العقود المسماة

العقود المسماة

العقود المسماة هي عقود كثيرة التداول في الحياة العملية، فكانت لها أسمائها الخاصة، كالبيع والشركة والإيجار والهبة والوكالة والمقاولة، ولما لها من أهمية بالغة في ميادين التعامل والنشاط الاقتصادي ، فقد نظمها المشرع تنظيمًا مفصلًا.

محتويات المقال :

التمييز بين العقود المسماة والعقود غير المسماة في القانون الحديث :

الأغراض المختلفة التي يتوخاها المشرع في تنظيم العقود المسماة :

تقسيم العقود المسماة :

أنواع العقود المسماة

وسوف نتناول فيما يلي التمييز بين العقود المسماة والعقود غير المسماة في القانون الحديث، والأغراض المختلفة التي يتوخاها المشرع في تنظيم العقود المسماة، وتقسيم العقود المسماة.

التمييز بين العقود المسماة والعقود غير المسماة في القانون الحديث :

في القانون الحديث ليس ثمة فرق بين العقد المسمى والعقد غير المسمى، فهما يتمان بمجرد تراضي المتعاقدين باستثناء العقود الشكلية وما بقي من العقود العينية.

وكما سبق القول فالعقود التي يُطلق عليها مُسمى العقود المسماة فيرجع ذلك بسبب أن المشرع قد نظمها تنظيمًا خاصًا لكثرة تداولها في العمل إلى حد قواعدها أصبحت راسخة ومستقرة.

وتطور العقود المسماة من زمن إلى آخر أمر يتم بحسب ما يألفه الناس في التعامل، فعلى سبيل المثال فالعقود المسماة في عصرنا هذا قد تنقص أو تزيد عن العقود المسماة في عصر سابق أو لاحق، بحيث تظهر عقود جديدة وتختفي عقود قديمة.

وفيما يتعلق بالعقود غير المسماة فيتولى المشرع تنظيمها وتخضع في أحكامها للقواعد العامة في نظرية العقد، كما في العقود المسماة.

ومسألة تكييف العقد لمسمى وغير مسمى مسألة في غاية الدقة، فلا عبرة فيها بالألفاظ التي تُستخدم من المتعاقدين في حال اتضح أنهما اتفقا على عقد غير العقد الذي سمياه، فقد يهدفا لإخفاء العقد الحقيقي تحت اسم العقد الظاهر كما في الوصية التي يخفيها الموصي تحت ستار البيع، أو قد يخطئا في التكييف.

والعقد سواء كان مسمى أو غير مسمى قد يكون بسيطًا إذا لم يكن مزيجًا من عقود متنوعة ، كالبيع والإيجار، فإذا اشتمل على أكثر من عقد امتزجت جميعًا فأصبحت عقدًا واحدًا سمي عقدًا مختلطًا، ومثال على ذلك العقد بين صاحب الفندق والنازل فيه، فهو يُعتبر مزيجًا من عقد بيع بالنسبة إلى المأكل، وعقد إيجار بالنسبة إلى المسكن، وعمل بالنسبة إلى الخدمة، ووديعة بالنسبة إلى الأمتعة.

والعقود التي تمتزج في عقد واحد وتمسى بالعقد المختلط، تطبق فيها أحكام العقود المختلطة التي يشتمل عليها، فمن المفيد أحيانًا أن يؤخذ العقد المختلط كوحدة قائمة بذاتها، وذلك إذا تعارضت أو تنافرت الأحكام التي تُطبق على كل عقد من العقود التي يتكون منها ، وحينها يجب تغليب أحد هذه العقود على اعتبار أنه العنصر الأساسي وتُطبق أحكام هذا العقد دون غيره، ومثال على ذلك عقد التليفون الذي يدور بين عقد العمل وعقد الإيجار، بيد أن القضاء غلب عنصر عقد العمل.

الأغراض المختلفة التي يتوخاها المشرع في تنظيم العقود المسماة :

عنى المشرع من تنظيم العقود المسماة وإيراد نصوص خاصة في شأنها تحقيق أغراض مختلفة منها :

  • تجنيب المتعاملين المشقة في تنظيم تعاملاتهم التعاقدية، فتنظيم المشرع أراد من خلاله إرساء القواعد وترسيخ الأحكام، لما كانت العقود المسماة من أكثر العقود شيوعًا، فتنبه المشرع لأكثر من يثار لهذه العلاقات وتناولها بالتحديد والتنظيم، فجمع المشرع لتلك المسائل وتولاها نيابة عن المتعاقدين.
  • تطبيق المشرع للقواعد العامة في عقد مسمى بالذات يوضح تطبيقات غير ظاهرة لهذه القواعد تختلف حولها التفسيرات، فيعرض لها مع توضيحها بنصوص حاسمة ليس فيها مجالًا للشك، ومن أمثلة ذلك : ضمان العيوب الخفية، وضمان الاستحقاق، وتحمل تبعة الهلاك.
  • في العقود المسماة دور المشرع لا يقتصر على مجرد تطبيق القواعد العامة، إذا أنه في بعض الحالات يخرج عن هذه القواعد لمبررات خاصة ترجع للعقد المسمى الذي يتولى تنظيمه وغالب تلك المبررات تتصل بالنظام العام.
  • توجيه هذا العقد وتطويره بحيث يتمشى مع الاتجاهات المتحددة، فهو يعمل على تنظيم ما ألفته الناس من خلط عقد الإيجار بعقد البيع، وفي تحريم الرهن الذي يستتر تحت اسم بيع الوفاء، وفي تحريم بيع الوفاء ذاته.

تقسيم العقود المسماة :

رتب المشرع العقود المسماة ترتيبًا منطقيًا متسقًا راعى فيه المحل الذي يقع عليه العقد، فهناك عقود تقع على العمل، وعقود تقع على المنفعة، وعقود تنصب على الملكية، وهناك عقودًا احتمالية.

أنواع العقود المسماة

العقود المسماة هي عقود عنى المشرع بتنظيمها ومن ثم وضع لها أحكامًا خاصة بسبب أهميتها البالغة وكثرة تداولها في ميادين التعاون والنشاط الاقتصادي.

ومن العقود المسماة ما يرد على الملكية كالبيع والمقايضة والشركة والقرض والهبة، ومنها ما يرد على الانتفاع بالشيء كالإيجار والعارية، ومنها أيضًا ما يرد على العمل كعقد العمل وعقد المقاولة، ومنها كذلك العقود الاحتمالية كعقد التأمين.

إضافة إلى ما تقدم فعقود التأمينات الشخصية والعينية، كالكفالة والرهن الرسمي والحيازي من العقود المسماة التي عنى المشرع بتنظيمها ووضع لها أحكامًا خاصة.

وسوف نتناول في مقالنا بإيجاز بعض أنواع العقود المسماة وهي عقد البيع وعقد المقاولة وعقد الإيجار.

عقد البيع :

عقد البيع من العقود المهمة وهو عقد يلتزم به البائع بان ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقًا ماليًا آخر مقابل ثمن نقدي.

وفيما سيلي نتناول خصائص عقد البيع كأحد أنواع العقود المسماة.

خصائص عقد البيع :

يتميز عقد البيع عن دونه من العقود بخصيصتين أساسيتين إضافة إلى الخصائص العامة وهذا ما سنتناوله في الاتي :

أولًا: الخصائص المحددة لعقد البيع

لعقد البيع خصيصتين أساسيتين تميزانه عن غيره من العقود وهما :

الخاصية الأولى : البيع عقد ينشئ التزامًا بنقل ملكية شيء أو حق مالي آخر.

فعقد البيع بذاته لا ينقل الملكية مباشرة وإنما يتم نقل الملكية بناء على التزام البائع بنقلها.

الخاصية الثانية : نقل الملكية يتم في مقابل ثمن نقدي : فيتميز عقد البيع عن غيره من العقود التي تنقل الملكية كعقد الهبة الذي يتم في الأصل بلا ثمن وعقد المقايضة الذي لا يكون فيه المقابل ثمن نقدي.

ثانيًا : الخصائص العامة لعقد البيع

لعقد البيع عدة خصائص يُمكن إجمالها في الآتي :

 البيع عقد من العقود المسماة :

بحيث وضع له المشرع تنظيمًا قانونيًا خاصًا به وبين أحكامه القانونية بشكل وافي، بحيث أن التنظيم القانوني لعقد البيع يحتوي على قواعد آمرة ليس لأحد من المتعاقدين الاتفاق على مخالفتها، وهناك قواعد أخرى مكمة أو مفسرة لإرادة المتعاقدين، وبالتالي يجوز لهم الاتفاق على مخالفتها.

البيع عقد رضائي :

بحيث يكفي لانعقاده وحتى يكون صحيحًا توافق الإيجاب والقبول وبين طرفي العقد البائع والمشتري، ولا يشترط لانعقاده أي شكل خاص فقد يُبرم في الشكل العرفي أو الرسمي، وقد يُعقد كتابة أو مشافهة أو بأي طريق آخر من طُرق التعبير عن الإرادة.

البيع عقد ملزم للجانبين :

وذلك لأنه يرتب التزامات متقابلة بين طرفيه، فالبائع يقع عليه التزام بعمل ما لزم من جانبه لنقل الملكية والضمان وبتسليم المبيع، والمشتري يلتزم بدفع الثمن وكذلك الالتزامات الأخرى الملقاة على عاتقه.

وفي تأييد ذلك جاء في حُكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (2283) لسنة 2017 فيما يخص عقد البيع :  “هو من العقود الملزمة للجانبين والتي ترتب التزامات متقابلة على الفريقين بحيث يلتزم البائع بتسليم المبيع ويلتزم المشتري بتسليم الثمن”.

البيع عقد من عقود المعاوضات :

فكلا طرفي عقد البيع يأخذان يأخذا مقابلًا لما يعطيانه، فالبائع يعطي المبيع ويأخذ الثمن، والمشتري يأخذ المبيع ويعطي الثمن.

عقد البيع من أعمال التصرف :

وذلك بغض النظر إذا تعلق الأمر بالمشتري أو بالبائع، لأن المشتري يفقد الثمن الذي يدفعه، والبائع يفقد الشيء أو الحق المالي الذي يبيعه، وهذا يستلزم توافر أهلية التصرف في كل من البائع والمشتري.

عقد المقاولة :

بحسب المادة (780) من القانون المدني الأردني فعقد المقاولة هو عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئًا أو يؤدي عملًا لقاء بدل يتعهد به المتعاقد الآخر .

يعرف عقد المقاولة أو عقد الاستصناع بأنه : ” عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر، ويجوز أن يقتصر المقاول على التعهد بتقديم عمله على أن يقدم رب العمل المادة التي يستخدمها أو يستعين بها في القيام بعمله، كما يجوز أن يتعهد المقاول بتقديم المادة والعمل معًا “. العقود المسماة هي عقود كثيرة التداول في الحياة العملية، فكانت لها أسمائها الخاصة، كالبيع والشركة والإيجار والهبة والوكالة والمقاولة، والعقد النموذجي ويسمى أيضا العقد المعياري عبارة عن مسودة لعقد معد من قبل أشخاص محترفين ومعتمدين تستخدم للتعاقد بها ، ولا بد من التمييز بين عقد العمل و عقد المقاولة ، في هذا الموضوع سنقوم بعرض نموذج عقد مقاولة.

وفيما يلي سنتناول أهم خصائص عقد المقاولة كأحد أنواع العقود المسماة، وذلك فيما يلي :

خصائص عقد المقاولة :

لعقد المقاولة عديد الخصائص من أهمها :

عقد رضائي :

فلا يُشترط لانعقاده شكل معين، فهو ينعقد بمجرد ارتباط قول أحد الطرفين بإيجاب الطرف الآخر وتطابقهما، ويجوز أن ينعقد مشافهة أو بالكتابة أو حتى بالإشارة لغير القادر على النطق.

عقد معاوضة :

بسبب رغبة كلا المتعاقدان من الحصول على منفعة جراء تعاقدهما، وذلك مقابل ما يقدمه الطرف الآخر، فالمقاول يقوم بتأدية العمل المطلوب منه مقابل البدل الذي يحصل عليه من صاحب العمل.

عقد ملزم للجانبين :

فهو يُرتب التزامات على عاتق طرفيه وذلك منذ لحظة إبرامه، فيلتزم صاحب العمل بأن يتسلم العمل بعد إنجازه ويدفع البدل، وذلك بعد أن يلتزم المقاول بإنجاز العمل ثم تسليمه.

عقد وارد على العمل :

فالقيام بعمل معين هو العنصر الجوهري المطلوب من المقاول في العقد، فهو عمل يقوم به المقاول باستقلال تام دون أي إشراف أو تبعية من جانب صاحب العمل.

عقد محدد :

ويقصد بأنه عقد محدد أي يُمكن لأي من طرفيه أن يُحدد عند التعاقد قيمة المنفعة التي يُقدمها إلى المتعاقد الآخر، وكذلك قيمة المنفعة التي سوف يأخذها منه، ولك القيمة لا يتوقف على أمر احتمالي غير محقق الوقوع.

عقد الإيجار :

عقد الإيجار هو عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه بتمكين المستأجر من الانتفاع بشيء معين ولمدة معينة لقاء أجر معلوم.

وسوف نتناول أهم خصائص هذا العقد كأحد أنواع العقود المسماة وذلك كما سيلي :

خصائص عقد الإيجار :

يتمتع عقد الإيجار بعدة خصائص سنجملها فيما يلي :

عقد من العقود المسماة :

فالمشرع أكد طابع العقد المسمى لعقد الإيجار إذ أعطاه اسمًا خاصًا به وهو ” الإيجار ” وخصه بأحكام خاصة.

عقد وارد على المنفعة :

فهو يختلف عن العقود التي تقع على الملكية كالهبة والشركة والبيع والمقايضة والقرض، فهو عقد يقتصر على تمكين المستأجر من الانتفاع بشيء معين خلال فترة معينة.

عقد رضائي :

فهو من العقود الرضائية التي تنعقد بمجرد تطابق الإيجاب والقبول على طبيعة العقد والشيء المؤجر، والأجرة، والمدة وحتى ينعقد فهو ليس بحاجة إلى شكل خاص كورقة رسمية أو عرفية.

وفيما يتعلق بهذه الخاصية فقد نصت محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم (6337) لسنة 2018 بصفتها الحقوقية على ما يلي : ” عقد الإيجار هو عقد رضائي ملزم للجانبين ويتضمن التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور مقابل التزام الأخير بأداء الأجرة المتفق عليها وفق بنود العقد “.

عقد ملزم لجانبين :

ففيه يلتزم المؤجر بتسليم العين المؤجرة، وبتعهدها بالصيانة، وبضمان العيوب الخفية، وبضمان التعرض، كما يلتزم المستأجر بدفع الأجرة، وباستعمال العين المؤجرة لغرض الذي أعدت من أجله، وكذلك المحافظة عليها وردها.

عقد معاوضة :

فيعد عقد الإيجار من عقود المعاوضة، وذلك لأن كل طرف يأخذ مقابلًا لما يعطي، فيأخذ المؤجر الأجرة مقابل تمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، ويأخذ المستأجر الانتفاع بالعين المملوكة للمؤجر مقابل دفعه الأجرة.

عقد زمني :

فهو يُعد من العقود الزمنية، فالزمن فيه عنصرًا جوهريًا ، لأنه يُعقد لزمن معين، ففيه يلتزم كل من المؤجر والمستأجر بمدة معينة ينتفع فيها المستأجر بالعين المؤجرة مقابل دفع المستأجر الأجرة للمؤجر على هذه المدة.

عقد عمل مدير في مطعم وفق الأنظمة السعودية

عقد شراكة في مطعم وفق النظام السعودي

نموذج عقد شراكة لفتح مطعم

 

كتابة الاتفاق المالي وفق الأنظمة السعودية

للاطلاع على مقالة عن العقود غير المسماة اتبع الرابط 

Photo by Cytonn Photography on Pexels.com

الغلط في القانون

الغلط في القانون

الغلط كما هو معلوم من أهم عيوب الإرادة، وأكثرها شيوعًا في العمل، ومن ثم لم يخلوا قانون من القوانين من النص عليه، وتنظيم أحكامه.

وقد حدد القانون عيوب الرضا وهي الإكراه والغلط والتدليس والاستغلال، بيد أن الحياة العملية أثبتت لنا أن الغلط من أكثر عيوب الرضا أهمية لكثرة حدوثه، لأنه على عكس العيوب الأخرى لا يقع نتيجة لتأثير الغير كما هو الحال في الاستغلال والتدليس والإكراه، وإنما ينتج عن تصور ذاتي خاطئ مخالف للواقع وقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه.

والشريعة الإسلامية قد سبقت إلى ذلك منذ قرون عديدة، فكما حظي بأهمية تشريعية ولم يخل منه مؤلف من مؤلفات شراح القانون الوضعي، فقد حظي كذلك بأهمية فقهية فائقة في أمهات كتب الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه.

تعريف الغلط 

تحديد نطاق فكرة الغلط 

شروط الاعتداد بالغلط في القانون 

الغلط الجوهري 

اتصال الغلط بالمتعاقد الأخر 

وسوف نتناول في مقالنا تعريف الغلط، مع تحديد نطاقه، وشروط الاعتداد بالغلط في القانون.

تعريف الغلط :

الغلط هو وهم يقوم في ذهن الشخص فيصور له الأمر على غير حقيقته، ويكون هو الدافع إلى التعاقد. ويُمكن ان نقول أيضًا انه تصور كاذب للواقع يؤدي بالشخص إلى إبرام تصرف لم يكن ليبرمه لو تبين له حقيقة هذا الواقع، فهو يصيب الإرادة عند إبرام التصرف، فيوجهها وجهة لا تتفق مع الواقع، الذي تمثل في ذهن العاقد على غير حقيقته، كأن يشتري شخص تمثالًا يعتقد أنه أثري وهو ليس كذلك، أو يشتري شقة يعتقد أنها بحرية فيتضح أنها قبلية.

والغلط يتحقق عند انتفاء علاقة التوافق بين الوقائع التي يعلم بها الجاني، وتلك التي يحرمها الشارع، ويبنى على ذلك أن الغلط حالة نفسية تقوم بشخص الجاني، ولذلك فانه يقاس بمعيار شخصي، فيبحث عنه في نفس مرتكب الفعل، فإن توافر فإنه يكون مؤثرًا، فالجاني الواقع في الغلط هو الذي يقصد شيئًا معينًا بالأذى، لوجود تصور غير صحيح وفكرة خاطئة في ذهنه عن ذلك الشيء، حيث يتبين أن حقيقة ذلك الشيء الذي وقع عليه الأذى تختلف عن الفكرة المرسومة في ذهن الواقع في الغلط عنه.

ومن ثم فإنه في حال ارتكب الفعل تحت تأثير الغلط في الواقع فإن مسؤولية الفاعل تتحدد على أساس الوقائع التي اعتقد وجودها أن كان من شأنها أن تعدم المسؤولية أو تخففها، ولكن بشرط أن يكون اعتقاده قائمًا على أسباب معقولة، أما في حال أن كان الغلط الذي جعل الفاعل يعتقد عدم مسؤوليته عن فعله ناشئًا عن إهمال فإنه يُسأل هنا عن مسؤولية غير عمدية إذا كان القانون يعاقب على الفعل باعتباره جريمة غير عمدية.

تحديد نطاق فكرة الغلط :

هناك أنواعًا مختلفة من الغلط، لا يُعتبر الغلط فيها عيبًا في الإرادة يجعل العقد قابلًا للإبطال، وإنما حقيقته شيئًا آخر، وهناك حالة قد تتشبه مع الغلط وهي التي تتعلق بتخلف شرط من شروط العقد.

الغلط المانع :

وهو أحد أنواع الغلط التي أشارت إليه النظرية التقليدية، وأطلقت عليه هذه التسمية، وهو إما أن يقع في طبيعة العقد، فيعطي شخص لآخر شيء لكي يودعه عنده فيعتقد أنه هبه، أو يقع في ذاتية المحل كأن يؤجر المالك شقة معينة، فيعتقد المستأجر أنه يستأجر شقة أخرى، وقد يقع في السبب كأن يتعهد الوراث بأن يسلم شخصًا منزلًا معينًا بهدف تنفيذ وصية ثم يتضح أن الموصي قد رجع عن هذه الوصية.

وهذا النوع من الغلط يعدم الإرادة فحقيقته أن توافق الإرادتين لم يتم في شأن ركن من أركان العقد فيكون ركن التراضي غير موجود وبالتالي يقع العقد باطلًا، وبهذا يختلف عن الغلط المقصود في مقالنا، فالغلط الذي بصدد الحديث عنه هو غلط يعيب الإرادة ولا يمس وجودها، فيكون من شأنه أن يجعل العقد قابلًا للإبطال أو الفسخ أو يجعله موقوفًا.

ويصدق هذا على القانون المصري وبعض القوانين العربية التي أخذت بالنظرية الحديثة في الغلط، أما القانون الأردني فقد اعتبر الغلط المانع صورة من صور الغلط.

