقاؤه للمخالصة مع أنها أعدت لتسليمها للمدين قرينة على أن الوفاء لم يتم ( الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 159 ص 185 )  .

( [14] )  والأعمال التحضيرية للتقنين الفرنسى صريحة فى هذا المعنى ( بودرى وبارد 4 فقرة 2440 )  .

( [15] )  أوبرى ورو 12 ص 270 – ص 271 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1492 ص 942  .

( [16] )  أوبرى ورو 12 ص 272  .

( [17] )  أوبرى ورو 12 ص 271 – ص 272 – هذا وسنرى فى الإقرار أن هذا لو كان إقراراً لتجزأ  .

( [18] )  أنظر فى هذا المعنى أوبرى ورو 12 ص 271 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1493 ص 942 – ص 943 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2235 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 159 ص 187 – وأنظر عكس ذلك الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 145 هامش رقم 3  . وأنظر فى حجية الأوراق المنثورة واختلاف الفقه الفرنسى فى تقديرها بودرى وبارد 4 فقرة 2446  .

هذا وبعد أن بينا الاستثناء الذى استحدثه التقنين الجديد ، بقى أن نذكر أن ليس له من أثر رجعى  . فهو لا يسرى على البيان الذى يدون فى ورقة منزلية فى تاريخ سابق على يوم 15 أكتوبر سنة 1949  . فلو أن دائناً كتب فى مذكراته الخاصة ، قبل هذا التاريخ ، أنه استوفى دنيه ، لم يكن هذا البيان دليلا كاملا ضده ، بل هو لا يعتبر إلا مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كتب بخطه  . أما إذا كتب الدائن البيان فى تاريخ غير سابق على 15 أكتوبر سنة 1949 ، سرت أحكام التقنين الجديد وكان البيان دليلا كاملا ضده على النحو الذى بيناه فيما تقدم  .

المصدر: محامي في الأردن

انظر طريقة توكيل محامي

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

قوة الدفاتر التجارية فى الإثبات

قوة الدفاتر التجارية فى الإثبات

140 – حجية الدفاتر التجارية : لدفاتر التجار حجية فى الإثبات حددها  277  القانون . وتتلخص هذه الحجية فى مسألتين :

( 1 ) دفتر التاجر حجة عليه .

( 2 ) وقد يكون حجة له .

141 – دفتر التاجر حجة عليه : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 397 من التقنين المدنى تقضى بأن ” تكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه ” .

فالقاعدة الجوهرية فى هذه المسألة إذن أن دفتر التاجر حجة عليه . ذلك أن هذا الدفتر هو بمثابة إقرار منه مكتوب . والتاجر إما أن يكون قد كتبه بخطه أو بإملائه ، أو فى القليل كتب الدفتر بإشرافه وتحت رقابته ، فهو صادر منه على كل حال . ونم ثم يكون هذا الدفتر حجة عليه ، سواء كان خصمه تاجراً فى نزاع تجارى أن يرد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين ، فهذا البيان حجة على التاجر صاحب الدفتر لمصلحة تاجر الجملة ، وسنرى أن دفتر تاجر الجملة فى مثل هذا النزاع قد يضاهى هو أيضاً على دفتر التاجر الأول . ومثل أن يكون الخصم تاجراً فى نزاع مدنى أن يرد فى دفتر اليومية مثلا بيان عن صفقة عقدها التاجر مع تاجر مثله وقبل فيها شراء عقار بثمن معين ، فهذا البيان يكون حجة على التاجر المشترى لمصلحة التاجر البائع ، والنزاع هنا مدنى لأن يتعلق بشراء عقار فى غير عمل تجارى . ومثل أن يكون الخصم غير تاجر أن يرد فى دفتر يومية التاجر مثلا بيان بتوريد سلعة بثمن معين إلى عميل له غير تاجر ، فهذا البيان حجة على التاجر ، وليس حجة على العميل إلا إذا توافرت شروط معينة سيأتى ذكرها فيما يلى .

على أننا إذ نقرر أن دفتر التاجر حجة عليه على النحو الذى قدمناه ينبغى ألا نغفل أن فى هذا خروجاً على القواعد العامة فى الإثبات من ناحيتين :

( 1 ) أن دفتر التاجر ورقة عرفية غير موقعة من التاجر ، بل يغلب ألا تكون مكتوبة بخطه ، وقد يقع فيه من الأخطاء ما لا قبل للتجار بملافاته .

( 2 ) أن هذا  278  الدفتر هو فى حوزة التاجر ، ويلزمه القانون كما رأينا أن يقدمه ليستخلص منه دليل ضده ، فهو إذن يجبر على أن يقدم دليلا على نفسه . من أجل هذا روعى هذا الدليل أمران :

( الأمر الأول ) أنه جوازى للقاضى ، فله أن يأخذ به وله أن يطرحه . والمادة 17 من التقنين التجارى ، وسيرد ذكرها ، صريحة فى معنى الجواز( [1] ) . والقاضى يأخذ بهذا الدليل إذا وقع فى نفسه أنه ارتفع عن الشبهات ، كأن تكون الدفاتر منتظمة ، وأن يكون الدفتر الذى ورد فيه الدليل من الدفاتر الإلزامية التى تمكن مضاهاتها بنظائرها عند التاجر الآخر ، وأن يلمس القاضى العناية والدقة فى إمساك الدفتر ، بل قد يكون البيان مكتوباً بخط التاجر نفسه . على أنه يجب ألا يفهم من ذلك أن الدفتر إذا كان اختيارياً ( [2] ) ولم يكن مكتوباً بخط التاجر لا يستخلص القاضى منه دليلا ضده ، فإن هذا جائز ، وتقدير الأمر مرده إلى القاضى نفسه ومبلغ اقتناعه بقوة الدليل . بل إن الدفاتر قد لا تكون منتظمة ، وبالرغم من أن المادة 15 من التقنين التجارى تقضى بأن الدفاتر لا تكون حجة أمام المحاكم ما لم تكن مستوفية للإجراءات ( [3] ) ، فإن القاضى قد يقتنع بالبيان الوارد فى الدفتر لأنه لا يشعر بأى افتعال بل يبعث على الاطمئنان ، فيأخذ بهذا الدليل( [4] ) .

  279  

وكل ما يترتب على عدم انتظام الدفتر قانوناً هو أن القاضى يستطيع أن يجزئ الدليل . فإذا كان قد ورد فى دفتر غير منتظم أن التاجر استورد بضاعة معينة وقد دفع ثمنها ، فهذا البيان دليل ضده على أنه استورد البضاعة ، ولكن يجوز لمن ورد البضاعة أن يستبعد من هذا الدليل ما يتعلق بدفع الثمن ، فيكون بذلك قد أثبت من الدفتر نفسه أن البضاعة وردت ، وعلى التاجر صاحب الدفتر أن يثبت أن الثمن قد دفع . أما لو كان الدفتر منتظما ، فقد قضت المادة 397 من التقنين المدنى بأنه لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منه دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيه ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه . ففى المثل المتقدم ، فى حالة انتظام الدفتر ، يجب على من ورد البضاعة أن يأخذ البيان الوارد فى الدفتر كاملا ، فيكون هذا البيان دليلا على توريد البضاعة وعلى دفع الثمن فى وقت واحد . فإن أنكر مورد البضاعة أنه قبض الثمن ، فعليه هو –لا على التاجر صاحب الدفتر المنتظم – أن يثبت ذلك( [5] ) .

( والأمر الثانى ) أن القاضى إذا رأى أن يأخذ بالدليل المستخلص من الدفتر ، فإن لصاحب الدفتر ، ولو كان دفتره منتظما ، أن يثبت عكس ما ورد فيه ، وذلك بجميع الطرق حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض على هذا الحكم بأنه لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، فإن الوارد بالدفتر ليس دليلا كاملا لأنه ورقة عرفية غير موقعة كما قدمنا ، وإنما هو قرينة قابلة لإثبات العكس ، هذا إلى أنه إذا كان النزاع تجارياً فإن جميع طرق الإثبات جائزة فيه( [6] ) .

  280  

142 – قد يكون دفتر التاجر حجة له : الأصل أن الشخص لا يجوز له أن يصطنع دليلا لنفسه ، حتى لو كان تاجراً ، وحتى لو كنت دفاتره منتظمة . فكل ما ورد فى دفتر التاجر ، كقاعدة عامة ، لا يصلح أن يكون دليلا له لأنه صادر منه . بل هو لا يكون مبدأ ثبوت بالكتابة لأنه غير صادر من خصمه . وإنما يكون دليلا ضده هو على النحو الذى قدمناه . ومع ذلك فقد أباح القانون أن يكون دفتر التاجر حجة له استثناء فى حالتين اثنتين :

( الحالة الأولى ) فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر ( [7] ) . وقد رأينا أن فى هذه الدعاوى يكون دفتر التاجر حجة عليه ، لا فيها فحسب بل وفى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وغير تاجر وفى الدعاوى المدنية إطلاقاً . فإذا وقفنا من هذه الأنواع الثلاثة عند الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر ، وقررنا أن دفتر التاجر يكون حجة عليه ، وجب أن نستكمل الحكم فنقرر أن دفتر التاجر –فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر – كما يكون حجة عليه قد يكون حجة له . وتنص المادة 17 من التقنين التجارى فى هذا الصدد على ما يأتى : ” ويجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية لأجل الإثبات فى دعاوى التجار المتعلقة بمواد تجارية إذا كانت تلك الدفاتر مستوفية للشروط المقررة قانوناً ” . ففى المثل الذى قدمناه إذا ورد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات مثلا بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين ، فهذا البيان كما قدمنا حجة على التاجر صاحب الدفتر لو كان هو الذى ينكر وقوع الصفقة أو لا يسلم بكمية البضاعة أو بمقدار الثمن . وقد يكون هذا البيان نفسه حجة له على تاجر الجملة لو أن هذا التاجر الأخير هو الذى ينكر شيئاً من ذلك . والأخذ بهذا الدليل على هذا النحو متروك لتقدير القاضى ، فإن النص لا يوجب الأخذ به بل يقول : ” يجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية ” .

ومما ييسر على القاضى الأخذ بهذا الدليل حجة للتاجر أن الدعوى تجارية  281  ما بين تاجر وتاجر ، فعند تاجر الجملة هو أيضاً دفاتر تجارية ورد فيها البيان الوارد فى دفاتر التاجر الأول . فما على القاضى إلا أن يضاهى ما بين الدفاتر . فإن تطابقت اطمأن إلى هذا التطابق فى الأخذ بالدليل . وإن لم تتطابق ، فإن كانت دفاتر أحد التاجرين منتظمة رجح أن يأخذ القاضى بها . ومع ذلك قد يأخذ بالدفاتر غير المنتظمة فى هذا البيان بالذات ، ويرجحها على الدفاتر المنتظمة . وإن كانت دفاتر كل من التاجرين منتظمة أو غير منتظمة ، كان القاضى حراً فى أن يأخذ بدفاتر هذا أو بدفاتر ذاك ، وقد لا يأخذ بهذه ولا بتلك ، ويتلمس الدليل من طريق آخر ( [8] ) .

ويلاحظ فيما قدمناه أمران :

( 1 ) أن القاضى قد يأخذ بدفتر غير منتظم لتاجر حجة له ، مع أن المادة 17 من التقنين التجارى تشترط لجواز قبول الدفاتر للإثبات أن تكون منتظمة . وقد قدمنا أن هذا الشرط لم يراع عند ما أخذ القاضى بالدفتر غير المنتظم حجة على التاجر ، فلا يراعى هنا أيضاً عند أخذه بالدفتر غير المنتظم حجة للتاجر متى رأى أن البيان يبعث على الاطمئنان ولا يشعر بأى افتعال ، فإن كل هذه البيانات ليست إلا قرائن بسيطة لا تقيد القاضى فى الأخذ بها .

( 2 ) ولما كانت البيانات قرائن بسيطة ، فإنه يجوز دائماً ، عند أخذ بيان فى دفتر تاجر حجة له ، أن يثبت خصمه عكس هذا البيان بجميع الطرق ، حتى بالبينة والقرائن لما قدمناه من الاعتبارات .

( الحالة الثانية ) فى دعوى التاجر على غير التاجر بالنسبة إلى البيانات الواردة فى دفتر التاجر عما ورده لغير التاجر . وقد رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 397 تقول فى هذا الصدد ما يأتى : ” دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيما عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة ” .

  282  

فالأصل إذن ألا يكون دفتر التاجر حجة له ، لا على التاجر ، ولا على غير التاجر من باب أولى ( [9] ) . على أنه كما جاز استثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على التاجر فيما قدمناه ، يجوز كذلك استثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على غير التاجر ولكن بشروط أشد ، إذ يجب توافر الشروط الآتية :

( 1 ) أن يكون محل الالتزام سلعة وردها التاجر لعميله غير التاجر ، كالخباز يورد الخبز ” والبقال ” يورد ” خزين ” المنزل ( [10] ) .

( 2 ) أن يكون الالتزام مما يجوز إثباته بالبينة بالنسبة إلى العميل غير التاجر ، أى لا تجاوز قيمته عشرة جنيهات . وهذا الشرط أضافته لجنة المراجعة ، فقد كان المشروع التمهيدى لا يشتمل عليه محتذياً فى ذلك التقنين الفرنسى ( م 1329 ) . وقانون البينات السورى ( م 14 ) لا يشتمل هو أيضاً على هذا الشرط .

( 3 ) أن يكمل الدليل باليمين المتممة يوجهها القاضى إلى التاجر الذى يحتج بدفتره ، فلا تجوز التكملة هنا بالبينة أو بالقرائن ( [11] ) .

فإذا توافرت هذه الشروط ، فإنه يبقى بعد ذلك أمران :

( 1 ) أن الأخذ بهذا الدليل جوازى للقاضى ، فله أن يأخذ به أو لا يأخذ ، كما هى الحال فى سائر الأدلة التى تستخلص من دفاتر التجار . وهو لا يأخذ به غالباً إذا كان الدفتر غير منتظم .

( 2 ) أن للقاضى أن يسمح لغير التاجر بنقض الدليل المستخلص ضده من دفتر التاجر ، ويكفى فى هذا النقض البينة أو القرائن . بل إن للقاضى بأن يستنبط من القرائن فى نقض هذا الدليل ما يكتفى معه بتوجيه اليمين المتممة  283  إلى غير التاجر لا إلى التاجر ، لتفنيد الدليل لا لتأييده ( [12] ) .

ويلاحظ أن هذا الحكم وحده –دون سائر الأحكام التى قدمناها – هو الذى استحدثه التقنين المدنى الجديد ، نقلا عن التقنين المدنى الفرنسى ( [13] ) .


( [1] )  وقد قضت محكمة النقض بأن الاستدلال على التاجر بدفاتره ليس حقاً مقررا لخصم التاجر واجباً على المحكمة إنالته إياه متى طلبه ، بل إن الشأن فيه –بحسب نص المادة 17 من القانون التجارى – أنه أمر جوازى للمحكمة ، إن شاءت أجابته إليه ، وإن شاءت أطرحته  . وكل أمر يجعل القانون فيه للقاضى خيار الأخذ والترك فلا حرج عليه إن مال لجانب دون الآخر من جانبى الخبير ، ولا يمكن الادعاء عليه فى هذا بمخالفته للقانون ( نقض مدنى 16 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 264 ص 776 )  .

( [2] )  وقدس بق أن ذكرنا ما هى الدفاتر التجارية الاختيارية ، ومن أهمها دفتر الأستاذ ودفتر المشتريات والمبيعات ودفتر الخزانة ودفتر الأوراق التجارية  .

( [3] )  أنظر أيضاً المادة 17 من التقنين التجارى  .

( [4] )  نقض مدنى 8 أبريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 297 ص 588 – وقد رأينا أن المادة 17 من قانون البينات السورى تنص على هذا الحكم صراحة فى الدعاوى القائمة بين التجار ، فتقول : ” يجوز للقاضى فى الدعوى القائمة بين التجار أن يقبل أو أن يرد البينة التى تستخلص من الدفاتر التجارية غير الإجبارية أو من الدفاتر التجارية الإجبارية غير المنتظمة ، وذلك على ما يظهر له من ظروف القضية ”  . أنظر أيضاً المادة 172 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى وقد تقدم ذكرها  .

( [5] )  أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 383 فقرة 3 – ويجوز كذلك لمورد البضاعة أن يطرح البيان الوارد فى الدفتر بشقيه ، ويتولى إثبات أنه ورد البضاعة بدليل من عنده  . وحينئذ يكون على التاجر صاحب الدفتر إثبات أنه دفع الثمن  .

هذا ويختلف قانون البينات السورى فى حكمه فى هذه المسألة  . فقد رأينا أن المادة 15 من هذا القانون تقضى بأن دفاتر التجار الإجبارية تكون حجة على صاحبها ، سواء أكانت منتظمة أم لم تكن ، ولكن لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه ( أنظر أيضاً فى هذا المعنى المادة 170 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى )  . ويفهم من ذلك أن حكم عدم جواز تجزئة البيان الوارد فى الدفتر يشمل الحالتين ، حالة انتظام الدفتر وحالة عدم انتظامه  . أما فى التقنين المصرى ، قد رأينا أن عدم جواز التجزئة لا يكون إلا فى حالة انتظام الدفتر  .

( [6] )  أوبرى ورو 12 ص 262  .

انظر طريقة توكيل محامي

( [7] )  استئناف مختلط 30 مايو سنة 1917 م 29 ص 458 – 17 يونيه سنة 1942 م 54 ص 240 – فإذا كان النزاع واقعاً بين تاجرين ولكنه متعلق بعمل مدنى ، كشراء التاجر أثاثاً لمنزله الخاص ، فلا يجوز اعتبار دفاتر أى من التاجرين حجة له ( أوبرى ورو 12 ص 260 هامش رقم 9 – الأستاذ محسن شفيق فى القانون التجارى المصرى 1 ص 911 )  .

( [8] )  قارن أوبرى ورو 12 ص 261  . هذا وقد أورد قانون البينات السورى نصاً فى هذه المسألة يقرر هذا الحكم فيما يتعلق بالدفاتر المنتظمة لكل من التاجرين فنصت المادة 16 من هذا القانون –كما رأينا – على ما يأتى : ” إذا تباينت القيود بين دفاتر منتظمة لتاجرين ، جاز للقاضى أن يقرر إما تهاتر البينتين المتعارضتين وإما الأخذ بإحداهما دون الأخرى على ما يظهر له من ظروف القضية ” ( أنظر أيضاً فى هذا المعنى المادة 171 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، وقد تقدم ذكرها )  .

( [9] )  وهذا الأصل لا يتعلق بالنظام العام ، فيستطيع غير التاجر أن يقبل صراحة أو ضمناً ( بعدم الاعتراض ) الاحتجاج عليه بدفاتر التاجر ( الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ص 178 )  .

( [10] )  فلا يجوز أن يكون دفتر التاجر حجة له على غير التاجر فى سداد قرض أو تنفيذ التزام غير توريد السلع ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1490 ص 936 )  . كذلك لا يحتج بدفاتر التاجر على مصلحة الضرائب ، وللمحكمة ألا تتخذ دفاتر الممول أساساً لتقدير الضريبة عليه إذا لم تطمئن إلى صحة البيانات الواردة فيها بناء على أسباب سائغة ذكرتها ( نقض مدنى 30 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 87 ص 181 – 16 ديسمبر سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 353 ص 684  .

( [11] )  أوبرى ورو 12 ص 258 هامش رقم 4 – هذا ويذهب الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ( ص 177 – ص 178 ) إلى أن القاضى ، وهو فى نصاب البينة ، يستطيع أن يتخذ دفتر التاجر دليلا كاملا باعتباره قرينة كافية لا تحتاج إلى يمين متممة  . ونرى –أمام صراحة النص – أن القاضى إذا أخذ بدفتر التاجر لابد أن يوجه إليه اليمين المتممة ، وإلا أطرح الدفتر وأخذ بالبينة أو بقرائن أخرى  .

( [12] )  أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 383 فقرة 2  .

( [13] )  فقد كانت حجية دفاتر التجار فى ظل التقنين السابق على مقتضى الأحكام التى فصلناها ، إلا هذا الحكم : استئناف أهلى 24 نوفمبر سنة 1921 المجموعة الرسمية 23 رقم 77 – محكمة استئناف مصر 30 مايو سنة 1935 المجموعة الرسمية 37 رقم 10 ص 21 – استئناف مختلط 21 مارس سنة 1889 م 1 ص 74 – 14 مايو سنة 1890 م 2 ص 414 – 11 ديسمبر سنة 1890 م 2 ص 83 – 20 أبريل سنة 1892 م 4 ص 228 – 21 ديسمبر سنة 1893 م 6 ص 75 – 5 مايو سنة 1897 م 9 ص 318 – 27 نوفمبر سنة 1928 م 41 ص 42 – 28 نوفمبر سنة 1928 م 41 ص 59 – 13 فبراير سنة 1930 م 42 ص 278 – 21 ديسمبر سنة 1893 م 6 ص 75 – 5 مايو سنة 1897 م 9 ص 318 – 27 نوفمبر سنة 1928 م 41 ص 42 – 28 نوفمبر سنة 1928 م 41 ص 59 – 13 فبراير سنة 1930 م 42 ص 278 – 9 أبريل سنة 1930 م 42 ص 414 – 10 فبراير سنة 1931 م 43 ص 220 – 6 ديسمبر سنة 1932 م 45 ص 54 – 6 ديسمبر سنة 1933 م 46 ص 66 – 13 فبراير سنة 1934 م 46 ص 162 – 13 مارس سنة 1935 م 47 ص 196 – 14 يناير سنة 1936 م 48 ص 74 27 أبريل سنة 1938 م 50 ص 257  .

ومن ثم تكون العبرة فى سريان هذا الحكم الجديد بتاريخ ورود البيان فى الدفتر  . فإن كان تاريخه قبل يوم 15 أكتوبر سنة 1949 سرت أحكام التقنين السابق ولا يكون البيان حجة للتاجر ، وإلا سرت أحكام التقنين الجديد وكان البيان حجة للتاجر بالشروط التى بسطناها  .

المصدر: محامي في الأردن

الدفاتر التجارية

الدفاتر التجارية

137 – مسألتان : نبحث هنا : ( أولا ) ما هى الدفاتر التجارية وكيف تنظم ( ثانياً ) متى يجوز للقاضى الأمر بتقديمها ومتى يجوز له الأمر بالإطلاع عليها .

  269  

138 – ما هى الدفاتر التجارية وكيف تنظم : لا نطيل فى بحث هذه المسألة فهى من مسائل القانون التجارى . وبحسبنا هنا أن نذكر أن التقنين التجارى أوجب على التجار ، تنظيما لحساباتهم وتيسيراً عليهم فى الإثبات ، أن يمسكوا دفاتر معينة كانت ، بحسب المواد 11 – 13 من التقنين التجارى التى ألغاها القانون رقم 388 لسنة 1953 ، ما يأتى ( [1] ) :

( 1 ) دفتر اليومية : ( Livre – Journal ) : كانت المادة 11 من التقنين التجارى تنص على أنه ” يجب على كل تاجر أن يكون له دفتر يومية يشتمل على بيان ما له وما عليه من الديون يوماً فيوماً ، وعلى بيان أعمال تجارته ، وبيان ما اشتراه أو باعه أو قبله أو أحاله من الأوراق التجارية ، وعلى بيان جميع ما قبضه وما دفعه . ويكون مشتملا أيضاً على المبالغ المنصرفة على منزله شهراً فشهراً إجمالا بغير بيان لمفرداتها ” .

ونرى من ذلك أن دفتر اليومية هذا يدون فيه التاجر كل العمليات التى يجريها فى يومه ، دون تمييز بين ما هو متعلق بتجارته وما هو غير متعلق بها ، حتى الهبات والصدقات والتبرعات ، وحق المبالغ المنصرفة على منزلة وإن كان يذكرها إجمالا شهراً فشهراً . ولكن أهم ما يدون فى دفتر اليومية هو ما يتعلق  270  بأعمال التجارة ، فيدون التاجر ، يوماً فيوماً ، ما اشتراه أو باعه ، وما قبضه أو دفعه ، وما استجده من حقوق أو استحدثه من ديون ، وما قبله من الأوراق التجارية أو أحاله منها ، وكل بيان بأى عمل تجارى آخر أجراه .

( 2 ) دفتر المراسلات ( Livre – copie des lettres ) : وكانت المادة 12 من التقنين التجارى تنص على أنه ” يجب على التاجر أن يقيد فى دفتر مخصوص صور ما يرسله من الخطابات المتعلقة بالأشغال ، وأن يجمع ما يرد إليه منها فى كل شهر ويضعه فى ملف على حدته ” .

والأمر هنا مقصور على المراسلات المتعلقة بأعمال التجارة؛ دون المراسلات المتعلقة بالشؤون الخاصة . فيقيد التاجر فى دفتر المراسلات صور جميع المراسلات التى أصدرها متعلقة بعمله التجارى ، سواء كانت خطابات أو برقيات أو قوائم ( Factures ) أو تذاكر نقل ( lettres de voiture ) أو تذاكر شحن ( Connais – sements ) أو غير ذلك . ويحتفظ بما يتلقاه من مراسلات ، أى بالأصول ذاتها ، جامعاً ما يرد إليه منها كل شهر فى ملف على حدة ( en liasse ) . وهذه المراسلات –ما أصدره وما تلقاه – قد تكون مصدراً لإثبات كثير من العقود والأعمال التجارية .

( 3 ) دفتر الجرد ( livre des inventaires ) : وكانت المادة 13 من التقنين التجارى تنص على أنه ” يجب على كل تاجر أن يجرد كل سنة أمواله المنقولة والثابتة ، ويحصر ما له وما عليه من الديون ، ويقيد صورة قائمة الجرد المذكور فى دفتر بعد ذلك زيادة على الدفترين المذكورين فى المادتين السابقتين ” .

فالجرد إذن هو حصر سنوى لأموال التاجر المنقولة والثابتة ، وكذلك حصر سنوى لما للتاجر وما عليه من الديون . وتقيد صورة من قائمة هذا الجدر فى دفتر الجرد( [2] ) .

  271  

وكانت المادة 14 من التقنين التجارى تنص على أنه ” يجب أن تكون هذه الدفاتر خالية م كل فراغ أو بياض أو كتابة فى الحواشى ، عدا ما يترك من البياض فى الدفتر الذى تقيد فيه صور الخطابات بطريق الطبع . ويلزم قبل بدء الكتابة فى اليومية ودفتر الجرد أن تنمر كل صحيفة منهما ، وتوضع على كل ورقة بدون مصاريف علامة المأمور الذى تعينه المحكمة الابتدائية لذلك ، وفى آخر كل سنة يضع هذه المأمور أيضاً فى الدفترين المذكورين وفى دفتر صور الخطابات التأشير اللازم بحضور التاجر الذى يقدمها ، بدون أن يجوز للمأمور المذكور بأى وسيلة كانت الإطلاع على مضمون الدفاتر المقدمة له ولا حجزها عنده ” . وقد قصد بتنمير الصفحات منع التاجر من إعدام بعض هذه الصفحات ، ومن وضع علامة ( Paraphe ) المأمور –ويكون غالباً رئيس قلم الكتاب بالمحكمة – عليها منع التاجر من تحشير صفحات جدد إلا إذا زور علامة المأمور فيعاقب على جريمة التزوير ، ومن وضع التأشير فى نهاية الدفتر منع التاجر من إضافة صفحات جديدة إلا إذا عرض نفسه هنا أيضاً لعقوبة التزوير . وتنص المادة 15 من التقنين التجارى على أن ” الدفاتر التى يجب على من يشغل بالتجارة اتخاذها لا تكون حجة أمام المحاكم ما لم تكن مستوفية للإجراءات السالف ذكرها ” . فإذا استوفت الدفاتر التجارية هذه الإجراءات ، كانت منتظمة ، وكان لها من الحجية ما سنذكره فيما يلى . على أن الدفاتر غير المنتظمة ، وهى التى لم تستوف هذه الإجراءات كلها أو بعضها ، لا يزال لها بعض الحجية كما سنرى .

هذا وقد ألغى المشرع المصرى ، بمقتضى القانون رقم 388 لسنة 1953 المنشور فى الوقائع المصرية ( العدد 64 مكرر الصادر فى 6 أغسطس سنة 1953 ) ، المواد 11 – 14 من التقنين التجارى وهى المواد التى تقدم ذكرها ، واستبدال بها نصوصاً جديدة تنظم دفاتر التجار تنظيما أدق وأكثر مسايرة للنظم الحديثة فى إدارة الأعمال . وقد أصبح بموجب هذا القانون الجديد واجباً على التاجر أن يمسك من الدفاتر التجارية العدد الذى تستلزمه طبيعة تجارته وأهميتها ، بحيث  272  لا يقل عدد هذه الدفاتر عن اثنين : ( 1 ) دفتر اليومية الأصلى وتقيد فيه جميع العمليات المالية التى يقوم بها التاجر وكذلك مسحوباته الشخصية . ويتم هذا القيد يوماً فيوماً . ويجوز استعمال دفاتر يومية مساعدة ، ويكتفى فى هذه الحالة بتقييد إجمالى للعمليات فى دفتر اليومية الأصلى فى فترات منتظمة من واقع هذه الدفاتر . ( 2 ) دفتر الجرد : وتقيد فيه تفاصيل البضاعة الموجودة فى آخر السنة المالية ، أو بيان إجمالى عنها إذا كانت التفاصيل واردة بدفاتر وقوائم مستقلة . وعند ذلك تعتبر هذه الدفاتر والقوائم جزءاً متمما للدفتر المذكور . ويحتفظ التاجر بصور من المراسلات والبرقيات التى يصدرها وبأصول ما يرد إليه منها ، ويقوم هذا مقام دفتر المراسلات . وقد استبقى قانون سنة 1953 تنمير الصفحات وتوقيع الموثق الواقع فى دائرة اختصاصه المحل التجارى ( بدلا من رئيس قلم كتاب المحكمة ) على كل ورقة( [3] ) .

  273  

فالقانون التجارى إذن ألزم التجار اتخاذ دفاتر منتظمة يسجلون فيها ما لهم من الحقوق وما عليهم من الديون ، ويقيدون جميع ما يرتبط بأعمالهم التجارية . وقد جعل لعدم انتظام هذه الدفاتر جزائين : جزاء مدنياً هو سلب هذه الدفاتر من كثير من قوتها فى الإثبات ، وجزاء جنائياً إذا أفلس التاجر ودفاتره غير منتظمة( [4] ) .

139 – تقديم دفاتر التجار والإطلاع عليها : ولما كان من أهم أغراض دفاتر التجار هو أن تكون أدلة للإثبات ، فقد نص التقنين التجارى على وسيلتين لتحقيق هذا الغرض : أولاهما تقديم هذه الدفاتر ( Representation ) والأخرى الإطلاع عليها ( Communication )( [5] ) .

أما التقديم ، فقد نصت عليه المادة 18 من التقنين التجارى على الوجه الآتى : ” يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها فى أثناء الخصومة بتقديم الدفاتر لتستخرج منها ما يتعلق بهذه الخصومة ” . وهذه الوسيلة جائزة فى جميع المنازعات التجارية والمدنية ، سواء كان الخصم الآخر تاجراً أو غير تاجر ، لإطلاق النص .  274  وللمحكمة أن تلجأ إليها من تلقاء نفسها دون طلب من الخصوم . والغرض منها محدود : هو أن تطلع المحكمة –دون الخصوم – على دفاتر التاجر ، لا فى جميع أجزائها ، بل فى الجزء الذى وردت فيه البيانات المتعلقة بالخصومة . وقد تطلع المحكمة على هذا الجزء بنفسها ، أو بواسطة خبير تندبه لذلك وهو الغالب . ويقع إطلاع المحكمة أو الخبير على الدفتر بحضور التاجر صاحبه وتحت رقابته . ويجوز للمحكمة ، إذا كانت الدفاتر التى أمرت بتقديمها فى مكان بعيد ، أن تطلب من أقرب محكمة القيام بهذه المهمة ( Commission Rogatoire ) فتقوم بها وتحرر تقريراً بذلك ترسله إلى المحكمة الأولى ( [6] ) .

وأما الإطلاع ، فقد نصت عليه المادة 16 من التقنين التجارى على الوجه الآتى : ” لا يجوز للمحكمة ، فى غير المنازعات التجارية ، أن تأمر بالإطلاع على الدفترين المتقدم ذكرهما ( اليومية والمراسلات ) ولا على دفتر الجرد إلا فى مواد الأموال المشاعة أو مواد التركات وقسمة الشركات وفى حالة الإفلاس . وفى هذه الأحوال يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالإطلاع على تلك الدفاتر ” . والإطلاع أوسع مدى من التقديم ، وأشد خطراً . فيستطيع هذا أن يطلع على جميع محتوياتها بما قد تشتمل عليه من أسرار . ولكنه أضيق نطاقاً : فإنه إذا جاز للمحكمة أن تأمر بالإطلاع من تلقاء نفسها دون طلب من الخصم وهذه هى الحال فى التقديم ، فإنها لا تأمر بذلك إلا فى المنازعات التجارية وفى بعض المنازعات المدنية . وينتقد فقهاء القانون التجارى إطلاق حرية المحكمة فى الأمر بالإطلاع فى جميع المنازعات التجارية ، لأن فى الإطلاع إفشاء لسر التاجر ، وكان الواجب فى نظرهم أن يلتزم المشرع المصرى نص المادة 14 من التقنين المدنى الفرنسى وهى لا تجيز الإطلاع إلا فى مواد التركات والذمم المشتركة الناشئة عن الزواج بمقتضى نظام اختلاط الأموال وقسمة الشركات والإفلاس( [7] ) . ولكن لا مناص من احترام النص الصريح ، وأجازه الأمر بالإطلاع : ( أولا ) فى جميع المنازعات التجارية . ( ثانياً ) فى بعض المنازعات  275  المدنية ، وهذه هى :

( 1 ) مواد الأموال المشاعة : والنص الفرنسى لهذه العبارة هو : Communaute أى نظام اختلاط الأموال ، وليس الشيوع ( indivision ) . فإذا نزوج . فإذا نزوج التاجر على مقتضى نظام اختلاط الأموال ( regime de communaute ) ، ودخل متجره فى الذمة المشتركة ، ثم انحلت رابطة الزوجية ووجبت تصفية هذه الذمة ، جاز للمحكمة أن تأمر بإطلاع الخصم –الزوجة أو ورثتها أو الزوج أو ورثته – على الدفاتر التجارية ليقرر نصيبه من الذمة المشتركة( [8] ) .

