التجزئة فى الإقرار

التجزئة فى الإقرار

260 – الإقرار البسيط : إذا اقتصر الإقرار على تصديق المدعى للمدعى عليه فى جميع ما ادعاه ، فإن الإقرار يكون فى هذه الحالة إقراراً بسيطاً محضاً ( aveu pur et simple ) ، ولا محل إذن للنظر فيما إذا كان يتجزأ أو لا يتجزأ . فلو أن المدعى قال فى دعواه إنه أقرض المدعى عليه مائة ، فأقر المدعى عليه بأنه اقترض من المدعى المائة ولم يزد على ذلك شيئاً ، كان هذا إقراراً بسيطاً ، وكان حجة قاطعة على المدعى عليه . كذلك إذا قال المدعى إنه أقرض المدعى عليه مائة وفى منها خمسين فأقر المدعى عليه بأنه اقترض من المدعى المائة ووفى منها الخمسين ، أو قال المدعى إنه أقرض المدعى عليه مائة مؤجلة إلى سنتين فأقر المدعى عليه أنه اقترض المائة مؤجلة إلى السنتين ، كان الإقرار فى هاتين الحالتين بسيطاً وكان حجة قاطعة على المدعى عليه . ولا محل هنا للنظر فى تجزئة الإقرار ، فإن الوقائع المدعاة قد أقر المدعى عليه بها جميعاً ولم يضف إليها شيئاً ، ففيم إذن تكون التجزئة .

  505  

261 – الإقرار الموصوف : لكن إذا أقر المدعى عليه ببعض ما ادعاه المدعى دون بعض أو أضاف شيئاً ، فهنا تقوم الحاجة إلى النظر فى التجزئة . ذلك أن المدعى قد يقول فى دعواه إنه أقرض المدعى عليه مائة مؤجلة إلى سنتين كما قدمنا ، وقد حل الأجل فاستحق الدفع . ويقر المدعى عليه بأنه اقترض المائة ولكن مؤجلة إلى ثلاث سنوات لا إلى سنتين ، فلم يحل الأجل ولم يستحق الدفع . فالإقرار هنا لا يكون إقراراً بسيطاً ، بل يكون إقراراً موصوفاً ( aveu qualifie ) . ذلك أن المدعى عليه لم يقر بالدين على الوجه الذى ذكره المدعى ، وهو دين مؤجل إلى سنتين وقد حل أجله فأصبح مستحقاً ، بل أقر بالدين معدلاً أى موصوفاً ، فقال إنه دين مؤجل إلى ثلاث سنوات ولم يحل الأجل فيم يصبح مستحقاً . والوصف هنا هو عدم حلول أجل الدين ، إذ الدائن يطالب بدين حال ، والمدين يقر بدين لم يحل . وقد يطالب الدائن أيضاً بدين منجز ، ويقر المدين بدين معلق على شرط . فكل من الأجل والشرط يعتبر وصفاً للدين ، فهو وصف فى الإقرار ، ولذلك سمى الإقرار موصوفاً .

والذى تجب مراعاته فى الوصف هو أن يكون مقترناً بالدين وقت نشوئه ، لا أن يكون حادثاً جد بعده . والأجل والشرط وصفان يقترنان بالدين وقت نشوئه ، لا يجدان بعده ، ومن ثم يون الإقرار المتضمن لهما إقراراً موصوفاً ( [1] ) .

وحكم الإقرار الموصوف أنه لا يتجزأ على صاحبه . فقد أقر المدين بالدين موجلاً أو معلقاً على شرط ، فأما أن يأخذ الدائن الإقرار كله موصوفاً كما هو ، وإما أن يدعه كله . وليس له أن يجزئه ، فيقتصر على إقرار المدين بالدين ويدع الوصف الذى دخل على الدين من أجل أو شرط . ويمتنع عليه إذن أن يقول إن المدين أقر بالقرض فهو ثابت فى ذمته بإقراره ، وعليه الآن أن يثبت أن القرض موصوف بأجل أو شرط . وإنما للدائن إما أن يأخذ بالإقرار كله ، فيعتبر الثابت هو الدين موصوفاً بالأجل أو الشرط ، وإما أن يطرحه  506  كله ، فلا يعتبر الدين ثابتاً أصلاً بالإقرار . وعليه إذا أطرح الإقرار أن يحمل عبء إثبات ما ادعاه ، فيعود إلى سيرته الأولى إذ هو مدع يحمل عبء الإثبات . وقد كان بالإقرار الذى أطرحه معفى من هذا العبء . وفى هذه الحالة يتعين على الدائن أن يثبت الدين ، وعلى المدين أن يثبت الأجل أو الشرط ( [2] ) . ويجوز أيضاً أن يتخذ الدائن من الإقرار طريقاً لإثبات القرض فى ذاته ، ثم يثبت هو – لا المدين – أن القرض قد حل أجله أو أنه غير معلق على شرط . وهذا كله مقصود من القول بعدم تجزئة الإقرار . فالدائن بالخيار ، إذا لم يرد الأخذ بالإقرار كله ، بين أن يطرحه كله ويحمل عبئ إثبات دعواه كما لو لم يكن هناك أى إقرار ، وبين أن يستبقى من الإقرار ما هو فى صالحه ويدحض بدليل يقدمه هو ما ليس فى صالحه من الإقرار . والممتنع هو أن يستبقى ما هو فى صالحه ويلقى على المقر عبء إثبات ما ليس فى صالحه ، فإن هذا يعتبر تجزئة للإقرار . ولا تصح التجزئة فى الإقرار الموصوف .

262 – الإقرار المركب : وإذا قال المدعى فى دعواه إنه أقرض المدعى عليه مائة ، وأقر المدعى عليه بأنه اقترض المائة ولكنه وفاها أو وفى  507  جزءاً منها ، فإن الإقرار هنا يكون إقراراً مركباً ( aveu complexe ) . والفرق بين الإقرار المركب والإقرار الموصوف – وكل منهما يشتمل على واقعة أصلية وواقعة مرتبطة بها – أن فى الإقرار الموصوف تقترن الواقعة المرتبطة بالواقعة الأصلية من وقت نشئو الواقعة الأصلية كما قدمنا . فالأجل أو الشرط قد اقترن بالدين من وقت نشوئه ، أما فى الإقرار المركب فالواقعة المرتبطة لا تقترن بالواقعة الأصلية من وقت نشئوها بل تجد بعدها ، فالإقرار بالدين مع الوفاء به إقرار مركب يتكون من واقعة المديونية وهى الواقعة الأصلية وواقعة الوفاء وهى الواقعة المرتبطة بها ، ولكن واقعة الوفاء لم تقترن بواقعة المديونية من وقت نشوئها ، بل جدت بعدها إذا حصل الوفاء بعد أن وجدت المديونية ( [3] ) .

والأصل فى الإقرار المركب أنه هو أيضاً لا يتجزأ على صاحبه ( [4] ) . فإذا اقر المدين أنه اقترض المائة ولكنه وفاها ، فلا يجوز للدائن إلا أن يأخذ بالإقرار كله أو يطرحه كله ( [5] ) . فإذا أخذ بالإقرار كله برئت ذمة المدين من الدين وخسر الدائن دعواه ، إذ يكون قد ثبت أن الدين كان موجوداً ولكن المدين وفاه . وإذا أطرح الدائن الإقرار كله ، اعتبر الإقرار كأن لم يكن ، وكان على الدائن أن يثبت الدين وعلى المدين أن يثبت الوفاء . ويجوز أيضاً للدائن – كما قدمنا فى الإقرار الموصوف – أن يستبقى الإقرار بالقرض ، ويحمل هو عبء إثبات أن المدين لم يقم بوفائه . والممتنع هو أن يستبقى الإقرار بالقرض ويلقى عبء  508  إثبات الوفاء على المدين ، فإن هذا يعتبر تجزئة للإقرار حيث لا تصح التجزئة .

وكذلك يكون الحكم فيما إذا أقر المدين بأنه اقترض المائة ولكن الدين انقضى بالتجديد ( [6] ) أو انقضى بالإبراء . ففى هاتين الحالتين لا يتجزأ الإقرار على صاحبه . ولا يجوز للدائن أن يستبقى من الإقرار ما هو فى صالحه ، ويلقى عبء إثبات إما ليس فى صالحه على المدين ، فيستبقى ثبوت القرض بالإقرار ويطلب من المدين إثبات التجديد أو الإبراء ، وعليه أن يأخذ بالإقرار كله فتكون ذمة المدين قد برئت من الدين ، أو يطرحه كله فعليه هو أي يثبت القرض وعلى المدين أن يثبت التجديد أو الإبراء ، أو يستبقى القرض ثابتاً بالإقرار وعليه هو أن يثبت أن التجديد أو الإبراء الذى يدعيه المدين لا صحة له ( [7] ) ، فإذا أطرح الإقرار كله وأراد أن يثبت القرض ، كان له أن يعتبر الإقرار المطرح مبدأ ثبوت بالكتابة للقرض يعززه بالبينة والقرائن ( [8] ) . أما إذا استبقى القرض ثابتاً بالإقرار ، وأراد أن يثبت أن التجديد أو الإبراء لا صحة له ، فلا يجوز فيما يزيد على عشرة جنيهات أن يثبت ذلك إلا بالكتابة ( [9] ) .

فى هذه الأحوال الثلاثة – الإقرار بالمديونية مع وفاء الدين والإقرار بها مع التجديد والإقرار بها مع الإبراء – يوجد إقرار مركب من واقعة أصلية وواقعة مرتبطة بها ، وحكم هذا الإقرار أنه لا يتجزأ على صاحبه كما رأينا . والمشترك فى هذه الأحوال الثلاثة أن الواقعة المرتبطة تستلزم حتماً وجود الواقعة  509  الأصلية . فالوفاء بالدين يستلزم حتماً وجود الدين قبل ذلك ، وكذلك تجديد الدين والإبراء منه كل منهما يستلزم حتماً سبق وجود دين حصل فيه التجديد أو وقع فيه الإبراء . ومن ثم لا يمكن للواقعتين ، الواقعة الأصلية والواقعة المرتبطة بها ، أن تنفك إحداهما عن الأخرى ، فهما متلازمتان ولا تصح فيهما التجزئة . أما إذا كانت الواقعة المرتبطة لا تستلزم حتماً وجود الواقعة الأصلية ، فلا تلازم ما بين الواقعتين ، ويمكن تصر وقوع إحداهما دون وقوع الأخرى ، ومن ثم كانت التجزئة فيهما جائزة . والمثل المألوف لهذه الحالة هو الإقرار بالقرض مع وقوع المقاصة فيه بدين آخر ( [10] ) . فالمدين هنا قد أقر بالواقعة الأصلية وهى واقعة القرض ، وأضاف إليها واقعة مرتبطة بها وهى وجود دين له على الدائن أوقع المقاصة بين الدينين . وظاهر أنه لا تلازم ما بين الواقعة الأصلية والواقعة المرتبطة ، ومديونية المدين للدائن لا تستلزم حتماً مديونية الدائن للمدين ، كما أن مديونية الدائن للمدين لا تفترض حتماً مديونية المدين للدائن ، إذ أن الدين الذى يدعيه الدائن منفصل عن الدين الذى يدعيه المدين ، ووجود أحدهما لا يستلزم وجود الآخر . ومن ثم كان الفصل بينهما ممكناً ، وصحت التجزئة فى الإقرار . فإذا أقر المدين بالقرض ، ولكنه قال إنه سقط بالمقاصة ، كان للدائن فى هذه الحالة أن يجزئ الإقرار على المدين . فيعتبر الإقرار قائماً فيما هو فى صالحه فقط ، وبذلك يكون القرض ثابتاً بالإقرار ، ولا يكلف الدائن عبء إثباته . أما بقية الإقرار فلا يؤخذ به ، ولا يتقل عبء الإثبات فيه إلى الدائن ، بل المدين هو الذى يكلف بإثباته إذا أصر عليه . ويكون إذن على المدين أن يثبت أن له ديناً فى ذمة الدائن كان سبباً فى وقوع المقاصة . فإن عجز عن إثبات ذلك بقى الإقرار قائماً فى إثبات القرض . ويكون الإقرار قد تجزأ على هذا النحو ، أخذ منه الدائن ما هو فى صالحه ، وألقى عبء إثبات ما ليس فى صالحه على المدين ( [11] ) .

  510  

والمعيار الذى اتخذناه هنا لمعرفة ما إذا كان الإقرار المركب لا يتجزأ على صاحبه أو يجزأ هو معيار تشريعى ذكره التقنين المدنى الجديد كما رأينا فى الفقرة الثانية من المادة 409 حيث يقول : ” ولا يتجزأ الإقرار على صاحبه إلا إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى ( [12] ) ” . ولا تزال هذه المسألة محل خلاف فى الفقه  511  الفرنسى ( [13] ) . وكان القضاء المصرى فى عهد التقنين المدنى السابق يطبق هذا  512  المعيار ( [14] ) . ومهما يكن من أمر فقد أحسن المشرع المصرى صنعاً إذ حسم  513  الخلاف بنص قاطع ( [15] ) .

263 – رقابة محكمة النقض : ومن الواضح أن مسألة تجزئة الإقرار أو عدم تجزئته مسألة من مسائل القانون تخضع لرقابة محكمة النقض . فإذا جزأت محكمة الموضوع إقراراً لا تصح تجزئته ، أو رفضت تجزئة إقرار تصح تجزئته ، كان حكمها غير سليم ويتعين نقضه . ولكن يجب أن تثار مسألة التجزئة أمام محكمة الموضوع ، فلا يصح أن تثار لأول مرة أمام محكمة النقض ( [16] ) .


( [1] ) بيدان وبرو 9 فقرة 1315 – كذلك إذا أقر المدين بالدين دون فوائد ودعوى للدائن أن الدين بفائدة ، فهذا أيضاً إقرار موصوف ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقفرة 1570 )  .

( [2] ) أوبرى ورو 12 ص 131  . وقد قضى بأنه لا يجوز التمسك بعدم تجزئة الإقرار إذا قام على الواقعة المراد إثباتها دليل آخر : استئناف مختلط 30 يناير 1890 م 2 ص 261 – 16 نوفمبر سنة 1910 م 22 ص 9 – 30 مايو سنة 1912 م 24 ص 373 – 29 يونيه سنة 1915 م 27 ص 444 – 17 نوفمبر سنة 1926 م 39 ص 16 – 18 يونيه سنة 1930 م 42 ص 573 – أول فبراير سنة 1933 م 45 ص 150 – 26 مايو سنة 1936 م 48 ص 281 – 31 مارس سنة 1938 م 50 ص 202 – استئناف مصر 24 مايو سنة 1924 المجموعة الرسمية 27 رقم  . وقضت أيضاً محكمة النقض بأنه لا يصح الاعتراض بمخالفة قاعدة عدم جواز تجزئة الإقرار إذا كانت الدعوى قد ثبتت من طريق آخر غير الإقرار ( نقض مدنى 5 ديسمبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 78 ص 279 )  . كذلك قضت محكمة النقض بأنه إذا كان مفهوم الإقرار الصادر من المدعى عليه ( صاحب البناء ) أنه اشترط عدم دفع الأجر عن الرسوم التى يقوم بها المدعى ( مهندس ) إلا إذا قبلها هو وأجرى البناء على أساسها ، فإنه يكون من الإقرارات الموصوفة التى لا تقبل التجزئة ، متعيناً الأخذ به كله أو تركه كله  . فإذا كان المدعى لا يسلم بالقيد الوارد فى الإقرار ، فلا يقبل منه أن يستند إلى الإقرار فيما عدا هذا القيد ، بل يكون عليه أن يثبت دعواه من طريق آخر ، فإن تجزئة الإقرار والأخذ بشق منه وإلزام المدعى عليه بدفع الأجر من إطراح القيد الوارد فيه ، ذلك مخالف لقواعد الإثبات ( نقض مدنى 30 مايو سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 64 ص 227 )  . وانظر أيضاً : نقض مدنى 15 أبريل سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 52 ص 150 )  .

ويلاحظ أن الدائن إذا أطرح الإقرار كله ، وأراد أن يثبت الدين بطريق آخر ، فإن له أن يتخذ الإقرار المطرح مبدأ ثبوت بالكتابة ، كما له أن يفعل ذلك عند إطراح الإقرار المركب غير قابل للتجزئة على ما سنرى  .

( [3] ) أوبرى ورو 12 ص 121 هامش رقم 25 مكرر 3 وص 125  .

( [4] ) ذلك أن الأصل فى الإقرار بوجه عام عدم التجزئة : استئناف مختلط 22 يناير سنة 1890 م 2 ص 386 – 27 فبراير سنة 1890 م 2 ص 394 – 14 مايو سنة 1890 م 2 ص 265 – 10 ديسمبر سنة 1891 م 4 ص 48 – 9 نوفمبر سنة 1893 م 6 ص 11 – 14 يناير سنة 1897 م 9 ص 119 – 23 أبريل سنة 1903 م 15 ص 259 – 28 ديسمبر سنة 1926 م 39 ص 106 – 18 يناير سنة 1927 م 39 ص 171 – 9 أبريل سنة 1927 م 39 ص 380 – 5 مارس سنة 1935 م 47 ص 182  .

( [5] ) استئناف مختلط أول يونيه سنة 1897 م 9 ص 363  .

( [6] ) انظر عكس ذلك الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 179  .

( [7] ) استئناف مختلط 12 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 60 – 4 مايو سنة 1916 م 28 ص 300  .

( [8] ) وقد قضت محكمة النقض بأن عدم تجزئة الإقرار لا تحول دون اعتباره مقدمة إثبات بالكتابة ( نقض مدنى 9 يونيه سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 433 ص 797 )  .

( [9] ) ويمثل الفقيهان أوبرىورو لعدم جواز إثبات الواقعة المرتبطة إلا بالكتابة أو ما يقوم مقامها بالوديعة الاختيارية فيما تزيد قيمته على نصاب البينة ، فإذا أقر حافظ الوديعة بأنه تسلم الوديعة ولكنه ردها ، لم يجز للمودع أن يثبت عدم الرد إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها  . فإذا كانت الوديعة اضطرارية ، وأقر حافظ الوديعة بأنه تسلمها ولكنه سلمها للشخص الذى عينه المودع ، جاز للمودع أن يثبت بجميع الطرق أن حافظ الوديعة لم يسلمها إلى هذا الشخص ( أوبرى ورو 12 ص 130 هامش رقم 38 – وانظر أيضاً تعليق بارتان فى انطباق هذه الأحكام على التفسير الذى يقول به من أن الإقرار قرينة قانونية على صحة المقر به فى ص 129 هامش رقم 36 )  .

( [10] ) استئناف مختلط 29 مايو سنة 1890 م 2 ص 270 – منوف 25 ديسمبر سنة 1928 المحاماة 9 رقم 496 ص 904  .

( [11] ) ومثل ذلك أيضاً أن يقر المدعى عليه بالعمل غير المشروع الذى صدر منه ، ولكنه يقول أنه صدر دفاعاً عن النفس  . فيتجزأ إقراره ، وعليه أن يثبت هو أنه كان فى حالة دفاع شرعى تعفيه من المسئولية المدنية  .

هذا ويجوز للقاضى تفسير الإقرار الغامض ، ولا يعد هذا تجزئه له ( أوبرى ورو 12 ص 130 – ص 131 – بودرى وبارد 4 فقرة 2721 ) – كذلك تصح تجزئة الإقرار إذا كانت الواقعة المرتبطة غير محتملة التصديق أو كانت متعارض مع الواقعة الأصلية ( استئناف مختلط 22 مايو سنة 1901 م 13 ص 323 – بودرى وبارد 4 فقرة 2720 – بيدان وبرو 9 فقرة 1316 ص 412 – قارن أوبرى ورو 12 ص 128 – وقارن أيضاً دى باج 3 ص 1047 – ص 1057 )  .

ويلاحظ أن ما قدمناه من الأحكام فى تجزئة الإقرار إنما يكون فى المسائل المدنية  . أما فى المسائل الجنائية فالإقرار تجوز تجزئته دائماً ، ويأخذ منه القاضى ما يقتنع بصدقه ويطرح ما لا يرى صحته  . وهذا ما لم تكن الجريمة قائمة على أساس عقد مدنى – كالتبديد – فإثبات هذا العقد عن طريق الإقرار يخضع للقواعد المدنية فى تجزئة الإقرار على النحو الذى قدمناه ( أوبرى ورو 12 ص 122 هامش رقم 25 مكرر 4 – نقض جنائى 23 أبريل سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 90 / 2 – 21 ديسمبر سنة 1918 المجموعة الرسمية 20 رقم 59 – 4 مايو سنة 1926 المجموعة الرسمية 28 رقم 69 – استئناف مختلط 14 يناير سنة 1946 م 58 ص 69 – 24 فبراير سنة 1947 م 59 ص 132 )  .

( [12] ) ولم يكن المشروع الأولى للإثبات الذى سبق المشروع التمهيدى يفسح مجالاً لتجزئة الإقرار ، بل كان يقضى بأن الإقرار لا يتجزأ  . فكانت المادة 38 من هذا المشروع تنص على أن ” الإقرار لا يتجزأ على صاحبه ”  . وكانت المادة 39 من المشروع تنص على أنه ” لا محل لعدم التجزئة ” ( 1 ) إذا ثبتت الواقعة المتنازع فيها عن طريق آخر مستقل عن الإقرار  . ( 2 ) إذا كان هناك إقراران متميزان ينصبان على واقعتين مختلفتين ( 3 ) إذا تقدم ، وفقاً للقواعد العامة ، دليل لإثبات عكس أحد العناصر التى يتكون منها الإقرار ”  . لذلك جاءت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى وهى تشرح فى الواقع المشروع الأولى ، دون نظر إلى ما أدخل على هذا المشروع من تعديل  . فورد فيها ما يأتى : ” وتعرض مسألة عدم التجزئة بالنسبة للإقرار المركب ، أى مسألة معرفة ما إذا كان يجوز لمن وجه الإقرار إليه أن يأخذ منه ما يرى فيه مصلحة له وأن يهمل الشق المضاف  . إلا أن من المقرر أن الشق المضاف يعتبر غير منفك عن جملة الإقرار ، موصوفاً كان الإقرار أو غير موصوف ، إذ لولاه لما صدر الاعتراف  . ثم إن الإقرار بأسره هو الذى يعتبر حجة ، لا جزء منه فحسب  . ويترتب على ذلك أن الإقرار المركب لا يتجزأ ، موصوفاً كان أو غير موصوف ، بل يتعين على من يتمسك به بصفته هذه أن يعتد به بأسره  . وقد نصت بعض التقنينات على استثناءات من حكم القاعدة العامة فى عدم تجزئة الإقرار  . بيد أن إمعان النظر فى هذه الاستثناءات يكشف عن خلوها عن معنى الشذوذ عن حكم الأصل لأنها لا تتعلق بإقرارات مركبة ، ومسألة التجزئة لا تعرض إلا عند التراكيب  . فقاعدة عدم تجزئة الإقرار قاعدة عامة لا يرد على إطلاقها قيد أو حد ”  . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 437 ص 438 )  . وواضح أن هذا إنما يصلح تقريراً لأحكام المشروع الأولى قبل أن يعدل فى المشروع التمهيدى بإدخال التعديل الخاص بجواز تجزئة الإقرار إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى ( انظر الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات ص 179 هامش رقم 1 )  . أما ما أوردته المادة 39 من المشروع الأولى من أحكام ، فهى نفس الأحكام التى أوردناها فى خصوص عدم تجزئة الإقرار ، لا فى خصوص تجزئته  . فأن الإقرار يبقى غير قابل للتجزئة حتى إذا ثبتت الواقعة المتنازع فيها عن طريق آخر غير الإقرار ، وحتى لو ثبت عكس أحد العناصر الذى يتكون منها الإقرار  . أما إذا كان هناك إقراران متميزان ينصبان على واقعتين مختلفتين ، فالأخذ بإقرار دون آخر ليس تجزئة لإقرار واحد ، بل هو فصل ما بين إقرارين متميزين  .

( [13] ) والكثرة من الفقهاء الفرنسيين يذهبون إلى أنه إذا كانت الواقعة المرتبطة ليست إلى النتيجة العادية ( ordinaire ) أو العرضية ( accidentel ) للواقعة الأصلية ، بحيث يكون حصول الواقعة المرتبطة يستلزم حتماً ( auppose necessairement ) سبق حصول الواقعة الأصلية ، كان الإقرار غير قابل للتجزئة ، وذلك كما إذا أقر المدين بالدين ولكنه قال إنه انقضى بالوفاء أو بالتجديد أو بالإبراء  . فإذا كانت الواقعة المرتبطة مستقلة كل الاستقلال عن الواقعة الأصلية ، فإن الإقرار يتجزأ ، كما إذا أقر المدين بالدين ولكنه قال إنه سقط بالمقاصة  . وهذا هو المعيار الذى أخذ به التقنين المدنى المصرى الجديد كما رأينا ( انظر فى هذا المعنى أوبرى ورو 12 ص 123 – ص 125 – تولييه 5 فقرة 339 – لارومبيير م 1356 فقرة 15 –

ديمولومب 30 فقرة 511 وفقرة 513 – لوران 20 فقرة 193 – ماركاديه م 1354 وم 1356 / 2 – بودرى وبارد 4 فقرة 2716 – بيدان وبرو 9 فقرة 1316 )  .

وهناك فريق من الفقهاء يذهبون إلى أن الإقرار إنما يكون غير قابل للتجزئة إذا كانت الواقعة المرتبطة تقابل تماماً ( correspond exactement ) الواقعة الأصلية ، كالوفاء يقابل وجود الدين  . فإذا لم يكن هناك تقابل تام ما بين الواقعتين ، تجزأ الإقرار  . فيتجزأ إذن ، ليس فحسب فى حالة ما إذا كانت الواقعة المرتبطة هى المقاصة ، بل أيضاً إذا كانت هى التجديد أو الإبراء  . أما فى حالة الوفاء فلا يتجزأ الإقرار لأن التقابل تام ما بين الواقعة الأصلية والواقعة المرتبطة ( تعليقات بارتان على أوبرى ورو 12 ص 124 هامش رقم 26 مكرر ، بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1575 ص 1045 – ص 1046 – قارن بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2291  . ويشير بارتان إلى أن نظرية أوبرى ورو فى تجزئة الإقرار هى أكثر اتفاقاً مع ما ذهب هو إليه من أن الإقرار قرينة قانونية على صحة المقر به : أوبرى ورو 12 ص 120 هامش رقم 25 مكرر )  .

ويذهب دى باج إلى العكس من لك فيجعل الإقرار غير قابل للتجزئة ، لا فى حالات الوفاء والتجديد والإبراء فحسب ، بل أيضاً فى حالة المقاصة ذاتها  . فعنده أن الإقرار ، بسيطاً كان أو موصوفاً أو مركباً ، لا يتجزأ ، دون أى استثناء ( دى باج 3 ص 1047 – ص 1057 ) وهذا هو الرأى الذى كان المشروع الأولى للإثبات قد أخذ به كما قدمنا ، والظاهر أنه كان منقولاً عن دى باج  .

( [14] ) الموجز للمؤلف فقرة 159  . وقد قضت محكمة مصر الكلية بأن الإقرار إما أن يكون بسيطاً ، أو تاماً ، وإما أن يكون موصوفاً أو معدلاً ، وإما أن يكون مركباً  . فالبسيط هو الاعتراف بالحق كاملا  . والإقرار الموصوف هو عدم الاعتراف بالأمر المدعى به كما هو ، كما إذا ادعى شخص على آخر بدين فاعترف به الأخير ، إنا قال إنه دين قمار ، ومثل هذا الإقرار غير قابل للتجزئة – أما الإقرار المركب فهو الإقرار بالواقعة الأصلية غير معدلة ولا موصوفة ، وإنما هى مصحوبة بواقعة أخرى منفصلة عنها يصح أن تعتبر نفياً لها  . فإذا كانت الواقعة الأخرى غير مرتبطة بالواقعة الأصلية ، بحيث أن حصولها لا يتحتم معه وجود الأولى ، فليس هنا ما يمنع من تجزئة الاعتراف ، كما إذا ادعى شخص على آخر ديناً فاعترف الآخر به ، وإنما أدعى بالمقاصة فيه ، فإنه فى هذه الحالة يلزم المقر بإثبات الدين الذى له بالطرق المعتادة ( مصر الكلية 7 يناير سنة 1933 المحاماة 16 رقم 433 ص 937 )  . وقضت محكمة ملوى بأن تجزئة الإقرار جائزة فى أحوال معينة منها : ( أولاً ) إذا كانت الواقعة الأخرى غير مرتبطة بالواقعة الأصلية بحيث أن حصولها لا يؤثر على كيان الأولى ووجودها لاختلاف موضوعهما أو طبيعتهما أو الأشخاص الذين تعلقت بهم كل واقعة  . فالقرار أحد الورثة باستلام مبلغ مخلف عن المورث ضمن التركة المورثة ، وادعاؤه فى وجه الورثة الذين لهم نصيب فيه بأنه دفعه فى ديون كانت على المورث هو إقرار مركب قابل للتجزئة ، لأن ادعاء السداد لدائنى التركة هى واقعة غير مرتبطة بالواقعة الأصلية ارتباطاً لا يقبل التجزئة لاختلاف موضوع كل وقاعة من الواقعتين لتباين الأشخاص فى كليهما ، ولما تستلزمه الواقعة التى أردف بها الإقرار من تحقيق ديون الدائنين وسببها ومقدارها وترتبها فى الذمة  . ( ثانياً ) وقوع تناقض فى أقوال المقر ، أو إذا كانت الواقعة التى أضافها لإقراره ظاهرها الغش أو الكذب ( 3 سبتمبر سنة 1932 المحاماة 14 رقم 231 / 2 ص 446 )  . وقضت محكمة طنطا الكلية بأنه من المقرر قانوناً أن الإقرار إذا كان جنائياً ، فإنه يقبل التجزئة  . والعلة التى أجاز المشرع من أجلها تجزئة الإقرار الجنائى هى أنه ليس حجة فى ذاته ، بل هو خاضع لتقدير القاضى واقتناعه ، فله أن يفصح كافة أجزائه ولا يأخذ منها إلا بما يقنعه ، وله أن يرفضه بأكمله أو يرفض بعضه فقط ويقتنع بالبعض الآخر  . ومع ذلك يكون الاعتراف الجنائى غير قابل للتجزئة إذا كان موضوعه عقداً من العقود المدنية وتتوقف عليه الجريمة وكان الاعتراف الجنائى غير قابل للتجزئة إذا كان موضوعه عقداً من العقود المدنية وتتوقف عليه الجريمة وكان الاعتراف هو الطريق الوحيد لإثباتها طبقا ًلأحكام القانون المدنى  . وإنما أجاز المشرع تجزئة الإقرار الجنائى غير قابل للتجزئة إذا كان موضوعه عقداً من العقود المدنية وتتوقف عليه الجريمة وكان الاعتراف هو الطريق الوحيد لإثباتها طبقاً لأحكام القانون المدنى  . وإنما أجاز المشرع تجزئة الإقرار الجنائى لكى يترك للقاضى الجنائى الحرية فى تكوين عقيدته للحكم فى الدعوى الجنائية وفى سبيل الحكم فيها ، ولا يمكن أن يؤخذ بهذه التجزئة للفصل فى دعوى مدنية تكون مرتبطة بها ( أول مايو سنة 1935 المحاماة 16 رقم 439 ص 948 )  .

انظر طريقة توكيل محامي

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الإقرار المركب لا يتجزأ إذا كانت الواقعة الأصلية المرتبطة هى النتيجة العادية ( ) أو العرضية ( ) للواقعة الأصلية  . أما إذا كانت الواقعتان مستقلتين كل منها عن الأخرى بحيث لا يستلزم وجود إحدى الواقعتين وجود الواقعة الثانية ، فإن الإقرار تصح تجزئته : استئناف مختلط 23 مايو سنة 1914 م 26 ص 392 – أول مارس سنة 1917 م 29 ص 267 – 20 مارس سنة 1930 م 42 ص 375 – 22 مارس سنة 1933 م 45 ص 209 – 5 مارس سنة 1935 م 47 ص 142 – وانظر عدم تجزئة الإقرار الموصوف : استئناف مختلط 12 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 60 – 17 يونيه سنة 1915 م 27 ص 412  .

( [15] ) انظر فى أن الإقرار يتجزأ فى الفقه الإسلامى : طريق القضاء فى الشريعة الإسلامية للأستاذ أحمد إبراهيم ص 135 – ص 137  .

( [16] ) أوبرى ورو 12 ص 131 – دى باج 3 ص 1058 – 1059 – بيدان وبرو 9 فقرة 1316 ص 413 – نقض فرنسى 28 نوفمبر سنة 1900 سيريه 1903 – 1 – 79 – 4 يوليه سنة 1905 سيريه 1906 – 1 – 88  .المصدر: محامي في الأردن

الإقرار حجة قاصر على المقر

الإقرار حجة قاصر على المقر

258 – الإقرار حجة على المقر والخلف العام ولا يتعدى إلى غيرهما : ولما كان الإقرار هو إعفاء من الإثبات ونزول عن المطالبة بهذا الحق ، فهو من هذه الناحية تصرف قانونى يقتصر أثره على المقر ( [1] ) . ويتعدى أثر الإقرار إلى ورثة المقر بصفتهم خلفاً عاماً له ، فيصح الاحتجاج عليهم بما حواه إقراره ( [2] ) .

  502  

ولا يتعدى أثر الإقرار إلى غير المقر ورثته ( [3] ) . فلا يتعدى إلى الدائن ( [4] ) ، أو الشريك أو الورثة فيما بينهم . فلو أقر أحد الشركاء فى الشيوع بتصرف الشركاء فى الملك الشائع ، كان إقراره بهذا التصرف حجة عليه وحده ، ولا يكون حجة على الشركاء الآخرين الذين لم يصدر منهم إقرار . ولو أقر أحد الورثة بحق على التركة ، فإن إقراره يكون حجة عليه دون سائر الورثة ( [5] ) . ولو أقر أحد المدينين المتضامنين بالدين ، فلا يسرى هذا الإقرار فى حق الباقين ( م 295 فقرة أولى مدنى ) ، ويكون الإقرار حجة قاصرة على المدين الذى صدر منه الإقرار .

والدائن والخلف الخاص ، بخلاف الورثة ، لا يتعدى إليهما أثر الإقرار كما قدمنا . فإذا أقر المدعى عليه فى دعوى استحقاق دار بملكية الدار للمدعى ، لم يكن هذا الإقرار حجة على دائنه ، ويجوز للدائن أن يتدخل فى الدعوى ويثبت بجميع الطرق أن الإقرار غير صحيح ، حتى تبقى الدار لمدينه فيستطيع أن ينفذ عليها بالدين . كذلك إذا كان المدعى عليه فى المثل المتقدم قد باع الدار لآخر ، ثم رفعت عليه دعوى الاستحقاق وأقر بملكية الدار للمدعى ، فإن هذا الإقرار  503  يكون حجة قاصر عليه دون المشترى ، ويستطيع هذا أن يتدخل فى الدعوى ليثبت أن الإقرار لا صحة له حتى تخلص له ملكية الدار . وفى الحالتين المتقدمتين إذا حكم فى الدعوى بمقتضى إقرار المدعى عليه قبل أن يتدخل الدائن أو المشترى ، فلهذين الاعتراض على الحكم اعتراض الخارج عن الخصومة وفقاً لأحكام المواد 450 إلى 456 من تقنين المرافعات ، لإثبات عدم صحة الإقرار الصادر من المدعى عليه إذ هو حجة قاصر عليه لا تتعدى إليهما ، ذلك أن الدائن أو المشترى كان وقت صدور الحكم ممن يتعدى إليهم الحكم ويعتبر حجة عليهم ، ومن ثم يثبت له حق الاعتراض .

أم الورثة ، فلو مات المدعى عليه بعد الإقرار وقبل الحكم فى الدعوى ، فإن الإقرار لا يكون حجة عليهم ، ولهم أن يثبتوا عدم صحته بجميع الطرق حتى تبقى الدار فى التركة . ولكن إذا صدر الحكم قبل موت المورث وفى مواجهته ، فإنه يسرى على الورثة ولا يثبت لهم حق الاعتراض . ذلك أنهم وقت صدور الحكم ضد مورثهم كان الحكم يسرى فى حقهم باعتبارهم خلفاً عاماً ، فيبقى الحكم سارياً فى حقهم حتى بعد موت المورث وقيام حقهم فى الإرث .

259 – الإقرار لا يكون حجة على المقر لصالحه : ويبقى الإقرار حجة قاصر على المقر حتى بالنسبة إلى المقر لصالحه . ذلك أن الإقرار إذا كان حجة للمقر لصالحه ، فإن لا يكون حجة عليه . فلو أن المدين أقر لدائنه بالدين ، وقال إنه وفاه أو أن الدين سقط بعد ذلك بالمقاصة ، فلا يكون قوله إنه وفاه أو أن الدين سقط بالمقاصة حجة على الدائن ( [6] ) . وهذا ما يعرف بالتجزئة فى الإقرار ، وننتقل الآن إليه .


( [1] ) وقد نصت المادة 469 من التقنين المدنى العراقى على أن ” الإقرار حجة قاصرة على المقر ” ( انظر أيضاً المادة 100 من قانون البينات السورى ) وقد قدمنا أن كلا من الإقرار واليمين حجيته قاصرة ، أما الكتابة والبينة والقرائن فحجيتها متعدية  .

( [2] ) نقض مدنى 20 أبريل سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 113 ص 440 – على أنا لوارث يستطيع أن يثبت عدم صحة إقرار مورثه بجميع الطرق إذا كان فى هذا الإقرار احتيال على القانون ، كما إذا قصد المورث بإقراره إيثار بعض الورثة على بعض بأكثر من النصاب الذى يجوز فيه الإيصاء  . وقد قضت محكمة النقض بأن الأصل فى إقرارات المورث أنها تعتبر صحيحة وملزمة لورثته حتى يقيموا الدليل على عدم صحتها ، وإذا كان القانون قد أعفى من يضار من الورثة بهذه الإقرارات من الإثبات الكتابى فى حالة ما إذا طعنوا فيها بأنها فى حقيقتها وصية قصد بها إيثار بعض الورثة ، فليس معنى هذا أن مجرد طعنهم فيها يكفى لإهدار حجية هذه الإقرارات ، بل يجب لذلك أن يقيموا الدليل على عدم صحتها بأى طريق من طرق الإثبات ( نقض مدنى 18 يناير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 49 ص 249 )  . وقضت أيضاً بأن الوارث لا يعتبر من طبقة الغير بالنسبة إلى الإقرارات الصادرة من المورث ، ومن ثم فإنها تسرى عليه ، غير أن له أن يثبت بأى طريق من طرق الإثبات أن حقيقتها وصية قصد بها إيثار أحد الورثة إضراراً به ( نقض مدنى 19 أبريل سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 113 ص 693 )  .

( [3] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الإقرار حجة قاصر على المقر وورثته من بعده  . فلا يجوز إعمال أثره على من عداهم ( نقض مدنى 3 يناير سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 55 ص 317 )  .

( [4] ) فللدائن أن يثبت بجميع الطرق صورية الإقرار الصادر من المدين إضراراً بحقه  . أما إذا لم يثبت الدائن عدم صحة إقرار المدين ، فإن الإقرار يسرى فى حقه كما يسرى فى حق الورثة ( استئناف مختلط 8 مايو سنة 1890 م 2 ص 313 )  .

انظر طريقة توكيل محامي

( [5] ) الموجز للمؤلف ص 685 والأحكام المشار إليها فى هامش رقم 3 من الصفحة ذاتها  .

( [6] ) وفى الفقه الإسلامى الإقرار حجة قاصرة على المقر  . جاء فى البدائع : ”  .  .  . لأن إقرار الإنسان حجة على نفسه لا على غيره لأنه على غيره شهادة أو دعوى ” ( البدائع 7 ص 228 )  . ولذلك أجاز الفقهاء سماع البينة بعد الإقرار ، لأن الإقرار قاصر والبينة متعدية  . جاء فى كتاب طرق القضاء للأستاذ أحمد إبراهيم فى هذا الصدد : ” ومن أمثلة ذلك : ( أ ) إذا أقر أحد الورثة بالدين على الميت ، فأراد الدائن إقامة البينة ليتعدى الحكم إلى بقية الورثة ، كان له ذلك  . وكذا إذا أقر جميع الورثة بالدين على الميت ، تقبل أيضاً بينة الدائن ، لأنه كما يتحاج إلى إثبات الدين فى حقهم يحتاج أيضاً إلى إثباته فى حق دائن آخر  . ( ب ) إذا ادعى أنه وكيل فلان بقبض دينه من فلان ، فصدقه المدين ، ثم أراد الوكيل إقامة البينة على الوكالة ، كان له ذلك ، إذا لو دفع المدين الدين إلى الوكيل بلا بينة على الوكالة يتضرر لأنه لا تبرأ ذمته إذا أنكر الموكل الوكالة ، أى لا تبرأ ذمة المدين  . فالفائدة من البينة عائدة على المدين ، وكذا على الوكيل أيضاً لأنها تثبت أن يده يد أمانه على ما قبضه حتى إذا هلك كان هلاكه هلاك الأمانة  .  . ( ج ) فى الاستحقاق تقبل البينة مع إقرار المشترى ، ليتمكن من الرجوع على بائعه ، لأنه إذا أقر بالملك المستحق لا يتمكن من الرجوع بالثمن على البائع ، لكن لو أقيمت عليه البينة أمكنه ذلك لأنها حجة متعدية  . ( د ) لو أقر الوارث للموصى له تسمع عليه البينة مع إقراره ، كى يتعدى الحكم إلى غيره  . ( هـ ) لو أقر المدين المحجور عليه بدين لإنسان آخر لا ينفذ إقراره ، لكن أو أقام الدائن المقر له بنية على دينة سمعت  . ( و ) إذا ادعى عقاراً فى يد غيره ملكاً مطلقاً وذو اليد مقر بوضع يده ، فإنه مع هذا يجب على المدعى أن يقيم البينة على وضع يد المدعى عليه على ذلك العقار ، منعاً للتواطؤ والاحتيال على أخذ أموال الناس بالباطل ” ( طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية للأستاذ أحمد إبراهيم ص 224 – ص 225 )  .

المصدر: محامي في الأردن

نموذج عقد

التفاوض على العقد

صياغة العقد التجاري وفق الأنظمة السعودية

حجية الإقرار

حجية الإقرار

253 – النصوص القانونية : تنص المادة 409 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” 1 – الإقرا حجة قاطعة على المقر ” .

 ” 2 – ولا يتجزأ الإقرار على صاحبه ، إلا إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى ( [1] ) ” .

  497  

ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 233 / 298 ( [2] ) .

ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 100 – 101 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادتين 469 – 470 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 266 – 227 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 397 ( [3] ) .

  498  

ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1356 ( [4] ) .

254 – مسائل ثلاث : ويتبين من نص التقنين المدنى السالف الذكر أن الإقرار حجة قاطعة على المقر ، وهو أيضاً حجة قاصرة عليه . ثم إن الإقرار فى الأصل لا يتجزأ على صاحبه ، ومع ذلك يتجزأ الإقرار إذا انصب على وقائع متعددة دون أن يستلزم وجود واقعة منها وجود الوقائع الأخرى .

فعندنا إذن مسائل ثلاث : ( 1 ) الإقرار حجة قاطعة على المقر . ( 2 ) الإقرار حجة قاصرة على المقر . ( 3 ) تجزئة الإقرار .

المبحث الأول

الإقرار حجة قاطعة على المقر

255 – الإقرار حجة قاطعة على المقر لا يقبل إثبات العكس ، وهو ذو أثر كاشف : إذا توافر للإقرار أركانه على الوجه الذى بيناه ، صار إقراراً قضائياً ، وكان حجة قاطعة على المقر . ومعنى ذلك أن الواقعة التى أقر بها الخصم تصبح فى غير حاجة إلى الإثبات ، ويأخذ بها القاضى واقعة ثابتة بالنسبة إلى الخصم الذى أقر بها ( [5] ) . والإقرار لا يكون حجة للمقر لأن الشخص  499  لا يصطنع الدليل لنفسه ، ولا يكون إلا حجة عليه .

والحجة هنا قاطعة ، لا يجوز إثبات عكسها . ولكن هذا لا يمنع من أن يطعن المقر فى إقراره بأنه صورى تواطأ عليه مع خصمه ، أو أنه وقع نتيجة غلط أو تدليس أو إكراه ، أو أنه صدر منه وهو ناقص الأهلية . فإذا أثبت ذلك بالطرق الجائزة قانوناً بطل الإقرار ، ولا يكون هذا رجوعاً فى إقرار موجود ، بل هو إلغاء لإقرار ظهر بطلانه . أما الإقرار القائم الصحيح فلا يجوز الرجوع فيه ، ولا يجوز إثبات عكسه ، فهو إذن حجة قاطعة على المقر ( [6] ) .

وأثر الإقرار كاشف لا منشئ . وقد قضت محكمة النقض بأن الإقرار لا يكون سبباً لمدلوله ، وإنما هو دليل تقدم الاستحقاق عليه فى زمن سابق . فحكمه ظهور ما أقر به المقر ، لا ثبوته ابتداء ( [7] ) .

256 – تأصيل الحجية القاطعة للإكراه – إعفاء الخصم من الإثبات ونزول عن مطالبته به : واختلف النظر فى تأصيل الحجية القاطعة للإقرار . فالفقيهان أوبرى وروى – ومعهما أكثر الفقهاء – يذهبان إلى أن الإقرار هو قلب لعبء الإثبات ( renversement de la charge de preuve ) ، وبعد أن كان من يدعى وقاعة يطالب بإثباتها ، فإن إقرار خصمه بهذه الواقعة ينقل عبء الإثبات منه إلى المقر . والمقر بعد إقراراه هو الذى يحمل إثبات أن إقراره غير صحيح ، وذلك بالطعن فى الإقرار بوجه من الوجوه التى تقدم ذكرها . ولما كانت  500  هذه الوجوه يندر تحققها ، فقل أن يكون الإقرار صورياً وقل أن يشوبه عيب أو نقص فى الأهلية ، فإن الإقرار يصبح إذن ، فى الكثرة الغالبة من الأحوال ، ليس قلباً لعبء الإثبات فحسب ، بل إعفاء من الإثبات ( dispense de preuve ) . ذلك أن الخصم إذا ادعى واقعة وجب عليه إثباتها . فإذا أقر إذا ادعى واقعة وجب عليه إثباتها . فإذا أقر خصمه بهذه الواقعة ، كان هذا معناه أنه يعفيه من هذا الإثبات . فتصبح الواقعة ثابتة ، لا لأن دليلاً أثبتها ، بل لأنها فى غير حاجة إلى الإثبات ( [8] ) .

ويضيف بارتان ( [9] ) إلى ذلك أن التأصيل على النحو المتقدم يتضمن حتماً أن المقر ، وهو يعفى خصمه من إثبات ما يدعيه ، ينزل فى الوقت ذاته عن حقه فى مطالبة خصمه بهذا الإثبات . وهذا هو التأصيل الذى وقفن عنده ، عندما قررنا أن الإقرار واقعة قانونية تتضمن تصرفاً قانونياً هو نزول المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بالإثبات ( [10] ) .

  501  

257 – قد يكون الإقرار مبدأ ثبوت بالكتابة : وإذا كان الإقرار حجة قاطعة بالوقعة التى تضمنها بالذات ، فإنه يصلح أيضاً أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة لواقعة متصلة بالواقعة التى تضمنها بالذات . وقد سبق إيراد هذه القاعدة وأمثلتها . ويسوق أوبرى ورو لها مثلاً إقرار الزوج بتوكيل زوجته بقبض الفوائد ، فهذا الإقرار حجة قاطعة بالنسبة إلى واقعة التوكيل بقبض الفوائد ، ومبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلى واقعة التوكيل بقبض رأس المال ( [11] ) . وسنرى أيضاً فيما يلى أن الإقرار غير القابل للتجزئة – الإقرار الموصف وبعض صور الإقرار المركب – إذا كانت تجزئته غير ممكنه ، فإن هذا لا يحول دون اعتبار مبدأ ثبوت بالكتابة ( [12] ) .


( [1] ) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 547 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق لما استقر عليه فى التقنين الجديد ، عدا الفقرة الأولى فقد كانت فى المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” الإقرار حجة قاطعة على من صدر منه ” ، فحورت فى لجنة المراجعة تحويراً لفظياً وأصبحت : ” الإقرار حجة قاطعة على المقر ”  . وأصبح رقم المادة 422 من المشروع النهائى  . وأقرها مجلس النواب ، ثم لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 409 ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 435 وص 441 )  .

( [2] ) كانت المادة 233 / 298 من التقنين المدنى السابق تجرى على الوجه الآتى : ” لا يتجزأ الإقرار الحاصل من الخصم بالمحكمة ، سواء كان من تلقاء نفسه أو بعد استجوابه ، بمعنى أنه لا يؤخذ الضار منه بالمقر ويترك الصالح له ”  . والتقنين الجديد ، كما نرى ، أدق صياغة وأشمل حكماً  . ولكن لا فرق فى الأحكام ما بين التقنينين الجديد والقديم  .

( [3] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 100 : الإقرار حجة قاصرة على المقر – م 101 : مطابقة للفقرة الثالثة من المادة 409 من التقنين المصرى  . ( وقد عرض القانون السورى فى حجية الإقرار إلى قصروها على المقر لا إلى قطعيتها ، وكل من القصور والقطعية من خصائص الإقرار )  .

التقنين المدنى العراقى م 469 : الإقرار حجة قاصرة على المقر – م 470 : مطابقة للفقرة الثانية من المادة 409 من التقنين المصرى ، ( والتقنين العراقى مطابق لقانون البينات السورى )  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 226 : يسمى الإقرار موصوفاً عندما يقتصر على الفعل الذى صرح به الفريق الآخر إلا أنه يفسد نتائجه القانونية بما يشتمل عليه من البيانات الإضافية  . وهذا الإقرار يفيد الثبوت التام فيما يختص بالفعل الأصلى ، أما البيانات الإضافية فتعد ثابتة إلى أن يثبت عكسها – م 227 : يسمى الإقرار مركباً عندما يكون واقعاً على الفعل الأصلى وعلى فعل آخر معاً ، ويكون غير قابل للتجزئة فى حالة واحدة وهى إذا كان الفعل الجديد يقدر معه وجود الفعل الأصلى كأن يعترف المديون الذى أقيمت عليه دعوى الإيفاء بأنه اقترض المبلغ المدعى به ولكنه يزيد على اعترافه أنه أوفاه فيما بعد ، فالقاضى يعد فعل الاقتراض ثابتاً على وجه نهائى ، أما الإيفاء فيعد ثابتاً إلى أن يثبت عكسه  . ( وهذه الأحكام تتفق مع أحكام القانون المصرى ، وإن كانت أكثر تفصيلاً ولها صبغة فقهية واضحة )  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 397 : 1 – الإقرار حجة قاطعة على المقر 2 – وإذا اقترن الإقرار الصادر من أحد الطرفين عن وقائع ليست لصالحه بالتصريح بوقائع أخرى أو بظروف يراد منها الحد من أثر الواقعة المقر بها أو تغييرها أو إزالة آثارها ، فلكامل الإقرار وما اقترن به قوة البينة الكاملة إذا لم يطعن الطرف الآخر فى صحة ما أضيف من وقائع أو ظروف  . ويترك للقاضى عند الاختلاف ، تقدير قوة الإقرار كبينة  . ( ومن ذلك نرى أن التقنين الليبى ترك للقاضى تقدير ما إذا كان الإقرار يتجزأ على صاحبه أو لا يجزأ ، ولم يضع لذلك معيراً تشريعياً كما فعل التقنين المصرى )  .

( [4] ) التقنين المدنى الفرنسى م 1356 : وهو ( الإقرار ) حجة قاطعة على من صدر منه  . ولا يجزأ عليه  . ولا يجوز له الرجوع فيه إلا إذا ثبت أنه صدر عن غلط فى الواقع ، أما الغلط فى القانون فلا يصلح حجة للرجوع  .

Art  . 1356 el  . 2 et 3 : Il fait pleine foi contre celui qui l’a fait  . Il ne peut etre divise contre lui  . Il ne peut etre revoque, a moins qu’on ne prouve qu’il a ete la suite d’une erreur de fait  . Il pourrait etre revoque sous pretext d’une erreur de droit  .

( [5] ) والقاضى قد يأخذ بالإقرار فيما يكون من غير اختصاصه  . وقد قضت محكمة النقض بأنه وإن كان القاضى المدنى ممنوعاً من أن يضع نفسه موضع القاضى الشرعى فى تحقيق الوفاة والوراثة بطريق التحريات وسماع الشهود واستدعاء الورثة لسماع أقوالهم ثم التقرير بالوراثة بناء على ما يثبت له – أنه وإن كان ممنوعاً من ذلك ، له ، ابتغاء التحقيق من صفة الخصوم فى الدعوى المطروحة أمامه ، أن يأخذ فى إثبات الوراثة بإقرار أحد الخصمين فى مجلس القضاء ، سواء أكان ذلك الإقرار حصل أمامه أم أمام غيره ودون فى ورقة رسمية ، وذلك دون أن يرسل أولئك الخصوم أمام المحكمة الشرعية للفصل فى أمر الوراثة  . وأخذه بهذا الإقرار لا افتيات فيه على اختصاص القاضى الشرعى لدخوله فيما له من الحق فى تقدير الدليل المقدم فى الدعوى التى تحت نظره ( نقض مدنى 26 مايو سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 49 ص 108 )  .

( [6] ) انظر الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 113  .

( [7] ) نقض مدنى 6 فبراير سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 323 ص 1046 – وقضت أيضاً بأنه متى أثبتت محكمة الموضوع فى حكمها أن الإقرار المسند للمقر هو إخبار صادق عن حقيقة واقعية لا شبه فيها ولا شك ، فلا يضير هذا الإخبار الصحيح أن يكون قد أعطى شكل عقد بيع ( نقض مدنى 23 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 269 ص 798 )  .

( [8] ) ويبدو أن محكمة النقض تذهب هذا المذهب ، فقد قضت بأن القانون يكلف المدعى إقامة الدليل على دعواه ، إلا إذا سلم له خصمه بها أو ببعضها ، فإنه يعفيه من إقامة الدليل على ما اعترف به  . فإذا اعترف شخص بأن الأرض موضوع النزاع أصلها من أملاك الحكومة الخاصة ولكنه تملكها بالتقادم ، ثم بحثت المحكمة مع ذلك مستندات ملكية أصلها من أملاك الحكومة الخاصة ولكنه تملكها بالتقادم ، ثم بحثت المحكمة مع ذلك مستندات ملكية الحكومة لها وقضت بعدم كفايتها لإثبات الملكية ، فإنها تكون قد خالفت القانون باقتضائها دليلاً على أمر معترف به ( نقض مدنى 23 نوفمبر سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 143 ص 260 )  .

( [9] ) بارتان فى تعليقاته على أوبرى ورو 12 فقرة 751 ص 116 هامش رقم 18 مكرر  .

( [10] ) غير أن بارتان لا يكتفى بهذا التأصيل حتى مع هذه الإضافة ، فإن الإقرار إذا اعتبر نزولاً عن حق المطالبة بالإثبات يكون عندئذ دليلاً سلبيا  . ويقول بارتان ( أوبرى ورو 12 فقرة 751 ص 116 هامش رقم 18 مكرر ) : ولكن الواقع هو أن الإثبات دليل إيجابى ، فإن المقر لا يقتصر على النزول عن حقه فى مطالبة المدعى بالإثبات ، بل هو أيضاً يقدم دليلاً إيجابياً على صحة الواقعة المدعى بها ، وذلك عن طريق الإقرار – إذ الإقرار يتضمن واقعتين : واقعة الإقرار ذاتها ( le fait de l’aveu ) ، والواقعة المعترف بها ( le fait avoue )  . فواقعة الإقرار ذاتها هى الثابتة بقول المقر  . ولا يمكن تعليلها بأفضل من أنها مطابقة للواقعة المعترف بها ، وإلا لما اعترف بها المقر وهى ضد مصلحته  . ومن ثم تكون واقعة الإقرار ( le fait de l’aveu ) قرينة قانونية قاطعة على صحة الواقعة المعترف بها ( le fait avoue )  . ( انظر أيضاً فى هذا المعنى بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1562 ص 1035 – ص 1036 دى باج 3 ص 1037 – ص 1038 )  . ولهذا عد التقنين المدنى الفرنسى فى المادة 1350 الإقرار ضمن القرائن القانونية  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذه المسألة ما يأتى : ” والأصل وجوب إقامة الدليل على كل واقعة قانونية إذا نوزعت أو أنكرت  . ولما كان الإقرار اعترافاً بواقعة قانونية ، فهذه الواقعة لا يجب بعد ذلك إثباتها ، لأنها ليست متنازعة أو مجحودة ، بل هى مسلمة معترف بها ، فالإقرار ليس دليلاً بمعنى الكلمة ، بل هو وسيلة تقيل من الالتجاء إلى طرق الإثبات التى شرعها القانون ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 432 )  .

( [11] ) أوبرى ورو 12 ص 128 هامش رقم 35  .

( [12] ) نقض مدنى 9 يونيه سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 433 ص 797 – أوبرى ورو 12 ص 128  .

المصدر: محامي في الأردن

انظر طريقة توكيل محامي

الطرق المعفية من الإثبات

الطرق المعفية من الإثبات

الإقرار واليمين والقرائن القانونية

343 – قوة مطلقة – حجية قاصرة وحجية متعدية : قدمنا ( [1] ) أن الإقرار واليمين والقرائن القانونية تصلح للإعفاء من إثبات أية واقعة مادية أو أى تصرف قانونى مهما بلغت قيمته . فهى من هذه الناحية كالكتابة قوتها مطلقة .

وقدمنا أيضاً ( [2] ) أن الإعفاء من الإثبات فى الإقرار وفى اليمين مقصور على الخصمين ، فحجية الإقرار واليمين غير متعدية إلى الغير ، ومن ثم تكون حجية قاصرة . أما حجية القرائن القانونية فغير مقصورة على الخصمين ، فهى حجية متعدية .

ونعالج هذه الطرق الثلاثة –الإقرار واليمين والقرائن القانونية – متعاقبات فى فصول ثلاثة .

  471  

الفصل الأول

الإقرار

244 – تعريف الإقرار بوجه عام : الإقرار هو اعتراف شخص بحق عليه لآخر ، سواء قصد ترتيب هذا الحق فى ذمته أو لم يقصد ( [3] ) .

فلا يكون إقراراً إنشاء الشخص الحق فى ذمته بتصرف قانونى أو بواقعة قانونية ، كالمشترى يلتزم بدفع الثمن وكمن يرتكب عملا غير مشروع يلتزم بالتعويض ، ذلك أن إنشاء الحق غير الاعتراف به . ولما كان إنشاء الحق بتصرف قانونى يحتاج فى إثباته إلى ورقة مكتوبة إذا كانت قيمة هذا الحق تزيد على عشرة جنيهات ، فهذه الورقة تكون دليل إثبات لا إقراراً ، لأنها أعدت من مبدأ الأمر لتثبت التصرف القانونى ، وتكون فى الغالب معاصرة لنشوئه أو بعد ذلك بوقت قليل . أما إذا كتب المدين إقراراً على نفسه بذات الحق ، فإنه لا ينشئ بذلك حقاً فى ذمته ، ولكنه يقر بوجود هذا الحق بعد أن نشأ( [4] ) . ويكتب المقر إقراره عادة بعد نشوء الحق الذى يقر به بوقت غير قصير ، مدفوعاً إلى ذلك باعتبارات متنوعة . فقد يكتب الإقرار بعد نزاع ينتهى فى تسويته إلى هذا الإقرار ، وقد يكتبه بعد تصفية حساب قديم ، وقد يكتبه حتى يمكن صاحب الحق من ورثته أن يتقاضى حقه قبل قسمة التركة ، وقد يكتبه حتى يمكن صاحب الحق من ورثته أن يتقاضى حقه قبل قسمة التركة ، وقد يكتبه عندما يحس أنه منيته قد دنت ليترك لصاحب الحق إقراراً بحقه فيبرئ ذمته سواء كتب الإقرار فى مرض الموت أو قبل ذلك . أما إذا كان السند المثبت للحق قد ضاع أو قدم عليه العهد ، فكتب المدين سنداً مؤيداً للسند الأصلى ، فهذا ليس إقراراً بل هو السند المؤيد الذى بسطنا أحكامه فيما تقدم . فالورقة المكتوبة إذن قد تكون سنداً أصلياً ، أو سنداً مؤيداً للسند الأصلى ، أو إقراراً مكتوباً بالدين .

  472  

ولا يكون إقراراً ما يسلم به الخصوم اضطراراً على سبيل الاحتياط من طلبات خصمه . فإذا قرر فى مذكرة قدمها استعداده لدفع مبلغ من النقود أقل من المبلغ المدعى به بعد أن أنكر وجود الحق فى ذمته أصلا ، ولكنه يعرض هذا المبلغ على خصمه حسما للنزاع واحتياطاً لما عسى أن تتجه إليه المحكمة من إجابة الخصم إلى بعض طلباته ، فإن هذا لا يكون إقراراً ، لأنه ليس اعترافاً خالصاً بوجود هذا المبلغ فى ذمته ، بل هو تسليم جدلى ببعض المدعى به لحسم النزاع . فهو أقرب إلى أن يكون مشروع صلح يعرضه على الخصم ، حتى إذا قبله هذا انحسم النزاع بينهما( [5] ) .

ولا يكون إقراراً شهادة الشاهد على المدين بوجود الدين فى ذمته ، فإن الشاهد يقر بوجود الحق لا فى ذمته هو بل فى ذمة شخص آخر ( [6] ) .

ولا يكون إقراراً إبداء الخصم رأيه فى الحكم القانونى الذى ينطبق على النزاع ، كأن يقرر أن قانوناً أجنبياً معيناً هو الواجب التطبيق . فهو هنا لا يقر بحق ، ولكنه يدلى برأيه فى حكم قانونى ، وللمحكمة أن تأخذ برأيه أو لا تأخذ ( [7] ) .

وقد يقع الإقرار على الحق فى ذاته ، فيعترف المدين أن فى ذمته لآخر مبلغاً معيناً من المال . أو يقع على المصدر الذى أنشأ هذا الحق ، كأن يعترف بوجود عقد قرض ألزمه بهذا المبلغ من المال . بل قد يقع الإقرار على ادعاء ( Allegation ) أياً كان ، فيعترف المشترى مثلا بما يدعيه على دائن البائع من أنه يعرف إعسار البائع فى الدعوى البولصية التى يرفعها الدائن على كل من البائع والمشترى .  473  ولذلك يكون من الأدق تعريف الإقرار بأنه اعتراف شخص بإدعاء يوجهه إليه شخص آخر( [8] ) .

ولكن لا يكون هناك إقرار إذا كانت الواقعة المسلم بها ليست محل إدعاء من جانب الخصم ولا محل إنكار من جانب المقر . فإذا بلغ رب العمل عن وقوع حادث لأحد عماله وفقاً لأحكام قانون إصابات العمل ، فلا يعد هذا إقراراً من جانب رب العمل بمسئوليته عن هذا الحادث( [9] ) .

وإذا كان يغلب فى الإقرار أن يقصد المقر أن يؤخذ بإقراره وأن تترتب فى ذمته نتائجه القانونية ، إلا أن وجود هذا القصد عنده لا يشترط لقيام الإقرار . فقد يصدر الإقرار من شخص لمجرد تقرير الواقع دون أن يقصد ، وحتى دون أن يعرف ، النتائج القانونية التى تترتب على هذا الإقرار . بل عن نية الإقرار ذاتها لا تشترط ، فقد يقر الشخص بوقائع لم يكن معترفاً بها وهو فى صدد الدفاع عن حقه ، أو وهو فى صدد استجواب المحكمة أو الخصم له ، دون أن يشعر أنه قد أدلى بأى إقرار . والمهم أن يكون الإقرار قد صدر عن اختيار لا عن إجبار( [10] ) .

  474  

245 – صور الإقرار وشكله : وليس للإقرار شكل خاص ، بل عن له صوراً متعددة . فهو قد يكون صريحاً أو ضمنياً . والصريح قد يكون مكتوباً أو شفوياً . وفى جميع الأحوال يكون الإقرار قضائياً أو غير قضائى .

والغالب أن يكون الإقرار صريحاً . فيكون تقريراً ( declaration ) يصدر من المقر بوقائع يعترف بصحتها . وقد يكون هذا التقرير مكتوباً ، ولا يشترط شكل خاص فى هذه الكتابة . فيجوز أن يكون الإقرار وارداً فى كتاب أو فى برقية أو فى أية رسالة أخرى يوجهها المقر إلى الطرف الآخر . ويجوز أن يكون فى ورقة مستقلة تعطى للمقر له يتخذها سنداً . ويجوز أن يكون وارداً فى صحيفة الدعوى ، أو فى مذكرة يقدمها الخصم المقر للمحكمة ، أو فى طلبات مكتوبة يوجهها الخصم المقر للخصم الآخر . كذلك قد يكون الإقرار شفوياً . فإن كان خارج القضاء ، أمكن الاستشهاد على صدوره بشهود فيما يمكن سماع الشهادة فيه . وإن كان إقراراً قضائيا ، صح أن يكون فى أثناء تحقيق أو استجواب أو فى الجلسة ذاتها ، وفى هذه الأحوال يدون الإقرار فى محضر التحقيق أو محضر الاستجواب أو محضر الجلسة ، فيسهل بذلك التثبت من صدوره ومن مضمونه .

ويندر أن يكون الإقرار ضمنياً أو مستخلصاً من مجرد السكوت . فلا يستخلص من تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب ولا من امتناعه عن الإجابة عند استجوابه من المحكمة أو من الخصم ، فهذا لا يكون إلا بمثابة مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة والقرائن( [11] ) . وقد نصت المادة 166 من تقنين المرافعات ، كما رأينا ، على أن ” للمحكمة أن تستجوب من يكون حاضراً من الخصوم ، ولكل منهم أن يطلب استجواب خصمه الحاضر ” . ونصت المادة 167 من هذا التقنين على أن ” للمحكمة كذلك أن تأمر بحضور الخصم لاستجوابه ، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب خصمه ، وعلى من تقرر استجوابه أن يحضر بنفسه الجلسة التى حددها القرار ” . ثم نصت المادة 173 على أنه ” إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بغير عذر مقبول ، أو امتنع عن الإجابة بغير مبرر قانونى ، جاز للمحكمة أن تقبل الإثبات بشهادة الشهود والقرائن فى الأحوال  475  التى ما كان يجوز فيها ” ( [12] ) . أما نكول الخصم عن حلف اليمين أو ردها ، ونكول من ردت عليه اليمين عن حلفها ، فإن ذلك يكون بمثابة الإقرار . وفى الحقوق التى تتقادم بسنة واحدة ، كحقوق التجار والصناع والعمال والخدم ، يقوم التقادم على افتراض الوفاء ، ومن ثم يجب على المدين أن يتمسك بالتقادم وأن يحلف اليمين على أنه أدى الدين فعلا ( م 348 مدنى ) . فالامتناع عن التمسك بالتقادم يكون بمثابة إقرار ضمنى بعدم الوفاء ( [13] ) . كذلك دفع دعوى الدائن بأن الدين قد انقضى لسبب غير الوفاء ، كالمقاصة أو الإبراء ، يكون بمثابة إقرار ضمنى بأن الدين لم يوف ، ومن ثم إذا تبين أن الدفع بالمقاصة أو الإبراء غير صحيح لم يجز للمدين أن يلجأ بعد ذلك إلى الدفع بالوفاء( [14] ) .

ثم إن الإقرار ، فى جميع الصور المتقدمة ، قد يكون خارج القضاء ويسمى إقراراً غير قضائى ( Aveu Extrajudiciaire ) ، أو يكون أمام القضاء ويسمى إقراراً قضائياً ( Aveu judiciaire ) .

  476  

246 – الإقرار غير القضائى : لم يعرض التقنين المدنى الجديد ولا التقنين المدنى السابق للإقرار غير القضائى . ومعنى ذلك أن الأمر فيه متروك للقواعد العامة . أما التقنين المدنى الفرنسى فقد ذكر فى المادة 1354 أن الإقرار الذى يحتج به على الخصم إما أن يكون خارج القضاء أو أمام القضاء . ثم نص فى المادة 1355 على أن ” الادعاء بصدور إقرار شفوى محض خارج القضاء لا يجدى فى جميع الأحوال التى لا يجوز فيها إثبات الدعوى بالبينة ” ( [15] ) . ثم عرض فى المادة 1356 للإقرار أمام القضاء وبين أحكامه ، فذكر أنه حجة كاملة على المقر ، وأنه لا تصح تجزئته ، ولا الرجوع فيه إلا لغلط فى الواقع ( [16] ) . ويستخلص الفقه الفرنسى من أن المادة 1356 من التقنين المدنى الفرنسى بينت أحكام الإقرار القضائى وسكتت عن أحكام الإقرار غير القضائى أن أحكام النوع الأول من الإقرار لا تسرى على النوع الثانى . فالإقرار غير القضائى ليس حجة قاطعة ، ولا هو غير قابل للتجزئة ، ولا غير قابل للرجوع فيه حتى دون إثبات غلط وقع فيه المقر . بل هو موكول إلى القاضى ، يقدر ، وفقاً لظروف الدعوى وملابساتها ، قوته فى الإثبات . فله أن يجعل حجة قاطعة أو أن يجرده من هذه الحجية ، وله أن يرفض تجزئته أو أن يجزئه . وله ألا يقبل الرجوع فيه أو أن يجيز فيه الرجوع ، ولا يخضع فى شيء من ذلك لرقابة محكمة النقض( [17] ) .

  477  

وفى القانون المصرى أيضاً يخضع الإقرار غير القضائى للقواعد العامة كما قدمنا . ومن ثم يحسن التمييز بين إثبات قيامه وبين حجيته فى الإثبات .

فالإقرار غير القضائى يقوم بصدوره من المقر شفوياً أو فى ورقة مكتوبة . أن كان شفوياً ، وأنكره من نسب إليه ، وجب على من يحتج به أن يثبت أولا صدوره من خصمه . ويخضع فى ذلك للقواعد العامة فى الإثبات . وقد نصت المادة 222 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى على أن ” الإقرار غير القضائى ، أى الإقرار فى غير مجلس القاضى ، يجب إثباته وفقاً للقواعد العامة المختصة بالإثبات ” . فإن كانت قيمة الدعوى لا تزيد على عشرة جنيهات ، جاز له إثبات صدور الإقرار من خصمه بالبينة والقرائن . وإن زادت قيمة الدعوى على هذا المقدار ، لم يجز إثبات صدور الإقرار إلا بالكتابة وفقاً للقواعد المقررة فى هذا الشأن ( [18] ) . على أنه يصح أن المقر يعترف أمام القضاء بالإقرار الشفوى الصادر منه خارج القضاء ، فيصبح الإقرار غير القضائى ثابتاً بإقرار قضائى . ولكنه يبقى مع ذلك إقراراً غير قضائى ، لأن الإقرار هنا ليس إقراراً بالدعوى ذاتها ، بل هو ليس إلا إقراراً غير قضائى ، لأن الإقرار الصادر خارج القضاء ، فيكون أثره محصوراً فى هذا النطاق( [19] ) . ومن ثم يكون أمام القاضى لإثبات الدعوى إقرار غير قضائى ثبت وجوده ، فيقدر قوته فى الإثبات على النحو الذى يقدر به قوة أى إقرار آخر غير قضائى . أما إذا كان الإقرار غير القضائى فى ورقة مكتوبة ، كان هذا الإقرار هو الطريق لإثبات الدعوى ذاتها بعد أن ثبت قيامه بهذه الورقة( [20] ) .

  478  

فإذا ما ثبت قيام الإقرار غير القضائى على النحو الذى قدمناه ، كانت له حجية فى الإثبات تتبع إلى حد كبير الصورة التى قامت به ( [21] ) . فإن قامت به صورة إقرار مكتوب ، فله قوة الكتابة التى تضمنته ، رسمية كانت أو عرفية ، على التفصيل الذى قدمناه فى الكتابة( [22] ) . ومن ثم يكون الإقرار غير القضائى الوارد فى ورقة رسمية له حجية الورقة الرسمية . فهو ، من حيث صدوره من المقر ، له حجية كاملة إلى حد الطعن بالتزوير . ومن حيث صحة الإقرار فى ذاته ، له حجية على المقر ولكن للمقر إثبات عكس ما جاء فى إقراره وأنه لم يكن إلا إقراراً صورياً أو إقراراً متواضعاً عليه بينه وبين خصمه أو نحو ذلك ، على ألا يثبت ذلك إلا بالكتابة لأنه يثبت عكس ما جاء فى ورقة مكتوبة . ومن حيث أثره القانونى ، يخضع الإقرار غير القضائى للقواعد العامة إذا لم يرد فى شأنه نص خاص . فهو حجة على المقر ما لم يثبت عدم صحته على النحو الذى قدمناه ، وهو قابل للتجزئة ، وهو كذلك قابل للرجوع فيه فى الحدود التى تسمح بها القواعد العامة . والمهم فى شأنه أنه لما إقراراً صادراً خارج القضاء فإنه للقاضى سلطة واسعة فى تقدير قوته فى الإثبات ، ذلك أن صاحبه يكون عادة  479  أقل حيطة فى أمره ، وأقصر تمعناً فى عواقبه ، مما لو كان إقراراً صادراً أمام القضاء( [23] ) . فتجزئته تكون أصعب من تجزئة الإقرار القضائى ، ولا تتقيد بالنص الذى ورد فى هذه المسألة فى شأن الإقرار القضائى ، وذلك حتى يعامل المقر إقراراً غير قضائى فى يسر ، فقد يقر بالدين وبانقضائه عن طريق المقاصة ثم لا يتجزأ إقراره إذا رأى القاضى عدم التجزئة( [24] ) . والرجوع فيه لغط أو تدليس أو إكراه أن نقض فى الأهلية جائز كما هو جائز فى الإقرار القضائى ،  480  بل يصح الرجوع فيه لغلط فى القانون( [25] ) .

وإذا كان الإقرار غير القضائى مكتوباً فى ورقة عرفية ، كانت له حجية هذه الورقة . فهو ، من حيث صدوره من المقر ، له حجية كاملة ولكن إلى حد الإنكار لا إلى حد الطعن بالتزوير . ونم حيث صحة الإقرار فى ذاته من حيث أثره القانونى ، لا فرق فى ذلك بين الورقة العرفية والورقة الرسمية ، وما قلناه هناك يقال هنا .

وإن قامت بالإقرار غير القضائى صورة إقرار شفوى ، فأمر إثباته كما قدمنا موكول إلى القواعد العامة . ولكن متى اعتبر القاضى أنه قد ثبت وجب أن تكون حجيته فى الإثبات هى نفس حجية الإقرار المكتوب ، ففى الحالتين قد ثبت أن هناك إقراراً غير قضائى قائماً ، فوجب ألا تتغير حجيته فى حالة عما هى فى الحالة الأخرى . ومن ثم يكون لهذا الإقرار حجية كاملة من حيث صحته فى ذاته إلى أن يثبت من نسب إليه الإقرار عدم صحته ، وله الإثبات بجميع الطرق إذا كان الإقرار ذاته قد ثبت بالبينة والقرائن . ويكون لهذا الإقرار أخيراً أثره القانونى وفقاً للقواعد العامة ، فيخضع فى تجزئته وفى جواز الرجوع فيه للقواعد ذاتها التى يخضع لها الإقرار المكتوب( [26] ) .

  481  

247 – الإقرار القضائى : وننتقل الآن إلى الإقرار القضائى ، وهو الذى أفرده التقنين المدنى بالذكر ، وعناه وحده بلفظ ” الإقرار ” ، وخصمه بقواعد تميزه عن الإقرار غير القضائى( [27] ) .

ونبحث الإقرار القضائى –ونطلق عليه لفظ ” الإقرار ” دون نعت كما فعل التقنين المدنى – ونتناول فى البحث : ( أولا ) أركانه ، و( ثانياً ) حجيته فى الإثبات .

الفرع الأول

أركان الإقرار

248 – النصوص القانونية : تنص المادة 408 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” الإقرار هو اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه ، وذلك أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة( [28] ) ” .

  482  

ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق ، ولكن الحكم كان معمولا به دون نص .

ويقابل النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 93 و 94 ، وفى التقنين المدنى العراقى 461 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 210 ، وفى التقنين المدنى الليبى م 396 ( [29] ) .

ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1354 والفقرة الأولى من المادة 1356( [30] ) .

ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى أن للإقرار أركاناً أربعة :

( 1 ) اعتراف الخصم .

( 2 ) بواقعة قانونية مدعى عليه بها .

( 3 ) أمام القضاء .

( 4 ) أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة ( [31] ) .

  483  

249 – الركن الأول – اعتراف الخصم : الإقرار اعتراف يصدر من المقر . والاعتراف تقرير ( Declaration ) لواقعة معينة على اعتبار أنها حصلت . ولاشك فى أن التقرير على هذا النحو هو عمل مادى ، كالشهادة والكتابة والتوثيق والحلف . فالإقرار إذن فى أصله عمل مادى ، أى واقعة قانونية ( Fait Juridique ) ، وليس بتصرف قانونى ( [32] ) .

ولكن الإقرار من جهة أخرى ، ينطوى على نزول من جانب المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بإثبات ما يدعيه ، كما سنبين فيما يلى . والنزول ( Renonciation ) تصرف قانونى من جانب واحد ( Acte Juridique Unilateral ) . فيكون التكييف الصحيح للإقرار إذن هو أنه واقعة مادية تنطوى على تصرف قانون ( [33] ) . فهو واقعة مختلطة ( Fait Mixte ) ، مثله فى ذلك مثل الوفاء ( Paiement ) والاستيلاء ( Occupation ) ، فكلاهما واقعة مادية تنطوى على تصرف قانونى : الوفاء ينطوى على إرادتين متطابقتين فى إنهاء الدين ، والاستيلاء ينطوى على إرادة تملك المال محل الاستيلاء ( [34] ) .

  484  

ولما كان الإقرار واقعة مادية تنطوى على تصرف قانونى ، أى وقاعة مختلطة كما قدمنا ، كان لكل من هاتين الناحيتين فيه – الواقعة المادية والتصرف القانونى – نتائجه القانونية .

فالإقرار من حيث إنه واقعة مادية لا حاجة فى تمامه إلى قبول من الخصم الذى صدر الإقرار لصالحه . وسواء صدر الإقرار أثناء استجواب أو فى الجلسة أو ضمن مذكرات القضية وأوراقها ، فإن مجرد صدوره من صاحبه يجعله قائماً لا يتوقف فى قيامه على قبول من الخصم الآخر . وإذا كان هذا الخصم الآخر يطلب عادة إثبات الإقرار فى المحضر ، فهو يفعل ذلك لا لإظهار قبوله إياه ، بل لتسجيله كما صدر حتى يتيسر الرجوع إليه دون أن يقع اختلاف فى مضمونه ( [35] ) . ويترتب على ذلك أن الإقرار إذا صدر لا يجوز للمقر الرجوع فيه بحجة أن الخصم المقر له لم يظهر بعد قبوله إياه ، إذ الإقرار تام نافذ بمجرد صدوره دون حاجة إلى قبول ( [36] ) .

والإقرار من حيث إنه ينطوى على تصرف قانونى من جانب واحد لا يحتاج أيضاً إلى قبول . ثم إنه يجب لصحته نفس الشروط الواجب توافرها لصحة هذا التصرف القانونى . فالمقر ، كما قدمنا ، إنما ينزل عن حقه فى مطالبة خمسه بإثبات الواقعة التى يدعيها ، وهذا النزول يجعل هذه الواقعة فى غير حاجة إلى الإثبات ، فتصبح مصدراً لالتزام المقر . ومن ثم يشترط لصحة هذا النزول – أى لصحة  485  الإقرار – ما يشترط لصحة التزام المقر بالواقعة التى أقر بها . فيجب إذن أن يكون المقر أهلاً للالتزام بهذه الواقعة ، وأن تكون إرادته غير مشوبة بعيب من عيوب الإرادة : غلط أو تدليس أو إكراه . فإذا كان المقر يقر بواقعة قرض مثلاً ، وجب أن يكون قد بلغ سن الرشد وألا يكون محجوراً ، حتى يكون أهلاً للالتزام بالقرض الذى أقر به ( [37] ) . ويجب ألا يكون قد وقع فى غلط جوهرى لا فى الواقع ولا فى القانون ( [38] ) . كما لا يجوز أن يكون قد اندفع  486  إلى إقراره بتدليس أو إكراه ( [39] ) . وهو الذى يحمل عبء إثبات ذلك إذا ادعاه ( [40] ) . فإن أثبت أنه لم يكن أهلاً أو أن إقراره قد شابه غلط جوهرى أو تدليس أو إكراه ، كان الإقرار باطلاً ، وكان له الرجوع فيه ( [41] ) .