الغلط في التعبير عن الإرادة :

وذلك يتحقق حين يصدر شخصًا ما تعبيرًا ما يعتقد أنه يطابق إرادته الحقيقية رغم أنه يخالفها، فتكون الإرادة الظاهرة حينئذ مغايرة للإرادة الباطنة. وهذا المسألة لا علاقة لها بالغلط المقصود في مقالنا، فهي تتعلق بوجود الإرادة لا بصحتها.

الغلط في نقل الإرادة :

وذلك حين يتولى وسيط أو رسول نقل الإرادة إلى من وجهت إليه، فيخطئ في نقلها، أي ينقلها على غير وجهها الصحيح، وذلك مثل ان يرسل البائع إلى المشتري برقية يذكر فيها ثمن الشيء المبيع فيقع خطأ في البرقية يؤدي إلى تحريف في الثمن الذي ذكره البائع، وهذه حالة لا تنطوي على غلط يعيب الإرادة بالمعنى الذي نقصده، فالحل فيها يكون بأحد أمرين ، أولهما أن نعتبر أن توافق الإرادتين لم يتم فعلًا، فلا ينعقد العقد، أو نأخذ بالإرادة الظاهرة، التي كانت نتيجة لخطأ في النقل، والصحيح هو الحل الأول، وبغض النظر عن أي الحلول سنأخذ بها، إلا أن الوسيط الذي أخطأ في النقل تقع عليه مسؤولية تعويض الضرر الذي تحقق.

الغلط المادي :

وهو ما يُطلق عليه الغلط في الحساب وغلطات القلم، وهذا النوع من الغلط لا أثر له على سلامة الإرادة وإنما يتعين تصحيحه، وقد نصت المادة (123) من القانون المدني المصري والمادة (155) من القانون المدني الأردني على معنى أنه لا يؤثر في صحة العقد مجرد الغلط في الحساب ولا غلطات القلم، ولكن يجب تصحيح الغلط.

تخلف شرط من الشروط المتفق عليها في العقد :

وهي حالة أن يتفق طرفا العقد على شرط معين، ومن ثم حين يحين التنفيذ يتبين لكلا الطرفين أن هذا الشرط غير متوافر، كأن يتفق الطرفان في عقد البيع على أن تكون البضاعة المبيعة من صناعة دولة معينة، ومن ثم حين يحين التسليم يجد المشتري أن البضاعة من صناعة دولة غير الدولة التي طلبها. فالوضع هنا لا ينطوي على غلط، بل حقيقته أن أحد الطرفين وهو البائع لم يوف بالتزامه الذي سبق الاتفاق عليه، ومن ثم فالطرف الآخر لا يكون أمامه إلا أن يطلب تنفيذ الالتزام أو الفسخ.

وبالتالي فالغلط الذي يعيب الإرادة لا يقع على لكن في العقد، ولا علاقة له بالخطأ في التعبير عنها، ولا بالخطأ في تدوينها، ولا بالخطأ في نقلها، فهو يتميز عن الحالة التي فيها يتخلف شرط متفق عليه في العقد، فهو يتناول تكوين الإرادة عند إبرام التصرف في شأن اعتبار يهم التعاقد ولا يُعتبر ركنًا في العقد.

شروط الاعتداد بالغلط في القانون :

ساوى الفقه والقضاء والتشريع بين الغلط في القانون بالغلط في الواقع من حيث أثرهما على صحة التصرفات القانونية، ومن ثم فإن الغلط في القانون لا يُعتد به إلا إذا توافرت فيه شروطه التي نص عليها القانون صراحة، وهي أن يكون الغلط جوهريًا دفع المتعاقد إلى الرضاء بالتعاقد بما لم يكن ليرضى لولا وقوعه بالغلط، والشرط الآخر أن يكون الغلط واقعًا في نطاق العقد.

وأغلب القوانين الحديثة قد نصت على أن شروط الغلط في الواقع هي نفسه شروط الغلط في القانون، وقد نص على ذلك صراحة في القانون المدني المصري في المادة (122) حيث جاء فيها : ” يكون العقد قابلًا للإبطال لغلط في القانون إذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع طبقًا للمادتين السابقتين ، هذا مالم يقضي القانون بغيره “.

ونصت المادة (154) من القانون المدني الأردني على أنه : ” للعاقد فسخ العقد إذا وقع منه غلط في القانون وتوافرت شروط الغلط في الواقع طبقًا للمادتين (151، 153) مالم يقضي القانون بغيره “

غير أن الغلط في القانون يتميز عن الغلط في الواقع بوجوب توافر شروط أخرى غير الشرطين السابقين، ومن هذه الشروط الخاصة، أن يكون المتعاقد المتمسك بالغلط في القانون معذور في تمسكه بالغلط، وأن يكون هدفه في تمسكه بالغلط تطبيق القانون لا استبعاده، وأن يقع الغلط في القانون على قاعدة قانونية غير مختلف في تفسيرها، بالإضافة إلى عدم وجود نص في القانون يقضي باستبعاد الغلط في القانون في بعض الحالات.

وعليه نستنتج وجود نوعين من شروط الغلط في القانون وهي شروط عامة نص عليها القانون صراحة، وشروط خاصة متعلقة بالغلط في القانون يجب توافرها فيه وإن لم ينص القانون عليها صراحة، ولكن قد استقر الفقه والقضاء على وجوب توافرها فيه.

وسنتناول في مقالنا الشروط العامة التي نص القانون على وجوب توافرها في الغلط في القانون كما سيلي :

الغلط الجوهري :

شرط أن يكون الغلط جوهريًا هو شرط لازم للاعتداد بأثر الغلط سواء كان غلطًا في الواقع أو غلطًا في القانون على إرادة المتعاقد، والغلط الجوهري يُقصد به الغلط الذي دفع المتعاقد إلى الرضى بالعقد، بما لم يكن ليرضى لولا وقوعه بهذا الغلط.

وقد تطورت نظرية الغلط حيث خرجت من خلاله في حدود إطار النظرية التقليدية ، والتي كانت تقسم الغلط إلى ثلاثة أنواع ( غلط يُبطل العقد بطلانً مطلقًا، وغلط يُبطل العقد بطلانًا نسبيًا، وغلط لا يوثر على العقد ) واعتمدت النظرية التقليدية في هذا التقسيم على معيار مادي موضوعي يهتم أساسًا بالموضوع الذي ينصب عليه الغلط أكثر من اهتمامها بثر هذا الغلط على رضاء المتعاقد.

إلا أن القضاء الحديث وكذلك الفقه الفرنسي لم يأخذا بالنظرية التقليدية فظهرت النظرية الحديثة في الغلط، والتي أهملت فكرة الغلط المانع ولم تقيم له وزنًا، لأنها تتصل بوجود التراضي لا بصحته، وبالتالي فقد استبعدت النظرية الحديثة الغلط المانع من نطاق نظرية الغلط، أما فيما يتعلق بالغلط المؤثر والغلط غير المؤثر، فالنظرية الحديثة قد هدمت الحاجز بينهما ورأت أن التمييز بين هذين النوعين من الغلط يجب أن يكون على أساس مرن يُمكن تطبيقه على أحوال الغلط المختلفة.

فمن الغلط ما يقع في قيمة الشيء وفي الباعث على التعاقد ومع ذلك يؤثر في صحة العقد، لأنه كان هو الدافع إلى التعاقد، ومن الغلط ما يقع على مادة الشيء ذاتها، ومع ذلك لا يؤثر في صحة العقد لأنه لم يكن هو الدافع إلى التعاقد، وبالتالي فالعبرة ليست بأن الغلط وقع في مادة الشيء أو في قيمته، ولكن العبرة بأن الغلط كان جوهريًا، وبأنه كان هو الدافع الرئيسي للتعاقد، فليس هناك أحوال محددة يؤثر فيها الغلط على صحة العقد، وأحوال أخرى محددة لا يؤثر فيها الغلط على صحة العقد.

فالمهم إذا أن يكون الغلط في القانون جوهريًا دفع المتعاقد إلى التعاقد، فالشخص الذي يشتري أرضًا ويعتقد أن له حق البناء عليها، إلا أن القانون يحظر ذلك، يقع في القانون يقع في صفة جوهرية في الشيء محل الالتزام، وهي قابلية الأرض للبناء عليها، ومن ثم فمن حق المتعاقد الواقع في الغلط أن يطلب فسخ العقد على أساس الغلط في القانون المتعلق بصفة جوهرية في محل العقد.

اتصال الغلط بالمتعاقد الأخر :

لا يكفي فقط أن يكون الغلط جوهريًا دفع المتعاقد إلى الرضاء بالتعاقد، بل يشترط بالإضافة إلى هذا أن يكون موضوع الغلط في القانون متصًلا بالمتعاقد الآخر، أي أن يكون المتعاقد الآخر على علم بالغلط الذي وقع فيه المتعاقد معه، وهذا الشرط اقتصاه العمل على استقرار التعامل.

فأمام الرغبة في العمل على استقرار التعامل يضحي القانون بتعييب الإرادة بالغلط إذا كان المتعاقد الآخر بعيدًا عن هذا العيب ولم يتصل به، والقول بخلاف ذلك فيه خطورة كبيرة على استقرار المعاملات، وذلك لأن أي طرف في أي عقد قد يستطيع بسهولة إذا ما أراد أن يتهرب من الاتفاق الذي يراه في غير مصلحته أن يدعي بأنه هناك صفة ما (جوهرية) مرغوبة لديه غير متوفرة في الشيء محل العقد أو في شخص المتعاقد الآخر، وذلك السبب هو ما دفع الفقه والقضاء ومن بعدهم التشريع في العديد من الدول إلى محاولة سد الطريق أمام هذه المشكلة، وذلك من خلال اشتراط أن يكون موضوع الغلط متصلًا بالمتعاقد الآخر.

النصوص القانونية التي تتعلق بالغلط في القانون المدني الأردني

المادة 151    لا يعتبر الغلط الا فيما تضمنته صيغة العقد او دلت عليه الملابسات وظروف الحال او طبائع الاشياء او العرف .

المادة 152    إذا وقع الغلط في ماهية العقد او في شرط من شروط الانعقاد او في المحل بطل العقد .

المادة 153   للعاقد فسخ العقد إذا وقع منه غلط في امر مرغوب كصفة في المحل او ذات المتعاقد الآخر او صفة فيه .

المادة 154     للعاقد فسخ العقد إذا وقع منه غلط في القانون وتوافرت شروط الغلط في الواقع طبقا للمادتين (151و153) ما لم يقض القانون بغيره .

المادة 155    لا يؤثر في العقد مجرد الغلط في الحساب او الكتابة وانما يجب تصحيحه .

المادة 156    1. ليس لمن وقع في غلط ان يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية .
ويبقى ملزما بالعقد الذي قصد إبرامه إذا اظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد

Photo by George Becker on Pexels.com

عقد المقاولة من الباطن

عقد المقاولة من الباطن

يُعد عقد المقاولة من العقود التي تحتل أهمية كبرى في الوقت المعاصر نظراً للحاجة المستمرة وعلى وجه الخصوص في إنشاء أو تجديد الأبنية العقارية، وهو – عادة – عقد من العقود القائمة على الاعتبار الشخصي حيث إن رب العمل عادة ما يبحث عن مقاول يكون له من الإمكانيات والتقنيات ما تمكنه من إتمام عمله بجودة فائقة، إلا أن المقاول عادة ما يكون في حاجة إلى الاستعانة بمقاولين آخرين لمساعدته في إنجاز أعماله وهو ما يتم عن طريق عقد المقاولة من الباطن.

ويترتب على هذا العقد أننا نكون بصدد علاقات ثلاثية مُتشابكة بين رب العمل والمقاول الأصلي والمقاول من الباطن، وتكون لكل علاقة قواعدها الخاصة التي تحكمها وتنطبق عليها وهو ما سيكون موضوع حديثنا في مقالنا الحالي.

جدول المحتويات 

ماهية المقاولة من الباطن:

شروط عقد المقاولة من الباطن:

 خصائص عامة لعقد المقاولة من الباطن.

العلاقات الناشئة عن عقد المقاولة من الباطن:

انقضاء عقد المقاولة من الباطن .

أولاً ماهية المقاولة من الباطن:

1- تعريف المقاولة من الباطن:

يمكن تعريف المقاولة من الباطن بأنها عقد يعهد بمقتضاه شخص يسمى المقاول الأصلي إلى آخر يسمى المقاول من الباطن بكل أو بجزء من محل عقد المقاولة الذي أبرمه المقاول الأصلي مع رب العمل ما لم يمنع من ذلك[1].

ويعرف المشرع الفرنسي المقاولة من الباطن بأنها :”العملية التي بموجبها يعهد المقاول وتحت مسئوليته إلى شخص آخر يُدعى المقاول من الباطن بتنفيذ كل أو جزء من عقد المقاولة الأصلي أو أي صفقة أبرمت مع رب العمل”.

وقد أورد المشرع الأردني إشارة إلى فكرة المقاولة من الباطن بنصه في المادة (798) على أن: (يجوز للمقاول أن يكل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول آخر إذا لم يمنعه شرط في العقد أو لم تكن طبيعة العمل تقتضي أن يقوم به بنفسه، وتبقى مسئولية المقاول الأول قائمة قبل صاحب العمل).

أما عن المشرع المصري فقد خص المقاولة من الباطن بالذكر بموجب نص المادة (661) من القانون المدني والتي نصت على أن: (يجوز للمقاول أن يوكل تنفيذ العمل في جملته أو في جزء منه إلى مقاول من الباطن إذا لم يمنعه من ذلك شرط في العقد أو لم تكن طبيعة العمل تفترض الاعتماد على كفايته الشخصية، ولكنه يبقى في هذه الحالة مسئولاً عن المقاول من الباطن قبل رب العمل).

2- مدى جواز إبرام عقد مقاولة من الباطن:

يتضح من مطالعة نص كل من المشرع الأردني ونظيره المصري أن للمقاول الأصلي الحق في إبرام عقد مقاولة من الباطن يكون بمقتضاه أن يعهد إلى المقاول الثاني بجزء أو كل العمل الموكل إليه مالم يوجد ما يمنع ذلك.

ويتضح من النص أن المانع من إبرام عقد المقاولة من الباطن لا يُشترط أن يكون مُتمثلاً في نص صريح وإنما قد يكون مانع ضمني، وذلك كما لو كانت طبيعة العمل تفترض الاعتماد على كفاءة المقاول الشخصية كما يقول النص كأن كان العمل محل المقاول عملاً فنياً لجأ فيه رب العمل إلى مقاول بالذات نظراً لكفاءته الفنية[2].

ويحدث ذلك في حالة ما إذا كان العمل محل عقد المقاولة متمثل في عمل إنشائي ذات صفات معينة وتطلب إنجازه بتفاصيل دقيقة، أو أنه لوحة فنية وكان اللجوء إلى رسام بعينه ليتولى إتمامها، ففي مثل هذه الحالات فإن رب العمل يكون قد اعتمد على مقاول بعينه لكفاءته الشخصية.

وجديراً بالذكر أنه إذا ثار شك حول مدى وجود مانع ضمني لإبرام عقد مقاولة فإن هذا الشك يفسر في اتجاه المنع، فلا يحق في هذه الحالة للمقاول الأصلي أن يبرم عقد مقاولة من الباطن إلا بعد إذن من رب العمل.

ونشير إلى أن وجود شرط مانع من إبرام عقد مقاولة من الباطن – سواء كان صريحاً أو ضمنياً – لا يحول دو إمكانية أن يستعين المقاول بأشخاص آخرين فنيين أو غير فنيين لمساعدته في إتمام ما كُلف به من عمل طالما كانوا خاضعين لرقابته وتوجيهه وإشرافه، حيث نكون في هذه الحالة بصدد عقد عمل بين المقاول وهؤلاء الفنيين وليس عقد مقاولة.

وشرط المنع من إبرام المقاولة من الباطن صريحاً كان أو ضميناً يكون جائزاً دوماً أن يتم التنازل عنه سواء تم هذا التنازل بصورة صريحة أو ضمنية، حيث يكون التنازل ضمني عندما يتعامل رب العمل مع المقاول من الباطن – على الرغم من وجود الشرط المانع – ويعطيه أجره بمقدار ما يكون مدين به للمقاول الأصلي.

إلا أنه طالما وجد الشرط المانع فلا يحق للمقاول الأصلي أن يتعاقد مع مقاول آخر من الباطن وإلا أثيرت مسئوليته وفقاً للقواعد العامة، وفي هذه الحالة يكون لرب العمل أن يجبر المقاول من الباطن على أن ينفذ العمل بنفسه فإذا لم يقم بذلك يكون لرب العمل الحق في المطالبة بفسخ العقد استنادا إلى أن المقاول الأصلي قد أخل بأحد البنود التعاقدية، ويحق له طلب التعويض لجبر ما لحق به من ضرر جراء الإخلال بتنفيذ الالتزامات الواردة في عقد المقاولة الأصلي.

ثانيًا: شروط عقد المقاولة من الباطن:

1- تبعية عقد المقاولة من الباطن لعقد المقاولة الأصلي:

فوفقاً لهذ الشرط يتعين أولاً أن يوجد عقد مقاولة أصلي ويكون مستوفياً لكافة أركانه وشروط صحته، حيث أن بطلان عقد المقاولة الأصلي يستتبع بطلان عقد المقاولة من الباطن، وذلك لأن العقد الأخير هو عقد تابع للعقد الأصلي ومتفرع عنه وهذا ما يكون تطبيقاً لقاعدة “إذا سقط الأصل سقط الفرع“، وهو ما طبقته محكمة التمييز الأردنية بخصوص عقد إيجار أبرم من الباطن وذلك في حكمها رقم 1631 لسنة 2015 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2015-10-18 والتي قضت فيه بأن :(وحيث إن المميز وعندما أبرم عقد الإيجار مع المميز ضده فإن العلاقة العقدية تعتبر رابطة قانونية بين المتعاقدين أبرمت على أساس عقد الإيجار الأصلي وتم التعاقد حسبما جاء بمضمون هذا العقد ونتج عن هذا العقد عقد إيجار فرعي ووفقاً للقواعد العامة إذا سقط الأصل سقط الفرع وبالتالي فإن انتهاء عقد الإيجار الأصلي الذي بني عليه عقد الإيجار موضوع الدعوى ينقضي بانقضاء الأصل ما لم يتفق على خلاف ذلك).

وهذا الحكم ذاته هو ما ينطبق على عقد المقاولة من الباطن الذي ينقضي بانقضاء عقد المقاولة الأصلي ما لم يتم الاتفاق على غير ذلك.

2- قبول رب العمل بعقد المقاولة من الباطن:

أ- القبول في العقود القائمة على الاعتبار الشخصي:

عقد الاعتبار الشخصي يعني أن تكون شخصية المُتعاقدين أو أحدهما محل اعتبار في العقد، حيث إن العقد لم يكن ليبرم لولا وجود المتعاقد ذات الاعتبار الشخصي، وذلك كما في عقد العلاج مثلاً فإن المريض لا يرتضي إلا بطيب معين، أو عقد الدفاع عن متهم فإن الأخير لا يرتضي إلا بمحام بعينه، كذلك الحال في بعض عقود المقاولة التي لا يرتضي فيها رب العمل إلا بمقاول بعينه وهو من تم التعاقد معه والذي يكون ملتزماً بإنجاز العمل الذي كُلف به بنفسه.

ولكن على الرغم من ذلك يجوز أن يصرح رب العمل بموافقته على قيام المقاول الأصلي بالاستعانة بمقاول آخر لإنجاز العمل محل العقد الأصلي، إلا أنه بدون الحصول على هذا الإذن فإن عقد المقاولة من الباطن يصبح بالطلاً مالم يجزه رب العمل بعد ذلك، وهذا تطبيقاً لقاعدة “الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة”، أما بدون تلك الإجازة يكون العقد الثاني بالطلاً ويحق لرب العمل الرجوع على المقاول الأصلي وفقاً للقواعد العامة كما سبق بيانه لاحقاً.

وعادة ما يتم إدراج بند في عقود المقاولة القائمة على الاعتبار الشخصي يكون مؤداه أن “لا يحق للطرف الثاني التنازل عن هذا العقد للغير كلياً أو جزئياً كون سيرته المهنية والتجارية والقانونية أخذتا بعين الاعتبار عند التعاقد، وبكل الأحوال يبقى الطرف الثاني مسئولاً شخصياً تجاه الطرف الأول الذي يحتفظ بحقه بإعلان فسخ الالتزام أو إجراء تعاقد جديد على مسئولية الطرف الثاني”[3]

ب- القبول في العقود التي لا تقوم على الاعتبار الشخصي:

في هذه العقود لا تكون شخصية المُتعاقد محل اعتبار في العقد ومن ثم يضحى الأصل العام هو أن المقاول الأصلي يستطيع أن يبرم عقد مقاولة من الباطن طالما أنتفى وجود الشرط المانع في عقد المقاولة الأصلي، إذ يعد انتفاء الشرط المانع في هذه الحالة بمثابة موافقة ضمنية من رب العمل على جواز إبرام عقد مقاولة من الباطن.