( 2 ) مواد التركات : فإذا توفى التاجر وقام نزاع بين ورثته – على تقسيم التركة ، جاز للمحكمة إلزام الورثة الذين يحوزون دفاتر مورثهم التجارية بإطلاع بقية الورثة عليها ، حتى يستطيع كل منهم أن يقدر نصيبه من التركة . وهذا الحق مقصور على الورثة والموصى لهم بحصة من التركة ، دون الموصى له بعين معينة أو الأجنبى .

( 3 ) قسمة الشركات : فإذا انحلت الشركة ، جاز للمحكمة أن تأمر بإطلاع كل شريك على الدفاتر التجارية للشركة ليتبين مقدار نصيبه . وهذا الحق مقصور على الشركاء ، فلا يشمل دائنى الشركة . وقد نصت المادة 519 من التقنين المدنى الجديد ، بالنسبة إلى الشركاء المدنية ، على أن ” الشركاء غير المديرين ممنوعون من الإدارة ، ولكن يجوز لهم أن يطلعوا بأنفسهم على دفاتر الشركة ومستنداتها ، وكل اتفاق على غير ذلك باطل ” . ويسرى هذا النص على الشركاء المتضامنين والشركاء موصين فى شركات التوصية البسيطة والشركات عموماً فى شركات المحاصة ، أما الشركاء المساهمون سواء فى شركات المساهمة أو شركات التوصية بالأسهم فلا يجوز لهم طلب الإطلاع على دفاتر الشركة لكثرة عددهم ولتفادى تعطيل أعمال الشركة أو ذيوع أسرارها ، ومع ذلك يجوز للمحكمة استثناء أن تأمر بإطلاع الشريك المساهم على دفاتر الشركة متى كانت له مصلحة جدية فى هذا الإطلاع ( [9] ) . ونصت المادة 691 من التقنين المدنى الجديد على أنه ” 1 . إذا نص العقد على أن يكون للعامل فوق الأجر المتفق عليه أو بدلا منه حق فى جزء من أرباح رب العمل ، أو فى نسبة مئوية من جملة الإيراد أو من مقدار الإنتاج أو من قيمة ما يتحقق من وفر أو ما شاكل ذلك ، وجب على رب العمل أن يقدم إلى العامل بعد كل  276  جرد بياناً بما يستحقه من ذلك . 2 – ويجب على رب العمل فوق هذا أن يقدم إلى العامل ، أو إلى شخص موثوق به يعينه ذوو الشأن أو يعينه القاضى ، المعلومات الضرورية للتحقق من صحة هذا البيان ، وأن يأذن له فى ذلك بالإطلاع على دفاترة ” . ومن ذلك نرى أن حق إطلاع الشركاء على دفاتر الشركة ثابت لهم فى أحوال ثلاثة : إذا انحلت الشركة ، أو وهى قائمة للشركاء غير المديرين ، أو عند اشتراط أن يكون للعامل جزء من الأرباح أو الإيراد أو مقدار الإنتاج أو نحو ذلك . 4 – حالة الإفلاس . فللسنديك الحق فى الإطلاع على دفاتر المفلس حتى يتمكن من تأدية مهمته . ولا يجوز للدائن ، بصفته الفردية ، أن يطلب هذا الإطلاع ، إلا إذا عين مراقباً – هذا ويمكن الآن إضافة حالة خامسة ، إذ يجوز لمصلحة الضرائب الإطلاع على دفاتر الممولين لتقدير الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية ( قانون رقم 14 لسنة 1939 )( [10] ) .

وإذا أمرت المحكمة بتقديم أو بالإطلاع عليها ، وامتنع الخصم من تنفيذ أمر المحكمة ، فإن المادة 257 من تقنين المرافعات الجديد تجيز للمحكمة أن تستخلص من هذا الامتناع معنى الاعتراف بالدين . وكذلك يجوز للمحكمة أن تجبر الخصم على التنفيذ بطريق التهديد المالى ( Astreintes )( [11] ) .


( [1] )  رأينا أن نثبت نصوص المواد 11 – 14 من التقنين التجار بالرغم من أن القانون رقم 388 لسنة 1953 استبدال بها نصوصاً جديدة ، لأن الدفاتر التجارية التى نظمت فى ظل النصوص القديمة ستبقى إلى مدة طويلة تستخدم للإثبات ، وذلك لحداثة العهد بالتشريع الجديد  . ومن ثم وجب استعراض النظام السابق فى إيجاز  .

( [2] )  هذه كانت هى الدفاتر التجارية الإلزامية طبقاً للتقنين التجارى  . ويوجد إلى جانبها دفاتر اختيارية ( Facultatifs ) أو إضافية ( Auxiliaires ) درج كبار التجار على إمساكها  . أهمها : ( 1 ) دفتر الأستاذ ( Grand Livre ) ، وترحل إليه العمليات المدونة فى دفتر اليومية منظمة ، لا بحسب تاريخ وقوعها كما هى الحال فى دفتر اليومية ، ولكن بحسب أسماء العملاء أو نوع العمليات  . فيكون لكل عميل ، أو لكل نوع من العمليات  . حساب مستقل له رصيده  .

( ب ) دفتر المشتريات والمبيعات ( Livre de magasin ) ، لقيد السلع التى تدخل المخازن والتى تخرج منها و( جـ ) دفتر للخزانة ( livre de caisse ) ، لقيد المبالغ الداخلة والخارجة  . ( د ) دفتر للأوراق التجارية ( l’echeancier ) ، لقيد مواعيد استحقاق هذه الأوراق  .

( [3] )  وهذه هى أهم نصوص القانون رقم 388 لسنة 1953 :

م 1 : على كل تاجر أن يمسك الدفاتر التجارية التى تستلزمها طبيعة تجارته وأهميتها بطريقة تكفل بيان مركز المالى بالدقة وبيان ما له وما عليه من الديون المتعلقة بتجارته  . ويجب أن يمسك على الأقل الدفترين الآتيين : ( 1 ) دفتر اليومية الأصلى  . ( 2 ) دفتر الجرد  . ويعفى من هذا الالتزام التجار الذين لا يزيد رأس ما لهم على ثلثمائة جنيه  .

م 2 : تقيد فى دفتر اليومية الأصلى جميع العمليات المالية التى يقوم بها التاجر وكذلك مسحوباته الشخصية ، ويتم هذا القيد يوماً بيوم وبالتفصيل  . ويجوز للتاجر أن يستعمل دفاتر يومية مساعدة لإثبات تفاصيل الأنواع المختلفة من العمليات المالية – ويكتفى هذه الحالة بتقييد إجمالى لهذه العمليات فى دفتر اليومية الأصلى فترات منتظمة من واقع هذه الدفاتر  . فإذا لم يتبع هذا الإجراء وجب إخضاع هذه الدفاتر للأحكام الواردة فى المادتين الخامسة والسادسة من هذا القانون  .

م 3 : تقيد فى دفتر الجرد تفاصيل البضاعة لدى التاجر فى آخر سنته المالية أو بيان إجمالى عنها إذا كانت تفاصيلها واردة بدفاتر قوائم مستقلة  . وفى هذه الحالة تعتبر تلك الدفاتر أو القوائم جزءاً متمما للدفتر المذكور  . كما تقيد بالدفتر صورة من الميزانية العامة للتاجر فى كل سنة إذا لم تقيد فى أى دفتر آخر  .

م 4 : على التاجر أن يحتفظ بصورة طبق الأصل من جميع المراسلات والبرقيات التى يرسلها لأعمال تجارته وكذلك جميع ما يرد إليه من مراسلات وبرقيات وفواتير وغيرها من المستندات التى تتصل بأعمال تجارته  . ويكون الحفظ بطريقة منظمة تسهل معها مراجعة القيود الحسابية ، وتكفل عند اللزوم التحقق من الأرباح والخسائر  .

م 5 : يجب أن تكون الدفاتر المنصوص عليها فى هذا القانون خالية من أى فراغ أو كتابة فى الحواشى أو كشط أن تحشير فيها دون بها  . ويتعين قبل استعمال دفترى اليومية والجدر أن تنمر كل صفحة من صفحاتهما وأن يوقع على كل ورقة فيهما الموثق الواقع فى دائرة اختصاصه المحل التجارى  . ويجب على التاجر أن يقدم إلى الموثق هذين الدفترين فى خلال شهرين من آخر كل سنة مالية للتأشير عليهما بما يفيد انتهاءها وذلك بحضور التاجر ودون حجز هذين الدفترين لدى الموثق  . فإذا انتهت صفحات هذين الدفترين تعين على التاجر أن يقدمهما إلى الموثق للتأشير عليهما بما يفيد ذلك بعد آخر قيد  . كما يتعين على التاجر وورثته فى حالة وقف نشاط المحل التجارى تقديم الدفترين المشار إليهما إلى الموثق للتأشير عليهما بما يفيد ذلك  . ويكون التوقيع والتأشير فى الحالات المتقدمة بغير رسوم  .

م 6 : يعد فى كل مكتب توثيق وفروعه سجل يدون فيه الموثق ما قام به بالنسبة إلى كل دفتر من دفاتر التاجر من الإجراءات المنصوص عليها فى المادة الخامسة ، ويثبت فيه كذلك إقراراً من صاحب الشأن بأن هذه الدفاتر هى أول دفاتر له أو أن دفاترة السابقة قد أقفلت  .

م 7 : على التاجر وورثته الاحتفاظ بالدفاتر المنصوص عليها فى هذا القانون مدة عشر سنوات تبدأ من تاريخ إقفالها  . ويجب عليهم كذلك حفظ المراسلات والمستندات والصور المشار إليها فى المادة الرابعة مدة عشر سنوات  .

م 8 : كل مخالفة لأحكام هذا القانون أو القرارات الصادرة تنفيذاً له يعاقب مرتكبها بغرامة لا تقل عن عشرين جنيها ولا تزيد على مائتى جنيه  .

( [4] )  الموجز للمؤلف فقرة 646 ص 677  .

( [5] )  ويشمل ذلك الدفاتر الإلزامية والدفاتر الاختيارية  .

( [6] )  أنظر فى هذه المسألة : استئناف مختلط 9 مايو سنة 1912 م 24 ص 326  .

( [7] )  أنظر الأستاذ محسن شفيق فى القانون التجارى المصرى الإسكندرية 1949 ص 900 – ص 901  .

( [8] )  ويرى بعض فقهاء القانون التجارى تعميم النص ليشمل جميع الأموال الشائعة ( الأستاذ على الزينى فى القانون التجارى 1 فقرة 157 ص 177 )  .

( [9] )  الأستاذ محسن شفيق فى القانون التجارى المصرى 1 ص 903  .

( [10] )  أنظر فى كل هذا : استئناف مختلط 31 يناير سنة 1912 م 24 ص 111 – 2 يونيه سنة 1909 م 21 ص 385 – 9 يونيه سنة 1909 م 21 ص 387 – 30 أبريل سنة 1912 م 24 ص 252 – أول مارس سنة 1917 م 29 ص 267  . هذا والمحكمة غير ملزمة بإجابة الخصم إذا طلب الأمر بالإطلاع على دفاتر خصمه أو بتقديمها إذا رأت أن هناك من الأدلة ما يغنى عن هذه الدفاتر ( الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 155 ص 180 – قارن الأستاذ سليمان مرقس فقرة 95  . وأنظر حكم محكمة النقض الدائرة المدنية فى 11 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 29 ص 183 )  .

( [11] )  الأستاذ محسن شفيق فى القانون التجارى المصرى 1 ص 897 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 155 ص 180  .

نقلا عن محامي أردني

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات

الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات

130 – بيان هذه الأوراق : رأينا فيما تقدم أن الورقة العرفية التى تعد للإثبات لا تكون دليل إثبات كامل إلا إذا كان موقعاً عليها ، وأن التوقيع هو الذى يضفى على الورقة حجيتها . على أنه توجد بعض أوراق عرفية لم تعد مقدماً للإثبات ، ومع ذلك يجعل لها القانون بنص خاص حجية معينة ، ولا يشترط فيها أن يكون موقعاً عليها .

وقد نص التقنين المدنى الجديد على أربعة أنواع هذه الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات معينة ، وهى :

( 1 ) الرسائل والبرقيات .

( 2 ) دفاتر التجار .

( 3 ) الدفاتر والأوراق المنزلية .

( 4 ) التأشير ببراءة ذمة المدين( [1] ) .

  255  

المبحث الأول

الرسائل والبرقيات

131 – النصوص القانونية : تنص المادة 396 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” 1 – تكون للرسائل الموقع عليها قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات ” .

 ” 2 – وتكون للبرقيات هذه القيمة أيضاً إذا كان أصلها المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليها من مرسلها ، وتعتبر البرقية مطابقة لأصلها حتى يقوم الدليل على عكس ذلك ” .

 ” 3 – وإذا أعدم أصل البرقية ، فلا يعتد بالبرقية إلا لمجرد الاستئناس ” ( [2] ) .

ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق .

ويقابل هذا النص فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البيانات السورى المادة 12 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 457 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 162 – 166 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 383( [3] ) – ولا يوجد فى التقنين المدنى الفرنسى نص مقابل .

  256  

ونتكلم فى قيمة الرسالة ( Lettre Missive ) فى الإثبات ، ومتى يحتج بها المرسل إليه ، ومتى يحتج بها الغير ، ثم فى قوة البرقية فى الإثبات .

132 – قيمة الرسالة فى الإثبات : تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” لم يعرض تقنين من التقنينات ( [4] ) للرسائل بوصفها ضرباً من ضروب الأدلة الكتابية ، وقد يلتمس للتقنين  257  الفرنسى بعض العذر فى إغفالها إذا روعى أن التعامل بالرسائل كان فى سنة 1804 بالغ الندورة . . . بيد أنه من المسلم أن التعامل بالرسائل أخذ يتزايد نصيبه من الأهمية ، تحى أصاب من سعة النطاق بسطة جديرة بالاعتبار . وليس شك فى أن هذا الضرب من التعامل قد اضطرد بوجه خاص فى المسائل التجارية ، لكن المتعاملين من التجار لم يستشعروا ضرورة لحكم تشريعى جديد نظراً لانتفاء قيود الإثبات فى هذه المسائل . على أن التعامل بالرسائل شمل الروابط المدنية أيضاً ، ومن عجب أن يستشعر واضعو المشروع الفرنسى الإيطالى ضرورة تشبيه البرقية بالورقة العرفية المادة 484 دون أن يشيروا إلى الرسائل ” ( [5] ) .

وقد كان الفقه والقضاء فى مصر ( [6] ) ، فى ظل التقنين السابق وبالرغم من انعدام النص ، يذهبان إلى أن الرسالة متى وصلت إلى المرسل إليه صارت ملكه ، وله أن يستخدمها كدليل إثبات على حق يدعيه عند المرسل ، حتى لو تضمنت سراً فيخير المرسل بين أن يقدم الرسالة إلى القضاء بالرغم من احتوائها لهذا السر أو أن ييسر له المرسل الإثبات من طريق آخر غير الرسالة . وقد ترتفع السرية عن الرسالة بعد وجودها إذا نشرت وعرفها الجمهور ولو عن طريق دعوى جنائية انتهت بحكم بالبراءة( [7] ) . ثم إن ما ورد فى الرسالة إذا كان بخط المدين أو كان موقعاً عليه منه يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة أو دليلا كاملا ، على أن يترك ذلك إلى تقدير القاضى ، فإن الرسالة ليست فى الأصل معدة للإثبات ، وما يدونه المرسل بها لا يلتزم فيه من الاحتياط ما يلتزمه فى الورقة العرفية التى تعد مقدماً للإثبات ، فيجب أن يكون هذا محلا للاعتبار( [8] ) .

  258  

أما التقنين الجديد فلم يترك الأمر إلى تقدير القاضى ، بل نص صراحة على أن ” تكون للرسائل الموقع عليها قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات ” ( [9] ) . وكان التقنين الجديد جريئاً فى إيراده لهذا النص ، فلم يسبقه إليه تقنين آخر كما تقول المذكرة الإيضاحية . وقد سلب القاضى حريته فى التقدير ، فلم يعد هذا يستطيع ، إذا رأى أن المرسل لم يحتط فى رسالته ولم يقصد إلى أن ينتج جميع الآثار القانونية التى تترتب على ما كتبه فى هذه الرسالة ، أن يرفع عن الرسالة حجيتها أو أن ينتقض من هذه الحجية كما كان يستطيع فى ظل التقنين السابق . فمتى كانت الرسالة موقعة من المرسل ، استوفت شرائط الورقة العرفية ، وصار  259  بها حجيتها ، حتى لو كانت لم تستوف شرطاً جوهرياً هو أن تكون قد أعدت مقدماً للإثبات فإن هذا الإعداد السابق من شأنه أن يفرض على المرسل الاحتياط والتمعن . بالرغم من ذلك أصبحت الرسالة الموقعة فى التقنين الجديد ، كما قدمنا ، بمنزلة الورقة العرفية المعدة للإثبات ، ولها قيمة الدليل الكامل . فهى حجة على المرسل من حيث صدورها منه ، إلا أن ينكر توقيعه أو خطه على النحو الذى قدمناه فى الأوراق العرفية المعدة للإثبات . وهى أيضاً حجة على المرسل بصحة المدون فيها ، إلا أن يثبت العكس بالطرق المقررة ، وهو لا يستطيع أن يثبت ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . وهى أخيراً حجة على المرسل من حيث قيام التصرف القانونى الذى تشهد به الرسالة ، على أن له أن يدفع هذا التصرف بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التى يسمح بها القانون( [10] ) .

  260  

والذى لا يزال يفرق فى نظرنا بين الرسالة الموقعة والورقة العرفية المعدة للإثبات ، حتى فى ظل التقنين الجديد ، هو أن القاضى عند تفسيره للعبارات الواردة فى الرسالة الموقعة –إذا كانت هذه الرسالة لم تعد مقدماً للإثبات ويندر أن تعد لهذا الغرض فى غير المسائل التجارية – لابد أنه ملق بالا إلى أن كاتب هذه العبارات لم يصطنع الحيطة المألوفة عند من يقصد أن يرتبط بعباراته ارتباطاً قانونياً ، فيفسر الرسالة بما يتلاءم مع الجو الذى كتبت فيه .

أما إذا كانت الرسالة غير موقعة ولكنها مكتوبة بخط المرسل ، فهى تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة كما كان الأمر فى التقنين السابق . وصورة الرسالة لا حجية لها كصورة أية ورقة عرفية( [11] ) .

133 – متى يجوز للمرسل إليه أن يحتج بالرسالة : من حق المرسل إليه أن يقدم الرسالة إلى القضاء ليستخلص منها دليلا لصالحه ضد المرسل متى كانت له مصلحة مشروعة فى ذلك ( [12] ) . فإذا تضمنت الرسالة اتفاقاً تم بينه وبين  261  المرسل ، أو التزاماً تعهد به المرسل ، أو مخالصة ، أو إبراء ، أو إقراراً ، أو نحو ذلك ، كان للمرسل إليه مصلحة مشروعة فى أن يقدم الرسالة دليلا على ما تقدم . وكذلك إذا تضمنت الرسالة جريمة فى حق المرسل غليه كتهديد أو احتيال أو قذف أو سب ، أو كانت دليلا على جريمة هو مجنى عليه فيها كجريمة الزنا ( [13] ) ، كان له أن يقدمها إلى القضاء دليلا للإثبات .

على ألا يكون فى كل هذا انتهاك لحرمة السرية . فإذا كانت هناك سرية تنتهك ، ولم ينبه المرسل غليه المرسل حتى ييسر له الإثبات من طريق آخر على النحو الذى سبق أن بيناه ، فلا يجوز للمرسل إليه أن يقدم الرسالة إلى القضاء ، وإن فعل جاز للمرسل أن يطلب استبعادها ، وله الرجوع على المرسل غليه بالتعويض ( [14] ) .

  262  

وينتقل حق المرسل إليه فى الرسالة كدليل إثبات إلى ورثته من بعده . فلهم استعمالها كخلف له فى نفس الحدود التى يجوز فيها ذلك للمرسل إليه : لمصلحة مشروعة وبشرط عدم انتهاك حرمة السرية .

وهذه الأحكام إنما هى تطبيق للقواعد العامة ، وكان معمولا بها فى ظل التقنين السابق .

134 – متى يجوز للغير أن يحتج بالرسالة : ولا يقتصر حق الاحتجاج بالرسالة على المرسل إليه وورثته ، بل يمتد هذا الحق إلى الغير ، وهو كل شخص غير المرسل إليه وورثته تكون له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها . مثل ذلك أن تتضمن الرسالة إقراراً من المرسل يفيد الغير ، أو تتضمن اشتراطا لمصلحة هذا الغير . ذلك أن حق الاحتجاج بالرسالة ليس مستمداً من أنها ملك للمرسل إليه ومن أنه فى الاحتجاج بها إنما يستعمل ملكه ، ولكنه مستمد من أن الرسالة تنطوى على دليل إثبات ، فمن كان فى حاجة إلى هذا الدليل لإثبات دعواه أمام القضاء جاز له أن يطلب تقديم الرسالة . ويتبين من ذلك أن حق الاحتجاج بالرسالة مستمد ، لا من حق الملك ، بل من الحق فى الإثبات وهو الحق الذى رسمنا مداه فيما تقدم( [15] ) .

وهو حق ضيق فى التشريع المصرى . فقد رأينا أن تقنين المرافعات الجديد ( م 253 ) يجيز للخصم – وهو هنا الغير – أن يطلب إلزام خصمه – وهو هنا المرسل إليه إذا كانت الدعوى قائمة بينه وبين الغير – بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى ، ومن ذلك الرسالة التى تتضمن دليلا لمصلحة الغير ، إذا كانت الرسالة محررة لمصلحة الخصمين أو كانت مثبتة لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة أو استند إليها خصمه فى أية مرحلة من مراحل الدعوى . ويجب فوق ذلك ألا يكون فى  263  تقديم الرسالة انتهاك لحرمة السرية ، وإلا وجب أيضاً استئذان المرسل قبل تقديمها ، هذا ما لم يكن المرسل نفسه هو الخصم الذى طلب تقديم الرسالة .

وهذا كله ول كانت الرسالة فى يد المرسل إليه كما هو الغالب . ولكنها قد تقع فى يد الغير الذى له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها . فإن وقعت فى يده بطريقة غير مشروعة ، كأن كان قد أخذها خلسة أو احتيالا ( [16] ) ، فلا يجوز له تقديمها بتاتاً ، وإذا قدمها وجب استبعادها . أما إذا وقعت فى يده بطريقة مشروعة ( [17] ) ، فلا يجوز له كذلك تقديمها إلا بإذن المرسل إليه مالك الرسالة ، ما لم يكن له فيها حق الإثبات فى الأحوال التى قدمناها فيجوز له تقديمها بغير إذن المرسل إليه ( [18] ) . وفى جميع الأحوال لا يجوز تقديم الرسالة إذا كان فى تقديمها انتهاك لحرمة السرية إلا بعد استئذان المرسل ( [19] ) ، . ولا تعتبر الرسالة سرية لمجرد أنها موجهة لشخص غير الذى يحتج بها ( [20] ) ، بل السرية ترجع إلى موضوع الرسالة نفسه ، وقاضى الموضوع هو الذى يقدر ذلك ( [21] ) .

135 – قوة البرقية فى الإثبات : والبرقية قوتها فى الإثبات كقوة الرسالة الموقعة ، بشرط أن يكون أصل البرقية المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليه  264  من المرسل . ذلك أن البرقية هى أصل وصورة . فالأصل يكتبه المرسل عادة بخطه ويوقعه ، وهو يحفظ فى مكتب التصدير لمدة معينة هى ثلاثة أشهر من تاريخ صدور البرقيات الداخلية وعشرة شهور من الشهر التالى لصدور البرقيات الخارجية وخمسة عشر شهراً من الشهر التالى لصدور البرقيات اللاسلكية ( [22] ) . والصورة يكتبها عامل البرق الذى يتلقى البرقية فى مكان وصولها ، ويرسل بها إلى المرسل إليه . فلا يكون إذن فى حيازة المرسل إليه كدليل للإثبات إلا هذه الصورة . وهى فى ذاتها ، كصورة لورقة عرفية ، ليست لها قيمة فى الإثبات . وإنما تفترض مطابقتها للأصل ما دام الأصل لا يزال موجوداً بمكتب التصدير . فإذا ادعى المرسل أن هذه المطابقة غير متوافرة ، فعليه أن يطلب من ” مصلحة التلغرافات ” تقديم الأصل ، وتضاهى عليه الصورة . فإن تحقق التطابق ، أن للبرقية حجية الورقة العرفية : من حيث صحة صدورها من مرسلها إلى حد الإنكار ، ومن حيث صحة الوقائع الواردة بها إلى حد إثبات العكس ، ومن حيث قيام التصرف القانونى الذى تشهد به مع جواز دفعه بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية ، وكذلك من حيث جواز تمسك المرسل إليه وتمسك لغير بالبرقية على النحو الذى بسطناه فى الرسالة . ولكن هذه الحجية مستمدة ، لا من الصورة ، بل من الأصل الذى وجدت الصورة مطابقة له . ويعتبر تاريخ البرقية تاريخاً ثابتاً ، لأن خاتم المكتب الذى يختم به الأصل يحمل تاريخ الإرسال ويمكن التأكد من صحة التاريخ بالرجوع إلى دفتر معد لذلك ( [23] ) . فإذا لم تكن الصورة مطابقة للأصل ، فالعبرة بالأصل الموقع من المرسل لا بالصورة التى يكون التحريف قد تسرب إليها من عامل البرق .

أما إذا كان الأصل الموقع عليه قد أعدم بعد انقضاء المدة المعينة( [24] ) ،  265  أو كان غير موجود بأن سرق أو احترق أو ضاع أو فقد لأى سبب آخر ، فلا عبرة بالصورة ، لأن الحجية إنما هى كما قدمنا مستمدة من الأصل . ولا تصلح الصورة فى هذه الحالة إلا لمجرد الاستئناس ، وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثالثة من المادة 396 وقد تقدم ذكرها . ولا تعتبر الصورة مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها ليست بخط المرسل ، ولا يعتد بأنها صدرت من موظف عام لأنه ليس من شأنه أن يتحقق من شخصية مرسل البرقية ، ويقع كثيراً أن يكتب البرقية ويتولى إرسالها شخص غير صاحبها( [25] ) .

بقيت حالة ما إذا كان الأصل غير موقع عليه من المرسل . وهذه تخضع للقواعد العامة ، إذ لم يرد نص خاص فى شأنها . وتقضى القواعد العامة فى هذه الحالة أن تكون العبرة بالأصل لا بالصورة كما قدمنا . فإذا لم يوجد الأصل عبر الموقع ، فالصورة لا تصلح إلا لمجرد الاستئناس وفى كثير من الحذر لأن الأصل لم يوقع عليه . وإذا وجد الأصل غير الموقع ، فهو أيضاً لا يكون دليلا كاملا لانعدام التوقيع ، ولكنه قد يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان مكتوباً بخط المرسل( [26] ) .

  266  

على أن الأحكام نفسها التى أوردها التقنين الجديد فى شأن البرقيات ليست إلا تطبيقاً للقواعد العامة ، وقد كان معمولا بها فى ظل التقنين السابق دون نص( [27] ) .

المبحث الثانى

دفاتر التجار

136 – النصوص القانونية : تنص المادة 397 من التقنين على ما يأتى :

 ” 1 – دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة ” .

 ” 2 – وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه ” ( [28] ) .

  267  

ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن التقنين التجارى أشتمل على نصوص طبقها القضاء واستخلص منها الأحكام التى تضمنتها المادة 397 من التقنين المدنى الجديد ، فيما عدا حكماً واحداً استحدثته هذه المادة وهو الحكم الخاص بالبيانات الواردة فى دفاتر التاجر متعلقة بما ورده لغير التاجر ، وقد نقل هذا الحكم عن المادة 1329 من التقنين المدنى الفرنسى . ويقابل هذا النص فى التقنينات العربية : فى قانون البينات السورى المواد 14 و 17 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 458 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 170 – 172 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة 384 ( [29] ) ،  268  ويقابل فى


( [1] )  أنظر فى طريق خاص لإثبات التوريدات المنزلة بحفر علامات على شقى عصا مشطورة إلى قسمين ( Tailles ) ، وكان هذا الطريق معروفاً فى فرنسا عندما كانت الكتابة غير منتشرة ، أوبرى ورو 12 فقرة 759 ص 277 – ص 278 – بودرى وبارد 4 فقرة 2478 – فقرة 2485 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1558 ص 956 – ص 957 – بيدان وبرو 9 فقرة 1243 – فقرة 1244 – بلانيول وريبير وجابولد 2 فقرة 2241 – كولان وكابيتان لامورانديير 2 فقرة 765 – جوسران 2 فقرة 161 فقرة 86 هامش رقم 1  . والسبب فى بقاء هذا الطريق للإثبات مذكوراً فى الفقه الفرنسى بعد اندثاره فى العمل أن التقنين المدنى الفرنسى ، وقد وضع فى سنة 1904 ، أفرد له نصاً خاصاً هو المادة 1333  .

وإنما أشرنا إلى هذا الطريق الخاص للتدليل على أن للعرف دوره فى رسم طرق الإثبات  .

( [2] )  تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 531 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” 1 – تكون للرسائل قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات  . 2 – وتكون للبرقيات هذه القيمة أيضاً إذا كان أصلها المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليه من مرسلها  . وتعتبر البرقية مطابقة لأصلها حتى يقوم الدليل على عكس ذلك ”  . وفى لجنة المراجعة أضيفت فى الفقرة الأولى بعد عبارة ” تكون للرسائل ” عبارة ” الموقع عليها ” ، ليخرج من نطاق النص الرسائل غير الموقع عليها  . ثم أضيفت فقرة ثالثة على الوجه الآتى : ” وإذا أعدت أصل البرقية فلا يعتد بالبرقية إلا لمجرد الاستئناس ”  . وصارت المادة رقمها 409  . ووافق عليها مجلس النواب ، ثم لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 396 ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 376 – ص 380 )  .

( [3] )  نصوص التقنين المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 12  . 1 – تكون للرسائل قوة الإسناد العادية من حيث الإثبات ما لم يثبت موقعها أنه لم يرسلها ولم يكلف أحداً بإرسالها  . 2 – وتكون للبريات هذه القوة أيضاً إذا كان أصلها المودع فى دائرة البريد موقعاً عليه من مرسلها  . وتعتبر البرقية مطابقة لأصلها حتى يقوم الدليل على عكس ذلك  . 3 – يقبل من الذى أرسل كتاباً مضموناً وأثبت وصوله للمرسل إليه بوصل دائرة البريد أو بوصل من المرسل إليه إبراز النسخة المحفوظة لديه إذا رفض المرسل إليه إبراز الأصل  . وتعد هذه النسخة صحيحة ما لم يثبت العكس  .

التقنين المدنى العراقى م 457 : تطابق نص التقنين المصرى مع تحوير لفظى طفيف  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 162 : إن الكتاب البريدى يصلح حجة على موقعه لمصلحة المرسل إليه ، ما لم يثبت الأول أنه لم يرسله ولم يكلف أحداً إرساله – م 163 : إذا لم يكن الكتاب سرياً حق المرسل إليه أن يستعمله وأن يتنازل للغير عن هذا الحق  . وفى المواد التجارية لا تكون الكتب سرية على الإطلاق – م 164 : فى المواد المدنية لا يجوز إبراز الكتاب السرى إلا باتفاق المرسل والمرسل إليه ، وإلا كان إبرازه عملا غير مباح يستهدف فاعله للحكم ببدل العطل والضرر ، وعلاوة على ذلك فإن المحكمة لا تعتد بأى كتاب بريدى يبرز لديها خلافاً للأصول  . م 165 : إن مرسل الكتاب المضمون الذى يثبت وصوله بسند إيصال من دائرة البريد أو من المرسل إليه يقبل منه إبراز النسخة المحفوظة لديه إذا رفض المرسل إليه إبراز الأصل  . وتعد هذه النسخة صحيحة ما لم يقم البرهان على العكس – م 166 : من حصل ، طبقاً لأحكام المادة السابقة ، على حكم ملائم لمصلحته بناء على إبراز نسخة كتاب ، ثم ظهر الأصل فيما بعد فأتضح منه أن هذه النسخة المزعومة غير صحيحة ، يحكم عليه بضعفى قيمة الضرر الذى نتج عن عمله الاحتيالى  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 383 : تطابق نص التقنين المصرى  .