كذلك ما دام الإقرار ينطوى على تصرف قانونى ، وما دام هذا التصرف هو النزول عن حق ، فإن الإقرار يكون فى حكم عمل من أعمال التصرف ( acte de disposition ) ، ويجب للتوكيل فيه أن تصدر وكالة خاصة ، فلا تكفى  487  الوكالة العامة ( [42] ) . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 702 على هذا الحكم صراحة إذ تقول : ” لابد من وكالة خاصة فى كل عمل ليس من أعمال الإدارة ، وبوجه خاص فى البيع والرهن والتبرعات والصلح والإقرار والتحكيم وتوجيه اليمين والمرافعة أمام القضاء ( [43] ) ” . ومن ثم لا يصح الإقرار من وكيل عام . ولا يصح الإقرار الصادر من محام ( [44] ) ، ما لم يكن التوكيل الصادر إلى هذا المحامى منصوصاً فيه على تفويضه فى الإقرار ( [45] ) . ولا يشترط تعيين محل الإقرار على وجه التخصيص ( م 702 فقرة 2 مدنى ) . أما الولى والوصى والقيم فيصح إقرارهم عن الأصيل فى الحدود التى يجوز لهم فيها القيام بأعمال  488  التصرف ، فيشترط إذن فى كثير من الأحوال لصحة هذا الإقرار الحصول على إذن من المحكمة الحسبية ( [46] ) . أما الإقرار بواقعة قانونية فحجته مقصورة عليم ، إلا إذا كانت الواقعة عملاً من أعمال الإدارة المخولة لهم بحكم القانون ( [47] ) .

انظر طريقة توكيل محامي

  489  

وأخيراً ما دام الإقرار ينطوى على تصرف قانونى ، فإنه يرد عليه ما يرد على التصرفات القانونية من احتمال الصورية والتواطؤ ( [48] ) . فقد يكون الإقرار صورياً تواطأ عليه المقر والمقر له أضراراً بحقوق الغير كالدائنين والخلف ، ويجوز لهؤلاء إثبات الصورية بجميع الطرق ولو بالبينة والقرائن ، فإذا أثبتوها لم ينفذ الإقرار فى حقهم ( [49] ) . والإقرار الصادر فى مرض الموت يعتبر فى حكم الوصية ، فلا ينفذ إلا من ثلث التركة ( [50] ) . على أن الإقرار يصح ولو كان خالياً من ذكر سببه السابق عليه ، لأنه ليس منشئاً للحق بل هو مظهر له ، ومن ثم كان حكمه هو ظهور ما أقر به المقر لا ثبوته ابتداء ( [51] ) .

  490  

250 – الركن الثانى – واقعة قانونية مدعى بها : ويجب أن ينصب الإقرار على واقعة قانونية مدعى بها على المقر . ولا يلزم أن تكون هذه الواقعة تصرفاً قانونياً ، بل يصح أن تكون واقعة مادية . ولا يلزم كذلك أن تكون الواقعة مصدراً لحق من الحقوق ، بل أية واقعة يمكن الادعاء بها يجوز فيها الإقرار . وقد رأينا أنه يمكن الادعاء بأية واقعة يترتب عليها أثر قانونى ، كما إذا ادعى الدائن علم المشترى بأعسار المدين البائع فى الدعوى البولصية ، فهذه واقعة يمكن أيضاً أن ينصب عليها الإقرار .

وما دام الإقرار ينطوى على تصرف قانونى كما قدمنا ، وهو ضرب من التصرف فى الشئ المقر به من جانب المقر ، لذلك يجب أن يكون محل الإقرار معيناً تعييناً كافياُ مانعاً من الجهالة الفاحشة . وقد ورد فى التقنين المدنى العراقى  491  نص صريح فى هذا المعنى ، إذ تقضى الفقرة الأولى من المادة 463 من هذا التقنين بأنه ” يشترط ألا يكون المقر به مجهولً جهالة فاحشة ، أما الجهالة اليسيرة فلا تكون مانعاً من صحة الإقرار ” ( [52] ) .

ويجب بداهة أن يكون محل الإقرار لا يكذبه ظاهر الحال ، وإلا كان إقراراً صورياً لا قيمة له . وقد ورد فى التقنين المدنى العراقى أيضاً نص على هذا الحكم ، إذ تقضى المادة 465 من هذا التقنين بأنه ” يشترط ألا يكذب ظاهر الحال الإقرار ، فلو أقر شخص ببنوة آخر أكبر منه فى السن لا يصح إقراره ” ( [53] ) .

ويجب أخيراً أن يكون محل الإقرار مما يجوز التعامل فيه . فالإقرار بشئ مخالف للقانون أو للنظام العام أو للآداب غير صحيح . ويترتب على ذلك أنه لا يصح الإقرار بفوائد تزيد على الحد المسموح به قانوناً ، ولا الإقرار بإيجار منزل للعهارة ، ولا الإقرار باتفاق على ارتكاب جريمة . وهذا لا يمنع من قبول هذا الإقرارات فى المسئولية الجنائية ( [54] ) .

  492  

ويصح الإقرار فى التصرف أيا كانت قيمته ، ولو زادت على نصاب البينة ، فالإقرار كما قدمنا حجيته مطلقة ( [55] ) .

251 – الركن الثالث – أمام القضاء : وهذا الركن هو الذى يميز الإقرار القضائى عن الإقرار غير القضائى ، ويكمله الركن الرابع وهو أن يكون صادراً أثناء السير فى الدعوى .

  493  

فالإقرار الذى لا يصدر أمام القضاء لا يعد إقراراً قضائياً . ويعتبر قضاءا كل جهة نظمها القانون من جهات القضاء ، فلا يقتصر ذلك على القضاء المدنى وحده . ويعتد بالإقرار الصادر أمام القضاء التجارى ، والقضاء الإدارى ، والقضاء الشرعى ، والقضاء الملى . كذلك يعتد بالإقرار الصادر فى دعوى مسئولية مدنية مرفوعة أمام القضاء الجنائى ، وبالإقرار الصادر أمام قاضى التحضير ، وأمام القاضى المنتدب لوضع التقرير فى محكمة القضاء الإدارى والقاضى المنتدب للتحقيق أو للاستجواب . بل إن الإقرار يصدر عادة أثناء الاستجواب ، فوجب أن يكون صحيحاً إذا صدر أمام القاضى المنتدب لهذا الغرض .

ويجب أن يصدر الإقرار أمام محكمة مختصة اختصاصاً موضوعياً على الأقل ( [56] ) .

ويجوز أن يصدر الإقرار أما المحكين ( arbitres ) ( [57] ) .

ولكن الإقرار الصادر أمام النيابة العامة أو النيابة الحسبية أو الخبير أو المحقق الإدارى لا يعتبر إقراراً قضائياً ، لأن هذه الجهات ليست بجهات قضاء ( [58] ) .

252 – الركن الرابع – أثناء سير الدعوى : ولا يكفى أن يصدر الإقرار أمام القضاء ، بل يجب أن يصدر أيضاً فى خلال إجراءات الدعوى التى يكون الإقرار فيها دليل الإثبات . فيصح أن يكون فى صحيفة الدعوى ذاتها ، أو فى المذكرات التى تليها ، أو فى المذكرات التى يرد بها على الدعوى . ويصح أن يكون أمام القاضى المنتدب للتحقيق . وأكثر ما يكون ، كما قدمنا ، فى خلال استجواب تقرره المحكمة . ويجوز أن يصدر أمام المحكمة نفسها فى جلسة من جلسات  494  المرافعة ، كما تجوز أن يصدر عند إبداء الطلبات الختامية وقبل إقفال باب المرافعة . بل يجوز أن يلى أقفال باب المرافعة فى مذكرات تقدم من الخصوم يرد فيها بعضهم على بعض ، فيصدر من أحد الخصوم إقرار فى مذكرته, وهكذا يجوز أن يصدر الإقرار إلى وقت النطق بالحكم ( [59] ) .

ولكن الإقرار الذى يصدر فى إحدى الدعاوى ، فيكون فيها إقراراً قضائياً ، لا يكون فى دعوى أخرى ، ولو بين الخمسين وفى نفس الواقعة ، له قوة الإقرار القضائى ، ذلك أن الإقرار القضائى مقصور قوته على الدعوى التى صدر فيها ، فإذا تمسك به الخصم المقر له أو الغير فى دعوى أخرى تالية ، كان الإقرار بالنسبة إلى هذه الدعوى التالية إقراراً غير قضائى . فلو أن خصماً أقر لخصمه أنه اشترى من الغير الأرض التى ينازعه فيها ، وكان هذا فى دعوى من دعاوى الحيازة ، فإن إقراره هذا يعد إقراراً قضائياً فى دعوى الحيازة التى صدر فيها الإقرار . ولو أراد الخصم الذى صد ر الإقرار له أن يتمسك بهذا الإقرار فى دعوى الملكية ، وهى غير دعوى الحيازة ، كان له أن يفعل ذلك ولكن على أنه إقرارا غير قضائى ( [60] ) . ويستقيم هذا الحكم مع تأصيل الإقرار من أنه نزول من المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بالإثبات ، فقد نزل المقر فى دعوى الحيازة عن مطالبة خصمه بإثبات شرائه للأرض من الغير ، وإذا كان قد نزل عن هذه المطالبة فى دعوى الحيازة فلا يستخلص من هذا نزوله عن المطالبة بهذا الإثبات فى دعوى الملكية . فهو قد نزل عن المطالبة بالإثبات فى دعوى معينة دون غيرها  495  من الدعاوى ، فأثر النزول يجب أن يكون مقصوراً على هذه الدعوى ( [61] ) .

كذلك الإقرار أمام محكمة غير مختصة من ناحية الولاية أو من ناحية الاختصاص الموضوعى لا يعد إقراراً قضائياً ، بخلاف الإقرار أمام محكمة غير مختصة من ناحية المكان ، ذلك أن أحكام الاختصاص من ناحية الولاية ومن ناحية الموضوع تعد من النظام العام أما أحكام الاختصاص من ناحية المكان فليست كذلك ( [62] ) . فالإقرار أمام محكمة شرعية فى قضية المختص بها هى المحكمة الوطنية لا يكون أمام  496  هذه المحكمة الأخير إقراراً قضائياً ، بل هو إقرار غير قضائى . والإقرار أمام المحكمة الجزئية فى قضية المختص فيها هى المحكمة الكلية يكون إقراراً غير قضائى بالنسبة إلى هذه المحكمة الأخيرة .

والإقرار خارج إجراءات الدعوى ولو فى الوقت الذى تنظر فيه الدعوى لا يكون إقراراً قضائياً . فلو أن خصماً أرسل كتاباً لخصمه ، أثناء نظر الدعوى القائمة بينهما ، يتضمن إقراراً ، وتمسك الخصم المقر له بهذا الكتاب أمام المحكمة ، فإن الإقرار فى هذه الحالة يعد إقراراً غير قضائى . كذلك يعد إقراراً غير قضائى ما يذكر فى تظلم مرفوع إلى الجهة الإدارية ولو كان هذا التظلم متعلقاً بدعوى كانت مرفوعة وقت تقديم التظلم أمام محكمة مدنية ( [63] ) .


( [1] )  أنظر آنفاً فقرة 65  .

( [2] )  أنظر آنفاً فقرة 61  .

( [3] )  أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 431 – ص 432  .

( [4] )  أنظر بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1563 – دى باج 3 ص 1025 – ص 1028 – وأنظر : استئناف مختلط 14 يناير سنة 1930 م 42 ص 186  .

( [5] )  أوبرى ورو 12 ص 108  .

( [6] )  أوبرى ورو 12 ص 107 – ص 108  .

( [7] )  وقد قضت محكمة النقض بأنه لكى ينتج الإقرار أثره القانونى يجب أن يكون متعلقاً بواقعة لا بالتطبيق القانونى ، لأن تفسير القانون وتطبيقه على واقعة الدعوى هو من شأن المحكمة وحدها لا من شأن الخصوم ، وإذن فإن إقرار المطعون عليهما بانطباق المادة 37 من القانون رقم 71 لسنة 1946 على الوصية موضوع النزاع لا يقيد المحكمة بشيء ( نقض مدنى 22 أكتوبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 5 ص 62 ) – وأنظر أيضاً أوبرى ورو 12 ص 108 وهامش رقم 4 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1561 ص 1034 – بودرى وبارد 4 فقرة 2701 ص 376 – بيدان وبرو 9 فقرة 1309  .

( [8] )  بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1561 ص 1034  .

( [9] )  نقض فرنسى 23 يولية سنة 1902 داللوز 1903 – 1 – 274 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1561 ص 1034 – ولا يعد إقراراً بالمسئولية ما يقوم به رب العمل من إسعاف العامل بدافع الشفقة والإحسان ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1561 ص 1034 هامش رقم 3 )  .

( [10] )  نقض مدنى 19 مايو سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 48 ص 107 – نقض فرنسى 15 أبريل سنة 1899 داللوز 99 – 1 – 521 – 12 يونيه سنة 1899 سيريه 1900 – 1 – 136 – بارتان على أوبرى ورو 12 ص 107 – دى باج 3 ص 1028 – ص 1032 بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1561 ص 1034 – ص 1035 – بيدان وبور 9 فقرة 1304 – قارن ( عكس ذلك ) : ديمولومب 30 فقرة 450 – هيك 8 فقرة 346 – لوران 20 فقرة 159 – بودرى وبارد 4 فقرة 2701 – المؤجز للمؤلف فقرة 654 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 489 – المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 432 – ص 433 – نقض مدنى 30 مارس سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 117 ص 203  . والمسألة على كل حال محل للنظر  . وسنرى أن الإقرار القضائى ينطوى على نزول من جانب المقر عن حقه فى مطالبة خصمه بالإثبات ، والنزول يتضمن القصد ، لذلك كان الأولى اشتراط القصد فى الإقرار القضائى على الأقل  .

( [11] )  استئناف مختلط 21 فبراير سنة 1918 م 30 ص 243  .

( [12] )  وقد قضت محكمة النقض بأنه وإن كان من حق الخصم أن يطلب استجواب خصمه ، إلا أن المحكمة ليست ملزمة بإجابة هذا الطلب ، بل الأمر متروك لسلطتها المطلقة فى التقدير ، فإذا رفض الحكم إجابة هذا الطلب لعدم تعلق الوقائع المطلوب الاستجواب عنها بالدعوى ، كان تسبيبه كافياً ولا تجوز إثارته الجدل بشأنه ( نقض مدنى 3 مايو سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 250 ص 668 ) – وأنظر المادة 168 من تقنين المرافعات الجديد ، وهى تقضى بأنه إذا رأت المحكمة أن الدعوى ليست فى حاجة إلى استجواب رفضت طلب الاستجواب  . وأنظر : نقض مدنى 11 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 29 ص 183  . وكان تقنين المرافعات السابق يجيز اعتبار تخلف الخصم عن الحضور أو امتناعه عن الإجابة بمثابة إقرار ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( أنظر فى هذا المعنى أيضاً المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 434 )  . – أنظر : بيدان وبرو 9 فقرة 1305  .

( [13] )  بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1563 – وقد قضت محكمة النقض الفرنسية بأن من يواجه بواقعتين ، فينكر إحداهما إنكاراً صريحاً ويسكت عن الثانية ، يعتبر سكوته إقراراً بالواقعة التى سكت عن إنكارها ( نقض فرنسى 14 مايو سنة 1902 داللوز 1902 – 1 – 224 – بودرى وبارد 4 ص 276 هامش رقم 1 )  .

( [14] )  أنظر فى أن تنفيذ العقد يعتبر بمثابة إقرار ضمنى بوجوده : دى باج 3 ص 1059 – ص 1061 ) – وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى صدد الإقرار الضمنى ما يأتى : ” وليس شك فى أن الأصل فى الإقرار أن يكون صريحاً ، وأن الاقتضاء فيه استثناء من حكم هذا الأصل ، فلا يجوز قبول الإقرار الضمنى ، والحالة هذه ، ما لم يقم دليل يقينى على وجوده ومرماه  . وهذا هو المعنى الذى استظهره تقنين المرافعات البلجيكى فى المادة 330 إذ فرع على توافر هذه العناصر جواز اعتبار الوقائع ثابتة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 433 )  .

( [15] )  وهذا هو النص فى أصله الفرنسى :

L’allegation d’un aveu extrajudicaire purement verbal est inutile toutes les fois qu’il s’agit deune demande don’t la prevue testimonials ne serait point admissible  .

( [16] )  وستتحدد دائرة الإقرار غير القضائى ضمناً عندما نحدد منطقة الإقرار القضائى فيما يلى ، فما يخرج عن هذه المنطقة يكون إقراراً غير قضائى  . وبحسبنا الآن أن نذكر أن الإقرار غير القضائى يصدر خارج القضاء أو أمامه ولكن فى غير إجراءات الدعوى التى رفعت بالواقعة المقر بها  . وقد نصت المادة 95 من قانون البينات السورى على أن ” الإقرار غير القضائى هو الذى يقع فى غير مجلس الحكم أو يقع فى مجلس الحكم فى غير الدعوى التى أقيمت بالواقعة المقر بها ”  .

( [17] )  أوبرى ورو 12 ص 132 – ص 133 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1568 ص 1403 – وأنظر فى أن الإقرار غير القضائى ليس كما يعتبره الفقه التقليدى صورى غير كاملة من الإقرار القضائى ، بل هو الأصل الذى نسج على منواله الإقرار القضائى : بارتان فى تعليقاته على أوبرى ورو 12 ص 132 هامش رقم 40 مكرر 4  . وقارن بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2282  .

( [18] )  بور سعيد 5 سبتمبر 1932 المحاماة 13 رقم 226 ص 453  .

( [19] )  ومن ثم يكون هناك إقراران : إقرار قضائى ثبت به الإقرار غير القضائى وتراعى فيه أحكام الإقرارات القضائية ، وإقرار غير قضائى هو الذى ثبت بالإقرار القضائى وتراعى فيه أحكام الإقرارات غير القضائية  . وهذا بخلاف ما إذا كان هناك إقرار غير قضائى ، ثم يجدده المقر أمام القضاء ، ولا يكتفى بمجرد الإقرار بصدوره منه خارج القضاء  . فكلا الإقرارين هنا –القضائى وغير القضائى – ينصب على واقعة واحدة ، ويؤخذ بالإقرار القضائى فى هذه الحالة كطريق لإثبات الدعوى ذاتها لا لمجرد إثبات الإقرار غير القضائى  . ( أوبرى ورو 12 ص 113 – بيدان وبرو 9 فقرة 1306 ص 403 ، قارن بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1568 ص 1043 )  . أنظر : طنطا الكلية أول مايو سنة 1935 المحاماة 16 رقم 439 ص 948  .

( [20] )  استئناف مختلط 10 مايو سنة 1906 م 18 ص 249 – قارن : استئناف مختلط 7 ديسمبر سنة 1899 م 12 ص 37  .

والظاهر فى الفقه الإسلامى أن العبرة فى الإقرار المكتوب بالأشهاد عليه ، فإن لم يستشهد المقر على كتابه بشهود فالكتاب لا يصلح إقراراً  . جاء فى الفتاوى الهندية : ” رجل كتب على نفسه صكاً عند قوم ، ثم قال اختموا عليه ولم يقل اشهدوا عليه ، لم يكن ذلك إقراراً ، ولا يحل لهم أن يشهدوا عليه بذلك المال ، وكذا لو قال الشهود أنشهد عليك بهذا فقال اختموا عليه  . ولو قالوا أتختم هذا الصك ، فقال اشهدوا عليه ، كان إقراراً وحل لهم أن يشهدوا عليه ، كذا فى فتاوى قاضيخان  . ولو قال للصكاك أكتب لفلان خط إقرار بألف درهم على ، يكون إقراراً ويحل للصكاك أن يشهد بالمال  . وكذا لو قال للصكاك أكتب له خط بيع هذا الدار بكذا ، وكتب الصكاك أو لم يكتب ، فهو إقرار بالبيع  .  .  . رجل قرأ على رجل صكاً بمال ، وقال له الآخر أشهد عليك بهذا المال الذى فى الصك ، فقال نعم ، كان ذلك إقراراً وحل له أن يشهد عليه ، كذا فى فتاوى قاضيخان  . ومنها كتاب حسابه ، وهو ما يكتبه التجار فى صحائفهم ودفاتر حسابهم ، كذا فى المحيط  . لو كتب فى صحيفة حسابه أن لفلان على ألف درهم ، وشهد شاهدان حضرا ذلك أو أقر هو عند الحاكم به ، لم يلزمه إلا أن يقول اشهدوا على به ، كذا فى المبسوط ”  . ( الفتاوى الهندية 4 ص 167 )  .

( [21] )  قارن بودرى وبارد 4 فقرة 2725 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 119  .

( [22] )  الموجز للمؤلف ص 661 – استئناف مصر 24 يناير سنة 1928 المحاماة 9 رقم 209 ص 377 – ملوى 3 سبتمبر سنة 1932 المحاماة 14 رقم 231 / 2 ص 446  .

( [23] )  وقد نصت المادة 102 من قانون البينات السورى على أن ” الإقرار غير القضائى واقعة يعود تقديرها القاضى ، ويجب إثباتها وفاقاً للقواعد العامة المختصة بالإثبات ” – وقضت محكمة النقض بأن الإقرار الوارد فى صحيفة دعوى غير دعوى النزاع ، وإن كان لا يعد إقراراً قضائيا ملزماً حتما ، هو إقرار مكتوب صدر فى مجلس القضاء  . ومثل هذا الإقرار يترك تقديره لمحكمة الموضوع  . فلها مع تقدير الظروف التى صدر فيها والأغراض التى حصل من أجلها أن تعتبره دليلا مكتوباً أو مبدأ ثبوت بالكتابة أو مجرد قرينة ، كما لها ألا تأخذ به أصلا  . فإذا هى اعتبرته دليلا كتابياً ، كان ذلك فى حدود سلطتها التقديرية التى لا معقب عليها من محكمة النقض ( نقض مدنى 27 ديسمبر سنة 1945 مجموعة عمر 5 رقم 14 ص 30 – 8 أبريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 300 ص 600 )  . أنظر أيضاً : الزقازيق استئنافى 19 مايو سنة 1908 المجموعة الرسمية 10 رقم 10 / 2 – ملوى 15 أكتوبر سنة 1916 المجموعة الرسمية 18 رقم 37 – منوف 25 ديسمبر سنة 1928 المحاماة 9 رقم 496 ص 904 – المنيا الكلية 20 يناير سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 رقم 2 ص 29 – قنا استئنافى 17 نوفمبر سنة 1931 المجموعة الرسمية 32 رقم 1 ص 197 – ديرانتون 13 فقرة 540 – ديمولومب 30 فقرة 544 بيدان وبرو 9 فقرة 1306 وفقرة 1313  .

( [24] )  فهناك أحكام كثيرة لا تجزئ الإقرار غير القضائى : استئناف مختلط 31 أكتوبر سنة 1888 م 1 ص 372 – 3 أبريل سنة 1890 م 27 ص 337 – وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الإقرارات التى تصدر من الشخص فى تحقيق البوليس لا تعتبر إقراراً واحداً لا يتجزأ ، بل هى جملة من الإقرارات مستقلة بعضها عن بعض ، ويجوز الأخذ ببعضها دون البعض الآخر ، فإذا أخذ بإقرار منها فلا يجوز تجزئته ( 21 فبراير سنة 1945 م 57 ص 76 )  . على أن الإقرار غير القضائى قابل للتجزئة إذا رأى القاضى ذلك ، وقد قضت محكمة النقض بأن الأقوال الصادرة من أحد الخصوم أمام الخبير المنتدب فى دعوى غير الدعوى المنظورة هى من قبيل الإقرار غير القضائى ، فتجوز تجزئتها والأخذ ببعضها دون بعض ( نقض مدنى 15 أبريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 301 ص 601 ) ( أنظر أيضاً فى معنى جواز التجزئة : استئناف مختلط 30 مايو سنة 1894 م 6 ص 309 – منوف 18 فبراير سنة 1915 المجموعة الرسمية 16 رقم 79 / 2 – تولييه 10 فقرة 340 – ديمولومب 30 فقرة 554  . عكس ذلك بودرى وبارد 4 فقرة 2725  .

( [25] )  وسنرى أن الإقرار القضائى نفسه يتأثر بالغلط فى القانون – ويجوز ، تبعاً للظروف وحسب تقدير القاضى ، الرجوع فى الإقرار غير القضائى حتى لو لم يوجد غلط أو تدليس أو إكراه ( لارومبيير 7 م 1356 فقرة 31 – ديمولومب 30 فقرة 555 – عكس ذلك بودرى وبارد 4 فقرة 2725 )  . ولا رقابة لمحكمة النقض على تقدير قاضى الموضع فى كل ذلك ( أنظر فى هذا المعنى بيدان وبرو 9 فقرة 1318 – فقرة 1319 – وأنظر عكس ذلك بودرى وبارد 4 فقرة 2725 )  .

( [26] )  يميز التقنين المدنى الليبى ، فى الإقرار خارج مجلس القضاء ، بين الإقرار الذى يفضى به المقر مباشرة لخصمه أو نائب عنه ، وهذا يجعل له حجية الإقرار القضائى لأن الخصم فى العادة لا يقر لخصمه مباشرة بحق عليه إلا إذا كان هذا الحق فى ذمته ، وبين الإقرار الذى يفضى به المقر لشخص ثالث ، والإقرار الموجود فى وصية للمقر  . فالإقرار لشخص ثالث –دون الخصم مباشرة – لا تلابسه الحيطة التى تلابس الإقرار للخصم  . والإقرار فى وصية تدخله مظنة أن يكون الإقرار جزءاً من هذه الوصية أضفى عليه الموصى صورة الإقرار  . ومن ثم ترك التقنين الليبى للقاضى سلطة البت فى تقدير حجية الإقرار فى هاتين الحالتين  . وهذا هو نص المادة 398 من التقنين المدنى الليبى الذى وردت فيه هذه الأحكام : ” الإقرار الذى يفضى به للخصم أو لمن يمثله خارج مجلس القضاء يعد إقراراً قضائياً فى نفس الدرجة والمفعول  . وإذا أفضى بالإقرار لشخص ثالث ، أو وجد الإقرار فى وصية ، فتترك حرية البت فيه لتقدير القاضى  . ولا يجوز إثبات الإقرار المدلى به خارج مجلس القضاء عن طريق شهود إذا كان منصبا على موضوع لا يسمح القانون إثباته بشهود ”  .

( [27] )  ويحسن التمييز بين مسائل ثلاث : ( أ ) العبارة المنسوب صدورها إلى الخصم ، وهل صدرت منه فعلا : وهذه مسألة موضوعية  . ( ب ) وبفرض ثبوت صدورها ، هل يمكن تفسيرها على أنها إقرار : وهذه أيضاً مسألة موضوعية  . ( جـ ) وبفرض أنها إقرار ، فهل هذا الإقرار قضائى أو غير قضائى : وهذه مسألة قانون ( أنظر أنسيكلوبيدى داللوز فى القانون المدنى Preuve فقرة 934 )  .

( [28] )  تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 546 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” الإقرار هو اعتراف الخصم أو من ينوب عنه نيابة خاصة بواقعة قانونية مدعى بها عليه  . ويكون صدوره أمام القضاء أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة ”  . وفى لجنة المراجعة حول النص تحويراً لفظيا طفيفا وحذفت عبارة ” أو من ينوب عن نيابة خاصة ” لأن محلها باب الوكالة ( م 702 فقرة 1 مدنى ) ، فأصبح النص هو ما استقر عليه فى التقنين الجديد ، وأصبح رقم المادة 421 فى المشروع النهائى  . ووافق على النص مجلس النواب ، فلجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 408 ، فمجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 431 – ص 434 )  .

( [29] )  نصوص التقنينات المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 93 : الإقرار هو إخبار الخصم أمام المحكمة بحق عليه الآخر  . م 94 : الإقرار القضائى هو اعتراف الخصم أو من ينوب عنه نيابة خاصة بواقعة قانونية مدعى بها عليه ، وذلك أمام القضاء ، أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة  . ( والحكم واحد فى القانون السورى والتقنين المصرى )  .

التقنين المدنى العراقى م 461 : الإقرار هو إخبار الخصم أمام المحكمة بحق عليه لآخر  . ( والحكم واحد فى التقنينيين العراقى والمصرى )  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 210 : الإقرار هو اعتراف فريق بأمر ادعى به عليه  . والإقرار يكون قضائياً وغير قضائى  . ( ولا يوجد فى التقنين اللبنانى تعريف خاص بالإقرار القضائى ، ولكن يفهم من مجموع نصوصه أن حدود الإقرار القضائى هى نفس الحدود المقررة فى التقنين المصرى )  .

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 396 : مطابقة لنص التقنين المصرى  .

( [30] )  التقنين المدنى الفرنسى م 1354 : الإقرار الذى يحتج به على الخصم يكون إما إقراراً غير قضائى وإما إقراراً قضائياً – م 1356 فقرة أولى : الإقرار القضائى هو اعتراف الخصم أمام القضاء بنفسه أو بمن فوضه فى ذلك تفويضاً خاصاً  .

Art  . 1354 : L’aveu qui est oppose a une partie, est ou extrajudiciare ou judiciaire  .

Art  . 1356 el  . 1  . : L’aveu judiciaire est la declaration que fait en justice la partie ou son fonde de pouvoir special  .

( [31] )  أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 432 – ص 423 – وكون الأقوال المنسوبة إلى الخصم تعتبر إقراراً منه لتوافر هذه الأربكان الأربعة ، أو لا تعتبر لعدم توافرها ، مسألة من مسائل القانون ، وقد قضت محكمة النقض بأن الإقرار القضائى هو اعتراف خصم بالحق المدعى به فى مجلس القضاء قاصداً بذلك إعفاءه من إقامة الدليل عليه ، وكون الأقوال المنسوبة إلى الخصم تعتبر إقراراً منه أو لا تعتبر مسألة قانونية تدخل تحت رقابة محكمة النقض ( نقض مدنى 30 مارس سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 117 ص 203 ) – أما ثبوت وقوع هذه الأركان مادياً فهى مسألة موضوعية متروك تقديرها لمحكمة الموضوع ، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها فيها ( نقض مدنى 19 مايو سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 48 ص 107 – 23 مايو سنة 1935 المجموعة الرسمية 36 رقم 10 ص 234 )  .

( [32] )  قارب بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2288 ص 721 هامش رقم 1  .

( [33] )  قارب أوبرى ورو 12 ص 113 – ص 114 – دى باج 3 ص 1028 – ص 1032 – وقارن الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 104 – فقرة 105 – وفى الفقه الإسلامى الإقرار إخبار الإنسان عن ثبوت حق لغيره على نفسه ، وهو إخبار لا إنشاء ، ولذلك لا يحتمل التعليق بالشرط ولا اشتراط الخيار ، ولا يتوقف على القبول وما فيه تمليك مال من وجه يرتد بالرد وإلا فلا كأبطال شفعة وطلاق وعتاق ( الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ص 118 – ص 130 )  .

( [34] )  وسنرى أن كلا من توجيه اليمين الحاسمة وردها تصرف قانونى  . أما الحلف نفسه فواقعة مادية  . والنكول عن اليمين ، كالإقرار ، واقعة مادية تنطوى على تصرف قانونى  .

( [35] ) أوبرى ورو 12 ص 117  .

( [36] ) أوبرى ورو 12 ص 117 هامش رقم 19 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1566 – استئناف مختلط 2 أبريل سنة 1902 م 14 ص 214 – ومن ثم يجوز الإقرار للصبى غير المميز وللمجنون ( نقض مدنى 23 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 269 ص 798 – وانظر م 463 فقرة 2 مدنى عراقى )  .

قارب المادة 466 من التقنين المدنى العراقى ونصها : ” 1 – لا يتوقف الإقرار على قبول المقر له ، ولكن يرتد برده  . 2 – وإذا رد المقر له مقداراً من المقر به ، فلا يبقى حكم الإقرار فى المقدار المردود ، ويصح الإقرار فى المقدار الباقى ”  . والمادة 468 من نفس التقنين : ” 1 – يلزم المرء بإقراره إلا إذا كذب بحكم  . 2 – ولا يصح الرجوع عن الإقرار ”  . وانظر أيضاً المادتين 98 و 99 من قانون البينات السورى ، وقد نقلتا عن المادتين 466 و 468 من التقنين المدنى العراقى  . وانظر فى تكذيب الحاكم للإقرار المادة 1587 من المجل وشرح سليم باز ص 875 – ص 876  .

( [37] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الأهلية التى تشترط لصحة الأقارير هى أهلية المقر للتصرف فيما أقر به ، أما المقر له فلا يشترط فيه أهلية ما بل يجوز الإقرار للصبى غير المميز والمجنون ( نقض مدنى 23 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 269 ص 798 وقد بقت الإشارة إلى هذا الحكم )  .

( [38] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه وإن كان القانون المصرى ( القديم – وكذا الحديث ) لم يأت بنص صريح كالذى جاء فى الفقرة الأخيرة من المادة 1356 مدنى فرنسى التى تقرر أنه لا يجوز الرجع فى الإقرار إلا إذا ثبت أنه ناشئ عن خطأ فى الأمر الواقع ، إلا أن القواعد القانونية العامة توجب العمل بهذا المبدأ ، فهى لا تسمح لأى إنسان بأن يثرى على حساب غيره بدون وجه حق ، وتسمح فضلاً عن ذلك بتصحيح الأخطاء المادية فى الحساب الناشئة عن السهو والنسيان ( 3 فبراير سنة 1935 المحاماة 15 رقم 323 / 2 ص 384 )  . وقضت محكمة دمياط بأنه إذا بنى الإقرار على غلط فى الواقع كأن يقر بدين على مورثه ثم عثر بعد ذلك على مخالصة بين أوراق المورث ، ففى هذه الحالة يجوز للمقر العدول لأن اعترافه بأمر لم يكن موجوداً فى الواقع ( 23 أكتوبر سنة 1930 المحاماة 12 رقم 447 ص 901 )  .

هذا ويلاحظ أن التقنين المدنى الفرنسى ( م 1356 ) لا يجعل الإقرار معيباً إلا إذا كان الغلط فى الواقع ، أما الغلط فى القانون فلا يعتد به ( انظر أيضاً المادة 225 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى )  . ولكن المقصود بالغلط فى القانون الذى لا يعتد به هو الغلط فى النتائج القانونية التى تترتب على الإقرار ( أوبرى ورو 12 ص 119 – بلانيول وريبير وجابولد 7 ص 910 – كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 812 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2289 – وانظر أيضاً المادة 224 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى وتقضى بأنه لا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره بحجة أنه لم يفقه نتائجه القانونية )  . وعلى هذا المعنى يمكن القول أيضاً بأن الغلط فى القانون لا يؤثر فى الإقرار فى القانون المصرى ، فإقرار الوارث بوصية صدرت لوارث آخر لا يعيبه أن يكون الوارث المقر قد صدر منه الإقرار وهو يعتقد خطأ أن الوصية لوارث لا تزال غير جائزة ، فإذا تمسك المقر بهذا الغلط فى القانون لا يجاب إلى طلبه فى الرجوع عن إقراره ( قارن الموجز للمؤلف ص 685 هامش رقم 2 – والمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 440 – وقارن أيضاً الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 498 – الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 114 )  . أما الغلط فى القانون الذى يعتد به فى الإقرار فى القانون المصرى – وكذلك فى القانون الفرنسى إذا أخذنا بالتفسير الذى سبقت الإشارة إليه – فهو الغلط الذى يقع ، لا فى النتائج القانونية للإقرار ، بل فى العناصر القانونية التى يقوم عليها ، وذلك كالغلط فى حكم من أحكام القانون انبنى عليه صدور الإقرار  . فإذا أقر وارث بملكية الموصى له للعين الموصى بها وهى تزيد على ثلث التركة ، وكان يعتقد وقت صدور الإقرار أن الوصية تجوز حتى لو جاوز الموصى به ثلث التركة ، فإن له الرجوع فى إقراره إذا أثبت هذا الغلط فى القانون الذى وقع فيه  .

( [39] ) وقد جاء فى الموجز للمؤلف فى هذا الصدد ما يأتى : ” لكن يجوز الطعن فى الإقرار لغلط أو تدلي أو إكراه ، وهذه هى عيوب الرضاء ، فإذا كان المقر قد صدر منه الإقرار على أساس غلط وقع فيه ، كما إذا أقر وارث بدين فى ذمة مورثه وهو يجهل أن هناك مخالصة بالدين ، فله أن يطعن فى هذا الإقرار بالغلط إذا ما علم بعد ذلك بأمر هذه المخالصة  . وإذا كان الإقرار قد صدر على أثر تدليس ، ولو من غير الخصم المقر له ، أو كان نتيجة إكراه ، فللمقر أن يطعن فيه كذلك ” ( الموجز ص 685 )  . هذا والتدليس والإكراه يمكن تصورهما فى الإقرار إذا وقعا خارج المحكمة ( قارن دى باج 3 ص 1028 – 1032 )  .

( [40] ) استئناف مختلط 23 يناير سنة 1907 م 19 ص 96 – 7 مارس سنة 1907 م 19 ص 140 – 24 مارس سنة 1931 م 43 ص 309 – 17 مارس سنة 1938 م 50 ص 174  .

( [41] ) وفى الفقه الإسلامى يبطل الإقرار بعد وجوده بتكذيب المقر له للمقر فى حقوق العباد ، وبرجوع المقر عن الإقرار فى حقوق الله تعالى  . جاء فى البدائع : ” الإقرار بعد وجوده يبطل بشيئين  . أحدهما تكذيب المقر له فى أحد نوعى الإقرار ، وهو الإقرار بحقوق العباد ، لأن إقرار المقر دليل لزوم المقر به ، وتكذيب المقر له دليل عدم اللزوم ، واللزوم لم يعرف ثبوته ، فلا يثبت مع الشك  . والثانى رجوع المقر عن إقراره فيما يحتمل الرجوع فى أحد نوعى الإقرار بحقوق الله تبارك وتعالى خالصاً كحد الزنا ، لأنه يحتمل أن يكون صادقاً فى الإنكار ، فيكون كاذباً فى الإقرار ضرورة ، فيورث شبة فى وجوب الحد ” ( البدائع 7 ص 232 – ص 233 )  . ولا يسمع من المقعر أنه كاذب فى إقراره  . ولكن للمقر أن يرجع فى إقراره للإكراه لا للغلط : جاء فى الأشباه والنظائر لابن نجيم ( ص 137 و 140 ) ” إقرار المكره باطل ”  .  .  . ثم قال غلطت إنها خمسمائة ، لم يصدق وهو ضامن لما أقر به ”  .

( [42] ) ما لم يكن الإقرار منصباً على عمل شخصى للوكيل يدخل فى حدود وكالته العامة ( أنسيكلوبيدى داللوز فى القانون المدنى Preuve فقرة 959 )  .

( [43] ) وقد رأينا عند استعراض تاريخ نص المادة 408 أن المشروع التمهيدى لهذا النص ( م 546 ) كان يقضى بأن ” الإقرار هو اعتراف الخصم أو من ينوب عنه نيابة خاصة بواقعة قانونية  .  .  .  . ” ، وأن لجنة المراجعة حذفت عبارة ” أو من ينوب عنه نيابة خاصة ” لأن محلها باب الوكالة ( م 702 فقرة 1 مدنى )  .

( [44] ) فإذا صدر منه إقرار مبتدر ( spontane ) ، فإن هذا لا يكون حجة على الموكل : استئناف مختلط 28 يناير سنة 1947 م 59 ص 67  .

( [45] ) فإذا فوض المحامى فى الإقرار ، وصدر منه إقرار من مذكرة قدمها للمحكمة ولم يسحبها الخصم ، أوخذ بهذا الإقرار ( استئناف مختلط 20 مارس سنة 1947 م 59 ص 50 )  . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” ويجب أن يصدر الإقرار من الخصم أو ممن يفوض فى ذلك بتوكيل خاص  . فلا يجوز للوكيل أن يقر عن الموكل ، إلا أن يكون قد خول ولاية خاصة ، لأن الإقرار فى حقيقته عل تصرف لا عمل إدارة ، فهو يخرج بذلك عن نطاق الوكالة العامة  . ولهذه العلة يشترط توقيع الموكلين أنفسهم على المذكرات التى تقدم من محاميهم إذا كانت تتضمن إقراراً ، إلا أن يكون المحامون مفوضين فى الإقرار بتوكيل خاص ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 433 )  .

وقضت محكمة النقض بأنه متى كان الحكم المطعون فيه إذ نفى صدور إقرار من البائعتين قد استند إلى أن الإقرار الصادر من وكيليهما والمثبت بمحضر انتقال القاضى المنتدب للمعاينة لا يصلح للاحتجاج به على الموكلتين لأنه لم يصدر بتوكيل خاص أو ضمن توكيل عام يبيح الإقرار بالملكية ، فإن هذا القول لا مخالفة فيه للقانون ( نقض مدنى 14 فبراير سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 81 ص 474 )  . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لابد من توكيل خاص فى الإقرار : استئناف مختلط 30 أبريل سنة 1896 م 8 ص 267 – 4 يونيه سنة 1896 م 8 ص 324 – 9 يونيه سنة 1898 م 10 ص 322  .

( [46] ) وقد نصت المادة 20 من قانون المحاكم الحسبية على تصرفات معينة لا يجوز للوصى مباشرتها إلا بإذن من المحكمة ، فالإقرار بأى تصرف منها باسم القاصر لابد فيه من إذن المحكمة الحسبية  . وهذا هو نص المادة 20 المشار إليها : ” لا يجوز للوصى مباشرة التصرفات الآتية إلا بإذن من المحكمة : ( أولاً ) التصرف فى أموال القاصر بالبيع أو الشراء أو المقايضة أو الشركة أو الإقراض أو الرهن أو أى نوع آخر من أنواع التصرفات الناقلة للملكية أو المرتبة لحق عينى  .( ثانياً ) تحويل الديون التى تكون للقاصر وقبول الحوالة عليه  . ( ثالثاً ) استثمار الأموال وتصفيتها واقتراض المال القاصر  . ( رابعاً ) إيجار عقار القاصر لمدة أكثر من ثلاث سنوات فى الأراضى الزراعية ولمدة أكثر من سنة فى المبانى  . ( خامساً ) إيجار عقار القاصر لمدة تمتد إلى ما بعد بلوغه سن الرشد لأكثر من سنة  . ( سادساً ) قبول التبرعات المقترنة بشرط أو رفضها  . ( سابعاً ) الإنفاق من مال القاصر على من تجب عليه نفقتهم إلا إذا كانت النفقة مقضياً بها من جهة مختصة  . ( ثامناً ) الصلح والتحكيم  . ( تاسعاً ) الوفاء بالالتزامات التى تكون على التركة أو على القاصر ما لم يكن قد صر دبها حكم واجب التنفيذ  . ( عاشراً ) رفع الدعاوى إلا ما يكون فى تأخير رفعها ضرر بالقاصر أو ضياع حق له  . ( حادى عشر ) التنازل عن الدعاوى وقبول الأحكام القابلة للطعون العادية والتنازل عن هذه الطعون بعد رفعها ورفع الطعون غير العادية فى الأحكام  . ( ثانى عشر ) التنازل عن التأمينات أو إضافتها  . ( ثالث عشر ) إيجار الوصى أموال القاصر لنفسه أو لأحد أقاربه أو أصهاره أن لمن يكون الوصى نائباً عنه  . ( رابع عشر ) ما يصرف فى تزويج القاصر  .

وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن إقرار الوصى لا يسرى فى حق القاصر عن وقائع سابقة على الوصاية ( 30 أبريل سنة 1896 م 8 ص 267 )  . وقضى المجلس الحسبى العالى بأن الوصى لا يملك الإقرار بالدين ، فلا يجوز له أن يسدد ديوناً على القاصر لم تكن ثابتة ( 27 يونية سنة 1916 المحاماة 1 رقم 40 ص 249 )  . وقضت محكمة استئناف مصر بأنه لا يجوز للواقف أن يقر بدين على الوقف بعد إنشائه ( 3 ديسمبر سنة 1931 المحاماة 12 رقم 372 ص 756 )  . هذا وتنص المادة 462 من التقنين المدنى العراقى على أنه ” يشترط أن يكون المقر عاقلاً بالغاً غير محجور عليه ، فلا يصح إقرار الصغير والمجنون والمعتوه والسفيه  . ولا يصح على هؤلاء إقرار أوليائهم وأوصيائهم والقوام عليهم ، ولكن الصغير المأذون يكون لإقراره حكم إقرار البالغ فى الأمور المأذون فيها ”  . وتنص الفقرة الثانية من المادة 463 من هذا التقنين على أنه ” لا يشترط أن يكون المقر له عاقلاً ، فلو أقر أحد بمال للصغير غير المميز صح إقراره ” – انظر أيضاً المادة 96 من قانون البينات السورى ، وهى منقولة عن المادة 462 من التقنين المدنى العراقى  . وقد نصت المادة 223 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى على أن ” يكون الإقرار باطلاً إذا لم يكن المقر حائزاً للأهلية أو الصلاحية الكافية ”  .

( [47] ) انظر فى هذا المعنى أوبرى ورو 12 ص 115 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1565 ص 1040 – والإقرار الصادر من ممثلى الشخص المعنوى ( شركة أو جمعية أو نحو ذلك ) يعتبر إقراراً صادراً من الشخص المعنوى نفسه ( بلانيول وريبير وبولانجيه : فقرة 2285 )  .

( [48] ) استئناف مختلط 14 يناير سنة 1930 م 42 ص 186 – وقد جاء فى الموجز للمؤلف فى هذا الصدد ما يأتى : ” وكما يجوز الطعن فى الإقرار بعيب من عيوب الرضا ، يجوز الطعن فيها أيضاً بالتواطؤ فيما بين المقر والمقر له ، غير أن الطعن فى الحالة الأولى يكون من المقر نفسه ، وفى الحالة الثانية يكون من الغير الذى أضر به هذا التواطؤ  . فقد يتواطأ شخص مع آخر على أن يقر له بحق إضراراً بدائنه ، فيجوز للدائن أن يطعن فى الإقرار بالدعوى البولصية أو بالصورية على حسب الأحوال ” ( الموجز ص 685 والأحكام المشار إليها فى الهامش )  .

( [49] ) أوبرى ورو 12 ص 110  .

( [50] ) انظر فى إقرار المريض مرض الموت فى الفقه الإسلامى : ” طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ” للأستاذ أحمد إبراهيم ص 185 – ص 225 – البدائع 7 ص 224 – ص 228 – الفتاوى الهندية 4 4176 – ص 185  . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن إقرار الإنسان فى مرض موته يدين لأحد ورثته يكون موقوفاً على إجازة باقيهم ، فإن أجازوه كان معتبراً ، وإلا فلا ( 29 أكتوبر سنة 1925 المحاماة 6 رقم 534 ص 856 – على أنه بعد إباحة الوصية للوارث فى ثلث التركة يكون الإقرار لوارثه نافذاً فى هذا القدر ولو من غير إجازة باقى الورثة )  . أما إذا صدر الإقرار فى حال الصحة فإنه يكون نافذاً دون تقييد بثلث التركة ، وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن الإقرار بالدين يكن صحيحاً ولو ستر تبرعاً متى كان منجزاً وصادراً فى حال الصحة ، سواء كان لوارث أو لغير وارث ( 19 مارس سنة 1929 المحاماة 9 رقم 395 ص 631 )  .

( [51] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الإقرار يعتبر دليلاً تقديم الاستحقاق عليه فى زمن سابق ، فيكون صحيحاً ولو كان خالياً من ذكر سببه السابق عليه  . فإذا أقر المشترى على نفسه بأن الأرض التى اشتراها والمكلفة باسمه هى ملك لوالده ، واعتبرت محكمة الاستئناف أن عقود شراء تلك الأطيان جدية ، كما اعتبرت فى الوقت ذاته أن الإقرار اللاحق لها صحيح وحجة على المقر ولو لم يذكر سببه ، فلا محل للطعن فى حكمها بالتناقض ، لأنه يبين من هذا أن الحكم لم تعتبر الإقرار المذكور سبباً من الأسباب الناقلة للملك ، بل اعتبرته – كما ينبغى أن يعتبر قانوناً – دليلاً تقدم الاستحقاق عليه فى زمن سابق ، وهذا حق ، لأن الإقرار ليس سبباً لمدلوله ، ولذا كان حكمه ظهور ما أقر به المقر لا ثبوته ابتداء ( نقض مدنى 6 فبراير سنة 1936 المجموعة الرسمية 37 رقم 7 ص 158 )  . وتميز محكمة النقض بين سبب الإقرار بالدين وعلة الاستدانة ، فقد يقر المدين بالدين ويذكر أن السبب هو استيلاؤه على ريع أموال الدائن ، ثم يذكر أن علة هذه الاستدانة هى إنفاق المال فى وجه معين ، فسواء صدقت العلة أو لم تصدق ، فالإقرار صحيح ما دام سببه صحيحاً ( نقض مدنى 19 أبريل سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 113 ص 693 )  .

وفى الفقه الإسلامى الإقرار كاشف لا منشئ  . جاء فى الفتاوى الهندية : ” الإقرار أخبار عن ثبوت الحق للغير على نفسه ، كذا فى الكافى  . وأما ركنه فقوله لفلان على كذا أو ما يشبه ، لأنه يقوم به ظهور الحق وانكشافه ، حتى لا يصح شرط الخيار فيه ، بأن أقر بدين أو بعين على أنه بالخيار ثلاثة أيام ، فالخيار باطل وإن صدقه المقر له والمال اللازم ، كذا فى محيط السرخى ” ( الفتاوى الهندية 4 ص 156 )  . وفى الدر المختار الإقرار إخبار من وجه وإنشاء من وجه ، وقد جاء فيه ما يأتى : ” فالوجه الأول وهو الأخبار : صح إقراراه بمال مملوك للغير ، ومتى أقر بملك الغير يلزمه تسليمه إلى المقر له إذا ملكه برهة من الزمن لنفاذه على نفسه ، ولو كان إنشاء لما صح لعدم وجود الملك  .  .  . ولا يصح إقراره بطلاق وعتاق مكرها ، ولو كان إنشاء لصح لعدم التخلف  . وصح إقرار العبد المأذون بعين فى يده والمسلم بخمر وبنصف دار مشاعاً والمرأة بالزوجية من غير شهود ، ولو كان إنشاء لما صح  .  .  .  . والوجه الثانى وهو الإنشاء : لو رد المقر له إقراره ثم قبل لا يصح ، ولو كان إخباراً لصح  .  .  .  . والملك الثابت بالإقرار لا يظهر فى حق الزوائد المستهلكة فلا يملكها المقر له ، ولو إخباراً لملكها ”  . ( تكملة ابن عابدين 2 ص 78 – ص 82 )  .

وجاء فى ” طرق القضاء ” : ” أما الإقرار فإن الحق يثبت به بدون حكم ، وإنما يأمره القاضى بدفع ما لزمه بإقراره ، وليس لزوم الحق بالقضاء ، فجعل الإقرار من طرق القضاء إنما هو بحسب الظاهر ، وإلا فالحق يثبت به لا بالقضاء – والبينة طريق للقضاء بالإجماع ، والمدعى لا يثبت بها حتى يتصل بها القضاء  . واليمين ليست طريقاً للقضاء ، لأن المنكر إذا حلف وعجز المدعى عن البينة يترك المدعى فى يده لعدم قدرة المدعى على إثباته لا قضاء له بيمينه  .  .  . والنكول طريق القضاء عند أصحابها ، والفرق بينه وبين الإقرار أن الإقرار موجب للحق بنفسه ، وأما النكول فلا يوجب الحق إلا إذا اتصل به القضاء ( طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية للأستاذ أحمد إبراهيم ص 7 – ص 8 )  .

( [52] ) وتنص المادة 464 من التقنين المدنى العراقى على ما يأتى : ” 1 – كما يصح الإقرار بالمعلوم يصح الإقرار بالمجهول ، إلا فى العقود التى لا تصح مع الجهالة ، 2 – فلو أقر أحد بأمانة أو سرقة أو غصب صح إقراره ، ويطلب منه تعيين الأمانة المجهولة أو المال المسروق أو المغصوب  . أما إذا أقر ببيع أو استئجار شئ غير معلوم ، فلا يصح إقراره ”  .

( [53] ) انظر أيضاً المادة 97 من قانون البينات السورى ، وهى منقولة عن المادة 465 من التقنين المدنى العراقى  . وانظر المادة 1577 من المجلة وشرح سليم باز ص 863 – ص 864  .

( [54] ) الموجز للمؤلف ص 685 – وقد قضت محكمة طنطا الكلية بأن الشريعة الإسلامية اشترطت لصحة الإقرار فيما يتعلق المقر به ألا يكون محالاً شرعياً أى لا يعده الشرع باطلاً ، فإن كان باطلاً شرعاً لم يعامل المقر بمقتضاه ، والإقرار به يكون باطلاً غير معتبر شرعاً ، حتى إذا أخد المقر له من المقر به كان للمقر أن يسترد منه ثانية لأنه أخذه منه بغير وجه شرعى  . ومثال الإقرار بالمحال الشرعى أن يقر إنسان بقدر من السهام لوارث أكثر مما هو مقدر له شرعاً ، ومثل هذا الإقرار باطل فى نظر الشرع ، وإقرار المورث لأحد الورثة بدين إياراً له على بقية الورثة ولو كتبت به وثيقة لأنه إقرارا بشئ محال شرعاً ، ومن قبيله إقرار الرجل لزوجته بمهرها بعد أن تبرئه منه أو بعد أن تهبه له أو إقراره لها بنفقة مدة ماضية هى فيها ناشز من غير سبق قضاء أو رضاء مع اعترافها بذلك  . فهذه الإقرارات جميعها باطلة شرعاً لأنها إقرارات بأشياء يحكم الشرع ببطلانها بطلاناً كلياً ( 3 يوليه سنة 1935 المحاماة 17 رقم 207 ص 443 )  .

هذا وقد قدمنا أن الإقرار لا يرد إلا على مسألة من مسائل الواقع ، فلا يرد على مسألة من مسائل القانون  . فالإقرار الصادر من أحد المتعاقدين بوصف عقد بأنه بيع وفاء لا رهن لا يعتبر حجة على المقر لأنه ليس إقراراً بذمة ، وإنما هو إقرارا بوصف عقد من الوجهة القانونية ، وهذا الوصف لم يغير شيئاً من حقيقته ، ولا يقيد المحكمة ما دام أنه غير مطابق للأركان التى اشترط القانون وجوب توافرها ( استئناف مصر 30 أبريل سنة 1934 المحاماة 15 رقم 150 / 2 ص 314 – وانظر أيضاً : استئناف مصر 28 يونيه سنة 1933 المحاماة 14 رقم 132 / 2 ص 248 )  .

ويورد دى باج المسائل التى لا يصح فيها الإقرار على النحو الآتى : ( 1 ) لا يصح الإقرار فيما يحرم القانون الإقرار به لاعتبارات ترجع إلى الخشية من الاحتيال والتواطؤ ، وذلك كما فى فصلى الأموال ( separation de viens ) والطلاق ونحو ذلك  . ( 2 ) لا يصح الإقرار بعكس ما تقضى به قرينة قانونية قاطعة تعتبر من النظام العام  . ( 3 ) لا يصح الإقرار فيما يجب الإنكار صحته من الطعن بالتزوير  . ( 4 ) لا يصح الإقرار لإثبات وجود عقد شكلى  . ( 5 ) لا يصح الإقرار فى مسائل الحالة المدنية ( etat ) والنسب  . ( دى باج 3 فقرة 1015 ص 1038 – ص 1031 )  . وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا المعنى ما يأتى : ” ويقبل الإقرار ، كقاعدة عامة ، فى جميع المواد ولو كانت قيمة المدعى به تجاوز عشرة جنيهات ، ما لم يقض القانون بغير ذلك : كما لو كان الإثبات متعلقاً بالبيانات التى يحلق بها وصف الرسمية فى محرر رسمى ، أو بالتصرفات التى يشترط لانعقادها شكل خاص ، أو بالمسائل المتصلة بالنظام العام ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 432 )  .

( [55] ) هيك 8 فقرة 349 – بودرى وبارد 4 فقرة 2702  .

( [56] ) استئناف مختلط أول أبريل سنة 1948 م 60 ص 99  .

( [57] ) نقض فرنسى 20 مارس سنة 1860 سيريه 61 – 1 – 61 – أوبرى ورو 12 ص 113 – بودرى وبارد 4 فقرة 2704 ص 380 – بيدان وبرو 9 فقرة 1306  .

( [58] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه لكى يكون الإقرار قانونياً ودليلاً قاطعاً يجب أن يصدر فى أثناء سير الدعوى وأمام المحكمة التى تنظر النزاع ، فلا يكفى صدروه أثناء التحقيقات الجنائية التى تجريها النيابة ما دام المقر لم يصر على إقراره ويردده أمام المحكمة ، خصوصاً إذا سحبه بصريح العبارة مدعياً أنه صدر منه بسب الاضطراب الذى كان وقاعاً فيه وقت اتهامه جنائياً – والاعتراف الذى يصدر فى المسائل الجنائية لا يعتبر فيها إثباتاً تاماً ما لم تعززه ظروف أخرى ، فلا يمكن أن تكون له أمام المحكمة المدنية أهمية أكثر من اعتباره مجرد قرينة تتعلق بالوقائع ( استئناف مصر 26 فبراير سنة 1923 المحاماة 3 رقم 255 ص 337 )  .

( [59] ) أما الأقوال التى يبديها الخصم تأييداً لطلباته ، والعبارات التى تصدر منه تعزيزاً لدفاعه فإنها لا تعتبر إقراراً قضائياً ( بنى سويف 14 أكتوبر سنة 1899 الحقوق 15 ص 27 )  . وقد قضت محكمة مصر الكلية بأن مجرد المناقشات التى تأتى على لسان الخصم فى المرافعة لتأييد الوسائل التى يبنى عليها دفاعه لا تعتبر إقراراً قضائياً ( قضاء مستعجل 21 أكتوبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 166 / 2 ص 365 )  .

( [60] ) أوبرى ورو 12 ص 112 – بودرى وبارد 4 فقرة 2705 – انظر عكس ذلك وأن الإقرار القضائى فى دعوى يعد إقراراً قضائياً أيضاً فى دعوى أخرى ماركاديه م 1356 فقرة 2 وبونييه 1 فقرة 350 ، وانظر فى مناقشة هذا الرأى وتفنيده أوبرى ورو 12 ص 111 هامش رقم 7 : والإقرار القضائى الصادر فى الدعوى المستعجلة لا يصلح إلا إقراراً غير قضائى فى دعوى الموضوع ( نقض فرنسى 11 مارس سنة 1950 البلتان المدنية 1950 – 1 – 52 فقرة 71 – أنسيكلوبيدى داللوز فى القانون المدنى Preuve فقرة 928 )  .

( [61] ) قارن بارتان فى تعليقه على أوبرى ورو 12 ص 111 هامش رقم 7 – انظر الموجز للمؤلف ص 684 هامش رقم 3 والأحكام المشار إليها فى هذا الهامش – وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن إقرار خصم فى قضية وضع اليد لا يعتبر إقراراً قضائياً فى قضية الملك ( 7 يونيه سنة 1932 المحاماة 13 رقم 279 ص 538 ) – وقضت محكمة قنا الكلية بأنه إذا أقر شخص بأمر فى دعوى تعزيزاً لحجته فلا يصح التمسك بإقراره فى دعوى أخرى متعلقة بذلك الأمر ، ولا يمكن اعتبار إقراره أكثر من قرينة غير قاطعة تقبل إثبات ما ينقضها ( 17 نوفمبر سنة 1931 المحاماة 13 رقم 88 ص 200 )  . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا احتج فى الدعوى بإقرار صدر فى دعوى أخرى من أحد الخصمين فى خصوص الحق المدعى به فلم تأخذ المحكمة به ، فلا يصح أن ينعى عليها أنها لم تعتبره إقراراً قضائياً ما دام هو – فضلاً عن صدوره فى دعوى أخرى – قد صدر من طرف واحد ولم يصادف قبولاً ( كذا ) من الطرف الآخر ( نقض مدنى 5 نوفمبر سنة 1943 مجموعة عمر 4 رقم 81 ص 221 )  . وقد رأينا أن القول – خلافاً لما ذهبت إليه محكمة النقض – ليس ضرورياً لقيام الإقرار  . وقد قضت محكمة المنيا الكلية بأن مجرد إعلان المذكرة من خصم لآخر يكسب هذا الآخر حقاً ، والقول بأن هذا الخصم لا يتمسك بالاعتراف الوارد بها مردود بأنه لا يشترط قبول الخصم للاعتراف حتى تكون له قوة قانونية إذ له قوة فى الإثبات بمجرد حصوله ( المنيا الكلية 20 يناير سنة 1930 المحاماة 10 رقم 371 ص 747 ) – أما إذا كان الإقرار الصادر فى إحدى الدعاوى هو فى حقيقته قبول لإيجاب ، فإن هذا القبول يسرى فى أية دوى أخرى  . وقد قضت محكمة النقض فى هذا المعنى بأنه متى كان يبين من الصور الرسمية لمحضر جلسة دعوى الطرد المقامة من الطاعن قبل المطعون عليه أن ما صدر من هذا الأخير لم يكن إقراراً عن وقاعة متنازع فيها ، بل كان قبولاً منه لإيجاب من الطاعن انعقد به الاتفاق فعلاً بين الطرفين على تحديد إيجار الفدان بمبلغ معين فنزل الطاعن عن دعوى الطرد ، وكانت المحكمة إذ لم تعمل أثر هذا الاتفاق فى دعوى المطالبة بالأجرة أقامت قضاءها على أنه إقرار صادر فى دعوى أخرى ولا يصح التمسك به فى الدعوى الحالية ، فإنها تكون قد خالفت القانون ( نقض مدنى 21 نوفمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 22 ص 170 )  .

( [62] ) وقد أصبحت قواعد الاختصاص الموضوعى فى تقنين المرافعات المختلط ولم تكن من النظام العام فى تقنين المرافعات الأهلى السابق ( انظر الموجز للمؤلف ص 684 )  .

( [63] ) أوبرى ورو 12 ص 11  .

المصدر: محامي في الأردن

الاستثناءات في القانون المدني

الاستثناءات

205 – نوعان من الاستثناءات : قدمنا أن هناك أحوالا استثنائية يجوز فيها الإثبات بالبينة وبالقرائن ، حتي لو زادت قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات ، وحتي لو كان المراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها . فتكون هذه الأحوال إذن استثناء من قاعدة وجوب الدليل الكتابي بشقيها .  413  وهذه الاستثناءات ، كما أسلفنا القو نوعان :

( النوع الأول ) أحوال يقوم فيه دليل كتابي غير كامل يجعل وجود التصرف القانوني المدعي به قريب الاحتمال ، وهذا الدليل الكتابي غير الكامل يسمي مبدأ الثبوت بالكتابة ( commencement de prevue par ecrit ) .

( والنوع الثاني ) أحوال يقوم فيها مانع ، إما من الحصول علي دليل كتابي ، وإما من تقديم هذا الدليل بعد الحصول عليه لفقده بسبب أجنبي ( [1] ) .

المطلب الأول

مبدأ الثبوت بالكتابة ( [2] )

206 – النصوص القانونية : تنص المادة 402 من التقنين المدني علي ما يأتي :

  414  ” 1 – يجوز الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة ” .

 ” 2 – وكل كتابة تصدر من الخصم ، ويكون من شأنها أن تجعل وجود التصرف المدعي به قريب الاحتمال ، تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ( [3] ) .

ويقابل هذا النص في التقنين المدني السابق المادة 217 / 282 ( [4] ) .

ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في قانون البينات السوري المادة 56 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 490 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المادة 242 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 389 ( [5] ) .  415  ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1347 ( [6] ) .

207 – نطاق مبدأ الثبوت بالكتابة : ويتبين من نص التقنين المدني المصري أنه إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة – بالشروط التي سنفصلها – جاز إثبات التصرف القانوني بالبينة أو بالقرائن أو بهما معا ، أي أن البينة والقرائن تأتي معززة لدليل كتابي ناقص فتكمله ( [7] ) . ومبدأ الثبوت بالكتابة ، معززاً بالبينة أو بالقرائن ،  416  يكون دليلا كاملا في كل ما كان يجب إثباته بالكتابة . فيكون دليلا كاملا علي : ( 1 ) تصرف قانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ( 2 ) ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ( 3 ) تصرف قانوني اشترط القانون بنص خاص أن يكون إثباته بالكتابة كالصلح والكفالة . ولكنه لا يصلح دليلا علي تصرف شكلي كالهبة والرهن الرسمي ، إذ هو لا يحل محل الشكل ، فإن الشكل ذاته ركن في التصرف ( [8] ) .

  417  208 – أركان مبدأ الثبوت بالكتابة : وحتي يكون هناك مبدأ ثبوت بالكتابة يجب ، وفقا للنص الذي قدمناه ، أن تتوافر أركان ثلاثة : ( 1 ) أن تكون هناك ورقة مكتوبة . ( 2 ) وأن تكون هذه الورقة صادرة من الخصم الذي يحتج بها علية أو ممن يمثله . ( 3 ) وأن يكون من شأن هذه الورقة أن تجعل وجود التصرف القانوني قريب الاحتمال ( [9] ) .

 ” 1 – وجود ورقة مكتوبة

209 – الأعمال المادية لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة : لا بد لتوافر الركن الأول من وجود ورقة مكتوبة . أما مجرد الأعمال المادية ، إيجابية كانت أو سلبية ، ولو كانت ثابتة بالبينة أو بالقرائن ، فلا تكفي . ويترتب علي ذلك أن تنفيذ الالتزام ، إذا انطوي علي أعمال مادية محضة كبناء منزل أو نقل بضاعة ، وثبت بغير الكتابة كما هو الشأن في هذه الأعمال إذ تثبت عادة بالبينة أو بالقرائن أو بالمعاينة ، فإنه لا يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان تنفيذ الالتزام ينطوي علي تصرف قانوني كالوفاء بمبلغ من النقود ، فلا بد من إثبات  418  هذا التنفيذ وهو تصرف قانوني بورقة مكتوبة إذا زادت القيمة علي عشرة جنيهات وهذه الورقة – سواء كانت دليلا كتابيا كاملا علي التنفيذ أو لم تكن إلا مبدأ ثبوت بالكتابة – تكون في الوقت ذاته مبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلي إثبات وجود الالتزام . فإذا كان الوفاء منصبا علي مبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات وكان هذا هو كل الدين ، فإثبات الوفاء يجوز بالبينة وبالقرائن ، ولكننا في هذه نكون في غير حاجة إلي مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الالتزام ذاته ، إذ يجوز إثباته هو أيضا بالبينة وبالقرائن .

وقد يكون مبدأ الثبوت بالكتابة أعمالا مادية تسجل بعد ذلك في ورقة مكتوبة ، فعند ذلك تكون هذه الورقة المكتوبة – لا الأعمال المادية – هي مبدأ الثبوت بالكتابة ( [10] ) .

210 – الشروع في الوفاء : وقد كان التقنين المدني السابق ينص في المادة 221 / 286 منه علي أن ” الشروع في الوفاء يصح أن يكون عند الاقتضاء سببا للقاضي في أن يأذن بالإثبات بالبينة ” . ولم يستبق التقنين الجديد هذا النص ، وقد كانت هناك فائدة في استبقائه ، إذ يتميز في بعض صوره عن مبدأ الثبوت بالكتابة . ذلك أن الشروع في الوفاء قد يكون عملا ماديا محضا ، فيثبت بغير ورقة مكتوبة . وكان في هذه الحالة ، وفقا لنص المادة 221 / 286 من التقنين المدني السابق ، يصلح سببا للقاضي في أن يأذن في الإثبات بالبينة . أما بعد أن أغفل التقنين المدني الجديد إيراد هذا النص ، فلم يعد الشروع في الوفاء يصلح  419  في هذه الحالة أن يكون مبدأ بالكتابة يجيز الإثبات بالبينة ( [11] ) .

وإذا كان الشروع في الوفاء تصرفا قانونيا كالوفاء بمبلغ من النقود أو دفع الفوائد ، فإن كان المبلغ الموفي به أكثر من عشرة جنيهات فلا بد في إثبات الوفاء من ورقة مكتوبة . وعندئذ تصلح هذه الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الالتزام ذاته ، دون حاجة إلي استبقاء نص المادة 221 / 286 من التقنين السابق . أما إذا كان المبلغ الموفي به لا يزيد علي عشرة جنيهات ، فيمكن إثبات الوفاء وحده بالبينة أو القرائن دون ورقة مكتوبة . ولكن إثبات الوفاء بالبينة أو بالقرائن في هذه الحالة لا يمكن التذرع به ، كما قدمنا ، لإثبات الالتزام ذاته إذا كان يزيد علي عشرة جنيهات ، حتي في عهد التقنين السابق ، بل يجب للوصول إلي إثبات الالتزام أن يكون الوفاء ثابتا بورقة مكتوبة . وهنا أيضا تصلح هذه الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الالتزام ذاته دون حاجة إلي استبقاء نص المادة 221 / 286 ( [12] ) .

  420  ويخلص من ذلك أن المادة 221 / 286 ، إذا كان يستطاع الاستغناء عنها في حالة ما إذا كان الشروع في الوفاء ينطوي علي تصرف قانوني ، فقد كانت هناك فائدة في استبقائها في حالة ما إذا كان الشروع في الوفاء ينطوي علي عمل مادي ( [13] ) .

211 – أية كتابة تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة : وكل كتابة تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، أيا كان شكلها وأيا كان الغرض منها .

فسند غير موقع – إذ السند الموقع يكون دليلا كتابيا كاملا – ودفاتر تجارية ، وسجلات وأوراق منزلية ، ومراسلات موقعة كانت أو غير موقعة ، ومؤرخة وموجهة إلي من يحتج بها أو موجهة إلي الغير ما دام يمكن تقديمها إلي القضاء ، وتأشيرات علي سند الدين ، كل هذه تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، هذا إذا لم تكن دليلا كاملا في الحالات التي نص القانون فيها علي ذلك وقد تقدم بيانها .

كذلك يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة محاضر الجرد ، ودفاتر الحساب ، والإيصالات ( [14] ) ، والمخالصات ، والتأشيرات المدونة في هامش الأوراق  421  والسندات أو في ظهرها ، والمذكرات الشخصية ولو كانت مدونة في أوراق منثورة ، وصور الأوراق الرسمية ، وصور الأوراق العرفية كصورة العقد المسجل ( [15] ) .

وتصلح الأوراق القضائية ونحوها من الأوراق أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، حتي لو كانت أوراقا في قضية أخري ، وذلك كالبيانات المدونة في أسباب الحكم ( [16] ) ، وما ورد في محاضر الجلسات ومحاضر التحقيق ( [17] ) ، والإقرارات التي تدون في مذكرات الخصوم ولو أمضاها الوكلاء عنهم ( [18] ) ، والبيانات التي تقدم لمصلحة الشهر العقاري أو لمصلحة البيد أو للمصالح الحكومية الأخري وتدون في أوراق رسمية ( [19] ) .

  422  ويجوز أن يستخلص مبدأ الثبوت بالكتابة من مجموع أوراق متفرقة لا من ورقة واحدة ، كما إذا كانت الورقة الصادرة من الخصم تشير إلي ورقة أو أوراق أخري غير صادرة منه ولكنها هي ، دون الأوراق الأخري ، التي تجعل وجود التصرف القانوني قريب الاحتمال ( [20] ) .

212 – السندات الباطلة : والسند الرسمي إذا كان باطلا – أيا كان سبب بطلانه – وكان موقعا من ذي الشأن ، تكون له قيمة الورقة العرفية كما سبق القول . فمن باب أولي يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا لم يكن صالحا لأن يكون دليلا كتابيا كاملا .

أما إذا كان السند الرسمي الباطل غير موقع من ذوي الشأن ، وكان عدم التوقيع راجعا إلي جهل ذي الشأن الكتابة أو عدم استطاعته إياها أو رفضه للتوقيع ، فإنه يصلح كذلك أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( [21] ) . وقد رأينا أن الورقة الرسمية الباطلة ، إذا كانت غير موقعة من المدين ، لا تكون لها قيمة الورقة العرفية ، حتي لو كان الموثق قد ذكر فيها عجز المدين عن التوقيع ، ولكنها في هذه الحالة تصلح ، كما قدمنا أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان السند الرسمي الباطل غير موقع عليه ، لا لجهل بالكتابة أو عدم استطاعة لها أو رفض للتوقيع ، فإنه يكون مجرد مشروع لم يتم ، ولا تكون له قيمة الورقة العرفية ، ولا يصلح كذلك أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . وإذا كان السند الرسمي الباطل صادراً من عدة مدينين متضامنين ولم يوقعه إلا بعض هؤلاء ، فلا تكون له قيمة  423  الورقة العرفية ، وكذلك لا يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، لا بالنسبة إلي من لم يوقع لعدم التوقيع ، ولا بالنسبة إلي من وقع لأنه لم يوقع إلا كمدين متضامن مع آخرين فلو صلحت مستنداً ضده لفقده حق الرجوع علي من لم يوقع من هؤلاء المدينين ( [22] ) .

والسند العرافي ، إذا كان باطلا لعدم التوقيع عليه ، يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان مكتوبا بخط المدين أو كان صادراً منه أو ممن يمثله ( [23] ) . وكذلك السند العرفي الموقع عليه أو الصادر من المدين ، دون ذكر لمقدار الدين ، يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، فيجوز إثبات الدين بالبينة أو بالقرائن ، ولا يعد هذا إثباتا لما يجاوز الكتابة لأن الكتابة هنا ليست دليلا كتابيا كاملا بل مبدأ ثبوت بالكتابة .

213 – البيانات السلبية – تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب أو امتناعه عن الإجابة : وفي بعض الحالات قد يكون مجرد بيان سلبي ، أي مجرد إغفال ذكر بيان في ورقة مكتوبة ، صالحا لأن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . وقد قضت محكمة استئناف أسيوط بأن السكوت ، إذا كان ذا دلالة علي الوفاء ، ومرتبطا بورقة متعلقة بالدين ، يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( [24] ) . وقضت محكمة استئناف مصر بأن مبدأ الثبوت بالكتابة قد ينتج من عدم ذكر أمر في ورقة تحتويه عادة ، كما إذا لم يذكر الورثة في محضر جرد أموال مورثهم دينا من الديون ، فإن هذا يصح اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة في التخلص من هذا الدين ( [25] ) . وقضت محكمة النص الفرنسية بأن عدم ذكر دين متنازع عليه في محضر  424  جرد قد يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، علي أساس أن محضر الجرد الحالي من ذكر الدين هو الورقة المكتوبة ( [26] ) .

وتفريعا علي هذا المبدأ نصت المادة 173 من تقنين المرافعات الجديد علي أنه ” إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بغير عذر مقبول ، أو امتنع عن الإجابة بغير مبرر قانوني ، جاز للمحكمة أن تقبل الإثبات بشهادة الشهود والقرائن في الأحوال التي ما كان يجوز فيها ذلك ” . والورقة المكتوبة في هذه الحالة هي المحضر الرسمي الذي دون فيه تخلف الخصم عن الحضور أو امتناعه عن الإجابة ( [27] ) .  425  فكأن الواقعة التي يتكون منها مبدأ الثبوت هي واقعة مستقلة عن الكتابة ، ليست الكتابة إلا لإثباتها ( [28] ) .

214 – التاريخ الثابت لمبدأ الثبوت بالكتابة : يميز الفقه في فرنسا بين ورقة عرفية موقع عليها وقد أعدت للإثبات ولكنها لا تصلح إلا مبدأ ثبوت بالكتابة – وذلك كالورقة العرفية التي لم تتعدد نسخها أو لم تحمل عبارة الاعتماد المعروفة – وبين ورقة عرفية لم يوقع عليها ولم تعد للإثبات وتصلح مع ذلك أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة – وذلك كدفاتر التجار والسجلات والأوراق المنزلية والمذكرات الشخصية . ففي الحالة الأولي لا يكون تاريخ الورقة حجة علي الغير إلا إذا كان ثابتا وفقا للطرق التي سبق بيانها في ثبوت التاريخ ، وذلك بالرغم من أن الورقة ليست إلا مجرد مبدأ ثبوت بالكتابة . وفي الحالة الثانية يكون تاريخ الورقة حجة علي الغير دون حاجة إلي أن يكون تاريخا ثابتا ، وللغير أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح بجميع الطرق لأنه ليس طرفا في الورقة ( [29] ) .

ولما كانت الحالة الأولي لا تتحقق في مصر ، إذ هي ترجع إلي أحكام في التقنين الفرنسي أغفلها التقنين المصري – تعدد النسخ وعبارة الاعتماد – فإنه يمكن القول أن مبدأ الثبوت بالكتابة في القانون المصري يكون تاريخه حجة علي الغير دون حاجة إلي أن يكون ثابتا . والغير الذي ينازع في صحة هذا التاريخ يستطيع أن يثبت عدم صحته بجميع الطرق ، حتي بالبينة أو بالقرائن ، لأنه من الغير وليس طرفا في الورقة التي يحتاج بها عليه كمبدأ ثبوت بالكتابة كما سبق القول .

215 – ما لا يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة : ويتبين مما قدمناه أنه لا يكون هناك مبدأ ثبوت بالكتابة إذا لم تكن هناك ورقة مكتوبة يستند إليها في الإثبات ،  426  ولو كانت ورقة أغفل فيها ذكر الواقعة المراد إثباتها حيث كان يجب ذكرها وهو ما سميناه بالبيان السلبي فيما تقدم . فأي عمل مادي ، إيجابي أو سلبي ، واي قول لا ينتهي إلي بيانات مدونة – أو مغفلة حيث كان يجب تدوينها – في ورقة مكتوبة ، لا يكون مبدأ ثبوت بالكتابة . ومن ثم لا تكفي الأقوال الشفوية إذا كان لا يمكن إثباتها بالكتابة ، وإن كان يمكن إثباتها بالبينة أو بالقرائن ( [30] ) .

وإذا كان المراد هو إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها عن طريق مبدأ ثبوت بالكتابة معززاً بالبينة أو بالقرائن ، فلا يصح أن تكون الورقة ذاتها التي يراد إثبات ما يخالفها أو يجاوزها هي مبدأ الثبوت بالكتابة ، بل يجب أن يكون مبدأ الثبوت بالكتابة ورقة أخري صادرة في تاريخ تال لهذه الورقة التي يراد إثبات ما يخالفها أو يجاوزها ( [31] ) .

  427  رقابة محكمة النقض : وكون هذا الركن الأول – وجود ورقة مكتوبة – قد توافر في مبدأ الثبوت بالكتابة أو لم يتوافر مسألة من مسائل القانون تخضع لرقابة محكمة النقض ( [32] ) .

 ” 2 – صادرة من الخصم أو ممن يمثله

217 – الورقة صادرة من الخصم : حتي تصلح الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة ، يجب أن تكون صادرة من الخصم الذي يحتج عليه بها ، مدعيا كان في الدعوي التي رفعها أو مدعي عليه في الدفع الذي تقدم به ( [33] ) وصدور الورقة من الخصم إما أن يكون صدورا ماديا ( materiel ) أو صدوراً معنويا ( intellectual ) .

فالصدر المادي يتحقق بأن تكون الورقة بتوقيع الخصم أو بخطه – وأي الشيئين يكفي : التوقيع أو الخط . والورقة التي وقعها الخصم تكون في الغالب دليلا كتابيا كاملا إذا أعدت أصلا لإثبات المدعي به . ولكنها قد لا تكون أعدت لذلك ، واقتصرت علي بيانات تجعل المدعي به قريب الاحتمال ، وعندئذ يكفي لاعتبارها صادرة من الخصم أن تكون بتوقيعه دون أن تكون بخطه ( [34] ) . ولكن يجب أن يكون التوقيع هو التوقيع الصحيح للخصم ، فلا يكفي أن يكون مجرد تأشيرة  428  ( paraphe ) أو علامة ( marque ) أو توقيع هامشي ( signature marginale ) ( [35] ) . وقد تكون الورقة غير موقع عليها من الخصم ، ولكنها مكتوبة بخطه . وهذا يكفي لاعتبار الورقة صادرة منه ، ولا حاجة إلي التوقيع( [36] ) . وسواء كانت الورقة موقعة من الخصم أو مكتوبة بخطه ، فالواجب في الحالتين أن يكون الخصم غير منكر لتوقيعه أو لخطه . أما إذا أنكر ، فلابد من الالتجاء إلي إجراءات تحقيق الخطوط علي النحو الذي بيناه فيما تقدم ، فإن ظهر من التحقيق أن التوقيع أو الخط هو له اعتبرت الورقة صادرة منه ، وهذا ما لم يطعن فيها بالتزوير وينجح في هذا الطعن ( [37] ) .