ثالثا: خصائص عامة لعقد المقاولة من الباطن.

هناك مجموعة من الأحكام يجب الالتزام بها عند القيام بعقد المقاولة من الباطن ومن أهم هذه الأحكام ما يلي:

1- العلاقة بين كل من المستفيد والمقاول الأصلي تسير هذه العلاقة بناء على نصوص العقد الذي تم إبرامه بين كل من المستفيد والمقاول الأصلي.

2- العلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول الثاني علاقة تحكمها بنود عقد المقاولة من الباطن والذي يتم عقده بين كل من المقاول الأصلي والمقاول الثاني، وينبغي على المقاول الثاني إنجاز جميع الأعمال التي تم إسنادها له خلال مدة الاتفاق عليها حسب بنود العقد نفسه وبكل الشروط الموقعة به، كما يجب عليه أيضًا تسليم العمل محل العقد، ويلتزم بالأجر المتفق عليه مع المقاول الثاني، ويجوز للمقاول من الباطن أن يحبس المعقود حتى يقوم بسداد أجره.

3- من الواضح عدم وجود علاقة واضحة بين المقاول من الباطن وبين المستفيد، وبالتالي فليس هناك حق للمستفيد  في أن يطلب المقاول من الباطن بتنفيذ جميع ما تم الاتفاق عليه معه، بالإضافة لأنه لا يجوز للمقاول من الباطن أن يطالب الشخص المستفيد بالأجر الذي قد تم الاتفاق عليه مع المقاول الأصلي، ولكن في الوقت ذاته نلاحظ أنه يجوز للمقاول من الباطن في حالة عدم حصوله على الأجر المنصوص عليه  في عقد المقاولة من الباطن أن يعود للمستفيد الذي لا توجد علاقة واضحة بينه [4]، وذلك وفق قاعدة ” أن من تصرف في ملك غيره بما يعود بالنفع على هذا الغير، فإن ما فعله يعتبر ملزمًا للمستفيد، دون حاجة إلى إذن سابق أو إجازة لاحق”.

رابعا: العلاقات الناشئة عن عقد المقاولة من الباطن:

1- علاقة رب العمل بالمقاول الأصلي:

تحكم هذه العلاقة عقد المقاولة الأصلي وهو الذي يبين كافة الالتزامات التي تثقل كاهل كل من طرفي العلاقة التعاقدية، ولا يكون لرب العمل شأن بالمقاول من الباطن حيث إن عقد المقاولة من الباطن لا يُكسِب رب العمل حقاً ولا يثقله بالتزامات حيث يُعد رب العمل من الغير بالنسبة للعقد المبرم بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن.

وبالتالي يكون رب العمل مُلزم تجاه المقاول الأصلي بمقتضى العقد المبرم بينهم بحيث يتعين عليه أن يمكنه من إنجاز العمل المُكلف به ويلتزم فضلاً عن ذلك بالأجر المُتفق عليه حيث يتعين عليه أن يؤديه إلى المقاول الأصلي وليس إلى المقاول من الباطن.

ويكون المقاول الأصلي ملتزم قبل رب العمل بإتمام العمل المُتفق عليه، وجديراً بالذكر أن التزام المقاول الأصلي في هذه الحالة لا يخضع فقط للقواعد العامة، بل أن هناك عدة التزامات أخرى قد قررها المشرع في هذا الصدد نذكر منها:

  • نص المشرع الأردني في المادة (786) من القانون المدني على أن: (يضمن المقاول ما تولد عن فعله وصنعه من ضرر أو خسارة سواء أكان بتعديه أو تقصيره أم لا وينتفي الضمان إذا نجم ذلك عن حادث لا يمكن التحرز منه).
  • فضلاً عن المشرع الأردني قد ألزم المقاول بضمان التهدم خلال عشر سنوات من تاريخ تسليم العمل وهو ما يتضح من نص المادة (788) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن (إذا كان عقد المقاولة قائما على تقبل بناء يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عما يحدث في خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبان أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته إذا لم يتضمن العقد مدة أطول).وهذا النص يقابله نص المادة (651) من التشريع المدني المصري والتي نصت على أن (يضمن المهندس المعماري والمقاول متضامنين ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدّم كلي أو جزئي فيما شيّدوه من مبان أو أقاموه من منشآت ثابتة أخرى وذلك ولو كان التهدّم ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها، أو كان رب العمل قد أجاز إقامة المنشآت المعيبة، ما لم يكن المتعاقدان في هذه الحالة قد أرادا أن تبقى هذه المنشآت مدة أقل من عشر سنوات).
    وقد قرر المشرع المصري أن الضمان الوارد في المادة السابقة مُتعلق بالنظام العام ومن ثم فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفه وهو ما يتضح من نص المادة (653) والتي قضت بأن (يكون باطلاً كل شرط يقصد به إعفاء المهندس المعماري والمقاول من الضمان أو الحدّ منه)، وذات الحكم الذي قرره المشرع الأردني بنصه في المادة (790) على أن (يقع باطلا كل شرط يقصد به إعفاء المقاول أو المهندس من الضمان أو الحد منه).

2- علاقة المقاول الأصلي بالمقاول من الباطن:

يحكم هذه العلاقة عقد المقاولة من الباطن، وجديراً بالذكر أن عقدي المقاولة الأصلي والمقاولة من الباطن لا يُشترط أن يكونا متطابقين حيث إنه في الغالب أن يوجد العديد من الاختلافات بينهم ويتجلى ذلك في أن الأجرة المُتفق عليها بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن ستكون أقل من تلك المُتفق عليها بين رب العمل والمقاول الأصلي، فضلاً عن العمل الذي سينفذه المقاول من الباطن لا يشترط أن يكون متطابق مع عمل المقاول الأصلي حيث إن المقاول من الباطن قد يكون مُكلف فقط بجزء من عمل المقاول الأصلي.

ويكون المقاول الأصلي ملتزم في مواجهة المقاول من الباطن بأن يمكنه من إنجاز العمل الموكل إليه، وأن يقوم بتنسيق الأعمال معه، ومن ثم فإذا أخل المقاول الأصلي بأحد هذه الالتزامات جاز للمقاول من الباطن أن يطالبه بالتنفيذ العيني أو أن يطالب بفسخ عقد المقاولة من الباطن مع التعويض أن كان له مُقتضى.

ويلتزم المقاول الأصلي بتسلم العمل من المقاول من الباطن بعد إنجازه[5]، فإذا امتنع المقاول الأصلي عن تسلم العمل بعد إعذاره اعتبر أنه قد تسلمه، ولكن يحق للمقاول الأصلي أن يمتنع عن تسلم العمل في حالة تعيب العمل الذي قام به المقاول من الباطن أو أنه يخالف الشروط التي اتفقا عليها وقت إبرام عقد المقاولة من الباطن.

أما المقاول من الباطن فيلتزم بتسليم العمل المتفق عليه في الزمان المحدد بمقتضى عقد المقاولة من الباطن، فإذا لم يكن هناك ميعاد محدد وجب عليه تسليم العمل في الميعاد المعقول وفقاً لطبيعة وعرف الحرفة، فإذا أخل بتنفيذ ما عليه من التزامات فإن المقاول الأصلي له أن يطلب التنفيذ العيني أو أن يطالب بفسخ العقد والتعويض أن كان له مقتضى وفقاً لما يحدده قاضي الموضوع.

وفي هذا تقضي محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ١٤٠٢٤ لسنة ٨٢ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٤/٠٣/١٧ والتي قضت فيه بأن (إذ كان النص في الفقرة الأولى من المادة ٦٥٨ والمادة ٦٦١ من القانون المدني مفادهما ، أن للمقاول أن يقاول من الباطن في كل العمل أو جزء منه ، مالم يوجد شرط في العقد يمنعه من ذلك ، وأن العلاقة ما بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن ، هي علاقة رب عمل بمقاول ، ينظمها عقد المقاولة من الباطن فيكون المقاول الأصلي بالنسبة إلى المقاول من الباطن رب عمل ، عليه جميع التزامات رب العمل ، ويكون المقاول من الباطن بالنسبة للمقاول الأصلي مقاولاً ، عليه جميع التزامات المقاول ، وأن المقاول الأصلي يلتزم بدفع الأجر إلى المقاول من الباطن ، وفقاً للاتفاق فيما بينهما ، فإن لم يكن هناك اتفاق على مقدار الأجر ، وجب الرجوع في تحديد هذا المقدار إلى قيمة العمل ، الذى قام به المقاول من الباطن والنفقات التي صرفها ، في إنجازه وفقاً للمادة ٦٥٩ من القانون المدني).

مدى مسئولية المقاول من الباطن تجاه المقاول الأصلي:

ويكون المقاول من الباطن مسئولاً تجاه المقاول الأصلي عن العيوب التي تعتري العمل الذي قام بتسليمه إلا إذا تسلم المقاول الأصلي هذا العمل وقبل به، ويجب أن ننوه في هذا المقام إلى أن المقاول من الباطن لا يكون مسئولاً عن تلك العيوب لمدة العشر سنوات التي يلتزم بها المقاول الأصلي تجاه رب العمل، ذلك أن المقاول الأصلي يفترض فيه أنه من أهل الخبرة ومن ثم فلا يوجد مقتضى لإضفاء تلك الحماية عليه، إذن فإن رجوع المقاول الأصلي على المقاول من الباطن فيما يتعلق بالعيوب التي تعتري العمل يكون بمقتضى القواعد العامة.

وهذا ما تؤكده محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٣٧٢٧ لسنة ٧٦ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٧/٠١/٢٦ والتي قضت فيه بأن (المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه ولئن كانت المادة ٦٥١ من القانون المدني – التي تجعل المقاول ضامناً لما يحدث خلال عشر سنوات من تهدم في المبنى أو المنشآت الثابتة الأخرى ولجميع ما يوجد فيها من عيوب يترتب عليها تهديد متانة البناء وسلامته – لا تسرى على العلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن ، إلا أن الأخير يكون ضامناً لعيوب البناء في حدود القواعد العامة ، وفى المدة المتفق عليها مع المقاول الأصلي).

3- علاقة رب العمل بالمقاول من الباطن:

لما كان رب العمل والمقاول من الباطن لا تربطهما علاقة عقدية فيترتب على ذلك انتفاء وجود علاقة مباشرة بينهم، إلا أن ذلك لا ينفي وجود علاقة غير مباشرة تربط رب العمل بالمقاول من الباطن.

حيث إن رب العمل ليس له أن يطالب المقاول من الباطن بتنفيذ ما عليه من التزامات لأن هذا الحق مخول فقط للمقاول الأصلي استنادا للعلاقة التعاقدية التي تربطه بالمقاول من الباطن، وكذلك – وفي الناحية العكسية – لا يحق للمقاول من الباطن أن يطالب رب العمل بتمكينه من تنفيذ التزاماته، فضلاً عن أنه لا يحق له أن يطالب رب العمل بالأجرة المُتفق عليها.

ولكن تجدر الإشارة في هذا المقام إلى نص المادة (662) من القانون المدني المصري التي نصت على أن (يكون للمقاولين من الباطن وللعمال الذين يشتغلون لحساب المقاول في تنفيذ العمل، حق مطالبة رب العمل مباشرةً بما لا يجاوز القدر الذي يكون مديناً به للمقاول الأصلي من وقت رفع الدعوى. ويكون لعمال المقاولين من الباطن مثل هذا الحق قبل كل من المقاول الأصلي ورب العمل).

ومن ثم يبين المشرع المصري إمكانية وجود علاقة مباشرة بين رب العمل والمقاول من الباطن تمكن الأخير من أن يطالب رب العمل بأجر لا يجاوز المتفق عليه بين رب العمل والمقاول الأصلي.

إلا أن المشرع الأردني قد أورد عكس النص السابق ويتضح ذلك من خلال نص المادة (799) من التقنين المدني والتي نصت على أن: (لا يجوز للمقاول الثاني أن يطالب صاحب العمل بشيء مما يستحقه المقاول الأول الا إذا أحاله على رب العمل).

إذن فالمشرع الأردني لم يمنح المقاول من الباطن دعوى مباشرة تجاه رب العمل كما فعل نظيره المصري، وأقتصر على أن العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن لا تنشئ إلا إذا أحال المقاول الأصلي حقه إلى المقاول من الباطن بمقتضى حوالة الحق المقررة بموجب نص المادة (1002) والتي نصت على أن (يثبت للمحال له حق مطالبة المحال عليه ويبرأ المحيل من الدين ومن المطالبة معاً إذا انعقدت الحوالة صحيحة).

وفي هذا الصدد تقضي محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم 5285 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-12-31 والتي قضت فيه بأن (لما كانت المادة (798/1) من القانون المدني، تجيز للمقاول أن يحيل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول آخر إذا لم يمنعه شرط في العقد أو لم تكن طبيعة العمل تقتضي أن يقوم به بنفسه، وبحسب المادة (799) من القانون ذاته فإنه لا يجوز للمقاول الثاني أن يطالب صاحب العمل بشيء مما يستحقه المقاول الأول إلا إذا أحاله على رب العمل، وأن ما يحكم علاقة المقاول من الباطن بصاحب العمل المادتين (798 و799) من القانون المدني، حيث يستفاد من المادة (799) من القانون المدني أنه يجوز للمقاول الأصلي أن يحيل المقاول الفرعي على صاحب العمل باستحقاقاته كلها أو بعضها حوالة دين تبرأ فيه ذمة المحيل من دين المقاول الفرعي عملاً بأحكام المادة (1002) مدني، وإذا تمت حوالة الحق بين المحيل والمحال عليه والمحال له، فقد انعقدت الحوالة صحيحة وهي ملزمة لأطرافها ولا يحق للمحيل إذا أحال دين المحال له على المحال عليه الرجوع عن عقد الحوالة عملاً بأحكام المواد (993 و994 و996/1 و1102) من القانون المدني، ولا يجوز للمحال عليه أن يمتنع عن وفاء الدين للمحال له وفقاً لأحكام المادة (1008) من القانون المدني).

4- انتفاء مسئولية المقول من الباطن تجاه رب العمل:

وفقاً لما قرره المشرع الأردني من انتفاء وجود ثمة علاقة بين المقاول من الباطن ورب العمل فإنه يترتب على ذلك أن المقاول الأصلي يظل مسئولاً مسئولية كاملة أمام رب العمل عن أي عمل يقوم به المقاول من الباطن.

 وهذا ما تؤكد عليه محكمة صلح حقوق عمان في حكمها رقم 12891 لسنة 2016 – صلح حقوق عمان الصادر بتاريخ 2018-10-24 والتي قضت فيه بأن (ويبقى المقاول الأصلي ملتزماً نحو رب العمل، والتزاماته تنشأ عن عقد المقاولة الأصلي، لا عن عقد المقاولة من الباطن، فيلتزم نحو رب العمل بإنجاز العمل محل عقد المقاولة الأصلي وتسليم المحل بعد إنجازه لرب العمل، ويدخل في ذلك العمل الذي انجزه المقاول من الباطن، ويلتزم بضمان العمل. ولا يكون المقاول من الباطن مسؤولاً نحو رب العمل، بل نحو المقاول الأصلي، حيث لا تقوم علاقة مباشرة بين رب العمل والمقاول من الباطن وهكذا تكون العلاقة بين رب العمل والمقاول من الباطن علاقة غير مباشرة حيث لا يطالب رب العمل المقاول من الباطن مباشرة، بل يطالب بها المقاول الأصلي).

خامسا :انقضاء عقد المقاولة من الباطن .

نص القانون المدني الأردني خصوصا وأغلب القوانين المدنية المقارنة على حالات انتهاء أو انقضاء المقاولة وهي تقريبا نفس الحالات الخاصة بانتهاء عقد مقاولة وهي نفس حالات انقضاء عقد المقاولة من الباطن وهي كالآتي:

  • إنجاز العمل المتفق عليه: إذا أنجز المقاول الفرعي العمل المطلوب منه، لم يبق مسوغ لبقاء عقد المقاولة من الباطن.
  • فسخ عقد المقاولة من الباطن بالتراضي أو بالقضاء: ينتهي العقد باتفاق الطرفين على إنهائه أو فسخه، فإن لم يتفقا على ذلك، جاز فسخه قضاءً بطلب أحد الطرفين.[6]
  • فسخ العقد لعذر: إذا حدث عذر يحول دون تنفيذ العقد، أو إتمام تنفيذه، جاز لأحد عاقديه أن يطلب فسخه أو إنهاءه حسب الأحوال، كما تفسخ الإجارة في مذهب الحنفية بالأعذار الطارئة، فإذا تضرر أحد العاقدين بالفسخ، جاز له مطالبة الطرف الآخر بالتعويض المتعارف عليه.
  • عجز المقاول الفرعي عن إتمام العمل: إذا أصبح المقاول الفرعي عاجزاً عجزاً كلياً عن إتمام العمل لسبب لا يد له فيه من مرض أو حادث جسيم، فإن عقد المقاولة من الباطن تنتهي، ويستحق المقاول من الباطن قيمة ما أتم من الأعمال وما أنفق في سبيل التنفيذ.
  • موت المقاول: ينتهي عقد المقاولة بموت المقاول إذا كان متفقاً مع صاحب العمل على أن يعمل بنفسه أو اعتباراً بمؤهلاته الشخصية.

————-

[1] عقد المقاولة من الباطن – حشاش حليمة، والعوادي حنان – مذكرة تخرج لنيل شهادة الماستر – 2016 – ص8.

[2] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد العقود الواردة على العمل (الجزء السابع – المجلد الأول) – ص 209.

[3] المقاولة من الباطن – لارا مارون ونا – رسالة أعدت لنيل شهادة الماستر – 2019 – ص46.

[4] أعلام الموقعين 3/400 تحقيق الشيخ محيي الدين عبد الحميد.

[5] الأستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد العقود الواردة على العمل (الجزء السابع – المجلد الأول) – ص 214.

[6] المادة 1017 من القانون المدني رقم (43) لعام 1976.

إعداد/ أحمد منصور.

Photo by Anamul Rezwan on Pexels.com

عقد البيع بالمرابحه تعريفه وأقسامه

عقد البيع بالمرابحة

عقد البيع بالمرابحة يُعتبر من بيوعات الأمانة التي تُؤسس على ثقة المشتري بالبائع واطمئنانه بالسعر الذي عرضه عليه هذا البائع، فعقد البيع بالمرابحة هو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح.

ويُؤسس هذا العقد على الثقة والأمانة والصدق التي يتحلى بها البائع والتي اطمئن المشتري إليها، فلجأ إلى التعاقد معه. وهذا العقد يُقسم إلى قسمين، القسم الأول المرابحة العادية، والقسم الثاني هي المرابحة للآمر بالشراء.

وقد قررت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية مبدئا هامًا في الحكم رقم 1221 لسنة 1989 : ” لا يعتبر عقد بيع المرابحة مخالف للقانون أو النظام العام في التشريع الاردني ويتفق والقانون ” .

ويُعد البيع بالمرابحة من أهم العقود المعاصرة للتمويل في المصارف الإسلامية والتي نشأت بديلًا عن المعاملات الربوية السائدة لدى البنوك التقليدية.

تعريف عقد البيع بالمرابحة :

نجد أن تعريفه عند فقهاء المذاهب الإسلامية وإن تغيرت ألفاظها إلا أن مضمونها واحد فلا تخرج عن معنى واحد وهو أن بيع المرابحة يقوم على أساس معرفة الثمن الأول للمشتري وبناء الثمن عليه مع ربح محدد يتفق عليه الطرفان.

والمادة (480) من القانون المدني الأردني نصت في فقرتها رقم (1) على أنه ” يجوز البيع بطريق المرابحة أو الوضعية أو التولية إذا كان رأس البيع معلومًا حين العقد وكان مقدار الربح في المرابحة ومقدار الخسارة في الوضعية محددًا “.

أساس عقد البيع بالمرابحة :

يُعتبر عقد البيع بالمرابحة من بيوعات الأمانة التي يكون اعتمادها على الثقة والصدق والأمانة في إبلاغ البائع المشتري بالثمن الحقيقي للشيء المبيع، وإن أي إخلال في هذه المصداقية يُعتبر إخلالا بالثقة التي أعطاها المشتري للبائع والتي على أساسها قامت عملية البيع.

فحماية الثقة يدعم نزاهة المعاملات التي تُعد غاية أساسية في القانون الخاص تمنع اقتران الإرادة بالعيوب التي من شأنها أن تضر بتلك النزاهة وبالتالي الثقة بين المتعاقدين.

أما المعنى الاصطلاحي للثقة فهو أيمان بحسن نية الغير وصدقه واستقامته ووفائه كما في الثقة المتبادلة بين المتعاقدين أو بشخص ثالث، أو هي الأيمان والاعتقاد بأهلية شخص واختصاصه وصفته المهنية كالمحامي، والوثوق بالغير يأتي بالاطمئنان نحوه أو إيكاله عملًا معينًا، منها الثقة بالحكومة، وذلك لكونها مؤهلة في نظر ممثلي الشعب على أداء مهامها فإذا أخلت به فستحجب الثقة عنها.