ويتبين من النصوص المتقدمة أنه فيما عدا نص المادة 166 من تقنين المحاكمات المدنية اللبنانى الذى يقضى بضعفى قيمة التعويض عن العمل الاحتيالى الذى يتضمنه النص –وفى هذا ضرب من العقوبة لم ير قانون البينات السورى أن يجارى فيه التقنين اللبنانى – لا تختلف أحكام القوانين المدنية العربية عن أحكام القانون المدنى المصرى ، إلا أن القانونين السورى واللبنانى أفاضا فى تفصيلات يمكن الوصول إليها عن طريق تطبيق القواعد العام’  .

( [4] )  هذا يصدق على التقنينات الغربية  . أما التقنينات العربية فقد رأيناها تحتوى نصوصاً تحدد قيمة الرسائل من حيث الإثبات  .

( [5] )  مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 377  .

( [6] )  أنظر الموجز للمؤلف فقرة 651 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 355 – الأستاذ سليمان مرقص فى أصول الإثبات فقرة 88 الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 146 – نقض مدنى 12 نوفمبر سنة 1942 المحاماة 24 رقم 13 ص 28 – 18 نوفمبر سنة 1943 المحاماة 26 رقم 181 ص 469 – 27 يناير سنة 1944 المحاماة 26 رقم 196 ص 496 – استئناف مختلط 11 أبريل سنة 1934 م 46 ص 240  .

( [7] )  أوبرى ورو 12 ص 293 – ص 294 – بودرى وبارد 4 فقرة 2465 مكررة – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1504 – نقض فرنسى 19 يونيه سنة 1895 داللوز 96 – 1 – 20  .

( [8] )  وهذا هو أيضاً ما يذهب إليه الفقه الفرنسى ، فهو يعتبر ، دون نص على ذلك فى التقنين المدنى الفرنسى ، أن الرسالة قد تتكون ، تبعاً للظروف وحسب تقدير القاضى ، دليلا كاملا أو مبدأ ثبوت بالكتابة أو تكون مجرد الاستئناس ( أوبرى ورو 12 ص 295 – ص 296 – لارومبيير 6 م 1331 فقرة 14 – ديمولومب 29 فقرة 663 – هيك 8 فقرة 256 )  . ويذهب الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد إلى أن الرسالة ليست طريقاً خاصاً للإثبات ، بل هى تخضع للقواعد العامة ، فإن كانت موقعة كانت لها حجية الورقة العرفية المعدة للإثبات ، وإن لم تكن موقعة ولكنها بخط المرسل كانت مبدأ ثبوت بالكتابة ، وإلا كانت لمجرد الاستئناس  . ويقولون إنه يجب التمييز ما بين حجية الرسالة ومقدار ما تشتمل عليه من المعلومات  . فالرسالة لها الحجية الكاملة ، شأنها فى ذلك شأن أية ورقة عرفية أخرى ، ولا تخضع فى هذه الحجية لتقدير القاضى  . أما مشتملات الرسالة الموقعة فهى التى تخضع لتقدير القاضى  . فقد تكون وافية إلى حد يجعل الرسالة دليلا كاملا ، وقد تكون ناقصة إلى حد لا يجعل من الرسالة إلا مبدأ ثبوت بالكتابة ، وقد تكون مقتضبة إلى حد لا يجعل الرسالة صالحة إلا لمجرد الاستئناس ( أنظر بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1505 – بودرى وبارد 4 فقرة 2472 – بيدان وبرو 9 فقرة 1229 – ص 315 – أنظر أيضاً الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 149 )  . ولكن مع القول بأن مشتملات الرسالة تخضع لتقدير القاضى ، فإنه يجب كذلك التسليم بأن حجية الرسالة ذاتها ، عند انعدام النص ، تخضع هى أيضاً لتقدير القاضى  . فقد تكون الرسالة موقعة ، وتكون مشتملاتها وافية ، ومع ذلك يرى القاضى أن الظروف التى كتبت فيها الرسالة لا تسمح بإعطائها حجية كاملة ، وهو فى ذلك لا يقدر مشتملات الرسالة إذ هى وافية كما قدمنا ، ولكنه يقدر الحجية ذاتها  .

( [9] )  وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” وقد أقر القضاء والفقه ما تواضع عليه المتعاملون فى هذا الشأن ، وأنشآ طائفة من القواعد استلمها فيها المبادئ المتعلقة بالأوراق العرفية ، رغم خلو التشريع من النص  . وقد استندا فى ذلك إلى : ( أ ) أن القانون لم يشترط شكلا خاصاً فى المحررات العرفية ، إلا ما استثنى منها بالنص  . ( ب ) وأن الرسائل يتوافر فيها الشرطان الجوهريان اللذان تستمد منهما حجية الورقة العرفية وهما الخط والتوقيع  . فمن الأنسب ، والحال كذلك ، أن تدرج الرسائل بين طرق الإثبات بالكتابة ، وأن يعين مدى حجيتها ، وما ينبغى أن يتوافر فيها من الشرائط الشكلية ، نزولا على مقتضى القواعد العامة من ناحية ، وتمشياً مع نية المتعاقدين من ناحية أخرى – ويجب ، فيما يتعلق بالشكل ، أن يجتمع فى الرسالة الشرطان الجوهريان الواجب توافرهما فى الأوراق العرفية ، وهما الخط والتوقيع  . وغنى عن البيان أن توافر هذين الشرطين يكفى من هذه الناحية دون حاجة إلى أى شرط آخر؟ أما فيما يتعلق بحجية الرسائل ، فمن رأى فريق من الفقهاء أنها تترك لتقدير القاضى ، لأن مضمون الرسالة لا يعدو أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، قد يعتبر من قبيل الإقرار فى غير مجلس القضاء  . بيد أن مذهب القضاء قد تطور فى هذا الشأن ، فعمدت المحاكم إلى إقرار مبدأ التعاون فى تحصيل الأدلة ، وأجازت للقاضى أن يأمر بتقديم الأدلة التى تثبت حيازة الخصوم لها وإعراضهم عن استعمالها ، إذا اقتضى ذلك حسب سير العدالة ( استئناف مختلط 28 نوفمبر سنة 1929 م 42 ص 66 )  . وقد أقيم المبدأ الذى تقدمت الإشارة إليه على ما ينبغى أن يسود التعامل من حسن النية فى تحصيل الدليل  . فإذا تم التعاقد بالمراسلة كان من واجب كل من المتعاقدين أن يقدم إلى القاضى ما يكون لديه من الأدلة الكتابية ، لأن الإثبات فى هذه الحالة لا يتاح إلا بمقارنة الرسائل المتبادلة  . وليس ثمة ما يدعو إلى الإشفاق من إقرار حجية الرسائل  . فإذا امتنع أحد المتعاقدين عن تقديم الرسالة الموجهة إليه ، فللقاضى أن يلزمه بذلك  . ثم إن اشتراط ازدواج النسخ الأصلية فى بعض التقنينات يقصد منه إلى تحقيق المساواة بين طرفى التعاقد ، وهو غرض لا يفوت بداهة من جراء إقرار هذه الحجية  . ويراعى أخيراً أن العمل جرى على الاحتفاظ بصور الرسائل ، ولاسيما أنها غالباً ما تكتب بالآلة الكاتبة متى كانت متعلقة بمعاملة من المعاملات ولو كانت مدنية بطبيعتها  . وتفريعاً على ذلك عمد المشروع إلى إقرار حجية الرسائل والتسوية فى الحكم بينها وبين سائر الأوراق العرفية ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 377 – ص 379 )  .

( [10] )  وقد قدمنا ( أنظر فقرة 125 ) أن الرسالة يجب أن يكون تاريخها ثابتاً ليكون هذا التاريخ حجة على الغير ، وأن هذا هو ما أجمع عليه الفقه فى فرنسا  . ورأينا أنه قد يحسن التمييز ما بين الرسالة التى أعدت مقدماً للإثبات ، وهذه لا يحتج بتاريخها على الغير إلا إذا كان ثابتا ، وبين الرسالة التى لم تعد مقدماً للإثبات ، وهذه تكون ، كسائر الأوراق العرفية التى لم تعد مقدماً للإثبات ، حجة بتاريخها العرفى على الغير إلى أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ، ونبرز فى هذه المناسبة ما نص عليه قانون البينات السورى ( م 12 فقرة 1 ) من أن الرسالة تكون لها قوة السند فى الإثبات ما لم يثبت موقعها أنه لم يرسلها ولم يكلف أحداً بإرسالها ( أنظر أيضاً المادة 162 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى وقد سبق إيرادها )  .

أما قيمة الرسالة المسجلة ( Lettre Recommandee ) فى الإثبات ، فالظاهر أن هذه الرسالة تكون حجة بما تحتويه على من أرسلت إليه ، ولا يملك المرسل إليه الانتقاص من هذه الحجية برفضه تسلم الرسالة  . ويجوز للمرسل إثبات مشتملات الرسالة بالقرائن ، أيا كان السبب فى ضياعها ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1507 – ص 955 – ص 956 )  . وقد رأينا أن الفقرة الثالثة من المادة 12 من قانون البينات السورى تنص على أن ” يقبل من الذى أرسل كتاباً مضموناً وأثبت وصوله للمرسل إليه بوصل دائرة البريد أو يوصل من المرسل إليه إبراز النسخة المحفوظة لديه إذا رفض المرسل إليه إبراز الأصل  . وتعد هذه النسخة صحيحة ما لم يثبت العكس ( أنظر أيضاً المادة 166 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى وقد تقدم ذكرها )  .

( [11] )  استئناف مختلط 16 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 65 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1506 – بيدان وبرو 9 فقرة 1230  .

( [12] )  بيدان وبرو 9 فقرة 1228 – ص 310 ( وفى ص 339 هامش رقم 1 يحدد هذان الفقيهان تحديداً دقيقاً نطاق المسألة التى نحن بصددها )  .

( [13] )  وفى جريمة الزنا لا يتقيد الحق فى تقديم الرسالة دليلا على هذه الجريمة بأى قيد ، لا بإذن المرسل ، ولا بوجوب احترام سرية الرسالة ، ولا بوجوب الحصول على الرسالة بطريق مشروع  . على أن عدم التقيد بشرط مشروعية الحصول على الرسالة محل خلاف فى فرنسا ، والرأى الغالب هو وجوب التقيد بهذا الشرط  . وقد قضت محكمة النقض المصرية ، فى دعوى طلاق بين زوجين فرنسيين بسبب زنا الزوجة ، بوجوب أن تكون وسيلة الزوج فى الحصول على الرسائل المثبتة لجريمة الزنا على الزوجة وسيطة مشروعة ، فلا يجوز أن يحصل على هذه الرسائل من طريق غير مشروع ، وهو السرقة ، بأن يكسر فى غيبة الزوجة درجاً خاصاً بها توجد فيه هذه الرسائل  . ومما قالته محكمة النقض فى أسباب حكمها ما يأتى : ” ولما كان طرفا الدعوى فرنسيين ، والقانون الواجب التطبيق فى هذا الخصوص هو القانون الفرنسى ، سواء فيما يتعلق بموضوع الدعوى أو الدليل المقبول فيها ، وكان ما قرره الحكم من قبول هذه الخطابات والمفكرات كدليل إثبات أياً كانت الوسيلة التى تحصل بها الزوج عليها ، مع تمسك الزوجة بأن حصوله عليها كان بطريق السرقة ، هو تقرير غير صحيح أنبنى عليه القضاء فى الدعوى  . وكان الواجب على المحكمة تمحيص دفاع الطاعنة لتقول ما إذا كانت وسيلة الزوج فى الحصول على هذه المحررات مشروعة فتقبلها كدليل فى الإثبات ، أم غير مشروعة فلا تقبلها ”  . ( نقض مدنى 8 يناير سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 50 ص 349 )  . أنظر فى هذه المسألة الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 148 ص 165 – ص 166 وهامش رقم 1 ص 166  . أنظر أيضاً الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 365  . وفى القانون الفرنسى بودرى وبارد 4 فقرة 2467 – بيدان وبرو 9 فقرة 1228 ص 311 – ص 312  .

( [14] )  أنظر المادتين 163 و 164 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، وقد سبق إيرادهما ( أنظر فقرة 131 فى الهامش )  . ويلاحظ أن المادة 164 من هذا التقنين نصت على أنه ” فى المواد المدنية ، لا يجوز إبراز الكتاب السرى إلا باتفاق المرسل والمرسل إليه ”  . ونصت المادة 163 على أنه وفى المواد التجارية لا تكون الكتب سرية على الإطلاق ”  .

( [15] )  والفقه فى فرنسا يميز بين حق ملكية الرسالة وحقوق أخرى تنصب على الرسالة ولكنها لا تختلط بحق الملكية المادية ، وذلك كحق السرية ( le droit secret ) ، وحق تقديم الرسالة دليلا للإثبات ( le droit a la prevue ) ، وحق الملكية المعنوية فى الرسالة ( propriete litteraire ) ، ويغر ذلك من الحقوق المتنوعة ( أنظر فى هذه المسألة جنى : فى الحقوق المتعلقة بالرسائل – تعليق بارتان على أوبرى ورو 12 ص 289 هامش رقم 4 مكرر – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 146 )  .

( [16] )  بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1504 ص 950 هامش رقم 5  .

( [17] )  وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ولو فرض على نقيض ما تقدم أن رسالة وجهت إلى شخص ثالث ، وتمكن أحد الطرفين من تقديمها بعد الحصول عليها بطريق مشروع ليستخلص منها دليلا على ما يدعى قبل الطرف الآخر ، فحجية مثل هذه الرسالة تترك لتقدير القاضى ، وله أن يسترشد فى شأنها بالأحكام الخاصة بما يصدر من الإقرارات فى غير مجلس القضاء ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 379 )  . وتنصرف هذه العبارة إلى حجية الرسالة أى قيمتها فى الإثبات ، لا إلى الحق فى تقديمها إلى القضاء  .

( [18] )  قارن أوبرى ورو 12 ص 289 – ص 291  .

( [19] )  أوبرى ورو 12 ص 291 – ص 292 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1504 – ص 949 – ص 952  .

( [20] )  قارن أوبرى ورو 12 ص 292 – ص 293  .

( [21] )  بودرى وبارد 4 فقرة 2466  . والحق فى السرية لا يستند إلى حق ملكية الرسالة ولا إلى اتفاق بين المرسل والمرسل إليه ولا إلى لاحق فى الإثبات ، وإنما يستند إلى الحرمة الشخصية  . أنظر فى هذه المسألة تعليق بارتان على أوبرى ورو 12 ص 292 هامش رقم 15 والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 146  . وأنظر أيضاً بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1504 والموجز للمؤلف فقرة 652  .

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

( [22] )  أنظر المادة 76 من دليل التلغرافات  .

( [23] )  وكذلك صورة البرقية ، فإنها تختم أيضاً فى مكتب جهة الوصول بختم مؤرخ ( أنظر فى هذه المسألة الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 375 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 150 ص 171 )  .

( [24] )  وإذا خشى المرسل إليه من إعدام الأصل قبل قيام النزاع المحتمل ، كان له أن يلجأ إلى دعوى تحقيق الخطوط الأصلية ، فيختصم مرسل البرقية ليقر بصدورها منه ، وفقاً للإجراءات التى قررها تقنين المرافعات وقد سبقت الإشارة إليها ( أنظر الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 733 – فقرة 374 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 150 ص 171 )  .

( [25] )  الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 134 هامش رقم 5  .

( [26] )  قارن فى كل هذا فى الفقه الفرنسى بودرى وبارد 4 فقرة 2475 – قرة 2477 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1506 ص 955 – وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” أما البرقيات ، وهى التى تكفلت الفقرة الثانية ببيان حكمها ، فهى تختلف عن الرسائل من حيث إيجاز المضمون وسرعة الإبلاغ  . بيد أن ثمة فارقاً آخر يتصل بكيفية الإبلاغ  . فالمرسل إليه لا يتسلم أصل البرقية ، بل يتسلم صورة منها يتولى تحريرها موظف مصلحة التلغرافات فى المكتب المختص بتلقى مضمون الرسالة  . ومن المسلم أن صور الأوراق العرفية لا تتوافر لها أى حجية فى الإثبات  . بيد أنه رؤى من الأنسب أن يفترض القانون مطابقة الصورة المسلمة إلى المرسل إليه لأصلها ، إذ ليس لموظف مكتب التلغراف المختص مصلحة فى تغيير مضمون هذا الأصل  . وبهذا تنحصر احتمالات مغايرة الصورة للأصل ، بوجه عام ، فيما قد يقع من هذا الموظف من خطأ  . ولهذه العلة أجيز لذى الشأن أن يقيم الدليل على اختلاف الصورة عن أصلها ، وهو أمر يسير يكفى فيه تقديم الأصل المحفوظ فى مكتب الإرسال  . ولا يكون نصيب البرقية من الحجية معادلا لنصيب الأوراق العرفية منها إلا بتوافر شرط جوهرى هو توقيع المرسل على الأصل  . بيد أن تخويل مصلحة التلغرافات حق إعدام أصول البرقيات بعد انقضاء فترة قصيرة من الزمن يجعل حجية الرسائل البرقية أدنى إلى التوقيت وحظها من الاستقرار أقل مما يتوافر للرسائل البريدية  . وقد سوى التقنين المراكشى ( المواد 428 – 430 ) والمشروع الفرنسى الإيطالى ( المادة 248 ) بين البرقيات وبين سائر الأوراق العرفية من حيث الحجية ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 379 – ص 380 )  .

( [27] )  وقد جاء الموجز للمؤلف ( فقرة 651 شرحاً للقانون القديم ما يأتى : ” ولا تعتبر البرقية دليلا إذا أمكن الرجوع إلى الأصل المكتوب بخط المدين أو الموقع عليه منه ”  .

هذا وقد قضت محكمة الموسكى بأنه لا يجوز إعطاء صور التلغرافات للغير لأنها معتبرة من الأوراق الخصوصية التى قد تكون سرية ( 19 مايو سنة 1925 المحاماة 6 رقم 144 ص 164 )  .

أما إثبات التعاقد بالتليفون فتسرى عليه القواعد العامة ( أنظر فى هذه المسألة الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 376 )  .

( [28] )  تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 532 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق لما استقر فى التقنين الجديد مع عدم إيراد عبارة ” وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة ” الواردة فى آخر الفقرة الأولى  . وفى لجنة المراجعة أضيفت هذه العبارة حتى يقتصر حكم النص على ما يجوز إثباته بالبينة : وأصبحت المادة رقمها 410 فى المشروع النهائى  . ووافق مجلس النواب عليها  . ثم لجنة مجلس الشيوخ بعد استبدال كلمة ” المثبتة ” بكلمة الواردة فى الفقرة الأولى ، وأصبح رقم المادة 397  . ثم وافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 381 وص 383 – ص 384 )  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” جمع المشروع فى هذه المادة ما ورد من الأحكام فى المادتين 285 و 286 من المشروع الفرنسى الإيطالى  . ويراعى أن هذه الأحكام قد استقيت من المادتين 1329 و 1330 من التقنين الفرنسى ، والمادتين 1328 و 1329 من التقنين الإيطالى ، والمادة 1328 من التقنين الأسبانى ، والمادتين 433 و 438 من التقنين المراكشى  . وقد نصت المادة 1919 من التقنين الهولندى على أن الدفاتر التجارية تكون حجة على غير التجار بكمية ما تم توريده من البضائع ونوعها متى توافرت الشروط الثلاثة الآتية : ( 1 ) أن يكون التاجر قد اعتاد أن يبيع إلى غير التاجر نسيئة  . ( 2 ) أن تكون الدفاتر محررة وفقا لأحكام القانون  . ( 3 ) أن يؤكد الدائن صحة دعواه بأداء يمين على ذلك  . ويستخلص من هذه النصوص مع اختلافها فى التعبير أن حجية الدفاتر التجارية ليست بمجردها مطلقة بأى وجه من الوجوه ، ويراعى أن هذه الحجية لا تثبت إلا للدفاتر التى يتعين على التاجر إمساكها وفقاً لأحكام المواد 11 و 12 و 13 من تقنين التجارة المصرى ، وهو دفتر اليومية ودفتر صور الخطابات ( الكوبيا ) ودفتر الجرد  . وقد قصد من إلزام لتاجر بإمساك هذه الدفاتر ، واشتراط ترقيمها وتأشير الموظفين المختصين على أوراقها ، إلى رعاية مصلحة المشتغلين بالتجارة ، والأصل جواز التمسك بدفاتر التاجر قبله ، باعتبار أنها من قبيل الأوراق غير الموقع عليها التى تصدر من جانب واحد ، وأن وجوب إمساكها روعيت فيه مصلحة التاجر نفسه  . بيد أنه لا يجوز للتاجر أن يستند إلى هذه الدفاتر كدليل لإثبات الالتزام قبل من يتعاقد معه من غير التجار ، ” إذ من الممتنع أن يصطنع الإنسان دليلا لنفسه ” ( المادة 108 من التقنين السويسرى )  . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 382 )  .

( [29] )  نصوص التقنينات العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 14 : دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار  . إلا أن البيانات الواردة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للمحكمة أن توجه اليمين المتممة لأى من الطرفين – م 15 : دفاتر التجار الإجبارية تكون حجة : 1 – على صاحبها سواء أكانت منتظمة أم لم تكن ، ولكن لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد ما كان مناقضاً  . 2 – لصاحبها فى المعاملات المختصة بتجارته ، إذا كانت منتظمة وكان الخلاف بينه وبين تاجر – م 16 : إذا تباينت القيود بين دفاتر منتظمة لتاجرين ، جاز للقاضى أن يقرر إما تهاتر البينتين المتعارضتين وإما الأخذ بأحداهما دون الأخرى على ما يظهر له من ظروف القضية م 17 : يجوز للقاضى فى الدعوى للقائمة بين التجار أن يقبل أو أن يرد البينة التى تستخلص من الدفاتر التجارية غير الإجبارية أو من الدفاتر الإجبارية غير المنتظمة ، وذلك على ما يظهر له من ظروف القضية – هذه النصوص لا تختلف فى أحكامها عن أحكام القانون المصرى إلا فى بعض تفصيلات تظهر فى مواضعها ، على أن نصوص قانون البينات السورى أدق صياغة وأكثر تفصيلا من نص التقنين المصرى  .

التقنين المدنى العراقى م 458 : 1 – دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار  . غير أن البيانات الواردة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للمحكمة أن توجه اليمين المتممة لأى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة  . 2 – أما قوة هذه الدفاتر فيما بين التجار فتتبع فيه أحكام قانون التجارة – وتطابق الفقرة الأولى من هذا النص النص المصرى  . وينظر فى أحكام قانون التجارة العراقى فيما يتعلق بالفقرة الثانية  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 170 : أن الدفاتر التجارية الإجبارية تصلح حجة : ( أولا ) على منظمها لمصلحة أى شخص سواء كانت منتظمة حسب الأصول أم لا ، ولكن الفريق الذى يدلى بها لا يحق له أن يستفيد مناه إلا إذا قبل بجميع مندرجاتها  . ( ثانيا ) بين التجار لمصلحة منظمة حسب الأصول فى المعاملات المختصة بتجارته – م 171 : إذا تباينت القيود فى دفترى تاجرين كان كلاهما منظما حسب الأصول ، حق للقاضى أن يقرر ، حسب مقتضى الحال ، إما تهاتر البينتين المتعارضتين وإما الأخذ بواحدة دون الأخرى – م 172 : أن البينة التى تستمد فى الدعاوى القائمة بين التجار من دفاتر تجارية غير إجبارية أو من دفاتر تجارية إجبارية منظمة على خلاف الأصول يجوز للقاضى أن يقبلها أو أن يردها حسب مقتضى الحال  . وظاهر أن قانون البينات السورى قد استمد نصوصه من نصوص تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، فالقانون السورى والقانون اللبنانى متطابقان فى هذه المسألة ، فيما عدا المادة 14 من قانون البينات السورى فقد استمدت من الفقرة الأولى من المادة 397 من التقنين المدنى المصرى ولا نظير لها فى التقنين اللبنانى  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 384 : مطابقة للنص المصرى  .

نقلا عن محامي أردني

حجية الورقة العرفية فيما يتعلق بالصور

حجية الورقة العرفية فيما يتعلق بالصور

127 – الأصل ألا حجية لصور الأوراق العرفية : رأينا فيما تقدم أن صور الأوراق الرسمية لها قوة متفاوتة في الإثبات ، مع أن الصورة لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة والتوقيع هو الذي تتركز فيه قوة الإثبات . وتعليل ذلك كما رأينا يرجع إلى أن صورة الورقة الرسمية هي أيضاً ورقة رسمية يقوم بتحريرها موظف رسمي مختص ، فتضفى عليها رسميتها من الثقة ما يجعل لها قيمة في الإثبات تتفاوت قوة وضعفاً .

أما صورة الورقة العرفية فليست لها في الأصل أية قيمة في الإثبات ، ولو كمبدأ ثبوت بالكتابة . فهي لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة . وهي في الوقت ذاته ليست ورقة رسمية حتى تضفي عليها رسميتها شيئاً من الثقة . ولا قيمة لصورة الورقة العرفية إلا بمقدار ما تهدي إلى الأصل إذا كان موجوداً ، فيرجع إليها ، وتكون الحجية للأصل لا الصورة . أما إذا كان الأصل غير  247  موجود ، فلا سبيل للاحتجاج بالصورة ، لما قدمناه من إنها لا تحمل التوقيع ومن إنها ليست ورقة رسمية ، ولجواز أن تكون الصورة محرفة أو أن يكون الأصل مزوراً فلا يتيسر الاهتداء إلى التوزير بالاقتصار على الصورة ( [1] ) . وهذا صحيح حتى لو كانت الصورة المأخوذة من الأصل صورة فوتوغرافية ( [2] ) .

وغني عن البيان أن صور الصور للورقة العرفية ليست لها هي أيضاً ، من باب أولى ، أية قيمة في الإثبات .

  248  

128 – استثناءان تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة في الإثبات : على أن هناك استثنائينمن المبدأ الذي قدمناه تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة معينة في الإثبات :

( الاستثناء الأول ) في حالة التسجيل ، فقد تكون لصورة الورقة المسجلة قيمة في الإثبات ( [3] ) . ونميز في ذلك بين عهدين : العهد السابق على قانون التسجيل ( رقمي 18 و 19 لسنة 1923 ) وعهد قانون التسجيل ( الذي حل محله القانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بالشهر العقاري ) .

ففي العهد الأول كان التسجيل يتم بنقل صورة حرفية من الورقة المقدمة للتسجيل في سجل عام ، ثم يختم الأصل بختم يدل على حصول التسجيل ويعاد إلى صاحبه . فإذا أعطيت صورة من الورقة المسجلة كانت هذه الصورة رسمية ، لأن موظفاً عاماً مختصاً كان هو الذي ينقل هذه الصورة ، لا عن الأصل فهو عند صاحبه كما قدمنا ، ولكن عن الصورة الرسمية لهذا الأصل العرفي وهي الصورة المدونة في السجل العام . ولما كانت صورة الصورة هذه هي صورية رسمية لصورة رسمية ، فقد كان القضاء في البداية يعتد بها ، في حالة فقد الأصل ، كدليل كامل أو على الأقل كمبدأ ثبوت بالكتابة ( [4] ) . ثم رجع عن ذلك ، وأنكر حجية هذه الصورة الرسمية حتى كمبدأ ثبوت بالكتابة ، لما رأى ما لجأ إليه بعض الناس ، من تقديم أوراق مزورة للتسجيل وإعدام الأصل المزور ، والتقدم بعد ذلك بصورة رسمية منقولة عن الصورة المدونة في السجل العام ، فلا يظهر التزوير لا في صورة الصورة ولا في الصورة الأصلية ، إذ أن الموظف العام لم يكن من اختصاصه ولا  249  فى إمكانه التحقق من سلامة الأوراق التى تقدم للتسجيل( [5] ) .

وفى العهد الثانى ، عهد قانون التسجيل ثم الشهر العقارى وهو العهد الحالى ، اتخذ المشرع احتياطات دقيقة . وتتخلص هذه الاحتياطات فى وجوب التصديق على التوقيع قبل تسجيل المحرر ، وفى هذا ضمان كاف لعدم تزوير الأوراق ولصحة صدورها من موقيعها ، ثم فى طريقة التسجيل ذاتها فقد صار الأصل هو الذى يحفظ بمكتب الشهر ويعطى لأصحاب الشأن صور فوتوغرافية من هذا الأصل . هذه الصور الفوتوغرافية ، التى تمكن إعادة أخذها فيما بعد منقولة دائماً عن الأصل وإعطاؤها لأصحاب الشأن إذا احتاجوا إليها ، هى صور رسمية دقيقة من أصل محفوظ فى مكتب السجل العقارى ، فقيمتها فى الإثبات لا شك فيها . ذلك أنه إذا كان الأصل موجوداً وهو الغالب ، ولم ينازع الخصم فى مطابقة الصورة الفوتوغرافية للأصل ، اكتفى بالصورة دليلا كاملا فى الإثبات ( [6] ) . فإن نازع الخصم فى المطابقة ، أمكنت مضاهاة الصورة على الأصل المحفوظ بمكتب الشهر ، وكانت الحجية للأصل لا للصورة . أما إذا فقد الأصل – وهذا نادر ولكنه يقع  250  أحياناً لقوة قاهرة كحريق أو سرقة – فإن دقة الصورة الفوتوغرافية ورجحان سلامة الأصل من التزوير بعد التصديق على التوقيع ، كل ذلك يسمح بإعطاء هذه الصورة الفوتوغرافية قوة إثبات كاملة أو فى القليل يجعلها مبدأ ثبوت بالكتابة( [7] ) .

( الاستثناء الثانى ) فى حالة ما إذا كانت صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين ، فتكون لهذه الصورة بعض القيمة فى الإثبات . ويلاحظ أن هذه الصورة المكتوبة بخط المدين لا تحمل توقيعه ، وإلا صارت إما نسخة ثانية ، لا مجرد صورة ، فتكون لها حجية الأصل كالنسخة الأولى ، وإما سنداً مؤيداً ( Acte Recognitif ) وسيأتى بيان قيمته فى الإثبات . فالصورة التى نحن بصددها هى إذن مكتوبة بخط  251  المدين ولا تحمل توقيعه ، ويمكن فى هذه الحالة اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها صادرة من المدين ما دامت بخطة ، وتستكمل بالبينة أو القرائن( [8] ) .

على أنه ليس من الضرورى أن تكون صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين نفسه لاعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة ، بل يكفى أن تكون صادرة من نائب المدين . مثل ذلك أن يعلن محضر – وهو نائب المعلن – ورقة عرفية إلى المعلن إليه . فالصورة التى يتركها المحضر بخطه ( أو المفروض أنها بخطة لأنها صادرة منه ) تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يتمسك به الخصم ضد المعلن ، إذ أن هذه الصورة مكتوبة بخط نائب المدين وهو المحضر ، فكأنها صادرة من المدين( [9] ) .

129 – السند المؤيد وقيمته فى الإثبات : وبين الأصل والصورة يوجد سند ، لا هو مجرد صورة ( Copie ) لأنه يحمل توقيع المدين ، ولا هو نسخة ثانية ( Exemplaire ) من الأصل لأنه غير معاصر للأصل بل يكتب بعده . فهو إذن اضعف من الأصل ، وأقوى من الصورة . هذا هو السند المؤيد أو السند الجديد ( Acte Recognitif, Titre Nouvel ) وهو سند يتضمن إقراراً بحق سبق إثباته فى محرر يسمى بالسند الأصلى ( Acte Primordial ) . ويتميز السند المؤيد عن مطلق الإقرار بالحق بأنه لا يتضمن إقراراً على إطلاقه ، بل يشير إلى أن الحق المقر به قد سبق إثباته فى سند أصلى . ومن ثم إذا تعارض السند المؤيد مع السند الأصلى ، كان السند الأصلى هو المعتبر . ولو كان السند المؤيد إقراراً محضاً لأخذ به دون السند الأصلى( [10] ) .

والسند المؤيد ، على هذا النحو ، يصلح من الناحية القانونية لقطع التقادم ، ومن الناحية العملية لتوفير دليل الإثبات عند فقد السند الأصلى إذا كان هذا  252  معرضاً للفقد . ويغلب أن يكون ذلك فى الديون الطويلة الآجال وفى الإيرادات المؤيدة ، حيث يحتاج الدائن من وقت إلى آخر أن يحصل على سند مؤيد لسنده الأصلى لقدم العهد بالسند الأصلى ، فيقطع التقادم ويجدد الدليل( [11] ) .

وقد تضمن التقنين المدنى الفرنسى نصاً يقرر قيمة السند المؤيد فى الإثبات . فنصت المادة 1337 من هذا التقنين على ما يأتى : ” السندات المؤيدة لا تعفى من تقديم السند الأصلى ، إلا إذا كان نص السند الأصلى قد دون خصيصاً فى السند المؤيد . وما اشتمل عليه السند المؤيد زائداً على السند الأصلى إذا وجدت جملة من السندات المؤيدة المتطابقة ، تدعمها الحيازة ، ويكون تاريخ أحد هذه السندات يرجع إلى ثلاثين سنة ” ( [12] ) .

ويتبين من هذا النص أن السند المؤيد ، فى التقنين الفرنسى ، لا يصلح فى ذاته دليلا كاملا . وهناك فرضان : ( الفرض الأول ) أن السند الأصلى موجود . وفى هذه الحالة لا يكون السند المؤيد دليلا أصلا ، بل يجب على الدائن إبراز السند الأصلى . فإذ كان هناك خلاف بينه وبين السند المؤيد فالعبرة بالسند الأصلى ، إلا إذا تبين من الظروف أن السند المؤيد ليس فى حقيقته إلا تجديداً للدين فتكون العبرة بالدين الجديد . ( الفرض الثانى ) أن السند الأصلى غير موجود . وفى هذه الحالة لا يكون للسند المؤيد قوة فى الإثبات كدليل كامل( [13] ) ، ولكنه يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة  253  وبالقرائن . ومع ذلك قد لا يكون دليلا كاملا فى حالتين :

( 1 ) إذا كان نص السند الأصلى مدوناً بأكمله فى السند المؤيد .