والصدور المعنوي يتحقق بأن الخصم – وهو لم يوقع الورقة ولم يكتبها بخطه – يعتبرها كما لو كانت صادرة منه . فقد يكون الخصم أميا فتكتب الورقة بأملائه ( [38] ) ،  429  وتعتبر في هذه الحالة صادرة منه دون أن يكون قد وقعها أو كتبها بخطه ( [39] ) .وقد تكون الورقة لم تكتب بأملائه ، ولكنه تمسك بها مقراً بما ورد فيها ، كمخالصة صادرة من الخصم الآخر تمسك بها ، فتعتبر كأنها صادرة منه دون أن تكون بتوقيعه أو بخطة ( [40] ) . ويلاحظ أن ارتضاء الخصم للورقة التي لا تحمل توقيعه أو خطه ، واعتبارها صادرة منه ، واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن ( [41] ) . والورقة الرسمية غير الموقع عليها من الخصم قد تعتبر صادرة منه صدوراً معنويا ، وصفة الموظف العام الذي كتب هذه الورقة قد تكفي وحدها ذلك . فالإقرارات والبيانات التي ترد في أسباب الحكم ( [42] ) ،  430  وتلك التى ترد فى محضر الاستجواب ( [43] ) ، أو فى محضر المعاينة ، كل هذه تعتبر صادرة من الخصم صدوراً معنوياً ، فهى لا تحمل توقيع الخصم أو خطه ، ولكنها مدونة فى أوراق رسمية منسوبة إلى الخصم ، بواسطة موظفين عامين فوق مستوى الشبهات ( [44] ) . وهذا بخلاف الورقة الرسمية الموثقة ، فإنها إذا لم تكن موقعة من الخصم ، ولم يكن عدم التوقيع راجعاً إلى الجهل بالكتابة أو عدم  431  استطاعتها أو رفض التوقيع ، فلا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ، لأنها تعتبر فى هذه الحالة مجرد مشروع لم يتم ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ( [45] ) .

218 – الورقة صادرة ممن يمثل الخصم : ويصح أن تكون الورقة صادرة ، لا من الخصم نفسه ، بل ممن يمثل الخصم وقت تحرير الورقة . والأدق أن يقال : ممن يمثله الخصم أو ممن يمثل الخصم ( [46] ) .

فمثل من يمثله الخصم المورث . فالورقة الصادرة من المورث تعتبر كأنها صادرة من الوارث ، وتصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها على الوارث كما  432  كان يحتج بها على المورث . ومثل من يمثله الخصم أيضا المدين إذا استعمل الدائن حقوقه . فالورقة الصادرة من المدين تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها على الدائن ( [47] ) .

ومثل من يمثل الخصم وكيله . فالورقة التى تصدر من الوكيل فى حدود وكالته تعتبر كأنها صادرة من الموكل ، ويحتج بها عليه كمبدأ ثبوت بالكتابة ( [48] ) .

على أنه يجب إثبات عقد الوكالة وفقاً للقواعد العامة  433  والمحامى يعتبر وكيلاً عن الخصم الذي يترافع عنه . فالإقرارات والبيانات التى كتبها فى مذكراته منسوبة إلى موكله تعتبر صادرة من الموكل ، وتصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها عليه . وهذا هو أيضا شأن ما يدلى به فى مرافعته منسوبا إلى موكله ، ويدون فى محضر الجلسة ، أو فى محضر التحقيق .

كذلك المحضر يعد وكيلاً . فكل إعلان يقوم به المحضر على لسان الخصم يعتبر كأنه صادر من الخصم ، كصحيفة الدعوى والمعارضة فى التنبيه وغير ذلك من أوراق المحضرين ( [49] ) .

ويمثل الولى والوصى والقيم القاصر والمحجور عليه ، فى حدود ولاية كل منهم . فالورقة الصادرة من أحد من هؤلاء ، فى هذه الحدود ، تعتبر كأنها صادرة من القاصر أو المحجور عليه .

219 – مالا يعتبر صادرا من الخصم ولا ممن يمثله : ويتبين مما تقدم أن الورقة ما لم تكون صادرة من الخصم ، أو ممن يمثله الخصم أو ممن يمثله الخصم أو ممن يمثل الخصم ، لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، ولا يحتج بها على الخصم .

فالورقة الصادرة من الخصم الآخر لا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة يحتج بها على الخصم الأول ( [50] ) ، للسبب المتقدم ، ولأن الشخص لا يستطيع أن يصطنع  434  الدليل لنفسه ( [51] ) .

والورقة الصادرة من الزوج لا يحتج بها على زوجته ، ولا يحتج بالورقة الصادرة من الزوجة على زوجها ، هذا ما لم يكن أحدهما وكيل الآخر وفى حدود هذه الوكالة ( [52] ) .

كذلك لا يحتج بالورقة الصادرة من الإبن على أبيه ، ولا من الأب على ابنه ( [53] ) . ولا يحتج بالورقة الصادرة من أحد الشركاء فى الشيوع على باقى الشركاء ، ولا من أحد المتهمين فى جريمة على شركائه أو الفاعلين الأصليين الآخرين ، ولا من أحد الخصوم فى الدعوى على المنضمين معه فى الخصومة ، ولا من مصفى الشركة على أحد الشركاء ( [54] ) .

كذلك لا يحتج على الخصم بما يصدر عن الغير من إقرارات وبيانات عند استجوابه . ومن ثم لا يجوز استجواب ولا الأمر باستحضار غير الخصم ( [55] ) .

  435  220 – رقابة محكمة النقض : وكون الورقة صادرة من الخصم ، أو ممن له صفة فى تمثيل الخصم له أو فى تمثيله للخصم ، هو الركن الجوهرى فى مبدأ الثبوت بالكتابة ، إذ هو الذي يصل الورقة بالخصم ويجعلها حجة عليه . وهذه مسألة من مسائل القانون ، ومن ثم كان البت فيها خاضعاً لرقابة محكمة النقض ، مثلها فى ذلك مثل الركن الأول ( [56] ) .

3 – تجعل المدعى به قريب الاحتمال

221 – معنى قريب الاحتمال : لا يكفى أن تكون الورقة المقدمة كمبدأ ثبوت بالكتابة من شأنها أن تجعل الواقعة المراد إثباتها محتملة ، بل يجب أن تجعل هذه الواقعة مرجحة الحصول ، لا ممكنة الحصول فحسب ( [57] ) .

فإذا توافر ركن قرب الاحتمال على هذا النحو ، فإن مبدأ الثبوت بالكتابة ، هو وحده أيضاً ، لا يكفى دليلا كاملا على صحة الواقعة المراد إثباتها ، كما تقدم القول . بل تجب تكملته بالبينة ، أو بالقرائن ، أو بهما معا .

وليس القاضى مجبراً ، عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة ، أن يحيل الدعوى إلى التحقيق لتكملة الدليل . فقد يرى فى ظروف القضية وملابساتها وفيما يحوطها من القرائن القضائية ما يقنعه بصحة الواقعة المدعى بها ، وتكون القرائن فى هذه الحالة هى التى أكملت مبدأ الثبوت بالكتابة . وقد يقوم من ظروف القضية وملابساتها ما يقنعه بعكس ذلك ، فلا يحتاج أيضا فى هذه الحالة إلى أن يحيل الدعوى إلى التحقيق ، ويزول ما كان لمبدأ الثبوت بالكتابة من أثر كدليل .

  436  وقد يرى القاضى أن يحيل الدعوى إلى التحقيق لاستكمال مبدأ الثبوت بالكتابة بالبينة أو بالقرائن . وهنا أيضاً يستبقى القاضى سلطته الكاملة فى التقدير فيسمع الشهود ، وقد يقتنع فتصبح عنده الواقعة المدعى بها ، وقد لا يقتنع فيعتبر أن هذه الواقعة لم يقم عليها الدليل ( [58] ) .

222 – قرب الاحتمال مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض : وتقدير ما إذا كان مبدأ الثبوت بالكتابة يجعل الواقعة المدعى بها قريبة الاحتمال مسألة واقع . ومحكمة الموضوع فى تقديرها لهذه المسألة لا تخضع لرقابة محكمة النقض ، فلا يجوز الطعن فى تقديرها أمام هذه المحكمة . وهذا هو الذي انعقد عليه الاجماع ، فقهاً وقضاء ، فى مصر وفى فرنسا ( [59] ) .

  437  فمن الأركان الثلاثة لمبدأ الثبوت بالكتابة ، يكون الركنان الأولان – وجود ورقة وكونها صادرة من الخصم – من مسائل القانون ، فهما يخضعان لرقابة محكمة النقض . والركن الثالث – قرب الاحتمال – من مسائل الواقع ، لقاضى الموضوع فيها سلطان لا معقب عليه من المحكمة العليا .

223 – ضوابط ثلاثة فى تقدير قرب الاحتمال : ومن يستقرئ الفقه والقضاء يستطيع أن يستخلص ضوابط يستأنس بها فى تقدير ما إذا كان مبدأ الثبوت بالكتابة من شأنه أن يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال .

وهى ضوابط يستأنس بها قاضى الموضوع ، ولكنه غير مقيد بها قانوناً . وسواء اتبعها أو لم يتبعها ، فتقديره كما قدمنا غير خاضع لرقابة محكمة النقض ( [60] ) .

ذلك أن الورقة التى تقدم على اعتبار أنها مبدأ ثبوت بالكتابة يمكن أن ترد إلى أحد أنواع ثلاثة :

  1. ورقة كان من الممكن أن تكون دليلا كتابياً كاملا على الواقعة المراد إثباتها .
  2. ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابياً كاملا على الواقعة المراد إثباتها ، ولكنها تشير إلى هذه الواقعة .
  3. ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابياً كاملا على الواقعة المراد إثباتها ، ثم هى لا تشير إلى هذه الواقعة .

  438  224 – ورقة كان من الممكن أن تكون دليلا كتابيا كاملا على الواقعة المراد إثباتها : وذلك كالأوراق الرسمية والأوراق العرفية وغيرها من الأوراق التى جعل لها القانون قوة معينة فى الإثبات كدفاتر التجار والسجلات والأوراق المنزلية والرسائل .

وهذه أوراق فى الأصل تكون دليلا كتابيا كاملاً . فإذا نقصها شرط من الشروط التى يتطلبها القانون لم تعد تصلح أن تكون دليلا كاملا ، وانقلبت إلى مبدأ ثبوت بالكتابة ، إذ هى تذكر الواقعة المراد إثباتها ذكر الدليل الكامل ، فلا يكون هناك شك فى أنها تجعل هذه الواقعة قربة الاحتمال . وإذا فاتها أن تكون دليلا كتابياً كاملا لما اعتورها من النقض ، فإنها تصلح فى القليل أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة .

فالورقة الرسمية إذا شابها عيب فى الشكل ، ولم تصلح أن تكون ورقة عرفية ، فإنها تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة . مثل ذلك السند الرسمى الباطل غير الموقع عليه من ذى الشأن ، إذا كان عدم التوقيع راجعاً إلى جهل ذى الشأن الكتابة أو عدم استطاعته إياها أو رفضه للتوقيع ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ( [61] ) ” .

وصور الأوراق الرسمية التى لا تصلح دليلا كاملا طبقا لأحكام القانون ، كالصورة الرسمية الأصلية إذا لم يكن مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل ، وصورة الصورة الأصلية إذا كانت الصورة الأصلية غير موجودة على رأى أشرنا إليه فيما تقدم ، تصلح فى الغالب أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على النحو الذي أسلفنا الإشارة إليه .

والورقة العرفية المكتوبة بخط المدين إذا لم تكن موقعة ، وثبت أن عدم التوقيع لا يرجع إلى رفض المدين لتوقيعها مما يجعلها فى منزله مشروع لم يتم ، تكون مبدأ ثبوت بالكتابة .

  349  وصور العقود المسجلة تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على الوجه الذي ذكرناه فيما تقدم .

ودفاتر التجار ، حين تكون حجة على غير التجار فيا قام التجار بتوريده مع توجيه اليمين المتممة ( م 397 فقرة أولى ) تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، أكمل هنا ، لا بالبينة ولا بالقرائن ، بل باليمين المتممة . وهذا وضع خاص نص عليه القانون .

والأوراق والسجلات المنزلية ، إذا كانت مكتوبة بخط صاحبها دون توقيعه ، وفى غير الحالتين اللتين نص فيهما القانون على أن تكون دليلا كاملا ( م 398 : إذا ذكر أنه استوفى دينا ، أو أن الورقة تقوم مقام السند ) ، تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على النحو الذي قدمناه .

والرسائل إذا كانت غير موقعة ، وكذلك الأصل غير الموقع من البرقيات تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على التفصيل الذي أسلفناه ذكره ( [62] ) .

225 – ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابيا كاملا على الواقعة المراد إثباتها ولكنها تشير إلى هذه الواقعة : وهذه الإشارة قد تكون إيجابية أو سلبية .

والأمثلة كثيرة على الإشارة الإيجابية . منها كتاب يرسله شخص إلى آخر ، يتكلم فيه عن بيع أو قرض أو أى عقد آخر ، فيكون هذا الكتاب مبدأ ثبوت بالكتابة ضد صاحبه على وقوع هذا العقد . وكتاب يرسله المدين ، يذكر فيه الدين الثابت فى ذمته دون أن يذكر مقداره وشروطه ، فيكون مبدأ ثبوت بالكتابة على هذا الدين ( [63] ) . وكتاب يكتبه الدائن إلى ورثة مدينه ، يسألهم إذا كان فى أوراق مورثهم شىء يفيد براءة ذمته ، فإذا ما استوثق أن شيئا من ذلك لا يوجد رفع الدعوى يطالب بالدين ، فيعتبر هذا الكتاب الذي أرسله الدائن إلى الورثة  440  وأشار فيه إلى براءة ذمة المدين مبدأ ثبوت بالكتابة على هذه البراءة ( [64] ) .

  441  أما أن تشير الورقة إلى الواقعة المراد إثباتها إشارة سلبية فذلك يتحقق على أحد وجهين :

  422  أ ) إما بأن تثبت الورقة واقعة هى عكس الواقعة المراد إثباتها تماما ، ثم يتبين بعد ذلك تزوير الورقة ، فتنتفى هذه الواقعة العكسية وتصبح الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال . مثل ذلك أن يطالب الدائن مدينه بالدين وليس مع الدائن سند مكتوب ، فيبرز المدين مخالصة مزورة ، فتكون هذه المخالصة بعد أن ثبت تزويرها مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات الدين ( [65] ) . ومثل ذلك أيضا أن يثبت أن تاريخ الورقة مزور وأن التاريخ الصحيح هو ما قرره من ادعى التزوير ، فإن ذلك يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات صحة ما يذهب إليه مدعى التزوير ، إذ أن عكسه قد ثبت تزويره ، فأصبح ما يذهب إليه قريب الاحتمال ( [66] ) .

ب ) وإما أن تكون الورقة المراد اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة من شانها فى الأصل أن تثبت واقعة متنازعاً عليها ، فإذا هى لم تثبتها كان فى ذلك إشارة سلبية إلى أن هذه الواقعة غير صحيح . مثل ذلك أن تجرد تركة المدين الميت بحضور دائنه ولم يذكر الدين فى محضر الجرد ، فخلو المحضر من ذكر هذا الدين مع حضور الدائن وقت الجرد قد يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة على الوفاء ، إذ لو كان الدين لا يزال فى ذمة المدين لما خلا منه محضر الجرد ( [67] ) . ومثل ذلك أيضاً أن يتمسك المدين بأن الدائن أبرأه من الدين ، ويحتج بأن ورثة الدائن بعد موته ، وهم يعلمون بالدين وحقيقة الإبراء منه ، قد اقتسموا التركة ولم يذكروا شيئا فى عقد القسمة عن هذا الدين ، فيعتبر عدم التنويه عنه فى عقد القسمة مبدأ ثبوت بالكتابة على صحة الإبراء ( [68] ) .

  443  وسواء كانت الإشارة إيجابية أو سلبيا ، فقد قدمنا أنه يجب لاعتبار الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة أن يكون من شأنها جعل الواقعة المراد إثباتها مرجحة الحصول ، لا محتلمة فحسب . فالاتفاق المكتوب ما بين شخصين على جواز إثبات العقود المبرمة بينهما بالبينة لا يصلح مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات عقد أبرم بعد هذا الاتفاق ، إذ أن هذا الاتفاق المكتوب ليس من شأنه أن يجعل العقد المدعى به مرجح الحصول ، ولا يزيد على أن يجعله محتملا ( [69] ) .

226 – ورقة لم يكن ممكنا أن تكون دليلا كتابيا كاملا على الواقعة المراد إثباتها ثم هى لا تشير إلى هذه الواقعة : ويبدو لأول وهلة أن مثل هذه الورقة لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، لأنه يبعد أن يكون من شأنها أن تجعل واقعة لا تشير إليها بتاتا – لا إيجاباً ولا سلبا – مرجحة الحصول . ولكن يقع مع ذلك ، فى بعض الأحوال الاستثنائية ، أن مثل هذه الورقة تثبت واقعة أخرى لها ارتباط بالواقعة المراد إثباتها ، ويكون ثبوت هذه الواقعة الأخرى من شأنه أن يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال . فينتقل الإثبات بذلك من محل إلى آخر ،  444  وهذا ما عرفناه بتبدل محل الإثبات أو تحوله ( deplacement de preuve ) ويتحقق ذلك فى الأمثلة الآتية :

1 – رفع شخص على آخر دعوى الدين ، فقدم المدعى عليه ورقة تفيد أن المدعى مدين له بعد تاريخ استحقاق الدين المدعى به . فهذه الورقة تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة على وفاء الدين المدعى به . ذلك أن المدين لا يبدأ فى العادة أن يكون دائنا لدائنة إلا بعد أن يوفيه الدين الذي عليه . فالورقة تثبت واقعة مديونية الدائن للمدين . والواقعة المراد إثباتها هى وفاء المدين الدين لدائنه .

وثبوت الواقعة الأولى يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال ( [70] ) .

2 – إذا قرر الدائن المرتهن شطب الرهن ، فإن هذا التقرير يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة على وفاء الدين المضمون بالرهن . ذلك أن الدائن المرتهن لا يرضى عادة بشطب الرهن قبل أن يستوفى حقه . وتقرير الدائن لشطب الرهن ورقة تثبت رضاء الدين بهذا الشطب . والواقعة المراد إثباتها هى وفاء الدين المضمون بالرهن . وثبوت الواقعة الأولى يجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال .

3 – قضت دائرة النقض الجنائية ( [71] ) بأنه إذا أخذ أحد ضباط القرعة قيمة البدل العسكرى من والد أحد المقترعين وبددها ، وزور شهادة معافاة باسم المقترع بالمذكور ، فإن هذه الشهادة المزورة تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلى تسلم المبلغ . ذلك أن شهادة المعافاة المزورة تثبت أن قيمة البدل العسكرى  445  لم يسدد الخزانة الحكومة . وهذه الواقعة تجعل واقعة تسلم الضابط للبدل وتبديده إياه قريبة الاحتمال ( [72] ) .

  446  المطلب الثانى

قيام المانع من الحصول على الكتابة أو من تقديمها

227 – النصوص القانونية : تنص المادة 403 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” يجوز أيضا الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة : “

( أ ) إذا وجد مانع مادى أو أدبى يحول دون الحصول على دليل كتابى .

( ب ) إذا فقد الدائن سنده الكتابى لسبب أجنبى لا يد له فيه ” ( [73] ) .

ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادتين 215 / 280 و 218 / 283 ( [74] ) .

ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 57 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 491 ، وفى تقنين أصول المحاكمات  447  المدنية اللبنانى المادة 242 ، وفى التقنين الليبى المادة 391 ( [75] ) .

ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1348 ( [76] ) .

  448  ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى أنه جمع بين حالتين تتميز إحداهما عن الأخرى ، وإن كانتا تشتركان من ناحية قيام المانع فى كل منهما :

( 1 ) حالة قيام المانع من الحصول على الكتابة .

( 2 ) حالة قيام المانع من تقديم الكتابة بعد الحصول عليها ، وذلك لفقدها بسبب أجنبى

1 – قيام المانع من الحصول على الكتابة

228 – المانع المادى والمانع الأدبى : إذا وجد مانع من الحصول على الكتابة لإثبات تصرف قانونى كان الواجب إثباته بالدليل الكتابى ، فلا مناص من النزول عند حكم الضرورة ، والسماح بالبينة والقرائن تحل محل الكتابة فى إثبات هذا التصرف . والمانع وفقاً لنص المادة 403 ( بند 1 ) إما أن يكون مانعاً ماديا أو مانعا أدبيا .

وفى الحالتين – قيام المانع المادى أو قيام المانع الأدبى – يجوز الإثبات بالبينة والقرائن : ( 1 ) فيما تزيد قيمته على عشرة جنيهات . ( 2 ) فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ( 3 ) فى كل عقد يتطلب القانون أن يكون إثباته بالكتابة ولم لم تزد قيمته على عشرة جنيهات ، كالصلح والكفالة . أما العقد الشكلى الذي لا ينعقد إلا بورقة رسمية ، كالهبة والرهن الرسمى ، فلا يثبت ، بل لا يوجد ، بغير هذه الورقة الرسمية . وقد مر بيان ذلك عند الكلام فى مبدأ الثبوت بالكتابة  449  والبينة والقرائن ، فى الصور الثلاث المتقدم ذكرها ، لا تكمل الدليل الكتابى كما كان الأمر فى مبدأ الثبوت بالكتابة – بل تحل محل هذا الدليل لقيام الضرورة ( [77] ) .

والمانع ، ماديا كان أو أدبياً ، واقعة مادية يكلف بإثباتها الخصم الذي يدعيها ، وله أن يثبتها بالبينة والقرائن ، فيجب إذن على الخصم أن يثبت أولا قيام المانع ، ثم يثبت بعد ذلك التصرف القانونى المدعى ، ويثبت هذا وذاك بجميع الطرق ( [78] ) .

وأيا كان المانع ، مادياً أو أدبيا ، فإن تقديره موكول إلى قاضى الموضوع وهو لا يخضع فى ذلك إلى رقابة محكمة النقض ، ما دام يورد فى أسباب حكمه الواقعة التى اعتبرها مانعاً ، ويبين لماذا أضفى عليها هذا الاعتبار . فإن أتى فى ذلك بما هو مستساغ معقول ، حمل تكييفه على الصحة ، وإلا صار ما اعتبره من ذلك كأنه منتزع من غير دليل ( [79] ) .

ونستعرض الآن كلا من المانعين : المادى والمانع الأدبى .

  450  1 – المانع المادى

229 – أمثلة على المانع المادى : لم يورد التقنين المدنى الجديد ، ولا التقنين المدنى السابق ، أمثلة على المانع ، ماديا كان أو أدبيا ، كما فعلت بعض التقنينات الأخرى . ونورد هنا بعض ما أوردته هذه التقنينات ، وما أخذ به القضاء والفقه من حالات المانع المادى .

فقد نص التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 ) على بعض هذه الحالات على سبيل التمثيل . فذكر : ( 1 ) الالتزامات التى تنشأ من شبه العقد أو الجريمة أو شبه الجريمة . ( 2 ) الوديعة الاضطرارية التى تقع فى حالات الحريق والتهدم والاضطرابات والغرق ، وكذلك وديعة النزيل فى الفندق ، وذلك كله وفقا لصفة الشخص ولظروف الواقع . ( 3 ) الالتزامات المعقودة عند نزول أحداث غير منظورة لم يكن يستطاع معها كتابة ورقة .

ونص قانون البينات السورى ( م 57 ) على حالتين : ( 1 ) ألا يوجد من يستطيع كتابة السند ( 2 ) أن يكون طالب الإثبات شخصا ثالثاً لم يكن طرفاً فى العقد .

ونص التقنين المدنى العراقى ( م 491 ) على حالة واحدة هى ألا يوجد من يستطيع كتابة السند .

ويضيف الفقه – والقضاء حالات أخرى . منها عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال . ومنها الاحتيال على القانون ، والسبب غير المشروع ، ومنها الصورية بالنسبة إلى الغير وفيما بين المتعاقدين . ومنها ما جرت العادة أن يعتبر الحصول على دليل كتابى فيه متعذراً .

وننبه بادئ ذى بدء إلى أن هذا كله لم يذكر على سبيل الحصر ، بل على سبيل التمثيل . فيجوز أن توجد إلى جانب هذه الحالات حالات أخرى يقوم فيها المانع المادى من الحصول على دليل كتابى ، بل قد تجد حالات لم تكن موجودة من قبل .

  451  ونقتصر هنا على تنسيق الأمثلة التى قدمناها وترتيبها ، حتى تتحدد من وراء ذلك فكرة المانع المادى .

ويمكن تقسيم ما قدمناه من الحالات إلى طوائف ست : ( 1 ) الالتزامات التى تنشأ من مصدر غير عقدى ، وعيوب الإرادة . والذى يجمع بين هذه الحالات أنها جميعها فى الواقع من الأمر ليست تصرفات قانونية ، بل هى وقائع مادية ، فهى ليست استثناء من قاعدة وجوب الدليل الكتابى . ( 2 ) أن يكون طالب الإثبات غير طرف فى التصرف القانونى وما يتصل بذلك من الصورية .

( 3 ) الاحتيال على القانون والسبب غير المشروع . ( 4 ) الودائع الاضطرارية ، ويلحق بها ، بالنسبة إلى البلاد التى لم تنتشر فيها الكتابة انتشاراً كافياً ، ألا يوجد من يستطيع كتابة السند . ( 5 ) الأحداث غير المنظورة بوجه عام . ( 6 ) ما جرت به العادة .

230 – الالتزامات غير العقدية وعيوب الإرادة : يذكر التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 ) بين حالات المانع المادى مصادر الالتزامات غير العقدية ، ويعددها على الوجه الذي اختاره فى ترتيب هذه المصادر : شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة . ونلاحظ فى هذا الصدد أمرين : ( أولا ) لو فرضنا جدلا أن مصادر الالتزام غير العقدى تصرفات قانونية ، فإن المانع هنا من الكتابة ليس مانعاً خاصاً فى حالة بالذات ، بل هو مانع عام فى جميع هذه الحالات دون تمييز ما بين حالة وحالة . وعندنا أن المقصود بقيام المانع أن يكون هذا المانع ذاتيا يقوم فى حالة بالذات ، لا أن يكون مانعاً موضوعيا يقوم بالنسبة إلى طائفة من الحالات فى جميع أفرادها ( [80] ) .

( ثانياً ) وقبل ذلك ، يجب أن يلاحظ أن المصادر غير العقدية للالتزام ليست تصرفات قانونية إطلاقاً بل هى وقائع مادية ، وقد رأينا أن الدليل الكتابى إنما وضع للتصرفات القانونية دون الوقائع  452  المادية أما هذه فالأصول فيها أن يكون إثباتها بجميع الطرق ، ويدخل فى ذلك البينة والقرائن والمعاينة كما قدمنا . فلم يكن التقنين المدنى الفرنسى فى أية حاجة إلى استثناء المصادر غير العقدية من قاعدة وجوب الإثبات بالدليل الكتابى ، فهى فى الأصل لم تدخل فى هذه القاعدة حتى تستثنى الظاهرى ، وأحسن التقنين المصرى فى تجنب متابعته فى هذا الخطأ ( [81] ) .

وإذا رتبنا مصادر الالتزام غير العقدية الترتيب الحديث ، وقلنا أنها العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون ، وجدنا أن العمل غير المشروع يكون دائما عملا مادياً له أركان ثلاثة ، هى الخطأ والضرر وعلاقة السببية ، وكل ركن من هذه يعتبر واقعة مادية يجوز إثباتها بالبنية والقرائن . على أن هناك أعمالا غير مشروعة تقوم على أساس عقود مدنية ، كجريمة التبديد فهذه يجب فى إثباتها إثبات العقد المدنى الذي تقوم عليه ، ولا بد فى إثبات العقد المدنى من مراعاة  453  قواعد الإثبات المتعلقة بالتصرفات القانونية ، فلا يجوز إثبات ما تزيد قيمته على عشرة جنيهات بالبينة أو القرائن ، سواء فى ذلك كانت المحكمة محكمة مدنية أو محكمة جنائية ، وقد مر ذكر ذلك ( [82] ) .

أما فيما يتعلق بالإثراء بلا سبب ، فالوفاء بغير المستحق يكون عادة تصرفا قانونياً ، لا يجوز إثباته بالبينة أو القرائن إذا زاد المبلغ الموفى به على عشرة جنيهات ( [83] ) . والفضالة ، بالنسبة إلى رب العمل ، هى واقعة مادية يجوز إثباتها بالبينة والقرائن . ولكن الفضولى قد يبرم ، فيما يأتيه من أعمال الفضالة ، تصرفاً قانونياً مع الغير ، ففيما بينه وبين هذا الغير لا يثبت هذا التصرف إلا وفقا لقواعد الإثبات فى التصرفات القانونية . وهذا التصرف نفسه يعتبر ، بالنسبة إلى رب العمل ، واقعة مادية يجوز له إثباتها بجميع الطرق . وأعمال الإثراء بلا سبب الأخرى تكون غالبا أعمالا مادية يجوز إثباتها بالبينة والقرائن ، كالبناء والغراس ، ولكن يقع فى بعض الأحوال أن تكون تصرفات قانونية كمن يوفى دين غيره ويرجع على المدين ، ففى هذا الرجوع تراعى قواعد الإثبات فى التصرفات القانونية ( [84] ) .

أما الوقائع المادية التى ينص القانون على أنها تنشئ التزامات ، فإن إثباتها جائز بجميع الطرق . على أنه يلاحظ أن القرابة لها فى الغالب طرق إثبات خاصة ، وأن الجوار يثبت عادة بالمعاينة .

ثم يذكر الفقه ، فيما يجوز إثباته بالبينة والقرائن لقيام المانع المادى ، عيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال . ولكن هذه أيضاً وقائع مادية ، لا معنى لاستثنائها من قاعدة لا تسرى إلا على التصرفات القانونية . صحيح أن هذه العيوب تلتصق بالإرادة ، أى بالتصرف القانونى ، ولكن التصرف القانونى فى ذاته يثبت وفقا للقواعد العامة ، ومن يدعى وجوده عليه أن يثبته ، فإذا ثبت وجوده كان على من يدعى أن التصرف شابه عيب من هذه العيوب أن يثبت ذلك ، ويجوز له أن يثبت هذا العيب بالبينة والقرائن لأنه واقعة مادية كما قدمنا ( [85] ) .

231 – طالب الإثبات ليس طرفا فى التصرف القانونى ، فإذا استبعدنا ما قدمناه من الوقائع المادية ، واقتصرنا على التصرفات القانونية ، وجب أن نقصر دائرة تطبيق الدليل الكتابى على العلاقة فيما بين طرفى التصرف . فالدليل الكتابى غير مطلوب إلا فى هذا النطاق . أما الغير الذي لم يكن طرفا فى التصرف ، فله أن يثبته ، إذا دعته مصلحة مشروعة إلى هذا الإثبات ، بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن . وليس ذلك راجعاً ، فى نظرنا ، إلى قيام مانع مادى حال دون حصول الغير على الكتابة المثبتة للتصرف . لا شك فى أن هذا المانع المادى موجود ، ولكنه مانع عام يوجد فى كل حالة يكون طالب الإثبات فيها من الغير بالنسبة إلى التصرف القانونى ، وقد قدمنا أن المانع يجب أن يكون خاصاً يوجد فى حالة بالذات . والعلة ، فى نظرنا ، فى أن نبيح للغير أن يثبت تصرفاً قانونياً ليس طرفاً فيه بجميع الطرق ، هى أن هذا التصرف بالنسبة إليه يعتبر واقعة مادية ، والواقعة المادية يجوز إثباتها بجميع الطرق .

وقد رأينا أن الشفيع يستطيع إثبات البيع الذي يأخذ فيه بالشفعة بجميع الطرق ، لأنه من الغير ، فيعتبر البيع بالنسبة إليه واقعة مادية . ورأينا فى الفضالة أن الفوضى فى أعمال فضالته قد يبرم تصرفاً قانونياً مع الغير ، فلرب العمل ، إذا اقتضى الأمر ، أن يثبت هذا التصرف بجميع الطرق ، لأنه لم يكن طرفا فى هذا التصرف ، فيعتبر التصرف بالنسبة إليه واقعة مادية . وقد يتعاقد صاحب المصنع من أحد الفنيين ، فيأتى مصنع منافس ويستخدم هذا الفنى قبل انتهاء خدمته فى المصنع الأول ، فإذا رجع صاحب المصنع الأول على صاحب المصنع الآخر بتعويض ، وطولب أن يثبت عقد استخدام المصنع الآخر لهذا الفنى ، كان له أن يثبت هذا العقد بجميع الطرق ، لأنه ليس طرفا فيه ، فيعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية . والحاجز على مال مدينة قد يضطر إلى إثبات ملكية المدين للمال المحجوز عليه بمقتضى تصرف قانونى لم يكن طرفا فيه ، فيثبت هذا التصرف بجميع الطرق ، إذ هو بالنسبة إليه واقعة مادية . والحاجز على مال مدينة قد يضطر إلى إثبات ملكية المدين للمال المحجوز عليه بمقتضى تصرف قانونى لم يكن طرفياً فيه ، فيثبت هذا التصرف بجميع الطرق ، إذ هو بالنسبة إلى واقعة مادية . ويمكن القول إذن بوجه عام أن كل شخص لم يكن طرفاً فى تصرف قانونى ، وكانت له مصلحة فى إثبات هذا التصرف ، يجوز له الإثبات بجميع الطرق ، لأن التصرف يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية ( [86] ) .

  455  كذلك يستطيع الغير ، فى تصرف قانونى مكتوب ، أن يثبت بجميع الطرق ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، لأن التصرف يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية . والمثل البارز لذلك هو الصورية . فالعقد الصورى ، فيما بين المتعاقدين ، تصرف قانونى لا يجوز إثبات ما يخالفه – أى إثبات الصورية – إذا كان العقد مكتوباً ، إلا بالكتابة ( [87] ) . أما بالنسبة إلى الغير ، فيجوز له هذا الإثبات بجميع الطرق ، لأن العقد الصورى بالنسبة إليه يعتبر واقعة مادية ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك .

232 – الاحتيال على القانون والسبب غير المشروع : فإذا اقتصرنا على العلاقة فيما بين طرفى التصرف القانونى ، أمكن أيضا أن نتصور جواز أن يثبت أحد الطرفين التصرف القانونى بجميع الطرق ، لا لأن التصرف يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية فهو تصرف قانونى بالنسبة إلى كل من الطرفين ، بل لأن هناك سبباً غير مشروع ، كربا فاحش أو مقامرة ، يراد إخفاؤه احتيالا على القانون . وقد قدمنا أن الاحتيال على القانون يبيح الإثبات بجميع الطرق ، فهو مبدأ عام يضاهى فى عمومه مبدأ قيام المانع ، ولا يتفرغ عنه . ولذلك يجب ألا نخلط ما بين المبدأين . وقد سبق أن عالجنا مبدأ الاحتيال على القانون وكيف يجيز الإثبات بالبينة والقرائن .

233 – الودائع الاضطرارية وما يلحق بها : وننتقل الآن إلى النطاق الحقيقى لقيام المانع . فهو دائرة العلاقة بين طرفى التصرف القانونى فيما ليس فيه احتيال على القانون ، وذلك بعد أن استبعدنا من هذا النطاق الواقعة المادية فهى ليست بتصرف قانونى ، واستبعدنا الغير الذي يعتبر التصرف القانونى بالنسبة إليه واقعة مادية ، واستبعدنا الاحتيال على القانون وهو يبيح كمبدأ عام مستقل الإثبات بجميع الطرق . وننظر ، فى حدود هذا النطاق الحقيقى ، كيف يحول المانع المادى دون الحصول على الدليل الكتابى .

ونواجه أول ما نواجه الوديعة الاضطرارية ( depot necessaire ) وما يلحق بها . فهنا يقوم مانع مادى يتعذر معه الحصول على الكتابة لإثبات التصرف .

  456  فمن فوجئ بخطر الحريق أو النهب أو الاضطراب أو التهدم أو الغرق أو نحو ذلك ، فبادر إلى إنقاذ متاعه من هذه الأخطار بإيداعه عند الغير ، لا يجد من الوقت ولا من الظروف التى أحاطت به متسعاً للحصول من المودع عنده على دليل كتابى بالوديعة إذا زادت قيمتها على عشرة جنيهات . وبحسبه أن وجد من يستودعه متاعه فى هذه الظروف الحرجة . فإذا زال الخطر وأراد استرداد متاعه ، وأنكر المودع عن الوديعة ، كان على المودع أن يثبت أولا قيام المانع من الحصول على الدليل الكتابى ، أى الخطر الذي كان يتهدده . وهذه واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق . ثم يجوز له بعد ذلك أن يثبت بالبينة والقرائن عقد الوديعة ذاته .

ويلحق بالوديعة الاضطرارية وديعة النزيل فى الفندق لأمتعته . فقد شبه التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 وم 1352 ) هذه الوديعة بالوديعة الاضطرارية ، من حيث قيام المانع المادى من الحصول على دليل كتابى . أما التقنين المدنى المصرى فقد سكت عن ذلك ، وترك المسألة للقواعد العامة . وقد نصت المادة 727 من التقنين المدنى على أن ” 1 – يكون أصحاب الفنادق والخانات وما ماثلها ، فيما يجب عليهم من عناية بحفظ الأشياء التى يأتى بها المسافرون والنزلاء ، مسئولين حتى عن فعل المترددين على الفندق أو الخان . 2 – غير أنهم لا يكونون مسئولين ، فيما يتعلق بالنقود والأوراق المالية والأشياء الثمينة ، عن تعويض يجاوز خمسين جنيها ، ما لم يكونوا قد أخذوا على عاتقهم حفظ هذه الأشياء وهم يعرفون قيمتها ، أو يكونوا قد رفضوا دون مسوغ أن يتسلموها عهدة فى ذمتهم ، أو يكونوا قد تسببوا فى وقوع الضرر بخطأ جسيم منهم أو من أحد تابعيهم ” . وظاهر من هذا النص أن مسئولية صاحب الفندق العقدية ، بمقتضى عقد الوديعة ، تختلف عن مسئولية التقصير . فهو مسئول مسئولية عقدية ، بمقتضى عقد الوديعة ، عن المحافظة على الأمتعة التى يأتى بها النزيل . وإثبات عقد الوديعة فى هذه الحالة يكون بجميع الطرق ، لقيام مانع مادى من الحصول على الكتابة . ونلاحظ منذ الآن أن المانع المادى أخذ هنا يتخفف من حدته ، فلم يعد مانعاً مادياً يجعل الحصول على الدليل الكتابى متعذراً كما كان الأمر فى الوديعة الاضطرارية ، بل هو مانع مادى يجعل الحصول على الدليل الكتابى غير مألوف ويتعارض مع ظروف الإيداع . ويقدر ما يتخفف المانع  457  المادى هنا من حدته ، بقدر ما يفقد من صبغة الخصوص فيه ، ويقرب من أن يكون مانعاً عاماً لا يختص بحالة دون حالة ، لولا أن وديعة نزيل الفندق هى ذاتها حالة متخصصة بين الودائع بوجه عام . وهنا أيضا تتسع الثغرة فى قاعدة الدليل الكتابى لتترك مجالا غير ضيق للإثبات بالبينة . أما فيما يختص بالنقود والأوراق المالية والأشياء الثمينة فمسئولية صاحب الفندق العقدية ، بمقتضى عقد الوديعة الذي يثبت بالبينة والقرائن ، لا تجاوز خمسين جنيها مصرياً . فإن جاوز الضرر هذا المبلغ ، تحولت مسئولية صاحب الفندق إلى مسئولية تقصيرية ، أو بقيت عقدية على حسب الأحوال . وعلى النزيل أن يثبت أحد أمور ثلاثة : ( 1 ) عقد وديعة خاصة ، يتعهد بمقتضى صاحب الفندق بالمحافظة على النقود والأوراق المالية والأشياء الثمينة وهو عارف قيمتها . وهذا العقد لا يجوز فى إثبات البينة أو القرائن لأن قيمته تزيد على عشرة جنيهات . ( 2 ) خطأ من صاحب الفندق ، هو أنه رفض دون مسوغ أن يتسلم النقود أو الأوراق المالية أو الأشياء الثمينة عهدة فى ذممته . وهذا الخطأ واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق . ( 3 ) خطأ جسيما من صاحب الفندق أو من أحد تابعيه ، أياً كان هذا الخطأ ، ولكن لا يكفى أن يكون خطأ عادياً بل أن يكون جسيماً . وهذا الخطأ أيضا واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( [88] ) .

وينص كل من قانون البينات السورى ( م 57 ) والتقنين المدنى العراقى ( م 491 ) صراحة على أنه ” يعتبر مانعاً مادياً ألا يوجد من يستطيع كتابة السند ” ( [89] ) .

وهنا أيضا يزداد المانع المادى تخففاً من حدته . فيصبح للعرف والبيئة دخل فى تقديره . ففى البلاد التى لم تنتشر فيها الكتابة انتشاراً كافياً قد يتعذر فى بعض الأحوال العثور على شخص يستطيع كتابة السند الذي يراد إعداد كدليل كتابى على التصرف القانونى المعقود . فيقدر القاضى ظروف البيئة فى كل مسألة بالذات ، ليرى إذا كان حقاً قد تعذر العثور على من يكتب السند ، فيقضى بقيام المانع المادى ويرخص فى الإثبات بالبينة . وطالب الإثبات بالبينة هو الذي يحمل  458  عبء إثبات تعذر العثور على من يكتب السند فى الظروف التى انعقد فيها التصرف القانونى ، ويستطيع إثبات ذلك بالبينة والقرائن لأنه إنما يثبت واقعة مادية . ونلاحظ أن المانع المادى هنا هو مانع خاص ذاتى ، لا مانع عام موضوعى . ولا يعتد به إلا فى القوانين التى تنص عليه . ففى التقنين المصرى ، حيث لا نص ، لا يكون هذا مانعاً يسوغ الإثبات بالبينة والقرائن .

234 – الأحداث غير المنظورة بوجه عام : وقد أضاف التقنين المدنى الفرنسى ( م 1348 بند 3 ) عبارة عم بها ظروف الودائع الاضطرارية ، فأجاز الإثبات بالبينة ” عند نزول أحداث غير منظورة لم يكن يستطاع معها كتابة ورقة ” . ويجب أن تكون النازلة غير منظورة ، وأن تكون جسيمة بحيث تجعل التعاقد على الالتزام أمراً بلغ حداً من الاستعجال لا يتسع معه الوقت للحصول على سند كتابى . فالقرض الذي يعطى لإسعاف أحد الجنود فى جيش يتقهقر منهزماً ( [90] ) ، وإقراض شخص مالا طرأت الحاجة إليه وهو على وشك السفر ، أو وهو مصاب فى حادث لم يكن يتوقعه ، وإيداع السيارة فى مكان عام حيث لا يوجد من الحراس عدد كاف لتسلم جميع السيارات المودعة ( [91] ) ، وإصابة المودع بشلل فجائى اضطر معه للانتقال إلى المستشفى قبل الحصول على سند كتابى ( [92] ) ، وإيداع صندوق بداخله نقود أثناء قيام البوليس بالتفتيش ( [93] ) ، كل هذه حالات يجوز فيها الإثبات بالبينة والقرائن لقيام المانع المادى الذي يخول دون الحصول على سند كتابى . ويقدر القاضى كل حالة على حدتها ، ليرى هل هناك مانع مادى ، فالمانع إذن خاص ذاتى ، لا عام موضوعى .

235 – ما جرت به العادة : وهنا يتخفف المانع المادى من حدته إلى حد أقصى ، ويزداد اتساع الثغرة فى قاعدة الدليل الكتابى . إذ لا يكون المانع  459  المادى راجعاً إلى التعذر أصلا ، بل إلى مجرد ما جرت به العادة وألفته الناس فى التعامل . وفى هذا خرق واسع تحدثه البينة فى نطاق الدليل الكتابى . ويزيد فى خطورة الأمر أن المانع يبدأ فى التحول من مانع ذاتى إلى مانع موضوعى ، لولا بقية من الذاتية هى التى تركت لتقدير القاضى لينظر فى كل حالة على حدة هل جرت العادة فى مثلها ألا يؤخذ سند كتابى .

وقد جرت العادة ألا يأخذ السيد من خادمه دليلا كتابيا على ما يعهد إليه به من مال أو متاع . وجرت عادة أصحاب الفنادق والمطاعم والمقاهى ألا يأخذوا دليلا كتابيا على ما يقدمون إلى عملائهم من خدمة ومأكل ومشرب . وجرت عادة التجار ألا يأخذوا دليلا كتابيا على ما يرسلوا إلى المنازل من سلع . وجرت العادة فى الأسواق أن تجرى المبايعات بالشروط المألوفة دون كتابة ، فإذ خرجت الشروط عن نطاق المألوف دونت فى ورقة مكتوبة ( [94] ) .

ويختلط المانع المادى هنا بالمانع الأدبى الذي سنراه فى عرف بعض المهن . ومن الفقهاء من يميز بين عادة عامة تجرى بين فريق كبير من الناس بحيث تعتبر قاعدة قانونية مصدرها العرف ، وهذا هو المانع المادى ، وبين عادة خاصة جرى عليها شخصان فى التعامل فيما بينهما ، مما يمكن اعتباره دليلا على وجود صلة متينة بين المتعاملين تمنع من الحصول على سند مكتوب ، وهذا هو المانع الأدبى( [95] ) . وفى رأينا أن المانع المادى والمانع الأدبى يتلاقيان عند العادة ، ويصعب هنا الفصل فيما بينهما فصلا دقيقا . فالعادة من حيث إنها تضع قاعدة مألوفة للسلوك المتبع يتعذر معها الحصول على دليل كتابى تكون مانعاً مادياً ، ومن حيث إنها تتغلغل فى النفوس إلى حد يحجم معه المتعاملون من طلب دليل كتابى تكون مانعاً أدبيا .

  460  ب – المانع الأدبى

236 – تقدير المانع الادبى موكول لقاضى الموضوع – اتساع الثغرة فى الدليل الكتابى : وقد يكون المانع أدبياً غير مادى . وتقدير ذلك – كما هو الأمر فى المانع المادى – موكول للقاضى . وتقديره موضوعى لا معقب عليه لمحكمة النقض ( [96] ) كما تقدم القول . ويميل القضاء إلى التوسع فى الموانع الأدبية ، فتتسع بذلك إلى حد بعيد الثغرة فى قاعدة الدليل الكتابى . ويساعد على ذلك أن القضاء لا يميل إلى تحديد ما هو المانع الأدبى ، فيترك القاضى حراً فى تقدير كل حالة على حدتها ، فيحد من صرامة وجوب الحصول على سند مكتوب بعد هبوط قيمة العملة وصعود مستوى الأسعار ( [97] ) .

وأكثر ما ترجع الموانع الأدبية – وفقا لأحكام القضاء – إلى أمور ثلاثة : ( 1 ) الزوجية والقرابة ( 2 ) علاقة الخدمة ( 3 ) العرف المتبع فى بعض المهن .

237 – الزوجية والقرابة : كثيراً ما تقوم علاقة الزوجية أو القرابة مانعاً أدبياً يحول دون الحصول على الدليل الكتابى الذي يتطلبه القانون . فإذا أثبت الخصم هذه العلاقة ( [98] ) ، وقرر القاضى ، وفقاً لظروف كل حالة وملابساتها – ومن ثم يكون المانع الأدبى خاصاً ذاتياً لاعاماً موضوعياً – أنها علاقة كافية لتقوم مانعاً أدبياً يحول دول الحصول على الدليل الكتابى ، أباح للخصم الإثبات بالبينة والقرائن بدلا من الكتابة .

  461  فعلاقة الزوجية قد تحول – وفقاً لظروف كل حالة – دون الحصول على دليل كتابى لإثبات قرض ما بين الزوجين ، أو لإثبات الوفاء بالدين ، أو لإثبات أى تصرف قانونى آخر ( [99] ) . وكعلاقة الزوجية علاقة المصاهرة ، وقضت محكمة استئناف مصر بأن الموانع الأدبية التى تسمح بالإثبات بالبينة والقرائن تخضع لظروف الدعوى أيضا لا لشدة القرابة وحدها ، فإذا زوجت سيدة ابن خالتها من ابنتها بغير مهر ، وجهزت هى ابنتها ، وأقامت الإبنة وزوجها عندها ليسرها ، هذه الظروف كلها تمنع الزوج أدبيا منعاً قوياً من مطالبة أم زوجته بكتابة إذا أودعها مالا ما أثناء إقامته وزوجته عندها ( [100] ) . وعلاقة الخطبة وحدها قد تكفى فى بعض الأحوال لقيام المانع الأدبى . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن العرف جرى بين المصريين ، وخصوصا المسلمين منهم ، على أنه بعد الاتفاق على الخطبة ودفع المهر وقبل إتمام الزفاف ، يشترى الجهاز ، فإذا سلم للخاطب ، ولم يتم الزواج ، وطولب به جاز إثبات الدعوى بالبينة ، إذ يوجد فى هذه الظروف مانع أدبى يحول دون الحصول على سند كتابى من الخاطب ( [101] ) .

والعلاقة بين الولد وأبويه كثيراً ما تحول دون الحصول على الدليل الكتابى ،  462  وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن صلة الأبوة هى من الموانع الأدبية ( [102] ) . وكذلك علاقة الأخوة ، وقد قضت محكمة النقض بأنه مما لا نزاع فيه أن المانع كما يكون مادياً يجوز أن يكون أدبيا ، والتقدير فى ذلك على كل حال لمحكمة الموضوع ، فإذا رأت فى قضية ما ، لعلاقة الأخوة بين الطرفين ، ولاعتبارات شتى أوردتها فى حكمها ، توفر هذا المانع الأدبى المسوغ للإثبات بالبينة ، فلا معقب على ما رأته فى هذا الشأن ( [103] ) . كذلك صلة القرابة بين المتهم وخالته تعتبر مانعا ادبيا من الحصول على الكتابة ( [104] ) . ودرجة القرابة التى تربط المتهم بعمته وقد سلمته سنداً مثبتاً لدين لها على أبنها ، تعتبر مانعاً أدبياً ، لأن الإيداع يدل فى ذاته على أن للمتهم عند عمته منزلة خاصة ، فتكليفا يأخذ إيصال عليه بهذا الإيداع تكليف يتنافر مع هذا الائتمان ( [105] ) . وسواء كانت القرابة قريبة أو بعيدة ، فمحكمة الموضوع هى التى تقدر ، فى كل حالة بالذات ، متى تعتبر هذه القرابة مانعاً أدبياً . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن حال الصلات العائلية فى ذاتها من حيث تعيين درجة القرابة بالدقة ليست هى التى يترتب عليها بطريقة مطرده المانع الأدبى الذي يحول دون الحصول على كتابة مثبتة للدين أو للتخالص منه ، بل قد يوجد ذلك المانع ولو كانت القرابة بعيدة فى الظاهر ، تبعاً لطبيعة الصلات العادية بين الخصوم من محبة وإخلاص ( [106] ) . وقضت محكمة النقض بأن اعتبار صلة القرابة بين أطراف الخصومة من الموانع الأدبية التى تحول دون الحصول على دليل كتابى هو من الأمور الواقعية التى تستقل بتقديرها محكمة الموضوع بلا معقب عليها من محكمة النقض ( [107] ) .

  463  وقد تقوم صلات أخرى – غير صلات الزوجية والقربى – تكون مانعاً أدبيا من الحصول على الكتابة . من ذلك صلة الجوار ( [108] ) ، وصلة الوكالة غير المأجورة ( [109] ) . بل إن مجرد العادة ( [110] ) ، أو مركز الشخص الاجتماعى ( [111] ) ، قد يكون مانعاً أدبياً يحول دون الحصول على سند مكتوب .

هذا وقد اختارت بعض التقنينات العربية أن تحدد متى تعتبر صلة القرابة والزوجية مانعاً أدبياً ، فحولت بذلك هذه الصلة من مانع خاص ذاتى إلى مانع عام موضوعى . من ذلك أن نص قانون البينات السورى ( م 57 ) على أنه ” تعتبر مانعاً أدبياً القرابة ما بين الزوجين ، أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشى إلى الدرجة الثالثة ، أو ما بين أحد الزوجين وأبوى الزوج الآخر ” .  464  ونص أيضاً تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ( م 242 ) على أنه ” يكتفى بمجرد الاستحالة المعنوية ، وهى تنشأ خصوصاً عن العرف المتبع فى بعض المهن ، أو علاقات القربى ما بين الأصول والفروع أو عن الروابط الزوجية ” . ونص أخيراً التقنين المدنى العراقى ( م 491 ) على جواز الإثبات بالشهادة فيما كان يجب إثباته بالكتابة ” إذا كان العقد مبرماً ما بين الزوجين ، أو ما بين الأصول والفروع ، أو ما بين الحواشى إلى الدرجة الرابعة ، أو ما بين أحد الزوجين وأبوى الزوج الآخر ” ( [112] ) .

238 – علاقة الخدمة : والعلاقة ما بين المخدوم والخادم قد لا تسمح ، تبعاً للظروف ، بالحصول على الدليل الكتابى . فخدمة المنازل لا يستطيعون عادة تقديم دليل كتابى على مقدار أجورهم وشروط خدمتهم ( [113] ) ، ولا على ما قدموه لحساب المخدوم من مبالغ صرفوها فى الشؤون المنزلية ( [114] ) . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن صلة الخادم بسيده وطول خدمته عنده يعتبر من المواقع الأدبية ( [115] ) .

وكذلك العلاقة ما بين رب العمل والعامل قد لا تسمح هى أيضاً ، تبعاً للظروف ، بأن يكون هناك دليل كتابى . مثل ذلك العلاقة ما بين صاحب المصنع وعامله ( [116] ) ، والعلاقة ما بين رب العمل وكاتبه ( [117] ) ، والعلاقة ما بين والد التلميذ والمعلم ( [118] ) ، والعلاقة ما بين خادم الفندق ومخدومه ( [119] ) .

  465  

239 – عرف بعض المهن : وتقضى الظروف فى بعض المهن ألا يكون هناك دليل كتابى على التعامل . ويتحقق ذلك بنوع خاص فى مهنة الطب ، فإن الطبيب فى أكثر الظروف لا يحصل على دليل كتابى من المريض بما اتفقا عليه من أجر للعلاج . بل قد لا يتفقان أصلا على الأجر ، ويطلب الطبيب أجره بعد ذلك وفقاً للعرف الجارى ، دون أن يطلب منه تقديم دليل كتابى فيما يزيد على عشرة جنيهات ( [120] ) .

وحائك الملابس لا يأخذ عادة ورقة مكتوبة من عميله ، فيجوز له إثبات حقه فى ذمة العميل بالبينة والقرائن ، حتى لو زادت القيمة على عشرة جنيهات . وله أن يستعين فى ذلك بدفاترة التجارية وفقاً لقواعد الإثبات الخاصة بهذه الدفاتر( [121] ) .

وقد اشرنا فيما قدمناه كيف يلتقى المانع المادى والمانع الأدبى فيما يقضى به العرف فى كثير من الأحوال من جواز الإثبات بالبينة وبالقرائن .

2 – قيام المانع من تقديم الكتابة لفقدها بسبب أجنبى

240 – نطاق تطبيق القاعدة : رأينا ، فيما قدمناه ، قيام مانع مادى أو أدبى يحول دون الحصول على دليل كتابى ، فجاز الإثبات بالبينة والقرائن نزولا عند حكم الضرورة . أما هنا ، فقد حصل الدائن على الدليل الكتابى الذى يقضى به القانون ، ولكنه بعد حصوله على هذا الدليل فقده لسبب أجنبى لابد له فيه . فمكان الضرورة فى هذه الحالة أكثر وضوحاً ، لأن الدليل الكتابى قد وجد فعلا ولكنه ضاع بغير تقصير من الدائن . لذلك يجوز عندئذ أن تحل  466  البينة والقرائن محل الدليل الكتابى لإثبات :

( 1 ) ما تزيد قيمته على عشرة جنيهات .

( 2 ) ما يخالف الكتابة أو يجاوزها .

( 3 ) أى عقد يشترط القانون أن يكون إثباته بالكتابة ولو لم تجاوز قيمته عشرة جنيهات كالصلح والكفالة .

( 4 ) أى عقد شكلى ، كالهبة والرهن الرسمى على التفصيل الذى سنورده فيما يلى . وفى هذا تختلف هذه القاعدة عن القاعدة السابقة ، فقد رأينا أن قيام المانع لا يجيز إثبات العقد الشكلى بالبينة والقرائن( [122] ) .

241 – أمور ثلاثة يجب إثباتها : ومن يدعى أنه حصل على سند مكتوب ثم فقده بسبب أجنبى ، عليه أن يثبت أموراً ثلاثة :

( 1 ) أنه كان قد حصل فعلا على سند مكتوب . ويجوز أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، لأنه إنما يثبت واقعة مادية ( [123] ) .

  467  

( 2 ) وأن هذا السند قد فقد . وهذه أيضاً واقعة مادية يجوز إثباتها بالبينة بالقرائن( [124] ) .

( 3 ) وأن فقد السند كان بسبب أجنبى لا يد له فيه ، كسرقة أو حريق أو نحو ذلك من الحوادث التى لم يكن يتوقعها ( [125] ) . وهذه أيضاً واقعة مادية يجوز له إثباتها بالبينة والقرائن( [126] ) . ويلاحظ هنا أمران ( أولهما ) أن السبب الأجنبى لا يتشدد فيه التشدد الذى رأيناه فى المسئولية ، فيكفى أن يثبت صاحب السند أنه لم يقصر فى المحافظة عليه حتى يعتبر أنه فقد السند بسبب أجنبى( [127] ) . و( الثانى ) أن إثبات السبب الأجنبى قد يتضمن فى الوقت ذاته إثبات فقد السند . فإذا أثبت  418  شخص مثلا أن حريقاً لا يد له فيه التهم منزله ، ولم يستطع انتشال أوراقه ومستنداته فاحترقت جميعها ، كان فى هذا إثبات للسبب الأجنبى وإثبات عقد السند المكتوب ما دام قد أثبت أن أوراقه قد احترقت جميعها ( [128] ) .

فإذا استطاع الخصم إثبات هذه الأمور الثلاثة –وكلها يمكن إثباتها بجميع الطرق لأنها وقائع مادية كما رأينا – كان له بعد ذلك أن يثبت الحق الذى يدعيه بالبينة والقرائن ، حتى لو زادت قيمته على عشرة جنيهات ، وحتى لو خالف بهذا الإثبات أو جاوز ما هو ثابت بالكتابة( [129] ) .

242 – التوسع فى القاعدة والتضييق منها : وقاعدة فقد السند بسبب أجنبى يوسع فيها ، فيجوز إثبات تصرف قانونى شكلى ، هبة أو رهن رسمى مثلا ، بالبينة والقرائن إذا ثبت أن هذا التصرف كان فى سند ثم فقد السند بسبب أجنبى . ولكن يجب هنا ، عند إثبات سبق وجود السند ، أن يثبت صاحب الشأن أيضاً أن هذا السند كان مستوفياً للشكل الذى يتطلبه القانون( [130] ) . وتختلف هذه القاعدة ،  469  كما قدمنا ، عن قاعدة قيام المانع وقاعدة مبدأ الثبوت بالكتابة فى هذا الصدد . فقد رأينا أن العقد الشكلى لا يجوز إثباته بالبينة والقرائن ، حتى عند قيام مانع حال دون الحصول على الكتابة ، وحتى مع وجود مبدأ ثبوت بالكتابة . أما هنا –عند فقد السند بسبب أجنبى – فيجوز إثبات العقد الشكلى بالبينة والقرائن ، لأن السند مفرغاً فى الشكل الذى يتطلبه القانون قد وجد فعلا ، فاستكمل التصرف أركانه وقام صحيحاً ، ثم فقد السند بعد ذلك بسبب أجنبى ليس من شأنه أن يؤثر فى قيام التصرف . ومتى كانت الدعوى أن التصرف القانون قد وجد فعلا مستوفياً لشكله القانونى ، فلا يوجد ما يمنع حينئذ من إثبات سبق هذا الوجود بالبينة والقرائن( [131] ) .

ويضيق فى القاعدة من ناحية أخرى . فقد قضت محكمة النقض الفرنسية بأنه يجوز الاتفاق على عكسها ، مثلها فى ذلك مثل سائر قواعد الإثبات ، وأنه إذا اشترط رب العمل أن العامل لا يجوز له أن ينضم إلى صندوق المعاش إلا إذا أثبت أنه قضى مدة معينى فى خدمة رب العمل ، وأن هذا الإثبات لا يجوز أن يكون إلا من واقع العامل ( Livret de L’ouvrier ) ، أو بمستخرج من سجلات رب العمل ( Extrait des livres du patron ) ، فلا يسمح للعامل أن يثبت أنه قضى المدة المعينة فى الخدمة بطريق آخر غير هذين الطريقين ، حتى لو كان رب العمل لم يحتفظ بسجلاته وكان العامل قد فقد دفتره( [132] ) .

  470  


( [1] ) وكل نوع من هذين النوعين من الاستثناءات مستقل عن الآخر  . فقد يوجدان معا ، ويختار عندئذ التمسك بأيهما  . مثل ذلك أن يكون الخصم قد اجتمع عنده دليل كتابي كامل ، ثم فقده بسبب أجنبي ، وفي الوقت ذاته عثر علي مبدأ ثبوت بالكتابة  . فله إما أن يتمسك بمبدأ الثبوت بالكتابة ويعززه بالبينة أو بالقرائن ، وإما أن يتقدم لإثبات دعواه بالبينة أو بالقرائن دون أن يقدم مبدأ الثبوت بالكتابة وذلك بعد أن يثبت فقده الدليل الكتابي الكامل بسبب أجنبي  . وقد يوجد أحد الاستثنائين دون الآخر ، فيتمسك به الخصم ويتحقق ذلك في المثل المتقدم إذا ضاع الدليل الكتابي الكامل بإهمال من الخصم ، فليس أمامه في هذه الحالة إلا أن يتمسك بمبدأ الثبوت بالكتابة بالبينة أو بالقرائن ( أوبري ورو 12 فقرة 763 مكرر 3 ص 342 – بارتان علي أوبري ورو 12 فقر 764 هامش رقم 1 مكرر 3 – بودري وبارد 4 فقرة 2616 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1543 ص 1004 )  .

هذا ويلاحظ أن البينة والقرائن في حالة فقد الدليل الكتابي الكامل تكون دليلا بدليا ، وليست دليلا أصليا كما هي في حالة إثبات التصرف الذي لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات  . وهي في حالة مبدأ الثبوت بالكتابة دليل تكميلي ، وليست دليلا أصليا ولا دليلا بدليا  . وقد تقدمت الإشارة إلي ذلك ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1530 ص 985 )  .

( [2] ) انظر في هذا الموضوع : هنري مازو ( H  . Mazeaud ) في الفكرة القانونية من مبدأ الثبوت بالكتابة المنصوص عليه في المادة 1347 من التقنين المدني الفرنسي ، رسالة من ليون سنة 1921 – مانويل ( Manuel ) في مبدأ الثبوت بالكتابة ، رسالة من جرينوبل سنة 1937 – روجيه برو ( Roger parrot ) في مبدأ الثبوت بالكتابة في موسوعة داللوز في القانون المدني 1 ص 697 ( Encyclopedie Dakkoz Droit Civil )  .

( [3] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 540 من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” 1 – يجوز الإثبات بالبينة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة  . 2 – وكل كتابة تصدر من الخصم ، ويكون من شأنها أن تجعل وجود العقد المدعي به قريب الاحتمال ، تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ” وفي لجنة المراجعة أضيفت عبارة : ” فيما كان يجب إثباته بالكتابة ” في الفقرة الأولي ليكون المعني أدق ، وأصبح رقم المادة 415 في المشروع النهائي  . ووافق عليها مجلس النواب بعد استبدال كلمة ” التصرف ” بكلمة ” العقد ” في الفقرة الثانية منها  . ووافقت عليها لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 402 ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 405 و ص 408 – ص 409 )  . 

( [4] ) وكانت المادة 217 / 282 من التقنين المدني السابق تجري علي الوجه الآتي : ” ومع ذلك فالإثبات بالبينة أو بقرائن الأحوال يجوز قبول إذا كان الدين أو التخلص منه صار قريب الاحتمال بورقة صادرة من الخصم المطلوب الإثبات عليه ”  . ونري من ذلك ألا فرق في الحكم ما بين التقنين المدني الجديد والتقنين المدني القديم في هذا الموضوع ، رغم الاختلاف في العبارة  .

( [5] )نصوص التقنينات المدنية العربية الأخري : قانون البينات السوري م 56 : 1 – يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات القانونية حتي لو كان المطلوب تزيد قيمته علي مائة ليرة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة  . 2 – ومبدأ الثبوت بالكتابة هو كل كتابة تصدر عن الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود العقد المدعي به قريب الاحتمال( ويلاحظ أن الفقرة الأولي من هذا النص قاصرة ، حيث تقول : حتي لو كان المطلوب تزيد قيمته علي مائة ليرة  . وكان الأولي أن يقال بدلا من ذلك : فيما كان يجب إثباته بالكتابة ، حتي يرد الاستثناء علي قاعدة وجوب الدليل الكتابي بشقيها ، فيشمل ما إذا كان المطلوب تزيد قيمته علي مائة ليرة وما إذا كان المراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها  . كذلك كان الأفضل استعمال عبارة ” التصرف القانوني ” بدلا من عبارة ” الالتزامات التعاقدية ” ، إذ العبارة الأولي أعم من العبارة الثانية وفيما عدا ذلك يتفق نص التقنين السوري مع نص التقنين المصري )  .   

التقنين المدني العراقي م 490 : تطابق نص المادة 56 من قانون البينات السوري ، ويرد عليها نفس الاعتراضات  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني م 242 : تقبل البينة الشخصية :  .  .  .  .3 ) إذا وجدت بداءة بينة خطية ، أي مخطوطة ولو خالية من التوقيع ، صادرة عن المدعي عليه أو عمن يمثله ، يجعل الواقعة المزعومة قابلة للتصديق  . ( وهذا النص يتفق في حكمه مع نص التقنين المصري )  .

التقنين المدني للمملكة الليبية المتحدة م 389 : تطابق المادة 402 من التقنين المدني المصري  .

( [6] ) التقنين المدني الفرنسي م 1347 : 1 – ويستثني من القواعد المتقدم ذكرها ( أي من وجوب الدليل الكتابي في إثبات تصرف تزيد قيمته علي 5000 فرنك وفي إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ) الأحوال التي يوجد فيها مبدأ ثبوت بالكتابة  . 2 – ويقصد بمبدأ الثبوت بالكتابة كل ورقة مكتوبة صادرة من الخصم الموجه إليه الطلب أو من شخص يمثله هذا الخصم ، ويكون من شأنها ان تجعل الورقة المدعي بها قريبة الاحتمال  . ( هذا ومبدأ الثبوت بالكتابة عرف في القانون الفرنسي القديم عقب صدور أمر مولان عن طريق القضاء ، واستقر في نصوص الأمر الصادر في سنة 1667 ، وانتقل إلي بوتييه ، ومنه إلي التقنين المدني الفرنسي علي الوجه الذي نراه : بودري وبادر 4 فقرة 2580 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1531 – بيدان وبرو 9 فقرة 1272 )  .

Art  . 1347 : Les regles ci – dessus recoivent exception lorsqu il existe un commencement de prevue par ecrit  . On appelle ainsi tout acte par ecrit qui est emane de celui contre lequel la demande est formee ou de celui qu il represente et qui rend vraisemblable le fait allegue  .   

( [7] ) ذلك أن البينة والقرائن تستند في هذه الحالة إلي ورقة مكتوبة ، فيمكن أن يضفي عليها من الثقة ما يعوزها لو لم تستند إلي الورقة المكتوبة ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1531 )  . وقد قدمنا أن البينة والقرائن تعتبر في هذه الحالة دليلا تكميليا لا دليلا أصليا ، ولكنها دليل ضروري وبغيره يكون الإثبات ناقصا ( استئناف مختلط 9 مايو سنة 1944 م 56 ص 143 )  . وسنري أنه يجوز أن يكون الدليل التكميلي لمبدأ الثبوت بالكتابة هي اليمين المتممة ، لا البينة ولا القرائن  .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا المعني ما يأتي : ” وينبغي التنويه بما لتعيين السمة الخاصة التي يمتاز بها هذا الاستثناء من بالغ الأهمية ، ذلك أنه يجعل الإثبات بالبينة جائزا إذا جاوزت القيمة مبلغ عشرة جنيهات من ناحية ، ويجعله جائزاً كذلك لنقص الثابت كتابة وإقامة الدليل علي الإضافة إليه من ناحية أخري  . فمتي وجد مبدأ ثبوت بالكتابة بشأن الالتزام المدعي به جاز الإثبات بالبينة ، فهي بهذا الوصف تكمل ما يعتور الدليل المستخلص من هذا المبدأ من نقص وقصور  . وينهض لتوجيه هذا الحكم ما هو ملحوظ من أن مبدأ الثبوت بالكتابة يجعل الواقعة المدعي بها قريبة الاحتمال  . ويعتبر هذا الوجه ضماناً كافيا للحد من الأخطار التي تكتنف الإثبات بالبينة  . ثم إن البينة لا تكون في هذه الحالة إلا دليلا مكملا أو متمما ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 406 ) – هذا ويفسر عادة مبدأ الثبوت بالكتابة في كثير من التوسع حتي تنكسر حدة التنظيم القانوني للإثبات  . فتقبل البينة والقرائن في مواضع تقضي العدالة بقبولها فيها ، وما كانت لتقبل لولا فكرة مبدأ الثبوت بالكتابة  . فهذه الفكرة إذن تتدارك كثيراً مما تفوته الصرامة التي تنطوي عليها دقة تنظيم الإثبات ، وهي صمام الأمان الذي يكفل لقواعد الإثبات أن تسري في رفق ويسر ( بيدان وبرو 9 فقرة 1272 )  . 

( [8] ) ومع ذلك تقول المذكرة الإيضاحية        للمشروع التمهيدي في هذه المسألة ما يأتي : ” أما فيما يتعلق بنطاق تطبيق هذا النص فليس شك في أنه لا يسري حيث تكون الكتابة شرطا من شروط صحة الالتزام يترتب البطلان علي تخلفه ولو كانت القيمة أقل من عشرة جنيهات ، كما هو الشأن في المحررات الرسمية  . ذلك أن الكتابة أو الأوضاع الشكلية لا تكون في هذه الحالة مجرد دليل فحسب ، بل تعتبر ركنا أو شرطا من شروط الصحة الموضوعية  . علي أن الخلاف قد أثير في الفقه بصدد الالتزامات التي يشترط فيها القانون الكتابة دون أن ينص علي البطلان ، ولاسيما بالنسبة للإيجار ( وكان التقني المدني السابق يشترط في إثباته الكتابة )  . والرأي أن الالتزام يترتب صحيحا في هذه الحالة ، ولكن لا يمكن إثباته إلا بالإقرار أو اليمين ، لأن البينة قد استبعدت صراحة بالنص ، فليس يجوز العود إليها من طريق غير مباشر بالالتجاء إلي مبدأ الثبوت بالكتابة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 406 )  . هذا وكانت المادة 363 / 446 من التقنين المدني السابق تنص علي أن ” عقد الإيجار الحاصل بغير كتابة لا يجوز إثباته إلا بإقرار المدعي عليه أو امتناعه عن اليمين إذا لم يبدأ في تنفيذ العقد المذكور ”  . وكان القضاء في ظل التقنين السابق ( قبل أن يخضع التقنين الجديد عقد الإيجار لقواعد الإثبات العامة ) يقضي بأنه لا يجوز إثبات عقد الإيجار بمبدأ ثبوت بالكتابة ولو عززته البينة والقرائن  . وقد دافع الفقيهان أوبري ورو باسهاب عن جواز إثبات عقد الإيجار في القانون الفرنسي بمبدأ ثبوت بالكتابة معززاً بالبينة أو بالقرائن ( أوبري ورو 12 فقرة 763 مكرر 3 هامش رقم 5 – وانظر أيضا في هذا المعني بودري وبارد 4 فقرة 2617 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1543 ص 1005 )  .

ويبدو أن محكمة النقض في مصر تظاهر هذا الرأي فيما يتعلق بعقد شركة التضامن  . فقد قضت بأن عقد شركة التضامن ليس من العقود الشكلية حتي يبطل إذا لم تحرر به كتابة ، بل حكمه حكم سائر التعهدات التي يشترط فيها الإثبات بالكتابة ، إذ أن المادة 46 من قانون التجارة لم تنص علي وجوب الكتابة إلا طبيان نوع الدليل الذي يقبل في إثبات شركة التضامن ، كما نصت المادة 215 مدني علي وجوب الإثبات بالكتابة إذا زادت قيمة المتعهد علي ألف قرش  . ولما كان مبدأ الثبوت بالكتابة يقوم في التعهدات المدنية مقام الإثبات بالكتابة إذا أيدته الشهود والقرائن ، فمن باب أولي في مسألة تجارية ، لأن القاعدة في المواد التجارية أنه يجوز الإثبات بغير الكتابة طبقا للمادة 115 المذكورة ( نقض مدني 28 أبريل سنة 1944 المحاماة 26 رقم 297 ص 869 )  . والأولوية التي تشير إليها محكمة النقض للمسائل التجارية في الإثبات بغير الكتابة ليس من شأنها أن تمنع قيام مبدأ الثبوت بالكتابة معززاً بالبينة أو بالقرائن مقام الدليل الكتابي الكامل في التصرفات التجارية والتصرفات المدنية علي السواء  .

( [9] ) وتقول الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد أن القضاء الفرنسي يتوسع في تفسير الركن الأول من مبدأ الثبوت بالكتابة المتعلق بمادته ( substance      ) ، ويضيق من تفسير الركن الثاني المتعلق بمصدره ( origine ) ، ويستبقي لقاضي الموضوع سلطانه في تقدير الركن الثالث المتعلق بدلالته ( pertinence )  . ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1531 ص 986 )  .

( [10] ) بل قد بلغ الأمر حد الاستغناء عن إبراز الورقة المكتوبة ذاتها ، إذا ثبت وجودها وكذلك مشتملاتها عن طريق الإقرار أو اليمين ، لا عن طرق البينة أو القرائن ( بودري وبارد 4 فقرة 2585 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 989 – دي باج 3 فقرة 893 – الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 223 ص 407 ويجب أن يذكر الإقرار ما هي الورقة المكتوبة وما الذي تشتمل عليه من بيانات ( نقض مدني 27 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 179 ص 387  . ويتبين من ذلك أن الورقة لم تعد هي ذاتها مبدأ الثبوت بالكتابة ، بل هي ليست إلا مجرد دليل عليه ، وهي دليل يمكن الاستغناء عنه بالإقرار وباليمين ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 989 – بيدان وبرو 9 فقرة 1274 ص 357 )  .

( [11] ) فإذا كان الشروع في التنفيذ المادي قد ثبت ، ولو بالبينة أو بالقرائن ، أنه وقع قبل 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 ، جاز أن يكون سببا لإثبات الالتزام الذي تزيد قيمته علي عشرة جنيهات بالبينة أو بالقرائن وفقا لأحكام التقنين المدني السابق أما منذ 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 فلم يعد هذا الشروع المادي صالحا إلا أن يكون مجرد قرينة قضائية ، لا يجوز قبولها إذا زادت قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات أو كان المراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها  .         

( [12] ) وعند ذلك فقط – أي في حالة الشروع في الوفاء إذا انطوي علي تصرف قانوني لا في حالة الشروع في الوفاء المادي – يصدق ما جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد علي الوجه الآتي : ” ومن أمثله الأوراق التي تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة المحررات المثبتة لبدء التنفيذ أو للوفاء بالفوائد أو الإيرادات ، وقد أفرد لها التقنين المصري ( السابق ) المادتين 221 – 322 / 286 – 287 ولما كان الملحوظ في أحكام هاتين المادتين أنها ليست سوي تطبيق للقاعدة العامة ، لذلك لم تر ضرورة للنص عليها ، إذ في تعريف مبدأ الثبوت بالكتابة ما يعني عنها ، ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 407 )  .

وقد كان التقنين المدني السابق يشتمل علي نص آخر ، لم يستبقه التقنين المدني الجديد ، هو المادة 222 / 287 ، وكان هذا النص يقضي بأن ” دفع الفوائد يكون سببا لجواز إثبات أصل الدين بغير الكتابة ”  . ولما كان دفع الفوائد         ليس إلا شروعا في الوفاء بالدين عن طريق تصرف قانوني لا عن طريق عمل مادي ، فإن مبدأ الثبوت بالكتابة يعني عن استبقاء المادة 222 / 287 ، كما بينا فيما قدمناه  . ( انظر في هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 230 الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ص 207 )  .

( [13] ) وهذا ما جعل التقنين المدني الإيطالي السابق الصادر في سنة 1865 يورد هذا النص في المادة 1354 منه  . وقد نقل عنه التقنين المدني المصري السابق نص المادة 221 / 286 ، واستبقي المشروع الفرنسي الإيطالي نص التقنين الإيطالي في المادة 305 منه  . وكان من الخير استبقاء نص المادة 221 / 286 فإنه يسد فراغا ، ولا يمكن أن يستغني عنه في جميع صوره بمبدأ الثبوت بالكتابة كما رأينا ( انظر في هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 229 )  .   

( [14] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الإيصال المعطي من البائع لمن استرد منه عقد البيع الذي كان قد أودعه إياه يجوز للمشتري أن يعتمد عليه في إثبات حصول البيع له ، متي كان قد حصل عليه برضا المودع لديه ( نقض مدني 5 ديسمبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 78 ص 279 )  . وقضت دائرة النقض الجنائية بأنه إذا أخذ أحد ضباط القرعة قيمة البدل العسكري من والد أحد المقترعين وبددها ، وزور شهادة معافاة باسم المقترع المذكور ، فإن هذه الشهادة المزورة تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلي تسلم المبلغ ( 7 يناير سنة 1915 المجموعة الرسمية 17 رقم 3 ص 4 )  . وقضت محكمة استئناف مصر بأن الإيصال المحرر من أحد شخصين بقبض مبلغ من الآخر علي ذمة المزايدة يعد مبدأ ثبوت بالكتابة ( 21 فبراير سنة 1923 المحاماة 3 رقم 209 ص 276 )  . وقضت محكمة جرجا بأنه إذا قدم المدين ورقة تفيد بأنه بعد تاريخ استحقاق الدين داين هو الدائن بدين آخر ، اعتبرت هذه الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة علي المخالصة من الدين الأول ( 27 فبراير سنة 1926 المحاماة 8 رقم 382 ص 585 )  .        

( [15] ) وقد تقدم بيان أن الصورة الفوتوغرافية للعقد المسجل تعتبر علي الأقل مبدأ ثبوت بالكتابة  . وكذلك الشهادة التي تستخرج من دفتر التصديقات علي الإمضاءات والأختام الموقع بها علي المحررات العرفية هي صورة رسمية لما يدون في هذا الدفتر من ملخص للمحرر ، وليست صورة للورقة العرفية ، ولذلك فإنه يجوز الاستناد إليها كمبدأ ثبوت بالكتابة في إثبات هذا العقد ( نقض مدني 5 ديسمبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 78 ص 279 )  . ولكن محكمة النقض قضت ، لإثبات صورية العقد ، بأنه إذا كان الحكم لم يعتمد في صورية عقد البيع علي شهادة من واقع دفتر التصديق علي التوقيعات ، بل اطلعت المحكمة علي كتابة مدونة في الدفتر المذكور بها إمضاء للمقر وقع به أمام الكاتب المختص ، فإنه يكون قد اعتمد علي سند كتابي صالح للاحتجاج به علي الموقع وعلي خلفائه لا علي صورة لمحرر عرفي مجرد من أية قيمة في الإثبات ( نقض مدني أول ديسمبر سنة 1949 مجوعة أحكام النقض 1 رقم 13 ص 48 )  . ويبدو أن المحكمة اعتبرت الشهادة التي تستخرج من دفتر التصديقات مبدأ ثبوت بالكتابة ، أما الكتابة المدونة في دفتر التصديقات فاعتبرتها دليلا كتابيا كاملا  .

( [16] ) استئناف مختلط 9 أبريل سنة 1908 م 20 ص 167  .

( [17] ) وقد قضت دائرة النقض الجنائية بأن أقول المتهم في أثناء التحقيق يمكن أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا احتوت علي تناقض أو تباين يدل علي سوء نية ، ولم تكن هذه الأقوال ظاهرة بحيث تكون اعترافا صريحا ( 15 نوفمبر سنة 1919 المجموعة الرسمية 21 رقم 28 – استئناف مصر 7 أبريل سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 رقم 1 ص 22 – الإسكندرية 17 فبراير سنة 1908 المجموعة الرسمية 9 رقم 105 ) – وقضت محكمة استئناف مصر أيضا بأن المحضر الذي يحرره         قمص بدار البطريركية بأن زوجة المورث اشترت من مال زوجها المنزل موضوع النزاع رغم إنكارها بصمتها علي هذا المحضر يعد مبدأ ثبوت بالكتابة ( 22 أبريل سنة 1929 المحاماة 9 رقم 532 ص 987 )  .

( [18] ) استئناف مصر 8 نوفمبر سنة 1925 المحاماة 7 رقم 10 ص 17  .       

( [19] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي : ” فالشرط الأول وهو وجود كتابة أو محرر عام الدلالة – فلفظ الكتابة يصرف إلي أوسع معانيه – فهو يشمل كل ما يحرر دون اشتراط شكل ما أو وجود توقيع  . ولذلك استعمل لنص عبارة ” فكل كتابة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 407 )  .