والثقة أحيانًا تأتي بمعنى الضمان أي في استحصال حق، وقد تأتي بمعنى الاعتقاد والأيمان بالطرف الآخر، وقد تأتي كذلك بمعنى الائتمان المرتبط بمنح الأجل للمدين بالوفاء بدينه، وقد تأتي أيضًا بمعنى الاتكال، أي الاتكال على شخص لأداء عمل معين، وقد تأتي الثقة بمعنى الاعتماد لهذا سميت بعض العقود التجارية بمصطلح الاعتماد كالاعتماد المستندي والاعتماد للسحب على المكشوف.

وحسن النية يعني الصدق والإخلاص والاستقامة وعدم الغش والنزاهة، وحسن النية هو الاعتقاد بمراعاة الشروط اللازمة لسلامة علاقة قانونية معينة أو إنه إرادة مطاوعة القانون، والثقة بالمعاني السابق عرضها هي ثقة خاصة بشخص نحو شخص آخر، أما الثقة العامة فهي تلك الثقة التي يصنعها المجتمع في مختلف المظاهر الضرورية لاستقرار المعاملات والروابط الاجتماعية.

والجدير بالذكر أن وجود الثقة هو أمر غير متصل فقط بالأقوال التي تصدر من الأشخاص، بل أيضًا بالمظاهر التي يتصلون بها فيما بينهم أو يعبرون بها عن رأيهم أو التزامهم أو ولائهم ويتسع مجال الثقة أيضًا ليشمل العلاقات والأشكال الخارجية التي تستخدمها الدولة أو السلطات العامة للتعبير عن سيادتها أو التزاماه الخاص أو سلطاتها على الأشخاص والأشياء.

فالثقة  تُعد هي جوهر يستضيء الأمانة التي يجب أن يتواجد بعقد البيع بالمرابحة على اعتبار أنه من مبايعات الأمانة، فيحتكم المشتري إلى ضمير البائع حال شرائه للمبيع عن طريق إعلامه بالثمن الأول أو رأس المال مع الزيادة الحاصل للمبيع وكافة الظروف والملابسات التي تحيط بالثمن الأول، فالثقة تُعتبر عنصر رئيسي بالمجالات القانونية والمالية والاقتصادية والمالية ، وكذلك في مجال العلاقات العائلية والودية أو الفكرية التي يقيمها الأفراد فيما بينهم، وانعدام هذه الثقة أمر يُعرض الحياة بصفة عامة إلى الصعوبات، أو يُمكن أن ينجم عنها صراعات فردية أو اجتماعية متواصلة.

فالصدق في هذا العقد هو من أجل حماية مصلحة الطرف الضعيف، والصدق نقيض الكذب، والصدق مطابقة القول للضمير والمخبر عنه ومتى انعدم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًا.

ويُعتبر مبدأ استقرار المعاملات هو الأساس الحديث لإقرار عقد البيع بالمرابحة باعتباره من بيوعات الأمانة التي تقوم على الصدق والأمانة في إخبار البائع المشتري بالثمن الحقيقي للمبيع، وذلك بهدف الحصول على المنافع المتبادلة.

وتبادل السلع يحتاج لتوفير وتأمين الثقة المشروعة للمتعامل حتى يثق بالمراكز القانونية وبالنظام القانوني الذي ينظم معاملاته ويحكم منازعاته وذلك بإلحاق اليقين والثبات في المراكز القانونية وبالتالي خلق الأمن والاستقرار لكي يشعر المتعامل الفرد بالطمأنينة والراحة.

ويوجد علاقة بين عقد البيع بالمرابحة ومبدأ استقرار المعاملات، فغالب الناس ليسوا من أصحاب الخبرة في مجال تعاملات السوق اليومية، لذلك يجب أن يأخذوا حذرهم من الوقوع في شباك المتصيدين لهم بهدف استغلالهم والتغرير بهم، والمشرع يقف هنا أمام حالة عامة قوامها حماية الأغلبية التي لا تعلم من الأقلية التي تعلم، ومبدأ استقرار المعاملات مرتبط بالثقة العامة فمتى توافرت الثقة أدى ذلك إلى استقرار المعاملات ومن ثم تضمن تقدم وارتقاء المجتمع في كافة المجالات، فالثقة هي التي تؤدي إلى استقرار عقود الأمانة والتي من بينها عقد البيع بالمرابحة.

أقسام عقد البيع بالمرابحة :

يقسم عقد البيع بالمرابحة قسمين ستناولهم فيما يلي :

المرابحة العادية :

ويُطلق عليها الصورة العامة أو الأصلية أو تسمى أيضًا بالمرابحة الفقهية، وهي أن يشتري شخص ما سلعة بثمن ثم يقوم ببيعها لآخر بالثمن الأول مع زيادة ربح، فهو هنا يشتري لنفسه طلب مسبق ثم يقوم بعرضها للبيع مرابحة.

وتُعد المرابحة العادية صورة من صور عقد البيع، وتحديدًا من بيوعات الأمانة وهي البيوع التي تستند على الثقة بين المتبايعين، وتعتمد رأس المال كأساس للثمن، وقد استخدمت المصارف الإسلامية بيع المرابحة كأداة للتمويل لديها، لتقوم هذه الأداة الإسلامية المشروعة وفيما بعد وبشكل رئيسي مقام نظام التمويل بالفائدة لدى البنوك التقليدية.

وتتكون المرابحة العادية من طرفين هما البائع والمشتري، إذ يمتهن فيها البائع التجارة فيشتري السلع بغير الحاجة للاعتماد على شرائها ثم يعرضها بعد ذلك للبيع بربح وثمن يتفق عليه.

عقد البيع بالمرابحة للأمر بالشراء :

ويُقصد به أن يطلب أحد المتعاقدين من المتعاقد الآخر أن يشتري سلعة معينة مسماة وموصوفة ثم يعده بشرائها منه وتربيحه فيها، فيقوم المأمور إذا تم الاتفاق المبدئي بشراء السلعة المطلوبة وذلك وفق مواصفاتها ثم يقوم بعرضها على طالبها بتكلفتها على الأمور وزيادة ربح مسمى وهو ما اتفق عليه منذ البداية، وفي حال قبل الآمر بالشراء هذا العرض انعقد البيع مرابحة بين الطرفين، وبيع الأمر بالشراء ثلاثي الأطراف إذ يوجد فيه ثلاثة متعاقدين الأول هو الأمر بالشراء والثاني هو المصرف الإسلامي والثالث البائع وأن بيع المرابحة للأمر بالشراء يتكون من :

أولًا : وعد بالشراء من الزبون للمصرف ووعد بالبيع من المصرف للزبون وهذه العملية يُطلق عليها مواعدة.

ثانيًا : يقوم المصرف بشراء السلعة من البائع ويوقع على عقد بيع المصرف والبائع.

ثالثًا : عقد بيع بين الأمر بالشراء والمصرف الإسلامي بعد تملك المصرف للسلعة الموصوفة وذلك بناء على طلب من الزبون.

Photo by Monstera on Pexels.com

شروط وأحكام عقد ترخيص العلامة التجارية

شروط وأحكام عقد ترخيص العلامة التجارية

عقد الترخيص باستعمال العلامة التجارية يُعتبر من العقود الحديثة التي ظهرت عندما استقرت في الأذهان فكرة انفصال ملكية العلامة كمنقول معنوي عن استعمالها، فمن الجائز أن يكون مستعمل العلامة التجارية هو شخص آخر غير مالكها، فالعلامة التجارية لم تعد أداة لتمييز مصدر المنتجات أو الخدمات، وإنما أصبحت أداة تضمن جودة المنتجات، والمستهلك لم يعد يهتم بمصدر المنتجات بقدر ما يهتم بصفاتها ودرجة جودتها، وذلك أتاح الفرصة لاستغلال العلامة التجارية من خلال الترخيص باستعمالها. وسوف نتناول في مقالنا تعريف عقد الترخيص باستعمال العلامة تجارية، وشروط صحة العلامة التجارية، وخصائص محل عقد الترخيص باستخدام علامة تجارية، وحماية محل عقد الترخيص باستعمال العلامة التجارية، وأنواع الترخيص ، وخصائصه.

وكان ما لما سبق تأثيرًا كبيرًا في دفع العديد من المستثمرين للاستفادة من تلك العلامة التجارية المملوكة للغير عبر الترخيص باستعمالها، وهو الأمر الذي يخول مالك العلامة التجارية (المرخص) بموجبه حق الانتفاع بعلامته التجارية من خلال منح آخر (المرخص له) الحق في استعمالها على منتجات يقوم المرخص له بإنتاجها، وذلك ضمن شروط يقوم طرفا العقد بتحديدها.

جدول المحتويات

تعريف عقد الترخيص باستعمال علامة تجارية :

شروط صحة العلامة التجارية :

الشروط الموضوعية للعلامة التجارية :

الشروط الشكلية للعلامة التجارية :

خصائص محل عقد الترخيص :

حماية محل عقد الترخيص :

حق المرخص له بالتقدم بطلب للاعتراض على تسجيل علامة تجارية مشابهة للعلامة التجارية محل الترخيص :

أنواع الترخيص باستعمال العلامة التجارية :

خصائص عقد الترخيص :

تعريف عقد الترخيص باستعمال علامة تجارية :

بشكل عام فإن عقد الترخيص باستخدام علامة تجارية يُعرف بأنه : ذلك العقد الذي يلتزم بمقتضاه صاحب حق ملكية فكرية سواء أكانت براءة اختراع، علامة تجارية، رسمًا، نموذجًا صناعيًا، أو أي نوع من أنواع الملكية الفكرية بأن يمنح آخر الحق لاستغلال هذا الحق لمدة زمنية معينة وذلك نظير مقابل محدد، وقد يرتبط بالتزام على مانح الترخيص بمراعاة النظام العام للتقنية الذي ينص على عدم جواز الاتفاق على تخفيف المسؤولية في حالة عدم إنجاز أهداف العقد وتحقيق النتائج.

فيعرف بأنه عقد يخول المرخص له حق انتتاج السلع التي تحمل العلامة بكمية معينة، أو في حدود إقليم معين، وبذلك يكتسب المرخص له حق انتتاج هذه السلع مع وضع نفس علامة المرخص التجارية، خلال مدة العقد مع التزامه بشروط الترخيص.

ولكن التعريف الأصح لعقد الترخيص هو أنه عقد يخول بموجبه مالك العلامة التجارية شخصًا طبيعيًا أو معنويًا الحق في استعمال علامته التجارية على كل أو بعض منتجاته أو خدماته، سواء كانت هذه المنتجات من صنع الأخير أو من صنع غيره، وذلك خلال مدة محددة وفي نطاق جغرافي معين لقاء بدل يتفق عليه، ويسمى مالك العلامة التجارية في هذا العقد بالمرخص، والطرف الآخر المرخص له.

شروط صحة العلامة التجارية :

يشترط لحماية العلامة التجارية توافر عدد من الشروط تنقسم إلى شروط موضوعية وشروط شكلية، سنتطرق إليها فيما يلي :

الشروط الموضوعية للعلامة التجارية :

هناك عدد من الشروط الموضوعية للعلامة التجارية تتمثل فيما يلي :

الصفة المميزة للعلامة التجارية (الفارقة) :

حتى تكتسب العلامة التجارية صفة الحماية فلابد أن تتمتع العلامة التجارية بسمات وخصائص تعطيها صفة الانفراد والتميز عن غيرها من العلامات ، والعلامة التجارية المجردة من أي صفة مميزة لا يُمكن اعتبارها علامة تجارية صحيحة، والجدير بالذكر أن العلامات التجارية لها عديد الأشكال فقد تكون اسمًا، أو كلمة، أو حروفًا، أو أرقام، أو رسمًا، أو رائحة، أو صوتًا.

الجدة في العلامة التجارية :

يجب أن تكون العلامة التجارية جديدة،  ويشترط ألا تشابه أي علامة تجارية سبق تسجيلها، ويتعين أن يتوافر عنصر مميز على الأقل في العلامة التجارية حتى يتم اعتبارها جديدة، وحتى يتم اعتبار العلامة جديدة فيكفي ألا تؤدي إلى التضليل أو اللبس مع علامة أخرى مستعملة لتمييز بعض المنتجات، أو البضائع، أو الخدمات، أو مستعملة في الإقليم نفسه.

مشروعية العلامة التجارية :

ويُعتبر شرط مفترض، بحيث أنه يتعين ألا تكون العلامة التجارية من العلامات التجارية التي يُحظر تسجيلها بحكم القانون، وألا تكون مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة.

الشروط الشكلية للعلامة التجارية :

في حال توافرت الشروط الموضوعية للعلامة التجارية فإنه يترتب على ذلك الوجود الواقعي للعلامة التجارية، ولكن الوجود القانوني يتطلب اتباع سلسلة من الإجراءات الشكلية التي تكتمل بتسجيل العلامة التجارية، ولكي تكتسب العلامة التجارية الحماية الجزائية ، فإنه يتعين تسجيلها من خلال سلسلة إجراءات قام المشرع بتنظيمها.

والنصوص القانونية التي تطرقت للترخيص باستعمال العلامة التجارية في قانون العلامات التجارية الأردني رقم 33 لسنة 1952 وتعديلاته، وهي المواد (3) و(25/2) التي لم تضع قيودًا أو شروطًا تقضي بتسجيل العلامة التجارية المرخص باستعمالها في البلد المنوي منح الترخيص فيه، حيث يُمكن تصور إبرام عقد ترخيص باستعمال العلامة التجارية دون أن تكون العلامة التجارية مسجلة في البلد المنوي تنفيذ الترخيص فيه ، كما يمكن أن يكون محل العقد علامة تجارية مشهورة، حيث تتوافر لها الحماية القانونية دون تسجيل.

بيد أن المرخص يُمكن أن يشترط في عقد الترخيص على المرخص له أن يقوم بتسجيل العلامة التجارية في المنطقة المنوي أنفاذ العقد بها، وذلك للحيلولة دون التعدي على علامته التجارية.

ولا يوجد نص يلزم بتسجيل العلامة التجارية محل عقد الترخيص باستعمال علامة تجارية تُعتبر مخالفة للنظام العام والآداب العامة في بلد المرخص له، ويُفهم من ذلك أنها لن تخضع لشروط التسجيل الموضوعية والشكلية، ولا تخضع كذلك لطُرق الترقي طالما أنه لم يتم تسجيلها، بل ولا يشترط توثيق العقد لدى مسجل العلامات التجارية، وطالما لا يوجد نص يوجب تسجيل العلامة التجارية، ويوجب كذلك التوثيق فلابد من الرجوع للقواعد العامة، التي تمنع كل من يخالف النظام العام والآداب العامة بصرف النظر عن كونه علامة تجارية.

خصائص محل عقد الترخيص:

سنتطرق فيما يلي لسمات أو خصاص عقد الترخيص باعتباره حقًا شخصيًا ومقيدًا ومؤقتًا.

الحق باستعمال العلامة التجارية حق شخصي :

الحق باستعمال العلامة التجارية يتوافر فيه ثلاثة عناصر، وهي نفس العناصر التي يقوم عليها الحق الشخصي، وهذه العناصر هي : وجود طرفين في العلاقة (المرخص والمرخص له)، ووجود موضوع للالتزام ( هو حق المرخص له باستعمال العلامة التجارية العائدة للمرخص) ووجود إقرار قانوني لهذه العلاقة القانونية.

الحق باستعمال العلامة التجارية حق مقيد :

وذلك تبعًا للزاوية التي ينظر من خلالها، فقد يقيد بالنطاق المكاني المرخص فيه الاستعمال، أو بالمنتجات أو الخدمات المتفق على استعمال العلامة التجارية عليها، أو من حيث نوع عقد الترخيص سواء كان بسيطًا أو وحيدًا أو استئثاريًا، وهذا التقييد يعتمد على دوافع إبرام العقد وأحكامه.

ولا يملك المرخص له إقامة دعوى تقليد العلامة التجارية وذلك في إطار تقييد الحق، فعقد الترخيص يمنح المرخص له حقًا باستعمالها، ولكنه لا ينقل ملكيته، وهو حق شخصي للمرخص له يمكنه من استعمال العلامة التجارية.

الحق باستعمال العلامة التجارية حق مؤقت :

تتمتع العلامة التجارية بمدة محددة قانونًا للحماية، ولا يجوز أن تتجاوز مدة ترخيص العلامة هذه المدة، ونتيجة للتجديد المستمر فإن ملكية العلامة التجارية تُعتبر ملكية دائمة كتعبير مجازي، وهذا ما نصت عليه أحكام قانون العلامات التجارية الأردني.

والمشرع المصري في قانون حماية حقوق الملكية الفكرية لم يورد نصًا حول هذا التقييد، وقد حدد كل من المشرعين الأردني والمصري مدة حماية العلامة التجارية بعشرة سنوات قابلة للتجديد.

والجدير بالإشارة أن الحق باستعمال العلامة التجارية هو حق مؤقت، ينتهي بأقرب الأجلين وهي إما المدة المحددة لانتهاء العقد، أو المدة المحددة أصلًا لحماية العلامة التجارية، إلا أن الواقع العملي ونتيجة لتجديد تسجيل العلامة التجارية، فقد يمتد العقد لفترة أطول.

حماية محل عقد الترخيص :

عقد الترخيص العلامات التجارية يترتب عليه مجموعة من الحقوق والالتزامات لطرفي العقد، منها حق المرخص بحسن استعمال المرخص له للعلامة التجارية، وعدم الإساءة لسمعتها، وكذلك الحق للمرخص له باستعمال العلامة التجارية دون تعرض من قبل الغير، وجاءت التشريعات المنظمة للعلامات التجارية والمنافسة غير المشروعة لتكفل هذه الحقوق ولتضفي عليها الحماية.

الحماية الجزائية للحق باستعمال العلامة التجارية محل عقد الترخيص باستعمالها :

باستقراء قانون العلامات التجارية الأردني نجد أنه خلى من النص على القواعد الإجرائية لتحريك الشكوى، ولم يرد أي نص يقضي باقتصار الحق بتحريك الشكوى على مالك العلامة التجارية، ونتيجة لعدم وجود النصوص التي تنظم القواعد الإجرائية المتعلقة بجرائم التعدي على العلامة التجارية، فلابد من الرجوع إلى القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، التي تتيح للنيابة العامة تحريك هذه الدعوى، وهذا فيما يتعلق بالحماية الجزائية للعلامة التجارية .

وفيما يتعلق بالحق في استعمال العلامة التجارية وإمكانية حماية هذا الحق جزائيًا، فيمكن القول إن حق المرخص له في العقد هو شبيه لحق المستأجر في عقد الإيجار، بل ويُعتبر صورة خاصة من الإيجار، فالمرخص كالمستأجر، لا يملك إلا حقًا شخصيًا من قبل المرخص يخوله استعمال العلامة التجارية، ولا يملك حقًا على العلامة ذاتها، وبالتالي فهو يملك حق إقامة الدعوى الجزائية، والمرخص وحده من يملك هذا الحق، هذا عند النظر إلى كونه مرخصًا له.

بيد أن الأرجح أن المرخص لا يتعدى أن يكون مواطنًا يملك حق تبليغ النيابة العامة بالاعتداء، والتي بدورها تقوم بمباشرة تحريك دعوى الحق العام، وقد يشترط المرخص على المرخص له في عقد الترخيص ضرورة أعلامه عن حالات التعدي على علامته التجارية ليتمكن من تحريك الشكوى.

الحماية المدنية للحق باستعمال العلامة التجارية محل عقد الترخيص باستعمالها :

من الوارد أن يلجأ المرخص له إلى طُرق أخرى حتى يحافظ على حقه باستعمال العلامة التجارية، يمكن أن تكون أسرع وأكثر إنجازا في تحقيق هدفه بالحيلولة دون التعدي على العلامة محل الترخيص، أو في معاقبة المعتدين تتمثل بالحماية المدنية.

والقاعدة العامة في القانون المدني الأردني تقضي بأن كل إضرار بالغير يلزم فاعله بالضمان، ومن ثم فإن الحماية المدنية تلزم جبر الضرر، وإن من شأن التعدي على العلامة التجارية الأضرار بمستعملها سواء كان مالكًا أو غيره (المرخص له)، إلا أن البعض يرى أن المستفاد من قانون العلامات التجارية الأردني هو الخروج عن القاعدة عندما اشترط لضمان الضرر أن تكون العلامة التجارية مسجلة، واعتبروا هذا الخروج مخالفة صريحة لقواعد المسؤولية المدنية التي تقضي بلزوم ضمان الضرر.