( 2 ) إذا تعددت السندات المؤيدة ، وكانت متطابقة ، ودعمتها الحيازة ، وكان أحدها يرجع تاريخه إلى ثلاثين سنة على الأقل . فيجوز للقاضى فى هذه الحالة ، إذا كان السند الأصلى قد قد ، أن يعد السندات المؤيدة دليلا كاملا ، ويترك ذلك إلى تقديره . وهذه الأحكام ينتقدها الفقه فى فرنسا ( [14] ) ، لأنها لا تتفق مع القواعد العامة .

فإن هذه تقضى –وهذا ما يجب إتباعه فى مصر ما دام لا يوجد نص فى هذه المسألة – بأنه إذا وجد سند مؤيد لسند سابق ، اعتد بالسند المؤيد كدليل إثبات كامل ، إذ هو موقع من المدين وليس مجرد صورة لورقة عرفية ، سواء فى ذلك أشتمل على نص السند الأصلى أو لم يشتمل ، وتعددت السندات المؤيدة أيا كان تاريخها أو لم تتعدد . ولكن لما كان السند المؤيد يشير إلى سند أصلى ، فالمفروض أن السند المؤيد مطابق للسند الأصلى ، إلى أن يثبت المدين العكس بإبرازه السند الأصلى . وبهذا تقضى المادة 292 من المشروع الفرنسى الإيطالى . وقد كان المشروع التمهيدى للتقنين الجديد يحتوى على نص مماثل ، إذ كانت المادة 537 من هذا المشروع تنص على ما يأتى : ” السند المؤيد لسند سابق يكون حجة على المدين . على أنه يجوز للمدين أن يثبت عدم صحة هذا السند بتقديم السند الأصلى ” . ولكن لجنة المراجعة حذفت هذا النص ، ويغلب أن يكون ذلك اكتفاء بالقواعد العامة( [15] ) .

  254  


( [1] )  استئناف مختلط 25 ديسمبر سنة 1895 م 8 ص 57 – 19 مارس سنة 1903 م 15 ص 211 – 29 مارس سنة 1905 م 17 ص 185 – 3 يونية سنة 1915 م 27 ص 383 – 9 ديسمبر سنة 1915 م 28 ص 54 – 16 نوفمبر سنة 1916 م 29 ص 55 – 5 ديسمبر سنة 1916 م 29 ص 85 – 16 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 66 – 17 يونية سنة 1924 م 36 ص 439 – 23 يونية سنة 1931 م 43 ص 461 – 14 يناير سنة 1 937 م 49 ص 71  . محكمة جرجا 16 يونية سنة 1904 المجموعة الرسمية 6 رقم 45  .

على أن محكمة الاستئناف المختلطة قد قضت بأنه إذا ثبت وجود مستند في ملف ا لدعوى بمحكمة أول درجة ، وقد اختفى هذا المستند من الملف فيما بعد ، فإن ترجمة هذا المستند ، المصدق عليها من السلطة المختصة والتي قدمت إلى محكمة أول درجة قبل المرافعة ، يصح أن يكون لها من قوة الإثبات أمام محكمة الاستئناف ما للأصل المفقود ( استئناف مختلط ) مايو سنة 1900 م 12 ص 238 )  .

هذا ويجب تقديم أصل الورقة كدليل للاثبات إلى محكمة الموضوع  . فإذا قدمت صورة فوتوغرافية لعقد عرفي لمي سجل ، واستبعدتها محكمة الموضوع ، لا تكون قد خالفت القانون  . وإذا أريد بعد ذلك تقديم الأصل لأول مرة أمام محكمة النقض ، فلا يصح ذلك لأنه لا يجوز قبول مستندات جديدة أمام محكمة النقض ( نقض مدني 29 ابريل سنة 1948 مجموعته عمر 5 رقم 307 ص 612 – المحاماة 29 رقم 210 ص 394 )  .

أنظر أيضاً في هذا الموضوع أوبري ورو 12 ص 280 – بونييه 2 فقرة 793 – ديمولومب 29 فقرة 677 – فقرة 680 – بلانيول وريبير وجاوبولد 7 فقرة 1407  .

( [2] )  وقد يقال إن الصورة الفوتوغرافية أدل على الأصل من الصورة المكتوبة  . وهذا صحيح ، ولكن التصوير الفوتوغرافي لا ينفي كل شبهة ، ولا يمكن حتى معه التحقق من أن الأصل غير مزور  . فالصورة الفوتوغرافية غير الورقة الأصلية التي تظهر في حالتها الطبيعية ، بما قد يشوبها من عيوب  . هذا إلى أن فن التصوير الشمسي ، وإن كان قد تقدم إلى حد تمكنه من نقل الأصل بأمانة كافية ، إلا أنه ، كما تقول محكمة استئناف مصر ( 18 ابريل سنة 1933 المحاماة 14 رقم 281 ص 548 ) ، قد تقدم أيضاً ” إلى حد قد يجعل تلك الصور بعيدة كل البعد عن الدلالة على الحقيقة التي يراد اثباتها بهذه الصور ”  . وقد قضت محكمة النقض بأنه لا تثريب على المحكمة إذا هي لم تر الأخذ بصورة شمسية لورقة أريد التدليل بها في الدعوى ( نقض مدني 29 ابريل سنة 1948 المحاماة 99 رقم 210 م 394 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم )  .

( [3] )  ومهما يكن من قيمة للتسجيل ، فإن الخصم الذي ينكر صحة ورقة عرفية مسجلة أو ينكر صحة التوقيع الذي تحمله ليس في حاجة إلى الالتجاء لإجراءات الطعن بالتزوير ( استئناف مختلط 9 مارس سنة 1926 م 38 ص 278 )  . هذا وبعد أن أصبح ضروريا في التسجيل التصديق على التوقيع ، لم يعد في الإمكان إنكار التوقيع إلا عن طريق الطعن بالتزوير  .

( [4] )  استئناف مختلط 19 مارس سنة 1903 م 15 ص 203 – 9 ابريل سنة 1908 م 20 ص 171 – 30 ابريل سنة 1908 م 20 ص 195 – 11 مايو سنة 1911 م 23 ص 316 – 12 نوفمبر سنة 1918 م 31 ص 16  .

( [5] )  نقض مدنى أول ديسمبر سنة 1949 دار النشر لأحكام النقض المدنية 1 – 13 – 48 استئناف مختلط 14 فبراير سنة 1922 م 34 ص 177 – 4 أبريل سنة 1922 م 34 ص 293 – 9 مارس سنة 1926 م 38 ص 277  .

على أنه عند ما أخذت محكمة الاستئناف المختلطة تقضى بأن صورة الورقة المسجلة لا تصلح للإثبات حتى كمبدأ ثبوت بالكتابة ، قضت مع ذلك بأن الصورة الرسمية لورقة عرفية مسجلة تصلح لإثبات مبدأ الحيازة التى تؤدى إلى التملك بالتقادم ( استئناف مختلط 28 نوفمبر سنة 1916 م 29 ص 74 )  .

ويلاحظ أنه إذا فق الأصل بقوة قاهرة ، وأمكن الخصم إثبات ذلك ، جاز له الإثبات بالبينة دون حاجة لاستخدام صورة الورقة المسجلة حتى كمبدأ ثبوت بالكتابة  . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن صورة الورقة العرفية المسجلة وغير المصدق على التوقيع فيها لا قيمة لها فى إثبات صحة الورقة العرفية ذاتها ، ولا تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة إلا إذا كان عدم تقديم الأصل يرجع إلى أنه قد فقد أو إلى أى سبب آخر كاف لتبرير ذلك ( استئناف مختلط 9 مايو سنة 1944 م 56 ص 143 )  . ويؤخذ على هذا الحكم أنه جعل صورة الورقة العرفية المسجلة ، فى حالة فقد الأصل ، مبدأ ثبوت بالكتابة ، وهو فى غير حاجة إلى ذلك ، ويكفى أن يستأنس بالصورة باعتبارها مجرد قرينة تستكمل بالبينة أو بقرائن أخرى ، لأن الدليل الكتابى غير واجب فى هذه الحالة  .

( [6] )  استئناف مصر 18 أبريل سنة 1933 المحاماة 14 رقم 281 / 2 ص 548 – 21 أبريل سنة 1934 المحاماة 15 رقم 263 / 2 ص 556  .

( [7] )  الموجز للمؤلف فقرة 641 –الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 300 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 77  . الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فى الإثبات فقرة 142  .

ومع ذلك قضت محكمة استئناف مصر بأنه ليس بين الأدلة الكتابية التى نص عليها القانون المدنى الصورة الشمسية للأوراق  . والقانون المدنى لا يعترف إلا بالصورة الرسمية التى يحررها موظف يختص بتحريرها ، ولا يعترف بقيمة ما لصور العقود العرفية ، حتى لو كانت مسجلة وكانت صورها محررة بمعرفة موظف من موظفى قلم التسجيل  . ذلك لأن الدليل الكتابى العرفى لا ينهض حجة إلا إذا كان بذاته صادراً ممن نسب إليه  . فالصور الشمسية ، وهى ليست بكتابة مخطوطة باليد بل هى صورة آلية من وضع يد غير اليد التى يصح أن تكون كاتبة للأصل المأخوذة عنه تلك الصورة ، لا يصح مطلقاً أن تعتبر دليل إثبات ، لأنها ورقة وإن نقلت الكتابة بإثبات صورتها إلا أنها غير الورقة الأصلية التى تظهر فيها حالتها الطبيعية وما يشوبها من عيوب  . وأنه وإن كان قانون التسجيل رقم 18 لسنة 1923 قد جعل قيمة قانونية للصور الشمسية الصادرة من قلم التسجيل والمأخوذة من الأصل الموقع عليه من المتعاقدين والمحفوظ فى هذا القلم ، فذلك لأنه عند إنكار العقد المقدم صورته يمكن الرجوع حالا إلى الأصل المحفوظ فى هذا القلم ، فذلك لنه عند إنكار العقد المقدم صورته يمكن الرجوع حالا إلى الأصل المحفوظ بقلم التسجيل ويحقق إنكاره ، فالحجية لا تكون فى الحقيقة للصورة الشمسية بل للأصل المحفوظ فى قلم التسجيل ( 18 أبريل سنة 1933 المحاماة 14 رقم 281 / 2 ص 548 ، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم )  .

ثم قضت بعد ذلك بأن الصورة المستخرجة من دفاتر التسجيل لعقد عرفى لا يصح أن تعتبر فى ذاتها دليلا كتابيا أو مبدأ ثبوت بالكتابة  . ويجعل للقاضى على أى حال حق النظر فى درجة اعتمادها ( م 231 مدنى )  . وإن كان هناك رأى يقول بجواز اعتبار صورة العقد العرفى المسجل كمبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان مصدقا فى أصل العقد على إمضاء الصادر منه تصديقاً رسمياً ( 21 أبريل سنة 1934 المحاماة 15 رقم 263 / 2 ص 556 –وقد سبقت الإشارة أيضاً إلى هذا الحكم – ويبدو منذ ميل المحكمة إلى إعطاء صورة الورقة العرفية المسجلة إذا كان مصدقا على التوقيع فيها قيمة ما فى الإثبات  . وهذه بداية فى تطور القضاء يرجى أن نبلغ غايتها )  .

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

( [8] )  الموجز للمؤلف فقرة 641  .

( [9] )  استئناف مختلط 11 نوفمبر سنة 1937 م 50 ص 16 – أنظر أيضاً فى هذا المعنى بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1497 – محكمة النقض الفرنسية 16 يونيه سنة 1890 داللوز 91 – 1 – 97  .

( [10] )  وتعيين ما إذا كان السند مطلق إقرار أو هو سند مؤيد مسألة موضوعية لا تعقيب فيها لمحكمة النقض( نقض فرنسى 20 نوفمبر سنة 1899 سيريه 1903 – 1 – 462 – أول يونيه سنة 1908 – 1 – 328 – أوبرى ورو 12 ص 281 هامش رقم 1 )  .

( [11] )  وكان السند المؤيد واسع الانتشار فى القانون الفرنسى القديم ، حيث كانت الإيرادات والمرتبات المؤبدة مألوفة إلى حد كبير ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1501 ص 948 )  .

( [12] )  وهذا هو الأصل فى نصه الفرنسى  .

Art  . 1337 : Les Actes Recognitfs ne Dispensent Point de la representa – tion du titre Primordial, a Moins Que sa teneur n’y soit specialement relate  . Ce Qu’ils Contiennent de plus Que le titre Primordial, ou ce Qui s’y trouve de Different n’e aucun effet  . Neanmins, s’il y avait plusieurs reconnaissances conformes soutenues de la possession et don’t l’une eut trente ans de date, le creancier pourrait etre dispense de representer le titre primordial  .

( [13] )  إلا فى حقوق الارتفاق ، وإلا إذا كان السند المؤيد هو فى حقيقته تجديد للدين  .

( [14] )  أوبرى ورو 12 فقرة 760 مكررة ص 281 – ص 285 – بودرى وبارد 4 فقرة 2506 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1501 – فقرة 1503 ص 948 – ص 949  .

( [15] )  مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 364 هامش رقم 1  . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى خصوص هذا النص ما يأتى : ” السند المؤيد لسند سابق أو السند الجديد هو ما يتضمن إقراراً بحق سبق إثباته فى محرر يلقب اصطلاحاً بالسند الأصلى  . فالسند المؤيد لا يعتبر من قبيل الصور ، ولا يستحدث جديداً على وجه الإطلاق ، لأنه يحمل توقيع من يجوز الاحتجاج به قبله  . وتنحصر أهمية هذا السند عملا فى قطع التقادم وتوفير دليل توقيع من يجوز الاحتجاج به قبله  . وتنحصر أهمية هذا السند عملا فى قطع التقادم وتوفير دليل الإثبات عند فقد السند الأصلى وتعرضه لاحتمال الفقد  . ويفرق التقنين الفرنسى ، فيما يتعلق بحجية السند المؤيد ، بين حالة اشتمال هذا السند على صيغة السند الأصلى ، وبين حالة خلوه من هذه الصيغة  . ولا يحمل للسند الجديد حجية فى الحالة الثانية إلا إذا قدم السند الأصلى  . بيد أن السند المؤيد ينطوى فى هذه الحالة على إقرار كتابى موقع عليه ، فلا محل إذن لاشتراط تقديم السند الأصلى من الدائن  . ولذلك رأى المشروع إلزام المدين بتقديم السند الأصلى عند النزاع ، مقتدياً فى ذلك بالمادة 292 من المشروع الفرنسى الإيطالى ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 364 هامش رقم 1 )  . ويلاحظ أن القانون السورى استبقى هذا النص تحت رقم المادة 13 من قانون البينات  .

هذا ويستطيع المدين ، إذا لم يقدم السند الأصلى ، إثبات عكس ما جاء بالسند المؤيد ، ولكنه طبقاً للقواعد المقررة فى الإثبات ، فلا يجوز له أن يثبت ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة  .

نقلا عن محامي أردني

حجية الورقة العرفية فى الإثبات

حجية الورقة العرفية فى الإثبات

       109 ـ مسائل ثلاث : تجرى هنا ـ فى حجية الورقة العرفية ـ 185 على ما جرينا عليه هناك فى حجية الورقة الرسمية . فنتكلم فى حجية الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين ، ثم فى حجيتها فى الإثبات بالنسبة غلى الغير ، ثم فى حيجة صور الورقة العرفية فى الإثبات .

       ولا محل للكلام فى افتراض عرفية الورقة كما تكلمنا فى افتراض رسميتها . ذلك أن الرسمية لها أوضاع وإجراءات إذا اختلت بطلت الورقة ، فكان من ذلك أنه متى كانت مظاهرها الخارجية تنبئ بأنها ورقة رسمية اعتبرت كذلك ، وافترض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت حتى يثبت ذو المصلحة أنها لم تراع . أما الورقة العرفية فلا يشترط لصحتها مراعاة أوضاع وإجراءات معينة ، فلا محل إذن لافتراض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت([1]) .

المطلب الأول

حجية الورقة العرفية فيما بين الطرفين

       110 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 394 من التقنين المدنى على ما يأتى :

       (( تعتبر الورقة العرفية صادرة ممن وقعها ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة . أما الوارث أو الخلف فلا يطلب منه الإنكار ، ويكفى أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق)) ([2]) .

       186 ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى القديم المادة 227/ 292([3]) ـ ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 9 و10 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 455 ، وفى تقنين أصول المحاكمت المدنية اللبنانى المواد 149 ـ 151 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 381([4]) ـ

187 ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المواد 1322 ـ 1324([5]) .

       ويتبين من هذه النصوص : ( أولا ) أن الورقة العرفية حجة على الناس كافة ، فيما بين الطرفين وبالنسبة إلى الغير . وسنبحث حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى 188 الغير فيما يلى .  ( ثانياً ) فيما بين الطرفين ، تكون للورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، حجية قائمة إلى أن ينكرها صاحب التوقيع . ومن حيث صحة ما ورد بها من الوقائع فى ذاتها ، تكون للورقة العرفية حجية قائمة إلى أن يثبت العكس . وهذه هى قوة الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين . ونتناول الآن هذه المسألة بشقيها .

       111 ـ حجية الورقة العرفية من حيث صدورها ممن وقع عليها : إذا احتج ذو شأن بورقة عرفية على من تحمل توقيعه ، فان صاحب التوقيع إما أن يعترف بأن التوقيع له وأن الورقة صادرة منه ، وإما أن ينكر أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، وإما إن يخرج بالسكوت عن الاعتراف أو الإنكار . ومقتضى نصى المادة 394 السابقة الذكر أن السكوت هو بمثابة الاعتراف . وإذا أراد صاحب التوقيع أن ينفى صدور الورقة منه ، فعليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أ بصمة .

       فإذا اعترف صاحب التوقيع بصدور الورقة منه ، أو سكت ولم ينكر صراحة صدورها([6])، اعتبرت الورقة صادرة منه ، واعتبر التوقيع توقيعه والخط المنسوب إليه خطه ، وتصبح الورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، فى قوة 189 الورقة الرسمية . ولا يجوز لصاحب التوقيع أن يعود بعد ذلك إلى الإنكار ، إلا أن يطعن بالتزوير([7]) .

       أما إذا أنكر صراحة توقيعه أوخطه ، فأنكر بذلك أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، فعلى المحتج بالورقة عبء إثبات صدورها من صاحب التوقيع ، وذلك بأن يطلب إحالة الورقة على التحقيق([8]) . وفقاً لإجراءات رسمها تقنين المرافعات فى تحقيق التوقيع والخطوط .

       190 والإنكار إنما يرد على الأوراق العرفية ، أما ادعاء التزوير فيرد على جميع الأوراق الرسمية والعرفية (م 261 مرافعات) . ومعنى ذلك أن الورقة العرفية تحتمل الطعن بالتزوير والإنكار . فلصاحب التوقيع أن يكون هو المهاجم ، فيطعن فى الورقة العرفية بالتزوير ، ويقع عليه عندئذ عبء الإثبات . وله كما بينا ، أن يقتصر على إنكار الورقة ، فيلجأ المحتج بها إلى إجراءات تحقيق الخطوط ، ويقع عليه لاعلى صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، ويقع عليه لا على صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، فلا يستطيع صاحب التوقيع إنكار صدروها منه إلا إذا طعن فى الورقة بالتزوير كما قدمنا([9]) . والذى يبرر هذا الفرق في الحكم بين الورقة الرسمية والورقة العرفية أن الورقة الرسمية تحمل توقيع الموظف العام الذى وثقها ، وفى هذا الموظف من الضمانات وعليه من المسئولية ما يسمح بافتراض صحة صدور الورقة الرسمية من صاحب التوقيع . فاذا أراد هذا أن ينكر صدور الورقة منه ، فعليه هو عبء الإثبات ولا سبيل له إلا الطعن بالتزوير . أما الورقة العرفية فلا يتوافر فيها هذه الضمانات ، بل هى ورقة تحمل توقيعاً يقول المتمسك بها أنه توقيع خصمه ، فاذا أنكر هذا الخصم 191 لم يكن عليه هو أن يحمل عبء الإثبات ، بل المتمسك بالورقة هو الذى يحمل هذا العبء فيثبت أن الورقة صادة حقاً صادرة حقاً من صاحب التوقيع عن طريق إجراءات تحقيق الخطوط([10]) . وإذا أنكر صاحب التوقيع صدور الورقة العرفية منه ، ثم أثبت التحقيق 192 أنه هو الذى وقعها ، صارت هذه الورقة العرفية ، كالورقة التى اعترف بها أو سكت عن إنكارها ، فى قوة الورقة الرسمية . وفى جميع الأحوال ، سواء 193 اعترف بالورقة أو سكت عن إنكارها أو أنكرها وأثبت التحقيق صدورها منه ، يجوز له أن يطعن فى هذه الورقة العرفية بالتزوير ، كما

يجوز له ذلك فى الورقة 194 الرسمية ، ويحمل هو عبء إثبات تزويرها([11]) .

       112 ـ حجية الورقة العرفية من حيث صحة الوقائع التى وردت بها : ويجب التمييز بين صدور البيانات المدونة فى الورقة العرفية ممن وقعها (realite materielle) ـ وهذه كما رأينا تقوم عليها قرينة مؤقتة تسقط بمجرد إنكار الورقة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ـ وبين صحة هذه البيانات فى ذاتها (sincerite morale) ، وهل هى وقائع جدية أو هى صورية . فاذا كانت الورقة العرفية تثبت مثلا أن بيعا صدر من شخص إلى آخر وأن المشترى قبض الثمـن ، افترض أن هذه الوقائـع جميعهـا جديـة غير صورية ، وكان ذكرها فى الورقة 195 العرفية قرينة على أنها صحيحة . ولكنها قرينة يجوز دحضها باثبات العكس([12]) . فلصاحب التوقيع أن يثبت فى مواجهة الطرف الآخر أن البيع صورى أو أن الثمن لم يقبض . ولا يقتصر صاحب التوقيع هنا على الإنكار ـ كما فعل عندما أنكر صدور الورقة منه ـ بل يقع عليه عبء إثبات العكس طبقاً للقواعد العامة . ومن هذه القواعد أنه لا يجوز ، بالنسبة إلى الطرف الآخر ، إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة .

       ويدخل فى صحة الوقائع صحة تاريخ الورقة العرفية . فالتاريخ الذى تحمله هذه الورقة تفترض صحته ، حتى يثبت صاحب التوقيع أنه غير صحيح وأن حقيقته كذا ، ولا يثبت هنا أيضاً ما يخالف المكتوب إلا بالكتابة([13]) .

       كذلك قيام التصرف القانونى فى ذاته ، من صحة ونفاذ وغير ذلك ، كل هذا ينفتح باب الطعن فيه أمام صاحب التوقيع ، ولا يمنعه اعترافه بصدور الورقة منه من أن يطعن فى التصرف القانونى ـ لا فى الورقة ـ بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بعدم مشروعية السبب أو بأى موضوعى أو شكلى آخر .


([1]) يضاف إلى ذلك أن احتمال تزوير الورقة العرفية أكبر بكثير من هذا الاحتمال بالنسبة إلى الورقة الرسمية ، لذلك كان افتراض صحة الورقة أقرب إلى الحقيقة من افتراض صحة الورقة العرفية . ومن ثم كانت صحة التوقيع على الورقة العرفية عرضة للتزلزل بمجرد إنكار صاحب التوقيع لتوقيعه ، ويجب فى هذه الحالة تحقيق الورقة عن طريق إجراءات تحقيق الخطوط . أما التوقيع لتوقيعه ، ويجب فى هذه الحالة تحقيق الورقة عن طريق إجراءات تحقيق الخطوط . أما التوقيع على الورقة الرسمية فتفترض صحته حتى يطعن فيه بالتزوير . على أن التوقيع على الورقة العرفية تفترض صحته افتراضاً مؤقتاً ، ويزول هذا الافتراض ، بمجرد إنكار صاحب التوقيع كما قدمنا ( بودرى وبادر 4 فقرة 2337 ـ فقرة 2340 ) .

([2]) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 529 من المشروع التمهدى على الوجه الآتى :

       (( 1 ـ من احتج عليه بورقة عرفية لم يرد أن يعترف بها وجب عليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة . 2 ـ أما الوارث أو الخلف فيكفى منه أن يحلف يميناص بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق )) . وفى لجنة المراجعة أدمجت الفرتان فى فقرة واحدة مع تحويرات لفظية تزيد الحكم الوارد فيها دقة ووضوحاً ، وأصبح النص فى المشروع النهائى ، تحت رقم 407 ، مطابقاً للنص الذى استقر فى التقنين الجديد . ووافق عليه مجلس النواب، ثم لجنة الشيوخ تحت رقم 394 ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 367 ـ ص 371 ) .

([3]) كانت المادة 227/292 ، من التقنين المدنى القديم تجرى على الوجه الآتى : (( والمحررات الغير الرسمية تكون حجية على المتعاقدين بها ما لم يحصل إنكار الكتابة أو الإمضاء )) . ولم يستحدث التقنين الجديد شيئاً ، غير أنه جاء أدق فى الأسلوب وأكثر تفصيلا للأحكام . فهو يميز بين صدور الورقة ممن وقعها ، وهذا مفترض حتى يلجأ صاحب التوقيع إلى إنكار الورقة ، وبين صحة الوقائع المدونة فى الورقة ، وهذا لم يعرض له النص الجديد بل تركه للقواعد العامة وهى تقضى بأنه يجوز إثبات العكس بالطرق المقررة قانوناً . والنص الجديد يميز أيضاً ، عند إنكار الورقة ، بين صاحب التوقيع ويجب عليه أن ينكر صراحة أن الورقة قد صدرت منه ، وبين الورثة والخلف وهؤلاء يكتفى منهم بأن يحلفوا يميناً على عدم العلم . والنص الجديد يعدد أخيراً طرق التوقيع فيذكر الإمضاء والختم والبصمة ، وكان النص القديم لا يذكر إلا الإمضاء ، ولكن محكمة النقض قضت بأن المادة 227 من التقنين المدنى ( القديم ) إذا كان لم يرد بها ذكر لفظ (( الختم )) معطوفاً على (( الكتابة والإمضاء )) فان هذا قصور فيها ، علبته ـ على ما تراه محكمة النقض ـ هو مجرد السهو عن تكميل حكمها عند نقله عن القانون المختلط المنقول هو عن القانون الفرنسى . وليست العلة فيه أن الشارع المصرى يرى المغايرة في الحجية بين الأوراق الممضاة والأوراق المختومة ، وإلا لما فهم تماماً كيف أنه عند إصدار قانونى المرافعات والعقوبات بعد شهرين قد ذكر لفظ (( الختم )) معطوفاً على لفظى (( الإمضاء )) و (( الكتابة )) فى جميع المواد التى وضعها فى الفرع الخاص بتحقيق الخطوط وفى المواد الخاصة بجريمتى التزوير وخيانة الأمانة ( نقضى مدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) .

       ويتبين مما تقدم أن كل الأحكام التى قررها النص الجديد كانت مرعية فى ظل التقنين القديم دون نص ، ومن ثم لا يكون التقنين الجديد قد استحدث شيئاً كما قدمنا .

([4]) التقنينات العربية الأخرى ـ قانون البينات السورى م 9 : السند العادى هو الذى يشتمل على توقيع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمة أصبعه وليست له صفة السند الرسمى ـ م 10 :1 ـ من احتج عليه بسند عادى ، وكان لا يريد أن يعترف به ، وجب عليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو توقيع أو خاتم أو بصمة أصبع ، وإلا فهو حجة عليه بما فيه 2 ـ أما الوراث أو أى خلف آخر فيكتفى منه أن يقرر بأنه لا يعلم أن الخط أو التوقيع أو الختم أو البصمة هو لمن تلقى عته الحق 3 ـ من احتج عليه بسند عادى وبحث فيه ، لا يقبل منه إنكار الخط أو التوقيع أو الخاتم أو بصمة الإصبع )) . ولا يطلب قانون البينات السورى اليمين من الوارث عند الإنكار . وينص صراحة على أن من صدر منه السند وبحث فيه لا يقبل منه إنكاره بعد ذلك .

       التقنين المدنى العراقى م 455 : (( 1 ـ يعتبر السند العادى صادراً ممن وقعه ، ما لم ينكر صراحة هو أو من يقوم مقامه ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة إبهام . 2 ـ ويكتفى من الوراث أو الخلف بأن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هو لمن تلقى عنه الحق إذا عجز المحتج بالسند عن الإثبات )) . ويختلف التقنين العراقى عن التقنين المصرى فى مسألة تفصيلية : يكتفى ، فى التقنين العراقى ، من الوراث والخلف فى البداية بمجرد الإنكار الصريح دون يمين ، وعند ذلك يتولى المحتج بالسند إثبات صحة صدور السند من المورث بالإجراءات المقررة فى قانون المرافعات . فإذا ما عجز عن الإثبات ، عند ذلك بطلب من الوارث أو الخلف أن يحلف يميناً على عدم العلم .

       تقين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى : م 149ـ (( إن الفريق الذى أدلى عليه بسند ذى توقيع خاص ، فبحث فى الأساس بغير أن يناقش فى صحة التوقيع ، لا يقبل منه بعد ذلك إنكار هذا التوقيع )) ـ م 150 ـ (( يجوز إنكار التوقيع الموضوع على السند قبل أية مناقشة فى الأساس ، فتجرى حينئذ معاملة التطبيق )) ـ م 151 : (( إذا تقررت صحة الإمضاء الموضوع على سند ذى توقيع خاص ، إما باعتراف الشخص المدلى عليه بهذا السند من تلقاء نفسه ، وإما بعد إجراء معاملة التطبيق ، فإن هذا السند يصبح مكتسباً ، تجاه المتعاقدين وتجاه الغير ، القوة الثبوتية التى تكون للسند الرسمى ، مع الاحتفاظ بإثبات صحة التارخ )) وقد نص التقنين اللبنانى على عدم جواز الإنكار بعد البحث فى موضوع السند ، ونص على قيمة السند بع الاعتراف به أو بعد تحقيق صحته ، ولم ينص على حالة ما إذا أراد الوارث إنكار توقيع مورثه .

       التقنين المدنى للملكة الليبية المتحدة : م 381 ( مطابقة لنص المادة 394 من التقنين المدنى المصرى ) .

       ويتبين من استعراض هذه النصوص أن التقنينات العربية ـ فميا عدا بعض فروق فى التفصيلات ـ متماثلة فى الحكام .

([5]) التقنين المدنى الفرنسى : م 1322 ـ السند العرفى ، المعترف به ممن شهد عليه أو الذى يعتبر معترفاً به قانوناً ، تكون له قوة السند الرسمى فيما بين الطرفين والورثة والخلف ـ م 1323 ـ من احتج عليه بسند عرفى يجب عليه إما أن يعترف به وإما أن ينكر صراحة خطه أو إمضاءه . أما الورثة والخلف فيجوز لهم أن يقتصروا على إعلان أنهم لا يعلمون أن الخط أو الإمضاء هو لمن تلقوا الحق عنه ـ م 1324 ـ فى حالة ما إذا أنكر الخصم خطه أو إمضاءه ، أو أعلن الورثة أو الخلف عدم العلم ، وجب المر بإجراء التحقيق قضائياً .

       وهذا هو الأصل الفرنسى لهذه النصوص :

       Art 1322 – L’acte sous seing prive, reconnu par celui auquel on l’oppose, ou legalement tenu pour reconnu, a, entre ceux qui l’ont souscrit et entre leurs heritiers et ayants cause, la meme foi que l’acte authentique.                                                                                             

       Art.  1323 J Celui auquel on oppose un acte sous seing prive est oblige d’avouer ou de desavouer formellement son ecriture ou sa signature.  Les heritiers ou ayants cause peuvent se contenter de declarer qu’ils ne connaissent point l’ecriture ou la signature de leur auteur.                     

       Art.  1324 J Dans le cas ou la partie desavoue son ecriture ou sa signature, et dans le cas l uses heritiers o uses heritiers ou ayants cause declarent ne les point connaitre, la verification en est ordonnee en justice.                                                                                                     

([6]) وقد ورد فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهديى فى هذا الصدد ما يأتى : (( وتقرر الفرقة الأولى من هذا المادة أن سكوت ذوى الشأن يعتبر فى الأصل إقراراً ، لأن من واجب من لا يريد الاعتراف بالورقة (( أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء )) ، فإذا أبى ذو الشأن أن يعترف بنسبة الخط أو الإمضاء أو أن ينكر هذه النسبة ، فيتعين اعتبار الورقة العرفية قد اعترف بها حكماً . وقد أخذت المادة 227 من التقنين القائم بهذه القرينة فقضت بأن (( المحررات الغير الرسمية تكون حجة على المتعاقدين بها ما لم يحصل إنكار الكتابة أو الإمضاء )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 368 ـ ص 369 ) .

([7]) ويكفى أن يسكت عند مواجهته بالورقة ، فلا يستطيع بعد ذلك أن يلجأ إلى الإنكار ، بل يجب عليه الطعن بالتزوير ( الأستاذ سليمان مرقس أصول الإثبات فقرة 61 ص 82 ـ أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 219 ـ ص 220 ـ وأنظر المادة 214 من تقنين المرافعات الفرنسى ) .