( [20] ) بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 764 ص 347 و ص 348 وهامش رقم 6 مكرر 3 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 988 – ومن باب أولي إذا قدمت في الدعوي قصاصات ورق مجموعة بعضها إلي بعض بطريق اللصق ، فاستدلت المحكمة منها علي أنها أجزاء الأصل واحد ، واعتبرتها ، لا ورقة ضد كاملة ، بل مبدأ ثبوت بالكتابة ، فذلك ليس فيه خطأ في تطبيق القانون ( نقض مدني 22 نوفمبر سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 17 ص 87 )  .      

( [21] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 987  .      

( [22] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 987  .      

( [23] ) أما في فرنسا فالسند العرفي قد يكون باطلا أيضا لعدم تعدد النسخ في العقود الملزمة للجانبين ، أو لعدم ذرك عبارة الاعتماد في العقود الملزمة لجانب واحد ، والسند العرفي الباطل لسبب من هذين يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( محكمة النقض الفرنسية 25 يناير سنة 1946 سيرية 1946 – 1 – 29 بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 988 )  .        

( [24] ) استئناف أسيوط 17 أبريل سنة 1929 المحاماة 10 رقم 78 ص 156  .  

( [25] ) استئناف مصر 8 يونية سنة 1937 المحاماة 18 رقم 120 ص 228  .   

( [26] ) نقض فرنسي 19 يناير سنة 1904 داللوز 1904 – 1 – 295  .

( [27] ) وكان تقنين المرافعات السابق ( م 161 – 162 / 181 – 182 ) يجري علي الوجه الآتي : ” إذا قررت المحكمة استجواب شخص عن وقائع متعلقة بالدعوي وجائزة القبول ، وامتنع عن الإجابة أو لم يحضر في اليوم المحدد لذلك ، فإن للمحكمة النظر فيما يحتمله ذلك ويسوغ لها أن تحكم بأن هذا الامتناع مما يؤذن بإثبات الوقائع المبينة عليها الأسئلة بالبينة ، ولو كانت الحالة مما لا تجيز القوانين الإثبات فيها بذلط ”  . ويبدو أن سلطة القاضي ، في تقنين المرافعات السابق ، كانت أوسع منها في التقنين الجديد ، فقد كان القاضي يستطيع ، بما له من حق النظر فيما يحتمله امتناع الخصم عن الحضور أو عن الإجابة ، أن يعتبر هذا الامتناع إقراراً كاملا ، كما أن له أن يعتبره مبدأ ثبوت بالكتابة ، أو قرينة قضائية بسيطة تنقل عبء الإثبات إلي الخصم الممتنع عن الحضور أو عن الإجابة  .أما في تقنين المرافعات الجديد ، فأوسع سلطة للقاضي هي أن يعتبر الامتناع عن الحضور أو عن الإجابة مبدأ ثبوت بالكتابة  .

وقد قضت محكمة النقض ، في عهد تقنين المرافعات السابق ، بأنه إذا كانت المحكمة قد استجوبت طرفي الخصوم فيما تقدم به المدين من القرائن للتدليل علي كذب الإيصال الصادر منه ، فإن محضر هذا الاستجواب لا يمكن اعتباره لذاته مبدأ ثبوت بالكتابة ، لأنه يجب لاعتباره كذلك أن يكون قد تضمن قولا صادراً عمن يراد الإثبات ضده يجعل الحق المراد إثباته بالبينة قريب الاحتمال  . فإذا كان الثابت في المحضر أن كلا من الطرفين قد أصر إصراراً تاما علي وجهة نظره : الدائن ينكر إنكاراً مطلقا كل ما يدعيه المدين والمدين مصر علي دعواه ، فإنه لا يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة ( نقض مدني 3 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 99 ص 256 )  . أما إذا تضمن محضر الاستجواب ما يجعل الواقعة المدعاة قريبة الاحتمال ، صح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( استئناف مصر 7 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 رقم 40 ص 61 – استئناف مختلط 27 فبراير سنة 1890 م 2 ص 394 )  . ولا يترتب علي امتناع المدعي المدني عن المجاوبة علي الأسئلة الموجهة إليه من النيابة أثناء التحقيق جواز قبول الإثبات بالبينة في غير الأحوال التي أجاز فيها القانون الإثبات بهذه الطريقة ، فإن امتناعه في هذه الحالة لا يمكن أن يقاس بامتناع أحد الخصوم في دعوي مدنية عن المجاوبة عل الأسئلة التي وجهت إليه أثناء استجوابه عن وقائع معينة ( استئناف أهلي أول مارس سنة 1900 المجموعة الرسمية 2 ص 47 )  . هذا وقد جاء في قرار لمحكمة تمييز لبنان ” ان تناقض المدعي عليه في أقواله يعد مبدأ ثبوت بالكتابة ، مما يجوز معه الإثبات بالشهادة والقرينة ” ( محكمة التمييز اللبنانية رقم 900 تاريخ 25 / 4 / 1940 مجلة المحامي سنة 1941 قسم 4 ص 7 – انظر الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 616 )  .

( [28] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 989  .

( [29] ) بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 756 ص 221 – ص 223 وهامش رقم 101 مكرر 3 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1486 ص 930  .       

( [30] ) الموجز للمؤلف فقرة 682 – وقد قضي بأن الإمضاء الموقع بها علي سند ما يجب أن تشمل اسم الملتزم ، ولا تغني عنها علامة يضعها المدين ، كما لا يصح اعتبار هذه العلامة مبدأ ثبوت بالكتابة إذ لا قيمة لها قانونا ، ويسري هذا الحكم أيضا علي الختم المطموس الذي لا يقرأ ( دمياط 24 مايو سنة 1934 المحاماة 15 رقم 29 ص 62 – محكمة النقض الفرنسية 15 مايو سنة 1934 داللوز 1934 – 1 – 1 – 113 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 988 ) ومع ذلك فقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ” وقد تكون هذه الكتابة سنداً أو مذكرة شخصية أو مجرد علامة ترمز للاسم أو توقيعا أو غير ذلك ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 407 ) – والورقة التي تشير إلي ورقة أخري هي التي تجعل الواقعة المراد إثباتها قريبة الاحتمال تعتبر هي والورقة الأخري معا مبدأ ثبوت بالكتابة ، ما دامت الورقة الأخري موجودة ، كما سبق القول  . أما إذا لم يوجد أثر لهذه الورقة الأخري ، فالورقة الأولي وحدها لا تكفي لتكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( حكم محكمة باريس الاستئنافية 13 ديسمبر سنة 1930 جازيت دي تيبينو 29 أبريل سنة 1931 ويشير إليه بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 988 – ص 989 )  .

ومع ذلك فقد قضت محكمة طنطا بأن بقاء أصل عقد البيع الموقع عليه من المتعاقدين تحت يد البائع قرينة يصح التمسك بها ليثبت البائع بالبينة أن العقد صوري ولو لم تؤخذ علي المشتري ورقة ضد ( 21 فبراير سنة 1922 المحاماة 3 رقم 117 ص 167 ) وكان من الممكن أن يقال إن بقاء أصل عقد البيع تحت يد البائع قرينة علي أن العقد لا يزال مشروعا لم يتم ألا علي أنه عقد صوري ، لولا أن هذا لا يعتبر إثباتا بالقرائن لما يخالف عقد بيع مكتوب  .

( [31] ) بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 764 ص 348 – ديرانتون 13 فقرة 331= بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1532 ص 986 و ص 988 – نقض فرنسي 13 يونيه سنة 1883 داللوز 84 – 1 – 38 – 10 مارس 1896 داللوز 96 – 1 – 201 ولكن الورقة التي أسيء توقيعها علي بياض تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات إساءة هذا التوقيع ( بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 764 ص 384 هامش رقم 3 مكرر 3 )  .      

( [32] ) أوبري ورو 12 فقرة 765 ص 364 وهامش رقم 8 والمراجع والأحكام المشار إليها في هذا الهامش  .    

( [33] ) استئناف مختلط 23 يناير سنة 1895 م 7 ص 96 – 3 ديسمبر سنة 1896 م 9 ص 49 – 26 يناير سنة 1937 م 49 ص 79  .    

( [34] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا وقع شخص بإمضائه التزاما عقده الغير لحسابه ، دون أن يبين ما إذا كان قد أراد بإمضائه الالتزام أن يقره أو أن يكون مجرد شاهد في الورقة  . فإن هذا السند لا يكون دليلا كاملا علي التزامه ، ولا يصلح إلا مبدأ ثبوت بالكتابة يرخص في تقديم البينة لإثبات أنه إنما وقع بإمضائه كطرف في الالتزام كمجرد شاهد ( استئناف مختلط 14 يونيه سنة 1900 م 12 ص 347 )  .

( [35] ) ويتساءل أوبري ورو عما إذا كان يكفي التوقيع الذي بدأه الخصم فأدركه الموت قبل أن يتمه ، ويجيب أن محكمة باريس الاستئنافية ( 27 مارس سنة 1841 سيريه 42 – 2 – 10 ) قد قضت بأنه يكفي ( أوبري ورو 12 فقرة 764 هامش رقم 15 )  .        

( [36] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الأهلية بأن الورقة الصادرة من الخصم المطلوب الإثبات ضده يجوز قبولها كمبدأ ثبوت بالكتابة ولو لم تكن ممضاة منه ( 3 مارس سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 60 ) وقضت محكمة استئناف مصر بأن مبدأ الثبوت بالكتابة لا يشترط فيه أن تكون الورقة مكتوبة وموقعا عليها من الخصم ، لأنها في هذه الحالة تكون دليلا تاما ، وإنما يكفي أن تكون الورقة مكتوبة بخط الخصم وإن كان موقعا عليها من غيره ، كما يجوز أن يكون كتبها غيره وهو وقع عليها ( 10 أبريل سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 رقم 98 )  . بل أن الإقرار يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة باعتباره صادراً من الخصم ، وقد قضت محكمة النقض بأنه يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة الإقرار المركب إذا أريدت تجزئته والأخذ ببعضه دون البعض الآخر ، لأن عدم تجزئة الإقرار محله ألا يكون في الدعوي دليل آخر غيره  . أما إذا وجدت بينة ، فتمكن تجزئة الإقرار ، علي أن يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة تكلمه البينة ( نقض مدني 21 يونيه سنة 1943 المحاماة 26 رقم 76 ص 210 ، وحكم آخر في نفس التاريخ المحاماة 26 رقم 83 ص 220 )  . وقضت محكمة منوف بأن إقرار البائع المدون في مذكرات مقدمة منه في دعاوي سابقة بشأن البيع الصادر منه المشتري يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ( 18 فبراير سنة 1915 المجموعة الرسمية 16 رقم 79 / 1 )  .

أما المنشور المطبوع غير الممضي فلا يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة لأنه يتعذر التحقق من مصدره ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 992 – ص 993 )  . 

( [37] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 993  .      

( [38] ) نقض فرنسي 6 ديسمبر سنة 1933 داللوز 1935 – 1 – 61  .

( [39] )وقد قضت محكمة النقض بأن محاضر الحجوز الإدارية التي توقع بناء علي طلب المؤجر علي زراعة المستأجر تعتبر قانونا أنها صادرة من المؤجر ، وهي بذلك تصلح للاحتجاج بها عليه كمبدأ ثبوت بالكتابة في شأن بيع الأشياء المحجوزة بالقدر وبالثمن الوارد بها ، فإذا استكملتها محكمة الموضوع بما تذكره في حكمها من القرائن ، واستنتجت منها وجوب خصم قيمة الحاصلات حسبما جاء بمحاضر الحجز ، فهذا الاستخلاص مما يدخل في حاصل فهم الواقع في الدعوي ، ولا رقابة فيه لمحكمة النقض علي محكمة الموضوع ( نقض مدني 19 مارس سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 339 ص 1076 )  . وقضت محكمة النقض الفرنسية بأن ما يكتبه المستخدم في البنك بإملاء مدير البنك ، وما يكتبه الكاتب بإملاء موثق العقود ، يعتبر صادراً من مدير البنك ومن الموثق ( نقض فرنسي 11 يونية سنة 1872 سيريه 72 – 1 – 261 – أوبري ورو 12 فقرة 764 هامش رقم 33 )  .

( [40] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا قدم شخص ضمن مستنداته مستنداً صادراً له من آخر يقر فيه أنه كانت بيده ورقه ضد صادرة له من هذا الشخص خاصة ببيع قدر من الأرض وأنه وقد أصبح هذا البيع نهائيا فإن ورقة الضد التي ضاعت منه تعتبر لاغية ولا يعمل بها إذا ظهرت ، فأجازت المحكمة لهذا الأخر أن يثبت ما احتوته هذه الورقة بقرائن الأحوال ، بإنها لا تكون خالفت القانون ، إذ أن تمسك ذلك الشخص بالمستند الذي قدمه يفيد تسليمه بسبق وجود ورقة الضد وبضياعها وبأن موضوعها خاص بالبيع الذي هو محل الدعوي( نقض مدني 5 يناير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 47 ص 162 )  . وقضت أيضا بأنه إذا كان الطاعن قد قدم إلي المحكمة ضمن مستنداته خطابا مرسلا له من المطعون عليه ، فإنها لا تكون قد أخطأت إذا استخلصت من هذا الخطاب دليلا فبل الطاعن ( مبدأ ثبوت بالكتابة ) ، ذلك أن تقديم الطاعن مستندا له في الدعوي يفيد تمسكه بما ورد فيه ، فيصح الاحتجاج عليه بمضمونه ( نقض مدني 16 أبريل سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 134 ص 904 )  .

( [41] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 993  .      

( [42] ) نقض فرنسي 17 يوليه سنة 1934 داللوز الأسبوعي 1934 – 475  .    

( [43] ) نقص فرنسى 27 ديسمبر سنة 1938 جازيت دى باليه 1939 – 1 – 347  .

( [44] ) بل إن البيانات التى يذكرها عامل مصلحة البريد فى حوالة بريدية تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ( نقص فرنسى أول مارس سنة 1926 سيريه 1926 – 1 – 105 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 994 )  . وقضت محكمة النقض بأن تمسك الصادر له الورقة المطعون فيها بالتزوير بهذه الورقة وثبوت تزويره لتاريخها ، أى أن أصل تاريخها الصحيح هو ما يقرره مدعى التزوير ، ذلك يعتبر حتما مبدأ ثبوت بالكتابة ( نقص مدنى 16 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 260 ص 751 ) – انظر أيضا : استئناف مصر 10 أبريل سنة 1924 المجموعة الرسمية 26 ص 173 – 8 نوفمبر سنة 1925 المجموعة الرسمية 27 ص 185 – 7 أبريل سنة 1931 المحاماة 12 ص 61 – استئناف أسيوط 17 أبريل سنة 1929 المحاماة 10 ص 156  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” على أن الفقه والقضاء فى فرنسا وبلجيكا ومصر استقرا على أن إقرارات الخصوم التى يدلون بها وتدون تحت إشراف موظف مختص أو قاض يأمر بإثباتها يكون حكمها حكم المحررات الصادرة منهم ولو لم تكن مدون بخطهم أو موقعاً عليها منهم  . ويتعين بداهة فى هذه الحالة أن يكون الموظف العام مختصاً يتلقى مثل هذه الإقرارات ، وأن يكون للقاضى ولاية الأمر بإثباتها  . وغنى عن البيان أن ما يصدر من الخصوم من إقرارات على هذا الوجه يكون بمنزلة مبدأ ثبوت بالكتابة ، إذا كان من شأنه أن يجعل الالتزام المدعى به قريب الاحتمال  . وقد حفلت أحكام القضاء بكثير من التطبيقات فى هذا الصدد  . فمن ذلك مثلا الإقرارات التى يدلى بها فى محضر جرد أو حصر تركة أو مناقصة أو قسمة ( استئناف مختلط 9 يناير سنة 1879 مج ر م 4 ص 91 ) ، والبيانات التى تدون فى ورقة من أوراق المحضرين ( استئناف مختلط 5 يناير سنة 1879 مج رم 4 ص 388 ) ، والإقرارات التى تصدر فى استجواب عن وقائع ( استئناف مختلط 27 فبراير سنة 1890 ب 2 ص 394 – 21 فبراير سنة 1918 ب 30 ص 243 ) ، والإقرارات أو الشهادة التى يدلى بها ذوو الشأن أمام قاضى التحقيق أو القاضى المدنى أو الجنائى ( استئناف مختلط 9 أبريل سنة 1908 ب 20 ص 167 ) ، وما يثبت من أقوال أو إقرارات فى حكم من الأحكام ( استئناف مختلط 26 أبريل سنة 1877 مج ر م 2 ص 309 )  . وقد أشارت المادة 445 فقرة 3 من التقنين المراكشى إلى هذه التطبيقات فى بعض إيراد الأحكام الخاصة بمبدأ الثبوت بالكتابة ، فنصت على أن الإقرارات التى يتلقها أحد الموظفين العموميين المختصين أو القضاة فى حدود ولايته تعتبر صادرة من الخصم ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 408 )  .

( [45] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 944 – أما صور الأوراق الرسمية وصور الأوراق العرفية ، فقد بيننا فيما تقدم متى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة  . أنظر أيضا فى هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الأثبات ص 409 – ص 411  .

( [46] ) محكمة باريس الاستئنافية 26 يناير سنة 1952 جازيت دى باليه 12 – 14 مارس سنة 1952 – وهذا ليس إلا تطبيقا للقواعد العامة ، ولذلك لم ينص عليه صراحة التقنين المدنى الجديد  . أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1347 ) فقد ذكر : ” كل ورقة مكتوبة صادرة من الخصم الموجه إليه الطلب أو من شخص يمثله هذا الخصم ”  .

 ” tout acte par ecrit qui est emane de – celui contre liquel la demande est formee, ou de celui quil represente “

وقد أخذ على هذا النص : ( أ ) أنه يقتصر ، فى عبارته الأولى ، على المدعى ( الخصم الموجه إليه الطلب ) ، والواجب إطلاق العبارة حتى تشمل المدعى عليه فى الدفع أذ يصبح عند ذلك مدعيا وكان الأولى أن يقال : ” الخصم الذى يحتج عليه به ” ، ليشمل المدعى فى الدعوى والمدعى عليه فى الدفع  . ( ب ) أنه يقتصر ، فى عبارته الثانية ، على ذكر من يكون الخصم ممثلا له ( celui quil represente ) كالمورث ، ولم يذكر من يكون ممثلا للخصم كالوكيل ( أوبرى ورو 12 فقرة 764 هامش 7 وهامش 8 )  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى للتقنين المدنى المصرى فى هذا الصدد ما يأتى : ” والشرط الثانى هو صدور المحرر من الخصم الذي يحتج عليه به ، لا من أحد الأغيار  . بيد أن المحرر يعتبر صادرا من مثل هذا الخصم ولو كان صادرا من غيره ، متى كان هذا الغير مستخلفا تسرى التزاماته على من يحلفونه خلافة عامة ( كالورثة ) وفقاً للقواعد العامة ، أو نائبا قانونياً أو اتفاقيا يعمل فى حدود نيابته لأن كتابة الموكل تكون حجة على الوكيل وبالعكس  . ولذلك استعمل النص عبارة ” الخصم أو نائبه ” وفقا لما جرى عليه القضاءا لمصرى ( استئناف مختلط 9 أبريل سنة 1908 ب 20 ص 167 ) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 407 ) – ويلاحظ أن المشروع التمهيدى لم يرد فيه إلا لفظ ” الخصم ” دون ” نائبة ” ، وإنما وردت عبارة ” الخصم أو نائبه ” فى المشروع الأولى للإثبات الذي سبقت الإشارة إليه  .

( [47] ) أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 355  .

( [48] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا رفعت دعوى بموجب سند أقر فيه المدعى عليه بقبضه مبلغا على سبيل الأمانة ، ورفع المدعى عليه الدعوى بصورية هذا السند قائلا أن قيمته هى مجموع مبالغ دفعتها له المدعية عن استحقاقه فى وقف هى ناظرة عليه ، وأن زوج المدعية ووكيلها طلب إليه أن يحرر ذلك السند لمصلحة زوجته فى دعوى مرفوعة عليها من بعض أخواتها ، وأنه فى نظير هذا يرد له إيصالات المبالغ المذكورة ، واستند المدعى عليه فى دفعه هذا إلى تلك الإيصالات المعترف بها من المدعية والمؤشر عليها من زوجها وكيلها بما يفيد سبق وجودها لديها واستردادها منها ، واعتبرت المحكمة هذه الإيصالات مبدأ ثبوت بالكتابة يجيز تكملة الدليل على الصورية بالبينة والقرائن فيما بين العاقدين ، فهذا صحيح لا مخالفة فيه للقانون ، لأن هذه الإيصالات وإن كانت صادرة من المدعى عليه ، إلا أنها معترف بها من المدعية ومؤشر عليها من وكيلها بما جعل ثبوت المدعى به قريب الاحتمال فى نظر المحكمة ( نقض مدنى 28 مارس سنة 1935 مجموعة عمر رقم 241 ص 660 )  . وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن المخالصة الصادرة من صراف مالك الأرض والمذكرة بتحديد الأرض الصادرة من مهندس المالك ، هذان يعتبران مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات بيع الأرض ( استئناف مختلط 21 نوفمبر سنة 1918 م 21 ص 28 ) وقضت كذلك بأن ناظر الزراعة لا يعتبر وكيلا عن المالك ، فالورقة الصادرة منه لا تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد المالك ( استئناف مختلط 22 يناير سنة 1931 المحاماة 11 رقم 529 ص 1041 ) انظر أيضا : استئناف مختلط 9 أبريل سنة 1908 م 20 ص 167 – 7 فبراير سنة 1946 م 58 ص 40  . وقضت محكمة النقض الفرنسية بأن علاقة التبعية القائمة بين رب العمل والمستخدم تجعل الورقة الصادرة من الثانى مبدأ ثبوت بالكتابة بالنسبة إلى الأولى ( نقض فرنسى 13 يونيه سنة 1936 داللوز الأسبوعى 1936 – 393 )  . والورقة الصادرة من الفضولى تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد رب العمل إذا أقر هذا أعمال الفضالة صراحة أو دلالة ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 991 – ص 992 ) – والخطاب الصادر من المهندس المعمارى لصاحب الأرض إلى مهندس الجار ، فى شأن تعدى الجار على هذه الأرض ، بعد مبدأ ثبوت بالكتابة ضد صاحب الأرض ( نقض فرنسى 19 ديسمبر سنة 1904 سيريه 1907 – 1 – 21 ) كذلك دفاتر المصرف أو موثق العقود تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد موكليهما ( أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 356 )  .

وقضت أخيرا محكمة النقض فى مصر بأنه يجب ، لكى يعتبر المحرر الصادر ممن ينوب عن الخصم المطلوب الإثبات عليه ، كوكيل أو ولى أو وصى ، مبدأ ثبوت بالكتابة ، أن يكون قد صدر منه فى حدود نيابته ، فإذ كان الحكم قد اقتصر فى اعتباره الإقرار السالف الذكر مبدأ ثبوت بالكتابة مع كونه صادرا من جد القصر والوكيل عن الوصية ، دون أن يبين ما إذا كان هذا الإقرار قد صدر فى حدود وكالة الجد عن الوصية من ناحية – وفى حدود سلطتها كوصية على القصر من ناحية أخرى ، فإنه يكون قاصر البيان قصورا يستوجب نقضه ( نقض مدنى أول ديسمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 17 ص 62 )  .

( [49] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 991  .

( [50] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الحكم المطعون فيه قد استند فى قضائه برفض الدعوى المقامة من الطاعن ضد مجلس محلى الجيزة بالمطالبة بمبلغ تعويضا عما لقحه من خسارة بسبب امتناع المجلس عن تنفيذ ما التزم به له مقابل استيلائه على جزء من ملكه وملك الوقف للانتفاع به فى عمل شارعين أو مقابل ما ضاع عليه من الكسب بسبب تصرف المجلس معه – إذا كان استند فى قضائه بذلك إلى أن الطاعن كان ، بعد أن قرر المجلس – تنفيذا لما ارتأته الوزارة – أن يكون التنازل بلا شرط ، قد سكت زمنا ولم يطالب بأى تعويض ، بل هو بعد ذلك تنازل للمجلس عن أرض شارع آخر بدون تعويض رغبة منه فى تصقيع أرض الوقف ، ثم إنه قبض ثمن النخيل الذى وافقت الوزارة على دفعه له بكتابها الذى قالت فيه إن التنازل عن أرض الشارعين لا يكون معلقا على شرط ، فإن كل هذا الذى استند إليه الحكم لا يخرج عن كونه قرائن أحوال لا تصلح قانونا لإثبات التنازل المذكور عن أرض الشارعين التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات ( نقض مدنى 8 يونيه سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 146 ص 398 9  . ولم تعتبر محكمة النقض الكتابة الصادرة من مجلس محلى الجيزة بتنازل المدعى عن أرض الشارعين مبدأ ثبوت بالكتابة ضد المدعى ، لأنها كتابة صادرة من الخصم الآخر  .

( [51] ) استئناف مختلط 10 نوفمبر سنة 1920 م 23 ص 11  .

( [52] ) أوبرى ورو 12 فقرة 764 هامش 34 وص 357  .

( [53] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الثابت أن المشترية لم توقع الورقة المتضمنة إقرارها أن عقد شرائها صورى ، بل كان الذى وقعها هو والدها الذى لم يكن نائبا عنها ، فإنه لا يصح أن تتخذ المحكمة من تلك الورقة دليلا كاملا على صورية ذلك العقد فى حالة ما يكون إثبات الصورية غير جائز إلا بالدليل الكتابى ( نقض مدنى 27 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 179 ص 387 )  . ولم تصرح المحكمة بعدم جواز اتخاذ الورقة مبدأ ثبوت بالكتابة ، بل اقتصرت على ذكر أنه لا يصح اتخاذها دليلا كاملا  .

( [54] ) نقض فرنسى 22 مايو سنة 1935 سيريه 1935 – 1 – 307  .

( [55] ) أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 350 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1533 ص 990 – وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا صدر حكم ابتدائى بناء على طلب أحد الدائنين بصورية عقد أبرمه مدينه ، ثم قضت محكمة الاستئناف بإلغائه وعدم قبول دعوى المدعى ، فهذا الحكم لا يصلح مبدأ ثبوت بالكتابة فى دعوى صورية العقد التى يرفعها المدين فيما بعد على من أصدر له التصرف ( نقض مدنى 24 مارس سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 399 ص 740 )  .

( [56] ) أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 364 وهامش رقم 58 – بودرى وبارد 4 فقرة 2614 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1534 ص 994 – ص 995  .

( [57] ) قارن دى باج 3 فقرة 895 – ويتبين من ذلك أن الورقة المثبتة لوجود اتفاق لا تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة على تنفيذ هذا الاتفاق  . ومن ثم لا تصلح الورقة المثبتة للدين مبدأ ثبوت بالكتابة لمصلحة الدائن لإثبات قطع التقادم عن طريق دفع الأقساط المستحقة والفوائد ( أوبرى ورو 12 فقرة 761 وهامش رقم 47 )  .

( [58] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1534 ص 995 – على أن القاضى لا يكون مخطئا إذا هو لم يحل الدعوى إلى التحقيق لاستكمال الدليل بالبنية ما دام الخصم لم يطلب منه ذلك  . وقد قضت محكمة النقض بأن حكم محكمة الموضوع يكون على صواب إذا اعتبر أن الإيصالات ليست دليلا كاملا على التعاقد وأنها لا تعدو أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، وإذ قضى برفض دعوى الطاعن بناء على أنه لم يطلب إحالة الدعوى على التحقيق استكمالا للإثبات ( نقض مدنى 16 يناير سنة 1947 المحاماة 28 رقم 20 ص 26 )  .

( [59] ) تولييه 9 فقرة 133 – ديرانتون 13 فقرة 344 – بونييه 1 فقرة 170 – لارومبيير 5 م 1347 فقرة 27 – أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 364 – ص 365 – بودرى وبارد 4 ص 292 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1534 ص 994 – ص 995 – نقض فرنسى 20 يونيه سنة 1900 داللوز 1900 – 1 – 451 – 24 أبريل سنة 1901 سيريه 1904 – 1 – 229 – 21 ديسمبر سنة 1903 داللوز 1904 – 1 – 94 – 14 مارس سنة 1906 سيريه 1906 – 1 – 317 – دى هلتس 3 الإثبات ( preuve ) فقرة 67 – الأستاذ عبد السلام ذهنى 1 ص 467 – ص 468 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 454 – الموجز للمؤلف ص 711 وص 713 هامش رقم 1 – الأستاذان حامد فهمى ومحمد حمد فهمى فى النقض فى المواد المدنية والتجارية ص 213 – ص 215 – وقد جاء فيه ما يأتى : ” وإذا قلنا إن قاضى الدعوى حر فى تقدير الورقة التى يراد اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة من ناحية كونها تجعل الأمر المطلوب إثباته قريب الاحتمال والتصديق ، فإننا نوج عليه أن يورد فى أسباب حكمه الواقعة المراد إثباتها ونص جزء الورقة التى يراد الاعتماد عليه فى القول بأنها صارت قريبة الاحتمال والتصديق ، ثم يبين كيف أفادت هذا المعنى أو لم تفده ، فإن أتى فى ذلك بما يكون معقولا مقبولا حمل التكييف على الصحة ، وإلا صار ما ادعى إفادته من الورقة كأنه منتزع من غير دليل قائم ”  .

نقض مدنى 7 ديسمبر سنة 1933 مجموعة عمر 1 ص 284 – 13 فبراير سنة 1941 مجموعة عمر 3 رقم 99 ص 317 – 22 مايو سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 206 ص 445 – 18 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 288 ص 566 – 9 يونيه سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 433 ص 797 – 30 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 96 ص 385 – 24 ديسمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 46 ص 297 – استئناف مصر 8 يونيه سنة 1937 المحاماة 18 رقم 120 ص 228  .

أنظر أيضا المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 407  .

( [60] ) حتى لو كان القانون هوا لذى نص على جواز اعتبار ورقة معينة مبدأ ثبوت بالكتابة ، ففى هذه الحالة أيضا يكون لقاضى الموضوع سلطة تقديرية ، لا معقب عليها من محكمة النقض ، فى اعتبار الورقة أو فى عدم اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة ( أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 365 )  .

( [61] ) قارن أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 360 وهامش رقم 45  .

( [62] ) انظر فى القانون الفرنسى أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 360  .

( [63] ) الموجز للمؤلف ص 712  .

( [64] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الشهادة الرسمية المستخرجة من قلم العقود بالمحكمة المختلطة الدالة دلالة صريحة على أن هناك عقد بيع صدر من زيد لعمرو وأن البيع هو بثمن قدره كذا وأن زيدا الصادر منه البيع هو الذى قدم العقد بنفسه لإثبات تاريخه فأثبتت بتاريخ كذا تحت رقم كذا وأن زيدا هذا هو هو بنفسه الذى تسلمه من قلم التاريخ بتاريخ كذا – هذه الشهادة مفادها أن بقلم العقود إيصالا موقعا عليه من زيد يفيد تسلمه لذلك العقد وأن هذا العقد صادر منه بالبيع لعمرو بمبلغ كذا  . ولا شك فى أن ذلك الإيصال المستفاد حتما من عبارة الشهادة الرسمية التى هى فى ذاتها حجة لم يطعن فيها بأى مطعن ، هو ورقة صادرة من زيد دالة على ما كان منه من البيع لعمرو بالثمن المذكور  . وهذا الإيصال وإن كان لا يفيد قطعا أن الثمن الوارد بعقد البيع الذى تسلمه زيد قد دفعه عمرو له فعلا أو أنه كان ثمناً مؤجلا ، إلا أن جريان العادة الغالبة بأن المشترى يدفع الثمن ، ذلك يقرب الاحتمال بان هذا الثمن دفع فعلا  . وإذن فهذا الإيصال المدلول عليه حتما بتلك الشهادة الرسمية هو مبدأ ثبوت بالكتابة يقرب احتمال صحة تسلم زيد لمبلغ الثمن ، ويجيز بحسب القانون تكميل الاستدلال بالبينة والقرائن ( نقض مدنى 28 مارس سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 240 ص 653 – قارن استئناف مختلط 10 فبراير سنة 1931 م 43 ص 217 )  .

وقضت محكمة النقض أيضا بأنه لا محل للنعى على المحكمة أنها خالفت القانون فى تكييف العقد ، وأثبتت الصورية بين المتعاقدين بالقرائن ، إذ هى فى تكييفه قد اعتمدت على عقد التنازل عن حق المنفعة والتعهد بعدم التصرف فى العين طول حياة البائعة ، مما مفاده أنها اعتمدت على مبدأ ثبوت بالكتابة استكملته بالقرائن التى ساقتها والتى من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة التى انتهت إليها ( نقض مدنى 3 فبراير سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 5 ص 17 )  . وقضت أيضا بأنه إذا قدرت نفقة زوجة على زوجها بمبلغ معين ( عشرين جنيهاً ) بمقتضى محضر صلح حرر بينهما ، ثم استظهرت المحكمة من وقائع الدعوى المرفوعة من الزوجة فى شأن هذه النفقة أن الزوجة قبلت أن تقبض من زوجها مبلغ ستة جنيهات شهريا ، وأنها كانت تقبض هذا المبلغ كل شهر حوالى خمس سنوات بمقتضى شيكات محولة لأمرها وإذنها ، وأنها لم تعترض بأى اعتراض خلال هذه المدة ، وإنما كان اعتراضها بعد وفاة الزوج ، وبناء على ذلك قضت المحكمة برفض طلب ما تجمد من النفقة ، فإنها لا تكون اعتمدت على القرائن فحسب بل أيضا على الشيكات التى وقعتها الزوجة حين قبضت قيمتها ، مما مفاده أن المحكمة اعتمدت على مبدأ ثبوت بالكتابة استكملته بتلك القرائن ( نقض مدنى 21 نوفمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 6 ص 21 )  . وقضت أيضا بأنه متى كان الحكم التمهيدى لم يفصل إلا فى جواز إثبات الشركة التى كان الطاعن يدعى وجودها استنادا إلى أن الإنذارات المتبادلة بينه وبين المطعون عليه تدل على وجود علاقة بينهما اعتبرتها المحكمة مبدأ ثبوت بالكتابة يجيز سماع البينة المتممة له ، ولم تقطع فى ماهية هذه العلاقة ، وكان الحكم القطعى قد فصل فى أمرها بعد مناقشته شهادة الشهود وتقديرها ، إذ نفى ما يدعيه الطاعن عن وجود الشركة المزعومة بينه وبين المطعون عليه ، فإن الطعن فى هذا الحكم الأخير استنادا إلى وجود تناقض بين أسبابه ومنطوقه فضلا عن مخالفته لقضاء الحكم التمهيدى – هذا الطعن يكون غير صحيح ( نقض مدنى 8 فبراير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 64 ص 336 ) – وقضت كذلك بأنه لا تثريب على المحكمة إن هى اتخذت من الخطابات الصادرة من مورثة الخصوم إلى مستأجر أطيان الروكية التى كانت تقوم بإدارتها ، لا سيما الخطاب الذى تطالب فيه المستأجر المذكور بمبلغ سبق أن طلبته به فى خطاب سابق لحاجتها الشديدة إليه فى العمارة – لا تثريب على المحكمة إن هى اتخذت منها مبدأ ثبوت بالكتابة يقرب احتمال أن المال الذى انفق فى شراء الأرض وبناء العمارة التى يدعى الطاعن أنها كانت مملوكة للمورثة إنما كان من مال الروكية ولحسابها  . ومتى كانت المحكمة قد استكملت مبدأ الثبوت هذا بقرائن عديدة ساقتها ومن شأنها أن تؤدى إلى ما استخلصته منها ، فإن حكمها يكون مطابقا للقانون ( نقض مدنى 15 فبراير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 66 ص 346 )  .

وقضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا أقر وكيل الخصوم فى مذكرة تقدمت أثناء نظر الدعوى بوجود علاقة خطبة بين موكله وبين كريمة خصمه وأنه دفع لها مهراً ، فإن هذا الإقرار الذى تضمنته المذكرة التى تعتبر قانوناً كأنها صادرة منه ، وإن لم يثبت دعوى الخصم بملكيته للجهاز موضوع النزاع ، إلا أن يتم عن صحة الإدعاء ويجعله قريب الاحتمال ، فتكون المذكرة بمثابة مبدأ ثبوت بالكتابة يسمح بتكملة الإثبات بالبينة وقرائن الأحوال ( استئناف مصر 8 نوفمبر سنة 1925 المجموعة الرسمية 27 رقم 115 ) – وقضت أيضا بأنه إذا رفع أخ ضد أخيه دعوى بمطالبته بمصروفات دعوى كانت مرفوعة منه لصالحهما معاً وبناء على عقد اتفاق محرر بينهما ، فأبرز المدعى عليه جملة خطابات صادرة من أخيه المدعى يفيد بعضها قيامه بدفع بعض هذه المصروفات والبعض الآخر بمطالبته بكمالة رسوم استئناف وخلافه ، اعتبرت هذه الأوراق مبدأ ثبوت بالكتابة للتخلص من الدين ( استئناف مصر 25 مايو سنة 1937 المحاماة 18 رقم 119 ص 227 )  .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الإيصال الذى يصدر من البائع يبين فيه اتفاق الطرفين على موقع العقار وعلى الثمن ، دون أن يذكر حدود العقار ومساحته ، يصلح مبدأ ثبوت بالكتابة على حصول البيع ، ويجوز إثبات الحدود والمساحة بالبينة والقرائن ( استئناف مختلط 15 يناير سنة 1903 م 15 ص 89 )  . وقضت أيضا بأن الكتاب المرسل من المؤجر إلى المستأجر يجعل له فيه حق شراء العين المؤجرة ، بشرط الاتفاق على شروط البيع فى ميعاد معين ، يصلح مبدأ ثبوت بالكتابة على وقوع البيع شفويا فى هذا الميعاد بثمن يدفع عند توقيع العقد ( استئناف مختلط 24 مايو سنة 1927 م 39 ص 509 )  . وقضت أيضا بأن الورقة التى تثبت بيعا يختلف كل الاختلاف عن البيع المدعى به لا تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة على هذا البيع ، لا سيما أنه لا يمكن إثبات ما يخالف البيع المكتوب بالبينة أو بالقرائن ( استئناف مختلط 11 نوفمبر سنة 1930 م 43 ص 18 )  .

أنظر أيضا : الموجز للمؤلف ص 712 هامش رقم 1 فى الأحكام المشار إليها – بودرى وبارد 4 ص 288 – أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 362 – ص 363  .

( [65] ) الأستاذ عبد السلام ذهنى فى الأدلة 1 ص 473  .

( [66] ) نقض مدنى 16 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 260 ص 751 – كذلك قيام تعارض بين ورقة عرفية وورقة رسمية يصلح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ( استئناف مختلط 4 فبراير سنة 1891 م 3 ص 173 )  .

( [67] ) الموجز للمؤلف ص 713  .

( [68] ) نقض فرنسى 18 يناير سنة 1904 داللوز 1904 – 1 – 1295 – أوبرى ورو 12 فقرة 764 ص 364 – الأستاذ عبد السلام ذهنى فى الأدلة 1 ص 472 – الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 456  .

وقد قضت محكمة النقض فى مصر بأنه متى كان الحكم الابتدائى قد قضى بإلزام الطاعن بمبلغ مقابل ثمن أطيان كلف ببيعها من مورث المطعون عليهم ، وكان الطاعن قد تمسك فى دفاعه لدى محكمة الاستئناف بأنه أوفى ثمن هذه الأطيان للمورث المذكور ، مستندا إلى محضرى صلح موقع عليهما من المورث باعتبارهما ورقتين صادرتين من خصمه فى تاريخ لاحق لتاريخ بيع الأطيان لم ينص فيهما على مديونيته بأى التزام ، لا بصفته الشخصية ولا بصفته وكيلاً عنه ، وأنهما يصلحان لأن يكونا مبدأ ثبوت بالكتابة يجعلان دفاعه بعدم مديونيته فى ثمن الأطيان قريب الاحتمال وطلب إحالة الدعوى على التحقيق لإثبات هذا الدفاع ، فإن الحكم المطعون فيه إذ أغفل الرد على هذا الطلب يكون قد عاره قصور مبطل له بما يستوجب نقضه فى هذا الخصوص ( نقض مدنى 9 أبريل سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 121 ص 848 ) – وقضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا لم تذكر الورثة فى محضر جرد أموال مورثهم دينا من الديون ، فإن هذا يصح اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة للتخلص من هذا الدين ( استئناف مصر 8 يونيه سنة 1937 المجموعة الرسمية 38 رقم 9 ص 195 )  .

( [69] ) محكمة كان الاستئنافية ( فرنسا ) 30 أبريل سنة 1860 داللوز 61 – 2 – 36 – داللوز براتيك 9 لفظ إثبات ( Preuve ) فقرة 1210 – وقد قضت محكمة النقض بمصر بأنه ليس لمن يدعى صورية الشركة التى بين شخص وآخرين أن يتخذ هذه الصورية مبدأ ثبوت بالكتابة يجيز له أن يثبت بالبينة والقرائن الشركة التى يدعى قيامها بينه هو وبين هذا الشخص ، لأن تلك الصورية ليس من شأنها – حتى لو صحت – أن تجعل الشركة التى يدعيها قريبة الاحتمال ( نقض مدنى 5 أبريل سنة 1945 مجموعة عمر رقم 231 ص 614 )  .

( [70] ) جرجا 27 فبراير سنة 1926 المحاماة 8 رقم 382 ص 585  . وقد رأينا أن محكمة النقض قد قضت بأن الرسائل الصادرة من الدائنة إلى مدينها تستجديه فيها وتشكر له إحسانه عليها دليل كتابى كاف فى نفى وجود قرض حقيقى ( نقض مدنى 3 نوفمبر سنة 1932 المجموعة الرسمية 34 رقم 1 ص 12 )  .

ويقرب من هذا ، قبل التقنين المدنى الجديد ، الإيصال بالقسط الأخير من الإيجار ، فقد كان يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة على دفع الاقساط السابقة ، لأن المؤجر لا يعطى عادة مخالصة من القسط الأخير إلا بعد أن يكون قد استوفى الأقساط السابقة ، فواقعة دفع القسط الأخير التى يثبتها الإيصال تجعل واقعة دفع الأقساط السابقة قريبة الاحتمال ( نقض مدنى 25 أبريل سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 254 ص 721 )  . ولكن التقنين الجديد ( م 587 ) جعل الوفاء بالقسط الأخير قرينة قانونية على الوفاء بالأقساط السابقة ، وهى قرينة تقبل إثبات العكس  .

( [71] ) 7 يناير سنة 1915 المجموعة الرسمية 17 رقم 3 ص 4  .        

( [72] ) أراد المتهم أن يخفى اختلاسه لمبلغ عشرين جنيهاً سلمه إليه أحد المقترعين قيمة البدل العسكرى ، فزور شهادة معافاة من الخدمة العسكرية لهذا المقترع  . وقد قضت المحكمة بأنه يجوز إثبات دفع المبلغ للمتهم بالبينة ، لأن شهادة المعافاة المزورة تصلح أن تكون مبدأ ثبوت الكتابة ضده  .

وقضت محكمة النقض بأنه متى كان الواقع هو أن الطاعن أقام الدعوى على المطعون عليهم ، وطلب الحكم بإلزامهم بمبلغ معين بموجب سند ذكر فيه أن هذا المبلغ سلم لهم على سبيل القرض ، فدفع المطعون عليهم الدعوى بأن المبلغ المطالب به ليس قرضاً ، وإنما هو ثمن حصة فى ( ماكينة ) اشتروها من الطاعن بموجب عقد بيع محرر فى تاريخ تحرير السند ، وكان الحكم المطعون فيه إذ اعتبر عقد البيع مبدأ ثبوت بالكتابة يجيز للمطعون عليهم تكملة إثبات دفاعهم بالبينة قد قرر أن هذا العقد هو ورقة صادرة من الطاعن ومحررة مع السند موضوع الدعوى فى مجلس واحد ، علاوة على اتحادهما فى خط الكاتب لهما والشهود الموقعين عليهما والمداد المحررين به ، كما أنه يستبعد أن يشترى المطعون عليهم حصة الطاعن فى الماكينة وأن يدفعوا إليه الثمن ويقترضوا فى نفس مجلس العقد المبلغ المحرر به السند ، إذ قرر الحكم ذلك فإنه لا يخالف القانون ( نقض مدنى 5 مارس سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 87 ص 570 ) – وقضت محكمة الاستئناف الأهلية بأنه إذا ذكر فى عقد بيع عقار أن البائع يملكه بناء على عقد آخر تاريخه كذا صادر من زيد من الناس ، وكان على العقار حقوق ارتفاق أو قيود للملك مبينة فى هذا العقد ، عد هذا الذكر مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات علم المشترى بوجود حقوق الارتفاق المذكورة فى عقد شراء بائعه ، وحينئذ يسوغ للمحكمة قبول الإثبات بالقرائن ، ويمكنها بما لها من السلطة المطلقة فى هذه الحالة أن توجه اليمين المتممة للمشترى بأنه لم يطلع على عقد شراء بائعه المذكور فى عقده ولا علم له بحقوق الإرتفاق والقيود الموجودة فى العقد الأول ( استئناف أهل 8 ديسمبر سنة 1909 الحقوق 24 ص 237 – قارن : استئناف أهلى 8 مارس سنة 1910 المجموعة الرسمية 12 ص 6 ) – وقضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا رفع امرأة دعوى ضد شخص تطالب بمبالغ بدعوى انه اقترضها منها ، وظهر من مجموعة المراسلات المتبادلة بينهما وبينه فى وقت معاصر لتاريخ تحرير السندات أو لاحق أن هناك ما يحمل على الظن بوجود علاقات غير شريفة بينهما حررت من أجلها السندات ، وبأن الدائنة كانت تعيش هى وابنتها فى كنف المدين الذى كان يعطيهما من وقت لآخر ما تجود به نفسه ، حتى أنهما كانا يستجديان جنيهاً واحدا فى بعض الأحوال ، مما يدل على أنها كانت فى حالة فقر لا تسمح لها بأن تفرضه نحو ثلثمائة جنيه ، كان هذا قاطعا فى نفى وجود علاقة قرض حقيقى ، وتكون السندات خالية من السبب القانونى وباطلة ( استئناف مصر 23 يناير سنة 1932 المحاماة رقم 24 ص 69 )  .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا كفل شخص مفلسا فى الصلح الذى عقده مع دائنيهن ثم فتح له حسابا جاريا كما تفتح الحسابات الجارية ما بين بيتين من بيوت التجارة مستقلين تمام الاستقلال كل منهما عن الآخر ، فإن فتح هذه الحساب يصلح مبدأ ثبوت بالكتابة ، يجوز استكماله بالبينة والقرائن ، على أنه – خلافاً لما جاء فى شروط الصلح من أن المفلس قد نزل لكفيله عما له من الحقوق – قد تم اتفاق بينهما على ترك المفلس على رأس عمله يباشر تجارته ( استئناف مختلط 22 أبريل سنة 1931 م 43 ص 363 )  .

( [73] ) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 541 من المشروع التمهيدى على الوجه الآتى : ” ويجوز أيضاً الإثبات بالبينة : ( أ ) إذا وجد مانع مادى أو أدبى يحول دون الحصول على دليل كتابى ( ب ) إذا فقد الدائن سنده الكتابى لسبب أجنبى لايد له فيه ( جـ ) إذا طعن فى العقد بأن له سبباً غير مشروع ”  . وفى لجنة المراجعة أضيفت عبارة ” وفيما كان يجب إثباته بالكتابة ” فى صدر المادة لتجعل المعنى أدق ، ونقل البند ( جـ ) : ” إذا طعن فى العقد بأن له سبباً غير مشروع ” إلى مكان آخر ( السبب غير المشروع ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك )  . وأصبح النص هو المادة 416 فى المشروع النهائى  . ووافق عليه مجلس النواب ، فلجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 403 ، فمجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 410 وص 414 – ص 415 )  .

( [74] ) كانت المادة 215 / 280 من التقنين المدنى السابق تجرى على الوجه الآتى : ” فى جميع المواد ما عدا التجارية إذا كان المدعى به عبارة عن نقود أو أوراق تزيد قيمتها عن ألف قرش ديوانى أو غير مقدره ، فالأخصام الذين لم يكن لهم مانع من الاستحصال على كتابة مثبتة للدين أو للبراءة لا يقبل منهم الإثبات بالبينة ولا بقرائن الأحوال ”  . وكانت المادة 218 / 283 تنص على ما يأتى : ” وكذلك يجوز الإثبات بما ذكر إذا وجد دليل قطعى على ضياع السند بسبب قهرى ”  . ونرى من ذلك أن الحكم واحد فى المسألتين فى التقنينين الجديد والقديم  .

( [75] ) التقنينات المدنية العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 57 : يجوز الإثبات بالشهادة فى الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على مائة ليرة : ( أ ) إذا وجد مانع مادى أو أدبى يحول دون الحصول على دليل كتابى – يعتبر مانعاً ماديا ألا يوجد من يستطيع كتابة السند أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفا فى العقد  . يعتبر مانعاً أدبيا القرابة بين الزوجين أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشى إلى الدرجة الثالثة أو ما بين أحد الزوجين وأبوى الزوج الآخر  . ( ب ) إذا فقد الدائن سنده المكتوب لسبب لا يد له فيه  . ( جـ ) إذا طعن فى العقد بأنه ممنوع بالقانون أو مخالف للنظام العام أو الآداب  .

( وهذه الأحكام تتفق مع أحكام التقنين المصرى ، غير أن قانون البينات السورى حدد بعض أحوال المانع المادى والمانع الأدبى ، وأضاف النص على جواز الإثبات بالبينة وبالقرائن فى حالة الاحتيال على القانون ، وقد تقدم بيان حكمها )  .

التقنين المدنى العراقى م 491 : يجوز أيضا الإثبات بالشهادة فيما كان يجب إثباته بالكتابة :

( أ ) إذا وجد مانع مادى يحول دون الحصول على دليل كتابى  . ويعتبر مانعاً مادياً ألا يوجد من لا يستطيع كتابة السند  . ( ب ) إذا كان العقد مبرماً ما بين الزوجين أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشى إلى الدرجة الرابعة أو ما بين أحد الزوجين وأبوى الزوج الآخر  . ( جـ ) إذا فقد الدائن مستنده الكتابى لسبب أجنبى لايد له فيه  . ( والأحكام تكاد تكون واحدة فى التقنين العراقى والتقنين المصرى ، غير أن التقنين العراقى حدد أحد الموانع المادية ، وحصر الموانع الأدبية فى الزوجية والقرابة )  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 242 : تقبل البينة الشخصية  .  .  . ( 4 ) إذا استحال على الدائن الحصول على بينه خطية  . ويكتفى بمجرد الاستحالة المعنوية ، وهى تنشأ خصوصاً عن العرف المتبع فى بعض المهن ، أو علاقات القربى بين الأصول والفروع أو عن الروابط الزوجية ( 5 ) إذا أثبت الدائن فقدان السند بطارئ ما  . ( والأحكام واحدة فى التقنينين المصرى واللبنانى ، إلا أن التقنين اللبنانى حدد أهم أحوال المانع الأدبى )

التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة م 391 : مطابق لنص التقنين المدنى المصرى  .

( [76] ) التقنين المدنى الفرنسى م 1348 : ويستثنى من القاعدتين ( ضرورة الدليل الكتابى ) أيضا جميع الحالات التى لم يكن الدائن يستطيع فيها الحصول على دليل كتابى للالتزام المعقود له  . وهذا الاستثناء الثانى يسرى : ( 1 ) على الالتزامات التى تنشأ من شبه عقد أو من جريمة أو من شبه جريمة  . ( 2 ) على الودائع الاضطرارية التى تقع فى حالات الحريق والتهدم والاضطرابات والغرق ، وفى الودائع الاضطرارية للنزلاء فى الفنادق التى ينزلون فيها ، وهذا كله وفقا لصفة الشخص ولظروف الواقع  . ( 3 ) فى الالتزامات المعقودة عند نزول أحداث غير منظورة لم يكن يستطاع معها كتابة ورقة  . ( 4 ) فى حالة ما إذا فقد الدائن السند الذى كان يستخدمه دليلا كتابياً بسبب حادث فجائى لم يكن منظوراً وترتب على قوة قاهرة  .

Art  . 1348 : Elles recoivent encore exception toutes les fois quil napas ete possible au creancier de se procurer une preuve litterale de lobligation qui a e ete contractee envers lui  . Cette seconde exception sapplique : l Aux obligation qui naissent des quasi – contrats et des delits ou quasidelits  . 2 Aux depots necessaries faits en cas dincendie, ruine, tumulte ou naufrage, et a ceux faits par les voyageurs en logant dans une hotel lerie, le tout suivant la qualite des personnes et les circontances du fait  . – 3 Aux obligation contractees en cas daccidents imprvus, ou lon ne pourrait pas avoir fait des actes par ecrit  . – 4 Au cas ou le creancier a perdu le titre qui lui servait de preuve litterale, par suite dun cas fortuit  . Imprevu et resultant dune force majeure  .

( [77] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” والبينة فى هذه الأحوال لا تكمل الدليل الكتابى ، بل تحل محله بعد أن فقد واستحال تحصيله  . والواقع أن وجوب الإثبات بالكتابة يفترض إمكان الحصول على الدليل الكتابى ، فإذا حالت ظروف خاصة دون ذلك تحم الاستثناء إذ لا قبل لأحد بالمستحيل  . ويراعى من ناحية أخرى أن هذا النص يرمى إلى استبدال البينة بالدليل الكتابى ، فهو والحال هذه لا يطبق حيث تكون الكتابة شرطاً يترتب على تخلفه بطلان التصرف ، بل يطبق فى الأحوال الخاصة التى يتطلب فيها القانون الدليل الكتابى للإثبات ولو كانت القيمة أقل من عشرة جنيهات ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 411 )  .

( [78] ) استئناف مختلط 2 أبريل سنة 1891 م 3 ص 280 – 12 يناير سنة 1899 م 11 ص 93 – 13 يناير سنة 1943 م 55 ص 26  .

( [79] ) نقض مدنى 25 يناير سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 196 ص 550 – 6 يناير سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 364 ص 697 – استئناف مصر 21 ديسمبر سنة 1926 المجموعة الرسمية 28 رقم 76  . وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” وإذا كان القاضى هو المرجع فى تقدير الظروف المانعة ، إلا أن من واجبه أن يبين هذه الظروف عند تسبيب الاستحالة المادية  . أما الاستحالة المعنوية التى تحول دون الحصول على كتابة فلا ترجع إلى ظروف مادية ، بل ترجع إلى ظروف نفسية ، وهى تعقد بعلاقات الخصوم وقت انعقاد التصرف  . ومرجع الأمر فى تقدير هذه الاستحالة ، مع ما ينطوى فى هذا التقدير من دقة ، هو القاضى ، ولكن يتعين عليه أن يسبب تقديره ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 413 )  .

( [80] ) قارن أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 366 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1539 ص 988 – ومما يؤيد النظر الذى تذهب إليه ما جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى : ” أما فيما يتعلق بخصائص الاستحالة ، فيراعى ان الاستثناء يرد على قاعدة حظر الإثبات بالبنية  . وهذه القاعدة تطبق بشأن التصرفات القانونية دون الوقائع القانونية  . ويستخلص من ذلك أن هذا الاستثناء لا يطبق إلا على التصرفات القانونية ، وهى التى تنفرد بوجوب استعمال الكتابة فى إثباتها  . ويتفرع على هذا ما يأتى : ” ( 1 ) أن استحالة الحصول على دليل كتابى فى هذه الحالة ليست مطلقة ، بل هى نسبية عارضة  . ( ب ) أن الاستحالة لا ترجع إلى طبيعة الواقع خلافاً لما نصت عليه المادة 1940 من التقنين الهولندى ، بل ترجع على وجه الأفراد إلى الظروف الخاصة التى انعقد فيها التصرف  . ( جـ ) أن الاستثناء لا يتعلق بالوقائع القانونية التى يمتنع فيها على وجه الاطلاق الحصول على دليل كتابى  . وقد أخطأ التقنين الفرنسى والتقنين الإيطالى ( م 1348 ) فى إيراد ” الالتزامات الناشئة عن أشياء العقود والجنح وأشياء الجنح ” فى معرض التمثيل للاستحالة النسبية التى تحول دون الحصول على دليل كتابى  . لأن أشياء العقود والجنح وأشياء الجنح تدخل فى عداد الوقائع القانونية التى لا يسرى بشأنها تقييد الإثبات بالبنية ، بل البينة بالنسبة لها جائزة على وجه الدوام ، شأنها من هذا الوجه شأن وقائع التدليس والغش والصورية والربا  .  .  . قد أحسن التقنين المصرى ( م 215 / 280 ) والمشروع الفرنسى الإيطالى بإغفال الأمثلة التى تضمنتها التقنينات المختلفة فى هذا الشان ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 411 – ص 412 ) – أنظر أيضا الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 210  .

( [81] ) وتقول الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد فى هذا المعنى : ” تذكر المادة 1348 من التقنين المدنى ، كأول تطبيق ، الالتزامات التى تنشأ من شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة  . ولكن لا يوجد هنا إلا وقائع لا تسرى فى شأنها القواعد الخاصة بتقييد الإثبات بالبنية ، إذ المطلوب إثباته إنما هو واقعة مادية  . فالاستثناء إذن ليس إلا استثناء ظاهرياً محضاً  . وهو خطأ حقيقى فى الصياغة ” ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1535 ص 996 ) – قارن اوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 367 – ص 370  .

( [82] ) أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 368 – ص 370  .

( [83] ) أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 367  .

( [84] ) أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 638 وهامش رقم 6  .

( [85] ) أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 372 – ص 373 وهامش رقم 18 وهامش رقـــم 19  .

( [86] ) انظر أوبرى ورو 22 فقرة 765 ص 273 – ص 375  .

( [87] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1538 ص 998  .

( [88] ) أما إيداع الأمتعة عند عامل النقل لنقلها من مكان إلى آخر فلا يعد وديعة اضطرارية ، ويجب لإثباتها الكتابة فيما يزيد على النصاب إلا إذا كان عقد النقل تجاريا فيثبت بجميع الطرق ( أوبرى ورو 12 فقرة 76 ص 371 – بلانيول وريبير وجابولد فقرة 1536 )  .

( [89] ) انظر الأستاذ حسين المؤمن جزء 2 ص 549 – ص 550  .

( [90] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1537  .

( [91] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1539 ص 1001  .

( [92] ) دائرة النقض الجنائى 6 يونيه سنة 1928 المجموعة الرسمية 29 رقم 93  .

( [93] ) أسيوط الكلية 10 نوفمبر سنة 1925 المجموعة الرسمية 27 رقم 20  .

( [94] ) الموجز للمؤلف فقرة 694 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1540 ص 1002 – الأستاذ حسين المؤمن 2 ص 566 – ص 575 – وفى التبايع بالمواشى فى الأسواق والمواسم أنظر الأستاذ عبد السلام ذهنى فى الأدلة 1 ص 408 – ص 409  .

انظر أيضا المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 413  .

( [95] ) أنظر الأستاذ سليمان مرقص فى أصول الإثبات فقرة 236 ص 438  .

( [96] ) وقد قضت محكمة النقض بأن مسألة قيام المانع الأدبى من أخذ الكتابة عند لزومها هى مسألة لقاضى الموضوع الفصل فيها ( نقض مدنى 14 نوفمبر سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 303 ص 954 9  . وقضت أيضا بأنه متى كانت المحكمة ، إذ قررت أنه لا يجوز لأحد المتعاقدين إثبات صورية العقد الثابتة كتابة إلا بالكتابة ، قد استخلصت فى حدود سلطتها الموضوعية بالأدلة السائغة التى أوردتها انتقاء المانع الادبى ، فإن الذى قررته هو صحيح فى القانون ( نقض مدنى 24 ديسمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 48 ص 314 )  .

( [97] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1539 ص 998 هامش رقم 7  .

( [98] ) وتثبت وفقا لقواعدها الخاصة : الزوجية بعقد الزواج والقرابة بشهادة الميلاد ولكن الغالب أن هذه العلاقة يكون معترفاً بها ، فتثبت بالإقرار  .

( [99] ) وقد قضت محكمة النقض بأن مسألة اعتبار الزوجية مانعة أو غير مانعة من الحصول على دليل كتابى بين الزوجين هى مسألة موضوعية ، لمحكمة الموضوع وحدها السلطة فى تقديرها ( نقض مدنى 19 مايو سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 48 ص 107 ) – وقضت محكمة الاستئناف الأهلية بان رابطة الزوجية عائق أدبى ( استئناف أهلى 11 مارس سنة 1919 المجموعة الرسمية 20 رقم 99 )  .

( [100] ) استئناف مصر 26 أكتوبر سنة 1946 المحاماة 22 رقم 127 ص 371 – ولكنها قضت فى دعوى أخرى بأن كون الخصم زوجة عم خصمها وكانت تعتبره كابنها الوحيد وتقيم معه فى دار عمه لا يكفى فى قيام المانع الأدبى ( استئناف مصر 15 يناير سنة 1923 المحاماة 3 رقم 71 – ص 126 )  .

( [101] ) استئناف مصر 8 نوفمبر سنة 1925 المجموعة الرسمية 27 رقم 115 – المحاماة رقم 10 ص 17 – انظر أيضا : استئناف مصر 21 ديسمبر سنة 1925 المحاماة 5 رقم 621 ص 757 – 17 أبريل سنة 1928 المحاماة 9 رقم 33 ص 53  . ولكن محكمة استئناف مصر قضت كذلك بأن مجرد خطبة أحد المتقاضيين لأبنه الآخر ليست بالعلاقة التى تمنع من حصول كل منهما على الدليل قبل الآخر ( استئناف مصر 22 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 20 رقم 114 ص 306 )  .

( [102] ) استئناف مصر 7 يونية سنة 1923 المحاماة 4 رقم 94 ص 197  . انظر أيضاً : ملوى 29 مايو سنة 1905 المجموعة الرسمية 7 رقم 32  .

( [103] ) نقض جنائى 3 يونية سنة 1935 المحاماة 16 رقم 61 ص 137  . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن علاقة البنوة والأخوة يجوز معها أن يثبت بالبينة أن بعض الخصوم إذن لبعض فى إجراء عقد بدل مع آخرين ( استئناف مصر 13 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 20 رقم 41 ص 93 )  .

( [104] ) نقض جنائى 22 ديسمبر سنة 1900 المجموعة الرسمية 2 ص 208  .

( [105] ) طنطا الابتدائية أول ديسمبر سنة 1930 المجموعة الرسمية 32 رقم 6 ص 98  .

( [106] ) استئناف مصر 21 ديسمبر سنة 1926 المجموعة الرسمية 28 رقم 76  .

( [107] ) نقض مدنى 11 يناير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 47 ص 240

انظر أيضا : نقض مدنى 3 يناير سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 219 ص 536 – أول يونيه سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 144 ص 396 – وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا اعتمدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائى الذى قرر بأن المبلغ المسلم للمدعى عليه هو أمانة أختلسها ، وأن سكوت المدعية على المدعى عليه وعدم إدراجها المبلغ بمحضر حصر التركة عند الحجر على المورث او وفاته هو لأسباب بررت بها هذا السكوت ، وأنها أسباب تجوز على مثل المدعية لبساطتها ولصلة قرابتها بالمدعى عليه الذى كان قيما على مورثها ، فقول المحكمة الابتدائية هذا الذى اعتمدته محكمة الاستئناف يفيد أنه كانت هناك أسباب شخصية وأدبية مانعة للمدعية من أخذ كتابة عليه باستلامه المبلغ ومن أدراجها إياه فى محضرى الجرد الذين حصل أحدهما بعد الحجر وثانيهما بعد الوفاة  . ومسألة قيام المانع الأدبى من أخذ الكتابة عند لزومها هى مسألة لقاضى الموضوع القول الفصل فيها ( نقض مدنى 14 نوفمبر سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 303 ص 954 وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم )  .

( [108] ) وقد قضت محكمة أسيوط الجزئية بأن العادات المبنية على كرم الطبع ، كإعارة الأوانى والحلى بين الجيران وإعارة المواشى وآلات الزراعة والدواب فى القرى ، موانع أدبية ( 16 فبراير سنة 1924 المحاماة 4 رقم 719 ص 941 )  .

( [109] ) وقد قضت دائرة النقض الجنائية بأنه إذا بدد الوكيل بلا أجر أشياء سلمها إليه الموكل ، وكانت قيمتها أزيد من عشر جنيهات ، جاز للموكل أن يثبت تسليمها إليه بالبينة ، لأن مجانية الوكالة قد تكون مانعاً أدبياً يحول دون الحصول على دليل كتابى ( نقض جنائى 23 ديسمبر سنة 1917 المجموعة الرسمية 19 رقم 15 )  .

( [110] ) وقد قضت محكمة المنصورة بأن الاعتياد على توريد أشياء منزلية يعتبر مانعاً أدبيا ( 18 يناير سنة 1925 المحاماة 5 رقم 621 ص 757 )  .

( [111] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن مركز الشخص الاجتماعى قد يكون مانعاً أدبيا لمحل صنع أثاث منزلى من الحصول على سند مكتوب ( استئناف مختلط 22 نوفمبر سنة 1923 م 36 ص 44 )  .

( [112] ) أنظر فى هذه المسألة الأستاذ حسين المؤمن فى الإثبات جزء 2 من الشهادة ص 555 وما بعدها  .

( [113] ) نقض فرنسى 17 مارس سنة 1938 سيريه 1938 – 1 – 115 ، وإذا ثبت مقدار أجر الخادم ، فلهذا أن يطالب بمجموع أجوره منذ دخوله فى خدمة سيده ، وللسيد أن يثبت بجميع الطرق أنه وفى له هذه الأجور ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1539 ص 1000 )  .

( [114] ) محكمة باريس الاستئنافية 9 ديسمبر سنة 1924 داللوز 1925 – 62  .

( [115] ) استئناف مصر 15 فبراير سنة 1928 المحاماة 9 رقم 27 ص 48  .

( [116] ) نقض فرنسى 17 مارس سنة 1938 داللوز 1938 – 1 – 115  .

( [117] ) محكمة كان الفرنسية 23 مارس سنة 1914 مجلة القانون المدنى الفصلية 1915 ص 514  .

( [118] ) نقض فرنسى 26 يونيه سنة 1929 داللوز الأسبوعى 1929 ص 460  .

( [119] ) نقض فرنسى 7 ديسمبر سنة 1931 جازيت دى باليه أول فبراير سنة 1932  .

( [120] ) استئناف مختلط 28 مارس سنة 1929 م 41 ص 326 – 28 أبريل سنة 1932 م 44 ص 299 – نقض فرنسى 13 أبريل سنة 1910 سيريه 1911 – 1 – 501 – 31 مايو سنة 1932 سيريه 1933 – 1 – 134 – بل إن الطبيب ليس فى حاجة إلى كتابه مذكرات منتظمة ( Carnet de Visites Regulierement Tenu ) بزياراته لمرضاه ( محكمة باريس الاستئنافية 5 مارس سنة 1903 سيريه 19004 – ص – 32 )  .

( [121] ) استئناف مختلط 3 يناير سنة 1925 م 37 ص 138  .

( [122] ) ويجب أن يثبت المدعى أن السند المكتوب ، الذى كان موجوداً ثم فقد بسبب أجنبى ، هو سند كتابى كامل ، لا مجرد مبدأ ثبوت بالكتابة  . فإذا كان مجرد مبدأ ثبوت بالكتابة ، فلا يسمح للمدعى أن يثبت سبق وجوده بالبينة أو بالقرائن  . لكن إذا أقر الخصم بسبق وجوده كان للقاضى حرية التقدير لتعرف ما إذا كان السند المفقود تتوافر فيه أركان مبدأ الثبوت بالكتابة حتى يمكن تعزيزه بالبينة أو بالقرائن ( الموجز للمؤلف ص 724 )  .

( [123] ) وليس من الضرورى أن تكون الشهود قد رأت السند المكتوب وقرأته  . ولكن لا يكفى من جهة أخرى أن تشهد الشهود بقيام التصرف القانونى ( أوبرى ورو 12 فقرة 765 هامش رقم 35 )  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : ” أما فيما يتعلق بالدليل على الفقد فيقع عبء إقامته على المدعى مبدئياً  . فمن واجبه ، فضلا عن إثبات الحادث الجبرى أو القوة القاهرة ، أن يقيم الدليل على سبق وجود المحرر ومضمونه وعلى مراعاة شروط الصحة التى يتطلب القانون توافرها فيه إن كان هذا المحرر من قبيل المحررات الشكلية  . فإذا تم ذلك للمدعى ، كان له أن يثبت ما يدعى بالبينة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 414 )  .

ويطلب من المدعى ، كما قدمنا ، أن يثبت بجميع الطرق سبق وجود سند مكتوب ، وأن هذا السند كان مستوفياً لجميع الشروط القانونية ، وأنه كان يحمل توقيع الخصم  . فلو اعترف الخصم بسبق وجود السند ، ولكنه أنكر توقيعه عليه ، سمح للمدعى أن يثبت صحة التوقيع بجميع الطرق ( الموجز للمؤلف ص 724 ) – ويجب أن يكون السند المفقود دليلا كتابياً كاملا  . فإذا كان مجرد مبدأ ثبوت بالكتابة ، فلا يجوز إثبات فقده بالبينة أو بالقرائن ، ولكن يجوز إثبات ذلك بالإقرار أو اليمين كما مر القول ( أنظر الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 215 )  .

( [124] ) وإذا ادعى المدعى أن السند كان مودعاً عند شخص آخر ، وجب عليه إثبات الوديعة ، إذا كانت قيمة السند تزيد على عشرة جنيهات ، بدليل كتابى ( الموجز للمؤلف ص 724 ) – أنظر أيضاً : أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 382 – ص 384  .

( [125] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه وإن كان القانون لم يشر فى المادة 218 مدنى ( 403 جديد ) إلا إلى حالة ضياع السند بسبب قهرى كحصول حريق أو إتلاف ، إلا أنه مما يجب أن يعتبر فى حكم السبب القهرى حصول سرقة السند أو تبديده ( استئناف مصر 21 أبريل سنة 1934 المحاماة 15 رقم 263 / 2 ص 556 )  . وقد يكون السند المكتوب قد ضاع من ملف القضية المرفوعة بهذا السند ، دون أن يكون ذلك بتقصير من صاحبه ( محكمة باريس 26 أكتوبر سنة 1938 داللوز الأسبوعى 1939 ص 11 )  .

( [126] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كانت المحكمة قد اقتنعت من التحقيقات الحاصلة عن الحادث ، وعلى الأخص مما أدلى به المدعى عليه نفسه فيها ، أن السند كان موجوداً وسرق ، وأن ذمة المدعى عليه مازالت مشغولة بالدين ، فذلك من شأنها وحدها  . ولا يصح أن ينعى عليها أنها لم تأخذ فيما انتهت إليه بدليل بعينه ، إذ الإثبات فى هذه الحالة يجوز بجميع الطرق ( نقض مدنى 18 يونيه سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 176 ص 485 )  . وقضت أيضاً بأنه إذا رفضت المحكمة طلب الإحالة على التحقيق لإثبات وجود سند كتابى ضاع بسبب قهرى ، مقيمة قضاءها بذلك على عدم جدية هذا الادعاء لما أوردته من أسباب مبررة لوجهة نظرها ، فلا مخالفة فى ذلك لحكم المادة 218 من القانون المدنى ( 403 جديد ) ( نقض مدنى 24 مارس سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 399 ص 740 )  .

أنظر أيضاً : نجع حمادى 30 ديسمبر سنة 1905 المجموعة الرسمية 7 رقم 34 – ملوى 9 يونيه سنة 1906 المجموعة الرسمية 7 رقم 116  .

( [127] ) وقد جاء فى الموجز للمؤلف ما يأتى : ” ويكفى فوجود القوة القاهرة ألا يكون الحادث الذى ضاع فيه السند منسوباً إلى إهمال المدعى ، ولو كان هذا الحادث قد وقع بإهمال الغير ، لا قضاء وقدراً  . أما إذا ضاع السند بإهمال المدعى ، بأن كان قد مزقه خطأ أو أهمل فى حفظه حتى ضاع أو سرق أو نحو ذلك مما يعتبر خطأ منسوباً إليه ، فلا يكون فى هذه الحالة معذوراً ، ولا يسمح له أن يثبت دعواه بالبينة أو بالقرائن ( الموجز فقرة 697 ص 725 )  . أنظر أيضاً : استئناف مختلط 18 مارس سنة 1920 م 32 ص 207 – والمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 413 – ص 414  .

( [128] ) استئناف مختلط 22 مارس سنة 1939 م 51 ص 214 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1541 ص 1003 وهامش رقم 1  .

( [129] ) استئناف مختلط 26 مارس سنة 1890 م 2 ص 199 – 20 مايو سنة 1891 م 3 ص 343 – 22 مارس سنة 1893 م 5 ص 171 – 24 مايو سنة 1893 م 5 ص 251 – 17 فبراير سنة 1920 م 32 ص 375  .

( [130] ) وبفرض أن السند قد استوفى الشكل الذى يتطلبه القانون إذا كان المدين هو الذى أتلفه ( أوبرى ورو 12 فقرة 765 ص 384 – ص 385 ) – هذا والسند فى حالة التصرف الشكلى لابد أن يكون سنداً رسمياً  . فإذا فقد ، فإن الصور الرسمية قد تقوم مقامه ، أو تكون مبدأ ثبوت بالكتابة على النحو الذى قدمناه عند الكلام فى حجية الصور الرسمية للسند الرسمى ، وفى هذه الحالة لا نكون فى حاجة إلى القاعدة التى نحن بصددها ، فإن قبول البينة والقرائن جائز بدونها  . أما إذا لم توجد صور رسمية أصلا ، أو وجدت ولكنها لا تصلح أن تكون على الأقل مبدأ ثبوت بالكتابة ، فعندئذ يكون للخصم فائدة من التمسك بقاعدة فقد السند المكتوب بسبب أجنبى ليتمكن من إثبات التصرف بالبينة والقرائن ( أنظر فى هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس فى أصول الإثبات فقرة 232 ص هامش رقم 2 – وفقرة 241 )  .

( [131] ) أنظر بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1541 ص 1004 – وأنظر أيضاً المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 414  .

( [132] ) نقض فرنسى 30 يوليه سنة 1884 داللوز 85 – 1 – 439 – سيريه 85 – 1 – 374  . بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 7 فقرة 1542 – ويحتفظ بارتان فى التسليم بصحة هذا الحكم ( أوبرى ورو 12 فقرة 765 هامش رقم 33 مكرر )  .

وقد قضت محكمة النقض البلجيكية ، هى أيضاً ، بأن قواعد الإثبات ليست من النظام العام ، وأنه يجوز الاتفاق على ما يخالف قاعدة فقد السند المكتوب بسبب أجنبى ، كما لا يجوز التمسك بهذه القاعدة وغيرها من قواعد الإثبات لأول مرة أمام محكمة النقض ( 28 ديسمبر سنة 1944 باسيكريزى 1145 – 1 – 76 – 30 يناير سنة 1947 باسيكريزى 1947 – 1 – 29 )  .

المصدر: محامي في الأردن

انظر طريقة توكيل محامي

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

قوة الإثبات المحدودة للبينة والقرائن

قوة الإثبات المحدودة للبينة والقرائن

188 – القاعدة العامة والاستثناءات : رأينا فيما تقدم أن للبينية والقرائن قوة مطلقة في إثبات الوقائع المادية والتصرفات القانونية التجارية . وتبقي ، بعد ذلك ، التصرفات القانونية المدنية . وهذه ليس للبينة والقرائن فيها إلا قوة إثبات محدودة وقد وضع القانون في ذلك قاعدة عامة ، ثم أورد عليها استثناءات معينة .

  355  أما القاعدة فهي ذات شقين : ( أولا ) لا يجوز إثبات التصرفات القانونية المدنية ، إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات ، إلا بالكتابة . ( ثانياً ) وحتي إذا كان التصرف القانوني المدني لا تزيد قيمته علي شعرة جنيهات ، فإنه إذا كان ثابتا بالكتابة ، لم يجز إثبات ما يخالف هذه الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . ونري من ذلك أن هذه القاعدة العامة تضيق من نطاق الإثبات بالبينة والقرائن ، وتجعل قوة هذين الطريقين في الإثبات محدودة فلا يجوز أن تثبت بهما التصرفات المدنية التي تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ، بل وتلك التي لا تزيد قيمتها علي هذا المقدار إذا كانت مكتوبة ويراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، وغني عن البيان أن هذا الميدان الذي استبعد فيه الإثبات بالبينة وبالقرائن ذو نطاق واسع ، فهو يستغرق الكثرة الغالبة من التصرفات المدنية التي تكون عادة محلا للتقاضي . ومن ثم كانت البينة والقرائن ذات قوة في الإثبات جد محدودة في ميدان التصرفات القانونية المدنية .

علي أن هذين الطريقين تعود لهما المطلقة في الإثبات في الاستثناء الذي أورده القانون علي القاعدة العامة التي أسلفناها . وهو استثناء له أيضا شقان : ( أولا ) يجوز مع ذلك الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زاد علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إذا كان هناك مبدأ ثبوت بالكتابة . ( ثانياً ) ويجوز أيضا الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زاد علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إذا وجد مانع من الحصول علي الكتابة أو من تقديمها بعد الحصول عليها . ونري من ذلك أن البينة والقرائن ، وقد كانت قوتهما محدودة في القاعدة العامة ، انطلقنا في الاستثناء ، وأصبح من الجائز إثبات جميع التصرفات المدنية بهما عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة أو عند قيام المانع ( [1] ) .

ونبحث الآن القاعدة العامة ثم الاستثناءات .

  356  المبحث الأول

القاعدة العامة

189 – الأصل التاريخي لهذه القاعدة : نبتت هذه القاعدة في القانون الفرنسي القديم ، وقد كان هذا القانون كغيره من القوانين القديمة ( [2] ) ، يجعل البينة هي الأصل في الإثبات ، فيجوز إثبات أي التزام بها أيا كانت قيمته ( [3] ) .

وبقيت هذه الحال سائدة إلي أن انتشرت الكتابة ، وبدأ الناس يألفون تدوين عقودهم ومعاملاتهم . فصدر قانون في فبراير سنة 1566 ، سمي ” أمر مولان ” ( Ordonnance Moulins ) ، تقضي المادة 56 منه بوجوب تدوين المعاملات  357  التي تزيد قيمتها علي مائة جنيه فرنسي في ورقة رسمية أمام موثق العقود ، وذلك نظراً للشكوي التي ترددت من عيوب الإثبات بالشهادة . وهذه الورقة هي وحدها التي تكون دليلا للإثبات ، دون أن تقبل البينة فيما يجاوز هذا الدليل الكتابي ، أو فيما يدعي أنه اتفق عليه قبل كتابة الدليل أو في أثناء كتابته أو بعد الكتابة ( avant icelui lors et depuis ) ولا يخل هذا الحكم بجواز إثبات التعامل في ورقة عرفية . وبعد مائة عام من صدور هذا الأمر صدر أمر آخر يؤكده في سنة 1667 ، وهو قانون لويس الرابع عشر في الإصلاح القضائي ، ويقضي بوجوب تدوين المعاملات التي تزيد قيمتها علي مائة جنيه ، ولو كانت ودائع اختيارية ، في أوراق رسمية أو عرفية . ولا يقبل الإثبات بالبينة لما يخالف ما اشتملت عليه هذه الأوراق أو يجاوزه ، ولا لما يدعي أنه اتفق عليه قبل الكتابة أو في أثنائها أو بعدها ، ولو لم تجاوز القيمة مائة جنيه ، دون أن يخل ذلك بما قد جري العمل عليه أمام القضاة والقناصل في المسائل التجارية ( [4] ) .

وبقي هذا النص معمولا به في القانون الفرنسي القديم . ثم نقله التقنين المدني الفرنسي نقلا يكاد يكون حرفيا ، فنصت المادة 1341 من هذا التقنين علي أنه ” يجب إعداد ورقة رسمية أو عرفية لإثبات الأشياء التي تزيد قيمتها علي مائة وخمسين فرنكا ، ولو كانت ودائع اختيارية ولا تقبل البينة فيما يخالف أو يجاوز مشتملات هذه الأوراق ، أو فيما يدعي أنه وقع قبل كتابتها أو في أثناء الكتابة أو بعدها ،  358  ولو كانت القيمة تقل عن مائة وخمسين فرنكا . وهذا كله دون إخلال بأحكام قوانين التجارة ( [5] ) ” .

وقد جعل قانون نابليون نصاب البينة مائة وخمسين فرنكا ، وكانت في القانون الفرنسي القديم مائة جنيه وقيمتها كانت تبلغ نحوا من ألفين من الفرنكات . وقد نزل نصاب البينة إلي هذا المقدار نظراً لزيادة انتشار الكتابة كما قال جوبير ( jaubert ) في تقريره عن هذا النص( [6] ) .ثم نقصت قيمة الفرنك فصدر قانون أول أبريل سنة 1928 يرفع نصاب البينة إلي خمسمائة فرنك . ثم هبطت قيمة الفرنك بعد ذلك هبوطا جسيما ، فصدر قانون 21 فبراير سنة 1948 يرفع النصاب مرة أخري إلي خمسة آلاف من الفرنكات وفي مصر قرر نصاب البينة منذ التقنين المدني السابق بعشرة جنيهات . ولم يتغير هذا النصاب في التقنين الجديد ، وإن كانت قيمة العملة قد نزلت نزولا كبيراً ، للمعادلة ما بين هذا النزول الكبير وزيادة انتشار الكتابة .