دعوى المنافسة غير المشروعة لحماية محل عقد الترخيص باستعمالها :

نتيجة لوجود منافسة بهدف جذب المستهلكين وتحقيق الأرباح بين التجار نجد أن يعضهم يسعى للإضرار بمنتجات الآخرين وبضائعهم، ومن تلك الاعتداءات ما يقع على العلامات التجارية، والتشريعات قد تنبهت إلى تلك المنافسات الموصوفة بأنها غير شرعية، وسنت القوانين التي جاءت لتعاقب على المنافسة غير المشروعة.

وفي ظل هذه التشريعات فإن المشرع الأردني قد استدرك عدم شمول العلامة التجارية غير المسجلة بالحماية المدنية في ظل أحكام قانون العلامات التجارية الأردني، وقام بتنظيم ذلك في قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية، حيث بين فيه الأعمال التي تُعد منافسة غير مشروعة، وأعطى الحق لكل من له مصلحة في إقامة الدعوى.

حق المرخص له بالتقدم بطلب للاعتراض على تسجيل علامة تجارية مشابهة للعلامة التجارية محل الترخيص :

تشريعات العلامات التجارية أتاحت الاعتراض على طلبت تسجيل العلامات التجارية من قبل أي شخص، حيث يمكنه أن يتقدم بطلب خطي للاعتراض على طلب تسجيل العلامات التجارية.

فيمكن لأي شخص أن يعترض على تسجيل العلامات التجارية أمام مسجل العلامات التجارية ودون اشتراط وجود المصلحة، أما الاعتراض على قرار المسجل بالاعتراض فلا يمكن الطعن فيه لدى محكمة العدل العليا إلا إذا كانت هناك مصلحة شخصية مباشرة.

وللمرخص مصلحة شخصية ومباشرة من الاعتراض على تسجيل العلامات التجارية المشابهة للعلامة التجارية محل الترخيص، تتمثل في عدم التعرض لحقه بالاستعمال، وتتوافر هذه المصلحة أيضًا أمام محكمة العدل العليا.

أنواع الترخيص :

وفقًا لإرادة كل من المرخص والمرخص له، فيمكن تقسيم العقد تبعًا للزاوية التي ينظر من خلالها إلى العقد. وهما عبارة عن زاويتين ستناولهما فيما يلي :

الزاوية الأولى : أنواع عقد الترخيص من حيث نطاق الحق المرخص به :

ويوجد ثلاثة أنواع لعقد، وهي الترخيص غير الاستئثاري، والترخيص الوحيد، والترخيص الاستئثاري.

الترخيص غير الاستئثاري ( الترخيص غير الحصري ) :

يحق للمرخص له في هذا النوع أن يقوم بمنح أيًا من الغير عقودًا للترخيص باستعمال نفس العلامة التجارية، حتى وإن كان في النطاق المكاني نفسه، ولا يمنع هذا النوع المرخص نفسه من استعمال علامته التجارية، فبحسب الأصل فإن عقد الترخيص لا يمنع المرخص ( مالك العلامة التجارية) من استعمال العلامة التجارية، وبذلك لا يكون للمرخص له أي حق استئثاري على العلامة التجارية، والواقع العملي قد يفرز منح عدة أشخاص عقود تراخيص لاستعمال ذات العلامة التجارية، في الأماكن نفسها أو في أماكن مختلفة.

الترخيص الوحيد (الترخيص الحصري ) :

وفي هذا النوع وبعد أن يمنح المرخص له عقدًا للترخيص باستعمال العلامة التجارية فإنه يمتنع عن منح أيًا من الغير عقودًا للترخيص باستعمال العلامة التجارية في نفس المكان أو الموقع الجغرافي، بيد أنه يظل محتفظًا بحقه في استعمال العلامة التجارية داخل المكان نفسه.

الترخيص الاستئثاري :

يسعى المرخص له في هذا النوع للاستفادة من العلامة التجارية بأقصى درجة ممكنة، فيقتصر الحق باستعمال العلامة التجارية في المنطقة الجغرافية المحددة على المرخص له دون غيره، وبذلك يمتنع المرخص نفسه عن استعمال العلامة التجارية في نفس المنطقة، ويمتنع عن منح آخرين عقودًا للترخيص باستخدام العلامة التجارية.

الزاوية الثانية : أنواع عقد الترخيص من حيث النطاق المكاني

يُمكن تقسيم العقد من حيث النطاق الجغرافي وأطراف عقد الترخيص إلى نوعين، وهما : عقد الترخيص المحلي وعقد الترخيص الدولي :

عقد الترخيص المحلي :

يمكن وصفه بالمحلي إذا كان كلا طرفي العقد المرخص والمرخص له في البلد نفسه، بمعنى خضوعهما للنظام القانوني نفسه، أو إذا كانت المنطقة الجغرافية المرخص باستخدام العلامة التجارية فيها تقع ضمن البلد نفسه، ويمكن تصور مثل هذا العقد في الدول ذات المساحة الكبيرة أو التي تتواجد فيها أسواق استهلاكية متناثرة ومتباعدة، ومنها الدول المكونة من أقاليم أو محافظات.

عقد الترخيص الدولي :

يمكن وصف عقد الترخيص بانه دولي إذا كان أطراف العقد يخضعان لنظامين قانونيين مختلفين، بمعنى أن كل منهما يحمل جنسية دولة مختلفة عن الآخر، وأيضًا يمكن تصور أن يكون العقد دوليًا من حيث المنطقة الجغرافية عندما تكون المنطقة المرخص باستعمال العلامة التجارية فيها خارج بلد تسجيل تلك العلامة التجارية.

خصائص عقد الترخيص :

يتميز عقد الترخيص بخصائص تميزه عن غيره من العقود الأخرى، وتتمثل هذه الخصائص فيما يلي :

من العقود التجارية :

عقد الترخيص هو من قبيل العقود التجارية، فهو يهدف لتحقيق الربح المادي، كما يحقق فكرة تداول الثروات، وينجم هذا العقد عن تداول واحتراف مشروع تجاري متقن، تولدت عنه تلك السمعة والشهرة للعلامة التجارية التي دفعت الآخرين للتعاقد.

من العقود الرضائية :

يُعتبر عقد الترخيص من العقود الرضائية، فيكفي تراضي طرفي العقد، وتبادل التعبير عن إرادتين متطابقتين، دون الحاجة إلى إفراغ هذا الاتفاق في شكل معين.

والمشرع الأردني لم ينظم هذا العقد بأحكام تفصيلية، فلا يوجد قواعد خاصة لانعقاد العقد، وما ذلك إلا تطبيق لمبدأ رضائية العقود، فيكفي لانعقاد العقد توافق إرادتي الإيجاب والقبول لانعقاد العقد، ولا داعي لأن يفرغ العقد في شكل معين.

والمشرع المصري لم يشترط لانعقاد عقد الترخيص شكلًا معينًا، وإنما اشترط لغايات قيد العقد في سجل العلامات التجارية أن يكون العقد موثقًا أو مصدقًا على صحة التوقيعات عليه، وذلك حتى يكون حجة في مواجهة الغير.

من العقود الدولية :

عقد الترخيص كما أنه قد يكون محليًا فإنه كذلك قد يكون دوليًا، عندما يكون المرخص في بلد والمرخص له في بلد آخر.

من العقود ذات الاعتبار الشخصي :

يُعتبر عقد استخدام العلامة التجارية من العقود القائمة على الاعتبار الشخصي بالنسبة للمرخص له، إذ يسعى المرخص إلى انتقاء المرخص له بحق استعمال العلامة التجارية على أساس شخصي، فلولا ثقة المرخص فيه المرخص له لما أقدم على إبرام العقد معه.

من العقود الممتدة :

العقود الممتدة أو المستمرة هي تلك العقود التي ينفذ فيها الالتزام بأداءات دورية ومستمرة، ويعتبر الزمن في تلك العقود عنصرًا جوهريًا، وعقد الترخيص من قبيل العقود الممتدة، فالزمن عنصر جوهري في العقد، ولا يمكن تصور استعمال العلامة التجارية دفعة واحدة أو لمرة واحدة.

من عقود المعاوضة :

عقد الترخيص يُعتبر من عقود المعاوضة، فيعطي المرخص له الحق بالانتفاع من العلامة التجارية محل العقد مقابل حصوله على إتاوة يدفعها المرخص له، وكذلك يتمكن المرخص له من الانتفاع بالعلامة التجارية المملوكة للمرخص مقابل دفع الإتاوة، ومن ثم يحصل طرفا العقد على مقابل لما يعطيانه.

من العقود غير المسماة :

العقود غير المسماة هي تلك العقود التي لم يتناولها المشرع بتنظيم خاص، فلا يوجد لها اسم خاص بها، ولم يتناول تنظيم أحكامها في ظل تشريعاته، بل تخضع للقواعد العامة أو الأحكام العامة التي نظمها المشرع في القانون المدني والقوانين التجارية.

والمشرع الأردني لم يتناول هذا العقد بالتنظيم القانوني الخاص المفصل، ومن ثم فلابد من الرجوع للأحكام العامة، التي تضمنها قانون التجارة الأردني والقانون المدني الأردني.

Photo by Ivan Babydov on Pexels.com

أقسام عوارض الخصومة في القانون الأردني

أقسام عوارض الخصومة

الخصومة القضائية هي مجموعة من الإجراءات تبدأ برفع الدعوى وتنتهي بصدور الحُكم، ويُقصد بعوارض الخصومة تلك الحالات التي تعترض السير الحسن في الدعوى تحول دون الفصل فيها سواء من الناحية الشكلية أو الناحية الموضوعية.

ولذلك تدخل المُشرع وحدد عوارض الخصومة وأوجد طُرق وإجراءات حلها، وعوارض الخصومة تنقسم إلى قسمين :

أولًا : عوارض الخصومة التي تحول دون الاستمرار فيها

ثانيًا : عوارض تنهي الخصومة

والمشرع المصري قد خصص الباب التاسع من قانون المرافعات رقم (13) لسنة 1968 لهذا الأمر وتحت عنوان  ( وقف الخصومة وانقطاعها وسقوطها وانقضاؤها بمضي المدة وتركها) عالج المُشرع المصري فكرة عوارض الخصومة وانقضاؤها المبستر، وكذلك أولى الفقه المصري أحوال انقضاء الخصومة نصيبًا من اهتماماته.

وفيما يتعلق بالقانون الأردني فنجد غموضًا على المستوى التشريعي والفقهي لتشتت عناصره في مواضيع متفرقة في قانون أصول المحاكمات المدنية وندرة المؤلفات والأبحاث الأكاديمية المتخصصة.

وفيما يلي سنتناول بالشرح عوارض الخصومة بشقيها :

أولًا : عوارض الخصومة التي تحول دون الاستمرار فيها

وهي عبارة عن ثلاث حالات، حالة الضم والفصل، وحالة انقطاع الخصومة، حالة وقف الخصومة بأنواعها.

ضم الخصومة أو الفصل فيها

ضم الخصومة

في حال أن وُجد ارتباط بين خصومتين أو أكثر تكون معروضة أمام نفس القاضي جاز له تحقيقًا لمبدأ حسن سير العدالة ضمها من تلقاء نفسه أو بطلب من الخصوم والفصل فيهما بعد ضمهما بحُكم واحد.

ويُقصد بالارتباط بين خصومتين أو أكثر أن نكون أمام وحدة الأطراف ووحدة الموضوع ووحدة السبب.

وتقوم حالة الضم لوحدة الموضوع عندما يُرفع نفس النزاع أمام جهتين قضائيتين، وتقوم أيضًا عند وجود علاقة بين قضايا معروضة أما جهات قضائية مختلفة، وكذلك عند وجود علاقة بين قضايا معروضة أمام نفس القاضي.

كأن يقوم أحد الخصوم برفع دعوى ضد الطرف الآخر ويقوم الطرف الآخر برفع دعوى مماثلة ضد الطرف الأول حول نفس الموضوع، ومثال ذلك دعوى المشتري على البائع بتسليم السلعة ودعوى البائع على المشتري بدفع الثمن، أو دعوى التعويض التي يوجهها كلا الطرفين على الآخر في حال تساوي المسؤولية عن الحادث، أو دعوتا الفسخ اللتين يرفعها كلا الطرفين على بعضهما بسبب عدم الوفاء بالالتزامات.

وبالتالي ولحسن سير العدالة فمن الأفضل أن يتم ضم القضيتين حتى لا يصدر في موضوع واحد حُكمين قد يكونا متناقضين.

ولحالة الضم شروط :

  • يتعين أن تكون الجهة القضائية مختصة نوعًا وإقليميًا بنظر الدعوى.
  • أن تكون الجهة أو الجهات القضائية من نفس الدرجة.

الفصل في الخصومة

على عكس حالة ضم الخصومات إذا ثبت للقاضي أن الملف المعروض أمامه يحتوي أكثر من خصومة فإنه يأمر بفصل الخصومة إلى خصومتين أو أكثر، فحالة الفصل متعلقة بنفس الدعوى المعروضة أمام نفس القاضي، والقاضي بناء على تقديره أو رؤيته يقرر تجزئتها أو تقسيمها إلى قضيتين أو أكثر.

وحُكم الفصل يُعتبر من الأعمال الولائية التي لا تقبل الطعن.

ويرى البعض أن ضم الخصومة أو فصلها لا يدخل ضمن عوارض الخصومة لأنه لا يؤثر في الخصومة ولا يمنعها من الوصول إلى نتيجتها الطبيعية والتي هي صدور حُكم، أيًا كان طبيعة هذا الحُكم.

انقطاع الخصومة

انقطاع الخصومة تعني وقف السير فيها بقوة القانون لتصدع أحد أركانها، وهي حالة غير متعلقة بإرادة الأطراف أو سلطات القاضي التقديرية، ولكن يُشترط ألا تكون القضية مهيئة للفصل فيها.

وإذا حدثت أسبابها فإن الاستمرار في الخصومة يُصبح أمرًا غير ممكن، ويُمكن إجمال أسبابها في الاتي :

  • حالة تغير في أهلية التقاضي لأحد الخصوم

كأن يتم الحجر القضائي كما هو الحال بالنسبة للسفيه والمجنون وذي الغفلة والمعتوه.

  • حالة وفاة أحد الخصوم إذا كانت الخصومة قابلة للانتقال

في حالة وفاة أحد الخصوم وهو طرف في الدعوى المرفوعة أمام المحكمة بغض النظر كان مركزه القانوني مدعيًا أو مدعى عليه، شخصًا طبيعي أو معنوي، أو مدخلًا في الخصام، فتُعتبر الخصومة التي هو أحد أطرافها مُنقطعة.

  • حالة وفاة، أو استقالة، أو توقيف، أو شطب، أو تنحي المحامي

وذلك باستثناء إذا كان التمثيل جوازيًا، ولكن تمثيل الأطراف بمحامي يكون وجوبي في الاستئناف إلا في حالات نادرة.

وقف الخصومة

وقف الخصومة القضائية يُقصد بها عدم السير فيها بناء على اتفاق الخصوم وهذا يُسمى الوقف الاتفاقي، أو بناء على حُكم المحكمة فنكون أمام وقف قضائي، أو بنص المُشرع في حالات معينة وهنا توقف الخصومة بنص القانون.

وسوف نتناول أسباب الوقف الثلاثة تفصيلًا فيما يلي :

الوقف الاتفاقي

هي حالة أجاز فيها القانون للخصوم الاتفاق على وقف الخصومة وعدم السير فيها، فقد يرغب الأطراف في وقف الخصومة فترة محددة من الوقت بهدف السعي لإنهاء النزاع وديًا فيما بينهم، وذلك إما عن طريق الصُلح أو التحكيم أو غيرها مما يُحقق مصلحتهم المُشتركة بعيدًا عن ساحات المحاكم.

واشترط الفقه لوقف الخصومة في حال اتفاق الخصوم شرطان :

  • وجوب اتفاق جميع الخصوم على الوقف

وذلك لأن الوقف يتم لتحقيق مصلحة مُشتركة لجميع الخصوم.

  • إقرار الجهة القضائية أو المحكمة لاتفاق الخصوم على الوقف

وذلك لأن تقرير الوقف في تلك الحالة هي سُلطة تقديرية للقاضي حتى يُراقب القاضي مدى توافر شروطه وملائمته فهو ليس بمشيئة الخصوم.

الوقف القانوني

هو الوقف الذي يُرتبه القانون بنص، ولا تملك المحكمة أي سلطة تقديرية بخصوص هذا النوع من الوقف، أي أن الوقف يتم بسلطة القانون متى قام سبب من الأسباب التي نص عليها القانون.

ومن حالات الوقف القانوني :

  • رد القاضي

إذا قُدم طلب لرد القاضي لتوافر سبب من أسباب عدم الصلاحية أو الرد فإنه يترتب على ذلك وقف الدعوى الأصلية إلى أن يُحكم فيها بشكل نهائي، ويجوز لرئيس المحكمة بطلب من أحد الخصوم ندب قاضي آخر لنظر الدعوى في حالة الاستعجال.

  • تنازع الاختصاص

ففي حالة نشوب نزاع بشأن اختصاص المحكمة المنظورة أمامها الدعوى، فإنه يتم وقف الخصومة القضائية لحين الفصل في هذا النزاع.

       الوقف القضائي

أي وقف الخصومة بموجب حُكم من المحكمة، بحيث يكون للقضاء سلطة للحُكم أو عدم الحُكم به، وتوقف الخصومة بقرار قضائي في حالتين الأولى حالة الوقف الجزائي والثانية حالة الوقف للفصل في مسألة أولية وسنتطرق لشرحهما تباعًا :

  • الوقف الجزائي

هو جزاء يوقع على الخصم الذي امتنع عن تنفيذ الإجراءات الشكلية التي أمر بها القاضي أو نص عليها القانون.

والأمر القضائي بشطب الخصومة يُعتبر من الأعمال الولائية وبالتالي فهو غير قابل لأي طعن، والحُكم بالشطب يُرجع أطراف الخصومة إلى الحالة التي كانوا عليها قبل رفع الدعوى.

  • الوقف للفصل في مسألة أولية

أي تلك التي ينبغي أن يفصل القاضي فيها أولًا حتى يُمكنه الفصل في الدعوى المطروحة أمام المحكمة، وبمجرد زوال سبب الوقف فيحق لأي من الخصوم تعجيل الدعوى.

وذلك مثل أن تُقام دعوى ريع أو قسمة حول الملكية بين خصوم، فثبوت الملكية في تلك الحالة تكون مسألة أولية يتعين حسمها قبل الفصل في طلب الريع أو القسمة.

وأما عن الآثار المترتبة على الإسقاط المؤقت للخصومة هو انتهاء إجراءاتها فقط دون التعرض لموضوعها، لهذا لا يحول هذا الانقضاء دون تجديد الخصومة مرة أخري فيما يتعلق بذات الموضوع، وقد يتحقق بإرادة الخصوم وبغير إرادتهم أحيانًا.

ثانيًا : عوارض تنهي الخصومة

هناك عوارض تؤدي لإنهاء الخصومة بشكل نهائي، دون وصول هذه الخصومة لنهايتها الطبيعية، فجعلها تنقضي بالصلح أو بسقوط الخصومة أو بوفاة أحد الخصوم مالم تكن الدعوى قابلة للانتقال، أو بتقادم الخصومة.

وسنتناول ذلك تباعًا كما سيلي :

الصلح

اعتبر المُشرع أن الصلح عقد يُمكن أن ينهي به طرفي الخصومة نزاعًا قائمًا أو يتوقعان به نزاعًا مُحتملًا بأن يتنازل به كل منهما على وجه التبادل عن حقه، أو يحدث تنازلات متقابلة مُتفق عليها قد تكون مرضية لكافة الأطراف، وهو تكريس للمبدأ الشرعي ” الصلح خير”.

ومؤدى الصلح تقريب وجهات النظر بين طرفين مختلفين في مسألة معينة، فهي حل ودي للمشاكل والمنازعات، وللصلح أثار معنوية وإيجابية كثيرة لأنه يجنب الأطراف الوقوع في العديد من المشاكل، والصلح يُمكن أن يكون شفويًا أو عن طريق محضر تحقيق، كما قد يقع خارج دار القضاء أو داخل دار القضاء.

سقوط الخصومة

هو جزاء توقعه المحكمة بأن تعتبر الخصومة كأن لم تكن في حالة عدم السير في الخصومة من قبل المدعي أو الخصم المُكلف من القضاء خلال المدة المقررة للقيام بهذا المسعى.

والسقوط بقوة القانون لا يتقرر ولا يحق للقاضي إثارته تلقائيًا، بل يجب تقديمه من قبل الخصوم إما عن طريق دفع يثيره من له مصلحة، أو دعوى يقوم برفعها من له مصلحة في طلب السقوط أيضًا.

والحُكم بسقوط الخصومة يترتب عليه زوال الدعوى من كافة آثارها، وذلك باستثناء الأحكام القطعية الصادرة فيها، والإجراءات السابقة لتلك الأحكام، وكذلك الإقرارات والأيمان الصادرة من الخصوم، وأعمال الخبرة وإجراءات التحقيق مالم تكن باطلة في ذاتها.