([8]) أما إذا كان التوقيع مصدقاً عليه ، فلا يجوز له الاكتفاء بالإنكار ، بل يجب عليه الطعن بالتزوير ، لأن التصديق على التوقيع يعتبر فى هذه الحدود بمثابة ورقة رسمية ـ وعلى كل حال فللمحكمة ألا تجيب طلب الإحالة إلى التحقيق متى رأت من ظروف الدعوى والأدلة التى استندت إليها ما يكفى لتكوين عقيدتها فيها بلاد حاجة إلى التحقيق متى رأت من ظروف الدعوى والأدلة التى استندت إليها ما يكفى لتكوين عقيدتها فيها بلا حاجة إلى التحقيق المطلوب ( نقض مدنى 17 ديسمبر سنة 1931 مجموعة عمر 4 رقم 20 ص 32 ) . ولقاضى الموضوع أن يقضى بصحة الروقة المقدمة فى الدعوى دون أن يكون ملزماً بالسير فى إجراءات التحقيق متى تبين ذلك بناء على أسباب مقبولة . فإذا طلب الخصم تأخير الحكم فى الدعوى ليطعن بالتزوير فى الورقة التى رفعت هذه الدعوى بناء عليها ، فمن حق القاضى أن يهدر هذا الطلب إذا رأى أن مقدمه لم يبغ به إلا مجرد المماطلة وكسب الوقت ( نقض مدنى 21 نوفمبر سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 77 ص 279 ـ 17 أكتوبر سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 101 ص 219 مع تعليق للأستاذ محمد حامد فهمى فى هامش ص 219 ـ 22 مايو سنة 1945 مجموعة عمر 3 رقم 118 ص 365 ـ استئناف مصر 4 مايو سنة 1929 مجموعة رسمية 30 ص 106 ـ 18 نوفمبر سنة 1937 مجموعة رسمية 38 رقم 5 ص 107 ـ استئناف مختلط 24 أبريل سنة 1889 م 1 ص 263 ـ 2 يناير سنة 1890 م 2 ص 306 ـ 5 فبراير سنة 1891 م 3 ص 182 ـ 15 أبريل سنة 1891 م 3 ص 304 ـ 23 يناير سنة 1895 م 7 ص 99 ـ 17 نوفمبر سنة 1937 م 50 ص 22 ـ 28 أبريل سنة 1945 م 57 ص 148 ـ 6 مايو سنة 1946 م 58 ص 141 ) .

([9]) وقد قضت محكمة النقضى بأنه متى كان الثابت أن الطاعن لم يقف عند حد إنكار توقيع مورثه على السند ، وإنما ذهب إلى الادعاء بتزويره ، فإن الحكم إذ ألقى عليه عبء إثبات هذا التزوير لا يكون قد خالف قواعد الإثبات ( نقض مدنى 24 ديسمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 46 ص 297 ) ـ وقد قضت المادة 274 من تقنين المرافعات بأنه لا تسمع شهادة الشهود إلا فيما يتعلق بإثبات حصول الكتابة أو الإمضاء أو الختم أو بصمة الأصبع ، أما فى دعوى التزوير فيجوز قبول إثبات عدم قيام الدين الذى حررت عنه الورقة قرينة على التزوير . وقضت محكمة النقض بأن المادة 270 مرافعات ( 274 جديد ) خاصة بتحقيق الخطوط ولا مجال لتطبيقها فى دعوى التزوير . والمقصود منها هو احترام القاعدة العامة فى الإثبات بعدم تمكين من يتمسك بورقة أنكرها خصمه من أن يثبت بالبينة ، فى غير الأحوال التى يجوز فيها ذلك قانونا ، الالتزام المدون بها ، ولذلك جاء نصها مقصورا على أن البينة لا تسمع إلا عند إثبات واقعة الكتابة أو التوقيع دون الالتزام ذاته ، بخلاف الحال فى دعوى التزوير ، فإن الأمر فيها ـ إذا ما قبلت أدلة التزوير ـ يكون متعلقا بجريمة أو غش مما يجوز قانونا إثباته بجميع الطرق ومنها قرائن الأحوال كعدم قيام الدين الذى حررت عنه الورقة . وذلك يستتبع أن يكون الخصم مدعى التزوير الحق فى أن يثبت بجميع الطرق أيضا عدم صحة الدعوى عملا بالمادة 281 مرافعات (192 جديد) . وإذن فإذا كان التحقيق فى دعوى التزوير قد تناول غير الكتابة أو التوقيع وقائع أخرى ، واعتمدت عليها المحكمة ، فلا تثريب عليها فى ذلك ( نقض مدنى 29 يناير سنة 1942 مجموع عمر 3 رقم 139 ص 410 ـ أنظر أيضا نقض مدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) .

([10]) أوبرى ورو 12 ص 756 ص 217 هامش رقم 90 ، والخطوط البارزة فى إجراءات تحقيق الخطوط ـ وهى من مباحث قانون المرافعات ـ تتحصل فى أنه إذا أنكر صاحب التوقيع توقيعه ، وكانت الورقة منتجة فى النزاع ، ولم تكف وقائع الدعوى ومستنداتها لتكوين عقيدة المحكمة ، ولم يكن فى الورقة كشط أو محو أو تحشير أو غير ذلك من العيوب المادية بحيث تقدر المحكمة إسقاط قيمتها فى الإثبات أو إنقاضها ، فإن المحكمة تأمر بتحقيق الورقة عن طريق المضاهاة أو بسماع الشهود أو بكلتا الطريقتين . ( أنظرفى جواز الإكتفاء بالبينة وعدم الالتجاء إلى المضاهاة : نقض مدنى 29 ديسمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 38 ص 125 ـ وفى أن مجرد إعلان فقد الختم لا ينهض دليلا على صحة هذه الواقعة : نقض مدنى 19 يناير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 57 ص 207 ) ويشتمل الحكم بإحالة الورقة إلى التحقيق على ندب أحد قضاة المحكمة لإجرائه وتعيين خبير للمضاهاة ، وتكون المضاهاة على ما هو ثبات صدوره ممن تشهد عليه الورقة من أوراق رسمية أو أوراق معترف بها منه أو على خطه أو إمضائه الذى يكتبه أما القاضى المنتدب للتحقيق ، أما الشهود فيسمعون فيما يتعلق بصدور الورقة من صاحب التوقيع وتراعى فى سماعهم القواعد المقررة فى سماع شهادة الشهود وإذا حكم بصحة كل الورقة فيحكم على من أنكرها بغرامة من أربعة نيهات إلى خمسة عشر جنيها . وعلى أية حال ، إذا قضت المحكمة بصحة الورقة أو بردها أو قضت بسقوط الحق فى إثبات صحتها ، أخذت فى نظر موضوع الدعوى فى الحال أو حددت لنظره أقرب جلسة ( أنظر المواد 260 ـ 276 مرافعات ) . وتنص المادة 277 مرافعات على أنه (( يجوز لمن بيده ورقة غير رسمية أن يختصم من تشهد عليه الورقة ليقر بأنها بخطه أو بإمضائه أو بختمه أو ببصمة أصبعه ، ولو كان الالتزام به غير مستحق الأداء ، ويكون ذلك بدعوى أصلية بالإجراءت المعتادة )) . ولا تخلو الحال عندئذ من أحد فروض ثلاثة : إما أن يحضر المدعى عليه ويقر فتثبت المحكمة إقراره ( م 278 مرافعات ) ، وإما ألا يضر فتحكم المحكمة فى غيبته بصحة صدور الورقة منه وتجوز المعارضة فى هذا الحكم فى جميع الأحوال ( م 279 مرافعات ) ، وإما أن يحضر وينكر فيجرى التحقيق وفقاً للإجراءات التى سبق بيانها ( م 280 مرافعات ) .

       وقد يعترف المدين ببصمة الختم ، ولكنه ينكر أنه وقع به على الورقة . وهذا يحدث كثيراً ، فأن الختم منفصل عن صاحبه ، ويقع أن يحصل شخص على ختم آخر فيوقع به ورقة دون علم صاحب الختم . وقد كانت الدوائر المجتمعة لمحكمة استئناف مصر ـ قبل إنشاء محكمة النقض ـ قد قضت بأن على المتمسك بالورقة الموقعة بختم ، اعترف صاحبه ببصمته دون التوقيع به ، أن يثبت أن صاحب الختم هو الذى وقع به على الورقة فلا يجوز ، فى هذه الحالة ، مطالبة صاحب الختم ، بالرغم من اعترافه بالبصمة ، ان يطعن فى الورقة بالتزوير ، بل ولا أن يثبت أنه لم يوقع الورقة بختمه من غير طعن بالتزوير ، والمتمسك بالورقة هو ، كما قدمنا ، الذى يقع عليه عبء إثبات أن صاحب الختم قد وقع الورقة بختمه حتى يستكمل بذلك دليله . وقد ورد فىحكم الدوائر المجتمعة فى هذا المعنى ما يأتى : (( أن إنكار التوقيع بالختم المعترف ببصمته يجعل الدليل القانونى المستفاد من الورقة ناقصاً يكاد يكون مطلقاً . وبما أن المتمسك بالورقة هو المكلف بتقديم الدليل كاملا على دعواه ، فعليه هو إثبات توقيع خصمه بالختم عند إنكاره كى ما يتم له الاستدلال . والقول بان الإقرار ببصمة الختم دون التوقيع به يعتبر قرينة على هذا التوقيع من شأنها إلزام المنكر بإثبات عدم توقيعه أو بالادعاء بالتزوير هو قول فيه مخالفة صريحة للقاعدة الأولية المنصوص عليها فى المادة 214 مدنى وهى جعل عبء الإثبات على المدعى . على أنه يلزم أن يكون إنكار التوقيع جدياً لا يكذبه الظاهر من وقائع الدعوى بحيث لو تراءى للمحكمة من تلك الوقائع وظروفها أن الورقة المتنازع عليها صحيحة ، وأن الإنكار لم يكن الغرض منه إلا المطل والمكيدة ، فلها مطلق السلطة فى الحكم بصحة الورقة دون الإحالة على التحقيق بشرط بيان أسباب ذلك الحكم )) ( استئناف مصر الدوائر المجتمعة 4 مايو سنة 1929 المجموعة الرسمية 30 رقم 106 ص 367 ) . وكان حكم الدوائر المجتمعة هذا عقب اختلاف واضطراب فى القضاء فى خصوص هذه المسألة . فمن المحاكم ما كان يقضى بالمعنى الذى أخذت به الدوائر المجتمعة : استئناف مصر 21 ديسمبر سنة 1926 المجموعة الرسمية 28 ص 75 ( الاعتراف بالختم لا يمنع دعوى الإنكار لأن الختم منفصل من صاحبه فيجوز التوقيع به دون علمه ، بخلاف الإمضاء فان الاعتراف بها مع إنكارها لا يتصور ) ـ استئناف مختلط 11 مايو سنة 1904 م 16 ص 248 ) ، أما الطعن بالتزوير فلا يجوز فيه توجيه اليمين الحاسمة ( استئناف مختلط 6 فبراير سنة 1917 م 29 ص 199 ـ 19 مايو سنة 1921 م 33 ص 351 ) ـ ومن المحاكم ما كان يقضى بأن صاحب الختم هو الذى يقع عليه عبء إثبات أنه لم يوقع الورقة بختمه ولكن دون حاجة لأن يسلك فى ذلك طريق الطعن بالتزوير : محكمة الاستئناف الأهليه فى 9 وفى 19 يناير سنة 1916 المجموعة الرسمية 17 رقم 100 ـ محكمة استوان 20 نوفمبر المجموعة الرسمية 6 رقم 56 ـ ومن المحاكم ما كان يقضى بأن صاحب الختم ما دام قد اعترف ببصمة ختمه لا يبقى أمامه إذا أراد عدم الاعتراف بالتوقيع إلا طريق الطعن بالتزوير : محكمة الاستئناف الأهلية 29 يناير سنة 1922 المجموعة الرسمية 24 ص 55 ـ 7 يناير سنة 1924 و28يناير سنة 1914 المجموعة 26 ص 20 ـ استئناف مختلط 22 نوفمبر سنة 1911 م 24 ص 12 ـ 10 يناير سنة 1917 م 29 ص 147 ـ 30 ديسمبر سنة 1929 م 42 ص 133 ـ 16 نوفمبر سنة 1932 م 45 ص 26 .

       وبعد إنشاء محكمة النقضى اضطردت أحكام هذه المحكمة على عكس ما قضت به محكمة استئناف مصر فى دوائرها المجتمعة ، ويمكن القول أن القضاء قد استقر الآن فى مصر على أن من يقر ببصمة ختمه لا يجوز له أن ينكر التوقيع بالختم إلا إذا سلك طريق الطعن التزوير . وقد قضت محكمةالنقض فى هذا المعنى بأن القانون المصرى أقام حجية الأوراق على شهادة ذات الإمضاء أو الختم الموقع به عليها ، فمتى اعترف الخصم الذى تشهد عليه الورقة بأن الإمضاء أو الختم الموقع به عليها هو إمضاؤه أو ختمه او متى ثبت ذلك بعد الإنكار بالدليل الذى يقدمه المتمسك بالورقة ، فلا يطلب من هذا المتمسك أى دليل آخر لاعتماد صحة الورقة وإمكان اعتبارها حجة بما فيها على خصمه صاحب الإمضاء أو الختم . ولا يستطيع هذا الخصم التنصل مما تثبته عليه الورقة إلا إذا بين كيف وصل إمضاؤه هذا الصحيح أو ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع وأقام الدليل على صحة ما يدعيه من ذلك ، فإن هذه هى منه دعوى تزوير بحتة يجب أن يسار فيها بطريقها القانونى ، ذلك بأن القانون لا يعرف إنكار التوقيع بالختم ، بل لا يعرف إلا إنكار بصمة الختم ( نقض مدنى 26 أبريل سنة1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) . وقضت بصمة الختم ( نقضىمدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) . وقضت أيضاً بأن القانون فى باب تحقيق الخطوط لا يعرف إلا إنكار الختم ذاته ، فمن يعترف بالختم ولكن ينكر التوقيع به لا يقبل منه هذا الإنكار ، بل عليه أن يدعى بالتزوير فى الورقة ويقيم هو الدليل عليه . فإذا دفع شخص بإنكار التوقيع ، فلا يصح النظر فى دفعه على اعتبار أنه إنكار للتوقيع ، بل المتعين على المحكمة أن تثبت اعتراف المتمسك بهذا الدفع بختمه ثم تقضى بعدم قبول هذا الدفع بالإنكار . وإن عدم قبول إنكار التوقيع بالختم المعترف به لا يسيغ الحكم بصحة الورقة المنكورة ولا بتوقيع الغرامة على الدافع بهذا الضرب من الإنكار ، لأن الحكم بصحة الورقة لا يكون كما هو صريح نص المادة 271 مرافعات ( 276 جديد ) إلا فى حق الدفع بالإنكار المنصب على ذات الختم أو ذات الكتابة أو ذات الإمضاء ، والذى يقبل وينظر موضوعاً ويجرى فيه التحقيق بالطريق المرسوم فى القانون أو بغييره من الطرق القانونية التى يراها القاضى ، ثم يتبين بعد التحقيق أن إنكار ذات الختم أو ذات الكتابة أو ذات الإمضاء هو إنكار غير صحيح . كما أن الحكم بالغرامة لا يوقع إلا إذا حكمت المحكمة بصحة الورقة ، والحكم بصحتها ممتنع فى صورة عدم قبول الدفاع بإنكار التوقيع بالختم مع الاعتراف به كما تقدم ، وإذن الغرامة لا يمكن توقيعها فى تلك الصورة لانتفاء شرط توقيعها ( نقضى مدنى 25 أبريل سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 254 ص 721 ) . وقضت أيضاً بأنه إذا اعترف شخص بختمه ولكنه أنكر التوقيع به ، وقبلت المحكمة الدفع بإنكار التوقيع ورأت بعد بحثه موضوعياً أنه دفع بهذا الضرب من الإنكار ، ونقضت محكمة النقض هذا الحكم فيما يتعلق بقبوله الدفع بإنكار التوقيع بالختم مع الاعتراف به ثم بفصله فى موضوعه مقررة أن هذا الإنكار غير مقبول ، وقضت تبعا لذلك بعدم صحة الحكم فيما قضى به من صحة الورقة ومن الغرامة ، فحكم محكمة النقض بعدم قبول إنكار التوقيع وبما يستتبعه من تلك النتيجة لا يمس ما للورقة من القيمة ، بل إنها تبقى حافظة لقوتها كورقة معترف بصحة الختم الموقع به عليها ولا تقبل مطلقاً سوى الطعن فيها بالتزوير ( نقض مدنى 25 أبريل سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 254 ص 721 وهو نفس الحكم السابق ) . وقضت كذلك بأنه إذا طعن أحد الخصوم بالتزوير فى ورقة على اعتبار أن مورثه المنسوب له التوقيع على عقد ما لا ختم له مطلقاً ، فلا مانع قانونا من أن يعيد طعنه علـى اعتبـار أنـه مـع تسليمـه بـأن بصمـة الختـم

                                                                                                       ( م 12 الوسيط ـ جـ  2 )

       الموقع به على ذلك العقد صحيحة ، فإن مورثه لم يوقع بنفسه بهذا الختم عليه أو أنه قد حصل تزير فى العقد بالمحو والكشط والتحشير فى جزء منه . وإذن فلا يقبل الطعن بطريق النقض المقدم منه متى ثبت أن الحكم المطعون فيه قد اقتصر على إثبات صحة بصمة الختم دون التعرض لمسألة التوقيع على العقد بمعرفة مورثه ، لأن حقه فى الطعن أمام محكمة الموضوع فى التوقيع على العقد بمعرفة مورثه وفى الطعون الأخرى التى لم تقدم لمحكمة الموضوع لا يزال محفوظاً فى هذه الحالة ، فلا مصلحة له فى الطعن أمام محكمة النقض ( نقض 13 فبراير سنة 1936 المجموعة الرسمية 37 رقم 7 ص 159 ) ـ أنظر أيضا نقض مدنى 24 مايو سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 185 ص 409 .

  ([10]) وقد قضت محكمة الاستئناف الأهلية بأن عدم تمكن المدعى من إثبات صدور عقد ممن هون منسوب إليه لا يؤخذ منه حتما أن هذا العقد مزور ، وأن الحكم برد العقد وبطلانه لا يكون إلا بناء على دعوى تزوير يقيمها من نسب هذا العقد إليه ( استئناف 5 أبريلسنة 1909 المجموعة الرسمية 10 رقم 98 ) . وقضت محكمة استئناف مصر بأن مسألة قبول دعوى التزوير بعد الإنكار مسألة خلافية ، فإذا أخذت المحكمة بالرأى القائل بقبولها كان لها أن تحكم بما تراه وإن جاء مخالفاً لما حكمت به أولا ، وإلا لما كان هناك معنى للقول بجواز قبولها بعد الإنكار . وإذا حصل الإنكار وحكم بصحة الورقة المنكورة ، ثم طعن فيها بالتزوير وقبلت أدلته وحكم برد الورقة وبطلانها ، لم يبق فى القضية إلا الحكم الثانى الصادر فى دعوى التزوير وهو وحده الحكم المعتمد . فلا محل إذن للقول بوجود تناقض موجب لرفع التماس عن الحكم الثانى ( استئناف مصر 23 أبريل سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 50 ص 115 ) .

       وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه من المسلم أن الخصم ،حتى بعد تمام إجراءات تحقيق الخطوط ، يستطيع أيضاً أن يطعن فى الورقة بالتزوير ، ولكن يجب أن تجتمع عنده أدلة منتجة مقبولة تكفى لهدم عناصر الإثبات التى سبق تقديمها فى إجراءات تحقيق الخطوط ( استئناف مختلط 25 أبريل سنة 1934 م 46 ص 266 ) . وقضت أيضاً بأنه يمكن الالتجاء إلى إجراءات الطعن بالتزوير فى أية حالة كانت عليها الدعوى ، حتى فى خلال إجراءات تحقيق الخطوط ، فتوقف هذه ، ويسار فى تلك ( استئناف مختلط 25 مايو سنة 1932 م 44 ص 343 ) . أنظر أيضاً استئناف مختلط 10 مايو سنة 1893 م 5 ص 283 ( يجوز الطعن بالتزوير فى ورقة عرفية بعد الاعتراف بالتوقيع أو الخط أو بعد تحقيق ذلك ) .

       أنظر فى هذه المسألة أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 219 ـ ص 220 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1480 ص 918 ـ ص 919 ) .

 

([12]) أما فى الورقة الرسمية فقد رأينا أن صحة البيانات فى ذاتها يجب التمييز فيها بين ما يعد إنكاره طعناً فى أمانة الموثق فيجب سلوك دعوى التزوير فى هذا الإنكار ، وبين البيانات التى لا يتضمن إنكارها طعناً فى أمانة الموثق والإنكار هنا يكتفى فيه بتحميل المنكر عبء إثبات العكس كما هى الحال فى جيمع البيانات الواردة فى الورقة العرفية ( بودرى وبارد 4 فقرة 2342 ) .

([13]) استئناف مختلط 18 مايو سنة 1892 م 4 ص 236 ـ 17 يناير سنة 1895 م 7 ص 91 ـ 27 فبراير سنة 1902 م 22 ص 297 ـ 6 مايو سنة 1915 م 27 ص 325 ـ 12 ديسمبر سنة 1918 م 31 ص 68 ـ 3 يونيه سنة 1922 م 34 ص 452 ـ 7 يونية سنة 1928 م 40 ص 411 .

       وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشورع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( إن تاريخ الورقة العرفية يعتبر حجة فيما بين المتعاقدين حتى يثبت العكس ، شأنه من هذا الوجه شأن سائر ما يدون فى هذه الورقة من البيانات . ويتعين على من يريد تحصيل الدليل العكسى فى هذه الحالة ، أن يلتزم أحكام القواعد العامة فى ذلك . ومؤدى هذا وجوب التقدم بدليل كتابى ، إذ لا يجوز نقض الثابت كتابة إلا بالكتابة )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 373 ) .

       هذا ولما كان الغالب أن صحة التاريخ فيما بين الطرفين لا تناقش إلا عند ادعاء تقديم التاريخ أو تأخيره بطريق الغش ، وكان الغش يبرر الإثبات بجميع الطرق ، فإنه يقع كثيراً أن يتمكن أحد الطرفين أن يثبت فى مواجهة الآخر عدم صحة التاريخ حتى بالبينة أو بالقرائن ( استئناف مصر 27 نوفمبر سنة 1928 المحاماة 9 رقم 47 ص 70 ـ 27 نوفمبر سنة 1928 المحاماة 9 رقم 48 ص 72 ـ ديمولومب 29 فقرة 508 ـ أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 220 هامش رقم 100 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1483 ص 920 ـ ص 922 ) .

نقلا عن محامي أردني

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

الأوراق العرفية في القانون المدني

الأوراق العرفية

       104 ـ الأوراق العرفية المعدة للإثبات والأوراق العرفية غير المعدة للإثبات : يمكن تقسيم الأوراق العرفية التى تكون لها حجية فى الإثبات إلى قسمين :

       (القسم الأول) أوراق أعـدت مقدمـاً للإثبـات ، فهـى أدلـة مهيأة (preuves preconstituees) ولذلك تكون موقعة ممن هى حجة عليه .

       (والقسم الثاني) أوراق لم تعد مقدماً للأثبات ، ولكن القانون يجعل لها حجية فى الإثبات إلى مدى معين ، فهى أدلة عارضة (preuves casuelles) . وأكثر هذه الأوراق لا تكون موقعة ممن هى حجة عليه ، وذلك كدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية . وبعضها قد يكون موقعاً وان لم يعد فى الأصل للأثبات ، وذلك كالرسائل وأصول البرقيات([1]) .

       ونتكلم فى كل من هذيه القسمين من الأوراق .

الفـرع الأول

الأوراق العرفية المعدة للإثبات

       105 ـ شروط صحتها وحجيتها فى الإثبات : نتناول بحث الأوراق العرفية المعدة للإثبات ، كما بحثنا الأوراق الرسمية ، من ناحيتين : (1) الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية (2) حجية الورقة العرفية فى الإثبات .

176 المبحث الأول

الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية

       106 ـ التوقيع هو الشرط الوحيد فى القانون المصرى : الورقة العرفية المعدة للإثبات لا يشترط فى صحتها إلا توقيع من هى حجية عليه([2]) . فإذا كان العقد ملزماً للجانبين كالبيع ، وأثبت فى ورقة عرفية ، وجب توقيع كل من البائع والمشترى . وإذا كان ملزماً لجانب واحد كالوديعة ، وجب توقيع المودع عنده . وإذا كان مخالصة بالدين ، وجب توقيع الدائن . وهكذا .

       ويكون التوقيع عادة بالإمضاء . ويجوز أن يكون ـ لا سيما بالنسبة إلى 177 الأمين ـ بالختم([3]) أو ببصمة الأصبع([4]) . والختم لا يزال منتشراً فى مصر ، وفى القرى بوجه خاص ، لانتشار الأمية . وعيبه أن التقليد فيه أيسر منه فى 178 الإمضاء . أما بصمة الأصبع فأكثر دقة([5]) . ولا يشترط فى الإمضاء أو الختم أن يوضع بالإسم الثابت فى ورقة الميلاد ، بل يكفى أن يوقع صاحب الشأن بالاسم الذى اعتاد أن يوقع به([6]) .

       ويوضع التوقيع عادة فى آخر الورقة حتى يكون منسحباً على جميع البيانات المكتوبة الورادة فيها . ولكن ليس من الضرورى توقيع الإضافات والإحالات وما إليها كما هو الأمر فى الورقة الرسمية ، ويترك غير الموقع منها لتقدير القاضى من ناحية قوة الإثبات ، ولذلك يكون الأفضل توقيعها قطعاً للشك .

       ويجب على صاحب الشأن أن يوقع بنفسه . فاذا وقع الورقة باسمه شخص كأمين سر أو مدير مكتب أو نحو ذلك ، فالتوقيع لا يصح والورقة باطلة لا حجية لها([7]) . أما البيانات المكتوبة ـ ولابد من الكتابة إذ الورقة العرفية هى ورقة مكتوبة ـ فيصبح أن تكون بخط المدين أو الدائن أو أجنبى . وله أن يكتبها بأية لغة ، حتى بلغة اصطلاحية معروفة من أصحاب الشأن ، فاللغة العربية ليست ضرورية كما هو الأمر فى الورقة الرسمية . ويجوز أن تكون الكتابة باليد أو بالطباعة بالآلة الكتابة أو بالفوتوغرافيا أو بأية طريقة أخرى ( أنظر المادة 145 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني ) . وإذا كانت الكتابة باليد ، صح أن تكون بالمداد أو بالقلم الرصاص أو بأية مادة كاتبة أخرى . وكثير من الأوراق العرفية ، كعقود الإيجار والمخالصات وعقود التأمين واشتراكات المياه والنور وكثير من 179 عقود الإذعان ، تكون مطبوعة ، ويقتصر أصحاب الشأن بوجه عام على ملء الفراغ الذى يخصص العقد المقصود إبرامه .

       ولا يشترط فى صحة الورقة العرفية أن تكون مؤرخة ، إلا فى حالات معينة نص عليها القانون كالكمبيالة والسند الأذنى والشيك والتظهير . ولكن التاريخ فى الورقة العرفية بيان من البيانات الهامة ، فقل أن يغفله أصحاب الشأن ، وإلا شق عليهم بعد ذلك إثباته . بل إن تاريخ الورقة العرفية لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً كما سنرى .

       ويتبن مما قدمناه أن التوقيع هو الشرط الوحيد لصحة الورقة العرفية . فاذا لم يوضع التوقيع على الورقة ، لم تكن لها حجية فى الإثبات ( انظر المادة 143 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) ـ ذلك أن الورقة العرفية إنما تستمد حجيتها من التوقيع وحده . والورقة العرفية غير الموقعة لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة ، إلا إذا كانت مكتوبة بخط المدين . وإذا تعددت التوقيعات ، فليس من الضرورى أن توضع جميعها فى وقت واحد ، بل كل من وقع على الورقة يكون قد ارتبط بها([8]) ، إلا إذا تبين من الظروف أصحاب الشأن إنما أرادوا ألا يرتبطوا إلا بتوقيعهم جميعاً([9]) .

       وغنى عن البيان أن الورقة العرفية إذا كانت باطلة فلا يؤدى بطلانها إلى بطلان التصرف القانونى ذاته الذى قصد بالورقة أن تثبته ، بل يبقى هذا التصرف قائماً ويصح أن يكون جائز الإثبات بطرق أخرى .

       107 ـ قيمة التوقيع على بياض : وقد يضع صاحب الشأن توقعيه على الورقة العرفية قبل كتابتها قبل كتابتها، فيقال عندئذ إنه وقع على بياض (blanc seing).

       ويكون قد قصد بذلك أن يعهد إلى الطرف الآخر أن يكتب فوق التوقيع البيانات التى اتفق معه على عناصرها الجوهرية وترك إليه استكمال تفصيلاتها على أسس معينة . مثل ذلك أن يوقع شخص شيكاً على بياض لمصلحة شخص آخر له معه حساب جار ، ويعهد إليه أن يضع الرغم الدال على قيمة الشيك بمقدار ما على موقع الشيك من رصيد الحساب الجارى بعد تصفيته . ومن ثم يكون من وقع على بياض قد وثق فى صاحبه واطمأن إلى أمانته ، ومن هنا يجئ الخطر فى التوقيع على بياض إذا خان الأمانة من اؤتمن .

       ومهما يكن من أمر فان التوقيع على بياض صحيح . وهو من شأنه أن يكسب البيانات التى ستكتب بعد ذلك فوق هذا التوقيع حجية الورقة العرفية ، فان هذه الحجية تستمد كما قدمنا من التوقيع لا من الكتابة ، فيستوى أن تكون الورقة قد كتبت قبل التوقيع أو بعده . والمهم أن من يوقع الورقة يوقعها بخطه ، ويقصد من توقيعها أن يرتبط بالبيانات التى سترد فى الورقة .

       على أن من يؤتمن على هذا التوقيع يجب عليه أنت يرعى الأمانة ، فلا يضع فى الورقة بيانات غير ما اتفق عليه مع الموقع ، وإلا عوقب جنائياً ([10]) .

       أما الناحية المدنية ، فعبء إثبات تسليم الورقة الموقعة على بياض وخيانة من تسلمها يقع على من وضع توقيعه على بياض . ويراعى فى ذلك القواعد المقررة فى الإثبات . ذلك أنه إذا ما كتبت الورقة البيضاء بعد التوقيع عليها ، أصبحت قيمتها فى الإثبات قيمة الورقة العرفية التى لم توقع إلا بعد أن تمت كتابتها . ولكن يبقى للمدين الحق فى أن يثبت أنه إنم سلم توقيعه على بياض للدائن وأن ما كتبه هذا فـوق التوقيع لم يكن هـو المتفـق عليـه بينهـما . ويكـون إثبـات ذلك طبقـاً للقواعـد العامـة ، أى أنـه لا يجـوز إثبات عكس المكتوب إلا بالكتابة

181 كما سنرى([11]) . فإذا استطاع هذا الإثبات ، فقدت الورقة حجيتها فيما بينهما . ولكنها لا تفقد هذه الحجية بالنسبة إلى الغير حسن النية ، فمن تعامل مع متسلم الورقة معتقداً أنها ورقة صحيحة ، فحولت إليه مثلا ، جاز له أن يتمسك بحجية الورقة فى حق من وقع على بياض([12]) ، ويرجع الموقع ، على من أساء استعمال توقيعه([13]) .

       ولكن إذا كان التوقيع على بياض ذاته قد تم الحصول عليه من غير علم صاحب التوقيع ، ولم يقصد الموقع أن يسلم توقيعه على بياض إلى من أساء استعمال هذا التوقيع ، بل حصل عليه هذا خلسة ، كان التوقيع نفسه غير صحيح ، وكانت الورقة باطلة ، وعوقب من أساء استعمال التوقيع بعقوبة التزوير ( م340 عقوبات ) ([14]) . ولصاحب التوقيع أن يثبت هذا الإختلاس بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ، لأنه إنما يثبت غشاً . فاذا ما أثبت ذلك فان الورقة تسقط حجيتها فى حقه بعدأن انكشف بطلانها على ما قدمنا . بل إن الغير حسن النية الذى تعامل مع المختلس على أساس أن الورقة صحيحة لا يستطيع أن يتمسك بحجية الورقة فى حق صاحب التوقيع ، ذلك أن صاحب التوقيع لم يسلم توقيعه على بياض للمختلس ، كما فعل ف الحالة السابقة ، بل اختلس منه التوقيع اختلاساً ، فلا يمكن أن ينسب إليه أى إهمال([15]) .

       108 ـ شرطـان آخـران لصحـة الورقـة العرفيـة فـى التقنيـن المدنى الفرنسى : ويشترط التقنيـن المدنـى الفرنسـى لصحـة الورقـة العرفية ، فـوق التوقيـع، 

182 شرطين آخرين لم يشترطهما التقنين المدنى المصرى([16]) .

       أما الشرط الأول فقد نصت عليه المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسى([17]) ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة للجانبين لا تكون صحيحة إلا إذا تعددت نسخها([18]) بقدر تعدد أطراق العقد ذوى المصالح المستقلة([19]) ، ويجب أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت من هذا السند . فاذا كان العقد بيعاً مثلا ، وكان كل من البائع والمشترى شخصاً واحداً ، فانه يجب أن يكتب من عقد البيع نسختان ، إحداهما للبائع والخرى للمشترى ، فاذا تعدد النسخ التى تعطى للبائعين أو تعطى للمشترين بقدر تعددهم ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه([20]) .