ونري مما تقدم أن ” أمر مولان ” كان هو نقطة التحول عن البينة إلي الكتابة . وقد ذكر الأمر لهذا التحول سببين : ( أولهما ) ما تنطوي عليه الشهادة من خصر ، ليس فحسب من حيث فساد ذمة الشهود ، بل أيضا من حيث ضعف ذاكرتهم واحتمال تطرق السهو النسيان إليها . ( والثاني ) ما يستتبع السماح بالبينة في الإثبات من كثرة القضايا التي ترفعها الناس اعتمادا علي سهولة اصطياد الشهود وشرائهم عند الضرورة ، وما يترتب علي ذلك من ازدحام المحاكم بالقضايا وتراكم هذه القضايا وتعقدها وطول إجراءاتها . ويضيف ” بارتان ” سببا ثالثاً هو ما ينطوي  359  عليه التصرف القانوني من دقة تضييق بها الشهادة . فالشهود قد يستطيعون رواية مادية ، أما أن يرددوا عبارات تم بها التصرف القانوني ترديداً صادقا أمنيا بهذا ما ينوء به كاهل الكثرة الغالبة من الشهود ( [7] ) .

190 – هل تعتبر هذه القاعدة العامة بشقيها من النظام العام : بقي ، قبل الدخول في تفصيلات هذه القاعدة العامة ، أن نبين هل هي تعتبر  360  من النظام العام . فإنها إذا اعتبرت كذلك ، لم يجز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولا أن يكون الإثبات بالبينة فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ثم يكون للمحكمة أن تقضي بهذه الأحكام من تلقاء نفسها ، ولا تعتد بنزول الخصوم عنها ، ويجوز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض . ونبحث هذه المسألة الهامة في القانون الفرنسي ، ثم في القانون المصري .

القانون الفرنسي : الفقه والقضاء في فرنسا مختلفان فيما إذا كانت هذه القاعدة تعتبر من النظام العام . فالفقه الفرنسي يذهب إلي وجوب اعتبارها من النظام العام ( [8] ) . كما يبدو من الأسباب التي ذكرت في أمر مولان ( Moulins ) وهو أول سند تشريعي لهذه القاعدة . والفقه ، وهو يأخذ في شبه إجماع ( [9] ) . بهذا الرأي ، يستند إلي الحجتين الآتيتين : ( أولا ) أن القانون في تنظيمه طرق الإثبات إنما يبغي الوصول إلي خير الحلول لحسم النزاع ما بين الأفراد ، ومن ثم فهو يمس تنظيم القضاء نفسه ، وتنظيم القضاء يعتبر من النظام العام ( [10] ) . ( ثانياً ) أن  361  الاعتبار الأساسي الذي استند إليه المشرع في تحريم البينة إلا في حدود ضيقة هو أن السماح بها يفسح المجال للإكثار من رفع القضايا وازدحام المحاكم بها اعتماداً علي تصيد الشهود وشرائهم عند الاقتضاء ، وهذا الاعتبار تعتبر من النظام العام أنه بالنظام العام ( [11] ) . ويرتب الفقه الفرنسي علي أن القاعدة تعتبر من النظام العام أنه لا يجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما تزيد قيمته علي النصاب ، أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ولو لم تزيد قيمته علي النصاب . كذلك لا يجوز الاتفاق علي الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي النصاب ( [12] ) . ويستوي في ذلك أن يكون الاتفاق ما بين الخصوم علي ما يخالف القاعدة واقعا قبل رفع النزاع إلي المحكمة أو بعد رفعة ، ففي الحالتين يكون الاتفاق باطلا لمخالفته للنظام العام ( [13] ) . وللقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه ، دون طلب من الخصوم بل بالرغم  362  من تنازلهم أو من اتفاقهم علي العكس ، بوجوب تطبيق الأحكام التي تقضي بها هذه القاعدة . وللخصوم أن يتمسكوا بهذا الأحكام ، ولو لأول مرة ، أمام محكمة النقض .

أما القضاء الفرنسي فيذهب ، في شبه إجماع كذلك ، إلي أن القاعدة وإن كانت تتعلق بالمصلحة العامة إلا أنها ليست من النظام العام ( [14] ) . وذلك للاعتبارين الآتيين : ( أولا ) أن الإثبات إنما يتناول حقوقا فردية للخصوم ، وللخصم أن ينزل عن حقه ، فيملك من باب أولي أن يتفق مع خصمه علي طريق إثباته ( [15] ) .( ثانياً ) أن موقف القاضي في الإثبات هو موقف الحياد التام ، والخصوم وحدهم هم الذين يقومون بالنشاط الإيجابي في الإثبات . فهلم إذا شاءوا أن يعينوا بالاتفاق فيما بينهم الطرق التي يثبتون بها حقوقهم دون تدخل من القاضي . ولا  363  بتدخل المشرع ، فيرسم طرق الإثبات ، إلا إذا لم يتفق الخصوم ، صراحة أو ضمنا ، علي شيء من ذلك ( [16] ) .

ويرتب القضاء الفرنسي علي أن القاعدة لا تعتبر من النظام العام عكس النتائج التي يرتبها الفقه الفرنسي علي أن القاعدة تعتبر من النظام العام . فيجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما تزيد قيمته علي النصاب ، أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ولو لم تزد قيمته علي النصاب ( [17] ) . ويجوز الاتفاق كذلك علي الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي النصاب( [18] ) .ويستوي في هذا الجواز أن يكون الاتفاق واقعا قبل رفع النزاع إلي المحكمة أو بعدها ( [19] ) . وليس للقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه بوجوب تطبيق الأحكام التي تقضي بها هذه القاعدة إذا نزل الخصوم عن التمسك بها صراحة أو ضمنا ، أو حتي إذا اقتصر الخصم علي عدم الاعتراض علي خصمه وهو يخالفها في إثبات ما يدعيه ( [20] ) . وليس للخصوم أن يتمسكوا بهذا الأحكام لأول مرة أمام محكمة النقض ( [21] ) .

  364  القانون المصري : أما في مصر ، وفي عهد التقنين المدني السابق ، فقد كان الفقه والقضاء متفقين علي أن القواعد المتعلقة بطرق الإثبات ، إذا كانت تجيز البينة ، لا تعتبر من النظام العام ، فيجوز للطرفين أن يتفقا علي أن الإثبات لا يكون إلا بالكتابة حتي لو لم تزد قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات ( [22] ) .  365  إذا كانت قواعد الإثبات تتطلب الكتابة : فقد كان هناك رأي يعتبر هذه القواعد من النظام العام ، فلا يجوز الاتفاق مقدما علي الإثبات بالبينة ، بل لا يجوز نزول أحد الطرفين عن حقه في الإثبات بالبينة حتي لو قبلها الخصمان( [23] ) . وكان هناك رأي ثان يميز بين الحالتين ، فلا يجيز الاتفاق مقدما علي جواز الإثبات بالبينة ، ولكنه يجيز تراضي الخصمين أثناء رفع الدعوي علي قبول البينة في الإثبات إذ يكون قد تبين لهما مدي النزاع وأهميته ( [24] ) . وكان  366  هناك رأي ثالث لا يعتبر هذه القواعد من النظام العام ، دون تمييز بين حالة وحالة ، فيجيز تراضي الخصمين علي قبول البينة أثناء رفع الدعوي ، بل ويجيز الاتفاق مقدما علي الإثبات بالبينة ، فعنده أن جميع القواعد المتعلقة بطرق الإثبات ، سواء كانت تحتم الكتابة في الإثبات أو تجيز الإثبات بالبينة ، ليست  367  من النظام العام ( [25] ) .

أما التقنين المدني الجديد فقد حسم ، فيما نري ، هذا الخلاف . فقد قضت الفقرة الأولي من المادة 400 من هذا التقنين بعدم جواز الإثبات بالبينة إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك . فأجاز التقنين الجديد صراحة الاتفاق علي جواز الإثبات بالبينة في تصرف قانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ( [26] ) ،  368  فبالأولي يجوز الاتفاق علي وجوب الإثبات بالكتابة في تصرف قانوني لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات( [27] ) . كما يجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . وم دام الاتفاق مقدما علي كل ذلك جائزاً ، فمن الجائز أيضا ، من باب أولي ، أن يتم الاتفاق علي كل ذلك بعد رفع النزاع . وقد يفهم مثل هذا الاتفاق دلالة من عدم اعتراض الخصم علي طريق الإثبات الذي لجأ إليه خصمه ، ومن مساهمته في هذا الطريق بمناقشته للشهود في التحقيق أو بطلبه استدعاء شهود للنفي أو بأي عمل آخر . ولا يجوز للقاضي من تلقاء نفسه رفض الإثبات بالبينة حيث يوجد القانون الإثبات بالكتابة ، من غير طلب من الخصوم . كما لا يجوز أن تثار المخالفة للقواعد المتعلقة بطرق الإثبات لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذا لم تكن أثيرت قبل ذلك أمام محكمة الموضوع . ويجوز ، أخيرا ، الاتفاق علي الإثبات بالبينة دون القرائن ، أو علي الإثبات بالقرائن جون البينة ، وذلك فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ( [28] ) .

وننتقل الآن إلي القاعدة العامة في كل من شقيها .

  369  المطلب الأول

لا تقبل البينة أو القرائن في تصرفات قانونية تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات

  191 – النصوص القانونية : تنص المادة 400 من التقنين المدني الجديد علي ما يأتي :

 ” 1 – في غير المواد التجارية ، إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، أو كان غير محدد القيمة ، فلا تجوز البينة في إثبات وجوده أو انقضائه ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك ” .

 ” 2 – ويقدر الالتزام باعتبار قيمته وقت صدور التصرف . ويجوز الإثبات بالبينة إذا كانت زيادة الالتزام علي عشرة جنيهات لم تأت إلا من ضم الفوائد والملقحات إلي الأصل ” .

 ” 3 – وإذا اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة ، جاز الإثبات بالبينة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة ، ولو كان منشؤها علاقات بين الخصوم أنفسهم أو تصرفات من طبيعة واحدة . وكذلك الحكم في كل وفاء  370  لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ( [29] ) ” .

وتنص المادة 401 علي ما يأتي :

 ” لا يجوز الإثبات بالبينة ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات : “

 ” أ – . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ” .

 ” ب – إذا كان المطلوب هو الباقي أو هو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة ” .

 ” جـ – إذا طالب أحد الخصوم في الدعوي بما تزيد قيمته علي عشرة جنيها ، ثم عدل عن طلبه إلي ما لا يزيد علي هذه القيمة ( [30] ) .

  371  وتقابل هذه النصوص المادتين 215 – 216 / 280 – 281 من التقنين المدني السابق ( [31] ) .

وتقابل في التقنينات المدنية العربية الأخري : في قانون البينات السوري المواد 52 إلي 55 ، وفي التقنين المدني العراقي المواد 486 إلي 489 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدني اللبناني المواد 241 إلي 246 ، وفي التقنين الليبي المادتين 387 – 388 ( [32] ) . وتقابل في التقنين المدني الفرنسي  372  المواد 1341 – 1346 ( [33] ) .

ويخلص من نصوص التقنين المدني المصري أن التصرف القانوني لا يجوز إثباته بالبينة أو بالقرائن إلا إذا كانت قيمة الالتزام الناشيء عن هذا التصرف  373  لا يزيد علي عشرة جنيهات مصرية . فإن كانت القيمة تزيد علي عشرة جنيهات ، فلا يجوز الإثبات إلا بالكتابة ، إلا إذا وجد اتفاق أو نص في القانون يجيز الإثبات بالبينة أو بالقرائن . أما الاتفاق ، فقد قدمنا أن القاعدة ليست من النظام العام ، فيجوز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما يزيد علي عشرة جنيهات ، كما يجوز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالكتابة فيما لا يجاوز عشرة جنيهات . وأما النص ، فهناك نصوص قانوني تجيز الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما يزيد علي عشرة جنيهات ، كما إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة أو وجد مانع من الحصول علي الكتابة أو من تقديمها بعد الحصول عليها وسنري تفصيل ذلك . كما توجد نصوص توجب الإثبات بالكتابة فيما لا يجاوز عشرة جنيهات ، من ذلك عقد الصلح ( م 552 مدني ) وعقد الكفالة ( م 773 ) وعقد إنشاء ملكية الأسرة ( م 851 مدني ) واتفاق التحكيم ( م 821 مرافعات ) والشركات التجارية ( م 40 و 46 تجاري ) وشروط استخدام قبودان السفينة وضباطها وملاحيها ( م 65 بحري ) وعقد إيجار السفينة ( م 90 بحري ) وعقد التأمين البحري ( م 174 بحري ) ( [34] ) . فإذا لم يوجد اتفاق أو نص ، فالقاعدة هي  374  ما قدمنا ( [35] ) . ويقتضي الأمر إذن أن نبحث مسألتين : ( أ ) كيف نحدد التصرفات القانونية المدنية التي تسري عليها هذه القاعدة . ( ب ) كيف نحدد قيمة الالتزامات شئة عن هذه التصرفات لنري هل تزيد علي عشرة جنيهات أو لا تزيد عليها .

1 – تحديد التصرف القانوني

192 – الاتفاقات والعقود : تسري القاعدة المتقدم ذكرها علي جميع التصرفات القانونية المدنية . فهي إذن لا تسري علي الوقائع المادية ولا علي التصرفات القانونية التجارية كما تقدم القول( [36] ) .

ويدخل في التصرفات القانونية المدنية جميع الاتفاقات والعقود ، أيا كان الأثر الذي يترتب عليها .

فتدخل العقود والاتفاقات التي تنشيء الالتزام أو تنقل الحق العيني ، كالبيع والقرض والإيجار والمقاولة والوكالة والعارية والوديعة( [37] ) والوعد بالبيع  375  أو بالشراء وغير ذلك من العقود والاتفاقات الملزمة للجانبين أو الملزمة لجانب واحد .

كما تدخل العقود والاتفاقات التي تقضي الالتزام أو تنقله ، كالوفاء والتجديد ( [38] ) وحوالة الحق وحوالة الدين ( [39] ) .

كما تدخل العقود والاتفاقات التي تحدث أي أثر قانوني آخر ، كالاتفاق علي تأجيل الدين ، أو إضافة شرط له ، أو إلغاء شرط فيه ، أو النزول عن جزء منه ، أو الاتفاق علي فوائد للدين أو إنقاصها أو زيادتها أو إلغائها ، أو الاتفاق علي إعطاء تأمين بالدين كرهن أو كفالة ، أو الحلول الاتفاقي .

وقد قدمنا أن القانون يتطلب ، في بعض الأحوال ، فوق الكتابة ، شكلا خاصا كالرسمية ، ويكون هذا الشكل ضروريا ، لا فثبات العقد فحسب ، بل أيضا لانعقاده ، وذلك كالهبة والرهن الرسمي . وقد يكون مجرد الكتابة ، ولو عرفية ، ضرورية لانعقاد العقد لا لإثباته فحسب ، وذلك كعقد الشركة ( م 507 ) وقد تكون الكتابة لازمة لإثبات العقد أيا كانت قيمته ، وليست لازمة لانعقاده ، وذلك كالصلح والتحكيم . ومن ذلك نري أن العقد قد يشترط لانعقاده كتابة رسمية ، أو كتابة عرفية ، وقد تكون الكتابة لازمة لإثبات العقد لا لانعقاده ، تارة في جميع الأحوال ، وطوراً فيما يجاوز عشرة جنيهات ( [40] ) .

  376  193 – التصرفات القانونية الصادرة عن إرادة منفردة : ولا يقتصر سريان القاعدة علي العقود والاتفاقات التي تتم بإرادتين متوافقتين . ملزمة للجانبين أو ملزمة لجانب واحد ، بل تسري القاعدة أيضا علي كل تصرف قانوني ولو كان صادراً عن إرادة منفردة . ويرجع ذلك إلي أن كل تصرف قانوني – إرادة كان أو أكثر – يمكن إعداد الدليل عليه مقدما ، فهو قابل للدليل المهيأ ( Preuve preconstituee ) ، ومن ثم اشترط القانون في إثباته الكتابة إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات ( [41] ) .

  377  فتسري القاعدة إذن علي الإيجاب الملزم ، والقبول ، والوعد بجائزة ، والإجازة ( confirmation ) ، والإقرار ( ratification ) والاعتراف بدين طبيعي ، والإقرار بالدين ، والإبراء في التقنين المدني الجديد ، وقبول المنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير ، وقبول الغير في التعهد عن الغير ، وفسخ العقد ، وإلغائه إذا كان غير محدد المدة كما في الإيجار والوكالة والعارية والوديعة ، واستعمال حق الخيار في الالتزامات التخييرية ، والرجوع في الهبة ، والنزول عن حق عيني كحق الانتفاع وحق الارتفاق وحق الرهن ، والنزول عن الشفعة ، واعتماد الحساب ، والتنبيه بالإخلاء .

عل أن هناك تصرفات قانونية بإرادة منفردة يتطلب القانون فيها شكلا خاصا لانعقادها ، لا لإثباتها فحسب ، وذلك كالإعذار ( م 219 مدني ) ، وعرض الدين علي الدائن ( م 334 – 340 مدني ) ( [42] ) ، وتطهير العقار ( م 1065 – 1066 مدني ) ، والأخذ بالشفعة ( م 942 ) ( [43] ) .

2 – تحديد قيمة الالتزام

194 – نصاب البينة عشرة جنيهات : حتي يجوز إثبات التصرف القانونية بالبينة أو بالقرائن ، يجب ألا تزيد قيمة الالتزام علي عشرة جنيهات مصرية . وهذه القيمة هي ذاتها التي كان التقنين المدني السابق قد حددها ، لم يزدها التقنين الجديد بالرغم من أن قيمة العملة قد نقصت كثيرا عن ذي قبل وكان التفكير قد اتجه ، في لجنه المراجعة ، إلي رفع هذا النصاب إلي عشرين جنيها . ولكن عدل عن ذلك واستبقي النصاب كما هو ، عشرة جنيهات . ومعني ذلك أن النصاب قد نزل ، في الحقيقة ، بانخفاض قيمة العملة ، إلي أقل من الربع ، ويبر ذلك انتشار التعليم في البلاد . وقد رأينا أن استبقاء نصاب البينة في هذا المستوي المنخفض حمل المشرع علي أن يبيح الاتفاق علي الإثبات بالبينة حيث تكون الكتابة لازمة ، وسنري كذلك ، ولنفس السبب ، أن تقدير قيمة الالتزام في التقنين الجديد ينظر فيه إلي أصل الالتزام دون ضم الفوائد والملحقات ، وأن الدعوي إذا اشتملت علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة فلا تضم هذه الطلبات بعضها إلي بعض بل تبقي البينة جائزة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات .

وقد التزمت التقنينات المدنية العربية الأخري نصابا مماثلا . فالنصاب في التقنين المدني العراقي عشرة دنانير ، وفي التقنين المدني للمملكة المتحدة الليبية عشرة جنيهات ، وفي قانون البينات السور مائة ليرة ، وهذه قيم تتقارب كثيراً مع قيمة النصاب في التقنين المدني المصري . أما في تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني فالنصاب أقل كثيراً ، إذ هو خمس وخمسون ليرة .

وكان النصاب في القانون الفرنسي القديم مائة جنيه . ثم نقص في تقنين نابليون إلي مائة وخمسين فرنكا بسبب انتشار الكتابة . ولما نزلت قيمة العملة ، رفع النصاب إلي خمسمائة فرنك بقانون صدر في أول أبريل سنة 1928 ، ثم إلي خمسة آلاف من الفرنكات بقانون صدر في 21 من فبراير سنة 1948 ،  379  وقد تقدم ذكر ذلك ( [44] ) .

وقد يكون محل الالتزام مبلغا من النقود ، فيسهل عندئذ تحديد قيمته وإذا كان النقد أجنبيا حول إلي نقد مصري بسعره وقت صدور التصرف القانوني لا وقت المطالبة .

وإذا كان محل الالتزام شيئا غير النقود ، قدر القاضي قيمته وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة ، دون أن يتقيد في ذلك بتقدير المدعي ، وله عند الحاجة أن يستعين بخبير . فإذا طالب المدعي بأمتعة أو أثاث مثلا أودعها عند المدعي عليه ، وقدرها بعشرة جنيهات أو أقل ، ومن ثم طلب إثبات الوديعة بالبينة ، وعارض المدعي عليه متمسكا بأن الأثاث المدعي به هو ملكه وأنه لو صحت فإن قيمة الأثاث تبلغ أكثر من عشرة جنيهات فلا يجوز إثبات الوديعة بالبينة ، فللقاضي في هذه الحالة أن يعين خبيراً لتقدير قيمة الأثاث وقت إبرام عقد الوديعة لا وقت رفع الدعوي ( [45] ) . ومتي عينت القيمة وقت إبرام العقد ،  380  فلا عبرة بما يطرأ عليها بعد ذلك من نقص أو زيادة ( [46] ) .

أما إذا كان الالتزام غير محدد القيمة كدعوي تقديم حساب لا يعرف بعد رصيده ( [47] ) ، فإنه لا يجوز الإثبات هنا بالبينة أو بالقرائن ، ويعتبر الالتزام غير محدد القيمة كالالتزام الذي تزيد قيمته علي عشرة جنيهات فلا يجوز إثباته إلا بالكتابة .

195 – العبرة بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة : وقد رأينا فيما تقدم أن العبرة بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة . وهذا هو الحكم الذي يتفق مع طبائع الأشياء . ذلك أن الدليل الكتابي المطلوب فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات هو دليل مهيأ يجب  381  إعداده مقدما عند صدور التصرف . فلا يستطيع الدائن إلا أن يقف عند هذا الوقت لمعرفة ما إذا كان واجبا عليه إعداد هذا الدليل ( [48] ) .

وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثانية من المادة 400 ، فقد رأينا أنها تقضي بأن ” يقدر الالتزام وقت صدور التصرف ” ( [49] ) . ومن ثم فالعبرة ليست بما يطلبه المدعي وقت رفع الدعوي أو بعد رفعها ، بل بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف .

ويترتب علي ذلك نتيجتان أساسيتان : ( الأولي ) أن المدعي إذا طالب بمبلغ أكبر من عشرة جنيهات علي أساس تصرف قانوني قيمته وقت صدوره لا تزيد علي عشرة جنيهات ، جاز الإثبات بالبينة وبالقرائن . ( والثانية ) أن المدعي إذا طالب بمبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات علي أساس تصرف قانوني تزيد قيمته وقت صدوره علي عشرة جنيهات ، لم يجز الإثبات بالبينة أو بالقرائن بل وجب تقديم دليل كتابي .

196 – النتيجة الأولي – المطالبة بأكثر من عشرة جنيهات علي أساس تصرف قيمته لا تزيد علي عشرة جنيهات : رأينا أن الإثبات هنا يجوز أن يكون بالبينة وبالقرائن ، لأن العبرة بالقيمة وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة . ويتفرع علي ذلك المسائل الآتية :

( 1 ) تقضي الفقرة الثانية من المادة 400 من التقنين المدني بأنه : ” يجوز الإثبات بالبينة ( وبالقرائن ) إذا كانت زيادة الالتزام علي عشرة جنيهات لم تأت إلا من ضم الفوائد والملحقات إلي الأصل ” . فهنا لا تزيد قيمة الالتزام وقت صدور  382  التصرف علي عشرة جنيهات . ومن ثم يكون من حق الدائن الإثبات بالبينة وبالقرائن ، ولو طالب المدين بأزيد من عشرة جنيهات إذا كانت هذه الزيادة إنما أتت من ضم مصروفات الدين وفوائده إلي أصله . إذ العبرة بقيمة الالتزام في أصله وقت صدور التصرف ، وهذه القيمة لا تزيد علي عشرة جنيهات ، ولا يحسب ما يضاف إلي هذا الأصل من ملحقات وفوائد ( [50] ) .ولو قلنا بغير ذلك لكان في هذا القول بعض الحرج علي الدائن . ويكفي أن نفرض أن الدائن أقرض المدين تسعة جنيهات بفائدة 7% لمدة سنة واحدة . فمن حق هذا الدائن أن يعتمد في إثبات حقه علي البينة والقرائن ، وليس عليه أن يحصل علي دليل كتابي ، فأن أصل الدين تسعة جنيهات ، بل إن أصل الدين وفوائده لمدة السنة لا تزيد كلها علي عشرة جنيهات . فإذا استمهل المدين الدائن في سداد الدين سنة أخري وقبل الدائن ، كان مجموع الدين وفوائده في نهاية السنتين أكثر من عشرة جنيهات . فإذا نحن لم نقتصر علي أصل الدين في حساب نصاب البينة ، بل ضممنا إلي الأصل الفوائد ، لما جاز الإثبات بالبينة في هذه الحالة .

ويذهب التقنين المدني الفرنسي ( م 1342 ) في هذه المسألة مذهبا آخر . فهو إمعانا منه في كراهية الإثبات بالبينة ، يقضي بضم الملحقات والفوائد إلي الأصل في حساب نصاب البينة . ففي المثل المتقدم ما دام القرض وفوائده لمدة السنة – ومجموع ذلك كان معلما للدائن منذ صدور عقد القرض – لا يزيد علي نصاب البينة ، فلا عليه أن يغفل كتابة سند بالدين إذ له أن يعتمد في إثبات حقه علي البين’ . أما إذا رضي بتأجيل الدين سنة أخري ، فأصبح مجموع الأصل والفوائد يزيد في نهاية السنتين علي نصاب البينة ، فقد كان عليه وقت أن رضي بالتأجيل أن يشترط لذلك كتابة سند بالدين وفوائده لأنه لم يعد يستطيع الإثبات بالبينة بعد التأجيل . وأما الفوائد التي لا تستحق إلا بعد رفع الدعوي فهذه لا تضم  383  إلي الأصل في حساب النصاب ، لأنها لم تكن معروفة ولا تمكن معرفتها وقت صدور التصرف ( [51] ) .

والحكم الذي أورده التقنين المدني المصري الجديد في عدم ضم الفوائد والملحقات إلي الأصل ، وخالف به حكم التقنين المدني الفرنسي ، منقول عن المشروع الفرنسي الإيطالي ، وهو أيسر في حساب النصاب وأقرب إلي المنطق ويوازن في الوقت ذاته مستوي النصاب المنخفض كما تقدم القول ( [52] ) .

  384  ( 2 ) لو أن شركة محاصة – وتخضع في الإثبات للقواعد العامة – كان رأس مالها لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وكان ربح أحد الشركاء من هذه الشركة أكثر من عشرة جنيهات ، وطالب الشريك بهذا الربح وكان عليه أن يثبت وجود الشركة ، جاز له أن يثبت وجودها بالبينة وبالقرائن ، ولو أن المبلغ الذي يطالب به أكثر من عشرة جنيهات . ذلك أنه يؤسس مطالبته علي عقد شركة لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، والعبرة بالقيمة وقت صدور التصرف ، لا بالمبلغ المطالب به وقت رفع الدعوي ( [53] ) .

  385  ( 3 ) لو أن عقداً لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أخل به المدين ، فرجع الدائن بتعويض يزيد علي عشرة جنيهات بسبب هذا الإخلال ، جاز له أن يثبت وجود العقد بالبينة وبالقرائن ، ولو أنه يطالب بمبلغ يزيد علي عشرة جنيهات ، لأنه يؤسس طلبه علي عقد لا تزيد قيمته علي نصاب البينة ( [54] ) .

  386  النتيجة الثانية – المطالبة بما لا يزيد علي عشرة جنيهات علي أساس تصرف يزيد علي عشرة جنيهات : العبرة هنا أيضا ، كما قدمنا ، بقيمة التصرف القانوني لا بالمبلغ المطالب به ، ومن ثم لا يجوز في هذه الحالة الإثبات بالبينة وبالقرائن ، بل يجب تقديم دليل كتابي ، لأن قيمة التصرف تزيد علي عشرة جنيهات . ويتفرع علي ذلك المسائل الآتية :

( 1 ) تقضي المادة 401 بند ( ب ) من التقنين المدني الجديد بأنه لا يجوز الإثبات بالبينة ( ولا بالقرائن ) ، ولو تم تزد القيمة المطالب بها علي عشرة جنيهات ، ” إذا كان المطلوب هو الباقي أو هو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة ” . فلو اقترض شخص عشرين جنيها ، وكان الوفاء بالقرض مقسطا علي أربعة أقساط متساوية مقدار كل قسط منها خمسة جنيهات ، وطالب الدائن المدين بأحد هذه الأقساط وكان عليه أن يثبت عقد القرض ، فلا يجوز أن يثبته بالبينة أو بالقرائن ، ولو أنه لا يطالب إلا بخمسة جنيهات ، لأنه يؤسس طلبه علي تصرف قانوني قيمته وقت صدوره تزيد علي عشرة جنيهات ، فكان عليه أن يعد دليلا كتابيا لإثباته . وهذا أيضا صحيح ولو كان القسط المطالب به هو القسط الأخير ، فالاعتبارات التي بني عليها الحكم في الحالة الأولي متحققة في هذه الحالة ، فيكون الحكم واحداً في الحالتين ( [55] ) .

( 2 ) تقضي المادة 401 بند ( جـ ) من التقنين المدني الجديد بأنه لا يجوز الإثبات بالبينة ( ولا بالقرائن ) ” إذا طالب أحد الخصوم في الدعوي بما تزيد  387  قيمته علي عشرة جنيهات ، ثم عدل عن طلبه إلي ما لا يزيد علي هذه القيمة ” . فهنا قد أسس المدعي دعواه علي تصرف قانوني تزيد قيمته علي عشرة جنيهات وطالب بهذه القيمة ، فلا يجوز له الإثبات بالبينة أو بالقرائن حتي لو أنقص بعد ذلك ما يطالب به إلي ما لا يزيد علي نصاب البينة . إذ العبرة ليست بما يطالب به ، بل بقيمة التصرف القانوني الذي يؤسس عيه دعواه( [56] ) . وغني عن البيان  388  أن المدعي إذا كان قد أخطأ عند رفع الدعوي في تقدير قيمة التصرف القانوني بأكثر من عشرة جنيهات ، وأدرك خطأه بعد ذلك فصحح دعواه وجعل قيمة ما يطالب به لا يزيد علي عشرة جنيهات وهو قيمة التصرف القانوني بعد التصحيح ، فإن الإثبات بالبينة وبالقرائن جائز في هذه الحالة ( [57] ) .

( 3 ) لو أن النزاع انحصر في مبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات ، ولكنه يقوم علي تصرف قانوني تزيد قيمته علي هذا المبلغ ، فالإثبات بالبينة أو بالقرائن غير جائز ، إذ العبرة ليست بالمبلغ المتنازع عليه بل بقيمة التصرف القانوني المتخذ بتسليم حصان قال أن اشتراه منه بمبلغ ثلثمائه فرنك ( لنقل ثلاثين جنيها ) وسلم البائع بصدور البيع منه ، ولكنه قال إن الثمن الذي اتفق عليه كان أربعمائة فرنك ( لنقل أربعين جنيها ) فهنا لا يجوز للمشتري إثبات أن الثمن كان ثلاثين جنيها بالبينة أو بالقرائن ، ولو أن النزاع بينه وبين المشتري قد انحصر في مبلغ عشرة جنيهات هو الفرق بين الثمن الذي يدعيه والثمن الذي يدعيه البائع ( [58] ) .

198 – اشتمال الدعوي علي طلبات متعددة : رأينا أن الفقرة الثالثة من المادة 400 من التقنين المدني تنص علي أنه ” إذا اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة ، جاز الإثبات بالبينة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة ، ولو كان منشؤها علاقات بين الخصوم أنفسهم أو تصرفات من طبيعة واحدة وكذلك الحكم في كل وفاء لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ” .

  389  وليس في هذا الحكم من جديد ، فالمفروض ان هناك بين شخصين ديونا متعددة نشأت عن مصادر متعددة ، ولو كانت طبيعة هذه المصادر واحدة كأن كانت كلها عقود قرض ولكن كل عقد منها متميز عن العقد الآخر . ففي هذه الحالة يستقل كل دين بطريقة إثباته ، ما دام متميزاً عن الديون الأخري في قيمته وفي مصدره . فإذا كانت قيمته لا تزيد علي عشرة جنيهات جاز الإثبات بالبينة وبالقرائن ، وإلا فلا يجوز إلا الدليل الكتابي ولا يحول دون سريان هذا الحكم أن يكون الدائن قد جمع هذه الديون وطالب بها كلها في دعوي واحدة ، فزادت قيمة المجموع علي عشرة جنيهات . فلا يزال كل دين منها متميزا عن الديون الأخري كما قدمنا ، وكان الدائن يستطيع أن يرفع بكل دين دعوي مستقلة ، فيجوز له فيها الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما لا يزيد علي عشرة جنيهات . فلا يتغير الحكم إذا هو جمع الديون في دعوي واحدة اختصاراً في الإجراءات . كذلك لا يحول دون سريان الحكم أن يكون كل دين من هذه الديون مصدره تصرف قانوني من طبيعة واحدة ، ما دام كل تصرف منها متميزاً عن التصرف الآخر ، وذلك كبيع أو إيجاز فيما إذا طالب الدائن المدين بأثمان مبيعات أو بأجور أعيان مؤجرة . ففي هذه الحالة أيضا يبقي كل دين متميزاً عن الديون الأخري ، فيجوز إثباته بالبينة وبالقرائن إذا لم تزد قيمته علي عشرة جنيهات ( [59] ) .

كذلك إذا كان الدين عشرين جنيها مثلا ، ووفي المدين جزءاً منه لا يزيد علي عشرة جنيهات ، سواء كان ما وفاه هو بعض الدين أو هو الجزء الباقي من الدين ، فإن المدين يستطيع إثبات هذا الوفاء الجزئي بالبينة وبالقرائن . ذلك أن الوفاء هو ذاته تصرف قانوني متميز عن مصدر الدين الموفي به ، فتسري في إثباته القواعد التي تسري في إثبات مصدر الدين فإن كانت القيمة الموفي بها ،  390  ولو كان هذا الوفاء جزئيا ، لا تزيد علي عشرة جنيهات ، جاز الإثبات بالبينة وبالقرائن . وكل وفاء جزئي آخر تصرف قانوني مستقل عن السابق وعن اللاحق . فإذا أريد إثبات جملة من الوفاءات الجزئية ، كل منها لا تزيد قيمته علي بالبينة وبالقرائن ، كما جاز ذلك في إثبات الطلبات المتعددة الناشئة عن مصادر متعددة ولو كان منشؤها تصرفات من طبيعة واحدة بين الخصوم أنفسهم كما سبق القول . ومن ثم يتميز إثبات الدين عن إثبات وفائه . فالدين لا تجوز تجزئته لإثبات كل جزء منه لا يزيد علي عشرة جنيهات بالبينة وبالقرائن ، مادام الدين في مجموعه يزيد علي هذه القيمة . أما الوفاء فالعبرة فيه ، لا بأصل الدين ، لا بل بالقدر الموفي به ، فتجوز تجزئة الدين في الوفاء به إلي أجزاء كل منها لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وإثبات كل وفاء جزئي بالبينة وبالقرائن ( [60] ) .  391  هذا هو ما قرره التقنين المدني الجديد بنص صريح ، فأجاز كما رأينا إثبات طلبات المتعددة الناشئة عن مصادر متعددة بالبينة في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة . وقد كان هذا هو الحكم أيضا في عهد التقنين المدني السابق ، وهو علي كل حال لا يعدو أن يكون تطبيقا للقواعد العامة ( [61] ) .

ولكن مع وضوح هذا الحكم لم يأخذ التقنين المدني الفرنسي به ، بل ذهب مذهبا آخر ، إمعانا منه في كراهية الإثبات بالبينة وتضييقا للخناق علي من يحاول التهرب من الإثبات الكتابي . فقضي في المادة 1345 بأنه إذا اشتملت الدعوي  392  علي طلبات متعددة ، لم يقم علي أي منها دليل كتابي ( [62] ) ، وكان مجموع هذه الطلبات يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، فلا يجوز الإثبات بالبينة ، حتي لو قرر المدعي أن هذه الطلبات تولدت من مصادر متنوعة ونشأت في أوقات مختلفة ، إلا أن تكون حقوقا انتقلت إليه بطريق الميراث أو الهبة أو غير ذلك من أشخاص متعددين . ويبرر الفقهاء في فرنسا هذا النص بأنه أريد به أن يسد الطريق علي الدائن الذي يطالب مدينه بمبلغ يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، ولكي يستطيع الإثبات بالبينة وبالقرائن يجزيء مطالبته إلي مبالغ متعددة ، كل مبلغ منها لا يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، ويزعم أنها ديون قد تولدت من مصادر متنوعة ونشأت في أوقات مختلفة ، ويتقدم لإثبات ذلك بشهادة الشهود أو بدلالة القرائن . فيمنعه القانون من ذلك ، ويلزمه في هذه الحالة بتقديم دليل كتابي ، مفترضا أن الدين واحد ، وهو يزيد علي نصاب البينة . ولا ضير بعد ذلك علي الدائن ، حتي لو لم يكن الدين واحداً . ويكفيه في الاحتياط أن يطلب من مدينة دليلا كتابيا كلما تجمعت ديون في ذمة هذا المدين يزيد مجموعها علي نصاب البينة ( [63] ) . ولما كان التقنين الفرنسي حذراً إلي هذا الحد ، فقد قاده حذره أن ينتقل من هذه الخطوة إلي خطوة أخري أبعد منها ، فأوجب في المادة 1346 علي الدائن أن يجمع كل طلباته التي لم يقم عليها دليل كتابي كامل ، أيا كان مصدرها ، فيرفع بها دعوي واحدة ، فإذا هو أغفل دينا منها كان مستحقا وقت رفع الدعوي ، لم تقبل منه ، بعد ذلك ، الدعوي بهذا الدين ( [64] ) .

  393  ولم ير التقنين المصري الجديد ، ومن قبله التقنين المدني المصري القديم ، ما يدعو إلي كل هذا الحذر الذي استتبع كل هذا التعقيد . فسكت التقنين القديم ولم يورد نصا مماثلا للنص الذي رأيناه في التقنين المدني الفرنسي . ونص التقنين الجديد صراحة علي الرجوع إلي القواعد العامة في هذه المسألة حتي لا يقع أي لبس فيها ( [65] ) . وإذا حاول الدائن أن يتهرب من الدليل الكتابي بتجزئة الدين  394  الواحد ، وهو ما أراد التقنين الفرنسي أن يتوفاه ، فإن الباب مفتوح أمام المدين لإثبات هذا التحايل بجميع الطرق ( [66] ) .

المطلب الثاني

لا تقبل البينة أو القرائن فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها

199 – النصوص القانونية : تنص المادة 401 ( بند 1 ) من التقنين المدني علي ما يأتي :

 ” لا يجوز الإثبات بالبينة ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات : ( أ ) فيما يخالف أو يجاوز ما أشتمل عليه دليل كتابي ( [67] ) .

  395  ولا مقابل لهذا النص في التقنين المدني السابق ، ولكن الحكم كان مطبقا دون نص ( [68] ) .

ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخري : في قانون البينات السوري المادة 55 ، وفي التقنين المدني العراقي المادة 489 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المادة 153 ، وفي التقنين المدني الليبي المادة 388 ( [69] ) . ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1341 ( [70] ) .

  396  200 – تاريخ القاعدة وشروطها : وتحريم إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها إلا بالكتابة قاعدة قديمة تمتد جذورها إلي القانون الروماني . ثم تغلبت البينة في العصور الوسطي علي ما قدمنا . ثم عادي كفة الكتابة إلي الرجحان ، فرفعها أمر مولان ( Moulins ) في سنة 1566 إلي الصدارة بين طرق الإثبات علي النحو الذي قدمناه . ولكن هذا الأمر لم يحرم إلا إثبات ما يجاوز الكتابة بغير الكتابة ، وفيما يزيد علي مائة جنيه وهو نصاب البينة إذ ذاك . ثم أتي أمر سنة 1667 فوسع الحكم ، وحرم إثبات ما يجاوز الكتابة أو ما يخالفها بغير الكتابة حتي فيما لا يزيد علي نصاب البينة . وبذلك رجحت كفة الكتابة رجحانا كبيراً ، فهي مطلوبة فيما يزيد علي نصاب البينة ، وحتي في حدود هذا النصاب إذا تعارضت مع البينة وجب الأخذ بها ونبذ البينة . فانقلب الوضع بذلك ، وبعد أن كانت البينة فوق الكتابة ( فemonins passent letters ) أصبحت الكتابة فوق البينة ( letters passent temoins ) ، وقد سبقت الإشارة إلي ذلك ( [71] ) .

وقد قدمنا أن القاعدة التي نحن بصددها ليست إلا الشق الثاني من قاعدة أعم ،  397  وهي القاعدة التي بوجوب الإثبات بالكتابة فيما يزيد علي نصاب البينة وفيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ويمكن حصر شروط تطبيق هذا الشق الثاني من القاعدة في أربعة : ( 1 ) أن تكون هناك كتابة أعدت للإثبات ( 2 ) أن يراد إثبات ما يخالف هذه الكتابة أو يجاوزها ( 3 ) أن يكون الإثبات مقصوراً علي العلاقة بين المتعاقدين فلا يتعدي إلي الغير ( 4 ) ألا يكون هناك احتيال علي القانون ( fraude a la loi ) .

201 – الشرط الأول – وجود كتابة أعدت للإثبات : يجب أن تكون هناك كتابة قد أعدت للإثبات . والكتابة المعدة للإثبات هي الكتابة التي وقع عليها المدين ، رسمية كانت أو عرفية .

أما الأوراق التي لم تعد للإثبات ، كالدفاتر التجارية والأوراق المنزلية ، فيجوز إثبات ما يخالفها أو ما يجاوزها بالبينة أو بالقرائن . ولكن إذا كانت هذه الأوراق موقعا عليها وأريد بها الإثبات ، كما هو الغالب في المراسلات ، فإنها تعتبر في حكم الكتابة المعدة للإثبات ، ولا يجوز إثبات ما يخالفها أو ما يجاوزها إلا بالكتابة ( [72] ) .

  398  كذلك يجوز إثبات ما يخالف مبدأ الثبوت بالكتابة أو ما يجاوزه بالبينة أو بالقرائن ، لأن مبدأ الثبوت بالكتابة لا يكون عادة موقعا عليه وإلا كان دليلا كتابيا كاملا ، والمطلوب في القاعدة التي نحن بصددها ألا يهدم الدليل الكتابي الكامل بالبينة أو بالقرائن( [73] ) .

ثم يجب أخيرا أن يكون الثابت بالكتابة التزاما غير تجاري . ذلك أن الالتزامات التجارية يجوز إثباتها ، كما رأينا ، بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمتها ، ولو زادت علي عشرة جنيهات . فكذلك يجوز إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها في المسائل التجارية بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمة الالتزام ( [74] ) . وقد تقدم ذكر ذلك .

فمتي كانت هناك كتابة معدة للإثبات ، وكانت دليلا كتابيا كاملا ، في غير التزام تجاري ، فقد توافر الشرط الأول ، أيا كانت قيمة الالتزام الثابت بهذا الدليل الكتابي الكامل ، ولو كانت هذه القيمة لا تزيد علي عشرة جنيهات . ومن ثم لا يجوز إثبات ما يخالف ورقة مكتوبة لا تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ، ولا إثبات ما يجاوزها ، بالبينة أو بالقرائن ، ولو أن هذا الدليل كان جائزاً  399  ابتداء لإثبات وجود التصرف لو لم توجد ورقة مكتوبة ( [75] ) . بل إن القاعدة التي نحن بصددها لا تظهر فائدتها إلا إذا كانت قيمة الالتزام لا تزيد علي عشرة جنيهات ، فتمتنع البينة والقرائن حيث كانت تجوز لولا هذه القاعدة . أما إذا كانت قيمة الالتزام تزيد علي عشرة جنيهات فالقاعدة لا تقول جديداً ، لأن الإثبات بالبينة أو بالقرائن في هذه الحالة ممنوع من الأصل ، سواء في ذلك لا توجد كتابة أصلا أو توجد ويراد إثبات ما يخالفها أو يجاوزها ( [76] ) .

وإذا أريد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، فلا بد من أن يكون الإثبات بالكتابة كما قررنا . ولكن يجوز أن يحل محل الكتابة مبدأ ثبوت بالكتابة معزز بالبينة أو بالقرائن ، فإن هذا النوع من الإثبات يرد استثناء من قاعدة الدليل الكتابي بشقيها كما سنري .

202 – الشرط الثاني : إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها : ونتكلم : ( أولا ) فيما يخالف الكتابة ( ثانياً ) فيما يجاوز الكتابة ( ثالثاً ) فيما لا يعتبر مخالفا للكتابة أو مجاوزاً لها .

أولا – ما يخالف الكتابة لا يجوز إثباته إلا بالكتابة : إذا أريد إثبات ما يخالف ورقة رسمية ، فيما يقرر الموظف العام أنه وقع تحت بصره أو سمعه ، فقد رأينا أنه لا بد في ذلك من الطعن بالتزوير . أما إذا أريد إثبات ما يخالف الورقة الرسمية في غير ذلك ، أو إثبات ما يخالف مشتملات الورقة العرفية أيا كانت فهذا جائز ، عل أن يكون الدليل علي ما يخالف الكتابة هو أيضا دليل كتابي ، ولو كان ذلك مبدأ ثبوت بالكتابة معززاً بالبينة أو بالقرائن كما قدمنا . ومثل إثبات ما يخالف الكتابة أن يتقدم الخصم لإثبات أنا ما ورد في الورقة من أن الثمن المدفوع هو مبلغ كذا بيان غير صحيح ، والصحيح أن المبلغ المذكور في الورقة هو مبلغ أكبر  400  – لمنع الشفعة مثلا – أو هو مبلغ أقل لتخفيض رسوم التسجيل مثلا ، فإذا كان الخصم هو أحد طرفي العقد لم يجز له إثبات ذلك إلا بالكتابة . ومثل ذلك أيضا أن يريد البائع إثبات أن البيع المكتوب بيع صوري ، فلا يستطيع ذلك إلا بالكتابة ، وهي هنا ورقة الضد ( contre – letter ) ومثل ذلك أخيراً أن يوجد سند مكتوب يثبت أن في ذمة المدين التزاما قيمته مائة جنيه مثلا ، فلا يستطيع المدين أن يثبت بالبينة أو بالقرائن أن حقيقة الالتزام خمسون جنيها لا مائة ، وكذلك الأمر لو أن الثابت في السند التزام قيمته عشرة جنيهات وأراد المدين أن يثبت بالبينة أو بالقرائن أن حقيقة الالتزام خمسة لا عشرة فلا يستطيع ( [77] ) .

ثانياً – ما يجاوز الكتابة لا يجوز إثباته إلا بالكتابة : ولا يجوز للخصم أن يثبت ما يجاوز الكتابة إلا بالكتابة . مثل ذلك أن يتقدم المدين لإثبات أن الالتزام المكتوب ، وهو منجز ، علق بعد ذلك علي شرط أو اقترن بأجل . أما إذا كان الالتزام قد كتب معلقا علي شرط أو مقترنا بأجل وأراد الدائن أن يثبت أنه التزام منجز ، فهذا يكون إثباتا لما يخالف الكتابة ، ولا يكون هو أيضا إلا بالكتابة كما رأينا . ومثل ذلك أيضا أن يكون القرض المكتوب لم يذكر فيه أنه قرض بالفائدة ، وأراد الدائن أن يثبت أن هناك فائدة متفقا عليها ، فلا يجوز إثبات ذلك إلا بالكتابة ، حتي لو كانت الفائدة وأصل الدين معها لا يزيد علي عشرة جنيهات ، لأن هذا إثبات لما يجاوز الكتابة . أما إذا ذكر في القرض المكتوب سعر للفائدة ، وأراد الدائن أن يثبت أن السعر المتفق عليه هو أكبر مما ذكر ، أو أراد المدين أن يثبت أن هذا السعر أقل ، فهذا إثبات لما يخالف الكتابة ، ولا يكون هو أيضا إلا بالكتابة كما قدمنا . كذلك لا يجوز إثبات تجديد التزام ( novation ) ثابت في ورقة مكتوبة إلا بالكتابة ، ولو كانت قيمة الالتزام الجديد ، أو كانت قيمة كل من الالتزامين الجديد والقديم ، لا تزيد علي عشرة جنيهات ، لأن هذا إثبات لما يجاوز الالتزام المكتوب . وبوجه عام لا يجوز إثبات اتفاق إضافي فوق ما هو ثابت بالكتابة إلا بالكتابة ، سواء ادعي  401  ان هذا الاتفاق الإضافي قد تم قبل الكتابة أو تم في أثنائها أو تم بعدها ، علي حد تعبيرا التقنين المدني الفرنسي ( م 1341 ) ( [78] ) .

ثالثاً – ما لا يعتبر مخالفا للكتابة أو مجاوزاً لها لا يتحتم إثباته بالكتابة : أما إذا أريد إثبات شيء متعلق بما هو ثابت بالكتابة ، ولكنه لا يخالفها ولا يجاوزها ، فإن إثبات ذلك يكون وفقا للقواعد العامة ، ولا تتحتم الكتابة . فيجوز إثبات الوقائع المادية ، وكذلك إثبات التصرفات القانونية إذا لم تزد قيمتها علي عشرة جنيهات ، بالبينة وبالقرائن . مثل ذلك إثبات انقضاء الالتزام الثابت بالكتابة ، فهذه واقعة لا تخالف الكتابة ولا تجاوزها ، بل هي تؤكدها ،إذ انقضاء الالتزام ينطوي دلالة عل وجوده . فإذا كان انقضاء الالتزام قد تم بتنفيذ أعمال مادية ، كبناء منزل أو نقل بضاعة أو القيام بخدمة معينة ، فإن هذه الأعمال تثبت بالبينة وبالقرائن ولو كانت قيمة الالتزام تزيد علي عشرة جنيهات . أما إذا كان انقضاء الالتزام قد تم بتصرف قانوني ، كوفاء مبلغ من النقود ، فإن هذا الوفاء يثبت بالبينة أو بالقرائن إذا لم يزد المبلغ الموفي به علي عشرة جنيهات حتي لو كان مجموع الدين أكثر من ذلك أو كان الدين ثابتا بالكتابة ( [79] ) .  402  وكالوفاء الإبراء ، فهو تصرف قانوني يقضي الدين ، ويثبت بالبينة وبالقرائن إذا لم تزد قيمته علي عشرة جنيهات . كذلك في المقاصة ، يجوز للمدين إثبات الحق الذي له في ذمة دائنه ، ليوقع المقاصة بمقداره ، بالبينة وبالقرائن ، إذا كانت قيمة هذا الحق لا تزيد علي عشرة جنيهات ، حتي لو كان الدين الذي تقع فيه المقاصة ثابتا بسند مكتوب أما تجديد الدين المكتوب فقد رأينا أنه يعتبر مجاوزاً لما هو ثابت بالكتابة ، فلا يجوز إثباته إلا الكتابة ( [80] ) .

  403  كذلك يجوز إثبات وقائع مادية يكون من شأنها تفسير العبارات الغامضة ، أو التوفيق فيا بينها إذا كانت متعارضة ( [81] ) ، أو تحديد ما ورد مطلقا في الورقة المكتوبة ، وذلك بالبينة وبالقرائن ، فليس في هذا إثبات لما يخالف الكتابة أو يجاوزها ( [82] ) . وكذلك الأمر في إثبات الظروف والملابسات المادية التي أحاطت بكتابة العقد ( [83] ) .

ويجوز أيضا إثبات عيب من عيوب الإرادة كالغلط والتدليس والإكراه ، في سند مكتوب ، بالبينة وبالقرائن ، فليس في ذلك إثبات لما يخالف الكتابة ، لأن الكتابة ليست دليلا علي صحة التصرف حتي يعتبر الطعن في صحته مخالفا لها . وقد قدمنا أن عيوب الإرادة إنما هي وقائع مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( [84] ) .

  404  ويجوز أخيرا إثبات التاريخ الذي كتبت فيه الورقة ، فيما بين الطرفين ، بالبينة وبالقرائن ، إذا لم يكن مكتوبا ، حتي لو كانت قيمة الالتزام تزيد علي عشرة جنيهات أو كان التزاما مكتوبا ، فليس في هذا إثبات لما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، بل هو إثبات لواقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق . أما إذا كان تاريخ الورقة مكتوبا هو أيضا ، فلا يجوز إثبات عدم صحته إلا بالكتابة . وأما بالنسبة إلي الغير فلابد من التاريخ الثابت عل الوجه الذي تقدم ذكره( [85] ) .

203 – الشرط الثالث – الإثبات مقصور علي العلاقة فيما بين المتعاقدين : وكل ما قدمناه من وجوب الإثبات بالكتابة فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إنما يكون في العلاقة ما بين المتعاقدين ، إذ هما اللذان كانا يستطيعان الحصول علي الكتابة منذ البداية . وكالمتعاقدين الخلف العام .

أما الغير فيجوز له الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، كما أن له إثبات وجود التصرف نفسه بالبينة وبالقرائن ولو زادت قيمته علي عشرة جنيهات كما سبق القول ، ففي الحالتين يعتبر التصرف بالنسبة إليه وهو من الغير واقعة مادية يجوز إثباتها أو إثبات ما يخالفها أو يجاوزها بجميع الطرق .

فإذا باع شخص عقاراً من آخر ، وكتب في عقد البيع أن الثمن ألف جنيه مثلا ، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة ، فإن له أن يثبت أن حقيقة الثمن ثمانمائة لا ألف – أي يثبت ما يخالف الكتابة – بالبينة وبالقرائن ، لأن من الغير في عقد البيع الذي يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية .

  405  وفي العقد الصوري الثابت بالكتابة ، تثبت الصورية فيما بين المتعاقدين بالكتابة حتي لو كانت قيمة العقد لا تزيد علي عشرة جنيهات . أما الغير – وهو هنا الدائن والخلف الخاص – فله أن يثبت الصورية بالبينة وبالقرائن ، حتي لو كان العقد الصوري مكتوبا وحتي لو كانت قيمته تزيد علي عشرة جنيهات ( [86] ) .

  406  وسنعود إلي هذه المسألة تفصيلا عند الكلام في دعوي الصورية .

  407  الشرط الرابع – ألا يكون هناك احتيال علي القانون ( [87] ) : وحتي فيما بين المتعاقدين ، يشترط في تطبيق القاعدة التي تقضي بوجوب الإثبات بالكتابة فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ألا يكون هناك احتيال علي القانون  408  ( fraude a la loi ) والسبب في ذلك أنه متي وجد احتيال علي القانون ، فيجب تيسير كشفه وإباحة إثباته بجميع الطرق ، حتي يلقي جزاءه الحق . ويستوي في هذا أن يكون من يريد إثبات الاحتيال من الغير أو يكون أحد المتعاقدين ممن اشترك في الاحتيال بنفسه ويريد الآن الكشف عنه . ففي الحالتين يقضي النظام العام بضرورة فضح هذا الاحتيال ، ومن ثم أبيح ، حتي للمتعاقد نفسه بعد أن اشترك فيه ، أن يثبته بجميع الطرق ولو بالبينة أو بالقرائن ( [88] ) .

ولما كان الاحتيال علي القانون ليس إلا تواطؤاً ما بين المتعاقدين علي مخالفة قاعدة قانونية تعتبر من النظام العام وإخفاء هذه المخالفة تحت ستار تصرف مشروع ، فقد وضح من ذلك أن من الطبيعي أن يتخذ هذا الاحتيال مظهر الصورية . فيكون هناك تصرف غير مشروع هو التصرف الحقيقي الذي وقع الاتفاق عليه ، يستره تصرف مشروع هو التصرف الظاهر الذي يقع الطعن فيه . والجديد هنا أن الطاعن في التصرف الظاهر – أي التصرف الصوري – ليس هو الغير ، وإلا كان من حقه أن يثبت الصورية بجميع الطرق دون حاجة إلي التذرع بالاحتيال علي القانون . ولكن الطاعن هو المتعاقد نفسه ، ويريد أن يثبت صورية العقد المكتوب بالبينة وبالقرائن ، وكان الأصل ألا يستطيع  409  إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، لولا أنه يتذرع بأن هناك احتيالا علي القانون ( [89] ) .

ولم يرد في التقنين المدني نص علي هذا الحكم ( [90] ) . غير أن القضاء أجمع علي الأخذ به في اضطراد مستقر ، وطبقه في حالات كثيرة .

من ذلك أن يكون سبب الدين قماراً ، ويكتب المتعاقدات أنه قرض فيجوز للمدين في هذه الحالة أن يثبت ما يخالف المكتوب بالبينة وبالقرائن ، ليدل علي أن السبب الحقيقي للدين هو القمار لا القرض ( [91] ) .

  410  ومن ذلك أن يخفي العقد ربا فاحشا ، ويكتب المتعاقدان سببا غير ذلك ، فيجوز للمدين أن يثبت الربا الفاحش – وهو يخالف المكتوب – بالبينة وبالقرائن ( [92] ) .

وقضت محكمة النقض بأن الوارث الذي يطعن في تصرف صادر من مورثه في صورة بيع منجز بأن حقيقته وصية ، وأنه قصد به الاحتيال علي قواعد الإرث المقررة شرعاً إضراراً بحقه فيه ، يجوز له إثبات هذا الاحتيال بأي طريق من الطرق القانونية ، فلا علي المحكمة فيما تقضي به من إحالة الدعوي إلي التحقيق لتمكين الطاعنين في التصرف من إثبات حقيقة الواقع فيه بشهادة الشهود ( [93] ) .

كذلك يجوز إثبات ما يخالف الكتابة بالبينة وبالقرائن إذا كان السبب الحقيقي الذي تخفيه الكتابة هو صدور العقد أثناء الحجر علي المدين ( [94] ) ، أو قيام علاقة غير شرعية بين المدين والدائن ( [95] ) ، أو تخفيض ثمن المبيع هربا من بعض رسوم التسجيل ( [96] ) . أو التحايل علي إخفاء الرهن في صورة البيع هربا من قانون  411  الخمسة الأفدنة ( [97] ) ، أو هربا من ضرورة اتخاذ إجراءات التنفيذ ( [98] ) ، أو تمييز بعض الورثة علي بعض آخر ( [99] ) ، أو غير ذلك من الأسباب غير المشروعة المخالفة للنظام العام ( [100] ) .

علي أنه يجب أن يعزز الإدعاء بوجود تحايل علي القانون قيام قرائن قوية تجعل وقوعه محتملا ، حتي يمكن الترخيص بعد ذلك في إثبات هذا التحايل بالبينة وبالقرائن علي وجه حاسم ( [101] ) .

وننتهي من معالجة هذه المسألة بملاحظتين :

الملاحظة الأولي أنه لا يكفي للترخيص في إثبات ما يخالف الكتابة بالبينة وبالقرائن أن يدعي المتعاقد صورية العقد أيا كان سبب هذه الصورية ، بل يجب أن يكون هذا السبب غير مشروع لمخالفته للنظام العام . أما إذا كان السبب مشروعا فلا يجوز للمتعاقد أن يثبت صورية العقد المكتوب إلا بالكتابة ( [102] ) ، وقد تقدمت الإشارة إلي ذلك .

  412  والملاحظة الثانية أن الحكم الذي نحن بصدده – الإثبات بالبينة وبالقرائن لوجود تحايل علي القانون – وإن كانت تطبيقاته في الكثرة الغالبة منها ترد كما رأينا في نطاق إثبات ما يخالف الكتابة ، وقد عالجناه في هذا المكان لهذا السبب ، إلا أن ذلك لا يمنع من ورود تطبيقات له في نطاق إثبات وجود التصرف القانوني نفسه ، فيكون استثناء واردا علي الشق الأول من قاعدة وجوب الدليل الكتابي . ويقع ذلك عند إثبات الوفاء ، فمن وفي بدين غير مشروع ، وأراد استرداد ما وفي به ، جاز له أن يثبت الوفاء – وهو تصرف قانوني – بالبينة وبالقرائن ، ولو زادت قيمته علي عشرة جنيهات ، لوجود تحايل علي القانون ( [103] ) .


( [1] ) والقاعدة بشقيها والاستثناء بشقيه تعتبر جميعا من مسائل القانون ، فيخضع تطبيقها لرقابة محكمة النقض ( أوبري ورو 12 فقرة 766 ص 385 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1546 ص 558 – دي باج 3 فقرة 932 ) علي أنه لا تجوز إثارة هذه المسائل لأول مرة أمام محكمة النقض ، لأنها ليست من مسائل النظام العام كما سنري  .        

( [2] ) فالفقه الإسلامي لا يعتد باكتابة اعتداده بالشهادة  . فالشهادة عنده هي البينة التي لها المقام الأول في الإثبات  . أما الكتابة فيحذر منها كل الحذر ، لأن الخطوط – كما يقول الفقهاء – قابلة للمشابهة والمحاكاة  .

والواقع من الأمر أن الكتابة لم تكن في العصور الأولي التي ترعرع فيها الفقه الإسلامي منتشرة بين الناس ، ولم يكن فن الخط قد تقدم تقدمه في العصور التي تلت ، فكان من الصعب الاعتماد علي الكتابة في الإثبات ( انظر في هذا المعني موران Morand : دراسات في الفقه الإسلامي الجزائري ص 313 – ص 318 )  .

وقد آتي القرآن الكريم في أية المداينة بأرقي مباديء الإثبات في العصر الحديث  . قال الله تعالي : ” يأيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلي أجل مسمي فاكتبوه ، وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ، فليكتب ، وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ” فالأولوية في الإثبات إذن للكتابة  . ولكن لما كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك ، وتقف عن مجاراة هذا التقدم ، لم يستطع الفقهاء إلا أن يسايروا حضارة عصرهم ، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلي مقام تنزل عنه الكتابة نزولا بينا  . ومن العجيب أن عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت وراء تقديم الشهادة علي الكتابة ، فظل يردد ما قاله الفقهاء الأولون في تقديم الشهادة ، وذلك بالرغم من أنهم كانوا يستطيعون أن يقلبوا الوضع فيقدموا الكتابة ، بؤازرهم في ذلك انتشار الكتابة ، وتظاهرهم آيات القرآن الكريم  .

( [3] ) وقد رأينا أن المثل كان قد درج في القانون الفرنسي القديم علي أن ” الشهادة      فوق الكتابة ” أو كما يقول لوازيل Loisel :

( Temoins passent letters Institutes Coutumieres liv V tit V regl  . 5 )

( [4] ) ونثبت هنا الأصل الفرنسي لهذا النص الهام ، فهو المصدر التاريخي المباشر لقاعدة من أهم قواعد الإثبات وهو في الوقت ذاته يقرب كثيراً من نص المادة 1341 من التقنين المدني الفرنسي :

        Art 1341 : Il doit etre passé acte devant notaire ou sous signatures privees de toutes choses excedant la some ou la valeur de cent cinquante france, meme pour depots volontyaires, et il n’est recu aucune prevue par temoins contre et outré le contenu aux actes, ni sur ce qui serait allegue avoir et edit avant, lors ou depuis les actes, encore qu’il s’agisse d’une somme ou valeur moindre de cent cinquante francs  . Le tout sans prejudice de ce qui est prescrit dans le lois relatives au commerce  .

( [5] ) وهذا هو الأصل الفرنسي لنص المادة 1341 ، لمقارنته بمصدره التاريخي المتقدم الذكر :

Seront passes actes par devant notaries ou sous signature privèe, de touted choses excèdant la somme ou valeur de cent livers, meme pour dèpots volontaires, et ne sera recu aucune preuve par tèmoins contre et anvant, lors, ou depuis les actes, encor pu’il s’agisse d’une somme ou valeur moindre de cent livers, sans toutefois rien innover pour ce regard, en ce quis’observe en la justice des juges et consuls marchands  .

( Art  . 2  . Titre XX, Ordonnance de 1667 )  .

انظر في هذه المسألة أوبري ورو 12 فقرة 761 هامش رقم 1  .  

( [6] ) فينيه ( Fenet ) 13 ص 396 – لوكريه ( Locre ) 12 ص 527  .    

( [7] ) بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 762 هامش رقم 3 مكرر يضاف إلي هذه الأسباب      الثلاثة أن التصرف القانوني هو الذي تستطاع تهيئة الدليل الكتابي له عند وقوعه ، فهو وحده الواقعة القانونية التي تقبل عادة الدليل المهيأ ( prevue preconstituee ) هذا إلي أن الإرادة في القديم كانت الشكلية تحوطها فتجعلها بمنجاة من الغلط والسهو والتدليس والإكراه وغير ذلك من الشوائب فلما زالت الشكلية في انعقاد التصرف القانوني ، حلت الكتابة محلها في إثباته  . وما الكتابة إلا ضرب من ضروب الشكلية ، أكثر مرونة وأقل تعقيداً وأيسر كلفة  .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويرجع ما أصاب قيمة حجية البينة من تطور إلي عدم التيقن من سلامتها  . وقديما كان الإثبات بالبينة جائزاً في الشرائع اللاتينية دون قيد ، بسبب شكلية التصرفات القانونية بوجه خاص  . وكانت القاعدة السائدة إذ ذاك تقديم البينة علي الكتابة  . وقد أبقي تقنينا المرافعات الألماني والنمساوي علي هذه القاعدة  . ولكن سلطانها تزعزع في فرنسا من جراء التطور الذي بدأ بصدور أوامر مولان في سنة 1566  . وقد عرض واضعو المشروع الفرنسي الإيطالي لمسألة الإثبات بالبينة ، وجعلوا منها محلا لنقاشهم ( أنظر المذكرة الإيضاحية للمشروع الفرنسي الإيطالي ) ، وانتهوا من ذلك إلي أن العدول عن نظام تقييد الإثبات ، وعن إيثار الدليل الكتابي بالصدارة ، إن هو إلا نكوص عن المضي في سبيل التقدم  . وليس يقتصر الأمر في توجيه تقييد الإثبات بالبينة علي خطر إغراء الشهود والإدلاء بالشهادة زوراً ، بل هو يجاوز ذلك بوجه خاص إلي ما يقع من أخطاء الشهود بسبب ما قد يعوزهم من دقة الملاحظة ، أو قوة الذاكرة ، فضلا عن ندرة احتمال وجودهم إذا كان العقد قد تقادم علي الوقائع  . والواقع أن تحريف الشهادة أو تلفيقها لا يعتبر أهم خطر يعرض بشأن الإثبات بالبينة  . وإنما يتمثل هذا الخطر في انتفاء ضمانات فعلية لا حيلة للقانون فيها  . فقد أسفرت أحدث الدراسات النفسية ، كما أسفرت تجارب القضاء ، عن تناقض أقوال من يسمعون من الشهود في يوم وقوع الحادث ، مع القطاع بتوافر حسن النية فيهم  . فأي ضمان يكفل صحة الشهادة ودقتها إذا سمع الشهود بعد ذلك بعشر سنوات أو أكثر ، وأني لذي الشأن ببقاء الشهود علي قيد الحياة وإلمامه بمصائرها إذا قدر إجراء التحقيق بعد زمن طويل؟ والحق إن ما يعد ذوو الشأن من المحررات عند إنشاء التصرف القانوني كفيل بتحامي هذه الأخطار جميعا  . فإذا قرن ذلك بشيوع انعقاد التصرفات بالكتابة ، وتأصل الاطمئنان إليها في تقاليد العمل والتشريع ، ظهر وجه الإبقاء علي قاعدة تقييد الإثبات بالبينة وإيثار الكتابة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 394 – ص 395 )  .

( [8] ) تولييه 9 فقرة 36 – فقرة 41 – ماركادية م 1348 فقرة 8 – لارومبيير 5 م 1347 فقرة 1 – فقرة 2 – ديمولومب 30 فقرة 213 – لوران 19 فقرة 397 – أوبري ورو 12 فقرة 761 ص 299 وهامش رقم 5 – بودري وبارد 4 فقرة 2517 – بيدان وبرو 9 فقرة 1154 وقارن فقرة 1287 – كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 773 – جوسران 2 فقرة 203 – ليبال ( Le Balle ) في الاتفاقات الخاصة بطرق الإثبات في القانون المدني رسالة من باريس سنة 1923 – سيسيوريانو ( Sescioreano ) في الاتفاقات الخاصة بإثبات براءة ذمة المدين رسالة من باريس سنة 1920 – قارن بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1428  .       

( [9] ) ذلك أن هناك من الفقهاء الفرنسيين من يذهب مع القضاء الفرنسي إلي أن هذه القاعدة لا تعتبر من النظام العام : ديرانتون 13 فقرة 308 وفقرة 329 – بونييه 1 فقرة 177 – هيك 8 فقرة 290 – بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 762 هامش 3 مكرر – هيمار 2 فقرة 1808  .

( [10] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1428 – ويقول بيدان وبرو في هذا المعني أن القضاء بعد أن كان في القديم ذا صبغة تعاقدية فيما بين الخصوم ، أصبح الآن من شئون الدولة ومنذ رأي المشرع من المناسب أن يتدخل ليحد من تحكم القاضي وليمنعه من أن يكل نفسه إلي محض اقتناعه ، فقد قدر أن حسن تنظيم القضاء يجب حتما أن يعلو علي المصالح الخاصة للخصوم ، مهما كانت هذه المصالح مشروعة ، وإلا كان من الأيسر أن تترك للقاضي حريتة كاملة في الإثبات ( بيدان وبرو 9 فقرة 1154 )  .

( [11] ) وجاء في الموجز لمؤلف ، في هذا الصدد ما يأتي : ” عندما يتطلب القانون دليلا كتابيا ، يبرر الفقهاء ذلك عادة باعتبارات ثلاثة :  ( أولها ) حرص القانون علي التقليل من المنازعات والخصومات ، لأن الدائن إذا علم أن الدليل الكتابي واجب حرص علي الوصول إليه ، فلا يصير للمدين مجال كبير لإنكار الدين ومنازعة الدائن  . وكذلك الأمر من جهة الدائن الذي لم يصل إلي الدليل الكتابي المطلوب ، فإن أمله في كسب الدعوي يكون ضعيفا فيبعد عن التفكير في الالتجاء إلي التقاضي  . ( ثانيا ) عدم الطمأنينة إلي شهادة الشهود ، فإن الذاكرة البشرية يتطرق إليها من عوامل الضعف ما لا يعتري الورق المكتوب ، ولا يمكن الاحتراز من السهو والنسيان ( ثالثا ) عدم الثقة بالشهادة في جميع الأحوال ، فاحتمال شراء الشهود أو التأثير فيهم ليقرروا غير الواقع احتمال يتحقق كل يوم  . والاعتباران الأولان من شأنهما أن يجعلا القاعدة التي تتطلب الدليل الكتابي من النظام العام ، بعكس الاعتبار الثالث ( الموجز ص 700 هامش قم 7 )  .

( [12] ) وهناك من يذهب إلي التمييز بين الاتفاق علي الإثبات بالبيت حيث يجب ألإثبات بالكتابة – وهذا لا يجوز لأن الأصل في إثبات التصرفات المدنية هي الكتابة فلا يجوز الاتفاق علي الإثبات بغيرها – وبين الاتفاق علي الإثبات بالكتابة حيث يجوز الإثبات بالبينة ، وهذا يجوز لأن الإثبات بالبينة في التصرفات المدنية استثناء فالاتفاق علي الرجوع إلي الأصل جائز ( Juris – classeur 151 م 1341 – 1344 فقرة 9 – فقرة 17 )  .       

( [13] ) ويميز بعض بين الاتفاق مقدما علي طريق للإثبات غير الذي عينه القانون كتابة أو بينة – وهذا لا يجوز ، لأن النزاع لم يتحدد فلا يجوز تقييد الخصم مقدما فيل معرفة حدود النزاع ، بطريق للإثبات لم يعينه القانون – وبين الاتفاق علي طريق الإثبات الذي سلكه خصمه – وهذا جائز لأن النزاع قد تحدد والخصم قد قبل هذا الطريق للإثبات وهو عالم بمدي النزاع وأهميته فلا غرر في ذلك ( Juris – classeur 151 م 1341 – 1344 فقرة 9 – فقرة 17 )  .

بل هناك من يميز بين سكوت الخصم وعدم اعتراضه علي طريق الإثبات الذي سلكه خصمه وهذا السكوت لا يعتد به ويحتم القاضي أن يكون طريق الإثبات هو الطريق الذي عينه القانون – وبين رضاء الخصم بطريق الإثبات الذي سلكه خصمه رضاء صريحا – وهذا الرضاء الصريح يعتد به فيقر القاضي طريق الإثبات الذي ارتضاه الخصم  . ولا مبرر للتفريق ما بين الرضاء الصريح والرضاء الضمني ، فإذا جاز الرضاء الصريح وجب أن يجوز الرضاء الضمني ، وإذا لم يجز الرضاء الضمني وجب ألا يجوز الرضاء الصريح ( انظر في هذه المسألة أوبري ورو 12 فقرة 761 هامش رقم 5 )  .      

( [14] ) ويقول القضاء الفرنسي في هذا المعني :

L art  . 1341 est bien d interet general mais non d ordre public       

        ( نقض فرنسي 24 أغسطس سنة 1880 داللوز 80 – 1 – 477 – 21 أبريل سنة 1886 داللوز 86 – 1 – 393 – 17 ديسمبر سنة 1900 داللوز 1903 – 1 – 76 – أول أغسطس سنة 1906 داللوز 1909 – 1 – 398 ) وهكذا من يحسب أن القاعدة قد استلهمت في المكان الأول اعتبار تقليل المنازعات ، بعدم الالتجاء إلي الشهادة بقدر الإمكان ، يعتبرها من النظام العام  . ومن يحسبها قد استلهمت كأساس لها عدم الثقة في أمانة الشهود ، لإمكان التأثير فيهم ، لا يعتبرها من النظام العام ( Juris – classeur 151 م 1341 – 1344 فقرة 9 – فقرة 17 – أنظر أيضا الموجز للمؤلف ص 700 هامش رقم 7 )  .

( [15] ) ويقال في هذا المعني إن الاتفاق علي طريق للإثبات يمكن أن يكون عند تحليله بمثابة نزول عن الحق ، إما نزولا غير مقيد أو نزولا معلقا علي شرط  . فالاتفاق علي إثبات حق هو اتفاق علي الحق ذاته  . فإذا كا صاحب الحق يمكنه أن يتصرف في حقه ، فإنه يستطيع كذلك أن ينظم بالاتفاق طرقا لمنحه أو منعه ، ومن ثم يستطيع أن يخضعه لطريق معينة للإثبات   ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1428 )  .

( [16] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1428  .       

( [17] ) محكمة قارن الاستئنافية 25 فبراير سنة 1841 سيريه 41 – 2 – 427 – قارن : نقض فرنسي 6 يناير سنة 1936 داللوز الأسبوعي 1936 – 116 – 24 مارس سنة 1942 داللوز 1942 – 64 – 3 أغسطس سنة 1949 جازيت دي باليه 1949 – 2 – 106 بل ويجوز الاتفاق علي إعطاء القاضي حرية كاملة في الحكم بمقتضي اقتناعه الشخصي ( نقض فرنسي 13 ديسمبر سنة 1911 داللوز 1912 – 1 – 158 )  .   

( [18] ) بل يجوز الاتفاق علي أن يقصر الإثبات علي طريق محدد في طبيعته وفي شكله ( نقض فرنسي 8 أغسطس 1901 سيريه 1904 – 1 – 48 مع تعليق شوفجران ( Chauvehrin ) – 10 مارس سنة 1867 سيريه 77 – 1 – 338 – 23 نوفمبر سنة 1891 سيريه 95 – 1 – 402 – 30 يوليه 1884 داللوز 85 – 1 – 439 – 6 أغسطس 1901 داللوز 1901 – 1 – 472 )  . 

( [19] ) Juris – classeur 151 م 1341 – 1344 فقرة 9 – فقرة 17  .      

( [20] ) نقض فرنسي أول أغسطس 1906 داللوز 1909 – 1 – 398 – 6 يناير سنة 1936 جازيت دي باليه 1936 – 1 – 576 ( يعتبر الخصم متنازلا عن حقه في التمسك بالإثبات بالكتابة إذا اشترك في التحقيق الذي أمرت به المحكمة أو طلب إجراء تحقيق مضاد لنفي التحقيق الأول ) – نقض فرنسي 5 مايو سنة 1941 سيريه 1941 – 1 – 174 ( وكذلك إذا حضر أمام الخبير ) – محكمة كولمار 4 نوفمبر سنة 1932 جازيت دي باليه 1933 – 1 – 232 – ( بل إذا هو لم يعارض في إجراء التحقيق )  .       

( [21] ) نقض فرنسي 26 يونية سنة 1882 داللوز – 183 – 78 – 8 يونية سنة 1896 داللوز 1897 – 1 – 464 – 15 ديسمبر سنة 1903 سيريه 1907 – 1 – 369 – 22 فبراير 1911 داللوز 1913 – 1 – 360 – 26 مارس سنة 1935 سيريه 1936 – 1 – 181 – 6 يناير سنة 1936 داللوز الأسبوعي 1936 – 115 – 12 مايو سنة 1936 داللوز الأسبوعي 1936 – 410 – 24 مارس سنة 1942 داللوز 1942 – 64 – 19 يونية سنة 1947 جازيت دي باليه 1947 – 2 – 84 ، محكمة النقض البلجيكية 30 يناير سنة 1947 باسيكريزي 1947 – 1 – 29  .

انظر في أحكام القضاء الفرنسي في هذه المسائل بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1520 – بديان وبرو 9 فقرة 1155  .    

( [22] ) والتون 1 ص 319 – الأستاذ أحمد نشأت في الإثبات 1 فقرة 93 – وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه يجوز الاتفاق علي الإثبات بالكتابة فيما لا يزيد علي عشرة جنيهات ، كما إذا اتفق علي ألا يعتبر السداد إلا بإيصال أو استلام سند الدين مؤشراً عليه بالسداد ( استئناف مصر 16 نوفمبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 133 ص 180 – انظر أيضا : استئناف أهلي 16 فبراير سنة 1904 المجموعة الرسمية 6 رقم 7 ص 13 – 25 فبراير سنة 1906 الاستقلال 5 ص 170 – 18 يناير سنة 1909 الحقوق 24 ص 267 – الأقصر 14 أبريل سنة 1920 المحاماة 1 رقم 34 ص 207 )  . وقضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه متي نص في عقد ولو في مسائل التجارة علي أن براءة الذمة لا تثبت إلا بتسليم السند أو بمخالصة بالكتابة ، فالإثبات لا يمكن حصوله بالبينة ( استئناف أهلي 16 فبراير سنة 1904 المجموعة الرسمية 6 رقم 7 )  . وقضت محكمة جرجا بأن اشتراط المدين علي نفسه في سند دين قيمته أربعمائة قرش الإدعاء ببراءة ذمته إلا باستلام السند نفسه أو مخالصة ممضاة من الدائن ، وألا عبرة بالإثبات بالبينة ، هو شرط يجب اعتباره صحيحا ، فإن الشارع وضع حداً للشهادة الشفوية تخوفا منها واحترازاً ، وإنما أجازها القانون في الأحوال التي أجازها لفائدة المتعاقدين الذين لهم التنازل عنها ( جرجا 13 أكتوبر سنة 1902 المجموعة الرسمية 6 رقم 10 )  . وقضت محكمة الأقصر بأن الشرط الذي يذكر في سند دين بخمسمائة قرش علي أن الدفع لا يثبت إلا بالكتابة ، وأن الإثبات بالبينة لا يقبل ، هو شرط صحيح لأنه لا يخالف النظام العام ( الأقصر 16 ديسمبر سنة 1903 المجموعة الرسمية 6 رقم 11 )  . وقضت محكمة عابدين بأنه إذا نص في السند علي أنه لا تبرأ ذمة المدين من المبلغ المبين به إلا باستلامه مؤشراً عليه بالسداد ، وأنه لا تجوز الشهادة في ذلك ، كان طلب المدين الإحالة علي التحقيق لإثبات براءة ذمته من جزء من المبلغ غير مقبول ( عابدين 14 يونيه سنة 1938 المحاماة 20 رقم 515 ص 1240 ) وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن الاتفاق في سند الدين علي أن الوفاء يجب إثباته بالكتابة ، ولا يجوز إثباته بالبينة حتي فيما يجوز قانونا إثباته بالبينة ، هو اتفاق صحيح ويجب إعماله ( استئناف مختلط 19 يناير سنة 1916 م 28 ص 115 – انظر أيضا : استئناف مختلط 23 يناير سنة 1895 م 7 ص 96 – 5 أبريل سنة 1916 م 28 ص 234 – 31 مايو سنة 1922 م 34 ص 440 )  .