وفاة أحد الخصوم

في حالة وفاة أحد الخصوم في دعوى مرفوعة أمام جهة قضائية مُختصة، ولم يكن هناك من يخلفه في ذمته المالية وتركته، فإن المُشرع طبقًا لذلك قرر انقضاء الخصومة، وذلك لأن بوفاة المدعي الذي لا خلف له أصبح مركزة القانون في الخصومة منعدمًا وبالتالي تنقضي بقوة القانون.

تقادم الخصومة

تقادم الخصومة أي انتهاؤها بمضي المدة وزوال كافة إجراءاتها والأثار المترتبة عليها دون الفصل في موضوعها بسبب الانقطاع في السير في إجراءاتها مدة ثلاثة سنوات من أخر إجراء صحيح فيها.

ونفهم من ذلك أن انقضاء الخصومة بالتقادم لا يتحقق إلا بعدة شروط كركود الخصومة وعدم السير فيها، وأن يستمر هذا الركود مدة ثلاثة سنوات، وإذا توفرت تلك الشروط فإن الخصومة تنقضي بقوة القانون فلا ضرورة لرفع دعوى للتمسك بانقضائها.

أما الآثار المترتبة على الانقضاء النهائي للخصومة فهو انقضاء شامل للنزاع والإجراءات، ويُقصد به انقضاء الحق موضوع الخصومة إضافة إلى إجراءاتها، وبالتالي فهو يحول دون تجديد الخصومة فيما يتعلق بذات الموضوع، وقد يتحقق بإرادة الخصوم وبدون إرادتهم أحيانًا.

مبادئ قضائية في صحة الخصومة

فقد ورد في قرار لمحكمة التمييز

5 – لا يرد الادعاء بعدم صحة الخصومة اذا كان المدعى عليه قد وقع على اتفاقية توريد البضاعة بصفته كفيلا بتسديد الثمن.

قرار في أثر خلو الوكالة من أسماء المدعى عليهم

1- حيث ان الوكالة المعطاة من المميز ضدهم للمحامي الوكيل لإقامة الدعوى تضمنت كل الشروط اللازمة لصحة الوكالة الا أنها خلت من أسماء المدعى عليهم فتكون بالتالي هذه الوكالة صحيحة وانعدم ذكر أسماء المدعى عليهم في هذه الوكالة لا يشكل جهالة فاحشة طالما ان المدعى عليهم الواردة أسماؤهم بلائحة الدعوى هم انفسهم الواردة أسماؤهم في عقود البيع المراد فسخها وطالما لم يرد اي دليل على أن المدعى عليهم ليسوا المقصودين بعقود البيع المشار اليها بهذه الوكالة وتكون بالتالي الخصومة صحيحة وللوكيل الحق في إقامة الدعوى.

Photo by EKATERINA BOLOVTSOVA on Pexels.com

ما هو حكم التحكيم الأجنبي

ما هو حكم التحكيم الأجنبي

لحكم التحكيم الأجنبي أهمية كبيرة في إزالة المشاحنات وقطع الخصومات وفض المنازعات، بحيث أن التحكيم الأجنبي قد أثبت جدواه وظهر أثره ومعناه، حتى أصبح واقعًا جديرًا بالاحترام ونظامًا متبعًا في كافة دول العالم. وبيان المقصود بحكم التحكيم بشكل عام وحكم التحكيم الأجنبي بشكل خاص قد لاقى اهتمام كثير من الباحثين، وتعرض لكثير من الاختلاف بين من بحث في هذا الموضوع، ما يستلزم منا أن نحدد المقصود منه، ونوضح حدود هذا المصطلح بشكل عام، حتى نفك اللبس والاختلاط، بالإضافة لبيان مدى سلطة القضاء الاردني في الرقابة على حكم التحكيم الأجنبي.

ماهية حكم التحكيم الأجنبي

تعريف حكم التحكيم :

سنتعرض في مقالنا لبيان تعريف حكم التحكيم، ثم تحديد المقصود بحكم التحكيم الأجنبي.

تعريف حكم التحكيم :

على الرغم من اهتمام معظم الأنظمة القانونية المعاصرة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية بنظام التحكيم وتنظيمه، وإقراره في الكثير من أنظمتها القانونية، بيد أنه يلاحظ أن أغلبها لم تحدد المقصود بُحكم التحكيم ولم تتطرق لتعريف محدد له، وإن كان هذا هو الطبيعي فليس من شأن التشريعات القانونية والدولية القيام بذلك، فيُعتبر هذا من شان الفقه، إلا أن اتفاقيه نيويورك لسنة 1958 في المادة (1/2) بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية تضمنت نصًا للمقصود بحكم التحكيم، حيث جاء فيه :

” يُقصد بأحكام التحكيم ليس فقط الأحكام الصادرة من محكمين معينين للفصل في حالات محددة، بل أيضًا الأحكام الصادرة من هيئات تحكيم دائمة يحتكم إليها الأطراف”. وهذا التعريف لا يُمكن اعتباره كاملًا، فالجدير بالملاحظة أن هذه الاتفاقية قد وسعت نطاق الأحكام والقرارات التحكيمية.

وفي ظل عدم وجود تعريف قانوني لحكم التحكيم، سواء في التشريعات الوطنية للدول، أو في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي اهتمت بتنظيم كافة الأمور المتعلقة بالتحكيم، فقد كان للفقه مهمة التصدي لتعريف الحكم التحكيمي، وقد انقسمت الآراء الفقهية في هذا الصدد إلى اتجاهين، أحدهما موسع لحكم التحكيم والآخر مضيق لحكم التحكيم.

الاتجاه الأول : التعريف الموسع لحكم التحكيم

يرى الأستاذ  (  جال أرد) الذي يتزعم أصحاب هذا الاتجاه بتوسيع نطاق حكم الحكم التحكيمي فهو يشمل الأحكام التي تفصل في أحد عناصر المنازعة بشكل جزئي، ولا يقتصر على الأحكام التي تفصل في المنازعة على نحو كلي. وقد عرف (جال أرد) الحكم التحكيمي بأنه :

” القرار الصادر من المحكم الذي يفصل بشكل قطعي، على نحو كلي أو جزئي في المنازعة المعروضة عليه سواء تعلق هذا القرار بموضوع المنازعة ذاتها أم بالاختصاص أم بمسألة تفصل بالإجراءات، أدت بالمحكم إلى الحكم بإنهاء الخصومة “.

وهذا الاتجاه يرى أن القرارات التي تصدر عن المحكم لا تتحول إلى حكم تحكيمي إلا إذا وافق الأطراف على مشروع الحكم التحكيمي، أو بناء على قبولهم الصريح للحكم التحكيمي، وفي حال تحقق هذا القبول فإن المنازعة تُعرض على محكمة تحكيمية من الدرجة الثانية تصدر حكم نهائي لا يُمكن أن يكون محلًا للطعن فيه بالبطلان.

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن حُكم المحكم يجب أن يكون مكتوبًا، ويخضع لنفس الشكل المقرر للأحكام القضائية من بيانات وكتابة وتوقيع أغلبية المحكمين وذلك وفقًا للفقرة الأولى من المادة (43) من قانون التحكيم المصري. وهو إجراء يقوم به المحكم من خلال الخصومة أو في نهايتها، ليس بهدف الإعلان عن إرادة الأطراف، ولكن للإعلان عن أرادته هو، ومن ثم فهذا الحكم كعمل إجرائي يخضع للإجراءات المنصوص عليها في قانون التحكيم.

ومحكمة استئناف باريس قد تعرضت لتحديد المقصود في حكم التحكيم بتاريخ 5/3/1994 فقالت : يُقصد بحكم التحكيم أعمال المحكمين التي تفصل بشكل حاسم أو نهائي كليًا أو جزئيًا في النزاع المعروض عليهم، سواء أكان هذا الحكم في الموضوع أو الاختصاص، أو في مسألة إجرائية تؤدي بهم إلى أنهاء الخصومة.

وهذا التعريف للحكم التحكيمي وجه إليه عديد الانتقادات من جانب أن وصف الابتدائية أو النهائية أمرًا لا يجوز لأن هذه الأوصاف لا تدخل في جوهر تعريف الحكم أو في مضمونه، ومن جانب آخر أن هذا التعريف قد خلط بين جوهر الحكم وأوصافه وآثاره معًا، وهذا خلط غير مقبول، لأنه يدخل في تعريف الحكم بعضًا من أوصافه، ووصف الحكم بأنه قطعي أ غير قطعي ينبى على أسس معينة، ويهدف لتحقيق غايات خاصة وله معايير معينة، وذلك كله لا يدخل في تحديد جوهر الحكم.

الاتجاه الثاني : التعريف المضيق لحكم التحكيم

يرى أصحاب هذا الاتجاه ويؤيدهم جانب من الفقه السويسري أن أحكام التحكيم لا يُمكن اعتبارها حُكمًا تحكيميًا إلا إذا أنهت بشكل جزئي أو كلي منازعة التحكيم، وبالتالي فالقرارات التي تصدر عن محكمة التحكيم – ويتضمن ذلك القرارات المتصلة بموضوع المنازعة – والتي لا تفصل في طلب محدد لا تُعتبر أحكامًا تحكيمية إلا في حال أنهت منازعة التحكيم سواء بشكل كلي أو جزئي.

ووفقًا لهذا الاتجاه فكافة القرارات التي تفصل في المسائل المتصلة بالموضوع كصحة العقد الأصلي، لا يُمكن اعتبارها أحكامًا تحكيمية، بل أحكامًا تحضيرية، ومن ثم من غير الممكن أن يُطعن على هذه الأحكام بالبطلان بشكل مستقل عن الحكم التحكيمي الذي سوف يصدر بناء على الطلبات المقدمة من الأطراف.

فحكم التحكيم الذي يفصل بتقرير مسؤولية أحد الأطراف أو في صحة العقد فهو حكم تحكيمي حقيقي وإن لم يفصل في المنازعة كلها وإنما في جزء منها، بيد أن القرارات التي تصدر عن محكمة التحكيم في غير خصومة لا يُمكن اعتبارها أحكامًا تحكيمية، وذلك كالقرارات التي تصدر عن محكمة التحكيم فيما يتعلق بتحديد زمان ومكان انعقاد المحكمة أو تأجيلها مثل سماع الشهود أو ندب الخبراء، وجميعها قرارات تنفذ بها المحكمة ولايتها.

وهناك من يرى ضرورة التمييز بين الأحكام التي تتعلق بموضوعات، والأوامر والتوجيهات الإجرائية التي تتعلق بسير إجراءات التحكيم، والتي تساعد في استمرار عملية التحكيم، فهي تتعامل مع مسائل كتجهيز الوثائق، وعقد الجلسات، وتناول الأدلة المكتوبة، وهذه الأوامر ليس لها وضع أحكام التحكيم، ومن ثم فإن حكم التحكيم يتعين أن يكون قاصرًا على الأحكام التي تصدرها محكمة التحكيم، والتي تفصل بشكل نهائي في القضايا التي تتناولها.

وبالمقارنة نجد أن الأخذ بالاتجاه الأوسع لتعريف التحكيم هو الأكثر وجاهة وقوة، وذلك بالنظر إلى أن اختيار الأطراف للتحكيم كوسيلة لحسم النزاع كان بغرض الوصول إلى حلول ملائمة لهذا النزاع دون أي خصومة، وترجيح المعنى الموسع للحكم التحكيمي والأخذ به هو احترام لهذا الغرض أو الهدف.

 ومما سبق يُمكن تعريف حكم التحكيم بأنه : كافة الأحكام التي تصدر عن هيئة تصدر وتفصل بشكل نهائي في المنازعة المعروضة عليها، وذلك بغض النظر أكانت الأحكام الصادرة في المنازعة أحكام كلية أم أحكام جزئية أو تعلقت بموضوع النزاع ذاتها أو بمسألة تتعلق بالإجراءات، أدت بالمحكم إلى الحكم بإنهاء الخصومة.

المقصود بحكم التحكيم الأجنبي :

تحديد وبيان الصفة الأجنبية لحكم التحكيم أهمية كبيرة، وذلك لما يترتب على التمييز بين حكم التحكيم الوطني وحكم التحكيم الأجنبي اختلاف في القواعد القانونية المطبقة على كل منهما فإذا اشتمل التحكيم على عنصر أجنبي أو أكثر، فنكون أمام احتمال تطبيق قانون أو قوانين أجنبيه، أما التحكيم الوطني فيستتبع تطبيق القانون الوطني.

والجدير بالذكر أن التشريع والفقه قد استندا على معيارين يتم على أساسهما إكساء قرار التحكيم بالصبغة الأجنبية، وهذين المعيارين هما :

المعيار الجغرافي :

وفيه يتم الاستناد إلى مكان صدور الحكم التحكيمي، فيتم ربط حكم التحكيم بالدولة التي صدر قرار التحكيم على إقليمها، فقرار التحكيم يُعتبر هو مركز الثقل في مجمل عملية التحكيم، ولكن يثور تساؤل عما هو الوضع القانوني في حال تعدد الدول التي يُعقد فيها التحكيم ؟

في تلك الحالة فإنه تُعتبر الدولة التي انعقدت فيها هيئة التحكيم بصفة رئيسية، وخصوصًا الدولة التي أصدرت فيها هيئة التحكيم قرارها، هي الدولة التي يتم ربط حكم التحكيم بها.

والمشرع الأردني قد أخذ بهذا المعيار في تحديد الحكم الأجنبي، حينما نص في المادة الثانية من قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية الأردني رقم (8) لسنة (1952) على أنه :

” تعني عبارة الحكم الأجنبي الواردة في هذا القانون كل حكم صدر من محكمة خارج المملكة الأردنية الهاشمية … ويشمل قرار المحكمين في إجراءات التحكيم إذا كان ذلك القرار قد أصبح بحكم القانون المعمول به في البلد الذي جرى فيه التحكيم قابلًا للتنفيذ كقرار صدر من المحكمة في البلد المذكور “.

بيد أن التشريع المصري لم ينص بشكل صريح على الأخذ بهذا المعيار وإنما نص في المادة (299) من قانون المرافعات المصري لسنة (1968) على أنه : ” تسري أحكام المواد السابقة المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية على أحكام المحكمين الصادر في بلد أجنبي “.

وبمفهوم المخالفة فإنه يكون استثناءا من نص المادة سالفة الذكر قرارات التحكيم الصادرة في مصر، فتعتبر قرارات التحكيم وطنية.

واتفاقية نيويورك المتعلقة بالاعتراف بتنفيذ قرارات المحكمين الأجنبية لسنة (1958) أخذت كذلك بهذا المعيار، بحيث أنها قد نصت في المادة رقم (1) منها على أن : ” تطبق الاتفاقية الحالية للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الصادرة في إقليم دولة غير التي يطلب إليها الاعتراف وتنفيذ هذه الأحكام على إقليمها “.

ونجد  أن اتفاقية الرياض للتعاون القضائي العربي لسنة (1983) فيما يتعلق بتحديد صفة قرار التحكيم قد تبنت معيار مكان صدور القرار، وينجلي هذا الأمر من نص المادة (25) في الفقرة (أ) منها حيث نصت على الآتي : ” يُقصد بالحكم في معرض تطبيق هذا الباب كل قرارًا أيًا كانت تسميته يصدر بناء على إجراءات قضائية أو ولائية من محاكم أو أية جهة لدى أحد الأطراف المتعاقدة “.

المعيار القانوني :

وهذا المعيار مؤداه أن حكم التحكيم يكتسب جنسية الدولة التي تم تطبيق قانونها الإجرائي على التحكيم، فحكم التحكيم يُعتبر أجنبيًا إذا تم داخل إقليم الدولة وذلك لخضوعه إجرائيا لقانون دولة أخرى، وحكم التحكيم يكون وطنيًا حتى وإن صدر في الخارج وذلك إذا تم وفقًا للقانون الوطني.

ومن خلال هذا المعيار يُمكن للأفراد أن يتحكموا في الصفة الأجنبية أو الوطنية وذلك بشكل غير مباشر، وذلك من خلال اختيار مكان إجراء التحكيم، لأنه في تلك الحالة سيتم تطبيق القانون الإجرائي الخاص بهذا المكان على إجراءات التحكيم.

سلطة القضاء الاردني في الرقابة على حكم التحكيم الأجنبي

وفي هذا جاء في كتاب التحكيم في المنازعات الوطنية والتجارية الدولية للدكتور فتحي والي على الصفحتين (501 و502) منه:-

سواء تم إنهاء إجراءات التحكيم بأمر من رئيس المحكمة أو بقرار من هيئة التحكيم فإنه يترتب على صدور الأمر أو القرار بإنهاء الإجراءات انتهاء خصومة التحكيم ويزول ما يكون قد ترتب على تقديم طلب التحكيم من آثار قانونية سواء كانت آثار موضوعية أو آثار إجرائية ولهذا فإن التقادم يعتبر كأنه لم ينقطع والفوائد كأنها لم تجرِ وتنتهي مهمة هيئة التحكيم ويعود الخصوم إلى الحال التي كانوا عليها قبل بدء خصومة التحكيم وإذا صدر أمر أو قرار بإنهاء إجراءات التحكيم فإن هذا الإنهاء لا يؤدي إلى سقوط الحق الموضوعي ولا الحق في الدعوى ولا يمنع أياً من الأطراف من الاتجاه مرة أخرى إلى التحكيم سواء كان التحكيم السابق قد نشأ استناداً إلى شرط تحكيم أو مشارطة تحكيم فاتفاق التحكيم شرطاً أو مشارطة لا يفقد فاعليته لمجرد أن خصومة التحكيم قد انتهت دون إصدار حكم في موضوع النزاع وذلك مع ملاحظة أنه لا يجوز الالتجاء مرة أخرى إلى هيئة التحكيم نفسها التي سبق لها نظر الدعوى وانتهت أمامها الإجراءات إذ تكون غير صالحة لنظرها.

وعليه وحيث البطلان شاب أحد الإجراءات التي سبقت صدور الحكم المزعوم التي بني عليها أصبح بدوره باطلاً لأن ما بني على باطل فهو باطل.

ثالثاً: إن الحكم المزعوم يخالف النظام العام وفقاً لأحكام المادة (49/ب):إضافة إلى عدم إصدار حكم التحكيم قبل اختتام الإجراءات فإن هيئة التحكيم قد أخلت بأحكام المادة (42) من قانون التحكيم وذلك بعدم تسليم المستدعي نسخة عن الحكم خلال المدة الآمرة إذ إن قانون التحكيم ألزم الهيئة بوجوب تسليم الخصوم صورة عن حكم التحكيم خلال مدة ثلاثين يوماً التي تلي صدور الحكم ويترتب على مخالفة القواعد الآمرة بطلان حكم التحكيم لمخالفته لقواعد النظام العام وقد استقر الفقه على تعريف النظام العام بأنه مجموعة القواعد والنصوص القانونية الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها وفي هذا جاء في كتاب التحكيم في القوانين العربية للدكتور حمزة حداد على الصفحة (386) منه.

وبوجه عام فإن كل قاعدة قانونية متبعة في الدولة على أنها آمرة بما يمس أحد هذه الأسس ولا يجوز بالتالي الاتفاق على خلافها من النظام العام ونستدل على هذه القاعدة من التشريع ذاته الذي قد ينص صراحة على عدم جواز الاتفاق على خلافها أو من طريقة صياغة النص التشريعي.

كما جاء على الصفحة(451) من المرجع ذاته:

” تعتبر مخالفة النظام العام سبباً يعيب الحكم مما يؤدي إلى إبطاله يمكن القول بأن صلاحيات المحكمة بل من واجباتها أن تقضي ببطلان حكم التحكيم إذا كان مخالفاً للنظام العام من تلقاء نفسها دون حاجة لطلب من أحد طرفي الخصومة” هذا من جانب.

ومن جانب آخر فإن تسليم المستدعى ضدها صورة عن الحكم دون معاملة الطرف الآخر بالمثل (المستدعي) يشكل إخلالاً بمبدأ المساواة بين الأطراف وحياد واستقلال الهيئة وبالتالي مخالفة قاعدة آمرة كفلها الدستور الأردني ولا أدل من ذلك قيام المستدعى ضدها بتقديم طلب تنفيذ حكم تحكيم وإرفاق صورة الحكم كبينة لها دون أن يكون للمستدعي علم بوجود الحكم أو تسلمه.

Photo by EKATERINA BOLOVTSOVA on Pexels.com

الإعسار والإفلاس والفرق بينهما

الإعسار والإفلاس والفرق بينهما

تُبنى التعاملات التجارية على الثقة بين المتعاملين، بيد أن الثقة تتطلب وسائل وقواعد قانونية تقويها وتحافظ عليها، وفيما يتعلق بالمعاملات المدنية فمن أهم الوسائل والنظم الداعمة للائتمان هو نظام الإعسار.