183 ثم إن لا يكفى تعدد النسخ ، بل يجب أيضاً ، كما قدمنا ، أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت ، وذكر هذا العدد موقعاً عليه من الخصم هو الذى يثبت تعدد النسخ وفقاً لما يتطلبه القانون حتى فى حالة امتناع هذا الخصم عن تقديم النسخة التى احتفظ بها . فاذا لم تتعدد النسخ ، أو لم يذكر عددها فى كل نسخة ، كانت الورقة العرفية باطلة كدليل للإثبات([21]) . ولا يوجد نص فى التقنين المدنى المصرى كما قدمنا ـ لا فى القديم ولا فى الجديد ـ يقابل نص المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسى المتقدمة الذكر . فلا يشترط إذن فى القانون المصرى تعدد النسخ فى العقود الملزمة للجانبين ، وإذا كتبت نسخة واحدة كانت دليلا كتابياً كاملا يجوز لكل من المتعاقدين أن يتمسك به([22]) . ولكن الضرورة العملية تقضى فى أكثر الأحيان أن تكتب نسخ بقدر عدد المتعاقدين ذوى المصالح المتعارضة ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه دليلا على حقه([23]) .

       وأما الشرط الثانى فقد نصت عليه المادة 1326 من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة لجانب واحد يجب إما أن 184 تكتب كلها بخط المدين ، أو فى القليل أن يكتب المدين بخطه قيمة الالتزام ـ حروفاً لا أرقاماً ـ مسبوقة بعبارة يعتمد بها المدين التزامه ، وتكون عادة إحدى هاتين العبارتين : Bom pour أو approuve pour ، ثم يوقع المدين بإمضائه هذه العبارة ، وهذا التوقيع ينسحب على الاعتماد وعلى مشتملات الورقة فى وقت واحد([24]) . والعقود الملزمة لجانب واحد التى تخضع لهذا الشرط هى العقود التى يكون محل الالتزام فيها مبلغاً من النقود أو جملة من الأشياء المثلية التى تعد أو تقاس أو توزن أو تكال ، حتى يستطاع تقدير محل الالتزام برقم هو الذى يكتبه المدين بخطه حروفاً([25]) . ولا مقابل لهذا النص أيضاً فى التقنين المصرى ، لا القديم ولا الجديد ، فلا يكون هذا الشرط لازماً لصحة الورقة العرفية فى مصر .

       وتقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، دون سائر التقنينات العربية ، يشترط فى الورقة العرفية هذين الشرطين اللذين يشترطهما التقنين الفرنسى ( أنظر المادتين 146 و147 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) .


([1]) ولا محل لمثل هذا التقسيم فى الأوراق الرسمية ، فكلها بوجه عام معد للإثبات .  

([2]) استئناف مختلط أول يونية سنة 1948 ـ ولم يشترط القانون المصرى غير التوقيع شرطاً لصحة الورقة العرفية . ولكن هذا لا يمنع من وجود شروط أخرى لتحقيق أغراض أخرى . فمثلا حتى تكون الورقة العرفية صالحة للشهر لا بد من تحريرها من نسخة أصلية بالمداد الأسود على ورق خاص مدموغ يطلب من مكاتب الشهر ومأمورياته (م 19 من اللائحة التنفيذية لقانون الشهر ) ، ويجب التصديق على التوقيعات ( م 29 من قانون الشهر ) ، كما يجب ذكر بيانات معينة (م 22 من قانون الشهر ) . وجزاء هذه الشروط عدم إمكان شهر الورقة ، ولكن ذلك لا يؤثر فى قوة إثباتها . مثل آخر : ما يشترطه قانون التجارة فى بعض الأوراق التجارية (م 105 و 134 و 190 تجارى ) . وقد يشترط فى الورقة العرفية شروط أخرى لجواز سماع الدعوى ، فقد قضت المادة الثانية من قانون الوصية ( رقم 71 لسنة 1946 ) بعدم جواز سماع الدعوى بالوصية أو بالرجوع عنه ، بعد وفاة الموصى بالنسبة إلى الحوادث الواقعة من سنة 1911 ، إلا إذا وجدت أوراق رسمية أو مكتوبة جميعها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه كذلك تدل على ما ذكر ، أو كانت ورقة الوصية أو الرجوع عنها مصدقاً على توقيع المدعى عليها .

       ولا يشترط فى الورقة العرفية شهود ( استئناف مختلط 7 يناير سنة 1891 م 3 ص 121 ) ، أو تعدد نسخ الأصل أو الاعتماد الخطى لقيمة الالتزام ( استئناف مختلط 24 يناير سنة 1894 م 6 ص 120) .

([3]) اعتبر المشرع المصرى الختم كالإمضاء : أنظر المواد . 390 و 394 ـ 395 مدنى و261 ـ 262و 268 ـ 269و 274و 277و 279 مرافعات و 211و 215و 340 عقوبات . وقد تضمن المشروع الأول لنصوص الإثبات الذى وضعه الأستاذ استنويت (Stemuit) النص الآتى : (( لا تساوى بصمة الختم الإمضاء . فإذا كان موقع الورقة لا يعرف أن يكتب أو لا يستطيع ذلك بسبب عاهة فى جسمه ، وجب فوق توقيعه بختمه أن يكلف شخصاً مرخصاً له فى ذلك قانوناً أن يوقع بإمضائه بدلا منه . ويتعين فى هذه الحالة أن يذكر موقع الورقة بإمضائه أنه يعرف صاحب الختم أو أن يبين المستندات المثبتة لشخصيته وأن يوضح سبب صرف النظر عن هذا النص حى لا يؤدى إلى تعطيل التعامل ( الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 75 هامش رقم 2 ) .

       وفى القانون الفرنسى لا يجوز التوقيع بالختم أو بأية علامة . وتنص المادة 144 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى على أن (( الفريق الذى لا يعرف أن يوقع بامضائه يستبدل الإمضاء بوضع طابع أصبعه )) .

([4]) أما التوقيع ببصمة الأصبع فلم يكن التقنين القديم ينص عليه . ولكن ظهر فى العمل أنه أكثر ضماناً من التوقيع ببصمة الختم ، حيث أثبت العلم أن بصمات الأصابع لا تتشابه ، وذلك جرت المحاكم على التعويل على بصمة الأصبع . وكان قانون المواليد والوفيات القديم ( لسنة 1912 ) ينص على جواز التوقيع ببصمة الأصبع ، أما قانون المواليد والوفيات الجديد ( لسنة 1946 ) الذى حل محله فلم يبين كيف يكون التوقيع . ونصت المادة 225 عقوبات على أن تعتبر بصمة الأصبع كالإمضاء فى تطبيق أحكام التزوير ( نقض جنائى 24 أبريل سنة 1944 مجموعة عمر 6 رقم 338 ص 462 ) . وقد قررت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة فى 5 مارس سنة 1926 قبول بصمات الأصبع فى التوقيع على العقود المراد التصديق عليها لإمكان تسجيلها ، وذلك من الأشخاص الأميين الذين ليست لهم أختام ، واعتبار هذه البصمات كالإمضاءات أو الأختام ، بشرط أخذ صورة طبق الأصل من هذه البصمات على سجل خاص مع توقيعات الشهود ، وذلك حال إجراء عملية التصديق فى جهة خلاف أقلام الرهون المختلطة أو المأموريات التابعة لها ، وأصدرت بذلك محكمة الاستئناف المختلطة منشوراً رقم 691 سنة 51 قضائية بتاريخ 13 أبريل سنة 1926 . أما فى فرنسا فقد قضت محكمة النقض بأن بصمات الأصبابع لا تعادل الإمضاء ( نقض فرنس 15 مايو سنة 1934 داللوز 1934 ـ 1 ـ 113 ) ـ أنظر فى هذه المسألة الأستاذ محمد كامل مرسى فى شهر التصرفات ص 226 ـ الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 176 ص 105 ـ الأستاذ سلميان مرقس فى أصول الإثبات ص 75 هامش رقم 3 وهامش رقم 4 .                                                    ( م 12 الوسيط ـ جـ  2 )

([5]) ولا يغنى عن التوقيع علامة يضعها المدين ، كما لا يصح اعتبار مثل هذه العلامة مبدأ ثبوت بالكتابة إذ لا قيمة لها قانوناً . ويسرى هذا الحكم على الختم المطموس ، إذ هون لا يخرج عن أن يكون مجرد علامة مستديرة غير مقروءة أصلا ( محكمة دمياط الجزئية فى 24 مايو سنة 1934 المجموعة الرسمية 36 رقم 8 ص 193 ـ المحاماة 15 رقم 29/2 ص 62 ) .

([6]) ويشترط فى التوقيع فى مصر أن يشتمل على الاسم واللقب كاملين ( الموجز ص 664 ) . وجرت العادة عند الغربيين أن يكون التوقيع بالحرف الأول من الأسم وباللقب كاملا ( الأستاذ سليمان مرقس أصول الإثبات ص 74 ) .

([7]) على أن أثر التصرف القانونى قد ينصرف إلى من وقع باسم غيره إذا كان الطرف الآخر فى التصرف حسن النية ويجهل عدم صحة التوقيع ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1458 ) .

([8]) ولكن لا يكون تاريخ الورقة حجة على الغير ، إلا إذا أسبح هذا التاريخ ثابتاً بعد استكمال جميع التوقيعات (بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1458 ص 896 ) .

([9]) ولا يشترط لصحة الورقة العرفية أن تكون مستوفية لشروط قانون التمغة . فإذا لم يوضع على الورقة العرفية طابع التمغة الذى نص عليه القانون ، لم تكن الورقة باطلة ، ولكن هناك غرامة على من أخل بهذا الواجب .

       وقد نظم القانون الفرنسى طريقة لتسجيل (enregistrement) الأوراق ( راجع فيها بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة وجابولد 7 فقرة 1461 ـ فقرة 1462 ص 899 ـ ص 901 ) .

([10]) وقد نصت المادة 340 من قانون العقوبات على أن (( كل من اؤتمن على ورقة ممضاة أو مختومة على بياض ، فخان الأمانة وكتب فى البياض الذى فوق الختم أو الإمضاء سند دين أو مخالصة أو غير ذلك من السندات والتمسكات التى يترتب عليها حصول ضرر لنفس صاحب الإمضاء أو الختم أو لماله ، عوقب بالحبس ، ويمكن أن يزاد عليه غرامة لا تتجاوز خمسين جنيهاً مصرياً . وفى حالة ما إذا لم تكن الورقة الممضاة أو المختومة على بياض مسلمة إلى الخائن وإنما استحصل عليها بأية طريقة كانت ، فإنه يعد مزوراً ويعاقب بعقوبة التزوير )) .

([11]) وهذه القواعد ذاتها تراعى فى إثبات الجريمة الجنائية المنصوص عليها فى المادة 340 من قانون العقوبات ، وقد مر ذكرها ـ هذا وإذا كانت الحيلة (dol) قد استعملت فى الحصول على الورقة الموقعة على بياض ، فيجوز عندئذ إثبات الغش بجميع طرق الإثبات .

([12]) أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 185 ـ ص 186 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1459 ص 898 .

([13]) الموجز للمؤلف ص 666 .

([14]) استئناف مختلط 15 يناير سنة 1926 م 38 ص 470 ـ 13 ديسمبر سنة 1939 م 52 ص 47 .

([15]) أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 186 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1459 ص 898 .

([16]) وقد كان المشروع الأولى لنصوص الإثبات الذى وضعه الأستاذ استنويت (stenuit) يتضمن نصوصاً تورد هذين الشرطين كما قدمنا . ولكن لجنة تنقيح التقنين المدنى حذفت هذه النصوص ، فخرج المشروع التمهيدى خلواً منها . وبقى الأمر كذلك فى جميع مراحل التنقيح ، حتى استقر التقنين المدنى المصرى الجديد وليس فيه هذان الشرطان .

([17]) ولم يكن هذا الشرط موجوداً فى القانون الرومانى ولا فى القانون الفرنسى القديم ، وقـد استحدثـه القضـاء ( برلمان باريس ) لأول مرة فى 30 أغسطس سنة 1736 .

([18]) النسخة (double) غير الصورة (copie) ، إذ هى أصل (original) لا صورة .

([19]) وتؤسس هذه القاعدة على جواز أن يقول الطرف الذى لم يحتفظ بنسخته إن العقد لم يكن إلا مشروعاً لم يتم ، ولو أنه كان قد تم لاحتفظ بنسخته للاحتجاج بها ( أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 188 هامش رقم 13).

([20]) ولكن إذا كان أحد الطرفين فى العقد الملزم للجانبين قد اقتضى حقه قبل كتابة الورقة أو فى أثناء كتابتها ، ولم تعد له مصلحة فى الاحتفاظ بنسخته ، فإن تعدد النسخ لا يكون فى هذه الحالة لازماً . فإذا كان البائع مثلا قد استوفى الثمن كله ولم يعد له أى حق فى ذمة المشترى ، اقتصر على تحرير نسخة واحدة من عقد البيع يحتفظ بها المشترى ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1465 ص 903 ـ ص 904 ) .

       كذلك إذا لم تتعارض المصالح فى الجانب الواحد لا تتعدد نسخ هذا الجانب . فالبائعون لعين فى الشيوع لا تتعدد نسخهم . وفى شركة التوصية تكفى نسخة واحدة لجميع الشركاء المديرين ، نسخة أخرى لجميع الشركاء الموصين ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1466 ص 904 ـ فقرة 906 ) .

       ويستثنى من قاعدة تعدد النسخ العقود التجارية ، والرسائل ، والعقود القضائية ، والأوراق الرسمية الباطلة إذا صلحت أن تكون أوراقاً عرفية وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك .

       ويمكن تفادى شرط تعدد النسخ بكتابة نسخة واحدة وإيداعها عند أمين يحفظها لحساب جميع المتعاقدين (بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1467 ـ فقرة 1468 ص 906 ـ ص 907 ) .  

([21]) ولكن العقد الملزم للجانبين يبقى قائماً ، ويجوز إثباته بطرق أخرى غير الكتابة كالإقرار , اليمين . بل يجوز إثباته بالبينة والقرائن إذا كانت قيمة الالتزام لا تجاوز النصاب المحدد للإثبات بهذه الطرق ( أى 5000 فرنك ) ( أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 198 ـ ص 199 ) .

       ولكن هل يجوز أن تعتبر الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة ، فتستكمل بالبينة أو بالقرائن ، حتى لو جاوزت قيمة الالتزام هذا النصاب المحدد ؟ يذهب القضاء الفرنسى فى معظمه وطائفة من الفقهاء إلى جواز اعتبار الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة فى هذه الحالة ( أنظر فى هذه المسألة بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1470 ص 909 ـ ص 911 ) .

([22]) بل قد جرى العمل ، قبل قانون التسجيل الذى صدر فى سنة 1923 ، على أن يكتفى ، فى عقود البيع التى تم فيها دفع الثمن ، بنسخة واحدة موقعة من البائع ولو لم يوقعها المشترى . وقد اكتفى القانون المذكور بتحرير العقود واجبة التسجيل من نسخة واحدة يوقع عليها جميع المتعاقدين ، ثم تحفظ بقلم التسجيل وتعطى منها صورة فوتوغرافية لكل من يطلب ذلك فى مقابل رسم معين . وكذلك فعل قانون الشهر العقارى الذى حل محل قانون التسجيل ( الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 79 ) .

([23]) أنظر فى كل هذا أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 188 ـ ص 205 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1464 ـ فقرة 1470 ـ ص 911 ـ الموجز للمؤلف ص 664 ـ ص 665 .

([24]) وكان هذا للقضاء على العادة التى فشت ، فى القرن الثامن عشر فى فرنسا ، فى إساءة استعمال التوقيع على بياض . فصدر بهذه القاعدة تصريح ملكى (declaration royale) فى 22 سبتمبر سنة 1733 . ويتبين من ذلك أن هذه القاعدة وقاعدة تعدد النسخ قاعدتان متعاصرتان ، ظهرتا أخيراً ، الأولى فى سنة 1733 ، والثانية فى سنة 1736 .

([25]) وإذا لم يستوف هذا الشرط فالبطلان لا يلحق إلا الورقة العرفية كدليل للإثبات ، أما التصرف القانونى ذاته فيبقى ويجوز أن يكون قابلا للإثبات بطرق أخرى . وتعتبر الورقة التى لم تستوف الشرط مبدأ ثبوت بالكتابة . وإذا تغاير مقدار الالتزام المعتمد مع المقدار المذكورة فى صلب الورقة ، أخذ بأقل المقدارين لأن ذلك فى مصلحة المدين ، حتى لو كانت الورقة بخطه . أنظر فى كل ذلك أوبرى ورو 12 فقرة 756 ص 205 ـ ص 217 ـ بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1471 ـ فقرة 1479 ـ ص 911 ـ ص 917 . وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ( 148 ) م يؤخذ بالمقدار الأول .

نقلا عن محامي أردني

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

النص هو الذي يعين أركان الالتزام القانوني ويبين أحكامه

النص هو الذي يعين أركان الالتزام القانوني ويبين أحكامه

 المطلب الأول

 القاعدة العامة

909 – أركان الالتزام القانوني : رأينا أن النص هو الذي ينشئ الالتزام القانوني ، ويعتبر مصدراً مباشراً له . والنص كذلك هو الذي يعين أركانه هذا الالتزام . وقد استعرضنا طائفة من الالتزامات القانونية فيما تقدم . فالرجوع إلى النص ، في كل التزام قانوني منها على حدة ، هو الذي يبين مدى هذا الالتزام والأركان التي يقوم عليها .

ويمكن القول بوجه عام إن الالتزامات القانونية ، كسائر الالتزامات ، تكون إما التزاماً بإعطاء ( obligation de donner ) ، أو التزاماً بعمل ( obligation de faire ) ، أو التزاماً بالامتناع عن عمل ( obligation de pas faire ) . مثل الالتزام القانوني بالإعطاء الالتزام بالنفقة والالتزام بدفع الضرائب ، والالتزام بتعويض العامل عن مخاطر العمل . ومثل الالتزام القانوني بالعمل التزام الولي أن يدير أموال القاصر ، والتزام الجار أن يشترك في وضع حد لملكه الملتصق بملك جاره . ومثل الالتزام القانوني بالامتناع عن عمل التزام الجار ألا يهدم الحائط الذي يستر به جاره دون عذر قوى ، والتزامه ألا يحدث ضرراً فاحشاً للجيران .

والالتزام القانوني ، كسائر الالتزامات ، رابطة ما بين دائن ومدين . وتقوم هذه الرابطة على محل مستوف لشرائطه . ولم ا كان القانون في الالتزام القانوني المبني على واقعة مادية هو الذي يعين هذا المحل على النحو الذي بيناه ، إعطاء كان أو عملاً أو امتناعاً عن عمل ، فإن المحل لا بد أن يكون قد استوفي الشرائط الواجبة . فلا صعوبة يمكن أن تثار من هذه الناحية .

والسبب لا يكون ركناً في الالتزام القانوني إلا إذا استند إلى الإرادة المنفردة ، فقد رأينا أن السبب يتصل بالإرادة . ويترتب على ذلك أن الالتزام القانونيالذي يقوم على إرادة منفردة ، كالإيجاب الملزم والوعد بجائزة ، يجب أن يكون مبنياً على سبب مشروع . وإلا كانت الإرادة باطلة لا تنتج أثراً . وكذلك المحل في الالتزام القانوني المبني على الإرادة المنفردة تعينه هذه الإرادة ، فيجب في تعيينه أن يكون مستوفياً لشرائطه على النحو الذي قدمناه عند الكلام في المحل .

والأهلية إنما يجب توافرها في الالتزام القانوني المبني على الإرادة المنفردة أما الالتزام القانوني المبني على واقعة مادية فلا تشترط فيه أية أهلية إلا إذا نص القانون على ذلك . وقد كان هذا الحكم منصوصاً عليه في الفقرة الثانية من المادة 272 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : ” ولا تشترط أية أهلية في هذه الالتزامات ( القانونية المبينة على وقائع مادية ) ، ما لم يوجد نص يقضي بخلاف ذلك ” . فحذف هذا النص في لجنة المراجعة لعدم الحاجة إليه ، فهو مفهوم من مقتضى تطبيق القواعد العامة ( [1] ) . ومن الأمثلة على التزام قانوني مبني على واقعة مادية يشترط النص فيه أهلية خاصة التزامات الفضولي ، فقد رأينا أن الفقرة الأولي من المادة 196تنص على أنه ” إذا لم تتوافر في الفضولي أهلية التعاقد ، فلا يكون مسئولاً عن إرادته إلا بالقدر الذي اثري به ، ما لم تكن مسئوليته ناشئة عن عمل غير مشروع ” . وكذلك ورثة الفضولي عندما أوجب القانون عليهم أن يخطروا رب العمل بموت مورثهم وأن يتخذوا من التدبيرات ما تقتضيه الحال لصالح رب العمل ، اشترط النص ( م 194 فقرة 2 وم 717 فقرة 2 ) لقيام الالتزامات أن تتوافر فيهم الأهلية . وتشترط المادة 16 من قانون المحاكم الحسبية في الوصي أن يكون ذا أهلية كاملة .

910 – أحكام الالتزام القانوني : وكذلك النص هو الذي يبين أحكام الالتزام القانوني ، فيرجع في كل التزام إلى النص الذي أنشأه لمعرفة هذه الأحكام .

ويمكن القول بوجه عام إن الالتزام القانوني ، كسائر الالتزامات ، ينفذ عيناً إذا كان هذا ممكناً ، وإلا انتهي إلى تعويض بقدر طبقاً للقواعد العامة . وقد تبين طبيعة الالتزام القانوني شيئاً من أحكامه . وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية في هذا المعنى بأن طبيعة دين النفقة تجعله خاصاً بشخص من ترتب في ذمته هذا الدين ، ومن ثم تكون وفاة المحكوم عليه مسقطة لحكم النفقة ، بحيث لا يبقى لهذا الحكم من الأثر على تركته إلا بمقدار المستحق من النفقة الذي كان واجب الأداء قبل الوفاة ( [2] ) .

911 – تطبيقات مختلفة : ونأتي ببعض تطبيقات على ما قدمناه من أن النص هو الذي يعين أركانه الالتزام القانوني ويتكفل ببيان أحكامه . ويحسن قبل ذلك أن نبين أنه ليس من الضروري ان يكون النص موجوداً في القانون المدني ، فالقوانين المالية وقوانين الأحوال الشخصية وقانون المرافعات وغير ذلك من القوانين المختلفة قد تتضمن نصوصاً تنشئ التزامات قانونية ، وتتكفل هذه النصوص بتعيين أركانه الالتزام وبيان أحكامه .

فمن الالتزامات القانونية التزامات الفضولي ، وقد سبق أن فصلناها راجعين فيها إلى النصوص المدنية التي أنشأها ، ورأينا كيف أن هذه النصوص هي التي تعين أركان الالتزام وتبين أحكامه .

ومن الالتزامات القانونية الالتزام بدفع الضرائب . وهذا الالتزام يرجع في تعيين أركانه وبيان أحكامه إلى القوانين المالية الخاصة بالضرائب على العقار والمنقول وكسب العمل والإبرام العام وغير ذلك من الضرائب المختلفة .

ومن الالتزامات القانونية التزامات الأسرة ، ويدخل فيها واجبات كل من الزوجين والعلاقة ما بين الوالدين والأولاد والنفقة بمختلف أنواعها والتزامات الأولياء والأوصياء والقوام . وهذه كلها يرجع في تعيين أركانها وفي بيان أحكامها إلى قوانين الأحوال الشخصية ، وبخاصة إلى الشريعة الإسلامية ، ثم إلى قانون المحاكم الحبيسة .

ومن الالتزامات القانونية التزامات الحوار ، ويرجع فيها إلى نصوص القانون المدني في الكثرة الغالبة من الأحوال . وهذه النصوص تفرض على الجيران التزامات كثيرة متنوعة ، منها إزالة مضار الجوار إذا جاوزت الحد المألوف ، ومنها الالتزامات الناشئة عن الحائط المشترك والحائط الملاصق ، ومنها الالتزامات الناشئة عن الشيوع في الملك .

وكان المشروع التمهيدي للقانون الجديد يتضمن نصاً ينشئ التزاماً قانونياً في ذمة كل من حاز شيئاً أو أحرزه ، بأن يعرض هذا الشيء على من يدعى حقاً متعلقاً به ، متى كان فحص الشيء ضرورياً للبت في الحق المدعى به من حيث وجوده ومداه . ولكن لجنة المراجعة حذفت هذا النص لأنه أدخل في باب المرافعات ( [3] ) .

 وما قدمناه من التطبيقات يتعلق بالتزامات قانونية مبينة على وقائع مادية . وكذلك الحال في الالتزامات القانونية المبينة على الإرادة المنفردة . وقد أوردنا طائفة منها فيما قدمناه . فهذه أيضاً تتكفل النصوص القانونية التي أنشأتها بتعيين أركانها وبيان أحكامها . وقد رأينا تطبيقاً لذلك في الإيجاب الملزم . وننتقل الآن لتطبيق آخر في الوعد بجائزة ، ونفرد له مطلباً خاصاً .

 المطلب الثاني

 تطبيق خاص

 الوعد بجائزة ( الجعالة )

912 – النصوص القانونية :نصت المادة 162 من القانون المدني الجديد على مايأتي

 ” 1 – من وجه الجمهور وعداً بجائزة يعطيها عن عمل معين التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل ، ولو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها ” .

 ” 2 – وإذا لم يعين الواعد أجلاً للقيام بالعمل ، جاز له الرجوع في وعده بإعلان للجمهور ، على إلا يؤثر ذلك على حق من أتم العمل قبل الرجوع في الوعد . وتسقط دعوى المطالبة بالجائزة إذا لم ترفع خلال ستة أشهر من تاريخ إعلانه العدول للجمهور ( [4] ) .

وقد أنشأ هذا النص التزاماً قانونياً بناه على الإرادة المنفردة . فالنص إذن هو الذي يعين أركان هذا الالتزام القانوني ، وهو الذي يبين أحكامه .

913 – أركان التزام الواعد بالجائزة : ويتبين من النص أن التزام الواعد بجائزة يقوم بتوافر الأركان الآتية :

 ( 1 ) أن تصدر من الواعد إرادة باتة ، وهذه هي الإرادة المنفردة فيجب أن تصل الإرادة مرحلة البتات كما في الإيجاب البات . ويجب أيضاً أن يكون الواعد ذا أهلية كاملة للالتزام بما وعد به ، وأن تخلو إرادته من العيوب فلا يشوبها غلط أو تدليس أو إكراه أو استغلال . ويجب أن تقوم الإرادة على محل مستوف لشرائطه ، وأن تتجه إلى سبب مشروع .

 ( 2 ) أن توجه الإرادة إلى الجمهور . فإذا وجهت إلى شخص معين أو أشخاص معينين ، خرجت عن أن تكون وعداً بجائزة بالمعنى المقصود ، وسرت عليها قواعد الإيجاب فلا بد من أن يقترن بها القبول ، وتصبح عندئذ عقداً لا إرادة منفردة . فتوجيه الإرادة إلى الجمهور ، أي إلى أشخاص غير معينين بالذات ، وهو الذي يكسو الوعد بجائزة طابعه الذي يتميز به .

 ( 3 ) أن يكون توجيه الإرادة للجمهور عن طريق علني . ويكون ذلك بطريق من طرق النشر المعروفة ، كالإعلان في الصحف أو توزيع النشرات أو المناداة في الطرقات . والمهم هو أن توجه الإرادة للجمهور بطريق علني ، وان تكون العلانية كافية حتى يتيسر لعدد كبير من الناس أن يعلم بهذه الإرادة .

 ( 4 ) أن تتضمن الإرادة أمرين على الأقل : ( أولاً ) جائزة معينة يلتزم الواعد بإعطائها للفائز بها . وقد تكون الجائزة مبلغاً من النقود ، أو شيئاً آخر له قيمة مالية كأسهم أو سندات أو سيارة أو منزل أو كتاب أو دفع نفقات رحلة أو نحو ذلك . ولا شئ يمنع من أن تكون الجائزة قيمتها أدبية ، كوسام أو شارة أو كأس أو أية علامة أخرى من علامات التقدير . ( ثانياً ) شيئاً معيناً يقوم به الفائز حتى يستحق الجائز ، كالعثور على شئ ضائع أو وضع أفضل تصميم هندسي أو النجاح في امتحان أو الفوز في مسابقة أو الاهتداء إلى دواء أو الكشف عن اختراع أو نحو ذلك . ويستوي أن يكون الوعد قد حددت له مدة أو لم تحدد ، ففي الحالتين يلتزم الواعد ، ولكن كل حالة لها حكمها على ما سنرى .

914 – أحكام الالتزام – الوعد حددت له مدة :

فإذا اجتمعت الأركان المتقدمة الذكر ، قام التزام الواعد ، وترتب عليه حكمه . وهنا يجب التمييز بين ما إذا كان الوعد قد حددت له مدة يجب إنجاز العمل المطلوب في خلالها وما لم تكن هناك مدة محددة .

فإذا كان الواعد قد حدد مدة اشتراط أن يتم العمل في خلالها ، التزم نهائياً بإرادته ، ولم يكن له حق الرجوع . فإذا انقضت هذه المدة دون أن يقوم أحد بالعمل المطلوب ، انقضى التزام الواعد بانقضاء مدته ، ولو قام بعد ذلك شخص بهذا العمل . ولا يكون الواعد في هذه الحالة مسئولاً نحو هذا الشخص بمقتضى الوعد ، ولكن قد يكون مسئولاً نحوه بمقتضى الإثراء بلا سبب .

أما إذا تم القيام بالعمل المطلوب في خلال المدة المحددة ، أصبح من قام بهذا العمل دائناً للواعد بالجائزة الموعودة ، سواء قام بالعمل عن رغبة في الحصول على الجائزة أو لم تكن عنده هذه الرغبة ، بل سواء كان يعلم بالجائزة وقت قيامه بالعمل أو لم يكن يعلم بها ، وسواء أتم العمل بعد إعلان الجائزة أو قبل إعلانها ( [5] ) . وهذا هو الذي يجعل الالتزام بالوعد التزاماً بإرادة منفردة ، فإن الواعد يصبح ملتزماً بإعطاء الجائزة بمجرد أن يتم العمل ، حتى لو كان من قام بالعمل يجهل وجود الجائزة ، أو قام به قبل إعلان الجائزة ، فلا يتصور أن يكون هناك عقد تم بينه وبين الواعد ، ولا يبقى إلا أن يكون الواعد قد التزم بإرادته المنفردة ( [6] ) .

915 – الوعد لم تحدد له مدة : أما إذا لم يحدد الواعد مدة يتم العمل في خلالها ، التزم الواعد رغم ذلك بالوعد الصادر منه . فإذا قام شخص بالعمل المطلوب في مدة معقولة ( [7] ) . استحق الجائزة حتى لو لم يكن يعلم بها ، أو علم ولكنه قام بالعمل دون رغبة فيما ، لأن الواعد إنما يلتزم ، كما قدمنا ، بإرادته المنفردة .

ولكن الواعد ، ما دام لم يحدد مدة لوعده ، يكون له حق الرجوع فيه . ويكون الرجوع في الوعد بالعلانية ذاتها التي تم بها الوعد . وهنا لا تخلو الحال ، في الفترة ما بين إعلان الوعد والرجوع فيه ، ومن أحد فرضين : فإما إلا يكون أحد قد أتم العمل المطلوب ، وإما أن يكون هناك من أتم هذا العمل .

فإذا لم يكن هناك أحد قد أتم العمل ، تحلل الواعد نهائياً من نتائج وعده بعد أن رجع فيه . وهذا صحيح على إطلاقه إذا لم يكن هناك أحد قد بدأ في تنفيذ العمل المطلوب . أما إذا كان هناك من بدأ في تنفيذ هذا العمل ولكنه لم يتمه ، فإن له الرجوع على الواعد بتعويض عادل ، هو قيمة ما أصابه من الضرر دون مجاورة لمقدار الجائزة ، ولكن لا بمقتضى الوعد الذي سقط بالرجوع فيه ، بل بمقتضى قواعد المسئولية التقصيرية . ويترتب على ذلك أن الرجوع على الواعد في هذه الحالة يتقادم بالمدة التي تتقادم بها المسئولية التقصيرية ، أي بثلاث سنوات من وقت علم الدائن بالضرر الذي أصابه وبالمسئول عنه أو بخمس عشرة سنة من وقت وقوع الضرر ( [8] ) .

أما إذا كان العمل المطلوب قد تم قبل رجوع الواعد ، واستحق من قام بالعمل الجائزة كاملة ، ولم يؤثر في حقه رجوع الواعد في وعده . ذلك أنه أتم العمل قبل الرجوع ، أي في وقت كان الوعد فيه قائماً وكان الواعد ملتزماً ، فأصبح دائناً بالجائزة بمجرد أن قام بالعمل . ولا يؤثر في حقه هذا أن يكون قد قام بالعمل دون نظر إلى الجائزة أو أن يكون قد قام به وهو لا يعلم بالجائزة أو قبل إعلان الجائزة ، ففي جميع هذه الأحوال يكون الواعد ملتزماً بالجائزة . وذلك بمقتضى إرادته المنفردة ( [9] ) .

فهناك إذن أحوال ثلاثة يكون الواعد فيها ملتزماً بالجائزة كاملة بمقتضى إرادته المنفردة ( 1 ) إذا حدد مدة وقام الفائز بالعمل في خلال هذه المدة .