( [23] ) الأستاذ أحمد نشأت في الإثبات 1 فقرة 92 – وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن الإثبات بالكتابة فيما زاد علي ألف قرش هو أمر من النظام العام ، وبأن للمحكمة أن تحكم بعدم جواز الإثبات بالبينة في هذه الأحوال حتي لو قبل الخصوم الإثبات ، كما أن لها ان تحكم بذلك في أية حالة كانت عليها الدعوي ( استئناف مصر 19 يناير سنة 1937 المحاماة 17 رقم 535 ص 1053 )  . وقضت محكمة بني سويف الكلية بأنه لا يجوز للخصوم الاتفاق علي ما يخالف القاعدة المقررة في المادة 215 مدني ( م 400 جديد ) التي تقضي بعدم جواز الإثبات بالبينة فيما يزيد علي عشرة جنيهات ، إذ أن الشارع في تقريره هذه القاعدة لم يتوخ إلا مصلحة النظام العام ( بني سويف الكلية 30 ديسمبر سنة 1922 المجموعة الرسمية 24 رقم 88 )  . 

( [24] ) والتون 1 ص 318 – ص 319 – وهذا هو الرأي الذي كان القضاء يسير عليه في الكثرة الغالبة من أحكامه  . والأحكام التي نذكرها فيما يلي تشير إلي جواز تراضي الخصمين أثناء الدعوي علي قبول البينة في الإثبات ، ولم يعرض أي من هذه الأحكام إلي جواز الاتفاق مقدما علي جواز الإثبات بالبينة :

قضت محكمة النقض بأن الإثبات بالبينة في الأحوال التي لا يجوز فيها ذلك ليس من النظام العام  . فإذا طالب شخص بمبلغ يزيد علي الحد الجائز فيه الإثبات بالبينة والقرائن ، مستنداً في ذلك إلي عقد رهن قال إنه سرق منه في حادثة جنائية ، وطلب الإثبات بالبينة ، ولم يدفع المدعي عليه بعدم جواز ذلك ، كما أنه لم يبد اعتراضا منذ تنفيذ الحكم الصادر بإحالة الدعوي إلي التحقيق ، فهذا يعتبر قبولا من للإثبات بالبينة يمتنع معه علي المحكمة الاستئنافية أن تتعرض من تلقاء نفسها لهذا الأمر ( نقض مدني 7 أبريل سنة 1938 مجموعة عمر 2 رقم 107 ص 316 ) وقضت محكمة النقض في دائرتها الجنائية بأن السكوت عن التمسك بالدفع بعدم جواز الإثبات بالبينة قبل البدء في سماع الشهادة مسقط له ، إذ الأصل أن الذي يدعي عليه بحق كما يملك الاعتراف به لصاحبه ، بطريق خاص قانعا منه بغيره ، لأن مراعاة قواعد الإثبات لا تتعلق بالنظام العام ( نقض جنائي 8 نوفمبر سنة 1928 المحاماة 9 رقم 1 ص 10 ) وقضت أيضا بأن الدفع بأن المحكمة أخطأت إذا أخذت بشهادة الشهود في إثبات ما تزيد قيمته علي ألف قرش ليس من النظام العام ، فلا يجوز التمسك به لأول مرة لدي محكمة النقض ( نقض جنائي 2 ديسمبر سنة 1940 المحاماة 21 رقم 294 ص 678 ) وقضت أيضا بأن سكوت المتهم بالتبديد عن التمسك قبل البدء في سماع شهادة الشهود بعدم جواز إثبات تسلمه المال المدعي تبديده بالبينة مسقط لحقه في الدفع بذلك  . إذ الأصل أن المدعي عليه بحق ما دام له أن يعترف بالحق المدعي به فيعفي المدعي من أن يقدم أي دليل عليه ، فأنه يكون له أن يتنازل ولو ضمنا عن حقه في مطالبة المدعي من أن يقدم أي دليل عليه ، فأنه يكون له أن يتنازل ولو ضمنا عن حقه في مطالبة المدعي بالإثبات بالطريق المعين في القانون اكتفاء بغيره ، ومراعاة قواعد الإثبات في المواد المدنية لا شأن لها بالنظام العام  . وإذن فإذا كان المتهم لم يوجه أي اعتراض علي سماع شهادة الشهود قبل البدء في إدلائهم بالشهادة ، حتي ولا بعد الانتهاء من سماعهم ، فإن ذلك منه يعد تنازلا عن حقه في مطالبة المجني عليه بالإثبات بالكتابة إذا كان الحق المطالب به مما يجب إثباته بالكتابة ، ويمنعه من أن يتمسك بهذا الدفع أمام المحكمة الاستئنافية فيما بعد ( نقض جنائي 5 يناير سنة 1942 المحاماة 22 رقم 215 ص 638 )  . وقضت أيضا بأن القيود التي جاء بها القانون المدني في مواد الإثبات لم توضع للمصلحة العامة وإنما وضعت لمصلحة الأفراد ، فالدفع بعدم جواز إثبات الحق المدعي به بالبينة يجب علي من يريد التمسك به أن يتقدم به إلي محكمة الموضوع  . فإذا هو لم يثر شيئا من ذلك ، بل ناقش أقوال الشهود الذين سمعوا في مواجهته ، فإنه يعتبر متنازلا عن حقه في الإثبات بالطريق الذي رسمه القانون ، ولا يكون له من بعد أن يتمسك بهذا الدفع أمام محكمة النقض ( نقض جنائي 26 أكتوبر سنة 1942 المحاماة 23 رقم 160 ص 375 )  . وقضت أيضا بأن قواعد الإثبات في المواد المدنية ليست متعلقة بالنظام العام ، فيجب علي من يدعي عدم جواز إثبات الحق المدعي عليه به بالبينة أن يدفع بذلك لدي محكمة الموضوع قبل سماع الشهود  . فإذا هو لم يتقدم بهذا الدفع إلا بعد سماع الشهود ، فلا يكون له أن يرجع عما سبق أن قبله ضمنا من جواز الإثبات بالبينة ( نقض جنائي 3 نوفمبر سنة 1943 المحاماة 22 رقم 150 ص 456 )  . انظر أيضا في هذا المعني : نقض جنائي 27 أبريل سنة 1942 المحاماة 23 رقم 81 ص 197 – 19 أبريل سنة 1943 المحاماة 25 رقم 101 ص 534 – 5 فبراير سنة 1945 المحاماة 27 رقم 128 ص 312 – 18 ديسمبر سنة 1950 المحاماة 32 رقم 465 ص 1423 – 22 يناير سنة 1951 المحاماة 33 رقم 81 ص 177 – 4 فبراير سنة 1952 المحاماة 34 رقم 481 ص 1154 )  .

ويجوز للخصوم ، بعد أن تراضوا علي أن يشهدوا شخصا معينا ، أن يشهدوا شاهدا غيره ( نقض مدني 4 نوفمبر سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 335 ص 657 )  . ولا يعتبر الاتفاق علي إثبات الحالة بمعرفة خبير معين مانعا من رفع دعوي إثبات الحالة بخبير يعينه قاضي الأمور المستعجلة ( مصر الكلية مستعجل 10 أغسطس سنة 1932 المحاماة 13 رقم 372 ص 755 )  .

( [25] ) وكان هذا هو رأينا في عهد التقنين المدني السابق  . وكتبنا في الموجز في هذا المعني ما يأتي : ” ويمكن القول بشيء من التعميم أن عدم اعتبار قواعد الإثبات من النظام العام هو الرأي الذي يذهب إليه القضاء في فرنسا ، ويقول به الفقه في مصر ، ويجنح إليه القضاء المصري في بعض تطبيقاته  .  .  .    ولا يخالفه إلا الفقه الفرنسي دون أن تصل هذه المخالفة إلي حد الإجماع  . ونحن نؤيد هذا الرأي ، لأن قواعد الإثبات إذا كانت في الأصل موضوعة لضمان حسن سير العدالة والتقاضي ، إلا أن هذا لا يمنع الخصوم إذا رأوا ، فيما يتعلق بمصالحهم الشخصية ، إلا بأس عليهم من اتباع قاعدة دون أخري ، أن يتفقوا علي ذلك  . فهم أحرار في تقدير ما يرونه صالحا ، ما دام الحق المتنازع عليه لا يمس النظام العام  . وهم قادرون علي التنازل عن هذا الحق ، فيستطيعون ، من باب أولي ، رسم طريق خاص لإثباته  . لاسيما ان القاعدة الأساسية في النظام القضائي هي حياد القاضي ،وتركه الخصوم يديرون دفة الدعوي كما يريدون في الحدود المشروعة ومن رأينا أنه يجوز الاتفاق علي الإثبات بالكتابة حيث يجوز الإثبات بالبينة ، ويجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة حيث يجب الإثبات بالكتابة سواء كان هذا الاتفاق وقت رفع الدعوي ، أو من طريق تنازل أحد الخصوم عن حقه في الاستمساك بالإثبات بالكتابة ، أو كان الاتفاق مقدما قبل قيام النزاع  . ولا نستثني إلا فرضا واحدا : حيث يكون الحق المتنازع عليه معتبراً من النظام العام ، كما إذا وقع نزاع علي الزوجية أو البنوة أو نحو ذلك ، وكان القانون يتطلب طريقا معينا للإثبات ، فلا يجوز للخصوم أن يتفقوا علي طريق آخر ، لأن الحق المدني الذي يراد إثباته من النظام العام ، فيمتنع علي الخصوم أن يحيدوا عن طريق الذي رسمه المشرع لإثبات هذا الحق ، مراعاة للاعتبارات التي لوحظت في جعل الحق من النظام العام  . فالعبرة إذن ليست بقاعدة الإثبات نفسها ، بل بالحق الذي يراد إثباته ” ( الموجز فقرة 670 ص 700 – ص 701 )  .

( [26] ) انظر المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذه المسألة ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 397 – ص 399 ) وأخص ما ورد في هذه المذكرة صريحا في المعني الذي نقول به ، من أن التقنين الجديد يجيز الاتفاق علي الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة ، هو ما يأتي : ” وقد كان المشرع بين أن يرفع قيمة نصاب البينة وبين أن يجيز الاتفاق علي مخالفة وجوب الإثبات بالكتابة ، ولاسيما بعد أن قضت محكمة النقض بجواز هذه الاتفاق ( نقض مدني 7 أبريل سنة 1938 المجموعة الرسمية 39 ص 481 رقم 188 – ومجموعة أحكام النقض 2 ص 316 رقم 107 )  . وقد رؤي التمشي مع مذهب هذا القضاء  . علي أن أمر الخيار في هذا الشأن لا يزال موكولا للاستحسان ، فليس ثمة ما يحول دون العدول عن هذا المذهب والنص علي رفع نصاب الشهادة ، مع حظر الاتفاق علي خلاف القواعد المتعلقة بالإثبات ” وظاهر أن التقنين الجديد اختار الرأي الأول ، فلم يرفع نصاب الشهادة وأباح الاتفاق علي خلاف القواعد المتعلقة بالإثبات  .

( [27] ) وتقع هذه التعديلات الاتفاقية في طرق الإثبات أكثر ما تقع في العقود مع الملتزمين بالمرافق العامة ، من ماء ونور ونقل وتأمين وغير ذلك  . ويلاحظ عند ذلك ذلك أنها تقع في الغالب في عقود إذعان ، فيكون تفسيرها لمصلحة المذعن ، ويجوز أن تكون تعسفية فيبطلها القاضي أو ينتقص منها  .   

( [28] ) ويقول بهذا الرأي الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات ص 20 – ص 22 – انظر أيضا من هذا الرأي الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 674 – ويذهب الأستاذ سليمان مرقس إلي أن المقصود بإمكان الاتفاق علي جواز الإثبات بالبينة وفقا لنص الفقرة الأولي من المادة 400 هو أن يكون هذا الاتفاق بعد قيام النزاع ، حيث يكون الخصم في موقف يسمح له بتقدير ما يتعرض له بقبول الإثبات بالبينة ، أما الاتفاق سلفا علي التحلل من وجوب الإثبات بالكتابة فإن فيه نوعا من المضاربة ، هذا إلي أنه من الصعب تصوره ، وإلي ان التقنين الجديد أشار إلي حكم لمحكمة النقض لم يعرض إلا للاتفاق بعد قيام النزاع ( أصول الإثبات ص 370 ص 373 انظر أيضا الأستاذ عبد الباسط جميعي في نظام الإثبات ص 158 – ص 160 ) ونأخذ علي هذا الرأي أنه يواجه في التقنين الجديد نصا مطلقا لا يميز بين اتفاق تم بعد قيام النزاع واتفاق تم قبل ذلك ، فكلاهما جائز بصريح النص  . أما الغرر الذي يحتج به في حالة الاتفاق قبل قيام النزاع فلم يبلغ من الشأن ما يعيب الاتفاق إلي حد أن يجعله باطلا ، وما أيسر علي الخصم أن يتجنبه إذا خشيه بأن ينبذ أي اتفاق من هذا القبيل  . وليس من الصعب تصور اتفاق علي جواز الإثبات بالبينة قبل قيام النزاع ، ويكفي لتصوره أن نفرض سند الدين مكتوبا وقد نص فيه علي جواز إثبات وفاء الدين بالبينة  . وإذا كانت المذكرة الإيضاحية قد استشهدت بحكم ورد في حالة الاتفاق بعد قيام النزاع ، فذلك لأن واضع هذه المذكرة لم يكن أمامه حكم ورد في الحالة الأخري ، فلم يسعه إلا الاستشهاد بذلك الحكم  . علي أن محكمة النقض ، كما أريناها ، تطلق القول في أن قواعد الإثبات ليست من النظام العام ، ولا تقصر قولها هذا علي حالة دون حالة  .

ويري الأستاذ أحمد نشأت أن المادة 400 من التقنين الجديد جاءت مطلقة ، فسوت بين الاتفاق السابق علي رفع الدعوي والاتفاق اللاحق ، وكلاهما جائز  . ولكنه يري أنه ” كان يحسن بالشارع في القانون المدني الجديد أن يفرق بين حالة الرضا صراحة أو دلالة أثناء سير الدعوي وبين حالة الاتفاق مقدما عند التعاقد أو قبل رفع أي دعوي حيث يخشي أن يقصد المتعاقدان المضاربة بالشهود ” ( الإثبات 1 ص 99 – ص 100 ) واحتمال المضاربة بالشهود أضعف من أن يقوم مبرراً للخروج علي أصل ثابت في القانون ، هو أن صاحب الحق إذا استطاع التصرف فيه ، فأولي به أن يستطيع تنظيم طريق لإثباته  .  

( [29] ) تاريخ النص : ورد نص المادة 400 من التقنين المدني الجديد في المادة 538 من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” 1 – إذا كان الالتزام التعاقدي ، في غير المواد التجارية ، تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، أو كان غير محدد القيمة ، فلا تجوز البينة في إثبات وجود الالتزام أو التخلص منه ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك  . 2 – ويقدر الالتزام باعتبار قيمته وقت تمام العقد  . ويجوز الإثبات بالبينة إذا كانت زيادة الالتزام علي عشرة جنيهات لم تأت إلا من ضمن الفوائد والملحقات إلي الأصل  . 3 – وإذا اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ، لم يقم علي أيها دليل كتابي ، جاز الإثبات بالبينة في طلب لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، حتي لو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد علي هذه القيمة ، وحتي لو كان منشؤها علاقات بين نفس الخصوم أو عقوداً من طبيعة واحدة  . وكذلك الحكم في كل وفاء تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ” وفي لجنة المراجعة غيرت عبارة ” الالتزام التعاقدي ” بعبارة ” التصرف القانوني ” في الفقرة الأولي ليكون الحكم أكثر دقة ، فلا يتناول العقود فحسب ، بل ينسحب علي سائر التصرفات القانونية ، ولا يخرج من نطاقه إلا الوقائع المادية والتصرفات التجارية  . وأضيفت عبارة ” ناشئة عن مصادر متعددة ” بعد عبارة ” طلبات متعددة فقرة الفقرة الثالثة لتزيد الحكم الوارد فيها وضحا ، كما أدخلت بعض تعديلات لفظية أخري ومنها حذف عبارة ” لم يقم علي أيها دليل كتابي ” لعدم الحاجة إليها ، فأصبح نص المادة مطابقا تقريبا لما استقر عليه النص في التقنين الجديد ، وأصبح رقمها 413 في المشروع النهائي  . ووافق مجلس النواب علي النص بعد استبدال كلمة ” انقضائه ” بعبارة ” التخلص منه ” الواردة في الفقرة الأولي  . ووافقت لجنة مجلس الشيوخ علي المادة دون تعديل ، وأصبح رقمها 400 ووافق عليها مجلس الشيوخ ( مجموع الأعمال التحضيرية 3 ص 393 و ص 400 – ص 401 )  .

( [30] ) تاريخ النص : ورد نص المادة 401 من التقنين المدني الجديد في المادة 539 من المشروع التمهيدي علي وجه مطابق تقريبا  . ,أضافت لجنة المراجعة عبارة ” ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيها ” في صدور المادة ، فأصبحت مطابقة لما استقر عليه النص ، وأصبح رقم المادة 414 في المشروع النهائي  . ووافق عليها مجلس النواب ، ثم لجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 401 ، ثم مجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 402 و ص 404 )  .        

( [31] ) وكانت المادة 215 / 280 من التقنين المدني السابق تنص علي ما يأتي : ” في جميع المواد ، ما عدا التجارية ، إذا كان المدعي به عبارة عن نقود أو أوراق تزيد قيمتها عن ألف قرش ديواني أو غير مقدرة ، فالأخصام الذين لم يكن لهم مانع منعهم من الاستحصال علي كتابة مثبتة للمدين أو للبراءة لا يقبل منهم الإثبات بالبينة ولا بقرائن الأحوال  .

وكانت المادة       216 / 281 تنص علي ما يأتي : ” إنما لهم استجواب الخصم علي حسب القواعد المقررة في قانون المرافعات للاستحصال علي إقراره أو تكليفه باليمين ”  .

ولا فرق في الأحكام ما بين نصوص التقنين الجديد ونصوص التقنين القديم ، غير أن النصوص الأولي أدق صياغة وأكثر تفصيلا ، لاسيما في تحديد أن المراد هو التصرف القانوني دون الواقعة المادية ، وفي عدم قصر محل التصرف علي النقود والأوراق ، وفي كيفية تقدير قيمة التصرف القانوني في الصور المختلفة التي يغلب وقوعها في العمل علي وجه يخالف في بعض هذه الصور التقنين المدني الفرنسي كما سنري  .

( [32] ) نصوص التقنينات المدنية العربية الأخري : قانون البينات السوري م 52 : يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات غير التعاقدية  . م 53 : في الالتزامات التعاقدية يراعي في جواز الإثبات بالشهادة وعدم جوازه الأحكام الآتية  . م 54 : 1 – إذا كان الالتزام التعاقدي في غير المواد التجارية تزيد قيمته علي مائة ليرة أو كان غير محدد القيمة ، فلا تجوز الشهادة في إثبات وجود الالتزام أو البراءة منه ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك  . أما في الالتزامات التجارية إطلاقا وفي الالتزامات المدنية التي لا تزيد قيمتها علي مائة ليرة فيجوز الإثبات بالشهادة  . والباقي من النص يطابق تقريبا الفقرتين 2 و 3 من المادة 400 من التقنين المدني المصري م 55 : تطابق تقريبا نص المادة 401 من التقنين المدني المصري  . ونري من ذلك ألا خلاف في الأحكام ما بين القانون السوري والتقنين المصري ، حتي في نصاب البينة ، فهو مائة ليرة في القانون السوري ، ويعادل تقريبا عشرة جنيهات مصرية  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني م 241 : إن العقود أو غيرها من الأعمال القانونية التي يقصد بها إنشاء موجبات وحقوق أو انتقالها أو إسقاطها لا يجوز إثباتها بالبينة الشخصية إذا كانت قيمتها تتجاوز خمسا وخمسين ليرة لبنانية سورية ، بل يجب أن ينشأ لها سند لدي الكاتب العدل أو سند ذو توقيع خاص م 242 : تقبل البينة الشخصية : ( 1 ) في المواد التجارية  . ( 2 ) إذا كان ما يراد إثباته ليس عملا قانونيا بل مجرد فعل مادي كالجرم أو شبه الجرم أو شبه العقد  . وليس العمل القانوني الذي يعقد بين شخصين أو عدة أشخاص إلا فعلا ماديا بالنظر إلي الأشخاص الآخرين الذين لا علاقة لهم به ، فيجوز لهؤلاء أن يثبتوه علي هذا الوجه  . ( 3 )  .  .  . م 243 : في الدعاوي التي تزيد قيمتها عن خمس وخمسين ليرة لبنانية سورية  . تبقي البينة الشخصية غير مقبولة فيها وإن تكن قيمة المطلوب تقل عن هذا المبلغ  . وعليه فإن طلب مبلغ يقل عن خمس وخمسين ليرة لبنانية سورية لا يجوز إثباته بالبينة الشخصية إذا كان هذا المبلغ بقية أو جزءاً من دين تزيد قيمته علي خمس وخمسين ليرة لبنانية سورية ولم يثبت بسند خطي م 244 : يجب أن تقدر قيمة الدعوي بالنظر إلي الزمان والمكان اللذين تم فيهما العمل القانوني م 245 : إذا كانت القيمة المتنازع عليها تزيد عل خمس وخمسين ليرة لبنانية سورية ، فلا يجوز للمدعي أن يجزيء طلبه ، ولا أن يتنازل عن قسم من دينه ، ليجعل قيمته أقل من خمس وخمسين ليرة لبنانية سورية ، إذ أن العبرة لقيمة الحق المتنازع عليه لا لقيمة الطلب – م 246 : إذا كان للمدعي علي المدعي عليه عدة حقوق متميزة أصلا وسببا ، وكانت قيمة كل منها تنقص عن خمس وخمسين ليرة لبنانية سورية مع أن قيمة المجموع تزيد علي هذا المبلغ ، فإن البينة الشخصية تقبل من المدعي ولو أقام دعوي واحدة للمطالبة بحقوقه المتعددة  . ( وأحكام التقنين اللبناني تتفق مع أحكام التقنين المصري ، بالرغم مما بينهما من اختلاف في الصياغة والأسلوب والألفاظ  . غير أن نصاب البينة في التقنين اللبناني    هو خمس وخمسون ليرة لبنانية سورية ، وقيمتها أقل من عشرة جنيهات مصرية )  .

التقنين المدني العراقي : المواد 486 إلي 496 تطابق تقريبا نصوص قانون البينات السوري ، وتقرب كثيراً من نصوص التقنين المدني المصري  . ولا تختلف أحكام هذه المواد عن أحكام التقنين المصري ، حتي في نصاب البينة ، فهو عشرة دنانير في التقنين العراقي ، وهي قيمة تساوي تقريبا عشرة جنيهات مصرية  .

التقنين المدني للمملكة المتحدة الليبية م 387 : مطابقة للمادة 400 من التقنين المدني المصري – م 388 : مطابقة للمادة 401 من التقنين المدني المصري  . فالأحكام في التقنينين إذن واحدة ونصاب البينة هو عشرة جنيهات ليبية وتساوي تقريبا عشرة جنيهات مصرية  .

( [33] ) التقنين المدني الفرنسي : م 1341 سبق إيرادها – م 1342 : تسري القاعدة المتقدمة ( ضرورة الإثبات بالكتابة ) في حالة ما إذا اشتملت الدعوي ، فوق المطالبة بالأصل ، علي المطالبة بالفوائد ، وكان الأصل مضموما إليه الفوائد يزيد علي خمس آلاف فرنك ( يخالف هذا الحكم الفقرة 2 من المادة 400 من التقنين المدني المصري ) – م 134 : إذا طالب شخص بما يزيد علي خمس آلاف فرنك ، فلا يجوز له الإثبات بالبينة حتي لو أنقص طلبه الأصلي ( يوافق هذا الحكم حرف ( جـ )  من المادة 401 من التقنين المدني المصري ) – م 1344 : لا يجوز الإثبات بالبينة في طلب ولو قل عن خمسة آلاف فرنك ، إذا ظهر أن هذا الطلب هو الباقي أو هو جزء من حق أكبر لم يثبت بالكتابة ( يوافق هذا الحكم حرف ( ب ) من المادة 401 من التقنين المدني المصري ) – م 1345 : إذا اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ، لم يقم علي أيها دليل كتابي ، وكان مجموع هذه الطلبات يزيد علي خمسة آلاف فرنك ، فلا يجوز الإثبات بالبينة ، حتي لو قرر المدعي أن هذه الطلبات تولدت من مصادر متنوعة ونشأت في أوقات مختلفة ، إلا أن تكون حقوقا انتقلت إليه بطريق الميراث أو الهبة أو غير ذلك من أشخاص متعددين( يخالف هذا الحكم حكم الفقرة 3 من المادة 400 من التقنين المدني المصري ) – م 1346 : جميع الطلبات التي ليس عليها دليل كتابي كامل ، أيا كان مصدرها ، يجب ضمها في دعوي واحدة  . ولا يقبل بعد ذلك أي طلب لا يكون عليه دليل كتابي( يخالف هذا الحكم أحكام القانون المصري )  .

( [34] ) وكان التقنين المدني السابق ( م 363 / 446 ) يوجب أن يكون إثبات عقد الإيجار بالكتابة ولو لم تجاوز قيمته عشرة جنيهات  . هذا أما الهبة والرهن الرسمي والوقف وبيع السفينة فتصرفات شكلية ، الكتابة فيها لانعقاد التصرف لا لمجرد إثباته  .

( [35] ) وغني عن البيان ان التصرف القانوني ، إذا كانت الكتابة واجبة في إثباته ، يثبت أيضا في هذه الحالة بالإقرار وباليمين ( استئناف مختلط 6 يونية 1889 م 1 ص 168 – 13 فبراير سنة 1890 م 2 ص 231 – 7 يناير سنة 1891 م 3 ص 106 – 2 يناير سنة 1896 م 8 ص 67 – 6 فبراير سنة 1896 م 8 ص 215 – أول أبريل سنة 1897 م 9 ص 255 – 19 ديسمبر سنة 1922 م 35 ص 111 – 29 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 109 – 27 مايو سنة 1924 م 36 ص 387 – 8 مايو سنة 1930 م 42 ص 485 – 13 ديسمبر سنة 1939 م 52 ص 47  .  

( [36] ) أما التصرف المدني ، ولو كان بين تاجرين ، فيدخل في القاعدة ( استئناف مختلط 13 مايو سنة 1930 م 42 ص 493 – 14 مارس سنة 1934 م 46 ص 212 )  .

( [37] ) أما الوديعة الاضطرارية فتثبت بجميع الطرق لوجود المانع من الكتابة ، وسيأتي بيان ذلك  . وفي خصوص الوديعة الاختيارية ، يلاحظ أن المادة 1341 من التقنين المدني الفرنسي ذكرتها صراحة  . والسبب في ذلك أن أمر مولان ( Moulin ) الذي سبقت الإشارة إليه كان عاما يشمل الوديعة وغيرها من التصرفات ، ولكن لما كان المودع عنده شخصا متفضلا يتبرع عادة بحفظ الوديعة ، فيتحرج المودع أن يطالبه بوثيقة مكتوبة لإثبات الوديعة ، فقد قيل في ذلك الوقت إن الوديعة لا يلزم في إثباتها الكتابة ، فجاء أمر سنة 1667 يذكرها صراحة علي أنها داخلة في القاعدة وأن الكتابة لإثباتها واجبة ، حتي يزيل هذا اللبس  . وانتقل هذا النص الصريح إلي المادة 1341 ( بوتييه في الالتزامات فقرة 787 – بودري وبارد 4 فقرة 2523 )  .

( [38] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الاستبدال ( التجديد ) حقيقة قانونية إن صح القول فيها بأنها لا تفترض كما نص علي ذلك في المادة 1273 من القانون الفرنسي ، فهي من الحقائق المركبة التي كما يمكن إثباتها بالكتابة الصريحة يصح إثباتها بطريق الاستنتاج كمبدأ الإثبات بالكتابة تعززه القرائن وظروف الأحوال     المؤيدة له ( نقض مدني 27 مايو سنة 1937 المجموعة الرسمية 38 رقم 10 ص 12 )  .

( [39] ) وكذلك الإبراء في التقنين المدني السابق ، إذ كان يتم بالاتفاق ، لا بالإرادة المنفردة كما هو الأمر في التقنين المدني الجديد  . 

( [40] ) وقد قدمنا أنه إذا كان التعبير عن الإرادة في العقد يستخلص من وضع مادي ، وجب التمييز بين التعبير عن الإرادة في ذاته ، ويكفي فيه هذا الوضع المادي ، وبين إثبات هذا التعبير ، ولا يجوز إلا بالكتابة فيما يجاوز النصاب  . ومن ذلك القسمة ، والهبة اليدوية والوكالة الضمنية ( بيدان وبرو 9 فقرة 1259 ص 340 – ص 341 وأحكام القضاء الفرنسي التي أشير إليها في هذا المرجع – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1517 )  .  

( [41] ) لا رومبيير 6 م 1341 فقرة 6 – ديمولومب 30 فقرة 14 – لوران 19 فقرة 406 – هيك 8 فقرة 28 – أوبري ورو 12 فقرة 762 هامش رقم 1 – بودري وبارد 4 فقرة 2522 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1517 – بيدان وبرو 9 فقرة 1259 ص 340 – وقد ورد عكس ذلك خطأ في الموجز ص 698  .

هذا وقد قدمنا ، في تاريخ نص المادة 400 ، أن المشروع التمهيدي كان يتضمن عبارة ” الالتزام التعاقدي ” ، فغيرت هذه العبارة في لجنة المراجعة بعبارة ” التصرف القانوني ” حتي يتناول الحكم ، لا العقود فحسب بل ينسحب أيضا علي سائر التصرفات القانونية ، ولا يخرج من نطاقه إلا الوقائع المادية والتصرفات التجارية  . وكان المشروع الأولي للإثبات ( م 23 ) يذكر عبارة ” التصرف القانوني ” ، التي عدل عنها إلي عبارة ” الالتزام التعاقدي ” في المشروع التمهيدي ، ثم صححت العبارة في المشروع النهائي كما تقدم القول ( انظر في هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 352 هامش رقم 2 )  .

وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويشترط لتطبيق الحكم الوارد في المادة 538 من المشروع توافر شرطين ” يتعلق أولهما بطبيعة التصرف الذي يجري إثباته ، ويتصل الثاني بقيمة هذا التصرف  . ويراعي بالنسبة للشرط الأول ، وهو الخاص بطبيعة التصرف ، أن التقنين الفرنسي ( م 1341 ) قد استعمل في معرض بيان هذه الطبيعة عبارة ” كل شيء ” وأن التقنين المصري ( السابق ) قد جعل من اصطلاح ” جميع المواد ” بديلا من هذه العبارة ، في حين اقتصر المشروع الفرنسي الإيطالي علي ذلك ” العقود ”  .وقد آثر المشروع الإفصاح عن مراده ، فصرف النص إلي ” جميع الالتزامات التعاقدية ” ( ثم عدلت بعد ذلك في لجنة المراجعة فصارت ” التصرف القانوني ” )  .علي أن الفقه والقضاء في مصر متفقان علي أن عبارة النص لا تتناول العقود فحسب ، بل ينسحب حكمها علي سائر التصرفات القانونية ، فلا يخرج من نطاقها إلا الوقائع القانونية  . وغني عن البيان أن التصرف القانوني ينصرف إلي كل تعبير عن الإرادة يقصد منه إلي ترتيب أثر قانوني  . وهو بهذه المثابة لا يقتصر علي العقود فحسب ، بل يشمل الإرادة المنفردة كالإيجاب والقبول والتنازل عن حق الوفاء والإجازة وبديهي أن صاحب القح لا يعني بتهيئة الدليل وقت انعقاد التصرف القانوني ما لم يكن قد قصد منه إلي ترتيب آثار قانونية لصالحه  . أما الوقائع القانونية ، وهي التي يستقل القانون بترتيب آثارها ويلتزم محدثها دون أن يسعي إلي ذلك ، فمن المستحيل في الأصل أن يهيأ دليل كتابي بشأنها ولذلك أبيح إثبات هذه الوقائع بالبينة ، سواء أكانت منشئة لأشباه عقود أو جنح  . وتستخلص من ذلك نتيجتان : أ – ( أولاهما ) أن الوقائع المادية لا ينبغي أن تذكر بين الاستثناءات التي ترد علي الحكم المتقدم ذكره ، لأن هذا الحكم لا يسري بشأنها  . وقد حاد التقنين الفرنسي والتقنين الإيطالي ( م 1384 ) عن جادة المنطق بإزاء الالتزامات الناشئة عن أشباه العقود والجنح وأشباه الجنح ، بوصفها أمثلة لهذه الاستثناءات  . ب – ( والثانية ) يدخل في الاستثناء التصرفات القانونية غير المعينة القيمة ( انظر المادة 215 / 280 من التقنين المصري ) والتصرفات القانونية التي أوجب القانون بالنص إثباتها بالكتابة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 396 – 397 )  .

( [42] ) محكمة أسيوط الكلية ( دائرة استئنافية ) 17 ديسمبر سنة 1901 المجموعة الرسمية 4 رقم 8 – محكمة ملوي 6 فبراير سنة 1905 المجموعة الرسمية 6 رقم 119  .      

( [43] ) ويميز القضاء الفرنسي بين التصرف القانوني في ذاته وبين مشتملاته  . فمتي ثبت التصرف القانوني بالدليل الواجب قانونا ، أمكن إثبات مشتملاتة بالبينة وبالقرائن  . ويقول بيدان وبرو ( 9 فقرة 1264 ) أن الأمر واضح إذا ثبت التصرف بإقرار المدين أو إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة فإن يمكن حينئذ تكملة الدليل – بإثبات المشتملات – بالبينة وبالقرائن أما إذا ثبت التصرف بالدليل الكتابي الكامل ، فكيف يمكن إثبات المشتملات المادية ( contrnu materiel ) للورقة المكتوبة ، وهذه لا يجوز إثبات ما يخالفها أو يجاوزها إلا بالكتابة ، والمشتملات المعنوية ( contenu intellectual ) أي تفسير المشتملات المادية وتحديد مداها ، فهذه يمكن إجراؤها بالبينة وبالقرائن ( بيدان وبرو 9 فقرة 1264 ص 347 )  .     

( [44] ) ورفع النصاب أيضا ،بقانون 23 فبراير سنة 1949 إلي عشرة آلاف من الفرنكات فيما يتعلق بالمدفوعات التي تقوم بها الدولة والأشخاص المعنوية العامة  . هذا وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، استعراضا للقيم المتفاوتة للنصاب في التشريعات المختلفة ، ما يأتي : ” أما الشرط الثاني فهو يتعلق بالقيمة التي تعتبر نصابا للشهادة  . وقد حدد التقنين الفرنسي والتقنين البلجيكي هذه القيمة بمائة وخمسين فرنكا ، وحددها التقنين الإيطالي بخمسمائة ليرة  . ثم زيدت إلي خمسمائة فرنك بمقتضي القانون الصادر في سنة 1928 في فرنسا ، وإلي ألفين من الفرنكات بمقتضي القانون الصادر في سنة 1938 في لبجيكا ، وإلي ألفي ليرة بمقتضي المرسوم الصادر في 20 سبتمبر سنة 1922 في إيطاليا  . وجعلها المشروع الفرنسي الإيطالي ( م 293 ) ألفي ليرة أو فرنك  . والواقع أن هبوط قيمة النقد أفضي في الدول التي حددت نصاب الشهادة بمبلغ مائة وخمسين فرنكا إلي الحيلولة دون تطبيق الأحكام المتعلقة    بالإثبات بالبينة عملا  . ولم يبلغ ما طرأ علي قيمة النقد المصري من التغيير مبلغ ما أصاب النقد في أوروبا ، ولهذا لم ير المشرع وجهما لرفع نصاب الإثبات بالبينة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 397 ) وقد رأينا أن لجنة المراجعة ، بالرغم مما جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ، قد فكرت في رفع نصاب البينة إلي عشرين جنيها ، ولكنها عدلت عن ذلك للاعتبارات التي قدمناها  .

( [45] ) كذلك إذا تمسك أحد المتعاقدين بفسخ العقد مطالبا بتعويض لا يجاوز النصاب وطلب الإثبات بالبينة ، جاز للمتعاقد الآخر أن يعارض في تقدير التعويض ، وأن يتمسك بأنه حتي لو ثبت وجود العقد ، فإن التعويض يجاوز النصاب فلا يجوز إثباته إلا بالكتابة  . أما إذا طالب المدعي بقيمة شرط جزائي يقول إنه لا يجاوز النصاب ، فلا يجوز للمدعي عليه أن يعارض في صحة هذه القيمة وإلا كان مسلما بوجود العقد  . فلا مناص إذن من التسليم مؤقتا بقول المدعي وإحالة الدعوي علي التحقيق لإثبات قيمة الشرط الجزائي ، فإن تبين من التحقيق أن القيمة تزيد علي النصاب لم تقبل البينة في إثباته ( أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 626 وهامش رقم 33 )  .

والعبرة بقيمة ما يبقي في ذمة المتعهد وقت التزامه  . فإذا تم البيع بثمن قدرة عشرون جنيها دفع نصفه فوراً ، فالعبرة بالنصف الذي يبقي في ذمة المشتري وقت العقد لا بكل الثمن ، لأن هذا النصف فقط هو الذي كان يخشي إنكاره وكان ينبغي الاحتياط لإعداد الدليل عليه ( بودري وبارد 4 فقرة 2532 – الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 355 )  .

وفي إثبات عقد الرهن تكون العبرة بقيمة الشيء المرهون لا بقيمه القرض ( جنح مصر المختلطة 2 أغسطس سنة 1938 المحاماة 20 رقم 148 ص 397 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ص 204 هامش رقم 1 – عكس ذلك : محكمة الإسكندرية الوطنية 26 يونية سنة 1929 المحاماة 10 رقم 96 ص 186 )  .

وفي إثبات عقد الكفالة تكون العبرة بالمبلغ المكفول  . وقد قضت محكمة تمييز العراق بأن الكفالة تتبع في أمر إثباتها أصل المبلغ المكفول به ، فإن كان مما تجوز الشهادة فيه قبلت ، وإلا فلا ( القرار المرقم 1010 / ص / 1948 مجلة القضاء 6 عدد 1 و 2 ص 105 – الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 399 )  .

( [46] ) الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 355 – ص 356  .

( [47] ) ومثل ذلك أيضا إيداع مستندات غير محددة القيمة ، كشهادة طبية أو دبلومات علمية ( الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 354 وهامش رقم 3 – قارن استئناف أهلي 27 يناير سنة 1914 الشرائع 1 رقم 185 ص 332 )  . ومثل ذلك أخيراً حق الشخص في البناء علي أرض ، فهو غير محدد القيمة ، ولو كانت الأرض لا تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ( قارن بودري وبارد 4 فقرة 2526 ص 221 هامش رقم 4 )  . 

( [48] ) انظر في الدفاع عن هذا المبدأ في القانون الفرنسي أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 319 هامش رقم 24  .

( [49] ) وكانت المادة 215 / 280 من التقنين المدني السابق تنص علي أنه ” إذا كان المدعي به ” وهذه العبارة توهم أن العبرة بالقيمة وقت المطالبة  . ولكن النص كان يفسر ، مع ذلك ، بأن العبرة بالقيمة وقت صدور التصرف  . وقد تجنب النص الفرنسي لهذه المادة اللبس الذي وقع فيه النص العربي ، فقد كان يجري علي الوجه الآتي :

Quand il s agira de sommes ou valeurs superieures a 1000 P  .T…

( [50] ) قارن الموجز للمؤلف ص 699 ولم يكن في التقنين المدني السابق نص يماثل الفقرة الثانية من المادة 400 من التقنين المدني الجديد ، فكان الفقه يميل إلي الأخذ بحكم القانون الفرنسي ، وسنري أن هذا الحكم يقضي بضم الملحقات والفوائد لحساب نصاب البينة فإذا اعتبرنا أن التقنين الجديد قد استحدث الحكم القاضي بعدم الضم ، فإن هذا الحكم الجديد لا يسري إلا علي التصرفات التي نشأت منذ 15 من أكتوبر سنة 1949 تاريخ سريان التقنين الجديد  .

( [51] ) ديرانتون 8 فقرة 319 – لارومبيير 5 م 1342 فقرة 1 – أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 321 وهامش رقم 27 – بودري وبارد 4 فقرة 2543  .

وفي القانون المدني الفرنسي ، إذا كان هناك شرط جزائي عن التأخير ، ضم إلي الأصل في حساب النصاب لأنه كان معروفا منذ صدور التصرف  . أما التعويض عن التأخير الذي يقدره القاضي فلا يضم إلي الأصل ، لأنه لا يكون معروفا وقت صدور التصرف ( أوبري ور 12 فقرة 762 ص 322 هامش رقم 30 – بودري وبارد 4 فقرة 2544 )  .

( [52] ) قارن الأستاذ أحمد نشأت 1 فقرة 59 – وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وتعرض الفقرة الثانية لتقدير قيمة الالتزام عند الإثبات  . ويراعي أن التقنين الفرنسي ( الماود 1342 – 1345 ) والتقنين الإيطالي ( المواد 1342 – 1346 ) والمشروع الفرنسي الإيطالي تناولت جميعا بيان الأحكام التي تتبع في تقدير قيمة الالتزام الذي يراد إقامة الدليل بشأنه  . بيد أن التقنين الفرنسي والتقنين الإيطالية والتقنين الهولندي تقرر جميعا إضافة الفوائد إلي أصل الدين عند تقدير قيمة النزاع ، بينما ينص المشروع الفرنسي الإيطالي علي جواز الإثبات بالبينة حيث لا تجاوز هذه القيمة نصاب الشهادة إلا من جراء إضافة الفوائد إلي أصل الدين  . وغني عن البيان أن النص الوارد في هذا المشروع يعتبر أدني إلي العقل والمنطق ، لأن تقدير وجوب الحصول علي دليل كتابي مهيأ ينبغي أن يناط بقيمة التصرف عند انعقاده  . ولذلك نصت الفقرة الثانية من المادة 538 من المشروع علي قاعدة وجوب الرجوع إلي قيمة الالتزام وقت تمام التعاقد ، فجعلت بذلك أصل الدين دون الملحقات مناطا للتقدير  . ويلاحظ أن هذه الفقرة تتمشي مع نصوص المادة 30 / 28 من تقنين المرافعات المصري الخاصة بتقدير قيم الدعاوي لتعيين الاختصاص النوعي ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 399 )  . هذا ويلاحظ أن المادة 30 من تقنين المرافعات الجديد تقضي بأنه ” في الأحوال التي يبين فيها القانون اختصاص المحكمة علي أساس قيمة موضوع الدعوي ، تقدر هذه القيمة باعتبارها يوم رفع الدعوي ، ويدخل في التقدير ما يكون مستحقا يومئذ من الفوائد والتضمينات والمصاريف وغيرها من الملحقات المقدرة القيمة ”  . وضم الملحقات إلي الأصل في تقدير قيمة الدعوي يوم رفعها أمر معقول ما دامت الملحقات مقدرة القيمة ، ففي يوم رفع الدعوي يقدر المدعي قيمة ما يدعيه  . أما في الإثبات ، فالدائن يقدر قيمة ما يدعيه يوم صدور التصرف القانوني لا يوم رفع الدعوي ، فينبغي الوقوف عند التاريخ الأول دون الثاني في معرفة ما إذا كان الدليل الكتابي لازما أو غير لازم  .

هذا ولا يعيب القاعدة التي رسمها التقنين المدني الفرنسي من ضم الملحقات إلي الأصل في حساب النصاب أنها عسيرة التطبيق ، فتطبيقها غير عسير ، كما رأينا ، ما دامت الملحقات التي تضم إلي الأصل معلومة المقدار وقت صدور التصرف  . ولكن الأيسر عدم الضم ، فتتقي صعوبات من نحو حساب الشرط الجزائي وعدم حساب التعويض القضائي في النصاب  . ثم إن قاعدة عدم الضم ، كما بينا ، تعالج بعض الشيء انخفاض المستوي في نصاب البينة ( انظر في هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 359 هامش رقم 1 – وقارن الأستاذ أحمد نشأت في لإثبات فقرة 59 ص 59 )  .

( [53] ) أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 319 – ص 320 أما إذا كانت الشركة غير متنازع في وجودها ، فالعبرة بالمبلغ المطلوب  . وقد قضت محكمة بني سويف الجزئية بأنه إذا طالب الشريك شريكه بمبلغ لا يزيد علي ألف قرش باق من حساب شركة ، جاز له إثباته بالبينة ، ولو كان رأس مالها يزيد علي ذلك ، متي كانت الشركة غير متنازع في وجودها ، لأن الإثبات بالبينة في هذه الحالة تنحصر فائدته في مبلغ لا يزيد علي الألف قرش ( 17 أبريل سنة 1900 المجموعة الرسمية 1 ص 296 )  .

ويقع أن يشترك عدد من الأشخاص في شراء ” أوراق النصيب ” ، والثمن لا يجاوز النصاب عادة ، ولكن الربح المأمول من الورقة يزيد كثيراً علي النصاب  . فهل العبرة في إثبات الشركة بثمن الورقة فيجوز الإثبات بالبينة وبالقرائن ، أو بالربح المأمول فلا يجوز الإثبات إلا بالكتابة؟ يذهب الستاذ بلانيول ( 2 فقرة 1127 ) إلي أن العبرة بثمن الورقة  . وانظر في هذا المعني : نقض فرنسي جنائي 2 أغسطس سنة 1937 سيريه 1941 – 1 – 161 – مونبيلييه 25 أبريل سنة 1937 داللوز الأسبوعي 1937 – 414 – محكمة سيدان الابتدائية 10 يولية سنة 1934 سيريه 1945 – 2 – 24 بيدان وبرو 9 فقرة 1262 – والصحيح في رأينا أن ثمن الورقة ليس هو محل الشركة ، بل محل الشركة هو الربح المأمول ، فالعبرة به في الإثبات ، ولا يجوز إذن إثبات الشركة في ورقة النصيب إلا بالكتابة  . وقد قضت محكمة استئناف مصر بجواز إثبات الشركة بالبينة وجعلت العبرة بثمن الورقة – في قضية الشركة في ورقة النصيب التي ربحت عمارة المواسة المشهورة – ولكن محكمة النقض نقضت هذا الحكم ، وقضت بأن العبرة تكون بالربح المأمول لا بثمن الورقة ، فإثبات الشركة في الورقة يكون بالكتابة وجاء في أسباب حكمها ما يأتي : ” إذا كان المتعاقدون قد رموا باتفاقهم إلي غرض معين وتحقق لهم لهذا الغرض بالفعل ، ثم تنازعوا بعد ذلك علي الاتفاق ذاته من حيث وجوده ، فإن العبرة في تقدير قيمة النزاع في صدد تطبيق قواعد الإثبات تكون بقيمة ذلك الغرض ولو كانت قيمة ما ساهم فيه المتعاقدون جميعهم مما يجوز الإثبات فيه بالبينة  . ولما كان الغرض من أوراق النصيب التي تصدرها الجمعيات الخيرية هو استفادة هذه الجمعيات بجزء من المبالغ التي تجمع لتنفقها في الوجه النافعة ، ثم فوز مشتري تلك الأوراق بالجوائز المسماة فيها ، كان كل من يشتري ورقة مساهما في الأعمال الخيرية وفي الجوائز التي تربحها الأوراق المسحوبة بنسبة ما دفعه من ثمن  . وبهذا تعتبر الجائزة مساهمة من صاحب الورقة ببعض ما دفعه ومن المشترين ببعض ما دفعوه ، وهم جميعا راضون من باديء الأمر بأن يجعلوا هذه المساهمة عرضة للتضحية مقابل الأمل في الربح  . وهذا يترتب عليه أن الورقة الرابحة بمجرد إعلان نتيجة السحب تنقلب صكا بالجائزة التي ربحتها ، ويكون من حق حاملها أن يطالب بالجائزة نقوداً كانت أو عينا معينه  . وإذن فالجائزة في الواقع هي موضوع التعاقد والغرض الملحوظ فيه عند مشتري الورقة وعند الهيئة التي أصدرت ورق النصيب علي السواء  . أما الورقة الرابحة فهي سند الجائزة ومظهرها الوحيد ، فلا تكون الجائزة مستحقة إلا بها  . والقيمة المدفوعة ثمنا لها لا يكون لها عندئذ وجود ، إذ هي قد صارت مستهلكة في الجوائز وفي الأغراض التي من أجلها أصدرت أوراق النصيب  . ولما كانت أوراق النصيب غير اسمية ، فإن الورقة الرابحة تكون سنداً لحامله بالجائزة وإذ كانت العبرة في ملكية السندات التي من هذا النوع هي الحيازة ، فإن صاحب الحق في المطالبة بالجائزة هو من تكون بيده الورقة الرابحة  . فإذا ما ادعي غيره استحقاق الجائزة كلها أو بعضها فإنه ، في غير حالتي السرقة والضياع ، يتعين اعتبار القيمة المطلوبة ، لا بالنسبة للمحكمة المختصة فقط ، بل بالنسبة إلي قواعد الإثبات أيضا ، بحيث إذا كانت قيمة المدعي به تزيد علي ألف قرش كان الإثبات بالكتابة عملا بالمادة 215 مدني ( م 400 جديد ) ( نقض مدني 14 نوفمبر سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 303 ص 954 )  . انظر في هذه القضية الأستاذ أحمد نشأت في الإثبات 1 فقرة 61 – والأستاذ سليمان مرقس في أصولل الإثبات ص 359 هامش رقم 1  . وانظر عكس هذا الرأي الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة ص 206 هامش رقم 1  . 

( [54] ) ديمولومب 30 فقرة 35 – لوران 19 فقرة 452 – أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 320 – بودري وبارد 4 فقرة 2531 وإذا وقع دائن المستخدم حجزاً علي ما يستحقه المستخدم من الأجر تحت يد رب العمل ، جاز إثبات المستخدم اليومي بالبينة ما دام لا يجاوز نصابها ، وما دام عقد الاستخدام ذاته غير متنازع فيه ، حتي لو كان المبلغ المحجوز عليه يزيد علي نصاب البينة ( بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 320 )  .

( [55] ) وهذا الحكم يتفق مع حكم التقنين المدني الفرنسي في المادة 1344 – وكان الفقه الفرنسي يجيز الإثبات بالبينة إذا كان الجزء من الحق هو الباقي من هذا الحق ، وكان لا يجاوز نصاب البينة ، لأن الدائن لم يعتمد علي البينة في أكثر من هذا النصاب ( بودري وبارد 4 فقرة 2532 – انظر أيضا الموجز للمؤلف ص 699 ) – ولو كان مبلغ القرض عشرين جنيها ، ومات المقترض عن أربعة من الورثة ، فانقسم الدين عليهم ( في القانون الفرنسي ) وصار نصيب كل منهم فيه لا يزيد علي نصاب البينة ، فإن الإثبات في هذه الحالة لا يجوز أن يكون بالبينة أو بالقرائن ( ديمولومب 30 فقرة 46 – لوران 19 فقرة 445 – هيك 8 فقرة 284 – أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 317 هامش رقم 17 – بودري وبارد 4 فقرة 2533 )  . ولو أن قرضا مقداره عشرون جنيها ، سدد المقترض منه عشرة ، ثم تعهد تعهداً جديداً بدفع العشرة الباقية ، فإن هذا التعقد الجديد – ولا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات – يجوز إثباته بالبينة وبالقرائن ( أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 317 هامش رقم 19 )  .

هذا وتقضي المادة 43 من تقنين المرافعات الجديدة بأنه ” إذا كان المطلوب جزاء من حق ، قدرت الدعوي بقيمة هذا الجزء ، إلا إذا كان الحق كله متنازعا فيه ولم يكن الجزء المطلوب باقيا منه فيكون التقدير باعتبار قيمة الحق بأكمله ”  . وغني عن البيان أن طريقة تقدير قيمة الدعوي بالنسبة إلي الاختصاص النوعي تختلف عن طريقة تقديرها بالنسبة إلي الإثبات ، إذ أن الغاية من كل من التقديرين مختلفة  . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أما الحالتان الأخريان اللتان تكفل النص ببيانهما فيقتضيان شيئا من التفصيل : فالتقنين الفرنسي ( م 1342 – 1345 ) والمشروع الفرنسي الإيطالي ( م 294 – 297 ) عينا طريقة تقدير الالتزام ، حتي تتيسر مراعاة النصاب الذي لا يجوز قبول الإثبات بالبينة في حدوده  . ولم ينص التقنين المدني المصري علي هذه الطريقة ، ولكن تقنين المرافعات ( م 30 / 28 ) عين طريقة تقدير الدعاوي بالنسبة للاختصاص  . وليس يجوز الاعتماد علي تلك الطريقة في هذا الصدد لأن الغاية من التقدير مختلفة ، ولا أدل علي ذلك من مقارنة أحكام التقدير الخاصة بالإثبات بنظيرها فيما يتعلق بالاختصاص : ( أ ) فأحكام الإثبات تختلف عن أحكام الاختصاص فيما يتعلق بالاجتزاء  . فإذا اجتزأ المدعي من دعواه بالمطالبة بعشرة جنيهات امتنع الإثبات بالبينة ، وثبت الاختصاص للقاضي الجزئي  . علي أن هذا الاختصاص لا يجعل الإثبات بالبينة جائزاً أمام القاضي الجزئي ، لأن مناط التقدير في الإثبات هو قيمة الالتزام بأكمله وقت نشوئه ( ب ) ثم إن أحكام الإثبات تختلف عن أحكام الاختصاص فيما يتعلق بالبقية الباقية  . فالأصل ، سواء فيما يتعلق بالاختصاص أو فيما يتعلق بالإثبات أن تقدير الطلب يناط بقيمة الالتزام بأسره دون تجزئة أو تبعيض  . ولكن الاختصاص يثبت للقاضي الجزئي إذا كان المطالب به هو البقية الباقية من دين متي كانت هذه البقية داخلة في حدود اختصاص ، رغم أن الدين بتمامه يجاوز هذه الحدود – أما الإثبات بالبينة فلا يجوز علي نقيض ذلك ، ولو كانت البقية الباقية من الدين أقل من عشرة جنيهات ، متي كان أصل الدين بأسره يجاوز هذا القدر ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 403 – ص 404 )  .

( [56] ) ولو أن جملة الفوائد المستحقة عن مبلغ مقترض تزيد علي عشرة جنيهات ، ولم يطالب المقترض إلا بجزء من هذه الفوائد لا يزيد علي عشرة جنيهات ، لم يجز له في القانون الفرنسي الإثبات بالبينة أو بالقرائن ، لأنه يستند في طلبه إلي تصرف تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، وذلك حتي لو لم يطالب بأصل المبلغ المقترض ، ما دام مجموع الفوائد يزيد علي نصاب الشهادة ( أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 318 هامش رقم 22 ) أما في القانون المصري فالعبرة بأصل المبلغ المقترض دون أن تضم إليه الفوائد كما قدمنا  .

( [57] ) وهذا الحكم يتفق مع حكم التقنين المدني الفرنسي في المادة 1343 ( ديمولومب 30 فقرة 45 – لوران 19 فقرة 451 – أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 317 – ص 318 وهامش رقم 20 – بودري وبارد 4 فقرة 2536 – فقرة 2539 – بيدان وبرو 9 به ، نزل عن دعواه أصلا ، ورفع دعوي جديدة علي أساس نفس التصرف ، وقدره بمبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات ، جاز له الإثبات بالبينة وبالقرائن ( أوبري ورو 12 فقرة 762 هامش رقم 21 )  . 

( [58] ) أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 318 وهامش رقم 23  .  

( [59] ) فإذا اشتري شخص من متجر ساعة بثمانية جنيهات وسلسلة بثلاثة ، فإن كانت الصفقة واحدة وجب الإثبات بالكتابة ، وإن كانتا صفقتين متفرقتين جازت البينة في كل منهما  . أما إذا كان الطلب مكونا من عدة أجزاء ، كل جزء منها أقل من عشرة جنيهات ، ولكن المجموع يزيد علي هذه القيمة ، لم تجز البينة ( محكمة المنصورة 18 يناير سنة 1925 المحاماة 5 رقم 621 ص 757 – استئناف مختلط 30 يناير سنة 1890 م 2 ص 340 – 13 يونية سنة 1894 م 6 ص 319 )  .        

( [60] ) وقد كان القضاء المصري في عقد التقنين المدني السابق وهو لا يشتمل علي نص صريح في جواز إثبات الوفاء الجزئي بالبينة إذا كان لا يزيد علي عشرة جنيهات ، غير مستقر في هذه المسألة  . فقضت محكمة مص الكلية الوطنية بأنه يجوز لناظر الوقف أن يثبت بالبينة أنه دفع شهريا ما يستحقه المستحق ما دام هذا الدفع لا يزيد علي عشرة جنيهات ، ولو كان المبلغ المدعي به مبلغا متجمداً عن عدة شهور ويزيد علي عشرة جنيهات ( 23 يولية سنة 1904 الاستقلال 3 ص 327 )  . ولكن قضي بعد ذلك بأنه إذا كان الدين الذي تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ثابتا بالكتابة ، فلا يسوغ للمدين أن يثبت بالبينة براءة ذمته من جزء منه لا يزيد علي عشرة جنيهات إلا إذا بني ذلك علي حالة استثنائية تعفيه من الكتابة كضياع سند البراءة بحادث قهري ( منيا القمح 23 ديسمبر سنة 1906 المجموعة الرسمية 8 رقم 22 ) وقضي أيضا بأنه يجب فيما يتعلق بإثبات الديون وإثبات التخلص منها أن يكون أساس جواز الإثبات بالبينة مبلغ الدين الأصلي لا ما يدعي أنه باق منه أو ما يدعي حصول تسديده ، وإلا لو أبيح جواز الإثبات بالبينة في ذلك لأمكن كل مدين ودائن ليس بيده كتابة أن يتخلص من أحكام المادة 215 مدني بواسطة تجزئته للدين ( أشمون الجزئية 14 يونية سنة 1923 المجموعة الرسمية 26 رقم 69 – استئناف أهلي 4 أبريل سنة 1905 الاستقلال 4 ص 528 ) – لذلك أحسن التقنين الجديد صنعا بالنص صراحة علي جواز إثبات الوفاء الجزئي فيما لا يزيد علي عشرة جنيهات بالبينة ( قارن الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 198 ) ، فإن القضاء المصري في عهد التقنين السابق كان يميل كما نري إلي الأخذ بعكس هذه القاعدة ، بل إن الحكم الذي أصدرته محكمة مصر بالسماح لناظر الوقف أن يثبت بالبينة الوفاء بالاستحقاق الشهري للمستحق إذا لم يزد علي عشرة جنيهات ، وهو الحكم المشار إليها فيما تقدم ، قد لا يستطاع القول بأنه يخالف الأحكام الأخري التي تقدم ذكرها ، إذ يمكن أن يقال انه هو أيضا أخذ بقيمة الدين الأصلي ، والدين الأصلي هنا هو الاستحقاق الشهري الذي لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وإن كانت الاستحقاقات قد تجمدت فزاد مجموعها علي هذه القيمة  .

ويترتب علي جواز إثبات الوفاء الجزئي بالبينة إذا كان لا يزيد علي عشرة جنيهات أنه إذا كانت جملة الفوائد المستحقة عن مبلغ مقترض لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وقام المقترض بسدادها ، فأنه يجوز له أن يثبت هذا الوفاء بالبينة وبالقرائن  . ولكن إذا كان الدائن هو الذي يريد أن يثبت هذا الوفاء ، أو أي وفاء جزئي آخر للدين لا يزيد علي عشرة جنيهات ، حتي يتخذ من ذلك ذريعة لقطع التقادم أو لإجازة عقد الدين القابل للإبطال وذلك بالنسبة إلي أصل الدين الذي يزيد علي عشرة جنيهات ، لم يجز للدائن في هذه الحالة إثبات الوفاء الجزئية بالبينة أو بالقرائن ولو أن الوفاء ينصب علي مبلغ لا يزيد علي عشرة جنيهات ذلك أن هذا الوفاء لا تقدر قيمته بالمبلغ الموفي به ، بل بقيمة عقد القرض الذي يراد قطع التقادم أو إجازته ، وعقد القرض تزيد قيمته كما قدمنا علي عشرة جنيهات  . وقد قضت محكمة استئناف مصر في هذا المعني بأنه إذا أراد الدائن قطع التقادم بإثبات دفع المدين لمبلغ في خلال مدة التقادم ، فإن العبرة في تعيين طريقة الإثبات تكون بقيمة ذلك الدين بصرف النظر عن قيمة المبلغ المدفوع ، لأن أثر قيمة المبلغ المدفوع يتعداه إلي الإقرار بقيمة الدين كله ( استئناف مصر 19 يناير سنة 1938 المجموعة الرسمية 39 رقم 3 ص 67 – المحاماة 18 رقم 307 ص 628 – انظر أيضا : إيتاي البارود 12 يونية سنة 1938 المحاماة 19 رقم 194 ص 437 – الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 198 ص 367 )  . وانظر أيضا في هذه المسألة في الفقه الفرنسي : ديمولومب 30 فقرة 19 – لوران 19 فقرة 457 – هيك 8 فقرة 283 – أوبري ور 12 فقرة 762 هامش رقم 13 – بودري وبارد 4 فقرة 254 – بيدان وبرو 9 فقرة 1264 ص 344  .

( [61] ) وقد جاز في الموجز للمؤلف ، شرحا للتقنين المدني السابق ، ما يأتي : ” وإذا تعددت الالتزامات التعاقدية ما بين شخصين ، وكان كل منها مستقلا عن الآخر ولا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، جاز إثبات العقود فيها جميعا بالبينة أو بالقرائن ، حتي لو زاد مجموعها علي عشرة جنيهات ”  . ثم جاء في الهامش رقم 7 من نفس الصفحة : ” ومع ذلك انظر المادة 1345 من القانون الفرنسي ، ولا يوجد نص مقابل لها في القانون المصري ”  . ( الموجز ص 699 ) – قارن في هذه المسألة الأستاذ أحمد نشأت 1 فقرة 71  .

( [62] ) أما إذا قام علي دين منها دليل كتابي ، ولو مبدأ ثبوت بالكتابة ، أو قام مانع من الحصول علي الكتابة أو تقديمها ، فإنه لا يحسب في مجموع الديون ( أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 342 – ص 325 وهامش رقم 36 ورقم 37 )  .

( [63] ) انظر في هذا المعني أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 324 هامش رقم 34  .

( [64] ) ويقرر الفقهاء في فرنسا أن المادة 1346 لا تقوم علي أساس عدم الثقة بشهادة الشهود ، بل تقوم علي أساس آخر هو منع تعدد القضايا الصغيرة التي يجوز الإثبات فيها بالبينة ، وازدحام المحاكم بها وما يستتبع ذلك من تعقيد في الإجراءات وإطالة فيها بسبب الإحالة علي التحقيق ، فاقتضي المشرع من المدعي أن يجمع كل قضاياه التي من هذا القبيل في قضية واحدة للحد من كثرة مثل هذه القضايا الصغيرة ( أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 325 وهامش رقم 39 – بودري وبارد 4 فقرة 2548 وفقرة 2553 )  .

هذا وتسري المادة 1346 فرنسي سواء كانت الطلبات التي لم يقم علي أيها دليل كتابي كامل يزيد مجموعها علي نصاب البينة أو لا يزيد ، وسواء كان الدين معفي من الدليل الكتابي الكامل لوجود مبدأ ثبوت بالكتابة أو لوجود مانع من الحصول علي الدليل الكتابي أو من تقديمه ، أو كان الدين غير معفي لسبب من هذه الأسباب  . ولكنها لا تسري علي الديون التي لم تنشأ إلا بعد رفع الدعوي  . وجزاء المادة 1346 ليس رفض الإثبات بالبينة ، بل هو عدم قبول الدعوي أصلا ، وللقاضي أن يحكم بعدم قبول الدعوي 762 ص 325 – ص 329 وهوامش رقم 40 إلي رقم 48 – بودري وبارد 4 فقرة 2552 – فقرة 2562 – بيدان وبرو 9 فقرة 1263 ص 345 – ص 346 )  .

وقد جاء في المادة 81 من قانون أصول المحاكمات الحقوقية العراقي أن قاعدة عدم جواز الإثبات بالبينة فيما يجاوز عشرة دنانير ” تكون جارية ومرعية إذا كانت المبالغ المدعي بها في الأصل مكونة من عدة أقلام يبلغ مجموعها القدر المذكور ”  . وظاهر ان هذا النص منقول – منذ عهد التشريعات العثمانية – من نص المادة 1345 من التقنين الفرنسي  . ولما كان التقنين المدني العراقي الجديد قد نص صراحة في الفقرة الثانية من المادة 1381 علي إلغاء المادة 81 من قانون أصول المحاكات الحقوقية من بين المواد التي ألغاها في هذا القانون ، فإنه يجب الرجوع في هذه المسألة إلي الفقرة الثالثة من المادة 488 من التقنين المدني العراقي ، وهي تقرر نفس الحكم الذي يقرره نص التقنين المصري  . فيجوز إذن الإثبات بالبينة ، وفي التقنين المدني العراقي ، في كل طلب لا تزيد قيمته علي عشرة دنانير ، حتي لو اشتملت الدعوي علي طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة وزادت هذه الطلبات في مجموعها علي هذه القيمة ( انظر في هذا الموضوع الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات الجزء الثاني في الشهادة ص 415 – ص 422 )  .

( [65] ) وكان المشروع الأولي الذي سبق المشروع التمهيدي يورد نصا مماثلا لنص المادة 1345 من التقنين المدني الفرنسي  . غير أنه عدل في المشروع التمهيدي عن هذا النص ، واستبدال به نص يقرر تطبيق القواعد العامة كما رأينا ، وذلك توسعة في الإثبات بالبينة في مقابل ترك نصاب البينة في مستواه المنخفض ، وقد تقدمت الإشارة إلي ذلك ( انظر الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 363 – وانظر أثر اشتمال المشروع الأولي علي النص المماثل لنص المادة 1345 في أصل المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي جزء 2 ص 704 ، حيث جاء ما يأتي : ” بيد أن الإفلات من قواعد الإثبات بالبينة يصبح جد يسير عند ما يرد النزاع علي التزامات ترتبت بين الخصوم أنفسهم في وقت واحد ، أو التزامات ناشئة عن سبب واحد  . وقد عمدت التقنينات التي تقدمت الإشارة إليها أحوال تعدد الالتزامات بين الخصوم أنفسهم ، أو نشوئها عن سبب واحد عند انتفاء الدليل الكتابي ، أفلا يكون من الأنسب إقرار هذا كفالة لاحترام القاعدة نفسها ”  .       

( [66] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” أما الفقرة الثالثة من هذه المادة فأحكامها تخالف أحكام المواد 1345 من التقنين الفرنسي والتقنين الإيطالي و 1237 من التقنين الكندي و 297 من المشروع الفرنسي الإيطالي و 30 / 28 فقرة 3 من تقنين المرافعات المصري  . وليس شك في أن حكم هذه الفقرة يتفق مع قاعدة تقدير الالتزام باعتبار قيمته وقت تمام انعقاده ، كلما اتحد الخصوم وكان النزاع متعلقا بالتزامات من طبيعة واحدة تمت في أوقات مختلفة لا في وقت واحد ، علي حد تعبير التقنين الفرنسي  . فكل التزام من هذه الالتزامات يجوز إثباته بالبينة متي كانت قيمته لا تجاوز عشرة جنيهات  . وقد أخذ المشروع ، تمشيا مع جواز تفريق الطلبات المتعددة ، بجواز تفريق إثبات وفاء الدين دفعا متعددة ، فأجاز إثبات كل وفاء لا تجاوز قيمته عشرة جنيهات بالبينة ولو كان أصل الدين يجاوز هذه القيمة ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 399 – ص 400 )  .

( [67] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 359 ( بند 1 ) من المشروع التمهيدي علي الوجه الآتي : ” لا يجوز الإثبات بالبينة ( أ ) فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي حتي لو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات ”  . وفي لجنة المراجعة حور النص تحويراً لفظيا ، فأصبح مطابقا لما استقر عليه في النهاية ، وأصبح رقم المادة 414 في المشروع النهائي  . ووافق عليه مجلس النواب  . فلجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 401 ، فمجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 402 و ص 404 )  .    

( [68] ) وقد جاء في الموجز للمؤلف في هذا الصدد ما يأتي : ” ولم يرد في القانون المصري نص يقابل هذا النص ( أي نص المادة 1341 فرنسي ) ، ولكن القضاء والفقه في مصر يأخذان بالقاعدة دون نص ، إذ هي تتفق مع الحكمة التي اقتضت جعل الكتابة مقدمة علي البينة ، فإذا كان الالتزام ثابتا بالكتابة ، فقد أراد المتعاقدان بذلك أن يستبعدا البينة حتي فيما لا يزيد علي عشرة جنيهات ، وإلا انتقض عليهما ما قصدا إليه من غرض ، وأمكن هدم الكتابة بالبينة ، أي هدم الدليل الأقوي بالدليل الأضعف ، وهذا لا يجوز ” ( الموجز ص 702 – ص 703 ) ومهما يكن من أمر فقد أحسن التقنين المدني الجديد صنعا بإباده نصا صريحا في هذا الحكم  . وقد كان القضاء يطبقه في اطراد : استئناف أهلي 2 أبريل سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 رقم 89 – 20 يناير سنة 1914 المجموعة الرسمية 15 رقم 119 – 25 مارس سنة 1923 المجموعة الرسمية 25 رقم 85 – استئناف مصر 7 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 19 رقم 286 ص 690 – استئناف مختلط 2 يناير سنة 1908 م 20 ص 46 – 15 أبريل سنة 1909 م 21 ص 307 – 15 أبريل سنة 1909 م 21 ص 383 – 27 مايو سنة 1909 م 21 ص 364 – 3 أبريل سنة 1912 م 24 ص 252 – 12 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 63 – 15 مايو سنة 1913 م 25 ص 379 – 24 ديسمبر سنة 1914 م 27 ص 79 – 4 يونية سنة 1918 م 30 ص 468 – 10 مارس سنة 1931 م 43 ص 279 ( يجوز الإثبات بالبينة إذا خولفت قاعدة من النظام العام ) – 23 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 51 – 22 نوفمبر سنة 1934 م 47 ص 36  .       

( [69] ) نصوص التقنينات المدنية العربية الأخري : قانون البينان السوري م 55 : مطابق تقريبا لنص التقنين المصري – التقنين المدني العراقي م 489 : مطابق تقريبا لنص التقنين المصري – تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني م 153 : لا تقبل بينة الشهود ولا القرائن علي ما يتجاوز أو يناقض مضمون السند ذي التوقيع الخاص ، ولا علي ما يزعم حصوله قبل هذا السند أو بعده أو في أثناء إنشائه  . ( وهذا نص يتفق في حكمه مع نص التقنين المصري ، وفي عبارته مع نص التقنين الفرنسي ) – التقنين المدني للمملكة الليبية المتحدة م 388 : مطابق لنص التقنين المصري  . ويتبين من استعراض هذه النصوص أنها جميعا تتفق في الحكم مع نص التقنين المصري  .

( [70] ) التقنين المدني الفرنسي م 1341 :  .  .  . لا تقبل البينة فيما يخالف الكتابة أو فيما تجاوزها  . ولا فيما يدعي صدوره من قول قبل الكتابة أو في أثنائها أو بعد الفراغ منها ، حتي لو كانت القيمة أقل من خمس آلاف فرنك ، كل هذا دون إخلال بما تقرره القوانين المتعلقة بالتجارة  .

et il n est recu aucune prevue par temoins contre et outré le contenu aux actes ni sur ce qui serait allegue avoir et edit avant lors ou depuis les actes encore qu il s agisse d une somme ou valeur moindre de cinq mille francs  . Le tout sans prejudice de ce qui est prescrit dans les lois relatives au commerce  .

ويقول الفقيهان أوبري ورو : إن النص الفرنسي ينهي عن أمرين متميزين لا يختلط أحدهما بالآخر  . فهو من جهة ينهي عن قبول البينة في إثبات ما يدعي من عدم الصحة ( inexactitudes ) أو الإغفال ( omissions ) فيما تضمنته الكتابة ، سواء كان ذلك عن غير قصد ، أو عن قصد من أحد الطرفين ، أو عن تواطؤ بينهما – وهذا هو ما يخالف الكتابة أو يجاوزها  . وهو من جهة أخري ينهي عن قبول البينة في إثبات التعديلات الشفوية التي يدعي أحد الطرفين أنها تم الاتفاق عليها قبل الكتابة أو في أثنائها أو بعد الفراغ منها  . ويقيم الفقيهان هذه الأحكام علي اعتبارين : أولهما أن الكتابة لا تؤدي الغرض المقصود منها إذا أجيز هدمها عن طريق البينة  . والثاني أن التعديلات الشفوية التي سبقت الكتابة أو عاصرتها أو تلتها ، ما دامت لم تدمج في الكتابة ذاتها ، فذلك لأنها بقيت مشروعا وقف عند مرحلة التفاوض ، ولم يصل إلي مرحلة الاتفاق النهائي ( أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 322 هامش رقم 2 )  .    

( [71] ) انظر في هذا المعني بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1527 وفقرة 1528 ص 982 – وانظر تفصيلا لهذه المسألة في بيدان وبرو 9 فقرة 1266  .      

( [72] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1528 ص 982 لو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 402 ويقول الأستاذ حسين المؤمن في كتابه في نظرية الإثبات في هذا الصدد ما يأتي : ” ولذلك فلا يكفي أن تكون هناك دفاتر تجارية أو أوراق منزلية أو مذكرات أو أوراق خاصة أو غيرها من المحررات التي لا تحمل توقيعا للمدين ولا تدل علي ارتباط قانوني ، إذ أن أوراقا كهذه بدون توقيع لا تعتبر دليلا للإثبات  . وهي وإن كانت تعتبر حجة ضد صاحبها ، إلا أن له إثبات ما يخالفها بالشهادة والقرينة  .  .  . كذلك سندات الطابور المنظمة بطريقتي المجدد والتفتيش ( اليوقلمة ) يجوز استماع الشهادة ضدها  . وهذا ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز : محكمة التمييز رقم 24 / س / 1937 وتاريخ 25 / 11 / 1937 ( القضاء س 3 ع 3 ص 309 ) ورقم 293 / ب / 1945 وتاريخ 16 / 3 / 1946 ( المجموعة الرسمية س 1 ع 2 ص 36 رقم 43 ) ورقم 24 / س / 1946 وتاريخ 12 / 3 / 1946 ( المجموعة الرسمية س 1 ع 1 ص 72 رقم 65 ) ورقم 358 / ب / 1945 وتاريخ 27 / 3 / 1946 ( المجموعة الرسمية س 1 ع 3 ص 32 رقم 50 ) ( جزء 2 في الشهادة ص 445 ) قارن الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 202 ص 375 هامش رقم 23 وهو يعتبر التأشير علي السند بما يفيد براءة ذمة المدين دليلا كتابيا كاملا لا يجوز إثبات ما يخالفه إلا بالكتابة  . وقد قدمنا أن هذا التأشير قرينة علي الوفاء يجوز دحضها بالدليل العكسي بجميع الطرق لأن الدليل الكتابي هنا ليس دليلا كتابيا كاملا  . 

( [73] ) الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 446  .    

( [74] ) وإذا كانت المادة 401 ، وهي تمنع الإثبات بالبينة فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات ، لم تستثن صراحة المواد التجارية كما فعلت المادة 400 وهي تمنع البينة في إثبات وجود التصرف القانوني الذي تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، فذلك لأن المادة 401 جاءت عقب المادة 400 لتكملة أحكامها  . فهي عندما تقول : لا يجوز الإثبات بالبينة ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات ، إنما تتمم ما أوردته المادة 400 من أن التصرف القانوني في غير المواد التجارية لا يجوز إثباته بالبينة إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات  . فتقول المادة 401 عقب ذلك أن هذا التصرف القانوني ذاته – أي في غير المواد التجارية – إذا كان مكتوبا لا يجوز إثبات ما يخالفه أو يجاوزه ولو لم تزد القيمة علي عشرة جنيهات ( قارن الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات ص 216 )  .

وتستخلص الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد من جواز إثبات عكس المكتوب في التصرفات التجارية بالبينة أن الكتابة في مسائل التجارة إنما تنقل عبء الإثبات عن عاتق صاحبها إلي خصمه ، والقاضي حر بعد ذلك في تكوين اعتقاده طبقا لما بين يديه من مستندات وما يري سماعه من بينة ( بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1529 ص 984 ) – انظر أيضا الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 646 – ص 662 – وقارن الأستاذ عبد السلام ذهني في الأدلة جزء أول ص 430  .

( [75] ) قارن استئناف مختلط 12 يونية سنة 1889 م 1 ص 253 – 10 ديسمبر سنة 1891 م 4 ص 48  . 

( [76] ) الموجز للمؤلف فقرة 673 ص 703 – 704 – وانظر أيضا المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 402  .     

( [77] ) الموجز للمؤلف فقرة 674 ص 704  .        

( [78] ) انظر ما قدمنا عن أوبري ورو من أن التعديلات الشفوية التي سبقت الكتابة أو عاصرتها أو تلتها ، ما دامت لم تدمج في الكتابة ذاتها ، فذلك لأنها بقيت مشروعا وقف عند مرحلة التفاوض ، ولم يصل إلي مرحلة الاتفاق النهائي ( أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 322 هامش رقم 2 ) وانظر أيضا بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1528 ص 982 – ص 983  .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويقصد بالدليل الكتابي المحررات الرسمية والعرفية والرسائل  . فهذه المحررات –وحدها هي التي لا يقبل الإثبات بالبينة لنقض الثابت فيها أو الإضافة إليها  . وقد يكون قوام الإضافة الإدعاء بصدور تعديلات شفوية قبل انعقاد الالتزام ، أو بعده ، أو في وقت معاصر له  . ومهما يكن من أمر هذه الإضافة ، فلا يجوز إثباتها بالبينة أيا كانت صورتها  . فمن ذلك الإدعاء بإضافة وصف من الأوصاف المعدلة لحكم الالتزام ، كشرط أو أجل ، أو اشتراط خاص بأداء فوائد أو بالتجديد ( الاستبدال )  . ولا يجوز كذلك نقض الثابت بالكتابة من طريق البينة ، فلا يجوز الإدعاء مثلا بعدم مطابقة شرط من شروط المحرر للحقيقة وإقامة الدليل علي ذلك بالبينة ، كما ول أريد إثبات أن حقيقة المبلغ المقترض ليست مائة جنيه علي ما هو ثابت بالكتابة بل أكثر ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 402 – ص 403 )  .

( [79] ) أوبري ورو 12 فقرة 763 هامش رقم 8 – قارن الموجز للمؤلف ص 704 ص 705 وقد قدمنا ، في وفاء دين قيمته تزيد علي عشرة جنيهات ، أنه يجوز إثبات أي وفاء جزئي لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات بالبينة وبالقرائن  .

وقد جاء في كتاب نظرية الإثبات للأستاذ حسين المؤمن ما يأتي : ” أما في العراق فالإجماع حاصل  .  .  . علي أنه لا يجوز إثبات الوفاء مهما كان مقداره بشهادة الشهود ما دام أصل الالتزام موثقا بسند  .  .  . بل إن محكمة التمييز قد تطرفت في هذا الباب إلي حد بعيد ، فقد اشترطت الدليل الكتابي علي إدعاء الوكيل بتسليمه لموكله المبالغ التي قبضها من مديني الموكل حسب التفويض المعطي للوكيل في صك الوكالة ، بداعي ان التفويض بالقبض قد جري بالكتابة فلا يثبت دفع المبلغ إلي الموكل إلا بالكتابة أيضا : القرار المرقم 55 / 1929 والمؤرخ 2 / 4 / 1929 ( القضاء سنة 1934 س 1 القسم الرسمي ص 166 – حسين جميل بند 170 ص 122 ) ومما جاء فيه : إن قول المحكمة أن المدعي أمين مصدق بيمينه في براءة ذمته ، ولا حاجة إلي سند تحريري ، غير وارد ، إذ ان التفويض بقبض المبلغ قد جري بسند فيجب أن يكون الإيصال بسند أيضا وهاذ تخريج غريب لهذه النظرية لا نقر محكمة التمييز عليه ، ذلك ان التفويض المعطي للوكيل في صك الوكالة لا يتضمن معني القبض ، وإنما هو ترخيص به  . هذا من جهة ومن جهة أخري أن الدليل الكتابي علي استلام الوكيل المبالغ المقبوضة لم يكن بين الوكيل والموكل ، وإنما بين الوكيل ومدين الموكل  .  .  . يضاف إلي ذلك أن هذا الذهاب تجاوز علي قاعدة الأمين مصدق بيمينه في براءة ذمته المقررة في المادة 1174 من المجلة ” ( الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 454 – ص 455 ) وظاهر أن تفويض الوكيل بقبض الدين يجعله ملتزما بتقديم حسبا للموكل عما قبضه ، وفي تسليم الوكيل للوكل ما قبضه من الدين تنفيذ لهذا التفويض ، أي تنفيذ لعقد الوكالة  . وإثبات تنفيذ الوكالة مستقل عن إثبات وجودها فإذا كان وجود الوكالة ثابتا بالكتابة ، فإن ذلك لا يستلزم حتما أن يثبت تنفيذها بالكتابة  . ويلاحظ أن التقنين المدني العراقي الجديد قد حسم الخلاف فيما يتعلق بالوفاء ، فجعله مستقلا عن أصل الالتزام من حيث الإثبات  . 