ونظرًا للظروف الاقتصادية والصحية التي يمر بها العالم حاليًا والتي أثرت بشكل مباشر على المملكة الأردنية الهاشمية وعصفت باقتصادها وأضعفت فرص الاستثمار، فقد كان لذلك عظيم الأثر في زيادة عدد الدائنين أفرادًا وشركات، ودليل ذلك ارتفاع عدد القضايا المنظورة أمام القضاء الأردني والتي تتعلق بالإعسار المالي للمدين.

أولًا: مفهوم الإعسار

ثانيًا: الفرق بين الإعسار والإفلاس

ثالثًا: أهداف قانون الإعسار الأساسية

أولًا: مفهوم الإعسار

يُعتبر نظام الإعسار هو نظام خاص بالمدينيين من غير التجار، ففي حال كانت الديون المستحقة الأداء أكبر من قيمة أموال المدين، فإن هذا المدين يكون في حالة إعسار.

ويُعرف الإعسار بأنه حالة قانونية من خلالها يتم فرض الحجز على أصول المدين الذي تتجاوز قيمة ديونه قيمة أصوله، وهذا الحجز يُنفذ بموجب حكم صادر عن المحكمة المختصة. ويصدر هذا الحكم بناء على الالتماس المُقدم من الدائن أو المدين.[1]

ونجد أنه تحت عنوان :” الحجز على المدين المفلس” قد نظم القانون المدني الأردني نظام الإعسار في (المواد من 375 إلى 386)، وجاء نص (المادة 375) من القانون المدني الأردني على أن : ” يجوز الحجز على المدين إذا زادت ديونه الحالة على ماله “.

كما جاء في القانون المدني المصري في (مادته 249) على أنه : ” يجوز أن يشهر إعسار المدين إذا كانت أمواله لا تكفي لسداد ديونه المستحقة الأداء”. وبناء على ذلك فإن العديد من القانونيين يرون فرقًا بين حالتين من الإعسار وهما الإعسار القانوني والإعسار الفعلي:

  • الإعسار القانوني : حالة قانونية تنشأ عن زيادة ديون المدين المستحقة الأداء على حقوقه، ويجب شهرها بناء على حكم قضائي يجعل المدين في حالة إعسار.[2]
  • الإعسار الفعلي : ارتفاع مستوى ديون المدين المدني المستحق دفعها وغير المستحق دفعها عن مستوى حقوقه أو تساويهما معًا في وقت معين بحيث يُعتبر المدين معسرًا بداية من هذا الوقت.[3]

وهناك نوعان من الإعسار بموجب قانون الإعسار الأردني الجديد، وهما الإعسار الفعلي والإعسار الوشيك، وقد عرفت (المادة 2) من قانون الإعسار الأردني الإعسار الوشيك بأنه : ” الحالة التي يتوقع فيها أن يفقد المدين القدرة المستقبلية على سداد ديونه عند استحقاقها خلال ستة أشهر رغم قدرته الحالية على سدادها”.

بيد أن الإعسار الفعلي يشير إلى الإعسار القانوني أو الإعسار بشكل عام، فهو يشير إلى وجود التزام أكبر قيمة من قيمة سائر الأصول المملوكة، أو قد يشير إلى توقف المدين عن سداد ديونه المستحقة بطريقة منتظمة.

ومن ثم يتضح لنا أن مفهوم الإعسار في ظل قانون الإعسار الجديد قد تميز عن مفهومه في القوانين الأخرى وكذلك في كتب الفقه، بحيث أنه يقتضي ألا يكون هناك سيولة مالية كافية لدى المدين تسمح له أن يسدد ديونه، ومن ثم يتوقف عن سداد ديونه

ثانيًا: الفرق بين الإعسار والإفلاس

بما أنه لم يتطرق للحديث عن الإفلاس بالتعريف فيما سبق لأنه ليس موضوع مقالنا، مما يوجب تعريفه قبل أن نفرق بينه وبين الإعسار. فهو نظام يتم تطبيقه على التجار ويهدف لتنظيم التنفيذ الجماعي على أموال التاجر المدين عندما يتوقف عن الوفاء بديونه في مواعيد استحقاقها، وذلك بواسطة قواعد تكفل للدائنين الحصول على حقوقهم في نطاق الأموال التي يملكها التاجر المفلس.

وقد كفل نظام الإعسار حماية للمدين وأيضًا لدائني المدين، ونشير إلى أن الإفلاس التجاري والإعسار المدني يتفقان في أمرين: أنهما نظامين الغرض منهما إجبار المدين على سداد ديونه، كما أنهما يهدفان لتوزيع أموال المدين على الدائنين بعد تصفيتها.

ويمكن أن نفرق بين الإفلاس والإعسار فيما يلي:

  • من غير الجائز شهر إعسار المدين إلا بموجب طلب من أحد الدائنين أو من المدين المفلس، بيد أنه يجوز للمحكمة أن تشهر إفلاس التاجر من تلقاء نفسها أو من النيابة العامة، أو من أحد الدائنين، أو من المدين نفسه.
  • يؤثر الإفلاس على حقوق المدين السياسية والمهنية، وقد يقيد حريته الشخصية، بيد أن شهر الإعسار لا يؤثر على حقوق المدين السياسية والمهنية وكذلك حريته الشخصية.
  • لم يجز نظام الإعسار صلحًا بموجب إقرار لأغلبية الدائنين يلتزم الجميع بأحكامه، بيد أن نظام الإفلاس أجاز إنهاء التفليسة بمثل هذا الصلح.
  • الإعسار يخضع للقانون المدني أما الإفلاس فيخضع للقانون التجاري، والإعسار حالة خاصة تتعلق بالمدين غير التاجر وهي التي تكون فيها حقوق المدين أقل من ديونه المستحقة الأداء، أما الإفلاس فهو حالة متعلقة بالمدين التاجر الذي لم يقم بدفع ديونه.
  • للمحكمة سلطة تقديرية في شهر إعسار المدين، فيحق للمحكمة في الإعسار أن ترفض شهر إعسار المدين حتى وإن كانت شروطه متوفرة في حال رأت المحكمة أن الظروف تبيح ذلك، بيد أن الإفلاس لا يشهر إلا بناء على حُكم قضائي تقوم المحكمة المختصة بإصداره في حال توفرت شروطه.
  • في حالة الإعسار فإنه من حيث المبدأ تحل الديون الآجلة بيد أن للمحكمة من خلال بعض التشريعات سلطة تقديرية في الإبقاء على الآجال أو مدها، بينما في الإفلاس تحل الديون الآجلة وجوبًا فور صدور الحكم بإشهار إفلاس التاجر.
  • في حال صدور حكم الإعسار فإن ذلك لا يوقف سريان فوائد الديون، بينما يترتب على صدور حكم الإفلاس وقف سريان فوائد الديون.
  • يجوز للمدين في الإعسار – في حال حصل على إذن من المحكمة – أن يتصرف في ماله ولو دون استئذان الدائنين، بيد أنه يُشترط أن يكون التصرف بثمن المثل، وقام المشتري بإيداع الثمن بصندوق المحكمة، أما في الإفلاس فبمجرد أن يصدر حُكم الإفلاس فإن يد المدين التاجر تُغل عن التصرف بأمواله والتحكم فيها بقوة القانون.

إن الإفلاس نظام قانوني يتم تطبيقه تحديدًا على التجار في حالتين، الأولى عندما يتوقف التاجر عن دفع الديون التجارية المترتبة عليه، حيث إن التوقف عن الدفع هو بمثابة عجز عن الوفاء بالديون المترتبة، والثانية هي عندما لا يدعم التاجر ثقة الآخرين المالية به إلا بوسائل يظهر فعلًا أنها وسائل غير مشروعة، وبالتالي يُعتبر التاجر في هاتين الحالتين مفلسًا[4]. وهذا التاجر يخضع لنظام خاص يقوم على تصفيه كافة أمواله بشكل جماعي، ومن ثم توزيع ثمن تلك الأموال على الدائنين وفقًا لقسمة الغرماء.

وثمة فارق آخر بين الإعسار والإفلاس يتمثل فيما يلي:  الإعسار هو عجز المدين الكامل عن أداء أو الوفاء بديونه لدى الآخرين، بينما يتحقق الإفلاس في حال تُيقن أن التاجر المدين توقف عن دفع الديون التجارية التي تقع على كاهله، حتى وإن كانت ديونه مستحقة الدفع أقل من أمواله، مما يترتب عليه الإفلاس، ولكن في حال إن لم يتوقف عن الدفع وأستمر في عملية الدفع وكان معسرًا، ففي تلك الحالة لا يُعد مفلسًا.

أيضًا، يؤدي الإفلاس إلى وقف جميع الإجراءات والدعاوي الفردية والعمل على تصفية جميع أمواله بشكل جماعي وتوزيع ثمنها على الدائنين وفقًا لقسمة الغرماء، بينما في الإعسار يحصل العكس، حيث يجوز لكل دائن أن يرفع دعوى تجاه المعسر لاستيفاء حقه، حتى لو كان ذلك على حساب الدائنين الآخرين.[5]

ثالثًا: أهداف قانون الإعسار الأساسية

يعمل قانون الإعسار لمصلحة الاقتصاد الوطني، وذلك بمنع تصفية المشاريع القابلة للاستثمار مما يساهم في الحفاظ على قيمة اقتصادية كبيرة، وبالتالي ويؤثر إيجابًا على الاقتصاد الشامل للبلاد.

ويُعد قانون الإعسار من القوانين بالغة الأهمية ومطلب اقتصادي كونه يعالج الكثير من القضايا المالية التي تمس التاجر المدين بحيث يضمن عدم وصوله لمرحلة الإفلاس قدر الإمكان، مما ينعكس بصورة إيجابية على الوضع الاقتصادي كما وجاء القانون استجابة لمتطلبات القطاع الاقتصادي من خلال إيجاد نظام تشريعي لمعالجة إعسار المدين سواء كان شخصًا اعتباريًا أو طبيعيًا وتشجيعه على تصويب أوضاعه المالية وتمكينه من الخروج من حالة التعثر التي تعرض لها.[6]

ويُمكن أن نلخص أهداف قانون الإعسار الأساسية فيما يلي:

1_ حماية موجودات الإعسار

من أهداف قانون الإعسار حماية موجودات الشخص المدين المعسر التي تخضع لإجراءات الإعسار وذلك حتى لا تتناقص قيمتها بسبب يعود للإجراءات التي تم اتخاذها من قبل أطراف الإعسار، وإدارة إجراءات الإعسار بشكل عادل ومنظم، دون أي إجراءات أحادية يتخذها الدائن أو المدين، فإجراءات الإعسار وفق قانون الإعسار تعتبر إجراءات جماعية تحمي مصالح كافة الأطراف.

2_ حماية الدائن

يضع الدائنون في حسبناهم دومًا تصور فشل المدين في السداد، ولذلك فهم يسعون دومًا للحصول على حق ضمان بغرض حماية مصالحهم في البيئة الاستثمارية، ما يستتبع تحفيز الاستثمار ويعود بالنمو والاستقرار على البيئة الاجتماعية والاقتصادية.

3_ حماية المدين المعسر

يتيح نظام الإعسار الفرصة للشركات المتعثرة أن تتفادى الإفلاس والتصفية، وذلك بأن أعطاها فرصة لتصويب أوضاعها في ظل ظروف اقتصادية قاسية شهدها ولازال يشهدها العالم نتيجة أزمة فيرس كورونا المستجد، أو أن تقوم الشركة بإنهاء نشاطها أو الخروج من السوق، وما ينطبق على ما يتيحه قانون الإعسار للشركات يسري على الأفراد أيضًا.

إعداد : حسام عبد العاطي

[1] ياسين محمد الجبوري، الوجيز: شرح القانون المدني الأردني، الجزء الثاني، الأحكام المنظمة للالتزام، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان. الطبعة الأولى، ص 366.

[2] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، جزء 2، المجلد الثاني، آثار الالتزام، ط2، ص 1029، 1210

[3] مرقس سليمان، الوافي في توضيح القانون المدني، الجزء الثاني، الالتزام، المجلد 4، أحكام الالتزام، دار الفكر العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثانية، ص 398

[4] طارق عبد الرؤوف رزق، قانون التجارة الكويتي رقم (68) لسنة 1980 وتعديلاته، دار مؤسسة الكتب، الكويت، الطبعة الأولى، ص 83.

[5] حسني المصري، الوجيز في الإفلاس، ص 3

[6] منار إبراهيم أحمد، قانون الإعسار الأردني الجديد وأفول نظام الإفلاس، ص 21 و 22.

Photo by Monstera on Pexels.com

تنازع القوانين المكاني والزماني وشروطه

تنازع القوانين المكاني والزماني وشروطه

تنازع القوانين هو مجموعة القواعد التي توضع بواسطة المشرع بكل دولة من أجل إسناد علاقة قانونية ذات عنصر أجنبي إلى أكثر القوانين ملائمة له. وسنبين هنا ما هو تعريف تنازع القوانين، والتنازع المكاني ،والزماني، وشروطهما.

ومهمة الإسناد تنتهي بمجرد بدء مهمة القانون المسند له الاختصاص ولهذا تسمى في بعض الأحيان بقواعد الإسناد وعرفت بتنازع القوانين كونها تفض التنازع.

ومن أهمية تنازع القوانين أنها جاءت بهدف إيجاد حلول لمواضيع إسناد تطبيق القانون لدولة ما بعد تشعب علاقات الأشخاص الذين ينتمون لأكثر من دولة، ولأن القوانين المعمول بها في تلك الدولة تكون مختلفة بتفاصيلها في غالب الأحيان، وذلك هو ما خلق مصطلح التنازع بين القوانين.

جدول المحتويات

تعريف تنازع القوانين :

التنازع المكاني والتنازع الزماني :

شروط تنازع القوانين :

وسوف نتناول في مقالنا، تعريف تنازع القوانين، وتعريف بالتنازع المكاني والتنازع الزماني، وأخيرًا شروط تنازع القوانين.

تعريف تنازع القوانين :

كلما اتصلت الحالة القانونية بعنصر أجنبي بمعنى اتصالها بأكثر من قانون واحد، فعلى سبيل المثال إن ثار نزاع بصحة زواج أردنيين مقيمين في مصر كان للحالة القانونية اتصال بالقانون الأردني بوصفة قانون جنسية الزوجين وبالقانون المصري باعتباره قانون جنسيتهما.

وذلك لا يعني بالطبع أن تناحرًا وتشاحنًا قد نشأ يسن الدولة الأردنية والدولة المصرية بسبب هذه الحالة القانونية، وإنما يقصد بقيام التنازع أن هنالك تعارضًا في الحلول التي يقدمها كل من القانون الأردني والقانون المصري.

وفي مثل هذه الحالة يتصل كل من قانون الدولتين بالنزاع بظرف خاص ويبدو لنا أن كلًأ منهما قابل للتطبيق وله سنده، ويتم فض هذه الحالة بإعمال قواعد معينة تسمى بقواعد تنازع القوانين أو الإسناد، ووظيفة هذه القواعد هي تحديد القانون المختص، أو تحديد الاختصاص التشريعي بواسطة ترجيح ظرف من ظروف العلاقة يكون هو أكثر ملائمة للحالة القانونية.

حماية المصالح الخاصة بما يكفل تحقيق العدالة،

والاعتبار الغالب الذي يعتد به المشرع الوطني عند اختياره لظرف الإسناد هو حماية المصالح الخاصة بما يكفل تحقيق العدالة، وبما يحقق حاجات المعاملات الدولية دون المساس بمصالح الدولة السياسية.

وبناء على ما سبق يُمكن تعريف تنازع القوانين بأنه : اختيار القانون الأنسب والعادل لفض الحالة المعروضة أمام القاضي والمشوبة بعنصر أجنبي حتى ولو كان هذا القانون المقترح لفض النزاع غير قانون القاضي.

وفسح المجال للقانون الأجنبي بدلًا من القانون الوطني في هذه الحالة سيكون بناء على رغبة المشرع الوطني، حين رجح القانون الأجنبي باعتباره أكثر ملائمة لحكم العلاقة القانونية، والتنازع إن كان هنالك تنازع لا يقوم إلا في ذهن المشرع الوطني على شكل موازنة ومفاضلة يجريها بين قوانين مختلفة.

التنازع المكاني والتنازع الزماني :

تنازع القوانين في المكان هو التنازع الذي يحدث بين قوانين دول مختلفة يطبق كل منها في حدود مكانية معنية، تمييزًا له عن صورة أخرى مقابلة يسمى فيه بتنازع القوانين في الزمان، وهو التنازع الذي ينشأ عن تعاقب القوانين ذات الموضوع الواحد في حدود دولة واحدة.

التنازع الزمني

والتنازع الزمني يحدث عندما يلجأ المشرع الوطني لإلغاء تشريع معين، وإحلال تشريع آخر محله يراه ملائمًا بحاجة المجتمع، والحد الفاصل الذي يبين نهاية تطبيق القانون القديم، وبدية تطبيق القانون الجديد هي ما يُطلق عليها (التنازع الزمني للقوانين) وبمعنى آخر فموضوع التنازع المكاني ليس هو تحديد مدى ولاية القانون في المكان، بل يجيء هذا التحديد كنتيجة لاحقة لتعيين القانون المختص، والتنازع الزمني للقوانين هو تحديد نطاق تطبيق القانون في الزمان.

قواعد تنازع القوانين

ويُطلق على قواعد تنازع القوانين اسم (قواعد الإسناد) وذلك لأن وظيفة قواعد تنازع القوانين من حيث المكان تنحصر في إسناد العلاقة القانونية المشوبة بعنصر أجنبي إلى أحد القوانين المتنازعة لحكمها.

والتفرقة بين التنازع الزمني والتنازع المكاني تظهر جلية في حال اقترن عنصر الزمان بعنصر المكان، كما في حالة التنازع الناشئ عن تعاقب قواعد تنازع القوانين في المكان أو قواعد الإسناد في تشريع معين، وكما في حالة التنازع الناشئ عن انتقال ظرف الإسناد وهو ما يسمى بالتنازع المتحرك.

ففي حال قضت قاعدة الإسناد بأن مركز المال يخضع لقانون موقعه، فإنه يترتب على انتقال المنقول من إقليم إلى إقليم آخر تنازعًا بين قانون الموقع القديم وقانون الموقع الجديد، وفي حال نص الشارع مثلًا على أن حالة الشخص وأهليته تخضع لقانون جنسيته، فإنه يترتب على تغيير الشخص لجنسيته تنازع بين قانون جنسيته القديم، وقانون جنسيته الجديد.

الفرق بين التنازع الزماني والمكاني

والجدير بالذكر أنه قد ثار خلاف بين شراح القانون فيما يتعلق بهذا التنازع، ولكن من الواضح أن فيصل التفرقة بين التنازع المكاني والتنازع الزمني هو وحدة السيادة التي تصدر عنها القوانين المتنازعة، أو تعدد السيادات التي تصدر عنها تلك القوانين، وبعبارة أكثر وضوحًا، يكون التنازع مكانيًا إذا قام بين قانونين أو قوانين تصدر عن عدة سيادات، أو عن مشرعين مختلفين، ولو كانت هذه القوانين متعاقبة، ويكون التنازع زمنيًا إذا نشأ بين قانونين صادرين عن سيادة، واحدة، ومشروع، واحد.

فكلما كان التنازع مكانيًا فإن حله يكون بإعمال قواعد الإسناد التي يضعها المشرع الوطني، وإلى مصادر القانون الدولي الخاص الأخرى عند افتقاد النص، لتعيين القانون الواجب التطبيق، لتعيين القانون الواجب التطبيق، ويفض التنازع بإسناد العلاقة القانونية إليه ليحكمها. وكلما كان التنازع زمنيًا يتم حله وفق الأصول الخاصة بتنازع القوانين في الزمان.

أحوال التنازع

ومما سبق يتضح أن كل حالة من أحوال التنازع تمر العلاقة القانونية بمرحلتين :

المرحلة الأولى : تعيين القانون الواجب التطبيق أي إسناد العلاقة القانونية لقانون.

المرحلة الثانية : تطبيق هذا القانون على العلاقة ذات العنصر الأجنبي.

وكل دولة تضع لنفسه ما تراه ملائمًا من قواعد إسناد، ويُلاحظ اليوم ظهور قواعد موضوعية تقدم حلولًا مباشرة للقواعد القانونية المتضمنة عنصرًا أجنبيًا، وتظهر مثل هذه القواعد إما بمقتضى قرارات قضائية، أو بمقتضى اتفاقيات دولية.

شروط تنازع القوانين:

لقيام تنازع القوانين في القانون الدولي الخاص فلابد من توافر عدة شروط، سنتطرق إليها فيما يلي :

وجود عنصر أجنبي في العلاقة القانونية :

لقيام تنازع القوانين الدولي فلابد من وجود عصر أجنبي يشوب العلاقة القانونية بسبب اختلاف محل انعقادها، أو مكان وجود المال، أو بسبب اختلاف جنسية أطرافها، وتنازع وتزاحم قوانين أكثر من دولة واحدة على حكمها.