 ( 2 ) إذا لم يحدد مدة ولم يرجع في وعده وقام الفائز بالعمل .

 ( 3 ) إذا لم يحدد مدة ورجع في وعده ولكن الفائز قام بالعمل قبل الرجوع . وفي الحالتين الأوليين يتقادم التزام الواعد بخمس عشرة سنة وفقاً للقواعد العامة ، لأنه التزم إرادي ولم يرد في تقادمه نص خاص . وفي الحالة الثالثة يسقط التزام الواعد إذا لم ترفع دعوى المطالبة بالجائزة في خلال ستة أشهر من تاريخ إعلان الرجوع وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 162 وقد تقدم ذكرها . والظاهر أن هذه المدة الأخيرة هي مدة إسقاط ( decheance ) لا مدة تقادم ( prescription ) ، فلا يرد عليها الوقف ولا الانقطاع . والسبب في قصر المدة في الحالة الثالثة ، وفي جعلها مدة إسقاط لا مدة تقادم ، هو – كما جاء في تقرير لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ – قطع السبيل على كل محاولة مصطنعة يراد بها استغلال الوعد بجائزة بعد إعلان العدول ، وحسم المنازعات التي تنشأ بسبب تقادم العهد على الجائزة ، وصعوبة الإثبات ( [10] ) . ويمكن القول ، من ناحية التكييف القانوني ، إن الواعد بالجائزة رتب في ذمته التزاماً بإرادته المنفردة – من وقت توجيه هذه الإرادة إلى الجمهور – لدائن غير معين أن يعطيه الجائزة إذا هو قام بالعمل المطلوب فيكون الالتزام معلقاً على شرط واقف هو قيام شخص بالعمل المطلوب في المدة المعينة أو في مدة معقولة . فإذا تحقق الشرط أصبح الالتزام حالاً ، ولا يتقادم إلا بخمس عشرة سنة من وقت تحقيق الشرط ، وهذا في غير الحالة الثالثة التي ورد فيها نص خاص جعل مدة التقادم ستة أشهر .


 ( [1] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 493 – وانظر آنفاً فقرة 901 في الهامش . ويلاحظ أن المادة 272 من المشروع التمهيدي وهي التي تقابل المادة 198 من القانون المدني الجديد ، لم تعرض إلا للالتزامات القانونية المبنية على وقائع مادية ، لأن الإرادة المنفردة في المشروع التمهيدي كانت مصدراً عاماً للالتزام كما قدمنا ، فلم تدخل الالتزامات الناشئة عنها في نطاق هذا النص ومن ثم كان مفهوماً أن تنص الفقرة الثانية من المادة 272 على أنه لا تشترط أية أهلية في الالتزامات القانونية .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، في صدد الأهلية في الالتزامات القانونية المبنية على وقائع مادية ، ما يأتي : ” وتنشأ الالتزامات المقررة بنص القانون استقلالاً عن إرادة ذوى الشأن ، فهي لا تقتضي فهم أهلية ما المادة 120 من التقنين اللبناني ) . ومع هذا فقد يتطلب القانون أهلية خاصة بالنسبة لبعض هذا الالتزامات ، مراعياً في ذلك أنها لا تترتب بمعزل عن الإرادة . ومن هذا القبيل ما يقع من الالتزامات على عاتق الفضولي ، إذ يشترط القانون لترتبه أن يكون من يتصدى لشأن من شؤون الغير تفضلاً أهلاً للتعاقد ، . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 492 – ص 493 ) .

 ( [2] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 19 أبريل سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 رقم 111 / 1 ص 191 – وانظر في القضاء المختلط في مناسبة دين النفقة المنصوص عليه في القانون المدني القديم مواد 154 – 157 / 216 – 220 ) تعليقات الأستاذ بطوروس على القانون المدني القديم جزء 2 ص 601 – ص 605 .

 ( [3] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 492 في الهامش . هذا والنص المشار إليه هو المادة م 27 من المشروع التمهيدي ، وكان يجري على الوجه الآتي ” ” 1 – كل من حاز شيئاً أو أحرزه يلتزم بعرضه على من يدعى حقاً متعلقاً بسندات أو أوراق أخرى ، فاللقاضى أن يأمر بعرضها على ذي الشأن وبتقديمها عند الحاجة إلى القضاء ، ولو كان ذلك لمصلحة شخص لا يريد إلا أن يستند إليها في إثبات حق له . 2 – على أنه يجوز للقاضي أن يرفض إصدار الأمر بعرض الشيء إذا كان لمن أحرزه مصلحة مشروعة في الامتناع عن عرضه . 3 – ويكون عرض الشيء في المكان الذي يوجد فيه وقت طلب العرض ، ما لم يعين القاضي مكاناً آخر . وعلى طالب العرض أن يقوم بدفع نفقاته مقدماً وللقاضي أن يعلق عرض الشيء على تقديم كفالة تضمن لمن أحرز الشيء تعويض ما قد يحدث له من ضرر بسبب العرض ” وقد جاء في النظرة العامة للمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ما يأتي :ومع ذلك فقد رؤى أن ينص استثناء على الالتزام بتقديم شيء . ذلك أن هذا الالتزام لم يظفر بمكان في سائر نواحي التشريع ، ولهذا أفراد له نص خاص أخذ عن المشروع الفرنسي الإيطالي . ويراعى أن هذا المشروع قد استلهم في هذا الشأن ما ورد من الأحكام في التقنين الألماني والسويسري ” . وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : ” 1 – يدخل الالتزام بتقديم شيء من نطاق الالتزامات المقررة بنص القانون . ويقتضي ترتيب هذا الالتزام اجتماع شروط ثلاثة :1 ) أولها أن يدعى شخص بحق يتعلق بشيء ، شخصياً كان الحق أم عينياً .

ب ) والثاني أن يكون الشيء المدعي به في يد شخص آخر على سبيل الحيازة أو الإحراز ، سواء أكان هذا الشخص خصماً في الدعوى أم لم يكن فيها .

ج ) والثالث أن يكون فحص الشيء ضرورياً للبت في الحق المدعي به من حيث وجوده ومداه ، ويرجع تقدير هذه الضرورة للقاضي . فيجوز مثلاً لمالك الشيء المسروق أن يطالب من يشتبه في حيازته له بعرضه عليه ليتثبت من ذاتيته . ويجوز ذلك لوارث المهندس أن يطلب تمكينه من معاينة الترميمات التي أجراها مورثه ، حتى يتسنى له أن يعين مدى حقه في الأجراء بعد أن آل إليه هذا الحق من طريق الميراث .

2 – فإذا كان الشيء الذي يطلب عرضه سنداً أو وثيقة فيلاحظ أمران : أولهما أن فحص الوثيقة قد يكون ضرورياً لا للبث في وجود الحق المدعى به وتعيين مداه ، بل لمجرد الاستناد إليها في إثبات حق للطالب . والثاني أن للقاضي أن يأمر ، عند الإقتضاء ، بتقديم الوثيقة للمحكمة لا مجرد عرضها على الطالب . فيجوز مثلاً لمشترى الأرض ، إذا تعهد بالوفاء بما بقى من ثمن آلة زراعية ملحقة بها ، أن يطلب عرض الوثائق الخاصة بتعيين القدر الواجب أداؤه من هذا الثمن . ويجوز كذلك لموظف يدعى أنه عزل تعسفاً أن يطلب تقديم ملف خدمته للقضاء ، ليستخلص منه الدليل على التعسف .

3 – فإذا اجتمعت الشروط المتقدم ذكرها ، جاز للقاضي أن يأمر بعرض الشيء أو الوثيقة المطلوبة ، إلا أن يتمسك المدين بمصلحة مشروعة أو سبب قوى للامتناع ، كالحرص على حرمة سر عائلي مثلاً . والأصل في العرض أن يحصل حيث يوجد الشيء وقت رفع الدعوى ، ولكن يجوز للقاضي أن يحكم بغير ذلك ، كما هو الشأن في تقديم الشيء أمام القضاء وتكون نفقات العرض على عاتق من يطلبه ، ويجوز إلزامه ، إذا رأي القاضي ذلك ، بتقديم تأمين لضمان تعويض ما قد يصيب محرز الشيء من ضرر من وراء هذا العرض ” مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 490 و ص 491 – ص 492 في الهامش ) .

وبعد أن حذف هذا النص الجامع ، لم يعد هناك إلا نصوص متناثرة في قوانين مختلفة لا تتسع لما كان هذا النص يتسع له من ذلك ما جاء في المادة 16 من قانون التجارة : ” لا يجوز للمحكمة في غير المنازعات التجارية أن تأمر بالاطلاع على الدفترين المتقدم ذكرهما ولا على دفتر الجرد إلا في مواد الأموال المشاعة أو مواد التركات وقسمة الشركات وفي حالة الإفلاس ، وفي هذه الأحوال يجوز للمحكمة يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالاطلاع على تلك الدفاتر ” . وما جاء في هذه الأحوال يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالاطلاع على تلك الدفاتر ” . وما جاء في المادة 253 من قانون المرافعات الجديد : ” يجوز للخصم في الحالات الآتية أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة في الدعوى تكون تحت يده : 1 – إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمها أو تسليمها . 2 – إذا كانت مشتركة بينه وبين خصمه ، وتعتبر الورقة مشتركة على الأخص إذا كانت محررة لمصلحة الخصمين أو كانت مثبتة لالتزاماتها وحقوقها المتبادلة . 3 – إذا استند إليها خصمه في أية مرحلة من مراحل الدعوى ” . وما جاء في المادة 259 من قانون المرافعات الجديد : ” يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى ولو أمام محكمة الاستئناف أن تأذن في إدخال الغير لإلزامه بتقديم ورقة تحت يده ، وذلك في الأحوال ومع مراعاة الأحكام والأوضاع المنصوص عليها في المواد السابقة ” . أنظر المواد 185 إلى 188 من قانون المرافعات الجديد .

 ( [4] ) تاريخ النص :ورد هذا النص في المادة 229 من المشروع التمهيدي على : 1 – الوجه من وجه للجمهور وعداً أن يعطي جائزة لمن يقوم بعمل معين ، التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل ، حتى لو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة . 2 – وإذا لم يحدد الواعد أجلاً للقيام بالعمل ، جاز له الرجوع في وعده بإعلان للجمهور ، على ألا يؤثر ذلك في حق من قام بالعمل قبل الرجوع في الوعد . 3 – أما إذا كان هناك من بدأ في العمل بحسن نية قبل إعلان الرجوع في الوعد ، فإن الواعد ما لم يثبت أن النجاح المنشود لم يكن ليتحقق ، يلتزم أن يرد إليه ما صرف على ألا يجاوز في ذلك قيمة الجائزة الموعودة بها . وتسقط الدعوى باسترداد ما صرف بانقضاء ستة شهور من يوم إعلان الرجوع في الوعد ” . وقد حذفت لجنة المراجعة الفقرة الثانية وإدخال بعض التعديلات اللفظية ، فأصبح النص النهائي ما يأتي : ” 1 – من وجه للجمهور وعداً بجائزة يعطيها لمن يقوم بعمل معين التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل ، حتى لو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة .

2 – وإذا لم يحدد الواعد أجلاً للقيام بالعمل قبل الرجوع في الوعد . فإذا كان قد بدأ العمل دون أن يتمه ، جاز الحكم له بتعويض عادل لا يجاوز في أي حال قيمة الجائزة ” . فأصبح رقم المادة 166 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ جرت مناقشات طويلة ، انتهت بأن أضافت اللجنة إلى الفقرة الأولي عبارة أو دون علم بها ” وهذه الإضافة تجعل المعنى أوضح لأن المقصود هو أن يلتزم من يعد بإعطاء الجائزة بما تعهد بأدائه ما دام الطرف الآخر قد قام بالعمل الذي خصصت الجائزة له ولو كان لم يعلم بهذا التعهد . وحذفت اللجنة من آخر الفقرة الثانية عبارة ” فإذا كان قد بدأ العمل دون أن يتمه جاز الحكم له بتعويض عادل لا يجاوز في أي حال قيمة الجائزة ” ، وقد راعت اللجنة في الحذف أن تترك المسألة للقواعد العامة ، فضلاً عن أن نص المشروع يفضي إلى منازعات كثيرة غير عادلة . وأضافت حكماً جديداً أفرغته في العبارة الآتية : ” وتسقط دعوى المطالبة بالجائزة إذا لم ترفع خلال ستة أشهر من تاريخ إعلان العدول للجمهور ” ، وقد راعت اللجنة في هذه الإضافة أن تقطع السبيل على كل محاولة مصطنعة يراد بها استغلال الوعد بالجائزة بعد إعلان العدول وحسم المنازعات التي تنشأ بسبب تقادم العهد على الجائزة وصعوبة الإثبات ، ولذلك جعلت مدة السقوط ستة أشهر . واصبح رقم المادة 162 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 338 – ص 349 ) .

وقد جاء في النظرة العامة للمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي ” عمد المشروع إلى إيراد أهم تطبيق من تطبيقات الإرادة المنفردة ، فعرض لأحكام الوعد بالجائزة إذا وجه للجمهور ، وخالف المشروع الفرنسي الإيطالي بشأنها ، فلا يزال هذا المشروع مبقياً الإطلاق أن يقال إن هذا التكييف التعاقدي يرد إلى ما للوعد من خصيصة تبادلية ، وأن الوعد لا يتم إلا برضاء يصدر من إرادتين المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي ص 56 ) ، فالواقع أنه لا يقصد إلى مجرد استظهار معنى إتمام أحكام الوعد باشتراك إرادتين ، وهو من يتحقق في كل الأحوال . بل الجوهري . بل الجوهري في هذا الصدد هو إبراز وجه انفراد الإرادة بترتيب التزام الواعد ، فهو يلتزم بمشيئته وحدها إزاء من يقوم بالعمل ولو كان يجهل صدور الوعد . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 336 ) .

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي

أنظر في نصوص التقنيات الحديثة في الوعد بجائزة م 657 و 658 من التقنين الألماني وم 8 من تقنين الالتزامات السويسري وم 4 من المشروع الفرنسي الإيطالي ) نظرية العقد للمؤلف فقرة 190 .

 ( [5] ) وقد أضافت لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ إلى آخر الفقرة الأولي من المادة 162 عبارة ” أو دون علم بها ” لتشمل الفقرة ” الصور التي تكون فيها جوائز يعلن عنها الجمهور عن أعمال تمت قبل أو بعد الوعد ، ولو كان الشخص القائم بالعمل به دون علم بوجود الجائزة ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 344 – ص 345 ) .

 ( [6] ) وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” يجب التفريق بصدد هذا الوعد بين ما كان الواعد قد حدد مدة لوعده ، وبين ما إذا كان قد ترك المدة دون تحديد . ففي الحالة الأولي يلتزم الواعد نهائياً بمشيئة وحدها ، دون أن يكون له أن يعدل عن وعده خلال المدة المحددة . فإذا انقضت هذه المدة ولم يقم أحد بالعمل قبل انتهاء المدة ، فيصبح من قام به دائناً بالجائزة من فوره ، ولو لم يصدر في ذلك عن رغبة في الحصول عليها ، بل ولو كان جاهلاً بالوعد . وفي هذا ما ينفي عن الوعد بالجائزة صفته العقدية ، فهذه الصفة ليست في رأي المشرع من مستلزماته ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 339 ) .

 ( [7] ) تقول في مدة معقولة لأن التزام الواعد ، كما سنرى ، معلق على شرط واقف هو قيام شخص بالعمل المطلوب في وقت يجدي فيه القيام بهذا العمل . وإذا وقع خلاف في تقدير المدة المعقولة فصل القاضي في ذلك .

 ( [8] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أما في الحالة الثانية ، حيث لا يحدد أجل لأداء العمل المطلوب ، فيلتزم الواعد رغم ذلك بالوعد الصادر من جانبه . ولكن يكون له أن يعدل عنه ، وفقاً للأوضاع التي صدر بها ، بأن يحمل العدول علنا بطريق النشر في الصحف أو اللصق مثلاً . ولا تخلو الحال في الفقرة التي تمضي بين إعلان الوعد والرجوع فيه من أحد فروض ثلاثة : أ ) فإذا لم يكن قد بدئ في تنفيذ العمل المطلوب ، تحلل الواعد نهائياً من نتائج وعده . ب ) وإذا كان قد بدئ في تنفيذ هذا العمل دون أن يبلغ مرحلة الإتمام ، التزم الواعد أن يرد إلى من بدأ في هذا التنفيذ ما أنفقه ، على ألا يجاوز في ذلك قيمة الجائزة الموعود بها . ولا يعتبر الوعد الذي عدل عنه أساساً لهذا الالتزام بل هو رد في أساسه إلى أحكام المسئولية التقصيرية المقررة في نصوص القانون . وتسقط هذه المسئولية في حالتين : أولاهما حالة سقوط الدعوى باسترداد ما أنفق بانقضاء ستة اشهر من يوم إعلان الرجوع في الوعد ، والثانية حالة إقامة الواعد الدليل على أن النجاح المنشود لم يكن ليتحقق لو أن ما بدئ في تنفيذ قد تم ، إذ تنعدم في هذه الحالة رابطة السيبية بين الضرر الذي أصاب من تحمل النفقات ورجوع الواعد في وعده . وكذلك يكون الشأن في حالة البدء في تنفيذ العمل المطلوب قبل إعلان العدول وإتمامه بعد هذا العدول . جـ ) … … ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 339 – ص 340 ) .

ويلاحظ أن المشروع التمهيدي م 229 فقرة 3 ) كان ينص على ما يأتي : ” أما إذا كان هناك من بدأ في العمل بحسن نية قبل إعلان الرجوع في الوعد ، فإن الواعد ، ما لم يثبت أن النجاح المنشود لم يكن ليتحقق ، يلتزم أن يرد إليه ما صرف على ألا يجاوز في ذلك قيمة الجائزة الموعود بها . وتسقط الدعوى باسترداد ما صرف بانقضاء ستة شهور من يوم إعلان الرجوع في الوعد ” . وهذا يفسر ما ورد في المذكرة الإيضاحية في هذا الشأن . وقد عدلت لجنة المراجعة هذا النص ، كما قدمنا ، على الوجه الآتي : ” فإذا كان قد بدأ العمل دون أن يتسنى جاز الحكم له بتعويض عادل ، لا يجاوز في أي حال قيمة الجائزة ” . الأعمال التحضيرية 2 ص 338 و ص 341 )

 ( [9] ) أنظر في هذا المعنى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 340 . وجاء في المذكرة ذاتها ختاماً لهذا الموضوع ما يأتي :

 ” وليس يبقى بعد هذا سوى بعض مسائل تفصيلية عرضت لها التقنيات الأجنبية بأحكام تشريعية خاصة ، واغفل المشروع ذكرها ، مكتفياً في شأنها بتطبيق القواعد العامة . فالمادة 659 من التقنين الألماني تنص على أنه ” إذا نفذ العمل الذب بذلت الجائزة من أجله أكثر من شخص واحد ، كانت الجائزة للأسبق فإذا تعدد المنفذون في وقت وأحد ، كانت الجائزة سوية بينهم : انظر أيضاً المادة 17 من كل من التقنينين التونسي والمراكشي ) . وكذلك تنص المادة 660 من التقنين الألماني على أنه ” إذا تعاون عدة أشخاص في تحقيق النتيجة التي بذلت الجائزة من أجلها وجب على الواعد أن يقسم الجائزة بينهم على أساس تقدير عادل ، قوامه ما يكون لكل منهم من نصيب في تحقيق هذه النتيجة ” . ويقضي التقنين البولوني في المادة 106 ببطلان ” الوعد الموجه إلى الجمهور يمنح جائزة لأفضل عمل يقدم في مسابقة ، إذا لم يحدد الإعلان ميعاداً للتقدم في هذه المسابقة ويكون للواعد الحق في تقرير ما إذا كان هناك محل لمنح الجائزة ، ولأي عمل تمنح ، إلا إذا كان قد بين في إعلانه طريقاً آخر للفصل في نتيجة المسابقة . ولا يكسب الواعد ملكية العمل الذي استحق الجائزة ، أو حقوق منشئة فيه ، إلا إذا كان قد احتفظ لنفسه بهذا الحق في الإعلان ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 340 – ص 341 ) .

 ( [10] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 347 .

نقلا عن محامي أردني

 النص هو الذي ينشئ الالتزام القانوني

 النص هو الذي ينشئ الالتزام القانوني

903 – هل هناك سياسة تشريعية توخاها القانون في إنشاء الالتزامات القانونية :

رأينا أن المصدر المباشر للالتزامات القانونية هو القانون ذاته ، فلا توجد وسيلة إلى معرفة الالتزامات القانونية وتحديدها إلا الرجوع إلى النصوص القانونية . فأينما نجد نصاً ينشئ التزاماً ، فثم التزام قانوني . وقد يبدو أن الالتزامات القانونية ، وقد وكل أمر إنشائها إلى النصوص ، تخلقها هذه النصوص تحكماً ، دون أن تكون هناك في إنشائها سياسة مرسومة . فحيث يستحسن المشرع إنشاء التزام قانوني ، أنشأ هذا الالتزام بنص تشريعي . وهذا هو الظاهر . ولكن الواقع من الأمر أن المشرع يخضع في إنشاء الالتزامات القانونية ، كما يخضع في إنشاء سائر العلاقات القانونية ، إلى سنن طبيعية يطيعها عن شعور أو عن غير شعور .

ونبين كيف يخضع المشرع لهذه السنن الطبيعية في إنشاء الالتزامات القانونية .

 المطلب الأول

 الالتزامات القانونية التي تستند إلى الوقائع المادية

904 – الالتزامات السلبية : بديهي أن الإنسان يلتزم بإرادته في الحدود التي يسمح بها القانون . فالالتزام الإداري لا عناء في تبريره . وحيث يوجد التزام ر يقوم على الإدارة ، فالقانون هو الذي أوجده .

والقانون في إنشائه للالتزامات غير الإدارية يدخل في حسابه اعتبارات أدبية واجتماعية . ولكنه لا يستطيع أن ينقاد لهذه الاعتبارات وحدها ، بل يجب عليه أن يراعي اعتبارات أخرى في الصياغة القانونية ، أهمها أنه لا يستطيع أن يصوغ التزاماً مبهماً غير محدد ، أيا كانت المبررات الأدبية والاجتماعية لإنشائه . فهو لا يستطيع أن ينشئ التزاماً إيجابياً يفرض على كل شخص أن يساعد غيره او أن يغيثه عند الحاجة . مثل هذا الالتزام غير المحدد مقضي عليه أن يبقى في دائرة الآداب والاجتماع . ويتناول القانون في رفق بعض نواحيه ، فيبرر منها ما يتمكن من تحديده ، ويصوغه التزامات قانونية ، فينتقل بذلك من عالم الأخلاق والاجتماع إلى عالم القانون .

وأول ما استطاع القانون أن يفعل ذلك كان في الالتزامات السلبية ، لأنها أسهل تحديداً وأخف عبئاً وأظهر حاجة . فأوجد التزامين قانونيين أخذ بهما الناس كافة . قال في الأول منهما : لا تضر بالغير دون حق ، فوجد العمل غير المشروع مصدراً عاماً للالتزام . وقال في الثاني : لا تثر على حساب الغير دون سبب ، فوجد الإثراء دون سبب مصدراً عاماً آخر .

وهنا وقف القانون . ولم يستطع أن يخطو خطوة ثالثة ليضع قاعدة عامة كالقاعدتين الأوليين . ذلك أنه كان يقرر في هاتين القاعدتين التزامات سلبية . فإذا هو خرج من المنطقة السلبية إلى المنطقة الإيجابية ، ومن النهي عن الإضرار والإثراء إلى الأمر بالمعاونة والمساعدة ، فثم العسر والتحكم ، إذ تختلط الحدود ، وتنبهم الضوابط .

905 – الالتزامات الإيجابية : على أن القانون لم يسعه أن يقف عند هذه الحدود السلبية ، بل تقد إلى المنطقة الإيجابية ولكن في كثير من الأناة . وإذا كان قد استطاع كما قدمنا أن يقول في عبارة عامة : لا تضر بالغير ، ولا تثر على حساب الغير ، فإنه لم يستطع أن يقول : ساعد الغير ، في عبارة لها ذات العموم والشمول . قال :ساعد الغير ، ولكن في مواطن معينة رسم حدودها وأحكم ضوابطها .

فبدأ بمن ساعد الغير فعلاً من تلقاء نفسه – الفضولي – وقال له عليك أن تمضى في عملك ما دمت قد بدأته ، وعليك أن تبذل فيه عناية محمودة . وعليك أن تقدم عنه حساباً . هذه هي الالتزامات القانونية التي ترتبها النصوص في ذمة الفضولي ، ومصدرها القانون كما سبق أن قررنا . ثم سار خطوة أوسع ، وأوجب مساعدة الغير ابتداء . ولكنه لم يستطيع أن يرسم في ذلك التزامات محدودة إلا في نطاق محدود الأسرة وأفرادها يتصل بعضهم ببعض أوثق الاتصال ، ونطاق الجيران والصلة فيما بينهم قائمة موطدة ، ونطاق أصحاب المهنة ، ونطاق الجمعيات والنقابات ، بل نظر في حالات نادرة إلى الأمة كجماعة واحدة وأوجب على أفرادها التزامات قانونية نحو المجموع أي نحو الدولة .

أما في نطاق الأسرة ، فقد أنشأ التزامات قانونية مختلفة . من ذلك التزامات الزوجية ، والالتزامات ما بين الأبوين والأبناء ، والالتزامات المتعلقة بالولاية والوصاية والقوامة ، والالتزام بالنفقة ، وغير ذلك من التزامات الأسرة . وكلها تقوم على التضامن الواجب فيما بين أفرادها .

أما في نطاق الجوار ، فهناك التزامات سلبية ، كوجوب الامتناع عن إحداث مضار فاحشة للجيران ، وعدم الإطلال على الجار من مسافة معينة وهناك التزامات إيجابية ، كالتزام الجار نحو جاره في الشرب والمجرى والمسيل والمرور ، وكالالتزامات التي تنشأ بسبب ملكية الطبقات في المبنى الواحد .

وفي نطاق المهنة ، أوجد القانون في ذمة رب العمل التزامات نحو عماله في تعويضهم عن مخاطر العمل ، وأوجد في ذمة أصحاب المهنة الواحدة التزامات نحو عملائهم فيحتفظون بأسرار المهنة ويبادرون إلى إسعاف من يحتاج إلى معونتهم ، ويتخرطون في سلك هيئة واحدة .

وفي نطاق الجمعيات والنقابات ، أنشأ التزامات مختلفة في ذمة أعضاء هذه الجمعيات والنقابات تقوم على التعاون فيما بينهم .

ونظر القانون إلى الأمة كجماعة واحدة ، فأنشأ التزامات في ذمة أفرادها نحو الدولة ، أهمها الالتزام بدفع الضرائب .

والقانون في كل ما قدمناه يتوخى سياسة واحدة : لا ينشئ التزاماً قانونياً إلا وهو يقوم على التضامن الاجتماعي ، ثم يكون هذا الالتزام محدد المعالم . معروف المدى ، منضبط الحدود . وقد ترك التعميم إلى التخصيص مد جاوز النطاق السلبي إلى النطاق الإيجابي ، فانتقل من الالتزامات العامة التي يكون مصدرها المباشر واقعة مادية ، إلى التزامات قانونية محددة تقوم مباشرة على نصوص قانونية خاصة .

 المطلب الثاني

الالتزامات القانونية التي تستند إلى الإدارة المنفردة ( ( [1] ) )

906 – هل تستطيع الإرادة المنفردة أن تفشي التزاماً ( [2] ) : رأينا فيما تقدم أن العقد ، وهو تطابق إرادتين ، يعتبر مصدراً عاماً للالتزام ، فيما هي قيمة الإدارة المنفردة ، وهل تستطيع أن تنشئ التزاماً ؟ وإذا كانت تنشئ الالتزام ، فهل هي كالعقد مصدر عام للالتزام ، أو أن القانون يقتصر على الاستناد إليها لإنشاء التزامات قانونية محدودة بمقتضى نصوص قانونية خاصة؟

لاشك في أن الإرادة المنفردة ، وهي عمل قانوني صادر من جانب وأحد ( acte juridique unilatereal ) ، تنتج آثاراً قانونياً مختلفة فقد تكون سبباً لكسب الحقوق العينية كالوصية ، وسبباً لسقوطها كالنزول عن حق ارتفاق أو حق رهن ، وقد تثبت حقاً شخصياً ناشئاً عن عقد قابل للإبطال كالإجازة ، وقد تجعل عقداً يسري على الغير كالإقرار ، وقد تنهى رابطة عقدية كعزل الوكيل أو نزوله عن الوكالة . أما بالنسبة إلى إنشاء الحق الشخصي ( الالتزام ) أو إسقاطه ، فالإرادة المنفردة في القانون المدني الجديد تسقط الحق الشخصي بالإبراء ( م 371 ) ، وبقي أن نعرف هل هي أيضاً تنشئ الحق الشخصي؟ وقبل أن نعالج هذه المسألة في القانون المدني الجديد ، نستعرض فيها نظريتين متعارضتين . فالنظرية الفرنسية تذهب إلى أن الالتزام الذي يتولد عن عمل قانوني لا يكون مصدره إلا عقداً أي توافق إرادتين ، أما الإرادة المنفردة فلا تولد التزاماً . وهذه قاعدة ورثها القانون الفرنسي من تقاليد القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم ، وأصبحت من القواعد المتفق عليها فقها وقضاء في فرنسا ( [3] ) وفي مصر في عهد القانون القديم ( [4] ) . ولكن نظرية ألمانية ذهبت إلى أن الإرادة المنفردة تنشئ التزاماً . وعلى رأس القائلين بهذه النظرية من الفقهاء الألماني سيجل ( sieget ) ، فقد ذهب إلى أن تقاليد القانون الحرماني تساعد على الاعتراف بتوليد الإرادة المنفردة للالتزام ، فمن يتعاقد إنما يلتزم بالإرادة الصادرة منه لا بتوافق هذه الإرادة معم إرادة المتعاقد الآخر ، ورتب على ذلك أن الإيجاب وحده ملزم ، فلا يستطيع من صدر منه الإيجاب أن يعدل عنه . وقد انتصر لهذه النظرية غير سيجل من الفقهاء الألمان كثيرون ( [5] ) ، وساير الفقهاء الألمان بعض الفقهاء الفرنسيين ( [6] ) . ويستند أنصار النظرية الألمانية إلى الحجج الآتية ( 1 ) القول بضرورة توافق إرادتين لإنشاء التزام يسد الباب دون ضروب من التعامل يجب أن يتسع لها صدر القانون . فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص لها صدر القانون . فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص أن يلزم نفسه بعرض يقدمه للجمهور ، أي لغير شخص معين وقد يكون الدائن غير موجود في الحال ولكنه سيوجد في المستقبل . أو يكون موجودا ولكن حال بينه وبين القبول حائل بأن مات قبل صدور القبول منه أو فقد أهليته ، ففي كل هذه الفروض ، وهي فروض تقع كثيراً في العمل ، لا يمكن القول بوجود الالتزام في ذمة المدين إذا حتمنا توافق الإرادتين ، فالقول بجواز إنشاء الإرادة المنفردة للالتزام يرفع هذا الحرج . ( 2 ) من الصعب أن تتوافق إرادتان توافقاً تاماً . ولا يمكن التثبت من توافقهما إلا إذا تعاصرنا في لحظة واحدة ، وهذا مستحيل في التعاقد بالمراسلة . بل هو أيضاً مستحيل حتى إذا وجد المتعاقدان في مجلس واحد ، فإن أحد المتعاقدين لا بد أن يسبق الآخر في إظهار إرادته وهذا هو الإيجاب ، ثم يتلوه الآخر فيظهر القبول . فالإيجاب والقبول يتعاقبان ، فإذا أردنا التأكيد من أنهما يتعاصران فيتوافقان ، فلا بد من أن نفرض أن من صدر منه الإيجاب قد ثبت على إيجابه حتى اقترن بالإيجاب القبول ، وهذا محض فرض نأخذ به كما نأخذ بإرادة مفروضة تزعم أنها هي الإرادة الباطنة . والأولي أن نتجنب هذه الفروض وان نواجه الحقيقة كما هي ، فالملتزم بالعقد إنما يلتزم بإرادته هو لا يتوافق مع إرادة الدائن ، فهو يوجد حقاً في ذمته لشخص آخر بمجرد إعلان إرادته ، ورضاء الآخر بهذا الحق هو مجرد انضمام ( adhesion ) تطلبناه حتى لا يكسب الدائن حقاً دون إرادته . وقد لا تتوافق الإرادتان ومع ذلك يوجد العقد كما إذا عدل الموجب عن إيجابه وكان الطرف الآخر قد صدر منه القبول قبل أن يعلم بعدول الطرف الأول . ( 3 ) ثم أنه ليس في المنطق القانوني ما يمنع من أن يلتزم الشخص بإرادته ، فالإنسان حر في أن يقيد نفسه في الدائرة التي يسمح بها القانون ، بل أن سلطان الإرادة هنا أشد نفاذاً منه في نظرية توافق الإرادتين ، إذ الإرادة المنفردة تصبح قادرة وحدها على إيجاد الالتزام ، وهذا أقصى ما يصل إليه سلطانها . أما القول بوجوب توافق الإرادتين فبقية من بقايا الأشكال الغابرة التي كانت تحد من سلطان الإرادة ، فقديماً كانت الإرادة لا توجد أثراً قانونياً إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ، فقديماً كانت الإرادة لا توجد أثراً قانونياً إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ، ثم اندثرت هذه الأشكال حتى لم يبق منها اليوم إلا النادر ، وأصبحت الإرادة هي التي توجد الأثر القانوني الذي تتجه إليه ، فالواجب أن نصل في هذا التطور إلى غايته المنطقية ، وان نقول بأن للإرادة السلطان حتى لو لم تقترن بها إرادة أخرى . على أننا نتطلب رضاء الدائن حتى لا يكسب حقاً بالرغم منه ، ولكن هذا الرضاء لا يوجد الالتزام ، بل إن الالتزام ينشأ بمجرد صدور إرادة المدين .