( [80] ) الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات ص 221 – وقد قضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بأنه يجوز إثبات جميع الوقائع اللاحقة لعقد مكتوب بجميع طرق الإثبات القانونية إذا كانت قيمتها عشرة جنيهات أو أقل ، مثل الإبراء أو الوفاء أو التخالص أو الاستبدال أو الصلح ( 26 يناير سنة 1937 المحاماة 18 رقم 463 ص 1058 ) قارن في الصلح الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 449 ( وهو يذهب إلي أن الصلح لا يجوز إثباته بالبينة إذا كان العقد محل الصلح ثابتا بالكتابة ، ويشير إلي قرار لمحكمة تمييز الإستانة جاء فيه أن دعوي الصلح المقامة ضد سند يجب إثباتها بالبينة الخطية : 20 / 10 / 1308 سليم باز المرافعات ص 289 )  . ويلاحظ أن الصلح في التقنين المدني المصري الجديد يجب إثباته بالكتابة ( م 552 مدني ) ، وكذلك الأمر في التقنين المدني العراقي الجديدة ( م 711 )  .

 ( [81] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1528 ص 984 – نقض فرنسي 23 نوفمبر سنة 1938 جازيت دي باليه 1939 – 1 – 85  . 

( [82] ) فيجوز إثبات ما يحصر أجزاء العقار المبيع أو المؤجر بالبينة وبالقرائن ، إذا كان هذا العقار قد ذكر في عقد البيع أو الإيجار المكتوب بطريقة مجملة دون تفصيل لأجزائه ( أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 335 – ص 336 – قارن بودري وبارد 4 فقرة 2570 ) – وقارن استئناف مختلط 30 يناير سنة 1902 م 14 ص 106 – أما إذا رفع المشتري دعوي استحقاق علي بائع العقار ، بسبب وجود عقد إيجار صادر من البائع بالنسبة إلي العقار المبيع دون أن يرد ذكره في عقد البيع المكتوب ، فلا يجوز للبائع أن يثبت علم المشتري بهذا الإيجار ، ورضاءه به في مقابل خصم جزء من الثمن ، بالبينة أو بالقرائن ( أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 336 )  .

( [83] ) فيجوز إثبات أن الذي حرر عقد التأمين هو عامل شركة التأمين ، بالبينة وبالقرائن ( بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 334 وهامش رقم 5 مكرر ) أما الغلط المادي والغلط في الحساب ، فإن كان ظاهراً أمكن القاضي تصحيحه من تلقاء نفسه  . لكن إذا ادعي الخصم أن هناك غلطا ماديا أو غلطا في الحساب ، ولم يكن هذا الغلط ظاهراً بحيث يمكن القاضي تصحيحه من تلقاء نفسه ، فلا يجوز إثباته بالبينة أو بالقرائن ( نقض مدني 9 ديسمبر سنة 1934 المحاماة 15 رقم 275 ص 580 بودري وبارد 4 فقرة 2571 – قارن الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات فقرة 186 ص 218 – ص 219 )  .      

( [84] ) دي باج 3 فقرة 870 مكرر – الأستاذ عبد السلام ذهني في الأدلة 1 ص 392 – الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 380  .  

( [85] ) الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 380 – ص 381 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات ص 219 – ص 220 – الأستاذ حسين المؤمن في نظرية الإثبات جزء 2 في الشهادة ص 457 – قارن الأستاذ عبد السلام ذهني في الأدلة 1 ص 198 – ص 199 و ص 394 – ص 395 – أنظر أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 336 – ص 337 وهامش رقم 12 وهامش رقم 13  .

ويذهب بعض الفقهاء إلي أن تاريخ التصرف القانوني يعتبر من محدداته ، فهو جزء منه ، فلا يجوز إثباته ، إذا لم يكن مكتوبا بالبينة أو بالقرائن في تصرف لا يجوز إثباته إلا بالكتابة ( لوران 19 فقرة 477 – فقرة 478 – بودري وبارد 4 فقرة 2572 – دي باج 3 فقرة 868 )  .

( [86] ) ونجيزيء هنا بذكر بعض أحكام القضاء المصري في هذه المسألة ، مرجئين تفصيل ما نجمله منها إلي الكلام في دعوي الصورية في المكان الخاص بآثار الالتزام : لا تثبت الصورية فيما بين المتعاقدين وبالنسبة إلي الخلف العام إلا بالكتابة : استئناف مصر 14 ديسمبر سنة 1922 المحاماة 5 رقم 358 ص 415 – 25 مارس سنة 1923 المحاماة 4 رقم 90 ص 134 – 29 مارس سنة 1923 المحاماة 3 رقم 344 ص 411 – 30 أبريل سنة 1923 المحاماة 4 رقم 181 ص 251 – 30 نوفمبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 310 ص 477 – 29 ديسمبر سنة 1927 المحاماة 8 رقم 462 ص 761 – 25 أبريل سنة 1940 المحاماة 21 رقم 254 ص 564 – نقض جنائي 4 يناير سنة 1924 المحاماة 7 رقم 142 ص 200 – استئناف مختلط 14 ديسمبر سنة 1927 م 39 ص 80 – 28 مايو سنة 1930 م 42 ص 528 – 6 مايو سنة 1931 م 43 ص 375 – 11 يناير سنة 1938 م 50 ص 90 – 9 نوفمبر سنة 1944 م 57 ص 7 – 7 فبراير سنة 1946 م 58 ص 40 – وقد قضت محكمة النقض بأن عقد القرض يجوز إثبات صورية سببه بالأوراق الصادرة من المتمسك به ، فإذا ذكر في سندات الدين أن قيمتها دفعت نقداً ، ثم اتضح من فحوي الرسائل الصادرة من الدائنة إلي مدينها في أوقات مختلفة – بعضها سابق علي تاريخ السندات وبعضها معاصر له أولا حق به – أنها كانت تستجديه وتشكر له إحسانه عليها ، جاز اعتبار هذه الرسائل دليلا كتابيا كافيا في نفي وجود قرض حقيقي ( نقض مدني 3 نوفمبر سنة 1932 المجموعة الرسمية 34 رقم 1 ص 12 ) – وقضت أيضا بأنه إذا كان المستأجر يطعن في عقد الإيجار بالصورية ، والمؤجر يدفع بعدم جواز الإثبات ، فلا يجوز للمحكمة – مادام الإيجار ثابتا بالكتابة ولا يوجد لدي المستأجر دليل كتابي علي دعواه – أن تقضي بصورة العقد بناء علي مجرد القرائن ، وإلا كان قضاؤها باطلا( نقض مدني 18 يونية سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 177 ص 485 ) – وقضت أيضا بأن الحكم الذي يقرر أنه لا يجوز لوارث الراهن أن يثبت بكل طرق الإثبات ، في مواجهة المرتهن ، صورية عقد الرهن ، بحجة أن الصورية لا تثبت بين العاقدين إلا بالكتابة ، لا يكون مخطئا في تطبيق القانون ( نقض مدني 24 مارس سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 399 ص 740 ) – وقضت أيضا بأنه متي كان الواقع هو أن المطعون عليهم رفعوا الدعوي يطلبن الحكم بتثبيت ملكيتهم إلي حصتهم الشرعية في تركة مورثهم ، فتمسك الطاعن بأنه اشتري من والده المورث جزءاً من الأطيان  . فطعن بعض الورثة في عقد البيع بالصورية استناداً إلي أن الطاعن كان قد استصدر من والده لمناسبة مصاهرته أسرة طلبت إليه أن يقدم الدليل علي كفايته المالية ، وطلبوا إحالة الدعوي علي التحقيق لإثبات ذلك بأي طريق من طرق الإثبات بما فيها البينة ، فنازع الطاعن في جواز الإثبات بهذا الطريق ، وكان الحكم إذ قضي بإحالة الدعوي علي التحقيق لإثبات مانعاه المطعون عليهم علي العقد بأي طريق من طرق الإثبات قد أقام قضاءه علي أنهم يعتبرون من الأغيار أيا كان الطعن الذي يأخذونه علي التصرف الصادر من مورثهم للطاعن ، فإن الحكم ، إذ أطلق للمطعون عليهم حق إثبات مطاعنهم علي هذا التصرف في حين أن علة الصورية إنما كانت إعطاء الطاعن مظاهر الثراء لتيسر زواجه بإحدي العقيلات ، يكون قد خالف قواعد الإثبات ( نقض مدني 21 ديسمبر سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 38 ص 195 )  .

ومع ذلك يجوز إثبات الصورية فيما بين المتعاقدين بالبينة وبالقرائن إذا كان هناك غش أو تحايل علي القانون : استئناف أهلي أول مارس سنة 1900 المجموعة الرسمية 2 ص 47 – 9 يونية سنة 1904 الاستقلال 3 ص 262 – نقض مدني 20 مارس سنة 1952 مجموعة أحكام النص 3 رقم 114 ص 665  . وانظر أيضا الأحكام التي سنوردها عند الكلام في التحايل علي القانون ( fraude a la loi ) ، والتحايل علي القانون هو نفس الحالة التي نحن بصددها  .

ويجوز للغير إثبات الصورية بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن : استئناف مصر أول يناير سنة 1907 المجموعة الرسمية 8 ص 213 – 10 أبريل سنة 1907 المجموعة الرسمية 9 ص 102 – 20 يناير سنة 1914 المجموعة الرسمية 15 ص 240 – 29 مارس سنة 1923 المحاماة 3 ص 411 – 12 يناير سنة 1925 المحاماة 5 رقم 289 ص 325 – 17 مارس سنة 1926 المحاماة 8 رقم 461 ص 759 – أول مايو سنة 1928 المحاماة 9 رقم 123 ص 216 – 24 يناير سنة 1929 المحاماة 9 رقم 209 ص 377 – 18 مارس سنة 1929 المحاماة 9 رقم 391 ص 627 – 21 مايو سنة 1935 المحاماة 16 رقم 127 ص 300 – 4 ديسمبر سنة 1935 المحاماة 16 رقم 220 ص 504 – نقض جنائي 3 نوفمبر سنة 1938 المحاماة 19 رقم 275 ص 669 – نقض مدني 29 ديسمبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 39 ص 133 – استئناف مختلط أول أبريل سنة 1920 م 32 ص 248 – 10 فبراير سنة 1931 م 43 ص 220 – 8 يونية سنة 1932 م 44 ص 360 – 26 مايو سنة 1936 م 48 ص 281 – 2 مارس سنة 1937 م 49 ص 119 – 6 يناير سنة 1942 م 54 ص 32 – هذا ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض بأن الخلف الخاص لا يعتبر من الغير ، فلا يجوز له إثبات الصورية إلا بالكتابة ، فإذا كان بائع العقار قد صدر منه عقد بيع ثان لمشتر آخر ، فإنه لا يصح والمشتري الثاني خلف للبائع أن تستدل المحكمة له بشهادة الشهود والقرائن علي صورية عقد البيع الصادر من سلفه إلي المشتري الأول قبل البيع الصادر منه اليه هو ( نقض مدني 27 مارس سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 179 ص 387 – وتعليق الأستاذ محمد حامد فهمي بهامش ص 338 – 389 ) ولكنها رجعت بعد ذلك عن هذا الخطأ ، وقضت بأن المشتري يعتبر من الغير في أحكام الصورية بالنسبة لمشتر آخر من نفس البائع له يزاحمه في الملكية ، فإذا أقام الحكم قضاءه بصورية عقد المشتري الآخر علي القرائن وحدها ، فإنه لا يكون قد خالف قواعد الإثبات ( نقض مدني 26 أكتوبر سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 4 ص 26 ) – انظر أيضا : استئناف مختلط 15 أبريل سنة 1909 م 21 ص 307 – 12 ديسمبر سنة 1912 م 25 ص 63 – 15 مايو سنة 1913 م 25 ص 379 – 4 يونية سنة 1918 م 30 ص 468  .

واعتبرت محكمة الاستئناف المختلطة الشفيع من الغير ، خطأ ، في عقد بيع صوري طلب الأخذ فيه بالشفعة  . فقضت بأنه لا يجوز الاحتجاج علي الشفيع بورقة ضد مؤداها أن البيع لم يقع إلا لضمان دين للمشتري علي البائع وأنه يفسخ بمجرد وفاء هذا الدين ( استئناف مختلط 27 مارس سنة 1902 م 14 ص 232 ) وسنعود إلي هذه المسألة عند الكلام في دعوي الصورية  .

( [87] ) كان المشروع التمهيدي ( م 541 ) يتضمن نصا لو بقي لأصبح الآن البند ( جـ ) في المادة 403 ، ونصه كالآتي : ”        يجوز أيضا الإثبات بالبين فيما كان يجب إثباته بالكتابة  .  . ( جـ ) إذا طعن في العقد بأن له سببا غير مشروع ”  . وقد ورد في شأنه في المذكرة الإيضاحية ما يأتي : ” أما الاستثناء الثالث فقد نص عليه المشروع الفرنسي الإيطالي ، وهو يفترض توافر ضرب من ضروب الغش ، ومن المعلوم أن الغش يجوز إثباته علي وجه الدوام بالبينة  . وإزاء ذلك قد يكون إفراد هذا الاستثناء بحكم خاص محلا للنظر ”  . وفي لجنة المراجعة نقل هذا البند إلي المادة 192 في السبب غير المشروع وكان يقصد به إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن إذا كان هناك احتيال علي القانون ( fraude a la loi ) ، فيقابل العبارة الأخيرة من المادة 1353 من التقنين الفرنسي التي لم تبح الإثبات بالقرائن إلا في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالبينة ، ما لم يكن العقد مطعونا فيه بسبب الغش أو التدليس ، وقد مرت الإشارة إلي هذا النص وإلي ما وجه إليه من انتقاد  . وقد استبقي المشروع الفرنسي الإيطالي مقابلا للنص الفرنسي في المادة 305 منه ، ونص أيضا في المادة 299 علي استثناء الطعن بعدم مشروعية من وجوب الإثبات بالكتابة  . والذي يعنينا هنا هو تقرير الحكم في ذاته ، فيجوز دائما الإثبات بالبينة وبالقرائن إذا كان هناك احتيال علي القانون  . وقد وضع المشروع الفرنسي الإيطالي هذا الحكم في مكان الاستثناء من قاعدة وجوب الدليل الكتابي بشقيها ، وهو الاستثناء الثالث ويأتي بعد الاستثناء الخاص بمبدأ الثبوت بالكتابة والاستثناء الخاص بالمانع من الحصول علي الكتابة أو من تقديمها  .وساير المشروع الفرنسي الإيطالي في ذلك المشروع التمهيدي للتقنين المصري الجديد ، ثم عدل المشروع النهائي عن هذه المسايرة  . وفي رأينا أن جعل هذا الحكم استثناء من قاعدة وجوب الدليل الكتابي بشقيها محل للنظر  . لأن الحكم إنما يرد في الكثرة الغالبة من الأحوال استثناء من الشق الثاني وحده  . وذلك ان المحل الغالب لتطبيقه هو أن يواجه الخصم خصمه بدليل علي تصرف قانوني صادر منه ، فيطعن هذا في التصرف بأن فيه احتيالا علي القانون ويريد إثبات هذا الاحتيال بجميع الطرق  . فإن كان الدليل الذي ووجه به دليلا غير مكتوب ، فهو في حل من أن يعارضه بدليل غير مكتوب دون حاجة إلي التذرع بهذا الحكم  . أما إذا كان الدليل الذي ووجه به دليلا مكتوبا ، ففي هذه الحالة وحدها – حيث تقضي القاعدة بعدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة – يحتاج الخصم إلي هذا الحكم ليتمكن من إثبات الاحتيال علي القانون بالبينة وبالقرائن معارضا بذلك دليلا مكتوبا  . ومن أجل ذلك آثرنا ، من الناحية العملية ، أن نعالج هذه المسألة في صدد القاعدة التي تقضي بعدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، علي أن نعالجها بإيجاز من ناحية الإثبات فحسب ، وإلا فهي قاعدة شاملة تتناول جميع نواحي القانون ( قارن الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 446 – ص 451 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات ص 217 )  .

 ( [88] ) وهناك رأي يذهب إلي أن الاحتيال علي القانون كالتدليس واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2166 وهامش رقم 2 – ديكوتيني في القرائن في القانون الخاص فقرة 109 ص 272 و ص 273 – الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات فقرة 217 ص 281 – ص 282 – ولكن قارن كولان وكابيتان وموانديير 2 فقرة 778 – الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 447 هامش رقم 1 ) ويبدو أن هناك فرقا بين أعمال التدليس والاحتيال علي القانون  . فأعمال التدليس الواقعة علي أحد المتعاقدين وقائع مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق أما الاحتيال علي القانون فتواطؤ ما بين المتعاقدين ، وتوافق ما بين إرادتيهما ، علي مخالفة قاعدة قانونية من النظام العام ثم إخفاء هذه المخالفة تحت ستار تصرف مشروع فهو إذن عنصر من عناصر التصرف القانوني – يتعلق بالمحل أو بالسبب – كان الواجب في الأصل أن يثبت بنفس الطريقة التي يثبت بها التصرف القانوني ، لولا أن فيه خروجا علي النظام العام ، فوجب تيسير كشفه كما قدمنا  .   

( [89] ) ومن المفيد في هذه المناسبة أن نشير إلي أنه يجوز إثبات التصرف القانوني ، ولو زاد علي النصاب ، بجميع الطرق في حالتين : ( أولا ) عندما يكون التصرف القانوني معتبراً واقعة مادية  . ويكون ذلك : 1 – إذا كان من يريد إثبات التصرف هو من الغير ، كالشفيع يريد إثبات البيع الذي يأخذ فيه بالشفعة فيجوز له إثباته بجميع الطرق  . 2 – إذا كان العقد صوريا ويريد الغير إثبات هذه الصورية ، فيجوز له إثباتها بجميع الطرق  . ويلاحظ أننا لا نحتاج هنا إلي القول ، في تبرير إباحة جميع الطرق في الإثبات ، أن الغير كان لا يستطيع الحصول علي الكتابة – إذ أن المانع من الحصول علي الكتابة يجب أن يكون مانعا قد قام في حالة بالذات كما سنري – بل يكفي أن نقول ان التصرف    القانوني يعتبر واقعة مادية بالنسبة إلي من يريد إثباته بجميع الطرق ، أي بالنسبة إلي الشفيع في الصورة الأولي وبالنسبة إلي الغير في الصورية في الصورة الثانية ، وقد تقدمت الإشارة إلي ذلك  . ( ثانيا ) عندما يكون التصرف القانوني قد داخله احتيال بجميع الطرق ، مع أن العقد بالنسبة إليه يعتبر تصرفا قانونيا لا واقعة مادية ، ولكنه يتذرع بأن هناك احتيالا علي القانون ( fraude a la loi ) وهذه هي الحالة التي نحن الآن بصددها  . وسنعود إلي هذه المسألة في موضع آخر  .

( [90] ) انظر الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 243 ص 448 – ويشير الأستاذ مع ذلك إلي نص المادة 739 من التقنين المدني ، وهي تقرر بطلان كل اتفاق خاص بمقامرة أو رهان ، ولمن خسر أن يسترد ما دفعه ، ولو أن يثبت ما أداه بجميع الطرق  . 

( [91] ) استئناف مختلط 25 فبراير سنة 1897 م 9 ص 194 – 13 فبراير سنة 1902 م 14 ص 134 – 22 يناير سنة 1919 م 31 ص 136  .

وقد قضت محكمة النقض ، بوجه عام ، أن الصورية التدليسيه لا يقتضي لتحقيقها وجود ثبوت بالكتابة ، وإنما هي تثبت بالقرائن في حق كل من مسه هذا التدليس ، سواء أكان طرفا في العقد أم لم يكن ( نقض مدني 18 نوفمبر سنة 1937 المحاماة 18 رقم 238 ص 453 – وانظر أيضا الموجز للمؤلف فقرة 676 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1528 ص 984 – ومحكمة النقض الفرنسية 6 مارس سنة 1950 جازيت دي باليه 1950 – 1 – 307 )  .

( [92] ) نقض مدني 25 مايو سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 142 ص 390 – والقضاء مضطرد في هذا المعني  . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا ثبت أن عقدين حررا في صورتي عقد بيع ، وكان الغرض من تحريرهما هو إخفاء قرض بربا فاحش ، فلا محل للقول بأنه لا يجوز الطعن في العقدين ولا إثبات ما يخالفهما بالبينة ، لأن جعل عملية تشتمل علي ربا فاحش في صورة عقد بيع فيه مخالفة للنظام العام ، ويجوز إثباتها بالبينة حتي فيما بين المتعاقدين ( 12 مارس سنة 1930 المجموعة الرسمية 31 ص 324 )  . وقضت أيضا بأن دعاوي الربا الفاحش ليست من الدعاوي التي يلزمها الدليل الكتابي علي قيامها  . بل تكفي فيها القرائن كما أنها ليست مقيدة بنصاب معين لقبول التحقيق فيها أو عدم قبوله ( 31 مارس سنة 1931 المجموعة الرسمية 33 ص 70 )  . وقضت محكمة طنطا أنه لما كان الربا الفاحش مخالفا للنظام العام ، جاز أن يثبت بكافة الطرق ان مبالغ متفقا عليها في عقد إيجار هي في الحقيقة ربا فاحش ، ولو كان هذا الإثبات مؤديا إلي ما يخالف مضمون العقد أو متناولا مبلغا تزيد قيمته علي الألف قرش ( 26 فبراير سنة 1903 الحقوق 18 ص 231 )  .  

( [93] ) نقض مدني 11 مايو سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 124 ص 494 – انظر أيضا حكما آخر في هذا المعني لمحكمة النقض في دائرتها المدنية في 24 ديسمبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 46 ص 297  .    

( [94] ) محكمة استئناف الإسكندرية 28 يناير سنة 1947 المحاماة 28 رقم 427 ص 1047  .      

( [95] ) محكمة استئناف مصر 23 يناير سنة 1932 المحاماة 13 رقم 24 ص 69  .

( [96] ) الأستاذ أحمد نشأت في الإثبات 1 فقرة 414 مكرر ص 390  .   

( [97] ) استئناف مختلط 21 مارس سنة 1931 م 43 ص 314  .       

( [98] ) الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 242 ص 451  .  

( [99] ) استئناف أهلي 14 ديسمبر سنة 1922 المحاماة 5 رقم 358 ص 415  .  

( [100] ) استئناف مختلط 20 ديسمبر سنة 1923 م 36 ص 103 ( الاتفاق علي أن شخصا لا يزايد علي الآخر ) – استئناف مختلط 10 مارس سنة 1931 م 43 ص 279 ( اشتراط مقابل مبالغ فيه من المدين المنزوعة ملكيته في نظير التدخل في المزايدة ) – الزقازيق الكلية 22 مايو سنة 1928 المحاماة 9 رقم 234 ص 412 ( الحصول علي اعتراف بالزوجية ) – جرجا الجزئية 14 يونية سنة 1927 المحاماة 8 رقم 49 ص 87 ( إخفاء معاملة تجارية تحت صورة وديعة مكان اتخاذ الإجراءات الجنائية )  .

( [101] ) استئناف أهلي 12 مايو سنة 1904 الاستقلال 3 ص 162 – 2 أبريل سنة 1913 المجموعة الرسمية 14 ص 172 – 24 مارس سنة 1914 الشرائع 1 ص 147 – 20 أكتوبر سنة 1914 الشرائع 2 ص 46 – 27 يناير سنة 1915 الشرائع 2 ص 179 – 29 مارس سنة 1917 المجموعة الرسمية 18 ص 119 – استئناف مختلط 7 مارس سنة 1901 م 13 ص 196 – 25 أبريل سنة 1906 م 18 ص 214  .  

( [102] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه لا يجوز إثباته الصورية بالقرائن إلا إذا كان العقد يخفي سببا غير مشروع ، أما الإدعاء بأن عقد البيع حرر لتكملة النصاب المقرر للعمدية أو للمشيخة فليس من هذا القبيل ، والوصرية المدعي بها يجب إثباتها بالكتابة ( 21 مايو سنة 1931 المجموعة الرسمية 32 رقم 9 ص 170 ) – وانظر أيضا حكم محكمة النقض ( دائرة مدنية ) في 21 ديسمبر سنة 1950 ( مجموعة أحكام النقض 2 رقم 38 ص 195 ) وهو الحكم الذي سبقت الإشارة إليه ويقضي بعدم جواز إثبات الصورية بالبينة أو بالقرائن إذا كان سببها هو إعطاء الشخص مظاهر الثراء ليتيسر زواجه بأحدي العقيلات  .

 ( [103] ) مثل ذلك ما قضت به المادة 739 من التقنين المدني من جواز استرداد من خسر في المقامرة ما أداه للكاسب ، وله أن يثبت ما أدي بجميع الطرق  . ومثل ذلك أيضا ما قضت به دائرة النقض من أنه يجوز بوجه عام إثبات ما داخله الغش بالبينة مهما كانت قيمة الالتزام ، فيجوز الإثبات بالبينة فيما يشبه النصب وفيما قام علي الغش ، كحالة ما إذا حصل شخص علي نقود يزيد مقدارها عما تجوز البينة فيه من امرأة في سبيل إحضار زوجها الغائب غيبة مريبة ( 8 مارس سنة 1929 المحاماة 9 ص 820 )   

المصدر: محامي في الأردن

 

التصرفات القانونية التجارية

التصرفات القانونية التجارية

  185 – جواز الإثبات بالبينة بالقرائن في التصرفات القانونية التجارية : رأينا أن المادة 400 من التقنين المدني تستثني المواد التجارية من وجوب الإثبات بالكتابة إذا زادت قيمة التصرف علي عشرة جنيهات . فالتصرف القانوني التجاري إذن يجوز إثباته بالبينة وبالقرائن ، حتي لو كانت قيمته تزيد علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة .

  وقد كانت المادة 234 / 299 من التقنين المدني السابق تنص علي هذا الحكم فتقول : ” عقود البيع والشراء وغيرها من العقود في المواد التجارية يجوز إثباتها ، بالنسبة للمتعاقدين وغيرهم ، بكافة طرق الثبوت ، بما فيها الإثبات بالبينة وبقرائن الأحوال ” . واكتفي التقنين المدني الجديد باستبعاد المواد التجارية في المادة 400 من وجوب الإثبات بالكتابة علي النحو الذي قدمناه ، فلم يورد نصا يقابل المادة 234 / 299 من التقنين المدني السابق تجنبا للتكرار .

  والسبب في إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن في المسائل التجارية ، أيا كانت قيمة التصرف القانوني ، هو ما يقتضيه التعامل التجاري من السرعة وما يستلزمه من البساطة . وما يستغرقه من وقت قصير في تنفيذه ( [1] ), علي أن هناك من المسائل التجارية ما لا يستقيم إلا بالكتابة مثل ذلك الأوراق التجارية ، لم يقتصر القانون فيها علي اشتراط الكتابة ، بل اشترط في الكتابة أن تستوفي شروطا معينة . كذلك فعل في المسائل التجارية التي تستغرق وقتا طويلا وتنطوي علي أهمية خاصة ، كما هو الأمر في عقود الشركات التجارية ( م 40 – 46 تجاري ) ، وفي عقود بيع السفن ( م 3 بحري ) ، وفي إيجارها ( م 91 بحري ) ، وفي التأمين عليها أو علي البضائع ( م 174 بحري ) ، وفي القروض البحرية ( م 150 بحري )  350  علي أن الإثبات بالبينة وبالقرائن في المسائل التجارية أمر جوازي للقاضي ، كما هو شأن الإثبات بالبينة وبالقرائن في أية مسألة أخري . فقد رأينا ان القاضي يقدر ما إذا كان الإثبات بالبينة وبالقرائن مستساغا ، ثم يقدر بعد ذلك ما إذا كانت البينة أو القرائن المقدمة للإثبات بهما غير مستساغ . وله أن يقدر أن هذا الإثبات لابد من تعزيزه بالكتابة ، وبخاصة بما هو مدون في الدفاتر التجارية لاسيما إذا كانت التصرفات المراد إثباتها ذات قيمة كبيرة أو كانت مما يصعب ضبطه بغير الكتابة وله سلطة واسعة في تقدير ما إذا كانت البينة أو القرائن المقدمة للإثبات كافية لاقناعة بصحة الواقعة المدعي بها ( [2] ) . ويجوز لأصحاب الشأن ، علي كل حال ، أن يتفقوا علي أن يكون الإثبات فيما بينهم في المسائل التجارية بالكتابة ، فتكون الكتابة عندئذ واجبة لأن إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن في التصرفات التجارية ليست قاعدة من النظام العام ، فيجوز الاتفاق علي ما يخالفها ، وسنعود إلي هذه المسألة .

    351  186 – العبرة بنوع التعامل وصفة الخصوم لا بالمحكمة المختصة : والقانون التجاري هو الذي يبين متي يعتبر التصرف القانوني تجاريا ، فيجوز إثباته بالبينة أو بالقرائن أيا كانت قيمته ( [3] ) .

وقد يقع التصرف القانوني بين شخصين ويعتبر بالنسبة إلي كل منهما تصرفا مدنيا ، كالمزارع يبيع جزءاً من محصوله إلي المستهلك . فالإثبات هنا لا يجوز أن يكون بالبينة أو بالقرائن إلا فيما لا يجاوز النصاب .

وقد يقع التصرف بين شخصين ويعتبر بالنسبة إلي كل منهما تصرفا تجاريا ، كصاحب المصنع يبيع سلعته من التاجر . فالإثبات يجوز أن يكون هنا بالبينة أو بالقرائن ، أيا كانت قيمة التصرف .

وقد يقع التصرف بين شخصين فيكون بالنسبة إلي أحدهما تصرفا مدنيا وبالنسبة إلي الآخر تصرفا تجاريا ، كالمزارع يبيع محصوله من التاجر ، وكالمستهلك يشتري من تاجر التجزئة ، وكعقد النشر بين المؤلف والناشر ، وكعقد النقل بين المسافر أو صاحب البضاعة وأمين النقل ، وكعمليات المصارف بين العميل والمصرف . وهذا ما يسمي بالتصرف المختلط . ففي هذه الحالة تسري القواعد المدنية في الإثبات علي من كان التصرف مدينا بالنسبة إليه ، فلا يجوز بالبينة أو بالقرائن إثبات تسليم الثمن إلي المزارع ولا تسليم السلعة إلي من اشتري من تاجر التجزئة ولا تسليم الأرباح إلي المؤلف ولا تسليم البضاعة إلي صاحبها من أمين النقل ولا العمليات المصرفية ضد العميل إلا فيما لا يجاوز النصاب . وتسري القواعد التجارية في الإثبات علي من كان التصرف تجاريا بالنسبة إليه ، فيمكن إثبات تسليم المحصول للتاجر ، وتسليم الثمن لتاجر التجزئة ، ومقدار أرباح المؤلف ضد الناشر ، وتسليم البضاعة لأمين النقل ، والعمليات المصرفية ضد المصرف ، بالبينة أو بالقرائن ، أيا كانت قيمة الالتزام ( [4] ) .  352  والعربة بنوع التعامل لا بالمحكمة المختصة . فقد يطرح نزاع تجاري أمام محكمة  353  المدنية ، فنتبع قواعد الإثبات التجارية . وقد يطرح نزاع مدني أمام محكمة تجارية ، فنتبع قواعد الإثبات المدنية ( [5] ) .

187 – جميع المسائل التجارية يجوز إثباتها بالبينة وبالقرائن ، حتي فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها : ومتي ثبت للتصرف الصفة التجارية علي الوجه الذي قدمناه ، جاز إثباته ، كما سبق القول ، بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمة التصرف ، حتي لو كان الأمر يتعلق بجريمة تنطوي علي عقد مدني كجريمة التبديد ، فيجوز إثبات عقد الودية مثلا بجميع الطرق أيا كانت قيمة الشيء المودع ( [6] ) .

ومن باب أولي يجوز إثبات الوقائع المادية في المسائل التجارية بجميع طرق الإثبات . مثل ذلك أن يصاب عامل في مصنع ، فلهذا العامل أن يثبت مسئولية صاحب المصنع بجميع الطرق .

بل يجوز أيضا ، إذا كان التصرف القانوني التجاري ثابتا بالكتابة ، إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها بالبينة وبالقرائن ( [7] ) . وسنعود إلي هذه المسألة في موضع آخر .


( [1] ) أما المعاملات المدنية فتستغرق عادة طويل في التنفيذ ، ومن ثم الحاجة إلي الكتابة ( بيدان وبرو 9 فقرة 1269 )  . 

( [2] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه يجوز للمحكمة رفض الإثبات بالبينة في دعوي تجارية تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ( استئناف أهلي 21 فبراير سنة 1912 المجموعة الرسمية 13 رقم 51 ) – وقضت محكمة الزقازيق الوطنية بأن إباحة الإثبات بجميع الطرق في المسائل التجارية أمر جوازي ، ولا يقبل إلا إذا أدلي بوقائع من شأنها التدليل علي احتمال انعقاد عقد تجاري ( 2 أبريل سنة 1929 المحاماة 9 رقم 419 ص 668 ) – وقضت محكمة الاستئناف المختلطة أبان إباحة الإثبات بجميع الطرق في المسائل التجارية أمر جوازي ( استئناف مختلط 29 يناير سنة 1890 م 2 ص 360 – 5 نوفمبر سنة 1890 م 3 ص 17 – 8 مارس سنة 1917 أم 29 ص 284 ) ، وبأنه يجب وجود قرائن قوية لإثبات الفوائد الربوية بالبينة حتي في المسائل التجارية ( استئناف مختلط 5 ديسمبر سنة 1901 م 14 ص 34 )  .

وقضت محكمة النقض بأنه إذا لم تأخذ المحكمة في نزاع بين تاجر ومصلحة الضرائب بالبيانات الواردة في دفاتره ، محتجة بأنه لم يثبت فيها جميع مشترياته ، فإنها بذلك لا تكون قد خالفت القانون بتحتيم إثبات العقود التجارية بالكتابة ، ولا يصح من الممول طعنه في الحكم محتجا بالمادتين 215 و 234 من القانون المدني ( م 400 فقرة 1 جديد ) اللتين تجيزان إثبات العقود التجارية بجميع الطرق القانونية ، سواء بالنسبة إلي المتعاقدين أو غيرهم ، فإن محل الاحتجاج بهما أن يكون التاجر قد طلب إلي المحكمة الترخيص له في أن يثبت بالبينة صحة البيانات الواردة بدفتره فقضتا بعدم جواز هذا الإثبات ( نقض مدني 16 ديسمبر سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 353 ص 684 ) وانظر في هذه المسألة بودري وبارد 4 فقرة 2579  .

( [3] ) الأستاذ محسن شفيق في القانون التجاري المصري فقرة 153 – فقرة 158  .  

( [4] ) أوبري ورو 12 فقرة 763 ص 341 – الموجز للمؤلف ص 708 – انظر مع ذلك بونيلال وريبير وجابولد وتعليقه علي القضاء الفرنسي 7 فقرة 1519 ص 974 – وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأن إذا كان المدعي عليه تاجراً ، فالقواعد التجارية تتبع في دعواه ، خصوصا فيما يتعلق بقبول الإثبات بالبينة ( استئناف أهلي 13 يناير سنة 1903 المجموعة الرسمية 4 رقم 73 )  . وقضت محكمة الإسكندرية الوطنية بأنه إذا كان العقد مدنيا بالنسبة إلي أحد المتعاقدين وتجاريا بالنسبة إلي ثانيهما ، جاز للأول أن يثبت براءة ذمته من المدين بطرق الإثبات المقبولة في المواد التجارية ( 11 أبريل سنة 1907 المجموعة الرسمية 8 رقم 78 ) وقضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه إذا كانت المعاملة تجارية لأحد المتعاملين ومدنية بالنسبة إلي الآخر ، فلا يجوز الإثبات في حق الآخر إلا طبقا لأحكام القانون المدني ، فلا يقبل الإثبات بالبينة إذا زادت قيمة المدعي به علي ألف قرش  . فإذا ادعي تاجر شراء قطن رجل من ذوي الأملاك ، وقدم دليلا علي دعواه ” علم القباني ” الذي يبين وزن القطن المبيع ، فإن هذه الورقة لا تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة علي البائع لأنها ليست صادرة منه ، ومن ثم ترفض دعوي التاجر ( استئناف مصر 13 ديسمبر سنة 1920 المحاماة 2 رقم 54 ص 179 – انظر أيضا استئناف مصر 27 مارس سنة 1923 المحاماة 3 رقم 6 ص 18 )  .

وصفة التاجر أمر يصح إثباته بالبينة لأنه واقعة مادية( طهطا 25 يولية سنة 1904 المجموعة الرسمية 6 رقم 47 / 2 ) ويعتبر مدنيا التزام الوكيل بالعمولة إذا لم يعلن اسم موكله ( استئناف مختلط 10 مارس سنة 1926 م 38 ص 280 ) ولا يجوز طلب الإحالة علي التحقيق لإثبات وساطة السمسار في الصفقة إذا كانت المعاملة بالنسبة إلي المدعي عليه بالجر مدنية ويزيد فيها المبلغ المطلوب إثباته علي النصاب الجائز إثباته بالبينة ( استئناف مصر 6 فبراير سنة 1938 المحاماة 19 رقم 170 ص 386 – انظر أيضا في هذا المعني محكمة السنبلاوين 4 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 19 رقم 242 ص 595 ، وانظر عكس ذلك محكمة الإسكندرية الوطنية 3 أبريل سنة 1918 المجموعة الرسمية 19 رقم 116 فقد قضت بأن أعمال السمسرة تعتبر في نظر القانون أعمالا تجارية ، سواء كان القائم بها محترفا السمسرة أولا ، وسواء كان الغرض منها إبرام عقد تجاري أو مدني ، وعلي ذلك يجوز لمن كان وسيطا في عقد بيع وليست لديه كتابة مثبتة لحقه في السمسرة ان يلجأ إلي الإثبات بالبينة ولو تجاوزت السمسرة عشرة جنيها )  .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة – بأن إثبات الالتزام المدني يكون بالكتابة ، حتي لو كان هذا الالتزام مرتبطا بالتزام تجاري ، فإن هذا الارتباط لا يرفع عن كل العمليتين صفتها المتميزة ، ولا يستوجب استثناء من أحكام القانون المتعلقة بطرق الإثبات ( استئناف مختلط 6 يونية سنة 1922 م 34 ص 463 )  .

وقضت محكمة النقض بأنه متي كان طرفا النزاع تاجرين ، فلا جناح علي المحكمة إن هي أحالت الدعوي علي التحقيق ليثبت المدعي صدور بيع منه إلي المدعي عليه وقيمة الأشياء المبيعة ، لأن الإثبات في المواد التجارية جائز بكافة طرق الإثبات  . وقد اعتبر القانون التجارية في الفقرة التاسعة من المادة الثانية منه عملا تجاريا جميع العقود والتعهدات الحاصلة بين التجار والمتسببين والسماسرة والصيارف ما لم تكن العقود والتعهدات المذكورة مدنية بحسب نوعها أو بناء علي نص العقد  . ولا يخرج تصرف التاجر عن هذا الاعتبار إنكاره للتصرف أو ادعاؤه أنه لا يتجر في البضاعة المدعي بشرائها ، إذ ليس من شأن هذا الإدعاء لو صح أن يجعل التصرف مدنيا ( نقض مدني 28 يناير سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 68 ص 458 )  .

( [5] ) أوبري ورو 12 فقرة 763 مكررة ص 340 – 341 وهامش رقم 6 مكرر الموجز للمؤلف ص 709 – وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه إذا كان النزاع من اختصاص المحاكم التجارية وكان الالتزام غير تجاري من جانب المدين ، فلا يجوز الإثبات ضده بالبينة والقرائن ( استئناف مختلط 20 ديسمبر سنة 1905 م 18 ص 46 – انظر أيضا : استئناف مختلط 11 فبراير سنة 1926 م 38 ص 242 – 18 يونية سنة 1942 م 54 ص 427 )  .

والقاعدة في الاختصاص – بالنسبة إلي التصرف القانوني المختلط – أن التصرف إذا كان تجاريا بالنسبة إلي المدعي عليه ، جاز رفع الدعوي أمام المحكمة التجارية أم المحكمة المدنية  . أما إذا كان التصرف بالنسبة إلي المدعي عليه مدني ، فلا يجوز رفع الدعوي إلا أمام المحكمة المدنية  .  

( [6] ) أوبري ورو 12 فقرة 763 مكررة ص 337 – ص 338  .

( [7] ) فيجوز إثبات أن سبب الالتزام المكتوب غير صحيح ، أو أن هناك تعديلا شفويا أجري فيه ، أو انه قد انقضي ، وذلك كله بالبينة أو بالقرائن ( أوبري ورو 12 فقرو 763 مكررة ص 338 – ص 339 ) بودري وبارد 4 فقرة 2576 – بيدان وبرو 9 فقرة 1270 لكن إذا كانت الكتابة رسمية ، ويراد إثبات ما يخالف جزاءً منها لا يجوز إنكاره إلا عن طريق الطعن بالتزوير ، فإنه يجب الالتجاء إلي إجراءات هذا الطعن ( أوبري ورو 12 فقرة 763 مكررة هامش رقم 2 )  .

وقد كان القضاء المختلط يجري في العهد الأول علي تحتيم الكتابة لإثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها في المسائل التجارية : استئناف مختلط 18 فبراير سنة 1892 م 4 ص 111 – 7 مايو سنة 1902 م 14 ص 280 – 3 فبراير سنة 1904 م 16 ص 123 – 21 مارس سنة 1906 م 18 ص 165 – 25 ابريل سنة 1906 م 18 ص 211 – 16 مايو سنة 1906 م 18 ص 254 – 15 أبريل سنة 1915 م 27 ص 282 ثم عدل عن هذا الخطأ ، ورجع إلي المبدأ الصحيح ، فأجاز إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها في المسائل التجارية بالبينة بالقرائن : استئناف مختلط 29 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 56 – 2 يناير سنة 1935 م 47 ص 81 – 25 مارس سنة 1937 م 49 ص 168 – 7 أبريل سنة 1943 م 55 ص 130  .

وغني عن البيان أن إثبات المواد التجارية بالبينة وبالقرائن ليس فحسب جائزا فيما بين المتعاقدين ، بل هو أيضا جائز بالنسبة إلي الغير  . وقد قضي ، تطبيقا لذلك ، بأن عقد الإيجار الذي يتم بين تاجر السيارات وأحد عملائه ، وبمقتضاه يؤجر التاجر للعميل سيارة تصبح ملك العميل بعد الوفاء بالأقساط ، يجوز لتاجر السيارات أن يثبته بالبينة في مواجهة الغير ( استئناف مختلط 29 أبريل سنة 1930 م 42 ص 459 ) انظر في هذه المسألة الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات فقرة 216 ص 402  .

أما إذا اتفق تاجران علي أن يكون الإثبات بينهما بالكتابة ، فإنه لا يجوز لأي منهما أن يثبت ما يخالف هذه الكتابة أو يجاوزها إلا بالكتابة ( انظر الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات فقرة 194 ص 242 والأحكام التي أشار إليها )

المصدر: محامي في الأردن

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

 .

قوة البينة والقرائن في الإثبات

قوة البينة والقرائن في الإثبات

181 – قوة مطلقة وقوة محدودة : تقضي المادة 400 من التقنين المدني بأن التصرف القانوني ، في غير المواد التجارية ، لا يجوز إثباته بالبينة إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة .

فالقوة المحدودة في الإثبات للبينة والقرائن إنما هي في ميدان التصرفات القانونية المدنية . ويستخلص من ذلك أن للبينة والقرائن قوة مطلقة في الإثبات خارج هذا الميدان . فتكون لها هذه القوة المطلقة في الوقائع القانونية المادية ( faits juridiques materiels ) وفي التصرفات القانونية التجارية ( actes juridiques commerciaux ) .

الفرع الأول

قوة الإثبات المطلقة للبينة والقرائن

المبحث الأول

الوقائع القانونية المادية

182 – طبيعة الوقائع المادية تستعصي علي فرض الكتابة للإثبات : هناك فرق واضح بين التصرف القانوني والواقعة المادية .

فالتصرف القانوني إرادة تتجه إلي إحداث أثر قانوني معين فيرتب القانون عليها هذا الأثر ، ولما كانت هذه الإرادة لها مظهر خارجي هو التعبير ، فإن القانون اقتضي ألا يكون إثبات هذا التعبير ، كقاعدة عامة ، إلا عن طريق الكتابة ، وذلك لاعتبارين أساسيين : ( 1 ) لأن التعبير عن إرادة تتجه لإحداث أثر قانوني أمر دقيق ، قد يغم علي الشهود فلا يدركون معناه ، ولا يؤدون الشهادة  341  فيه بالدقة الواجبة ، وسنعود إلي هذا الاعتبار عند الكلام في إثبات التصرف القانوني . ( 2 ) والتصرف القانوني ، فوق ذلك ، هو الذي تستطاع تهيئة الدليل الكتابي ( prevue preconstituee ) عليه وقت وقوعه ، ومن ثم كان اشتراط الكتابة لإثباته أمرا ميسوراً .

أما الواقعة المادية فلا يقوم في شأنها أي من الاعتبارين المتقدمين . فهي تحدث ، وتراها الناس ، فلا تختلف أفهامهم كثيرا في روايتها كما وقعت ، إذ هي ليست من الدقة والتعقيد بالمنزلة التي رأيناها للتصرف القانوني . وهب أن واقعة مادية كانت من الدقة بحيث تختلف أفهام الناس في إدراكها ، فهل يكون ميسوراً تسجيلها بالكتابة عند وقوعها؟ قليل من الوقائع هو الذي يتيسر فيه ذلك . وقد عمد المشرع إلي الخطير من هذه الوقائع ، كالميلاد والموت ، فأوجب تسجيله بالكتابة علي نحو خاص ( [1] ) . أما الكثرة الغالبة من الوقائع المادية التي تحدث آثاراً قانونية فلا يتيسر إثباتها بالكتابة . فيكفي إذن إثباتها بالبينة وبالقرائن . بل بنفتح في إثباتها جميع أبواب الإثبات ، وبخاصة باب المعاينة فهو من أرحب الأبواب للوقوف عليها ( [2] ) .

183 – أنواع الوقائع المادية : والوقائع المادية التي تحدث آثاراً قانونية كثيرة متنوعة .

  342  منها ما يكون مصدراً للالتزام ، كالعمل غير المشروع ( [3] ) . والبناء والغراس في الإثراء علي حساب الغير ، والقيان بأعمال مادية في الفضالة ، والجوار والقرابة في الالتزامات القانونية .

ومنها ما يكون سببا لكسب الحقوق العينية ، كالموت والميلاد في الميراث ( وهذان يراعي في إثباتهما أوضاع خاصة كما قدمنا ) ، والحيازة ، والاستيلاء ، والبناء والغراس في الالتصاق ، ومضي الزمن في التقادم ، والجوار في الشفعة .

ومنها ما يحدث آثاراً قانونية أخري ، كانتزاع الحيازة في قطع التقادم ، واستعمال حقوق الارتفاق بعد تركها ، وتنفيذ الالتزامات عن طريق أعمال مادية ( [4] ) . والعمل بالإعسار أو بالفقه( [5] ) أو بالعيوب الخفية أو بالبيع في  343  الشفعة ( [6] ) أو بغير ذلك من الوقائع ( [7] ) ، والتواطؤ ، والغلط والتدليس ( [8] ) والإكراه والاستغلال ، والعرف إذا كان ملحوظا في العقد .

فالقاعدة العامة في هذه الوقائع المادية ، التي أوردنا بعض أمثلة منها ، أنه يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن . فللبينة والقرائن إذن ، في ميدان الوقائع المادية ، قوة مطلقة في الإثبات تستوي في ذلك مع الكتابة ، بل قد تزيد عليها من ناحية الحاجة إليها .

184 – وقائع مادية تستوقف النظر : وهناك حالات للوقائع المادية تحتاج إلي إمعان في النظر .

فهناك وقائع مختلطة ( faits mixtes ) ، يقوم فيها العمل المادي إلي جانب التصرف القانوني ، وذلك كالوفاء والإقرار ، فهذه حكمها في الإثبات حكم التصرفات القانونية لا تثبت فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . أما الاستيلاء  344  فواقعة مختلطة ، ولكن يغلب فيها طابع العمل المادي ، ومن ثم تثبت بالبينة والقرائن .

وهناك وقائع مركبة ( faits complexes ) ، كالشفعة وهذه تجتمع فيها جملة من الوقائع : الجوار وهو واقعة مادية تثبت بجميع الطرق ، وبيع العين المشفوع فيها وهو بالنسبة إلي الشفيع واقعة مادية أيضا تثبت بجميع الطرق ، وإرادة الأخذ بالشفعة وهذا تصرف قانونية لا يثبت إلا بالكتابة بل لا بد من طريق خاص في التعبير عن الإرادة هنا بينه القانون .

والحيازة واقعة مادية ( [9] ) ، ولكن قد يداخلها تصرف قانوني . فإذا أراد المالك أن يثبت أن الحائز للعين هو مستأجر منه ، وجب عليه أن يثبت عقد الإيجار بالكتابة إذا زاد علي النصاب . أما إذا أراد إثبات أن الحائز لا يقوم بأعمال الحيازة لحسابه الشخصي بل باعتباره مستأجراً فلا يستطيع التملك بالتقادم ، كان كل من الحيازة والإيجار واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( [10] ) .

  345  والغير في التصرف القانوني يجوز له إثبات هذا التصرف بجميع الطرق لأنه ليس طرفا فيه ، فهو بالنسبة إليه واقعة مادية ( [11] ) . وحتي فيما بين المتعاقدين قد يقع ليس فيما إذا كان المطلوب إثباته تصرفا قانونيا فلا يثبت إلا بالكتابة ، أو واقعة مادية فتثبت بجميع الطرق ( [12] ) .

  346  وفي الإخلال بالتزام عقدي ، يجوز إثبات العمل المادي الذي كون واقعة  347  الإخلال بجميع الطرق لأنه واقعة مادية ( [13] ) . أما العقد الذي أخل به فهو تصرف قانوني ، لا يجوز إثباته فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة .

وفي التبديد وغيره من الجرائم التي تستند إلي عقود مدنية ، لا يجوز إثبات هذه العقود فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . ومن ثم نري أن الإخلال بالتصرف القانوني قد يكون واقعة مادية ، وأن الجريمة قد تنطوي علي تصرف قانوني ( [14] ) .

  348  وقطع التقادم إذا تم بواقعة مادية ، كالعودة إلي استعمال حق الارتفاق ، يثبت بجميع الطرق وإذا تم بتصرف قانوني ، كالاعتراف بحق الارتفاق أو دفع الفوائد والأقساط ، فلا يجوز الإثبات فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة ( [15] ) .

والشركة الفعلية ( societe de fait ) واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( [16] ) .

ودفع غير المستحق تصرف قانوني يجب إثباته بالكتابة فيما زاد علي النصاب ( [17] ) .

وأعمال الفضالة بالنسبة إلي رب العمل وقائع مادية يجوز لهذا إثباتها بجميع الطرق ، حتي لو كان من بين هذه الأعمال تصرف قانوني قام به الفضولي . ولا يجوز إثبات هذا التصرف القانوني ، فيما بين الفضولي ومن تعاقد معه ، إلا بالكتابة فيما زاد علي النصاب ( [18] ) .


( [1] ) وضع القانون نظاما خاصا لإثبات المواليد والوفيات بقيدها في سجلات خاصة يجوز الحصول علي مستخرجات منها ( القانون رقم 130 لسنة 1946 ) وكذلك نصت لائحة المحاكم الشرعية علي طرق معينة تثبت بها الوفاة والوراثة أمام تلك المحاكم ( م 355 – 361 )  .

وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يمكن إثبات الوفاة إلا بمستخرج من سجل الوفيات ( 15 أبريل سنة 1897 م 9 ص 272 ) ونصت المادة 30 من التقنين المدني علي أنه ” 1 – تثبت الولادة والوفاة بالسجلات الرسمية المعدة لذلك  . 2 – فإذا لم يوجد هذا الدليل ، أو تبين عدم صحة ما أدرج بالسجلات ، جاز الإثبات طريقة أخري ”  .

( [2] ) استئناف مختلط 23 فبراير سنة 1899 م 11 ص 33( خدمات أديت هي السبب في الالتزام ) – 25 مايو سنة 1899 م 11 ص 239 – 9 أبريل سنة 1902 م 14 ص 224 – 15 مايو سنة 1947 م 59 ص 198 – والمعاينة لها صور متنوعة ، فقد تكون ثابتة في محضر انتقال المحكمة للمعاينة ، أو في تقرير الخبير الذي انتدبته المحكمة في دعوي إثبات الحالة ، أو في محضر تحقيق جنائي أو إداري ، أو غير ذلك  .      

( [3] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن اختلاس الورثة بعض أعيان التركة يثبت بجميع الطرق ( 16 سنة 1930 م 42 ص 200 )  . وقضت أيضا بأنه يمكن إثبات العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب بجميع الطرق( 4 فبراير سنة 1892 م 4 ص 165 – 5 يناير سنة 1893 م 5 ص 161 – 9 ديسمبر سنة 1946 م 59 ص 37 )  .       

( [4] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه يجوز إثبات التصرف القانوني بالقرائن إذا كان قد بديء في تنفيهذ بعمل مادي ، وذلك دون نظر لقيمة ما تم من أعمال التنفيذ المادية ( 10 فبراير سنة 1944 م 56 ص 58 ) – وقضت محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية بأن البدء في التنفيذ إذا كان ماديا ، كالبدء في البناء جاز إثباته بجميع الطرق ، وإن كان تصرفا قانونيا كالوفاء فلا يثبت بالبينة إذا زاد علي عشرة جنيهات ( 7 مارس سنة 1926 المحاماة 7 رقم 18 ص 34 )  .

ويقرب من ذلك أن يكون مظهر التعبير عن الإرادة ، لا عمل تنفيذا ماديا ، بل وضعا ماديا يستخلص منه الرضاء  . ويبدو أنه يجب التمييز ، في هذا الوضع المادي ، بين التعبير عن الإرادة في ذاته ويكفي فيه الوضع المادية ، وبين إثبات هذا التعبير ولا يجوز إلا بالكتابة إذا زادت قيمة التصرف علي عشرة جنيهات ( قارن الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 395 – 396 والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات وفقرة 170 وفقرة 190 )  . فالقسمة مثلا عقد لا يجوز إثباته إلا بالكتابة فيما جاوز النصاب ( استئناف مختلط 28 ديسمبر سنة 1905 م 18 ص 56 ) ، حتي لو استخلصت القسمة ضمنا من أعمال مادية تدل عليها ، ما لم تكن هذه الأعمال المادية هي تنفيذ فعلي للقسمة ( قارن محكمة الاستئناف المختلطة في 10 يونية سنة 1947 م 59 ص 246 – 20 مايو سنة 1948 م 60 ص 121 ) – وانظر أيضا التجديد الضمني للإيجار ، إذ البقاء في العين المؤجرة يعتبر عملا ماديا تنفيذيا للإيجار الجديد  .

( [5] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر الوطنية بأن العلم بقيام حالة السفه والإقدام علي التعامل مع السفيه وقت قيامها للاستفادة منها والرغبة في الهروب من أحكام القانون ، كل هؤلاء من الوقائع التي يصح إثباتها بكافة الطرق القانونية ومنها البينة والقرائن ( 7 نوفمبر سنة 1937 المحاماة 18 رقم 244 ص 461 )  .  

( [6] ) استئناف مختلط أول مايو سنة 1902 م 14 ص 275 – 6 أبريل سنة 1904 م 16 ص 182 – 5 مارس سنة 1940 م 52 ص 174  .  

( [7] ) وقد قضت محكمة مصر الكلية الوطنية بأنه يجوز إثبات واقعة انتشار الاختراع بكافة الطرق القانونية لأنها من الوقائع المادية ، والأدوات المطبوعة والكتولوجات يجوز أن يستنتج منها القرائن التي تشير إلي انتشار الاختراع ( 15 يناير سنة 1935 المحاماة 15 رقم 329 / 2 ص 396 )  .  

( [8] ) ويجوز إثبات التدليس بجميع الطرق حتي فيما بين المتعاقدين ( نقض مدني 18 أبريل سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 252 ص 708 – 18 نوفمبر سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 73 ص 199 – 18 نوفمبر سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 74 ص 200 – استئناف مختلط 4 فبراير سنة 1891 م 3 ص 172 – 21 ديسمبر سنة 1893 م 6 ص 64 – 4 يناير سنة 1900 م 12 ص 68 – 13 نوفمبر سنة 1924 م 37 ص 9 – محكمة أسيوط الكلية 12 يونية سنة 1937 المحاماة 18 رقم 132 ص 261 ) – ومما يدخل في إثبات التدليس إثبات الفوائد الربوية ، فيجوز إثباتها بجميع الطرق بشرط أن تكون هناك قرائن قوية علي وجودها ( استئناف أهلي 29 مارس سنة 1917 المجموعة الرسمية 18 رقم 69 – استئناف مختلط 11 ديسمبر سنة 1889 م 2 ص 97 – 25 نوفمبر سنة 1896 م 9 ص 37 – 22 ديسمبر سنة 1897 م 10 ص 48 – أول فبراير سنة 1899 م 11 ص 111 – 8 فبراير سنة 1900 م 12 ص 108 – 29 مارس سنة 1900 م 12 ص 183 – 13 أبريل سنة 1905 م 17 ص 207 – 9 ديسمبر سنة 1930 م 43 ص 69 25 مايو سنة 1932 م 44 ص 338 )  . 

( [9] ) وقد قضت محكمة النقض بأن وضع اليد واقعة مادية العبرة فيه بما يثبت قيامه فعلا فإذا كان الواقع يخالف ما هو ثابت من الأوراق ، فيجب الأخذ بهذا الواقع واطراح ما هو غير حاصل وإذن فلا علي المحكمة إذا هي أحالت دعوي منع التعرض علي التحقيق ، وكلفت المدعي فيها إثبات وضع يده الذي ينكره عليه خصمه ، ولو كان بيده محضر تسليم رسمي في تاريخ سابق ( نقض مدني 15 يونية سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 152 ص 611 ) – وقضت أيضا بأنه لما كان وضع اليد واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات ، وكان القانون لا يشترط مصدراً معينا يستقي منه القاضي الدليل ، فإنه لا حرج علي المحكمة إذا هي أقامت قضاءها في هذا الخصوص علي ما استخلصته من أوراق أو مستندات تمليك أو حتي من أقوال وردت في شكوت إدارية( نقض مدني 19 فبراية سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 73 ص 500 ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن تملك حق ارتفاق مستمر ظاهر بالتقادم يجوز إثباته بجميع الطرق ( 15 مايو سنة 1939 م 42 ص 500 ) ، وقضت أيضا بأن البقاء في العين المؤجرة أو إخلاءها واقعة مادية تثبت بجميع الطرق ( 23 أبريل سنة 1896 م 8 ص 249 )  .

( [10] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كانت المحكمة بعد أن نفت صفة الظهور عن وضع يد المدعي ، وبعد أن قررت أن شهوده لم يبينوا صفة وضع يده ، فأثبتت بذلك عجزه عن إثبات ظهوره ، مظهر المالك ، قد استطردت فقالت إن المدعي عليه يقول إن المدعي إنما وضع يده بصفته مستأجراً وإن ظروف الدعوي وملابساتها وأوراقها تدل علي صدق قوله ، فذلك من المحكمة ليس حكما بقيام عقد الإيجار بين طرفي الدعوي حتي كان يصح النعي عليها أنها خالفت فيه قواعد إثبات عقد الإيجار ، بل هو استكمال لما ساقته نفيا لما ادعاه المدعي من أنه في وضع يده علي المنزل كان ظاهراً بمظهر المالك ( نقض مدني 16 يناير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 140 ص 303 )  . ولكن إذا أريد إثبات الحيازة ذاتها عن طريق تصرفات قانونية لا عن طريق أعمال مادية ، كما إذا تمسك الخصم لإثبات حيازته بعقد مقايضة وقع علي الأرض المتنازع عليها ، فإنه لا يجوز إثبات عقد المقايضة إلا بالكتابة ( استئناف مختلط 22 مايو سنة 1902 م 14 ص 319 )  . انظر في هذه المسألة أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 312 والهامش رقم 9 – هيك 8 فقرة 280 – لوران 19 فقرة 432 – ديمولومب 30 فقرة 20 – بودري وبارد 3 فقرة 2521  .         

( [11] ) وفي رأينا ان هذه القاعدة ليست تطبيقا للقاعدة التي تقضي بأنه يجوز الإثبات بجميع الطرق عند قيام مانع من الحصول علي الكتابة  . فالمانع من الحصول علي الكتابة الذي يبرر الإثبات بغيرها يجب أن يكون كما سنري مانعا ذاتيا ، أي في قضية بذاتها ، لا مانعا موضوعيا عاما يتحقق في جميع الأقضية  . وهنا المانع موضوعي عام لا ذاتي خاص ، إذ أن كل ” غير ” ليس طرفا في العقد يتعذر عليه الحصول علي دليل كتابي ، ومن ثم تكون هذه القاعدة مستقلة عن قاعدة قيام المانع ، وتتلخص في أن الغير يجوز له إثبات التصرف القانوني بجميع الطرق إذا كان هذا التصرف يعتبر النسبة إليه واقعة مادية ( قارن استئناف مختلط 22 يناير سنة 1890 م 2 ص 386 – 16 مارس سنة 1916 م 28 ص 207 – 8 فبراير سنة 1917 م 29 ص 206 )  . ويترتب علي ذلك أنه يجوز للشفيع – وبيع العقار المشفوع فيه يعتبر بالنسبة إليه واقعة مادية – أن يثبت بالبينة أن الثمن الوارد في هذا العقد أعلي من الثمن الحقيق بقصد منعه من استعمال حقه في الأخذ بالشفعة ، وللمحكمة أن تقضي عليه بدفع الثمن الذي ثبت من شهادة الشهود ومن تقدير الخبراء أنه هو الثمن الحقيقي ( استئناف أهلي 23 فبراير سنة 1909 المجموعة الرسمية 10 رقم 87 )  . ويترتب علي ذلك أيضا أن المنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير – وعقد الاشتراط يعتبر بالنسبة إليه تصرفا قانونيا لا واقعة مادية – لا يجوز له أن يثبت هذا العقد إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات إلا بالكتابة  . وكذلك يفعل الدائن إذا كان المدين قد التزم نحوه بإرادته المنفردة ، لأن هذه الإرادة تعتبر تصرفا قانونيا بالنسبة إلي الدائن ، وسيأتي بيان ذلك  .  

( [12] ) وعلي القاضي أن يتبين ما إذا كان المطلوب إثباته تصرفا قانونيا أو واقعة مادية ، ثم يجري بعد ذلك حكم القانون  . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان الحكم الابتدائي قد قضي بإلزام المدعي عليه بمبلغ معين علي أنه ثمن بضاعة ، مقيما هذا القضاء علي ثبوت حصول اتفاق شفوي بين المدعي والمدعي عليه لا حق للعقد المكتوب بينهما في شأن توريد هذه البضاعة ، وأن المدعي عليه قد تخلف عن تسلمها برغم دعوته إلي ذلك بإنذار وجهه إليه المدعي ، ثم جاءت محكمة الاستئناف فاستظهرت من صحيفة الدعوي وأوراقها ودفاع طرفيها أنها مؤسسة علي هذا الاتفاق المدعي لا علي العقد المكتوب بين طرفيها ، وقضت برفضها بناء علي أن المدعي قد عجز عن إثبات حصول هذا الاتفاق ، فإنها لا تكون قد أخطأت  . ولا يقبل من المدعي أن ينعي عليها أنها قد مسخت دعواه إذا اعتبرتها مؤسسة علي الاتفاق المذكور في حين أنها دعوي بتعويض عن عدم تنفيذ العقد المكتوب ، ما دام المبلغ الذي طلبه إنما كان بناء علي الاتفاق الخاص الذي زعم أنه تم بينه وبين المدعي عليه بعد العقد المكتوب بينهما  . لا علي أساس هذا العقد ( نقض دني 16 يناير سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 137 ص 298 )  .

وقضت محكمة النقض أيضا بأن ما يخلفه مورث ما لورثته مما كان في حيازته ماديا من عقار أو منقول أو نقد ، وكذلك استيلاء وارث ما علي شيء من مال التركة ، عقاراً كان أو منقولا أو نقداً – كل ذلك من قبيل الوقائع التي لا سبيل لإثباتها إلا بالبينة  . وإنما الذي يطلب فيه الدليل الكتابي هو العمل القانوني التعاقدي الذي يراد أن يكون حجة علي شخص ليس عليه أو علي من هو مسئول قانونا عنهم دليل قانوني يدل عليه  . وإذن فلا يصح الطعن في الحكم بمقوله إنه أخطأ في قبول شهادة الشهود علي وجود المبلغ المتروك وتحديده مع أنه ليس في الدعوي دليل يفيد أن المورث ترك مالا نقداً أو يفيد أن المبلغ المتروك عن هذا الوارث هو كذا غير إقرار الطاعن نفسه ( نقض مدني 23 مايو سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 267 ص 792 )  .

وقضت أيضا بأنه إذا كان من أدلة تزوير العقد أن المنسوب إليها صدوره منها كانت قد تصرفت في بعض الأطيان التي وردت في العقد ، فإنه يجوز إثبات هذا التصرف بالبينة والقرائن مهما كانت قيمته ، لأنه يعتبر – بالنسبة إلي أدلة التزوير – واقعة مادية ( نقض مدني 31 ديسمبر سنة 1942 مجموعة عمر 4 رقم 15 ص 36 )  .

وقضت أيضا بأن القانون لم يحرم علي المحكمة إثبات صحة الختم الموقع به علي بشهادة الشهود ، وإنما هو حرم عليها إثبات المشارطة المتعلقة بها الورقة بهذا الوسيلة  . فمن حق المحكمة أن تستنتج صحة الختم في ذاته متي ثبت لديها أن صاحبه قد وقع به الورقة المطعون فيها بشخصه ( نقص مدني 8 مارس سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 219 ص 584 )  . ولكن توقيع صاحب الختم بختمه علي الورقة ينطوي علي تصرف قانوني يثبت بالكتابة ( نقض فرنسي 18 يوليه سنة 1906 سيريه 1906 – 1 – 488 – بودري وبارد 4 فقرة 2522 ص 219 )  .

وقضت أيضا بأنه إذا قضت المحكمة لبعض الملاك المشتاعين بملكية بعض الأعيان المشتركة مفرزة ، وبنت حكمها علي أن كلا منهم قد استقل بوضع يده علي جزء معين من الملك الشائع حتي تملكه بمضي المدة ، مستدلة علي ذلك بالبينة والقرائن ، فهذا الحكم لا يعتبر مؤسسا علي التقرير بوقوع تعاقد علي قسمة بين الشركاء ، ولذلك لا يصح النعي عليه أنه قد خالف القانون إذ هو لم يستند إلي دليل كتابي علي القسمة ( نقض مدني 4 أبريل سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 59 ص 147 )  .

انظر طريقة توكيل محامي

وقضت أيضا بأن الدعوي المرفوعة علي سيد وخادمه بطلب الحكم عليهما متضامنين بتعويض عن سرقة الخادم استودعت السيد هي دعويان : دعوي الجريمة المنسوبة إلي الخادم وإثباتها جائز بكل طرق الإثبات إذ هي واقعة مادية وغير متوقفة علي عقد الوديعة ، ودعوي موجهة إلي اليد بمسئوليته عن الخارج إذ هو تابع له وهذه ليس مطلوبا فيها إثبات عقد الوديعة علي السيد ، ومن ثم يجوز إثبات محتويات العلبة بالبينة والقرائن ( نقض مدني أول مايو سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 198 ص 432 )  .

أما الوعد بالزواج ( promesse de marriage ) فرأي يذهب فيه إلي أنه واقعة مختلطة يمتزج فيها العمل المادي بالتصرف القانوني  . ورأي آخر يذهب إلي أنه لما كان الوعد بالزواج غير ملزم فهو لا يعدو أن يكون واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( أنظر في هذه المسألة juris – classeur 151 – م 1341 – 1344 فقرة 36 – فقرة 42 )  .

( [13] ) أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 313 – ص 314 – ديمولومب 30 فقرة 17 – لوران 19 فقرة 433 – هيك 8 فقرة 480 – بودري وبارد 4 فقرة 2521 – كذلك يمك إثبات مدي الضرر الذي ترتب علي الإخلال بالالتزام الطرق لأنه واقعة مادية  . وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن إثبات الأشياء الضائعة وقيمتها في حادث سكة حديدية جائز بجميع الطرق ( 11 مارس سنة 1897 م 9 ص 196 )  .

( [14] ) وقد قضت محكمة النقض بأن الدليل لا ارتباط له بالمسئولية في حد ذاتها ، وإنما يتعلق بذات الأمر المطلوب إثباته  . فقد تكون المسئولية تعاقدية ومع ذلك يكون الإثبات فيها بالبينة والقرائن في حالة التعهد بعدم فعل شيء عندما يرغب المتعهد له إثبات مخالفة المتعهد لتعهده ، وقد تكون المسئولية جنائية أو تقصيرية ومع ذلك يكون الإثبات فيها بالكتابة حتما بالنسبة للعقد المرتبط بها إذا كانت قيمته تزيد علي ألف قرش في غير المواد التجارية والأحوال الأخري المستثناة كما هي الحال في جريمة خيانة الأمان ( نقض مدني 29 فبراير سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 34 ص 75 )  . انظر أيضا : استئناف أهلي أول مارس سنة 1900 المجموعة الرسمية 2 رقم 47 – استئناف مختلط 10 ديسمبر سنة 1918 م 31 ص 50  .

وقد قضت محكمة النقض ( الدائرة الجنائية ) بأن المحاكم وهي تفصل في الدعاوي الجنائية لا تتقيد بقواعد الإثبات الواردة في القانون المدني إلا إذا كان قضاؤها في الواقعة الجنائية يتوقف علي وجوب الفصل في مسألة مدنية تكون عنصراً من عناصر الجريمة المطلوب منها الفصل فيها  . فإذا هي في واقعة سرقة قد عولت في إدانة المتهم علي شهادة الشهود بأنه هو الذي باع المسروق لمن ضبط عنده ، فلا تثريب عليها في ذلك ولو كانت قيمة المبيع تزيد علي العشرة الجنيهات ، وذلك لأن سماعها الشهود لم يكن في مقام إثبات تعاقد المتهم مع المشتري ، وإنما كان في خصوص واقعة مادية بحتة جائز إثباتها بالبينة والقرائن وغير ذلك من طريق الإثبات المختلفة ، وهي مجرد اتصال المتهم بالأشياء المسروقة قبل انتقالها من يده إلي يد من ضبطت عنده بغض النظر عن حقيقة سند هذا الانتقال الذي لم يكن يدور حوله الإثبات ، لأنه مهما كان لا يؤثر في الدعوي ( نقض جنائي 27 يناير سنة 1941 المحاماة 21 رقم 362 ص 759 )  .

( [15] ) أوبري ورو 12 فقرة 762 ص 314 وهامش رقم 11 وهامش رقم 12  .    

( [16] ) استئناف مختلط 14 مايو سنة 1902 م 14 ص 297  .

( [17] ) فإذ 1 ا أعدم الدائن الذي قبض غير المستحق سند الدين وهو حسن النية ، فلمن دفع غير المستحق أن يرجع علي المدين الحقيقي بدعوي الإثراء ( م 184 مدني ) وفي هذه الحالة يعتبر انشغال ذمة المدين الحقيقي بالدين واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 192 ص 239 )  .  

( [18] ) انظر الجزء الأول من هذا الوسيط فقرة 861 – فقرة 862  .   

المصدر: محامي في الأردن

    

القواعد التى تتبع فى سماع البينة

القواعد التى تتبع فى سماع البينة

169 – من مباحث قانون المرافعات : أما القواعد التى تتبع فى سماع الشهود فهى من مباحث قانون المرافعات . ونجتزئ هنا ببيان كيف تحال القضية إلى التحقيق لسماع الشهود ، وكيف تسمع الشهود ، متوخين الإيجاز .

170 – كيف تحال القضية إلى التحقيق لسماع الشهود : فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ، ويرى القاضى أن هذا الإثبات مستساغ على النحو الذى بيناه ، يجوز للمحكمة ، من تلقاء نفسها متى رأت فى ذلك فائدة  325  للحقيقة أو بناء على طلب الخصم ، أن تأمر بالإثبات بالبينة ( [1] ) . والحكم الذى يصدر بإحالة القضية إلى التحقيق لسماع الشهود يجب أن يبين فى منطوقه كل واقعة من الوقائع المأمور بإثباتها ، واليوم الذى يبدأ فيه التحقيق ، والميعاد الذى يجب أن يتم فيه ( م 189 – 191 مرافعات ) . وهذا هو ما يسمى بالتحقيق الفرعى ( enquete incidente ) .

171 – كيف تسمع الشهود : يكون التحقيق – سماع الشهود – أمام المحكمة . ويجوز لها ، إذا خيف التعطيل ، أن تندب أحد قضاتها لإجرائه ( م 193 مرافعات ) .

والإذن لأحد الخصوم فى إثبات واقعة بشهادة الشهود يقتضى دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق فى نفيها بهذا الطريق ( م 192 مرافعات ) . وفى هذا ضمان كبير اتخذ ضد تحيز الشهود أو ضعف ذاكرتهم أو عدم دقتهم عن طريق إيجاد  326  ضرب من التوازن بين شهود الإثبات وشهود النفى ( [2] ) . وتقضى المادة 194 من تقنين المرافعات بأن التحقيق يستمر إلى أن يتم سماع جميع شهود الإثبات والنفى فى الميعاد ، ويجرى سماع شهود النفى فى نفس الجلسة التى سمعت فيها شهود الإثبات إلا إذا حال دون ذلك مانع . ويلاحظ أن تقنين المرافعات الجديد استوحى نظام المرافعات الشرعية فى حصر الدليل ، فأوجب أن يكون للتحقيق ميعاد لا يجوز مدة أكثر من مرة واحدة ( م 195 مرافعات ) ، ولم يجز سماع شهود بناء على طلب الخصوم بعد انقضاء ميعاد التحقيق ، وإن جاز ذلك بأمر المحكمة ( م 196 مرافعات ) ( [3] ) .

ولابد من تحليف الشاهد اليمين قبل أداء الشهادة ، وإلا كان التحقيق باطلاً ( م 212 مرافعات ) ( [4] ) . وإذا رفض الشاهد الحضور امتنع بغير برر قانونى عن أداء اليمين أو عن الإجابة ، حكم عليه بغرامة ، ويجوز للمحكمة إصدار أمر بإحضاره ( م 199 وم 201 مرافعات ) .

ولا يجوز رد الشاهد ولو لكان قريباً أو صهراً لأحد الخصوم ، إلا أن يكون غير قادر على التمييز بسبب حداثة أو هرم أو مرض أو لأى سبب آخر ( م 203 مرافعات ) .

وتثبت إجابات الشهود فى المحضر . ولا يجوز للشاهد أن يفشى سر وظيفته أو سر مهنته إلا بإذن خاص ، ولا لأحد الزوجين أن يفشى سر الزوجية ولو بعد انقضائها بغير رضاء الزوج الآخر ( م 206 – 209 مرافعات ) .

وبمجرد انتهاء التحقق والفراغ من سماع الشهود تحدد أقرب جلسة لنظر  327  الدعوى ( م 221 مرافعات ) ( [5] ) .

الفرع الثانى

القرائن القضائية

172 – النصوص القانونية : تنص المادة 407 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 ” يترك لتقدير القاضى استنباط كل قرينة لم يقررها القانون . ولا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ( [6] ) ” .

ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن المادة 215 / 280 من هذا التقنين كانت تبيح الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زادت قيمته على عشرة جنيهات . وكذلك كانت المادة 117 / 282 تبيح الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زادت قيمته على عشرة جنيهات إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة . فدل ذلك على أن البينة والقرائن متلازمان ، فما يجوز إثباته بالأولى يجوز إثباته بالثانية ، وهذا بالرغم من أن بعض النصوص كانت تكتفى بذكر البينة دون القرائن ( م 220 – 221 / 285 – 286 ) .

  328  

ويقابل هذا النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى م 92 : وفى التقنين المدنى العراقى المادة 505 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 310 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 395 ( [7] ) .

ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1353 ( [8] ) .

173 – تعريف القرينة – نوعان من القرائن : عرفت المادة 1349 من التقنين المدنى الفرنسى القرائن بوجه عام بأنها هى ” النتائج  329  التى يستخلصها القانون أو القاضى من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة “

 ” Les presomptions sont des consequences que la loi ou le magistrate tire d’un fait connu a un fait inconnu “

فهى إذن أدلة غير مباشرة ، إذ لا تقع الإثبات فيها على الواقعة ذاتها مصدر الحق ، بل على وقاعة أخرى إذا ثبتت أمكن أن يستخلص منها الواقعة المراد إثباتها . وهذا ضرب من تحويل الإثبات ( deplacement de preuve ) من محل إلى آخر ، وسنعود إلى ذلك فيما بعد . مثل ذلك أن تكون الزوجية قرينة عى الصورية ، فالواقعة المعلومة هى قيام الزوجية بين المتعاقدين ، ويستدل القاضى من هذه الواقعة الثابتة على الواقعة المراد إثباتها ، وهى صورية العقد المبرم ما بين الزوجين . ومثل ذلك أيضاً أن يكون وجود سند الدين فى يد المدين قرينة على الوفاء ، فالواقعة المعلومة هى وجود سند الدين فى يد المدين ، ويستدل القاضى من هذه الواقعة على واقعة الوفاء . ومثل ذلك أخيراً أن يكون التصرف فى مرض الموت قرينة على التصرف وصية ، فالواقعة المعلومة هى إبرام التصرف فى مرض الموت ، ويستدل القاضى منها على أن هذا التصرف وصية .

والقرائن ، كما قدمنا ، إما قرائن قانونية أو قرائن قضائية . فالقرائن القانونية ( presomptions legales, presomptions de droit ) هى التى ينص عليها القانون . وهى ليست طريقاً للإثبات ، بل هى طريق يعفى من الإثبات ، فسنبحثها إذن مع الإقرار واليمين . والقرائن القضائية ( presomptions juduciaires, presomptions du fait de l’homme, presomptions simples ) هى التى تترك لتقدير القاضى يستخلصها من ظروف القضية وملابساتها ، وهى وحدها موضع هذا البحث .

ونبحث : ( أولاً ) عناصر القرينة القضائية وسلطة القاضى فى تقديرها ( ثانياً ) تكييف القرائن بوجه عام وتحولها من قرائن قضائية إلى قرائن قانونية .

المبحث الأول

عناصر القرينة القضائية وسلطة القاضى فى تقديرها

174 – عنصران للقرينة القضائية : للقرينة القضائية عنصران :  330  ( 1 ) واقعة ثابتة يختارها القاضى من بين وقائع الدعوى ، وتسمى هذه الواقعة بالدلائل أو الأمارات ( indices ) . وهذا هو العنصر المدى للقرينة . ( 2 ) عملية استنباط يقوم بها القاضى ، ليصل من هذه الواقعة الثابتة إلى الواقعة المراد إثباتها . وهذا هو العنصر المعنوى للقرينة .

175 – واقعة ثابتة يختارها القاضى : قد يستخلص القاضى الدليل – إذا لم يوجد إقرار أو يمين أو قرينة قانونية – لا من ورقة مكتوبة ، ولا من بينة تسمع ، ولكن من ظروف القضية وملابستها ، أو كما يقول التقنين المدنى العراقى ( م 505 ) من قرائن يستخلصها من ظروف الدعوى بعد أن يقتنع بأن لها دلالة معينة . وسبيله إلى ذلك أن يختار بعض الوقائع الثابتة أماه فى الدعوى . قد يختارها من الوقائع التى كانت محل مناقشة بين الخصوم . وقد يختارها من ملف الدعوى ، ولو من تحقيقات باطلة . بل قد يختارها من أوراق خارج الدعوى ، كتحقيق إدارى أو محاضر إجراءات جنائية ولو كانت هذه المحاضر قد انتهت بالحفظ ( [9] ) .

وقد تكون الواقعة التى اختارها القاضى ثابتة بالبينة ( [10] ) أو بورقة مكتوبة ( [11] ) ،  331  أو بيمين نكل الخصم عن حلفها ( [12] ) ، أو بإقرار من الخصم ( [13] ) ، أو بقرينة أخري دلت علي الواقعة التي تستنبط منها القرينة ( [14] ) ، أو بجملة من الطرق مجتمعه ( [15] ) .

  332  يقف القاضي إذن عند واقعة يختارها تثبت عنده ، ولتكن واقعة قرض ثبتت بورقة مكتوبة أو ببينة أو بقرينة أو بغير ذلك . والقاضي حر في اختيار الواقعة التي يقف عندها ، إذ يراها أكثر مواتاة للدليل وأيسر في استنباط القرينة .