فعندما تكون العلاقة القانونية بها عنصر أجنبي ترى كل دولة من هذه الدول التي اتصلت بها هذه العلاقة أن لها مصلحة في تطبيق قانونها عليها، كزواج يتم بين أردني وسورية في مصر، فإذا حصل تنازع في هذه العلاقة القانونية يُعتبر ذا عنصر أجنبي بسبب اختلاف جنسية أطرافها، ومكان انعقادها، مما يجعل القوانين الأردني، والسوري، والمصري، تتنازع في حُكم هذا النزاع.

أن يكون التنازع بين قوانين دولة ذات سيادة :

التنازع في القوانين في نطاق القانون الدولي الخاص لا يقوم إلا بين دول ذات سيادة، كالتنازع بين القانون (المدني المصري والمدني الأردني). ومثال ذلك أن يتعاقد أردني في عمان مع آخر في القاهرة بالمراسلة، أو بالتليفون أو بالفاكس، فهل يحكم العقد القانون المدني الأردني أم القانون المدني المصري ؟

وعلاقات القانون الدولي الخاص كما هو واضح ولو أنها تتعلق بالسيادة بطريقة غير مباشرة إلا أنها تتعلق أولًا وقبل كل شيء بالأفراد.

وقواعد تنازع القوانين لا تُطبق على التنازع بين قانون دولة، وقانون جماعة لا تكون دولة طبقًا لأحكام القانون الدولي العام، وذلك سواء أكانت جماعة تعيش على إقليم، أم أمة لم تكتمل بعد عناصر تكوين الدولة لديها.

وقد قضت المحاكم المختلطة في مصر، بأنه طالما مصر لم تعترف بحكومة روسيا السوفيتية فإن القانون الروسي القديم يكون هو القانون الواجب التطبيق في قسمة تركة روسي توفي في مصر.

أن يكون التنازع بين قوانين خاصة :

يتعين أن يكون تنازع القوانين الدولي بين القوانين الخاصة مثل ( القانون التجاري، وقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني) وذلك لأن القانون الخاص لا يهتم إلا بالحياة القانونية الخاصة الدولية للأفراد على أساس أن الهدف الأصلي والمباشر للقوانين الخاصة هو حماية الحقوق الخاصة للأفراد، وإن كان في تحقيق هذه المصالح الخاصة مصلحة عامة بصورة غير مباشرة، وذلك بخلاف القوانين العامة التي تهدف في الأصل إلى تحقيق المصلحة العامة للمجتمع.

ومن ثم لا يقبل التنازع بين القوانين العامة لأنها تكون مرتبطة بالمصلحة العامة مباشرة وكذلك بسيادة الدولة التي أصدرتها، مثل (القانون المالي، والقانون الجنائي، والقانون الدستوري، والقانون الإداري) بحيث تستند هذه القوانين إلى مبدأ التطبيق الإقليمي المُطلق انطلاقًا من فكرة سيادة الدولة.

أن يتسامح المشرع الوطني ويقبل تطبيق قانون دولة أخرى في إقليمه على العلاقات المشوبة بعنصر أجنبي:

وذلك لأنه في حال تمسك المشرع الوطني بالإقليمية المُطلقة أو بالشخصية المطلقة في تطبيق قانونه الوطني في كافة ومختلف الحالات لا يحصل عندئذ أي تنازع قوانين، ويكون قانون القاضي هو الواجب تطبيقه لعدم قبوله منازعه أي قانون أجنبي في حكم العلاقة القانونية.

وجود اختلاف بين أحكام القوانين المتنازعة :

يتعين وجود اختلاف في القوانين حتى يوجد تنازع، ولكن هذا الاختلاف ينبغي ألا يبلغ درجة التعارض في الأسس التي تقوم عليها أنظمة القوانين المتنازعة، وإلا ترتب على ذلك تنافر بين فهم كل دولة للمفاهيم القانية للدول الأخرى، مما يؤدي إلى عدم وجود تسامح في قبول تطبيق القانون الأجنبي المتضمن لأفكار تختلف اختلافًا جوهريًا عن الأسس والمبادئ التي تقوم عليها قوانينها.

وأفضل مثال على ذلك ما نجده من أن قواعد تنازع القوانين في الدول الأوروبية، مع أنها توجب الأخذ بقانون الجنسية في الأحوال الشخصية إلا أن المحاكم هناك لا تستجيب لمسلم إذا أراد أن يعقد عقد نكاح للمرة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، حسب ما يجيزه قانونه الشخصي المبني على الشريعة الإسلامية، وذلك بسبب أن تعدد الزوجات ممنوع ومخالف للنظام العام في قوانين تلك الدول، ومن ثم نجد أن اختلاف جوهري كهذا يؤدي إلى النفور من القواعد الأجنبية، ورفضها مع كونها واجبة التطبيق حسب قواعد تنازع القوانين.

مبدأ لمحكمة التمييز في التنازع الزماني

استقر الاجتهاد على أن كل قانون يحكم الوقائع التي تمت في ظله لأن الأصل في مبدأ تنازع القوانين هو عدم رجعية القانون أي عدم سريان القانون الجديد على الوقائع التي حدثت قبل نفاذه ما لم يرد نص صريح يتضمن سريان القانون الجديد على الوقائع السابقة لنفاذه وحيث أن كفالة الشركة المدعية للمدينين في الكمبيالة قد وقعت في ظل القانون رقم 1 لسنة 1989 وقبل سريان قانون الشركات الأردني  رقم 22 لسنة 1997 فإن قانون الشركات رقم 1 لسنة 1989 هو الذي يحكم فصل النزاع في هذه الدعوى ولا محل للمجادلة في ذلك وحيث أن محكمة الاستئناف طبقت أحكام القانون رقم 22 لسنة 1997 على وقائع النزاع وفصلت الدعوى على هدي أحكام المواد 60 و 61 من ذات القانون ولم تقم بتطبيق القانون رقم 1 لسنة 1989 الواجب التطبيق الذي عالجه النزاع محل الدعوى بالمادة 60/ب منه فيكون إصرارها واقعاً في غير محله في الحدود المشار إليها وليس للأسباب الواردة بقرار الهيئة العادية لمحكمة التمييز.

Photo by Sora Shimazaki on Pexels.com

حوالة الدين شروطها وانعقادها ونفاذها

حوالة الدين هي الوجه القانوني الآخر للحوالة المدنية، والمشرع الأردني تناول مفهوم حوالة الدين وفقًا لما جاء في المادة (993) من القانون المدني والتي قصدت فيه أن الحوالة نقل للدين والمطالبة من ذمة إلى ذمة شخص آخر، وذلك يعني أن الحوالة هي اتفاق يفترض التزامًا يستبدل فيه أحد طرفيه (الدائن أو المدين) مع إبقاء الالتزام كما كان قبل الاستبدال.

وقد تناولنا في مقال منفصل حوالة الحق  في القانون المدني وأحكامها وشروطها وماهي الأعمال التي تقبل الحوالة ، وقبول الحوالة وأثرها القانوني.

والجدير بالذكر أن مصدر تعريف المادة (993) من القانون المدني الأردني يعود بالرجوع إلى المادة (876) وكذلك المادة (673) م مجلة مرشد الحيران.

جدول المحتويات 

تعريف حوالة الدين :

الحوالة المطلقة والحوالة المقيدة :

شروط حوالة الدين :

انعقاد حوالة الدين :

نفاذ حوالة الدين :

وسوف نتناول فيما يلي تعريف حوالة الدين، والحوالة المقيدة والمطلقة، وشروط حوالة الدين.

تعريف حوالة الدين :

تُعرف حوالة الدين بأنها : العمل القانوني الذي يدخل بموجبه شخص كمدين في التزام قائم دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير في مفهوم الالتزام ومضمونه في عقد بين المدين الأصلي وشخص آخر يتم بموجبه نقل الدين من ذمة المدين المحيل، إلى ذمة ذلك الشخص الذي يسمى المحال عليه.

وعرفها البعض الآخر بأنها : اتفاق ينتقل به عبء الدين من المدين الأصلي إلى شخص آخر يتحمل عنه تبعة الوفاء بهذا الدين للدائن.

وعرفها آخر بأنها : نقل الدين والمطالبة من ذمة المدين إلى ذمة شخص آخر.

وباستقراء المفاهيم السابقة لحوالة الدين يتضح أنها تتفق من حيث المضمون هنا بالتغير السلبي للالتزام والمتمثل في المحيل الذي أصبح مدينًا في حوالة الدين، بعد أن كان دائنًا في حوالة الحق وأصبح ينقل عبًئًا ماديًا مترتبا في ذمته بعد أن كان ينقل في حوالة الحق حقًا مترتبًا له في ذمة آخر.

شروط حوالة الدين :

نظم كل من المشرع الأردني والمشرع المصري الشروط التي تنعقد بها حوالة الدين وصور انعقادها وشروط نفاذها في مواجهة المحال له، واشترط المشرع الأردني مجموعة شروط لصحة الحوالة المدنية لديه، يترتب على مخالفتها البطلان.

انعقاد حوالة الدين :

حوالة الدين تنعقد بتراضي المتعاقدين فيها على انعقادها، انعقادًا صحيحًا وخاليًا من عيوب الإرادة من تدليس أو غلط أو إكراه وأن يكون لها محلًا تضاف له، وتتوافر فيه الشروط العامة بأن يكون ممكنًا ومعينًا أو قابلًا للتعيين تعيينًا نافيًا للجهالة والسبب فيها يجب أن يكون مشروعًا.

وحوالة الدين تنعقد بصور مختلفة سنبينها فيما يلي :

المسألة الأولى : رضاء المحيل والمحال عليه

تناول المشرع الأردني هذه الصورة لانعقاد حوالة الدين وفقًا لما جاء بالمادة (996/ 2) من القانون المدني الأردني والتي تنص على : ” تنعقد الحوالة التي تتم بين المحيل والمحال عليه موقوفه على قبول المحال له ” . وإضافة إلى شرطي الإعلان أو القبول لنفاذ حوالة الدين في مواجهة المحال له فقد اشترط المشرع شرطًا آخر، نصت عليه المادة (997) من القانون المدين الأردني وهو أن يكون المحيل مدينًا للمحال له، وهذا الشرط يُعتبر تأكيدًا لحوالة الدين التي تتم بصورتها الغالبة بين المحيل والمحال عليه.

والحكمة من اشتراط كون المحيل مدينًا للمحال له يأتي ليضع حدًا فاصلًا بين الحوالة والوكالة، ولكن فيما يتعلق بالمحال عليه فلا يشترط أن يكون مدينًا للمحيل وذلك ما ذهبت إليه الفقرة الثانية من المادة (779) من القانون المدني الأردني، والحكمة من ذلك أن مديونية المحال عليه للمحيل ليست بشرط صحة، بل تنعقد مع ذلك الحوالة وتصح.

وقد تناولت المادة (315) من القانون المدني المصري هذه الصورة لانعقاد حوالة الدين فنصت على أنه : ” تتم حوالة الدين باتفاق بين المدين وشخص آخر يتحمل الدين “.

وفقًا لما جاء في نص المادة السابقة فإن حوالة الدين تنعقد بين المحيل وشخص آخر يتحمل عنه الدين دون تدخل من الدائن في ذلك، وتتم بين المحيل ” المدين الأصلي ” والمحال عليه ” المدين الجديد “، وعلى الرغم من أن هذه الصورة لانعقاد الحوالة تتم بعيدًا عن الدائن إلا أنه وحرصًا على مصلحته باعتباره صاحب الحق وهو بذلك أولى بالرعاية، فلا تسري آثار هذه الحوالة في حقه إلا بإقراره لها وإن كانت ملزمة للمتعاقدين عليها فقط قبل مرحلة الإقرار لها.

وقررت محكمة النقض المصرية في هذا الخصوص الآتي : ” مفاد نص المواد 315/316/321 مدني مصري أن حوالة الدين تتحقق إما باتفاق المدين الأصلي والمحال عليه الذي يصبح بمقتضاه مدينًا بدلًا منه، ولا ينفذ في مواجهة الدائن بغير إقراره، وإما باتفاق الدائن والمحال عليه، بغير رضاء المدين الأصلي “.

شروط انعقاد حوالة الدين

وبالرجوع لنص المادة (1000) من القانون المدني الأردني نجد أنها نصت على مجموعة من الشروط الخاصة لانعقاد الحوالة المدنية منفردًا فيها عن المشرع المصري، ورتب على مخالفتها بطلان الحوالة، وسنتطرق لتلك الشروط فيما يلي :

أولًا : أن تكون الحوالة منجزة

وهذا الشرط يجب ان تكون الحوالة منجزة وغير معلقة إلا على شرط ملائم أو متعارف، ولا مضاف فيها العقد إلى مستقبل

وذلك بمعنى أن تكون الحوالة منجزة وإذا علقت بشرط فإنه يجب أن يكون هذا الشرط مناسبًا أو ملائمًا، ولا يؤدي لتعسف لمن كان الشرط في مصلحته، مما يترتب عليه تفويت الهدف الذي شرعت لها الحوالة وهي التسهيل في نقل الديون وكذلك وفائها واستيفائها.

وفيما يتعلق لإضافة العقد إلى المستقبل، فالحق المستقبلي إذا توفرت أحد أركان تحققه فحوالته تكون جائزة، وذلك استنادًا إلى القاعدة الفقهية التي تقول ” غلبة الظن تقوم مقام اليقين ” أي أن توقع الحصول ظنًا مع صحته يقوم مقام اليقين فيه.

ثانيًا : أن يكون الأداء فيه مؤجلًا إلى أجل مجهول

بمعنى أن تأقيت الأداء بالحوالة يفسدها ومؤدى ذلك أن التأجيل بالأداء إلى الأجل المجهول ينافي طبيعة الحوالة أو لا يتطابق مع طبيعتها، ومن ثم يؤدي إلى النزاع الذي يفسدها.

ثالثًا : أن تكون مؤقته بموعد

وسبب ذلك أن التأقيت إلى الأجل المجهول ينافي طبيعة الحوالة، فلو قبل شخص الحوالة لمدة عام واحد فلا حوالة أصلًا، وذلك لأن السنة تدخل الحوالة في التأقيت المجهول جهالة فاحشة وهو الأمر الذي ينافي محل الحوالة، وعلى تقدير ذلك فالحوالة المؤجلة لمدة أجل معلوم كأسبوع واحد مثلًا لحصاد زراعة ما فهي آجال لا غرر فيها فتصح بها الحوالة.

رابعًا : أن يكون المال المحال به دينا معلوما يصح الاعتياض عنه

وذلك يتفق مع الهدف من اشتراطه، وذلك لأن الحوالة تقتضي شغل ذمة المحال عليه بالدين ولا تشغل الذمة بمجهول، فيشترط في الحوالة أن يكون الدين المحال به معلومًا.

ويتعين لهذا الدين أن يكون دينًا لازمًا قياسًا له على الكفالة، وذلك لأن الكفالة والحوالة عقدًا التزام بما على المدين الأصيل، وكل دين تصح به الكفالة تصح حوالته، وذلك بحسب نص المادة (688) من مجلة مرشد الحيران، وفيما يتعلق بشرط الاعتياض فهو شرط صحة، فما لا يصح الاعتياض عنه لا تصح به الحوالة رغم لزومه.

خامسًا : أن يكون المال المحال به على المحال عليه في الحوالة المقيدة عينًا أو دينًا لا يصح الاعتياض عنه وأن يكون كلا المالين متساويين جنسًا وقدرًا وصفة

وهدف هذا الشرط هو حفظ حق المحال له في الحوالة المقيدة التي قيد بها دين الحوالة، ومثال ذلك لو أن المحال عليه كان في ذمته دين للمدين الأصلي، وأن الحوالة حين تمت بينهما تمت على أساس أن يؤدي المحال عليه الدين المحال به مما في ذمته للمدين الأصلي.

ولأن هذه الحوالة تُعتبر مقيدة بوفاء الدين المحال به من الدين الذي في ذمة المدين الأصلي فاشترطت لذلك ألا يصح الاعتياض بهذا الدين باعتباره مقيدًا بمقداره لمصلحة المحال له.

وفيما يتعلق بشرط التساوي بين الدينين المحال به والمحال عليه فإن مفاد ذلك ما يشمل الرداءة والجودة والتأجيل والحلول وأيضًا قدر الأجل، وليس صفة التوثيق برهن أو ضمان ومن ثم فإن الاختلاف بينهما لا تصح به الحوالة، والحكمة من ذلك أن الحوالة عبارة عن عقد إرفاق يُقصد به الإيفاء والاستيفاء، فلو أذن بالتفاوت ثبت فيها التغابن وهو أمر لا يتفق وموضوع الحوالة.

سادسًا : أن تكون إرفاقا محضًا وألا يكون فيها جعل لأحد أطرافها بصورة مشروطة أو ملحوظة

وذلك يعني أن الحوالة لا تقترن بمنفعة على اعتبار أن هذه المنفعة من باب الربا الذي يمنعه القانون المدني الأردني، فالحوالة وفقًا لما ظهر من موقف المشرع الأردني أداة تعاقدية بيد أنها عاجزة عن أثراء المعاملات التجارية، وذلك لأن هدف العمل التجاري هو الكسب والربح، وهو الأمر غير المتوافر في الحوالة فقد جاءت ذات صيغة إرفاقيه بهدف سد أي تذرع بالجعل أو بالربح.

وقد رتب المشرع الأردني على انتفاء أحد هذه الشروط بطلان الحوالة، وفقًا لما جاء بالمادة (1001) من القانون المدني الأردني والتي تنص على الآتي : ” تُبطل الحوالة إذا انتفى أحد شرائط انعقادها ويعود الدين على المحيل “.

المسألة الثانية : رضاء المحال له والمحال عليه

وهذه الصورة لحوالة الدين تمتاز بأن الدائن هو صاحب الدين وهو الذي يتولى تحويله من مدينه الأصلي إلى المحال عليه ” المدين الجديد ” ومن ثم بالاتفاق يتم مباشرة دون أن يتوقف ذلك على رضاء المدين الأصلي ” المحيل ” .

والمشرع المصري لم يشترط لانعقاد الحوالة بهذه الصورة شكلًا خاصًا وإنما تسري عليها القواعد العامة بشأن إثبات انعقادها مع ملاحظة أن رضا المحال عليه هنا يجب أن يكون دالًا على موافقته على إحلال نفسه محل المدين الأصلي في أدائه وليس الاشتراك معه بالدين، والمادة (1009) من القانون المدني الأردني جاءت بهذه الصورة لانعقاد حوالة الدين بيد أنها اشترطت رضاء المحيل.

نفاذ حوالة الدين :

نص المشرع الأردني في المادة (996/2) من القانون المدني على الآتي ” تنعقد الحوالة التي تتم بين المحيل والمحال عليه موقوفه على قبول المحال له “.

وكذلك نصت المادة (316) من القانون المدني المصري على التالي :

  • لا تكون الحوالة نافذه في حق الدائن إلا إذا أقرها.
  • إذا قام المحال عليه أو المدين الأصلي بإعلان الحوالة إلى الدائن وعين له أجلًا معقولًا ليقر الحوالة، ثم انقضى الأجل دون أن يصدر الإقرار اعتبر سكوت الدائن رفضًا للحوالة.

ونجد هنا أن النصين السابقين قد اشترطا إقرار الدائن أو قبوله لنفاذ الحوالة في حقه، لاسيما في الصورة التي تنعقد بها حوالة الدين بين المحيل والمحال عليه.

ونفاذ حوالة الدين في حق الدائن يُقصد بها إمكان الاحتجاج عليه بآثارها وإجازة تمسكه بها على طرفيها، بمعنى آخر أن انتقال الدين من المدين الأصلي إلى المدين الجديد يكون ساريًا في حق الدائن فتبرأ ذمة الأول ويصبح الثاني وحده المدين للدائن، وهو المطالب بقيمة الدين المحال به منه.

نفوذ الحوالة بأثر رجعي

والجدير بالذكر أن الإقرار بأراد منفردة، يتعين حتى تنتج آثارها أن تصل إلى علم المدين ” المحيل” أو المحال عليه، ومتى أقر الدائن الحوالة نفذت في حقه بأثر رجعي، وقبل وصول الإقرار إلى علم أيًا من المحيل أو المحال عليه فيجوز لهما أن يتفقا معًا على العدول عن الحوالة، بما يناسبهما وبما يتفقا عليه ولا يكون للحوالة بهذه الحالة أثر رجعي حتى لو صدر إقرار الدائن بعد علمه بهذا العدول أو التعديل، ولكن منذ انعقاد حوالة الدين فلا يكون لأي من المحيل أو المحال عليه الرجوع بالحوالة أو التعديل بها بعد وصول الإقرار لأيهما.

والإقرار قد يكون صريحًا وقد يكون ضمنيًا، وإقرار الدائن بالحوالة لا يُنشئ عقدًا جديدًا، باعتباره قبولًا ترتب أثره منذ وقت الإقرار، بل أن الرأي السائد هو أن للإقرار أثر رجعي يستند إلى وقت انعقاد الحوالة.

Photo by RODNAE Productions on Pexels.com