ويعترض أنصار النظرية الفرنسية على النظرية الألمانية بما يأتي : ( 1 ) أن نظرية الإرادة المنفردة غير قائمة على أساس صحيح ، لأنه إذا أمكن فهم أن المدين يلتزم بإرادته المنفردة ، فلا يمكن أن يفهم كيف أن الدائن يصبح دائناً دون إرادته . فإذا قيل أن المدين يلتزم لغير دائن ، فما معنى هذا الالتزام وما قيمته؟ وإذا قيل أنه لا بد من إرادة الدائن حتى يصبح دائناً ، فهذا هو توافق الإرادتين ومنه ينشأ العقد ( 2 ) يقضى المنطق ذاته بعدم التسليم بنظرية الإرادة المنفردة . فإنه إذا قيل إن للإرادة المنفردة هذا السلطان ، وإن في مكنتها أن تولد التزاماً ، وجب القول أيضاً إنها تستطيع أن تقضي هذا الالتزام ، وما تستطيع الإرادة وحدها أن تستطيع وحدها أن تحله ، وبهذا يصبح التزام من التزم بإرادته المنفردة معلقاً على محض إرادته ، فيكون التزاماً منحلاً . ( 3 ) على أن نظرية الإرادة المنفردة مبنية على فروض غير صحيحة . فهي تفترض دائماً أن أحد المتعاقدين وزن الأمر قبل التعاقد ، وبت فيه بقرار نهائي ، وأعلن طفرة عن إرادته ، ولم يكن أمام الطرف الآخر إلا أن يقبل أو يرفض . مع أن الأمر غير ذلك . فالذي يقع في العمل عادة أن المتعاقدين يتفاوضان ، وما يزالان في أخذ ورد لا يستقل أحدهما بالأمر دون الآخر ، وكل إرادة تؤثر في الأخرى وتعدل من اتجاهها ، حتى تتوافق الإرادتان ، وعند ذلك يتم العقد . ومن هذا نرى أن إرادة الطرف الآخر ليست مجرد إقرار لإرادة الطرف الأول ، بل كثيراً ما تؤثر فيها ويتفاعلان حتى ينتج من تفاعلهما إرادة متحدة هي العقد ، فكلتا الإرادتين اشتركت في تكوين الالتزام ، ولم تستقل إحداهما بذلك كما يزعم أنصار نظرية الإرادة المنفردة . والآن بعد أن استعرضنا حجج الفريقين ، نفق قليلاً لتقدير مبلغ في نظرية الإرادة المنفردة من صحة . ونبدأ بملاحظة أن الاعتراضات التي يتقدم بها خصوم النظرية لا تصل من الخطر إلى حد أن تدك قواعدها . أما أن الدين لا يوجد دون دائن ، فقد قدمنا أن النظرية المادية تنظر إلى الالتزام كقيمة مالية أكثر منه رابطة شخصية ، ويترتب على هذا النظر أنه يمكن تصور دين دون دائن ما دام المدين موجوداً وقت نشوء الدين وما دام الدائن يوجد وقت تنفيذ الدين ولو لم يوجد قبل ذلك . أما القول بأنه إذا صح للإرادة المنفردة أن تنشئ التزاماً صح لها أيضاً أن تقضيه ، فهذا خلط بين أثر في العالم النفسي وأثرها في الروابط الاجتماعية . فإن الإرادة إذا أعلنت وعلم بها الغير فاطمأن إليها ، ولدت ثقة مشروعة يستطيع الناس الاعتماد عليها ، فوجب احترام هذه الحالة التي أوجدتها الإرادة المنفردة إذا عقدت التزاماً وحدها قد لا يستطيع وحدها أن تحله إذا حال دون ذلك وجوب استقرار التعامل . يبقى الاعتراض الثالث ، وهو أن العقد وليد مفاوضات تتفاعل فيها الإرادتان وتؤثر إحداهما في الأخرى . وهذا صحيح من الناحية النفسية أيضاً ، أما من الناحية الاجتماعية فمن الممكن أن نميز مرحلة تنتهي عندها هذه المفاوضات ويدخل الإيجاب في دوره النهائي ويصبح إيجاباً باتاً ولا شك في أن هذا الإيجاب البات قد أثرت فيه عوامل مختلفة قبل أن يصبح كذلك ، ومن أهم هذه العوامل إرادة الطرف الآخر ، ولكن لا شك أيضاً في أنه بعد أن أصبح إيجاباً باتاً صار منسوباً لإدارة من صدر منه ما دام قد ارتضاه في النهاية ، وعند ذلك يتحقق أن يكون أحد الطرفين قد تقدم بإرادة نهائية ليس للطرف الآخر إلا إقرارها . هذا إلى أن هناك أحوالاً كثيرة تقع في العمل ، يتقدم فيها أحد الطرفين بإيجاب بات لا تسبقه مفاوضات ومن ذلك ما يجري في عقود الإذعان .

فنحن لا نرى فيما تقدم من الاعتراضات على النظرية الألمانية ما يصلح لهدمها . ولكننا مع ذلك لا نعتقد أن الفرق كبير من الناحية العملية بين النظريتين الألمانية والفرنسية . ذلك أن الأساس المنطقي للنظرية الألمانية هو أن الإرادة قادرة على إلزام صاحبها ما دام يلتزم في دائرة القانون ، ولا حاجة أن تقترن إرادة الدائن بإرادة المدين حتى ينشأ الالتزام . ونحن لا نرى لماذا لا يكون هذا صحيحاً من الناحية المنطقية فحسب ، بل من الناحية القانونية أيضاً . وما دام القانون قد وصل في تطوره إلى أن يجعل للإرادة سلطاناً في إيجاد الآثار القانونية ، فلماذا يقف سلطان الإرادة دون إنشاء الالتزامات ! يستطيع المدين إذن أن يلتزم بإرادته المنفردة ، ولكنه يستطيع أيضاً ، وطبقاً لسلطان الإرادة ذاته ، أن يتحلل من التزامه بإرادة المنفردة ما دامت هذه الإرادة لم تولد ثقة مشروعة . فالالتزام الذي يعقده المدين بإرادته التزام محلول . وإلى هنا لا يوجد فرق كبير بين النظريتين الألمانية والفرنسية . فالنظرية الأولي ترى المدين قد أوجد التزاماً بإرادته المنفردة ولكنه التزام ينحل عنه في أي وقت شاء ، والنظرية الثانية ترى المدين لم يوجد بإرادته المنفردة أي التزام . ولا يوجد فرق عملي كبير بين التزام غير موجود والتزام موجود ولكن يمكن التحلل منه . بقى أن النظرية الألمانية لا تسمح للملتزم بإرادته المنفردة أن يتحلل من التزامه إذا ولدت إرادته ثقة مشروعة لا يجوز الإخلال بها . وهذا لا يتحقق إلا إذا فرضنا أن إرادة المدين قد ولدت عند شخص معين . هو الدائن . ثقة مشروعة جعلته يطمئن إلى العمل بمقتضى هذه الإرادة . فإذا تحقق هذا الفرض ، وألزمت النظرية الألمانية المدين بإرادته المنفردة ، جاز للنظرية الفرنسية أن تقول بالتزام المدين أيضاً ، ولكن لا بإرادته المنفردة ، بل بتوافق إرادته مع الإرادة الضمنية للدائن وهي إرادة تستخلص من اطمئنانه لإرادة المدين والنزول على مقتضاها في تصرفه وسواء كان سبب التزام المدين في هذه الحالة هي إرادته المنفردة كما يقول الألمان ، أو العقد كما يقول الفرنسيون ، فالنتيجة العملية واحدة ، إذ المدين ملتزم التزاماً لا رجوع فيه في كلا القولين .

على أننا مهما قربنا ما بين النظريتين ، فإنه لا يفوتنا أن الأساس الذي بنى عليه كل مهما لا يزال مختلفاً . وهذا الاختلاف في الأساس قد يؤدى إلى نتائج ذات نتائج ذات بال . ويكفي أن نشير هنا إلى أنه في الفرض الأخير الذي عالجناه ، إذا قلنا مع الألمان بالتزام المدين بإرادته المنفردة ، كان التزامه موجوداً منذ صدور هذه الإرادة . أما إذا قلنا مع الفرنسيين إن المدين يلتزم بتوافق إرادته مع إرادة الدائن ، لم يوجد الالتزام إلا عند توافق الإرادتين ، أي عند صدور الإدارة الضمنية من الدائن . ثم إن التمشي مع النظرية الألمانية يجعلنا نحذف العقد من بين مصادر الالتزام ، ونحل الإرادة المنفردة محله . أما النظرية الفرنسية فلا تفسح مجالاً للإرادة المنفردة بين هذه المصادر ، وتجعل العقد وحده هو العمل القانوني الذي ينشئ التزاماً .

ومهما يكن من أمر فإن القانون الألماني ذاته لم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، بل أخذ بها على سبيل الاستثناء في حالات محددة على سبيل الحصر بمقتضى نصوص قانونية خاصة ( [7] ) . أما المشروع الفرنسي الإيطالي فقد جعل من الإرادة المنفردة ، إلى جانب العقد ، مصدراً عاماً للالتزام ( [8] ) . وسنرى الآن أن القانون المصري الجديد نهج منهج القانون الألماني ، فلم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام إلا في حالات محدودة وردت بها نصوص خاصة .

907 – إلى أي حد أخذ القانون المدني الجديد بالإرادة المنفردة مصدراً للالتزام :

كان المشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد ينص في المادة 228 منه على ما يأتي

 ” 1 – إذا كان الوعد الصادر من جانب وأحد مكتوباً وكان لمدة معينة . فغن هذا الوعد يلزم صاحبه من الوقت الذي يصل فيه إلى علم من وجه إليه ما دام هذا لام يرفضه ” .

 ” 2 – وتسرى على هذا الوعد الأحكام الخاصة بالعقود ، إلا ما تعلق منها بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لإنشاء الالتزام ” .

 ” 3 – يبقى الإيجاب في العقود خاضعاً للأحكام الخاصة به ، ويسري حكم المادة التالية على كل وعد بجائزة يوجه إلى الجمهور ” ( [9] ) .

فكان هذا النص ، على غرار المشروع الفرنسي الإيطالي في مادته الستين ، يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، مثلها في ذلك مثل العقد . وكان يشترط لذلك أن تكون الإرادة المنفردة مكتوبة ، وأن تحدد لها مدة معينة إذا رفضت في خلالها سقطت . أما إذا لم ترفض ، فإنها تكون ملزمة لصاحبها من الوقت الذي تصل فيه إلى علم من وجهت إليه ، شأنها في ذلك شأن كل تعبير عن الإرادة ويسرى على الإرادة المنفردة ما يسري على العقد من أحكام ، فيجب توافر الأهلية وخلو الإرادة مما يشوب الرضاء من عيوب ، وقيام محل تتوافر فيه الشرائط اللازمة ، ووجود سبب مشروع . ويستثنى من هذه الأحكام بداهة ما يتعلق بضرورة توافق الإرادتين ، ما دامت الإرادة المنفردة هي مصدر الالتزام ( [10] ) .

ولو بقى هذا النص فانتقل إلى القانون المدني الجديد ، لكانت الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام كالعقد ، ولو وجب إفراد باب خاص بها تعالج فيه على النحو الذي رأيناه في العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ( [11] ) . ولكن النص حذف في لجنة المراجعة . وكان حذفه ” عدولاً عن وضع قاعدة عامة تجعل الإرادة المنفردة ملزمة ، واكتفاء بالحالات المنصوص عليها في القانون من أن الإدارة المنفردة تنشئ التزاماً ” ( [12] ) . ويتبين من ذلك أن لجنة المراجعة رجعت بالإرادة المنفردة عن أن تكون مصدراً عاماً للالتزام ، كما كان الأمر في المشروع التمهيدي ، إلى أن تكون مصدراً للالتزام في حالات استثنائية ترد في نصوص قانونية خاصة . على هذا النهج سار المشروع في سائر مراحله حتى أصبح قانوناً .

908 – الالتزامات التي تفتشها الإرادة المنفردة في القانون المدني الجديد هي التزامات قانونية ومصدرها المباشر هو القانون : ولم تنتبه الهيئات المختلفة التي تعاقبت على نظر مشروع القانون المدني ، منذ لجنة المراجعة ، لهذا التغيير الجوهري في مصدر الالتزامات التي تنشئها الإرادة المنفردة . فقد كان المصدر المباشر لهذه الالتزامات ، وفقاً للمشروع التمهيدي . هي الإرادة المنفردة ذاتها . وقد ارتقت إلى مقام العقد ، فأصبحت مصدراً عاماً للالتزام ومن ثم عقد المشروع التمهيدي للإرادة المنفردة فصلاً خاصاً بها ، كما عقد فصولاً خاصة للمصادر العامة الأخرى وهي العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ولكن بعد أن نزلت لجنة المراجعة بالإرادة المنفردة إلى أن تكون مصدراً للالتزام في حالات استثنائية ، وبمقتضى نص خاص ، لم تعد الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام ، وأصبحت الالتزامات الناشئة عنها لا تقوم بمقتضى أصل عام يقرره القانون ، بل تقوم بمقتضى نصوص قانونية خاصة ، فأصبح نص القانون هو المصدر المباشر لهذه الالتزامات ومن ثم كان الواجب اعتبار أي التزام ينشأ من الإرادة المنفردة التزاماً مصدره القانون ، وحذف الفصل الخاص المعقود للإرادة المنفردة التزاماً مصدره القانون . وحذف الفصل الخاص المعقود للإرادة المنفردة في المشروع التمهيدي . وإدماجه في الفصل المعقود للقانون كمصدر مباشر للالتزام . وهذا ما فات لجنة المراجعة وما نلاها من الهيئات أن تفعله .

ولم نرد أن نساير هذا الخطأ في التبويب . فلم نعقد للإرادة المنفردة باباً خاصاً بها يأتي بعد الباب المخصص للعقد ، كما فعل القانون المدني الجديد ، بل أرجأنا الكلام فيها إلى أن نتكلم في الالتزامات التي يكون القانون هو مصدرها المباشر . فنجعل الالتزامات التي تنشئها الإرادة المنفردة تدخل في هذا النطاق .

فالقاعدة إذن في القانون المدني الجديد أن كل التزام تنشئه الإرادة المنفردة لا بد أن يرد في نص قانوني . ويعتبر هذا النص هو مصدره المباشر ، وهو الذي يعين أركانه ويبين أحكامه .

وقد وردت نصوص متناثرة في نواحي القانون تجعل الالتزام ينشأ من إرادة منفردة . نذكر من ذلك :

 ( 1 ) الإيجاب الملزم . وقد ورد فيه النص الآتي ( م 93 ) : ” 1 – إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد .

 ( 2 ) المؤسسات ، وقد ورد فيها النص الآتي ( م 70 فقرة 1 ) : ” يكون إنشاء المؤسسة بسند رسمي أو بوصية ” . فإرادة المنشئ المنفردة هي التي توجد المؤسسة . وهذه الإرادة يصدرها صاحبها لتنتج أثرها إما في حياته أو بعد موته بوصية . ثم يلتزم المنشئ بإرادته المنفردة لتنتج أثرها إما في حياته ، أو بعد موته بوصية . ثم يلتزم المنشئ بإرادته المنفردة أيضاً أن ينقل إلى المؤسسة التي أنشأها ملكية ما تعهد به من المال الذي خصصه لها . ومن ثم نرى أن الإرادة المنفردة هنا أوجدت شخصاً معنوياً ، وأنشأت التزاماً نحو هذا الشخص المعنوي ( [13] ) .

 ( 3 ) تطهير العقار المرهون رهناً رسمياً ، وقد ورد فيه النص الآتي ( م 1066 ) : ” يجب على الحائز أن يذكر في الإعلان أنه مستعد أن يوفي الديون المقيدة إلى القدر الذي قوم به العقار . وليس عليه أن يصحب العرض بالمبلغ نقداً ، بل ينحصر العرض في إظهار استعداده للوفاء بمبلغ واجب الدفع في الحال أياً كان ميعاد استحقاق الديون المقيدة ” . ويؤخذ من هذا النص أن الحائز يلتزم بإرادته المنفردة أن يوفي الديون المقيدة إلى القدر الذي قوم به العقار ، وذلك بمجرد إعلانه رغبته في تطهير العقار بتوجيهه إلى الدائنين المقيدة حقوقهم إعلانات على النحو المبين في المادة 1065 .

 ( 4 ) الوعد بجائزة الموجه إلى الجمهور ، وقد ورد فيه نص المادة 162 . ولما كان هذا النص ينشئ التزاماً قانونياً أولي مكان ببحثه هو هذا الباب فسنتولى بحثه تفصيلاً فيما يلي ( [14] ) .


 ( [1] ) بعض المراجع في الإرادة المنفردة : ديموج في الالتزامات 1 فقرة 18 وما بعدها –سالي الالتزامات فقرة 138 – فقرة 144 – ورمز WORMS ) رسالة من باريس سنة 1891 – جيهير GUIHAIRE ) رسالة من رن سنة 1901 – إلياس ELINS ) رسالة من باريس سنة 1909 – تالايدية TAIIANDIER ) رسالة من تولوز سنة 1912 – كولدبرجCOLDBERG ) رسالة من نانسي سنة 1913 – مارسكوMARESCO ) رسالة من باريس سنة 1915 – تاردTARDE ) في تطورات القانون ص 119 وما بعدها – ديجيهDUGUIT ) في تطورات القانون الخاص – نظرية العقد للمؤلف فقرة 180 – فقرة 196 – الدكتور حلمي بهجت بدوي بك فقرة 75 – فقرة 78 – الدكتور حشمت أبو ستيت بك فقرة 404 – فقرة 464 .

 ( [2] ) تنقل ما يلي عن نظرية العقد للمؤلف فقرة 180 – فقرة 185 .

 ( [3] ) بودري وبارد 1 فقرة 38 ص 36 – ص 37 – أوبرى ورو 4 فقرة 342 – لوران 10 فقرة 465 – ديمولومب 24 فقرة 45 – يبدان في الالتزامات فقرة 58 . محكمة النقض الفرنسية في 29 أبريل سنة 1903 سيريه 1908 – 1 – 404 .

 ( [4] ) والتون 1 ص 17 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 181 – محكمة الاستئناف المختلطة في 30 ينايرسنة 1896 م 8 ص 101 – وفي 9 يونية سنة 1898 م 10 ص 322 – وفي 15 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 32 .

 ( [5] ) أنظر جاكوبيJACOBI ) وكونتسKUNTZE ) وكين KOPPEN ) ومانزمان MANNESMANN ) وهو لتسندروفHOLZENDORFF ) في المراجع المشار إليها في نظرية العقد للمؤلف ص 186 هامش رقم 1 .

 ( [6] ) أنظر تاردTARDE ) في تطورات القانون ص 120 – ديموج في الالتزامات 1 فقرة 18 ص 55 و 2 فقرة 553 ص 136 – كولان وكابيتان 2 ص 271 – ص 272 – ورمز في رسالته الإرادة المنفردة باريس سنة 1891 والأستاذ ورمز هو من أسبق الفقهاء الفرنسيين إلى نشر نظرية الإرادة المنفردة في فرنسا إلى جانب الأستاذ سالي الذي تولى نشر النظريات الألمانية في كتابيه المعروفين الالتزامات في القانون الألماني والإعلان عن الإرادة وقد تشيع الأستاذ ورمز لنظرية الإرادة المنفردة اكبر تشيع ، وهو يرى أن التطور التاريخي للإرادة ، باعتبارها منشئة للالتزام ، يدل على أنها تخلصت تدريجياً من الأوضاع التي كانت تحوط بها ، وان لها أن تتخلص من ذلك جملة واحدة فلا تبقى على اشتراط توافق إرادتين لإنشاء الالتزام لأن ضرورة اتحاد إرادتين نوع من الشكلية لا يزال باقياً ، فإذا قضينا عليه أصبحت الإرادة المنفردة كافية لإنشاء الالتزام . والدليل على أن الإرادة الواحدة هي التي تولد الالتزام أن من صدر منه الإيجاب إذا عدل عن إيجابه ولم يصل ذلك الى علم الطرف الآخر قبل أن يقبل ، فإن العقد يتم رغماً من عدول الموجب وعدم توافق الإرادتين ، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأن الإيجاب ، وهو إرادة منفردة ، ملزم بذاته رسالة الأستاذ ورمز ص 165 وص 179 ) . ويقول أيضاً إنه متى سلمنا بأن الإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزام ، فلا معنى لعدم الأخذ بهذا المذهب في العقد ذاته ، لأنه إذا كانت الإرادة وحدها تولد التزاماً ، فلماذا لا تستطيع أن تكون هي وحدها مصدر الالتزام إذا اقترنت بإدارة أخرى ، فهل يمكن أن تكون الإرادة المقترنة بإرادة أخرى أضعف من الإرادة المنفردة‍ أنظر رسالة الأستاذ ورمز ص 93 ) .

 ( [7] ) وقد نصت 305 من القانون المدني الألماني على أن إنشاء الالتزام من طريق العمل القانوني لا يكون إلا بعقد ، عدا الأحوال التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك وفي هذا يقول المعلقون على الترجمة الفرنسية الرسمية للقانون الألماني ما يأتي : ” إن الغرض من تقرير هذا المبدأ هو إخراج الإرادة المنفردة من أن تكون مصدراً عاماً لإنشاء الالتزامات ، في الحد الذي ينشأ فيه الالتزام من عمل قانوني . صحيح أنه طلب ، حتى من اللجنة الثانية لتحضير مشروع القانون الألماني ) ، حذف هذا النص ، لتترك المسألة لتقدير الفقهاء . وقد كان هذا يسمح للقضاء ، مع تملكه بالقاعدة التقليدية ، أن يتوسع في الاستثناءات التي يدخلها على القاعدة . ولكن الأغلبية لم تكن من هذا الرأي . ومع ذلك فقد أريدت الإشارة إلى الأحوال الاستثنائية التي يعترف بها القانون ، حتى يكون من المقرر أن الحالات التي يسلم فيها القانون بأن الالتزام ينشأ من مجرد إرادة منفردة يكون من المستطاع تصورها على اعتبارها أنها استثناء من القاعدة الواردة في المادة 305 ، وتطبيق لنظرية الإرادة المنفردة ” الترجمة الفرنسية للقانون الألماني م 305 )

هذا وقد احتاط المشروع الألماني في أنه لم يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً للالتزام لاعتبارات عملية . وفي هذا يقول سالي : ” إذا كان المشروع الألماني قد رفض الأخذ بالنظرية كمبدأ عام ، فذلك راجع دون شك للأسباب التي أبداها برنتزBrins ) ، فإن من الخطر إعطاء مثل هذه الحرية للإرادة ، إذ يصعب ، أمام مظهر هذه الإرادة المنفردة أن نتبين أن هناك التزام بات جدي ، أو أنه لا يوجد إلا قول ألقي جزافاً دون أن يقصد صاحبه أن يتقيد به ” الالتزامات في القانون الألماني فقرة 142 ) .

 ( [8] ) وقد أنفرد المشروع الفرنسي الايطالي بعقد فصل خاص للإرادة المنفردة باعتبارها مصدراً عاماً للالتزام فقضى في المادة 60 بأن الإرادة المنفردة إذا كانت مكتوبة ، واقترنت بأجل محدد ، تلزم صاحبها بمجرد وصولها إلى علم من توجهت إليه ولم يرفضها ، وتنطبق على الإرادة المنفردة القواعد التي تنطبق على العقد عدا القواعد المتعلقة بضرورة توافق الإرادتين لإنشاء الالتزامات .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي أن هذا النص كان مثاراً للمناقشة بين أعضاء اللجنتين الفرنسية والإيطالية . فقد ظن البعض أن في تقرير هذا المبدأ تجديداً جريئاً لا يتطلبه العمل ، ولكن هذا الاعتراض ، إذا كان فيه بعض الوجاهة بالنسبة إلى القانون الفرنسي ، غير وجيه بالنسبة إلى القانون الفرنسي ، غير وجيه بالنسبة إلى القانون الإيطالي . فقد نصت المادة 36 من القانون التجاري الإيطالي على أنه في العقود الملزمة لجانب وأحد يعتبر الإيجاب ملزماً بمجرد وصوله إلى علم من وجه إليه ، فالتجديد ليس إذن كبيراً بالنسبة إلى هذا القانون . ومن المفيد إدخاله في القانون الفرنسي فهو يضع حداً للخلاف في تعرف طبيعة بعض الأعمال القانونية ، هل هي عقود أو هي مجرد إرادة منفردة كما في تطهير العقار ، وهو في الوقت ذاته يوسع دائرة احترام ما يصدر عن الشخص من وعد ، بالتمشي مع ما يقتضه حسن النية . على أن المادة 60 قد رسمت حدوداً معقولة لهذا التجديد ، فهي لم تكتف بالشروط الموضوعية للعقد من الأهلية ومشروعية المحل والسبب ، بل اشترطت فوق ذلك أن تكون الإرادة المنفردة الملزمة ثابتة بالكتابة ، وأن تحدد مدة لبقائها ملزمة أنظر ص 71 – ص 73 من المذكرة الإيضاحية المذكورة ) .

 ( [9] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 338 في الهامش .

 ( [10] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، شرحاً لهذا النص ، ما يأتي : ” 1 – لا يصبح الوعد الصادر من جانب وأحد ملزماً إلا من الوقت الذي يصل فيه إلى علم من وجه إليه ، شأنه في ذلك شأن كل تعبير عن الإرادة . فيجوز العدول عنه بعد صدوره متى وصل هذا العدول إلى علم من وجه إليه قبل وصول الوعد ذاته أو وقت وصوله وفقاً لأحكام القواعد العامة . بيد أن الوعد الصادر من جانب وأحد يمتاز بترتيب حكمه دون حاجة إلى القبول ، وهذا ما يفرقه عن العقود فيكفي للزومه أن يصل إلى علم من وجه إليه وألا يفرضه هذا . ولكنه يسقط في حالة الفرض ، إذ لا يجوز أن يجبر أحد على أن يكسب حقاً على رغمه . وهو من هذا الوجه يختلف اختلافاً بيناً عن العقد ، فالعقد لا يتم إلا بقبول الدائن ووصول هذا القبول إلى علم من صدر الإيجاب عنه . ومن الأهمية بمكان تبيين ما إذا كان يقصد بالتعبير عن الإرادة إلى الارتباط بوعد من جانب وأحد مجرد الإيجاب . فمن المعلوم أن الإيجاب ، وإن كانت له قوة في الإلزام من حيث عدم جواز العدول عنه ، لابد أن يقترن بالقبول حتى ينشأ الالتزام الذي يراد ترتيبه . 2 – ويفترض عند شك في مرمى التعبير عن الإرادة أنه قصد به إلى مجرد الإيجاب ويقع عبء إثبات قيام الوعد الصادر من جانب وأحد على عاتق الدائن الذي يدعى ذلك . ويكون الإثبات بالكتابة دائماً ولو كانت قيمة الوعد لا تجاوز عشرة جنيهات وكذلك يجب أن تتضمن وثيقة الوعد بيان المدة التي يبقى الواعد خلالها ملتزماً بما وعد . 3 – ومتى تقرر مبدأ الالتزام بمجرد الوعد ، تعين سريان أحكام العقود عليه . ويترتب على ذلك وجوب توافر أهلية التعاقد في الواعد ، وخلو إرادته مما يشوب الرضا من عيوب ، وقيام التزامه على سبب ومحل تتوافر فيهما الشرائط اللازمة . ويستثنى من هذه الأحكام بداهة ما يتعلق بضرورة توافق الإرادتين ما دامت الإرادة المنفردة هي مصدر الالتزام ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 338 – ص 339 في الهامش ) .

 ( [11] ) وقد جاء في النظرة العامة للمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” جعل المشروع من الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام ، محتذياً في ذلك مثال المشروع الفرنسي الإيطالي . وليس نقتصر الأمر في إسناد قوة الالتزام إلى هذه الإرادة على القضاء على ضروب من الخلاف سوف تعدم أهميتها بعد أن فرقت وجوه الرأي بين الفكرة التعاقد وفكرة المشيئة الواحدة في تكييف طبيعة بعض التصرفات ، كعرض الثمن على الدائنين المقيدة حقوقهم عند تظهير العقار ، المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي ص 54 ) ، وهو لا يقتصر كذلك على بسط نطاق مبدأ البر بالعهود استجابة لما يقتضي حسن النية ، المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي ص 54 ) في نطاق التعامل ، ولكن هذا التجديد مهما يكن حظه من الجرأة ، يعتبر نتيجة منطقية لإقرار المشروع لمبدأ لزوم الإيجاب . فمتى اعترف للإيجاب بقوة الإلزام ، فليس ثمة ما يدعو إلى الوقوف عند هذا الحد ، ذلك أن التزام المنطق نفسه يؤدي إلى إقرار كفاية الإرادة المنفردة لإنشاء الالتزام بوجه عام ” . مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 336 – ص 337 في الهامش ) .

 ( [12] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 339 في الهامش .

 ( [13] ) أنظر نظرية العقد للمؤلف فقرة 193 – فقرة 194 .

ومما يدل على أن إرادة المنشئ للمؤسسة قد أنشأت التزاماً في ذمته تحو هذه المؤسسة أن المشروع شبه إنشاء المؤسسة بالهبة أو الوصية في خصوص الدعوى البوليصية ، فنص في المادة 71 على أنه ” يعتبر المؤسسة بالنسبة إلى دائني المنشئ وورثته بمثابة هبة أو وصية . فإذا كانت المؤسسة قد أنشئت إضراراً بحقوقهم ، جاز لهم مباشرة الدعاوى التي يقررها القانون في مثل هذه الحالة بالنسبة إلى الهبات والوصايا ” . غير أن لا تكون إلا بعقد ، أما إنشاء المؤسسة فتكون بإرادة منفردة .

وكما تنشأ المؤسسة بإرادة منفردة ، يجوز الرجوع فيها فإرادة منفردة كذلك إلى أن يتم شهرها . وقد نصت المادة 72 على أنه ” متى كان إنشاء المؤسسة بسند رسمي جاز لمن أنشأها أن يعدل عنها بسند رسمي آخر ، وذلك إلى أن يتم شهرها وفقاً لأحكام المادة 59 ” . وبديهي أن المؤسسة إذا أنشئت بوصية جاز الرجوع فيها دائماً حتى موت الموصى ، شأنها في ذلك شأن كل وصية .

 ( [14] ) ويدخل في تطبيقات الإرادة المنفردة منشئة للالتزام السند لحامله . ويكيف عادة بأن هناك عقداً مجرداً CONTRAT ABSTRAIT ) تم بين الساحب وأول حامل السند وهذا العقد هو الذي ولد الالتزام في ذمة الساحب . وقد حول الحامل الأول حقه إلى آخر ، وهذا إلى غيره ، إلى أن وصل السند إلى الحامل الأخير . إلا أن هناك فروضاً لا تنزل على هذا التكييف فقد يكتب الساحب السند ، وقبل أن يسلمه لأحد يضيع منه أو يسرق ، فتتبادله الأيدي إلى أن يقع في يد شخص حسن النية ، فيكون لهذا الشخص الحق في استيفاء قيمة من الساحب . ولا يمكن أن يقال هنا إن الساحب ملتزم بموجب بينه وبين أول حامل ، فإن هذا كان شخصاً عثر على سند وهو ضائع أو لصاً سرقه . فلم يبق إذن لتفسير هذا الالتزام إلا أن نقول أن الساحب قد التزم بإرادته المنفردة التزاماً مجرداً . كذلك إذا فرض أن الساحب قبل تسلمه السند لأحد مات أو فقد أهليته ، ثم تداولت الأيدي السند ، فهو أو ورثته ) يبقى ملتزماً ، ومصدر التزامه لا يمكن أن يكون عقداً في هذه الحالة ، فليس إلا إرادته المنفردة مصدراً لالتزامه هنا . وقد نص القانون الألماني صراحة على الحلول المتقدمة ، فقضت المادة 794 بأن من يصدر منه سند لحامله يلتزم به ، حتى لو سرق منه أو ضاع ، وحتى لو تبادله الأيدي رغم إرادته بأي شكل كان . وتقضى المادة ذاتها بأن السند لحامله يبقى حافظاً لقوته القانونية حتى لو مات من صدر منه السند أو فقد الأهلية قبل التعامل بهنظرية العقد للمؤلف فقرة 195 ) .

أما التزامات الفضولي فقد قدمنا أنها لا تنشأ من إرادة منفردة ، بل من واقعة مادية هي أن يتولى الفضولي شأناً لرب العمل . ولا يكفي لالتزام الفضولي أن يظهر إرادته في أن يتولى شأناً لرب العمل ، مهما كانت هذه الإرادة واضحة ، ما دام لم يتول هذا الشأن بالعمل . فالعمل الماد . لا إرادة الفضولي ، هو الذي ينشئ في ذمة الفضولي التزاماته المعروفة .

وكذلك التزام المتعهد نحو المنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير مصدره العقد لا الإرادة المنفردة . وقد مر بيان تفصيلاً عند الكلام في الاشتراط لمصلحة الغير .

نقلا عن محامي أردني

وللمزيد تعرف على كيفية توكيل محامي