176 – استنباط الواقعة المراد إثباتها من الواقعة الثابتة : ويبدأ بعد ذلك أشق مجهود يبذله القاضي في استخلاص الدليل . إذ عليه أن يستنبط من هذه الواقعة الثابتة الدليل عل الواقعة التي يراد إثباتها ، فيتخذ من الواقعة المعلومة قرينة علي الواقعة المجهولة . ففي المثل المتقدم لا يكون القاضي متعنتا إذا هو استخلص من واقعة القرض التي اختارها أن المقترض كان في حاجة إلي المال عندما عقد القرض ، فإذا أدعي أنه اشتري ، بعد القرض بأيام قليلة وقبل أن يفي بالقرض ، دارا من المقرض بثمن يزيد كثيرا علي مبلغ القرض ، ودفع له الثمن في الحال ، كانت هذه الوقائع متعارضة مع دلالة الواقعة الثابتة . فإذا طعن شخص في عقد البيع الصادر من المقرض إلي المقترض بأنه بيع صوري ، أو دفع بصورية دفع الثمن ، كان للقاضي أن يستخلص من واقعة القرض وحاجة المقترض إلي المال وتعارض هذه الحاجة مع دفعه ثمنا كبيراً يزيد كثيراً علي مبلغ القرض ، كان له أن يستخلص من كل ذلك قرينة علي أن المقترض لم يدفع إلي المقرض ، فتكون هذه القرينة القضائية دليلا علي الصورية .

  333  سلطة القاضي وساعة في التقدير : وقد رأينا فيما تقدم أن للقاضي سلطة واسعة في استنباط القرائن القانونية . فهو حر في اختيار واقعة ثابتة ، من بين الوقائع المتعددة التي يراها أمامه ، لاستنباط القرينة منها ، ثم هو واسع السلطات في تقدير ما تحمله هذه الواقعة من الدلالة ، وهذا هو الاستنباط . وفيه تختلف الأنظار ، وتتفاوت المدارك . فمن القضاة من يكون استنباطه سليما فيستقيم له الدليل ، ومنهم من يتجافي استنباطه مع منطق الواقع . ومن ثم كانت القرينة القضائية من أسلم الأدلة من حيث الواقعة الثابتة التي تستنبط منها القرينة ، ومن أخطرها من حيث صحة الاستنباط واستقامته ( [16] ) .

والقاضي ، فيما له من سلطان واسع في التقدير ، قد تقنعه قرينة واحدة قوية الدلالة ، ولا تقنعه قرائن متعددة إذا كانت هذه القرائن ضعيفة متهافتة ( [17] ) . وأما ما يذكره التقنين المدني الفرنسي ( م 1353 ) من وجوب اجتماع قرائن قوية الدلالة دقيقة التحديد ظاهرة التوافق ، فليس إلا من قبيل توجيه القاضي ( [18] ) . ويبقي حق التقدير النهائي في ذلك له . ولا تعقب عليه محكمة النقض في  334  هذا التقدير ( [19] ) ، ما دامت القرينة التي اعتبرها دليلا علي ثبوت الواقعة تؤدي عقلا إلي ثبوتها ( [20] ) .

178 – لا يجوز أن يثبت بالقرائن القضائية إلا ما يجوز إثباته بالبينة : ونري مما تقدم أن الإثبات بالقرائن القضائية لا يخلو من الخطر فالقاضي ، كما رأينا ، يتمتع في استنباط القرينة القضائية بحرية واسعة ، في ميدان تتفاوت فيه الأفهام ، وتتباين الأنظار . فليس ثمة من استقرار كاف في وزن الدليل ، وما يراه قاض قرينة منتجة في الإثبات لا يري قاض آخي فيه شيئا .

من أجل ذلك كانت القرينة القضائية ، كدليل إثبات ، دون منزلة الكتابة ، فهي تتساوي في منزلتها مع البينة ( [21] ) . ولا يجوز الإثبات بقرينة قضائية إلا  335  حيث ييجوز الإثبات بالبينة ( [22] ) . ( م 407 مدني ) ( [23] ) .

  336  ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي ما سبق أن ذكرناه في عبء الإثبات من أن هذا العبء ينتقل في الواقع من خصم إلي خصم وفقا للقرائن القضائية التي يستخلصها القاضي من ظروف الدعوي . فالقاضي يأخذ بالقرائن القضائية ، لا للإثبات الكامل فحسب ، بل أيضا لنقل عبء الإثبات من جانب إلي جانب ، ثم لرده إلي الجانب الأول ( [24] ) .

والقرينة القضائية كالبينة حجة متعدية غير ملزمة ، وهي أيضا كالبينة غير قاطعة ، غذ هي دائما تقبل إثبات العكس ، إما بالكتابة أو بالبينة أو بقرينة مثلها أو بغير ذلك ، فهي من هذه الناحية كالقرينة القانونية غير القاطعة .

المبحث الثاني

تكييف القرائن بوجه عام وتحولها من قرائن قضائية إلي قرائن قانونية

176 – تكييف القرائن بوجه عام : القرينة ليست إلا نقل الإثبات من الواقعة المراد إثباتها بالذات إلي واقعة أخري قريبة منها ، إذا ثبتت اعتبر ثبوتها دليلا علي صحة الواقعة الأولي .

ويقلو بارتان في هذا المعني : ” تقتضي طبيعة الأمور أن نستبدل بإثبات الواقعة مصدر الحق المدعي به ، وهي واقعة يتعذر إثباتها ، إثبات واقعة أخري قريبة منها ( voisin ) ومتصلة بها ( connexe ) ويطلب الخصم من القاضي أن يستخلص من صحة الواقعة الثانية ، عن طريق استنباط يطول أو يقصر ، صحة  337  الواقعة الأولي التي لا يتمكن من إثباتها بطريق مباشر ، فيتحول محل الإثبات علي نحو ما وهذا ما اقترح تسميته بتحول الإثبات ( deplacement de prevue ) وهو من الخصائص الجوهرية للإثبات القضائي ” ( [25] ) .

ففي القرينة القضائية القاضي هو الذي يختار هذه الواقعة القريبة المتصلة بالواقعة المراد إثباتها . أما في القرينة القانونية فالقانون هو الذي يتولي هذا الاختيار ( [26] ) .

وهذه الواقعة القريبة المتصلة – وهي الأمارة ( indice ) – لا تعطي للقاضي إلا علما ظنيا . وبالاستنباط ينتقل القاضي من العلم الظني إلي العلم اليقيني ( de la vraisemblanca a la certitude ) ، ومن الراجح إلي المحقق ( de la probabilite au reel ) ( [27] ) .

180 – تحول القرائن القضائية إلي قرائن قانونية : يقول بارتان هنا أيضا : ” أن القرينة القانونية ليست في الواقع من الأمر إلا قرينة قضائية قام القانون بتعميمها وبتنظيمها ” ( La presumption legale n est au fand qu une presumption de fait generalisee et systematisee par la loi ) وهذا صحيح من حيث التكييف والتأصيل . فالقرينة القانونية ليست في الأصل إلا قرينة قضائية تواترت واضطرد وقوعها ، فاستقر عليها القضاء . ومن ثم لم تصبح هذه القرينة متغيرة الدلالة من قضية إلي أخري ، فرأي المشرع في اضطرادها واستقرارها ما يجعلها جديرة بأن ينص علي توحيد دلالتها ، فتصبح بذلك قرينة قانونية ( [28] ) .

  338  والأمثلة علي ذلك كثيرة ، نذكر بعضها :

يشترط في نجاح الدعوي البوليصية في المعاوضات أن يكون المدن معسراً ، وأن يكون هناك تواطؤ بين المدين ومن تصرف له . فكان إعسار المدين تقوم عليه ، في ظل التقنين المدني السابق ، قرينة قضائية ، تحولت في التقنين المدني الجديد إلي قرينة قانونية ، إذ تنص المادة 239 من هذا التقنين علي أنه ” إذا ادعي الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون ، وعلي المدين نفسه أن يثبت أن له ما لا يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها ” .

وكانت هناك ، في ظل التقنين السابق ، سلسلة من القرائن القضائية تقوم دليلا علي غش المدين وتواطئه مع من تصرف له بعوض . وقد تحولت هذه القرائن القضائية إلي قرائن قانونية في التقنين المدني الحالي ، إذ تنص المادة 238 من هذا التقنين علي أنه ” إذا تنص المادة 238 من هذا التقنين علي أنه ” إذا كان تصرف المدين بعوض اشترط لعدم نفاذه في حق الدائن أن يكون منطويا علي غش من المدين ، وأن يكون من صدر له التصرف علي علم بهذا الغش . ويكفي لاعتبار التصرف منطويا علي الغش أن يكون قد صدر من المدين وهو عالم أنه معسر ، كما يعتبر من صدر له التصرف عالما بغش المدين إذا كان قد علم أن هذا المدين معسر ” .

وجري القضاء ، في ظل التقنين المدني السابق ، علي اعتبار الوفاء بقسط من الأجرة قرينة قضائية علي الوفاء بالأقساط السابقة ( [29] ) . واضطرد هذا القضاء واستقر ، فارتفعت هذه القرينة القضائية في التقنين المدني الجديد إلي منزلة القرينة القانونية ، إذ نصت المادة 587 من هذا التقنين علي أن ” الوفاء بقسط من الأجرة قرينة علي الوفاء بالأقساط السابقة علي هذا القسط ، حتي يقوم الدليل علي عكس ذلك ” .

وقد يقع ، علي النقيض من ذلك ، أن قرينة قانونية تنزل إلي قرينة قضائية ،  339  كما وقع في القرينة المستفادة من وجود سند الدين في يد المدين .فقد كان التقنين المدني السابق ( م 219 / 284 )يجعله قرينة قانونية علي الوفاء ، إلي أن يقيم الدائن دليل علي العكس ( م 220 / 285 ) ولن يستبق التقنين المدني الجديد هذا النص ، نزلت هذه القرينة القانونية إلي مرتبة القرينة القضائية .

وبالرغم من أن القرينة القضائية والقرينة القانونية من طبيعة واحدة من حيث التكييف والتأصيل ، إلا أنهما تختلفان من حيث مهمة كل منهما . فالقرينة القضائية طريق إيجابي من طرق الإثبات أما القرينة القانونية فهي ، كما قدمنا ، إعفاء من الإثبات ، مؤقت أو دائم وفقا لما إذا كانت القرينة تقبل إثبات العكس أو لا تقبل ذلك ( [30] ) .


( [1] ) وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأن للقاضى أن يقضى من تلقاء نفسه بإحالة القضية إلى التحقيق للإثبات بالبينة إذا رأى وجهاً لذلك وكان الإثبات بالبينة جائزاً قانوناً  . وعليه فى هذه الحالة أن يبين فى دقة الوقائع المراد إثباتها ، والخصوم هم الذين يحضرون شهودهم ، إثباتاً ونفياً ( 14 مايو سنة 1919 م 31 ص 300 ) – وقضت أيضاً بأنه يجوز قبول طلب الخصم إحالة الدعوى إلى التحقيق دون أن يبين الوقائع المراد إثباتها ، ما دامت المحكمة تستطيع من تلقاء نفسها أن تفعل ذلك إذا رأت وجه المصلحة فيه ( 18 يناير سنة 1927 م 39 ص 171 – 31 مارس سنة 1937 م 49 ص 174 )  .

( [2] ) نقض مدنى 16 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 75 ص 171 : أن التحقيق ، وقد كان فى خصوص مرض الموت ، لم تتح فيه للمتمسكين بالتصرف فرصة نفى يد المدعى ، والمقرر فى الإثبات بالبينة أن يمكن الخصم من نفى الدليل الذى يقدمه خصمه نزولاً على حكم المادة 181 من قانون المرافعات ( م 192 جديد )  .

( [3] ) وقد أورد التقنين المدنى العراقى سلسلة من النصوص فى القواعد التى تتبع فى سماع البينة ، تضاف إلى الأحكام التى قررها قانون أصول المحاكمات الحقوقية  . وقد أريد بنصوص التقنين المدنى تقريب الشقة ما بين الغربية فى الشهادة ونظرية الفقه الإسلامى ( انظر المواد 492 – 501 من هذا التقنين )  .

( [4] ) استئناف مختلط 10 مايو سنة 1944 م 56 ص 175  .

( [5] ) انظر فى إجراءات التحقيق بصفة أصلية ( enquete principale ) المواد 222 – 224 من تقنين المرافعات  .

( [6] ) تاريخ النص : ورد هذا النص فى المادة 545 من المشروع التمهيدى على وجه مطابق لما استقر عليه فى التقنين الجديد  . وأقرته لجنة المراجعة تحت رقم 420 فى المشروع النهائى  . ووافق عليه مجلس النواب ، فلجنة مجلس الشيوخ تحت رقم 407 ، فمجلس الشيوخ ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 428 – ص 430 )  .

وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى صدد هذا النص ما يأتى : ” استلهم المشروع فى هذه المادة أحكام التقنين الفرنسى ( م 1353 ) والتقنين الإيطالى ( م 1354 ) والتقنين الهولندى ( م 1959 ) والتقنين الكندى ( م 1242 ) والتقنين التونسى المراكشى ( م 444 / م 400 ) والتقنين الأسبانى ( م 1253 ) والمشروع الفرنسى الإيطالى ( م 305 ) وبوجه خاص أحكام المادة 2519 من التقنين البرتغالى  . ويقوم الإثبات بالقرائن غير المقررة فى القانون على تفسير القاضى لما هو معلوم من الأمارات والوقائع تفسيراً عقلياً لتكوين اعتقاده ، من طريق استخلاص الواقعة المجهولة التى يراد إقامة الدليل عليها من مقدمات هذا المعلوم ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 428 – ص 459 )  .

( [7] ) نصوص التقنينات المدينة العربية الأخرى : قانون البينات السورى م 92 : 1 – القرائن القضائية هى القرائن التى لم ينص عليها القانون وأمكن القاضى أن يستخلصها من ظروف الدعوى وأن يقتنع بأن لها دلالة معينة ، ويترك لتقدير القاضى استنباط هذه القرائن  . 2 – لا يجوز الإثبات بالقرائن القضائية إلا فى الأحوال التى يجوز فيها الإثبات بالشهادة  . ( ولا خلاف فى الحكم ما بين التقنين المصرى وقانون البينات السورى )  .

التقنين المدنى العراقى م 505 : 1 – يجوز الإثبات بالقرائن القضائية ، وهى القرائن التى لم ينص عليها القانون وأمكن للمحكمة أن تستخلصها من ظروف الدعوى ، وأن تقتنع بأن لها دلالة معينة  . ويترك لتقدير المحكمة استنباط هذه القرائن  . 2 – ولكن لا يجوز الإثبات بالقرائن القضائية إلى الأحوال التى يجوز الإثبات فيها بالشهادة ”  . ( فحكم التقنين المدنى العراقى لا يختلف عن حكم التقنين المدنى المصرى )  .

تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 310 : إن القرائن التى لم يقرها القانون تترك لبصيرة القاضى ولحكمته  . فيجب عليه ألا يقبل منها إلا القرائن الهامة الصريحة المتوافقة ، ولا يسعه قبولها إلى فى الأحوال التى يجيز فيها القانون البينة الشخصية ، ما لم يكن سبب الطعن فى العقد الاحتيال أو الخداع ، أو تكن القرينة مستندة إلى وقائع يمكن أن تعد تنفيذاً اختياراً كلياً أو جزئياً للموجب المدعى به  . ( وهذا النص يوافق نص التقنين اللبنانى أن التنفيذ الاختيارى قرينة على وجود الالتزام )  .

التقنين المدنى للملكة الليبية المتحدة م 395 : ( مطابق لنص التقنين المدنى المصرى )  .

( [8] ) التقنين المدنى الفرنسى م 1353 : القرائن التى لم ينص عليها القانون تترك لنظر القاضى وتقديره  . ولا يجوز أن يأخذ إلا بقرائن قوية الدلالة ، دقيقة التحديد ، ظاهرة التوافق ، ولا يأخذ بها إلى فى الأحوال التى تجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ، ما لم يطعن فى التصرف بالغش أو التدليس  .

Art  . 1353 : Les presomptions qui ne sont point etablies par la loi, sont abandonees aux lumieres et a la prudence du magistrate, qui ne doit admettre que des presomptions graves, precises et concordantes, et dans les cas seulement ou la loi admet les preuves testimoniales, a moins que l’acte ne soit attaque puor cause de fraude ou de ???????  .

( [9] ) أوبرى ورو 12 فقرة 76 ص 386 – ص 388 بلاينول وريبير وجابولد 8 فقرة 1457 ص 1008 – ص 1009 – وبذلك يخفف الأخذ بالقرائن القضائية من حدة التنظيم القانونى للإثبات  . وإذا أعوز القاضى الدليل من ناحية الشكل لنقض فى شرعية ، تلمسه من ناحية الموضوع فاعتبره قرينة ( بيدان وبرو 9 فقرة 1297 – فقرة 1299 )  .

( [10] ) وقد قضت محكمة النقض بأن للمحكمة أن تستمد من واقع الدعوى ما تراه من القرائن القضائية المؤدية فعلاً إلى النتيجة التى تنتهى إليها ، فإذا كانت المحكمة قد حصلت من شهادة شهود المدعى عليه بأنهم لا يعرفون أنه مدين للمدعى إحدى القرائن على صورية الدين المدعى به ، فذلك فى حدود حقها الذى لا رقابة عليه لمحكمة النقض ( نقض مدنى 20 نوفمبر سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 232 ص 485 )  . وقضت أيضاً بأنه لا تثريب على المحكمة فى تكوين عقيدتها من أقوال شهود سمعوا فى قضية أخرى إن هى أخذت بهذه الأقوال كقرينة وكان الإثبات فى الدعوى مما يجوز فيه قبول القرائن ( نقض مدنى 29 أبريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 307 ص 612 )  . وقضت كذلك بأن للقاضى أن يستنبط القرينة التى يعتمد عليها من أى تحقيق قضائى أو إدارى ومن شهادة شاهد لم يؤد اليمين أمام النيابة فى التحقيق الذى أجرته ، فلا تثريب على المحكمة إن هى اتخذت من تجهيل المتمسك بالورقة شخصية محررها قرينة تضيفها إلى ما استندت إليه فى قضائها بتزوير هذه الورقة ( نقض مدنى 2 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 78 ص 297 )  .

( [11] ) وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا أشار الحكم إلى كشوف التكليف وأوراد المال وإلى انتقال تكليف جزء من الأطيان لاسم مورثه المطعون عليهم وقت أن كان مورث الطاعنين عمدة البلدة الواقعة فيه الأطيان موضوع النزاع باعتبارها قرائن تعزز وضع يد المطعون عليهم بنية التملك ، فليس في هذا ما يخالف القانون ( نقض مدني 19 أبريل سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 119 ص 750 ) وقضت أيضا بأنه متي كانت المخالصة التي اعتمد عليها البائعان في إثبات الوفاء بالتزامهما ليست إلا أمراً صادراً إليهما من المشتري بتسليم البضاعة إلي أمين النقل ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قرر أن هذه المخالصة ، وإن كانت قرينة علي حصول التسليم ، إلا أنه يصح دحضها بكافة القرائن الأخري ، فليس فيما قرره ما يخالف قواعد الإثبات ( نقض مدني 18 ديسمبر سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 33 ص 207 )  .

( [12] ) وقد قضت محكمة النقض بألا تثريب علي محكمة الموضوع إن هي استخلصت من نكول الطاعن عن اليمين لدي المحكم بألا حق للمطعون عليه في القناة موضوع النزاع ، قرينة علي عدم أحقية الطاعن في طلب منع تعرض المطعون عليه ، ومن ثم فإن الطعن علي الحكم استنادا إلي أنه أخطأ في تطبيق القانون ، إذا اعتر أن نكول الطاعن عن هذه اليمين موجب للحكم عليه في حين أنه لم توجه إليه يمين قضائية بالمعني القانوني هذا الطعن يكون علي غير أساس ( نقض مدني 4 يناير سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 42 ص 219 )  .     

( [13] ) وقد قضت محكمة النقض بألا تثريب علي محكمة الموضوع إن هي اتخذت من تراخي الطاعن في تسجيل عقد البيع الصادر له من مورثة قرينة ضمن قرائن أخري علي أن العقد صدر في فترة مرض موت البائع وأن تاريخه قدم لستر هذه الحقيقة ، إذا هي لم تجاوز سلطتها في تقدير الأدلة وفهم الواقع في الدعوي ( نقض مدني 3 مايو سنة 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 127 ص 795 ) وظاهر أن تراخي الطاعن في تسجيل العقد أمر معترف به  .        

( [14] ) وقد قضت محكمة الاستئناف الوطنية بأنه يمكن اتخاذ القرائن القوية دليلا علي حصول المصالحة بني الخصوم حتي بعد صدور الأحكام النهائية لمصلحة فريق منهم ، كما لو قام في تنفيذ تلك الأحكام إشكالات معرقلة للتنفيذ أولا ، ثم مر علي تلك الأحكام مدة طويلة دون أن يتخذ المحكوم له الإجراءات القانونية لتنفيذها ، مما لا يتصور معه سكوته هذه المدة دون أن يكون هناك صلح ( 15 يونية سنة 1899 الحقوق 14 ص 297 ) فهنا استنبطت المحكمة ، أولا ، من قيام الإشكالات ومرور مدة طويلة دون أن يتخذ المحكوم له إجراءات التنفيذ ، أنه تنازل عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحته  . فتكون هذه الواقعة – التنازل عن تنفيذ الحكم – قد ثبتت عند المحكمة عن طريق قرائن قضائية  . ثم اتخذت المحكمة بعد ذلك من واقعة التنازل عن تنفيذ الحكم القرينة علي وقوع صلح بين المحكوم له والمحكوم عليه – كذلك قد يثبت عقد القرض عن طريق قرينة قضائية هي دفع الفوائد ، ثم يتخذ عقد القرض ذاته قرينة قضائية علي أن البيع الذي دفع بمقتضاه المقترض الثمن إلي المقرض – وسنري هذا المثل فيما يلي – إنما هو بيع صوري  .

( [15] ) وقد قضت محكمة النقض بأن قاضي الموضوع حر في استنباط القرائن التي يأخذ بها من وقائع الدعوي والأوراق المقدمة فيها ، وإذن فمتي كان الحكم إذا استند إلي شهادة الشهود الذين سمعهم خبير الدعوي إنما استند إليها كقرينة مضافة إلي قرائن أخري فصلها وهي في مجموعها تؤدي إلي ما انتهر إليه ، فلا تثريب عليه إذا هو استمد إحدي القرائن من شهادة الشهود الذين سمعهم خبير الدعوي دون أن يؤدوا اليمين القانونية  . وإذا كان الحكم مقاما علي جملة قرائن فصلها ، يكمل بعضها بعضا ، وتؤدي في مجموعها إلي النتيجة التي انتهر إليها ، فإنه لا تجوز مناقشة كل قرينة علي حدة لإثبات عدم كفايتها في ذاتها ( نقض مدني 21 فبراير سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 93 ص 548 )  . وقضت أيضا بأنه متي كان الحكم قد أقام قضاءه علي عدة قرائن مجتمعة ، بحيث لا يعرف أيها كان أساسا جوهريا له ، ثم تبين فساد بعضها ، فإنه يكون باطلا بطلانا جوهريا( نقض مدني 2 يونية سنة 1949 مجموعة عمر 5 رقم 427 ص 786 – وانظر أيضا : 20 أبريل سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 116 ص 458 – أول يونية سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 142 ص 572 – 28 مايو سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 172 ص 1095 ) وكذلك الحال فيما إذا قام الحكم علي أدلة متعددة دون أن يبين قيمة كل دليل منها ، فإذا تبين فساد أحد هذه الأدلة فسد معه الحكم ( نقض مدني 15 مايو سنة 1947 مجموعة عمر 5 رقم 201 ص 437 ) أما إذا صرح الحكم بقيمة كل دليل ، فإن فساد دليل لا يعيب من الحكم إلا ما استند منه إلي هذا الدليل ( نقض مدني 3 يونية سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 320 ص 634 ) انظر في تعدد الأدلة وأثر فساد بعضها في صحة الحكم الأستاذ عبد المنعم فرج الصدة في الإثبات فقرة 222  .

انظر طريقة توكيل محامي

( [16] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1545 ص 1007 – بلانيول وريبير وبلانجيه 2 فقرة 2251  .

( [17] ) أوبري ورو 12 فقرة 766 ص 386 وهامش رقم 6 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1547 ص 1008 – ص 1010 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2252 كولان وكابيتان ومورانديير 2 فقرة 781  .    

( [18] ) أوبري ورو 12 فقرة 766 ص 385 – 386 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1547 ص 1008 – ص 1010 وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” وللقاضي كل السلطة في تقدير حجية القرائن  . علي أن إجماع الفقه قد انعقد علي أن القاضي لا يتقيد بعدد القرائن ولا بتطابقها  . فقد تجزيء قرينة واحدة ، متي توافرت علي قوة الإقناع  . ولذلك لم ينقل المشروع عن التقنين الفرنسي والمشروع الفرنسي الإيطالي ما نصا عليه من إلزام القاضي ” بالا يقبل إلا قرائن قوية محددة متطابقة ”  . فالفقه والقضاء علي أن هذا النص ليس إلا مجرد توجيه ، مع أن ظاهرة قد يوحي خطأ بأنه يقيم شرطا لقبول الإثبات بالقرائن ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 429 – ص 430 ) – انظر أيضا بودري وبارد 4 فقرة 2698 – بيدان وبرو 9 فقرة 1302 – ديكوتيني فقرة 113 – الموجز للمؤلف ص 730  .       

( [19] ) أوبري ورو 12 فقرة 766 ص 385 – ص 386  .    

( [20] ) نقض مدني 12 مارس سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 98 ص 646 – وقد جاء في هذا الحكم ما يأتي : ” لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أن محكمة الموضوع أسست قضاءها بثبوت الربا الفاحش علي أن القروض قد عقدت في ظروف أليمة ، خلال مدة الحرب ، في بلد يحتله العدو ، علي أن تسدد بالعملة المصرية ، ودونت في مستندات غير مؤرخة ولم يبين فيها مكان تحريرها ، وعلي أن ظروف الاستدانة تدل علي ان المقترضين كانوا في حالة ضيق شديد أثناء وجودهم بفرنسا إذ سببت لهم الحرب انقطاع سبل معاشهم فاضطروا للجوء إلي الطاعن الثاني وغيره للاقتراض منهم ، وكانت هذه الظروف التي اعتبرها الحكم دليلا علي ثبوت الربا الفاحش لا تؤدي عقلا إلي ثبوته – ذلك لأن كل مدين لا يلجا إلي الاقتراض عادة إلا إذا كان في ظروف تضطره إليه ، فليست هذه الضرورة في حد ذاتها دليلا علي ثبوت الربا الفاحش ، وكذلك لا يؤدي إلي إثباته خلو سندات الدين من بيان تاريخ ومكان تحريرها  . وكان للمحكمة متي رجح لديها من قرائن الحال في الدعوي احتمال مظنة الربا الفاحش أن تحيل الدعوي علي التحقيق ليثبت المدينون بمقتضي السندات دفاعهم بأنهم لم يستلموا في مقابلها سوي المبالغ التي أقروا بها  . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد نقل عبء الإثبات من عاتق المدينين بمقتضي السندات موضوع الدعوي إلي عاتق الدائن استناداً إلي قرائن غير مؤدية لإثبات الربا الفاحش ، فإن يكون قد خالف قواعد الإثبات ، فضلا عن قصوره في التسبيب مما يستوجب نقضه ” ( نقض مدني 12 مارس 1952 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 98 ص 646 ) انظر أيضا في هذا المعني محكمة النقض الفرنسية 9 مايو سنة 1951 داللوز 1951 ص 473 – بيدان وبرو 9 فقرة 1302 ص 398  .

( [21] ) بيدان وبرو 9 فقرة 1300 – الموجز للمؤلف ص 725  .

( [22] ) وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه لما كان الإثبات بالقرائن جائزاً في جميع الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالبينة لاتحاد الحكم في الحالتين ، جاز للمحكمة أن تستند في إثبات صحة التوقيع علي نفس الأوراق التي رفضت المضاهاة عليها ، إن لم يكن باعتبارها أوراقا للمضاهاة والقرائن التي قد تستنبطها المحكمة من هذه الأوراق ( 27 يناير سنة 1920 المحاماة 1 رقم 86 ص 449 )  . وقضت كذلك بأن عدم قبول الإثبات بشهادة الشهود ينبي عليه أيضا عدم جواز الأخذ فيها بالقرائن ( 25 مارس سنة 1923 المحاماة 4 رقم 90 ص 134 ) انظر أيضا في هذا المعني : استئناف مختلط 10 يناير سنة 1889 م 1 ص 361 – 17 ديسمبر سنة 1896 م 9 ص 60 – 13 ديسمبر سنة 1900 م 13 ص 47 – 11 فبراير سنة 1908 م 21 ص 228 – 9 ديسمبر سنة 1915 م 28 ص 53 – 13 أبريل سنة 1916 م 28 ص 254 – 15 ديسمبر سنة 1921 م 34 ص 56 – 2 فبراير سنة 1922 م 34 ص 144 – 6 يونية سنة 1922 م 34 ص 463 – 15 نوفمبر سنة 1922 م 35 ص 28 – 8 يونية سنة 1926 م 38 ص 466 – 18 يونية سنة 1930 م 42 ص 573  .

وجاء في الموجز للمؤلف : ” وتقبل القرائن القضائية أيان تقبل البينة  . وقد رأينا أن البينة والقرائن أمران متلازمان ، فما يمكن إثباته بالقرائن ، والعكس صحيح وهذا بخلاف القرائن القانونية ، فإنها لا تقبل إلا في القروض التي نص عليها المشروع ( الموجز ص 730 ) – هذا ولو جاز أن يثبت بالقرائن القضائية ما لا يجوز إثباته بالبينة ، لأمكن دائما الاحتيال علي النصوص التي لا تجيز الإثبات بالبينة ، فحيث يجوز الإثبات بالقرائن القضائية ولا يجوز الإثبات بالبينة ، يمكن مع ذلك سماع البينة علي اعتبار أنها ليست إلا قرائن قضائية ( أنسيكلوبيدي داللوز 4 لفظ presumption فقرة 61 )  .

( [23] ) وقد قررت المادة 1353 من التقنين المدني الفرنسي هذا الحكم أيضا ، ولكنها استثنت التصرفات التي يطعن فيها بالغش أو بالتدليس ، فيجوز إثباتها بالقرائن القضائية  . وظاهر أن إيراد الحكم علي هذا النحو منتقد ، فإن التصرفات التي يطعن فيها بالغش يجوز إثباتها بالبينة بقدر ما يجوز ذلك بالقرائن القضائية ، وإنما يرد الاستثناء المتعلق بالغش علي الإثبات بالكتابة لا علي الإثبات بالبينة ( بوتييته فقرة 185 – ديمولومب 30 فقرة 185 – لوران 19 فقرة 633 – فقرة 634 – بودري وبارد 4 فقرة 2697 بيدان وبرو 9 فقرة 1300 ص 396  .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : ” ويرد الإثبات بالقرائم مع الإثبات بالبينة في المرتبة الثاني  . ولذلك نص علي أنه ” لا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ”  . ويتفرع علي ذلك أن جميع القواعد الخاصة بقبول الإثبات بالبينة تسري علي القرائن دون أي استثناء وقد أخطأ التقنين الفرنسي ( م 1353 ) والتقنين الهولندي ( م 1959 ) والمشروع الفرنسي الإيطالي ( م 303 ) في النص علي عدم جواز الإثبات بالقرائن غير المقررة في القانون إلا في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالبينة ما لم يطعن في الورقة بسبب غش أو تدليس  . ذلك أن سياق هذا الاستثناء قد يوحي بأن وقائع الغش والتدليس لا يجوز إثباتها بالبينة ، مع أنها من قبيل الوقائع القانونية التي يمتنع تحصيل دليل كتابي مهيأ بشأنها ومن المحقق أن إثبات هذه الوقائع بالبينة جائز ، وهو جائز بالقرائن تفريعا علي ذلك  . ولهذا يكون الاستدراك الذي تقدمت الإشارة إليه خلوا من معني الاستثناء ، ويكون إغفاله أكفل بدفع الشبه والتلبيس ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 429 )  .     

( [24] ) فعلاقة الزوجية أو القرابة قرينة علي صورية العقد إلي أن يثبت العكس ، ووجود أثاث بمنزل الزوجية لزوجين مسلمين قرينة علي أن الأثاث ملك الزوجة إلي أن يثبت العكس ( الموجز للمؤلف ص 730 ) انظر أيضا : استئناف مصر 7 يونية سنة 1932 المحاماة 13 رقم 279 ص 538 ( كشف المكلفة قرينة علي الملكية إلي أن يثبت العكس ) – استئناف مصر 18 يناير سنة 1938 المحاماة 19 رقم 163 ص 375 ( عدم دفع أمانة الخبير الذي طلبه المستأنف قرينة علي عدم وثوق المستأنف من صحة دفاعه )  .      

( [25] ) بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 749 هامش رقم 10 مكرر  .     

( [26] ) بارتان علي أوبري ورو 12 فقرة 749 هامش رقم 26 مكرر وفقرة 750 هامش رقم 1 مكرر  . 

( [27] ) بيدان وبرو 9 فقرة 1289  .

( [28] ) بل يمكن دون نص قانوني – علي ما يقول بعض الفقهاء – أن يكون القضاء عزفا ثابتا يعتبر مصدراً منشئا لقرينة قانونية ، فالقرينة يكون مصدرها القانون والقانون هنا يكون مصدره العرف ( انظر ديكوتينيس Decottignies ) في القرائن في القانون الخاص رسالة من باريس سنة 1950 ص 297 )  . مثل ذلك مسئولية حارس البناء في ظل التقنين المدني السابق ، فقد كانت مسئوليته في هذا التقنين قائمة علي قرينة مبنية علي وجود عيب في البناء أو نقص في صيانته ، ولكنها قرينة لم يكن التقنين السابق ينص عليها ، ومع ذلك تواترت حتي ذهب بعض الأحكام إلي اعتبارها قرينة قانونية  . وتحولت فعلا إلي قرينة قانونية في التقنين المدني الجديد ( م 177 ) ( الأستاذ سليمان مرقس في أصول الإثبات ص 257 ) – أنظر أيضا بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2250  .     

( [29] ) استئناف مختلط 28 مايو سنة 1891 م 3 ص 360 – 23 ديسمبر سنة 1924 م 37 ص 90  .     

( [30] ) ونستطيع الآن ان نستخلص أهم الفروق ما بين القرائن القضائية والقرائن القانونية فيما يأتي : ( أ ) القرائن القضائية أدلة إيجابية ، أما القرائن القانونية فأدلة سلبية أي أنها تعفي من تقديم الدليل  . ( ب ) لما كانت القرائن القضائية يستنبطها القاضي والقرائن القانونية يستنبطها المشرع ، فإنه يترتب علي ذلك أن القرائن القضائية لا يمكن حصرها لأنها تستنبط من ظروف كل قضية ، أما القرائن القانونية فمذكورة علي سبيل الحصر في نصول التشريع  . ( جـ ) القرائن القضائية كلها غير قاطعة ، فهي قابلة دائما لإثبات العكس ، ويجوز دحضها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن ، أما القرائن القانونية فبعضها يجوز نقضه بإثبات العكس وبعضها قاطع لا يقبل الدليل العكسي  . ( انظر الموجز للمؤلف فقرة 704 – وانظر في مقارنة شاملة ما بين القرائن القضائية والقرائن القانونية ديكوتينيس فقرة 114 – فقرة 115 )  .

وانظر في القرائن القضائية في الفقه الإسلامي ، الأستاذ أحمد إبراهيم في كتاب ( طرق القضاء في الشريعة الإسلامية ” ص 430 – 433 ، وفي القرينة القضائية القاطعة ص 42 – ص 61 من الكتاب ذاته  .

المصدر: محامي في الأردن

طرق الإثبات ذات القوة المحدودة

طرق الإثبات ذات القوة المحدودة

البينة والقرائن القضائية

158 – طرق الإثبات ذات القوة المحدودة – اليمين المتممة ( إحالة ) : قدمنا أن طرق الإثبات ذات القوة المحدودة هى البينة والقرائن القضائية واليمين المتممة .

ونبادر إلى القول أن اليمين المتممة ، لشدة اتصالها باليمين الحاسمة ، ستعاجل معها فى موضع آخر . ونستبقى هنا للبحث البينة والقرائن القضائية .

159 – تعادل البينة والقرائن القضائية من حيث قوة الإثبات : وقد جعل القانون البينة والقرائن القضائية طريقين متعادلين من حيث قوتهما القانونية فى الإثبات . فما يمكن إثباته بأحد الطريقين يستطاع إثباته بالطريق الآخر . وكلا الطريقين أضعف من الكتابة ذات القوة المطلقة فى الإثبات .

وقد رأينا أن البينة والقرائن القضائية لا تكون طرقاً أصلية فى الإثبات إلا فى نطاق محدود . وتكون ، غير ذلك ، طرقاً تكميلية عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة ، وطرقاً بديلة عند وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه .

ويتبين من كل ذلك أن البينة والقرائن ذات قوة محدودة فى الإثبات . فنبحث أولاً ما هى البينة والقرائن . ثم نبين بعد ذلك قوتهما المحدودة .

  311  

الفصل الأول

البينة والقرائن القضائية

الفرع الأول

البينة

( أو الشهادة )

160 – معنيان للبينة : البينة لها معنيان : ( 1 ) معنى عام ، وهو الدليل أياً كان ، كتابة أو شهادة أو قرائن . فإذا قلنا : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، فإنما نقصد هنا البينة بهذا المعنى العام . ( 2 ) معنى خاص ، وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة . وقد كانت الشهادة فى الماضى هى الدليل الغاب ، وكانت الأدلة الأخرى من الندرة إلى حد أنها لا تذكر إلى جانب الشهادة ، فانصرف لفظ ” البينة ” إلى الشهادة دون غيرها . ونقصد هذا المعنى الخاص عندما نقول : مالاً تزيد قيمته على عشرة جنيهات يجوز إثباته بالبينة والقرائن .

وإذا قلنا البينة ، قلنا نقصد معناها الخاص ، ونقصرها على الشهادة . ونتكلم هنا : ( أولاً ) فى أنواع البينة . ( ثانياً ) فى سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة . ( ثالثاً ) فى القواعد التى تتبع فى سماع البينة .

المبحث الأول

أنواع البينة

161 – الشهادة ( temoignage ) : الأصل فى الشهادة أن تكون شهادة مباشرة ، فيقول الشاهد ما وقع تحت بصره أو سمعه . فالذى يميز الشاهد إذن هو أنه يشهد على وقائع عرفها معرفة شخصية ( ex propriis sensibus ) . وهو يحصل  312  معرفته الشخصية للواقعة ، إما لأنه رآها بعنيه ، كما إذا كان قد شهد حادثا من حوادث السيارات فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما رأى . وإما لأنه سمعها بأذنه ، كما إذا كان قد حضر مجلس العقد وسمع البائع يتعاقد مع المشترى ، فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما سمع . وإما لأنه رأى وسمع ، كما إذا سمع المقرض يتعاقد مع المقترض ورآه يعطيه مبلغ القرض ( [1] ) .

وتكون الشهادة عادة شفوية ، يدلى بها الشاهد فى مجلس القضاء مستمداً إياها من ذاكرته . وقد نصت المادة 216 من تقنين المرافعات على أن ” تؤدى الشهادة شفاهاً ، ولا تجوز الاستعانة بمفكرات مكتوبة إلا بإذن المحكمة أو القاضى المنتدب ، وحيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى ” . ومع ذلك فقد نصت المادة 205 من تقنين المرافعات على أن ” من لا قدره له على الكلام يؤدى الشهادة ، إذا أمكن أن يبين مراده ، بالكتابة أو بالإشارة ” .

ويدعى الشاهد عادة إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه أو سمعه من الوقائع المتعلق بالدعوى . ومع ذلك قد يكتفى ، فى ظروف استثنائية ، بتلاوة شهادته المكتوبة أو بضم هذه الشهادة المكتوبة إلى ملف القضية للاعتداد بها ( [2] ) .

وإذا كانت الشهادة المباشرة هى الصورة الغالبة للشهادة ، فإنه يوجد مع ذلك إلى جانبه : ( 1 ) الشهادة السماعية ( temoignage indirect ) ( 2 ) والشهادة بالتسامع ( commune renommee ) ( 3 ) والشهادة بالشهرة العامة ( acte de notoriete ) .

162 – الشهادة السماعية : أى الشهادة غير المباشرة ، وتسمى أيضاً  313  بالشهادة فى الدرجة الثانية ( [3] ) ( temoignage du second degre ) . وتختلف عن الشهادة الأصلية أو الشهادة المباشرة أو الشهادة فى الدرجة الولى – وهى الشهادة التى سبق ذكرها – فى أن الشاهد هنا يسهد بما سمع رواية عن غيره ، ومن ثم كانت الشهادة سماعية .

والشاهد ، سواء كانت شهادته أصلية أو سماعية ، يشهد عن واقعة معينة بالذات . ولكنه فى الشهادة الأصلية يشهد أنه رأى هذه الواقعة بعينه إن كانت مما يرى ، أو سمعها بأذنه إن كانت مما يسمع . أما فى الشهادة السماعية ، هو يشهد أنه سمع الواقعة يرويها له شاهد يكون هو الذى رآها بعينه أو سمعها بأذنه . مثل ذلك أن يشهد شخص أمام القضاء أنه سمع شخصاً آخر يروى له حادث السيارة وقد رآه بعينيه ، أو سمع شخصاً آخر يورى له التعاقد على البيع أو على القرض وقد سمعه بأذنه . فالشهادة السماعية هى إذن شهادة على الشهادة ( [4] ) .

والشهادة السماعية جائزة حيث تجوز الشهادة الأصلية ( [5] ) . ويقدر القاضى قيمتها كما يقدر الشهادة الأصلية . وقد يراها تعدل الشهادة الأصلية فى القيمة . ولكن الغالب أن تكون الشهادة السماعية دون الشهادة الأصلية من حيث اقتناع القاضى بها ( [6] ) .

  314  

163 – الشهادة بالتسامع : والشهادة بالتسامع غير الشهادة السماعية . فهى شهادة بما تتسامعه الناس ( oui – dire ) ، لا تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على الرأى الشائع فى جماهير الناس عن هذه الواقعة . وقد رأينا الشهادة السماعية تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، ولكن لا على أن الشاهد رآها بعينه أو سمعها بأذنه ، بل على أنه سمعها تروى له ممن رآها بعينه أو سمعها بأذنه . فالشهادة السماعية يمكن إذن تحرى مبلغ الصدق فيها ، وصاحبها يحمل مسئولية شخصية فيما سمعه بنفسه عن غيره من الرواية عن واقعة معينة بالذات . أما الشهادة بالتسامع فصاحبها لا يروى عن شخص معين ولا الواقعة بالذات ، بل يشهد بما تتسامعه الناس عن هذه الواقعة وما شاع بين الجماهير فى شأنها ، فهى غير قابلة للتحرى ولا يحمل صاحبها مسئولية شخصية فيما شهد به ( [7] ) .

ومن ثم كانت الشهادة بالتسامع غير مقبولة إلا فيما نص عليه القانون . وقد نص التقنين المدنى الفرنسى على قبول الشهادة بالتسامع فى حالتين : ( 1 ) حالة الزوجة ، بعد انتهاء النظام المشترك للأموال ( communaute ) بينها وبين زوجها ، وهى تريد تمييز مالها الخاص ( patrimoine propre ) عن المال المشترك ( patrimoine commun ) ، وذلك إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1415 وم 1504 مدنى فرنسى ) . ( 2 ) حالة ورثة أى من الزوجين ، بعد موته ، يريدون تحديد المال المشترك ( patrimoine commun ) فى مواجهة الزوج الآخر الذى ظل باقياً على قيد الحياة ، وذلك أيضاً إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1442 مدنى فرنسى ) . ويذهب فريق من الفقهاء الفرنسيين إلى قصر قبول الشهادة بالتسامع على هاتين  315  الحالتين دون غيرهما ( [8] ) . ويرى بعض آخر أن يقيس عليهما كل حالة أخرى يراد فيها إثبات منقولات بأعيانها فى مواجهة من كان مكلفاً بحصرها فى محضر جرد وقصر فى ذلك ( [9] ) . أما فى مصر فالقضاء المختلط كان بوجه عام لا يقبل الشهادة بالتسامع فى المسائل المدينة ( [10] ) . أما فى المسائل التجارية ، وكذلك فى الأحوال التى يقبل فيها الإثبات بالبينة أو بالقرائن ، فتقبل الشهادة بالتسامع على سبيل الاستئناس وباعتبار أنها مجرد قرينة بسيطة لا يؤخذ بها إلا فى كثير من الحذر والاحتياط ( [11] ) . وفى الفقه الإسلامى لا تقبل الشهادة إلا فى مسائل معينة ، عدوا منها خمساً هى الشهادة بالنسب وبالموت وبالنكاح وبالدخول وبولاية القاضى ، ثم أضافوا إليها خمساً هى أصل الوقف وشرائطه والعتق والولاء والمهر ( [12] ) . ولا نرى ما يمنع من الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى فى هذه المسألة تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة الأولى من التقنين المدنى ، وهى تقضى بأنه  316  ” إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه ، حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد ، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ” .

  317  

وإذا قبلت الشهادة بالتسامع ، فهى كالشهادة الأصلية والشهادة السماعية تضع فى سماعها للقواعد التى تخضع لها الشهادة بوجه عام ( [13] ) .

164 – الشهادة بالشهرة العامة : أما الشهادة بالشهرة العامة فليست بشهادة بالمعنى الصحيح . بل هى ورقة مكتوبة ، تحرر أمام جهة رسمية ، تدون فيما وقائع معينة ، تشهد بها شهود يعرفون هذا الوقائع عن طريق الشهرة العامة .

وفى مصر يمكن اعتبار إعلام الوراثة ومحضر حصر التركة وتقرير غيبة المفقود من قبيل هذه الأوراق . فهى تحرر أمام جهات رسمية ، المحكمة الشرعية أو مندوب من المحكمة الحسبية أو غير ذلك ، وتدون فيها أسماء الورثة أو أعيان التركة أو واقعة غياب المفقود ، وذلك بناء على شهادة طائفة من الناس يشهدون وفقاً لما عرفوه عن طريق الشهرة العامة .

وفى فرنسا ينص القانون على جواز استعمال مثل هذه الأوراق كأدلة . من ذلك أنه إذا تعذر على أحد الزوجين عند عقد زواجه أن يحصل على شهادة ميلاده ، كان له أن يقدم عوضاً عنها شهادة تحمل اسمه ولقبه وصناعته ومحل  318  إقامته وتاريخ ميلاده بقدر الإمكان وغير ذلك من البيانات بناء على أقوال شهود ثلاثة يعرفون ذلك عن طريق الشهرة العامة ويدلون بشهادتهم عنها أمام قاضى الصلح ( انظر م 71 من التقنين المدنى الفرنسى ) . ومن ذلك أيضاً إجراءات إعلان غيبة المفقود ، تتضمن تحقيقاً تأمر المحكمة بإجرائه فى مواجهة النيابة العامة ، قد تسمع فيه شهود يدلون بما عرفوه من طريق الشهرة العامة عن ظروف اختفاء المفقود ، ثم يصدر بعد ذلك حكم بإعلان غيبته ( [14] ) . ويكشف العمل فى فرنسا عن كثرة الأحوال التى يلتجأ فيها إلى الحصول على وثائق تقوم على أساس الشهادة بالشهرة العامة ، وذلك فوق الأحوال التى نص عليها القانون . مثل ذلك الإعلام بثبوت الوراثة يدون فيه عدد الورثة وصفاتهم إذا لم يوجد محضر جرد . ومثل ذلك أيضاً الشهادة التى تسجل أن الميت قد مات دون وارث له حق محفوظ فى التركة ( heritier a reserve ) ( [15] ) .

فالشهادة بالشهرة العامة تفترض وجود موظف عام ، موثق أو قاض أو نحو ذلك ، تدلى أمامه الشهود بمعلوماتهم عن الواقعة المراد إثباتها . ويجب أن يكون للشهود معرفة شخصية بهذه الواقعة ، ولكن لا عن طريق محدد ، بل عن طريق الشهرة العامة ( [16] ) . فالمعرفة الشخصية بالواقعة ، لا الشهرة العامة فى ذاتها ، هى التى تقوم عليها قوة الإثبات فى هذه الشهادة . والشهرة العامة إنما تجعل منها شهادة جماعية ( temoignage collectif ) عن طريق تحقيق سريع أمام قاض أو موظف عامة بإجراءات لا تختلف إلا من ناحية الشكل عن إجراءات التحقيق المعتاد ( [17] ) . وللشهادة بالشهرة العامة قوة فى الإثبات يحدده القانون فى كل حالة على حده .

  319  

المبحث الثانى

سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة

165 – البينة أضعف من الكتابة : قدمنا أن الشهادة كانت فى الماضى من أقوى الأدلة ، بل كانت هى الدليل الغالب فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة ، وكانت الأمية متفشية ، وكان العلم بالرواية واللسان لا بالكتابة والقلم ، حتى كانت الشهادة هى التى تستأثر باسم ” البينة ” دلالة على أن لها المقام الأول فى البينات ( [18] ) . فلما انتشرت الكتابة ، وتقلص ظل الأمية ، بدأت الكتابة تسود ، ثم أخذت المكان الأول فى الإثبات ، ونزلت البينة إلى المكان الثانى لما تنطوى عليه من عيوب ظاهرة . فالبينة تقوم على أمانة الشهود ، والشهود حتى إذا هم لم يكذبوا معرضون للنسيان ، ثم إن الدقة تنقصهم . هذا إلى أنه إذا أفسح المجال للإثبات بالبينة ، وأصبح اعتماد القضاء عليها ، كثرت القضايا الكيدية لسهولة الحصول على شهود زور يشهدون بالباطل . أما الكتابة فكفتها راجحة ، ومتى كانت بعيدة عن التزوير ، فهى أدق أداء وأكثر ضبطاً للواقع . ثم هى لا يرد عليها النسيان ، فهى دليل هيئ مقدماً ليحيط بالواقعة المراد إثباتها إحاطة شاملة ، لأنها إنما أعدت لهذا الغرض ( [19] ) .

  320  

من أجل ذلك أنزل القانون البينة دون منزلة الكتابة ، لا فحسب من ناحية أن جعل البينة ذات قوة محدودة فى الإثبات ، بل أيضاً بأن جعل للقاضى بالنسبة إلى البينة سلطة تقدير واسعة ، هى أكبر بكثير من سلطته بالنسبة إلى الكتابة ( [20] ) . فالقاضى ينظر ، أولاً ، هل الإثبات بالبينة فى الأحوال التى يجيزها القانون مستساغ؟ فإذا كان مستساغاً نظر ، ثانياً ، هل الوقائع المراد إثباتها بالبينة متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى إثباته؟ وهو فى ذلك يتمتع بسلطة تقدير أوسع مما له فى الإثبات بالكتابة . فإذا ما قدر بعد كل ذلك أن يسمع البينة ، كان له ، أخيراً ، سلطان واسع فى تقدير ما إذا كانت البينة التى سمعها مقنعة فى الإثبات .

166 – تقدير ما إذا كان الإثبات بالبينة مستساغاً : قد يكون الإثبات بالبينة جائزاً قانوناً ، ولكن يبقى بعد ذلك للقاضى سلطة تقديرية فى السماح به . فقد يكون فى القضية من القرائن والأدلة الأخرى ما يغنى عن البينة . وعلى النقيض من ذلك قد تكون الوقائع المراد إثباتها بعدية الاحتمال بحيث لا يرى القاضى سبيلاً إلى الاقتناع بالبينة فى إثباتها ( [21] ) . وقد تكون هذه الوقائع  321  قد طال عليها العهد بحيث يتعذر إثباتها بالبنية فى جميع هذه الأحوال يرى القاضى أن البينة غير مستساغة ، فلا يسمح بها بالرغم من أن القانون يجيزها فى الإثبات ( [22] ) .

ومن ثم نرى أنه لا يكفى أن يجيز القانون الإثبات بالبينة فى بعض الأحوال ، بل يجب أيضاً أن يكون الإثبات بالبينة مستساغاً حسب تقدير القاضى . ولا يخضع  322  القاضى فى تقديره هذا لرقابة محكمة النقض ( [23] ) .

167 – تقدير ما إذا كانت الوقائع متعلقة بالحق ومنتجة فى الإثبات : هنا أيضاً يتمتع القاضى بسلطة تقدير واسعة لا يتمتع بها فى الإثبات بالكتابة .

ذلك أن الكتابة المعدة للإثبات تشتمل عادة على الوقائع المتعلقة بالحق المدعى به والتى تكون منتجة فى الإثبات ، لأنها إنما أعدت للوفاء بهذه الأغراض . فلا يكون هناك للقاضى مجال واسع فى تقدير ذلك . أما فى الإثبات بالبينة فيتسع المجال للقاضى فى تقدير ما إذا كانت الوقائع التى استدعيت الشهود من أجلها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات . فإن الغالب أن تكون الشهود لم تعد للشهادة من قبل ، فإذا توخوا الأمانة فى شهادتهم فهم لا يشهدون إلا على الوقائع التى يتفق أن يكونوا قد رأوها أو سمعوها ، وهذه الوقائع قد تكون متعلقة بالحق المدعى به ، وقد لا تكون متعلقة به . وإذا كانت متعلقة ، فقد تكون منتجة فى الإثبات أو لا تكون . كل هذا متروك لتقدير القاضى ، وهو فى هذا التقدير يتمتع بسلطة واسعة لا يخضع فيها لرقابة محكمة النقض ( [24] ) ، كما قدمنا عند الكلام فى الشروط الواجب توافرها فى الواقعة التى تكون محلاً للإثبات .

168 – تقدير ما إذا كانت البينة كافية : ثم إن القاضى ، إذا رأى الإثبات بالبينة مستساغاً ، وقدر أن الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى الإثبات ، وسمع الشهود فى هذه الوقائع ، فإن له بعد ذلك كله سلطة واسعة فى تقدير ما إذا كانت شهادة هؤلاء الشهود كافية فى إثبات هذه الوقائع .

وهو فى ذلك لا يتقيد بعدد الشهود ، ولا بجنسهم ، ولا بسنهم . فقد يقنعه شاهد واحدا ، ولا يقنعه شاهدان أو أكثر . قد يصدق المرأة ، ولا يصدق الرجل .  323  وقد تكون شهادة صبى صغيراً أبلغ فى إقناعه من شهادة رجل كبير ( [25] ) .

وقد كان للشهادة فى القديم نصاب محدد : رجلان ، أو رجل وامرأتان ، أو شهود أربعة ، أو نحو ذلك ( [26] ) . فزال هذا النصاب ، لا فى المسائل الجنائية فحسب ، بل أيضاً فى المسائل المدنية والتجارية . وكذلك زالت ضرورة تزكية الشهود ، فلم يعد الشاهد يزكيه شاهد آخر ، بل الذى يزكيه هو مبلغ ما يبعثه فى نفس القاضى من الاطمئنان إلى دقته ، والثقة فى أمانته ( [27] ) .

  324  

والقاضى يقدر ما إذا كانت البينة كافية . وله فى ذلك سلطان كامل ، لا يخضع هنا أيضاً لرقابة محكمة النقض ( [28] ) .

ويتبين مما تقدم أن البينة حجة ليست مقيدة فحسب ، بل هى أيضاً غير ملزمة وغير قاطعة . ولكنها حجة متعدية ، أى أن الوقائع التى تثبت بطريقها تعتبر ثابتة ، لا على من أقيمت فى مواجهته فحسب ، بل أيضاً بالنسبة إلى جميع من يتأثر بالحكم الذى صدر فى الدعوى .


( [1] ) والفرق بين الشهادة والإقرار أ ، الشهادة هى أخبار الإنسان بحق لغيره على غيره ، أما الإقرار فأخبار الإنسان بحق لغيره على نفسه  . وتختلف الدعوى عنهما بأنها إخبار الإنسان بحق لنفسه على غيره ( طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية للأستاذ أحمد إبراهيم ص 282 )  .

( [2] ) ومن ذلك أن يضم تحقيق جنائى إلى ملف قضية مدنية ، ويعتد بما ورد مكتوباً فى التحقيق الجنائى من شهادة الشهود ( بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2246 )  . أما نقل الكلام بآلة مسجلة ( dictaphone ) فقد رفض القضاء المصرى والفرنسى قبوله فى مقام الشهادة ( بيدان وبرو 9 ص 331 هامش رقم 1 – انسيكلوبيدى داللوز 4 لفظ prevue فقرة 871 – فقرة 872 )  .

( [3] ) وتسمى فى القه الإسلامى بالشهادة على الشهادة  .

( [4] ) أو هى شهادة أصلية بشهادة أصلية  . ويصح أن تكون شهادة سماعية بشهادة أصلية ، فيقول الشاهد إنه سمع فلاناً يروى عن فلان واقعة معينة بالذات  . واقتناع القاضى بمثل هذه الشهادة أشق بكثير من اقتناعه بشهادة أصلية على شهادة أصلية  .

( [5] ) قارن الأستاذ أحمد نشأت فى الإثبات 1 فقرة 379 والأستاذ عبد المنعم فرج الصدة فقرة 185 ص 230 – والشهادة على الشهادة فى الفقه الإسلامى لا تجوز إلا بالإنابة والتحميل  . جاء فى فتح القدير ( جزء 6 ص 18 ) : ” فإذا سمع شاهداً يشهد بشئ لم يجز أن يشهد على شهادته ، إلا أن يشهده ذلك الشاهد على شهادة نفسه ، لأن الشهادة غير موجبة بنفسها بل بالنقل إلى مجلس القضاء ، فلا بد من الإنابة والتحميل  . ولهذا لو سمعه يشهد شاهداً على شهادته ، لم يسمع السامع أن يشهد ، لأنه ما حمله وإنما حمل غيره  . وهذا الإطلاق يقتضى أنه لو سمعه يشهد فى مجلس القاضى ، حل له أن يشهد على شهادته لأنها حينئذ ملزمة ”  .

( [6] ) انظر فى هذا المعنى بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1509 ص 959  . ويجب على كل حال التحدى بعدم قبول الشهادة السماعية ، إن كان لذلك وجه ، أمام محكمة الموضوع ، فلا يجوز التمسك بذلك أمام محكمة النقض لأول مرة  . وقد قضت محكمة النقض بأن القول بأن شهادة شاهد سماعية فهى غير مقبولة رغم أخذ الحكم الابتدائى بها – هذا القول لا يصح التمسك بأنه أمام محكمة النقض ما لم يسبق التحدى به لدى محكمة الموضوع ( نقض مدنى 29 مارس سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 86 ص 471 )  .

( [7] ) بيدان وبرو 9 فقرة 1249 – فمحل الشهادة بالتسامع ليس فى الحقيقة الواقعة المراد إثباتها ، بل محلها رأى الناس فى هذه الواقعة وما شاع بين الجماهير فى شأنها  . ورأى الناس قد يكون له أثر فى موضوع الحق نفسه ، ومن ثم كان هو ذاته محلاً للإثبات لا طريقاً فى الإثبات  . فهناك إذن ضرب من التحويل ( deplacement ) فى محل الإثبات ، ينقل الإثبات من محله الأصلى إلى محل بديل عنه ( انظر فى هذا المعنى بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1514 ص 964 – انظر أيضاً أوبرى ورو 12 فقرة 761 هامش رقم 14 – بيدان وبرو 9 فقرة 1248 )  .

( [8] ) بارتان على أوبرى ورو 12 فقرة 762 هامش رقم 17 – لوران 5 فقرة 11 – بودرى وبارد 4 فقرة 2651 مكررة ص 402 – بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1514 ص 964 – ص 965  .

( [9] ) أوبرى ورو 12 فقرة 762 ص 303 – ص 304 – تولييه 2 فقرة 1197 – ماركاديه 2 فقرة 250 – بوتييه فقرة 242 – ديمولومب 7 فقرة 56 و 30 فقرة 225 – قارن بيدان وبرو 9 فقرة 1248  .

( [10] ) استئناف مختلط 21 أبريل سنة 1921 م 33 ص 281 – 8 يونيه سنة 1937 م 49 ص 253  .

( [11] ) استئناف مختلط 17 يونيه سنة 1925 م 37 ص 494 – 16 ديسمبر سنة 1931 م 44 ص 65 – 29 نوفمبر سنة 1933 م 46 ص 56 – 25 نوفمبر سنة 1936 م 49 ص 23  .

( [12] ) وقد جاء فى البدائع ( جزء 6 ص 266 – ص 267 ) فى صدد الشهادة بالتسامع ما يأتى : ” الثالث ( من شروط تحمل الشهادة ) أن يكون التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره ، إلا فى أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع من الناس لقوله عليه الصلاة والسلام للشاهد إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ، ولا يعلم مثل الشمس إلا بالمعاينة بنفسه  . فلا تطلق الشهادة بالتسامع إلى فى أشياء مخصوصة  . وهى النكاح والنسب والموت  . فله تحمل الشهادة فيها بالتسامع من الناس وإن لم يعاين بنفسه ، لأن مبنى هذه الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة  . وكذا إذا شهد العرس والزفاف يجوز له أن يشهد بالنكاح لأنه دليل النكاح  . وكذا فى الموت إذا شهد جنازة رجل أو دفته حل له أن يشهد بموته  . واختلفوا فى تفسير التسامع ، لعند محمد رحمه الله هو أن يشتهر ذلك ويستفيض وتتواتر به الأخبار عنده من غير تواطؤ ، لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر والسمع سواء ، فكانت الشهادة بالتسامع شهادة عن معاينة, فعلى هذا إذا أخبره بذلك رجلان أو رجل وامرأتان لا يحل له الشهادة ما لم يدخل فى حد التواتر  . وذكر أحمد بن عمرو بن مهران الخصاف أنه إذا أخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان أن هذا ابن فلان أو امرأة فلان يحل له الشهادة بذلك ، استدلالاً بحكم الحاكم وشهادته ، فإنه يحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه بل يخبرهما ويجوز له أن يشهد بذلك بعد العزل ، كذا هذا  . ولو أخبره رجل أو امرأة بموت إنسان حل للسامع أن يشهد بموته  . فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين الموت وبين النكاح والنسب  . ووجه الفرق أن مبنى هذا لأشياء وإن كان على الاشتهار إلا أن الشهرة فى الموت أسرع منه فى النكاح والنسب ، لذلك شرط العد فى النكاح والنسب لا فى الموت  . لكن ينبغى أن يشهد فى كل ذلك على الثبات والقطع دون التفصيل والتقييد بأن يقول إنى لم أعاين ذلك ولكن سمعت من فلان كذا وكذا ، حتى لو شهد كذلك لا تقبل  . وأما الولاء فالشهادة فيه بالتسامع غير مقبولة عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وهو قول أبى يوسف رحمه الله الأول ثم رجع وقال تقبل  .  .  .  . وأما الشهادة بالتسامع فى الوقف فلم يذكره فى ظاهر الرواية ، إلا أن مشايخنا ألحقوه بالموت لأن مبنى الوقف على الاشتهار أيضاً كالموت فكان ملحقاً به  . وكذا يجوز الشهادة بالتسامع فى القضاء والولاية ، أن هذا قاضى بلد كذا ووالى بلد كذا وإن لم يعاين المنشور ، لأن مبنى القضاء والولاية على الشهرة فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة ”  .

وجاء فى فتح القدير ( جزء 6 ص 20 – ص 21 ) : ” ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشئ لم يعاينه أى لم يقطع به من جهة المعاينة بالعين أو السماع إلا فى النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضى ، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأمور إذا أخبره بها من يثق به من رجلين عدلين أو رجل وامرأتين  . ويشترط كون الإخبار بلفظ الشهادة ، وفى الموت إذا قلنا يكفى الواحد لا يشترط لفظ الشهادة بالاتفاق ، أو بتواتر الخبر بذلك  .  .  . وجه الاستحسان أن العادة جارية بذلك ، وذلك بسبب أنه لا طريق إلى معرفة هذه الأشياء سوى الخبر ، إذ لم تجرى العادة بحضور الناس الولادة وإنما يرون الولد مع أمه أو مرضعته وينسبونه إلى الزوج فيقولون هو ابن فلان ، وكذا النكاح لا يحضره كل أحد وإنما يخبر بعضهم بعضاً أن فلاناً تزوج فلانة ، وكذا الدخول لا يعلم إلا بأمارات  .  .  . وكذا ولاية السلطان للقاضى لا يحضرها إلا الخواص وإنما يحضرون جلوسه وتصديه للأحكام  .  .  . وينبغى أن يطلق أداء الشهادة ، فيشهد أنه ابنه أو أمير أو قاض  . أما إذا فسر للقاضى أنه شهد عن تسامع بين الناس لم تقبل شهادته ”  . ويقول الأستاذ أحمد إبراهيم فى ” طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ” ( ص 306 ) : ” أقول والظاهر أنه حيث أجير للشاهد أن يشهد بالسماع فى المواضع التى بينوها وجب أن يقضى بشهادته إذا فسر ، وإلا كان فى المقام ما يشبه التناقض ، ولا معنى لبقاء القضاء فى مثل هذا على القياس والأخذ فى الشهادة بالاستحسان ، وكل ما فى الأمر أنهم يريدون تحميل الشاهد عبء ما شهد به ولا يحملون القاضى ذلك ، لكن ما أجازوه فيها كان ينبغى أن يجيزوه فيه منعاً للتدافع ، ولا معنى لهذا الهروب من أمر قرروه واعترفوا به ”  .

وأوصل ابن جزى فى القوانين الفقهية ( ص 313 ) المسائل التى يجوز فيها قبول الشهادة بالتسامع إلى عشرين ، فقال : ” تجوز الشهادة بالسماع الفاشى فى أبواب مخصوصة ، وهى عشرون : النكاح ، والرضاع ، والحمل ، والولادة ، والموت ، والنسب ، والولاء ، والحرية ، والأحباس ، والضرر ، وتولية القاضى ، وعزله ، وترشيد السفيه واليتيم ، والوصية وأن فلاناً وصى ، والصدقات المتقادمة ، والأشربة المتقادمة ، والقسامة ، والإسلام ، والعدالة ، والجرحة  . ولا تجوز الشهادة بالسماع الفاشى فى إثبات ملك لطالبه ، وإنما تجوز للذى هو فى يديه بشروط حوزه له سنين كثيرة الأربعين والخمسين ”  .

هذا ويعرف الفقه الإسلامى ، إلى جانب الشهادة بالتسامع ، شهادة التواتر  . وهى ” خبر جماعة يقع العلم بخبرهم  .  .  . لا يتصور اتفاقهم على الكذب  . وليس للتواتر عدد معين على الصحيح ، وإنما الشرط أن يكون المخبرون جمعاً لا يجوز العقل اتفاقهم على الكذب  . ولما كان التواتر يفيد عم اليقين ، فلا تقام بينة على خلافه ، لأن البينات ظنية يدخلها الشك بخلاف التواتر ، سواء أكان المستند إلى التواتر مدعياً أو مدعى عليه ، وسواء أكان مثبتاً أم نافياً ، وسواء أكان فى الموال أم الحدود أم القصاص ، وسواء أكان قبل الحكم أم بعده ، ذلك لأن التواتر حجة فى النفى والإثبات لإفادته القطع واليقين ” ( الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاة ص 29 )  .

( [13] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1514 ص 965 وهامش رقم 2  .

( [14] ) انظر المواد 115 – 119 من التقنين المدنى الفرنسى – وانظر فى مثل ثالث المادة 507 من هذا التقنين  .

( [15] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1513 ص 963 – ص 964 – بيدان وبرو 9 فقرة 1250

( [16] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1513 ص 963 – ص 964 – بيدان وبرو 9 فقرة 1250

( [17] ) بلانيول وريبير وجابولد 7 فقرة 1513 ص 963 – ص 964 – بيدان وبرو 9 فقرة 1250

( [18] ) ودرج المثل ، فى القانون الفرنسى القديم ، أن الشهادة فوق الكتابة ( temoins passent lettre )  .

( [19] ) أوبى ورو 12 فقرة 761 ص 298 – على أن هناك اتجاهاً فى العصر الحاضر من شأنه أن يرد للبينه اعتبارها  . ففى التقنينات الجرمانية ( تقنين المرافعات الألمانى وتقنين المرافعات السويسرى ) وفى بعض التقنينات اللاتينية ( التقنين المدنى البرتغالى م 2506 – 2508 والتقنين المدنى الإسبانى م 1244 – 1248 يجوز ، فى المسائل المدنية على غرار المسائل التجارية ، الإثبات بالبينة حيث يجوز الإثبات بالكتابة  . ويذهب بعض كبار الفقهاء من أمثال تالير ( الإفلاس فى القانون المقارن 1 ص 160 ) إلى تحبيذ هذا الاتحاه ( انظر عكس ذلك كولان وكابيتنان ومورانديير 2 فقرة 776 ص 512 هامش رقم 2 – بيدان وبرو 9 فقرة 1252 )  . والقضاء الفرنسى ذاته ، فى خلال القرن الأخير ، يساير هذه النزعة ، فيتوسع فى قبول البينة عن طريق التوسع فى تفسير معنى ” مبدأ الثبوت بالكتابة ” ومعنى ” تعذر الحصول على الكتابة ” ( بيدان وبرو 9 فقرة 1150 ص 218 وهامش رقم 4 )  .

( [20] ) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا المعنى ما يأتى : ” وتختلف حجية البينة اختلافاً جوهرياً عن حجية الكتابة  . فبينا يعتبر الدليل الكتابى ، تفريعاً على تهيئته ، حجة بذاته ، فيفرض سلطانه على القضاء ما لم يطعن فيه بالتزوير أو ينقض بإثبات العكس ، تترك البينة على نقيض ذلك لتقدير القاضى ، ويكون له كامل السلطة فى تقدير قيمتها ، أياً كان عدد الشهود وأياً كانت صفاتهم ، دون أن يخضع فى تقديره هذا لرقابة محكمة النقض ، بيد أن سلطة القاضى فى التقدير لا تتناول إلا تعلق البينة بالوقائع دون جواز قبول الإثبات بمقتضاها ، لأن تعيين حدود هذا الجواز من شأن القانون وحده ” ( مجموعة الأعمال التحضيرية 3 ص 395 – ص 396 )  .

وفى صدد خفض شأن البينة يقول فتحى زغلول : ” أبغض طرق الإثبات عند الشارع شهادة الشهود ( شرح القانون المدنى ص 418 )  .

( [21] ) وفى الفقه الإسلامى من شروط الشهادة عدم تكذيب الحس لها ، لأن الحس يفيد علماً قطعياً والشهادة تفيد خبراً ظنياً ، والظنى لا يعارض القطعى  . فلا تقبل البينة التى أقيمت على خلاف المحسوس  . كالبينة التى تقوم على موت شخص وحياته مشاهدة ، أو على خراب دار وهى قائمة يشهد العيان بعمارتها ( الأستاذ أحمد إبراهيم فى طرق القضاء فى الشريعة الإسلامية ص 317 )  . ونصت المجلة فى المادة 1697 على أنه ” لا تقبل البينة التى أقيمت على خلاف المحسوس ، مثلاً إذا أقيمت البينة على موت رجل وحياته مشاهدة ، أو على خراب دار وعمارها مشاهدة ، فلا تقبل ولا تعتبر ”  . ويقول الأستاذ سليم باز فى شرح هذا النص ( ص 1021 ) : وكذا إذا أقيمت البينة بأن هذا المرعى مخصص منذ القديم لمنافع القرية الفلانية وكانت هذه القرية حديثة العهد ، وبذلك قرار لمحكمة التمييز مؤرخ فى 28 أيول سنة 1309 ج  . م عدد 828 )  .

( [22] ) أوبى ورو 12 فقرة 761 ص 302 – ص 303 – وقد قضت محكمة النقض بأن لمحكمة الموضوع أن ترفض إجراء تحقيق يطلبه الخصوم متى رأت بما لها من سلطة التقدير أنه لا حاجة بها إليه أو أنه غير مجد بالنظر إلى ظروف الدعوى وما هو ثابت فيها من الأدلة والوقائع ، وإنما هى ملزمة إذا رفضت مثل هذا الطلب أن تبين فى حكمها لماذا رفضته وأن تكون الأسباب التى بنت عليها اقتناعها من شأنها أن تؤدى إلى ما قضت به ( نقض مدنى 24 فبراير سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 101 ص 265 )  . انظر أيضاً : نقض مدنى 30 أبريل سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 123 ص 334 ( تمسك خصم بعقد ، ثم عدل وتمسك بالتحقيق لإثبات التقادم وتقلب فى دفاعه ، فرفضت المحكمة التحقيق ) – 24 مارس سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 401 ص 742 ( قضت المحكمة بالقرائن مكتفية بها ، من غير حاجة إلى البينة )  . انظر كذلك : نقض مدنى 10 ديسمبر سنة 1931 مجموعة عمر 1 رقم 17 ص 29 – 10 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 70 ص 140 – 17 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 72 ص 142 – 6 يونيه سنة 1935 مجموعة عمر 1 رقم 283 ص 863 – 16 أبريل سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 350 ص 1096 – 22 يونيه سنة 1939 مجموعة عمر 2 رقم 194 ص 607 – 14 نوفمبر سنة 1940 مجموعة عمر 3 رقم 75 ص 272 – 18 مايو سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 138 ص 382 – 19 يناير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 54 ص 189 – 30 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 96 ص 385  .

وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يسوغ أن يثبت بالبينة أنه منذ عهد بعيد وفى أيام معينة تعذر إنزال البضاعة بسب رداءه الجو ( أول مارس سنة 1907 م 19 ص 229 ) ، أو العبارات التى استعملت فى حديث جرى منذ عهد بعيد ( 28 مايو سنة 1919 م 31 ص 316 ) ، أو وقائع حدثت منذ تسع سنوات ( 17 نوفمبر سنة 1937 م 50 ص 21 ) ، أو حادث وقع منذ ثمانى سنوات ( 10 مارس سنة 1938 م 50 ص 163 )  . ويجوز للقاضى أن يرفض الإحالة إلى التحقيق إذا وجد فى القضية عنا صر كافية للإثبات تجعل البينة تزيداً لا فائدة منه ( استئناف مختلط 29 يناير سنة 1924 م 36 ص 178 ) أو يرفض سماع شهود آخرين متى كون عقديته بعد سماع من سمعهم ( استئناف مختلط 29 يونيه سنة 1942 م 54 ص 257 )  .

( [23] ) ولكن يجب أن تكون هناك أسباب كافية لتبرير هذا التقدير ، ويكون التسبيب قاصراً إذا لم يواجه دفاع الخصم ولم يحققه مع حاجته إلى التحقيق ( نقض مدنى 28 يناير سنة 1937 مجموعة عمر 2 رقم 32 ص 83 )  . ولا يجوز أن يكون مجرد التخوف من فساد ذمة الشهود سبباً فى حرمان مدعى الحق من إثبات دعواه بالبينة ( استئناف مصر 22 ديسمبر سنة 1938 المحاماة 20 رقم 169 ص 455 )  .

( [24] ) أوبرى ورو 12 فقرة 761 ص 301 – ص 302  .

( [25] ) ولم يكن الأمر على هذا النحو فى القانون الفرنسى القديم  . فقد كانت شهادة الواحد لا تكفى ، ويقول لوازيل Loisel فى هذا المعنى : Testis unus, testis nullux – Voix d’un, voix de nun ( Institutes coutumieres, liv  . V; tit, V; regl  . 10 )

انظر أوبرى ورو 12 فقرة 761 هامش رقم 8 )  .

( [26] ) ونرى ذلك واضحاً فى الفقه الإسلامى  . قال ابن جزى فى القوانين الفقهية فى مراتب الشهادات والشهود : ” أما الشهادة فهى على ست مراتب : ( الأولى ) شهادة أربعة رجال وذلك فى الشهادة على الرؤية فى الزنا بإجماع  . ( والثانية ) شهادة رجلين وذلك فى جميع الأمور سوى الزنا  . و( الثالثة ) شهادة رجل وامرأتين وذلك فى الأموال خاصة دون حقوق الأبدان والنكاح والعتق والدماء والجراح  . وما يتصل بذلك كله  . واختلف فى الوكالة على المال ، وأجازها أبو حنيفة فى النكاح والطلاق والعتق ، وأجازها الظاهرية مطلقاً  . و( الرابعة ) شهادة امرأتين دون رجل وذلك فيما لا يطلع عليه الرجال كالحمل والولادة والاستهلال وزال البكارة وعيوب النساء ، وقيل إنما يعمل بها بشرط أن يفشو ما شهدتا به عند الجيران وينتشر ، وقال الشافعى لا بد من أربع نسوة ، وأجاز أبو حنيفة شهادة امرأة واحدة  . و( الخامسة ) رجل مع يمين وذلك فى الأموال الخاصة  . و( السادسة ) امرأتان مع يمين وذلك فى الأموال أيضاً  . فتلخص أن شهادة رجل وامرأتين أو رجل ويمين أو امرأتين ويمين مختصة بالأموال  . وأما مراتب الشهود فهى أيضاً ست : ( الأولى ) العدل المبرز فى العدالة فتقبل شهادته فى كل شئ ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة  . و( الثانية ) العدل غير المبرز فتقبل شهادته فى كل شئ ويقبل فيه التجريح بالعداوة وغيرها  . و( الثالثة ) الذى تتوسم فيه العدالة  . و( الرابعة ) الذى لا تتوسم فيه العدالة ولا الجرحة  . و( الخامسة ) الذى تتوسم فيه الجرحة  . فلا تقبل شهادة هؤلاء الشهود دون تزكية  . و( السادسة ) المعروف بالجرحة فلا تقبل شهادته حتى يزكى ، وإنما يزكيه من علم توبته ورجوعه عما جرح به ( القوانين الفقهية لابن حزى ص 309 – ص 310 )  .

( [27] ) انظر نقض مدنى 2 مارس سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 76 ص 289 ( الاطمئنان إلى صدق الشاهد مرده إلى وجدان القاضى ) – 10 يناير سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 64 ص 379 ( تقدير أقوال الشهود مرهون بوجدان القاضى ، إلا أن يخرج بهذه الأقوال إلى ما لا يؤدى إليه مدلولها ) – 19 فبراير سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 73 ص 500 ( تستطيع محكمة ثانى درجة أن تستخلص من أقوال الشهود ما يغاير ما استخلصته منها محكمة الدرجة الأولى ) – 23 أبريل سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 4 رقم 136 ص 916 ) ترجيح شاهد على شاهد من إطلاقات قاضى الموضوع )  .

( [28] ) أوبرى ورو 12 فقرة 761 ص 302 – بيدان وبرو 9 فقرة 1288 – وقد قضت محكمة النقض بأن للمحكمة كامل الحرية فى تقدير الدليل ، ومتى قررت المحكمة إحالة الدعوى إلى التحقيق كان له اأن تعتمد فى استجلاء الحقيقة على أية قرينة تطرح أمامها ، على أن تورد من الأسباب ما من شأنه أن يؤدى إلى ما قضت به ( نقض مدنى 14 ديسمبر سنة 1944 مجموعة عمر 4 رقم 169 ص 478 ) – انظر أيضاً : نقض مدنى 17 نوفمبر سنة 1932 مجموعة عمر 1 رقم 72 ص 142 ( جواز الاعتماد على تحقيق إدارى فى دعوى إجارة بين الكومة والأفراد ) – 16 مارس سنة 1933 مجموعة عمر 1 رقم 112 ص 200 ( جواز اعتماد على تحقيق أمام المحكمة الابتدائية بعد إلغاء حكمها استئنافياً ) – 29 يناير سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 138 ص 409 ( قصور فى استكمال التحقيق ) – 14 مايو سنة 1942 مجموعة عمر 3 رقم 159 ص 445 ( قصور فى التسييب ) – 8 فبراير سنة 1945 مجموعة عمر 4 رقم 205 ص 564 ( قصور فى التسييب : معاينة أجريت ولم تتكلم المحكمة عن نتيجتها )  . 16 مايو سنة 1946 مجموعة عمر 5 رقم 75 ص 171 ( قصور التسييب فى إثبات مرض الموت ) – 27 أكتوبر سنة 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 3 ص 7 ( الأخذ بشهادة شاهد فى طريقة العمل ولو لم تكن له علاقة بالحادث ) – 23 فبراير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 71 ص 269 – 27 فبراير سنة 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 117 ص 460 – 29 أكتوبر سنة 1953 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 13 ص 108 ( الأخذ بأقوال شهود سمعهم الخبير دون حلف يمين )  .

على أن القول بأن لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة فى تقدير أقوال الشهود مشروط بألا يكون هذا التقدير مبيناً على سبب مخالف للثابت فى أوراق الدعوى  . وإذن فمتى كانت المحكمة ، إذ قضت برد وبطلان العقد المطعون فيه بالتزوير ، قد صرحت بأن سبب عدم اطمئنانها إلى أقوال شهود المدعى عليها فى دعوى التزوير هو أن هذه الأخيرة قد سكتت عن الرد على ما جرحت به شهادتهم واستنتجت المحكمة من هذا السكون صحة هذا التجريح ، وكان الثابت أن الطاعنة لم تسكت فى الرد على تجريح شهودها ، فإن الحكم يكون مبيناً على سبب لا سند له فى الأوراق ، مما يبطله ويستوجب نقضه فى هذا الخصوص ( نقض مدنى 24 يونيه 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 151 ص 980 )  .

المصدر: محامي في الأردن

انظر طريقة توكيل محامي

نموذج عقد

التفاوض على العقد

صياغة العقد التجاري وفق الأنظمة السعودية