المذهبان الشخصي والمادي في الالتزام

المذهبان الشخصي والمادي في الالتزام

7 – الرابطة القانونية ما بين الدائن والمدين : تبين مما قدمناه أن الحق الشخصي ، أي الالتزام ، يقوم على رابطة قانونية ما بين الدائن والمدين ، ويسميها الرومان : juris vinculum .

ولم تثبت هذه الرابطة على حلا واحدة ، بل إنها تطورا . فكانت في أول أمرها سلطة تعطي للدائن على جسم الممدين العلى ماله ، وكان هذا هو الذي يميز بين الحق العيني والحق الشخصي ، فالأول سلطة تعطي للشخص على شيء ، والثاني سلطة تعطي للشخص على شخص آخر . وكانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة ، يدخل فيها حق الإعدام وحق الاسترقاق وحق التصرف . ثم تلطفت هذه السلطة فصارت مقصورة على التنفيذ البدني بحبس المدين مثلا . ولم يصل الدائن إلي التنفيذ على مال المدين إلا بعد تطور طويل . فأصبح للالتزام ، منذ عند الرومان ، مظهران : مظهر باعتباره رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين ، ومظهر باعتباره عنصراً مالياً يقوم حقاً لذمة الدائن ، ويترتب ديناً في ذمة المدين .

ولا يزال الالتزام محتفظاً بهذين المظهرين إلي الوقت الحاضر وإن اختلفت المذاهب فيه . فمذهب يغلب الناحية الخصية ، وهو المذهل الفرنسي التقليدي الموروث عن القانون الروماني ، ومذهل يعلب الناحية المالية وهو المذهل الألماني الحديث .

8 – المذهل الشخصي في الالتزام : أما المذهل الشخصي ( theorie subjective ) فيري الأمر الجوهري في الالتزام هو أنه رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين . وهذا ما حمل الأستاذ بلانيول على أن يزيد في تعريف الالتزام فكرة الرابطة الشخصية . فهو يعرف الالتزام بأنه علاقة قانونية ما بين شخصين بمقتضاها يكون لأحدهما وهو الدائن الحق فى تقاضي شيء معين من الآخر وهو المدين .

وأشهر من قال بالمذهب الشخصي من فقهاء الألمان سافيني ( savigny ) . فقد كان يري الالتزام رابطة شخصية تخضع المدين للدائن ، وقي صورة مصغرة من الرق . فالسلطة ( Herrschaft ) التي تمنح لشخص علي شخص آخر قد تستغرق حرية من يخضع لهذه السلطة ، وهذا هو الرق الكامل والملكية التامة . وقد لا تتناول السلطة إلا بعض هذه الحرية وإلا تمتد إلا إلي جزء من تشاط المدين ، فيترتب من ذلك حق للدائن فريب من حق الملكية ولكنه ليس إياها . فهو حق خاص بعمل معين من أعمال المدين ، وهذا ما نسميه بالالتزام . فالالتزام إذن هو سلطة معينة تمنح لشخص على شخص آخر . وتكون الملكية والالتزام في نظر سافيني شيئين من طبيعة واحدة ، ولا يختلفان إلا في الدرجة ، ففي الملكية يكون الخضوع كلياً ، وهو جزئي في الالتزام ، ولكنه موجود في الحالين .

9 – المذهب المادي في الالتزام : يتبين مما تقدم أن نظرية سافيني وهي مطبوعة بطابع القانون الروماني ، تجعل من الالتزام رابطة شخصية وثيقة ، رابطة خضوع قريب من الرق ، وتنسجها على طراز من حق الملكية .

هذه النظرية قام في وجهها فقهاء الألمان ، وعلى رأسهم جييرك ( Gierke ) ، وأبوا أن تستقر في الفقه الألماني بعد أن عملوا على تحرير قانونهم من النظريات الرومانية وغلبوا النظريات الجرمانية الأصل عليها . وقد بين جييرك أن الفكرة الجرمانية في الالتزام لا تقف عند الرابطة الشخصية كما كان الأمر في القانون الروماني ، بل تنظر إلي محل الالتزام وهو العنصر الأساسي ، وتجرده من الرابطة الشخصية ، حتى يصبح الالتزام عنصراً مالياً أكثر منه علاقة شخصية ، فينفصل الالتزام بذلك عن شخص الدائن وعن شخص المدين ، ويختلط بملحة فيصبح شيئاً ماديا العبرة فيه بقيمته المالية ( [1] ) . هذه هي النظرية المادية ( theorie objective ) للالتزام ، أم تقتصر علي ألمانيا ، فقد نشرها عي فرنسا نقلا عن المدرسة الألمانية سالي ( saleilles ) ، وهو يعتبر زعيم هذا المذهب في فرنسا ولو أن المذهب لم يسد في الفقه الفرنسي .

10 – النتائج العملية للمذهب المادي : وليس المذهب المادي مجرد مذهب نظري ، بل هو خصب في نتائجه الملية . فإن النظر إلي الالتزام باعتباره الاقتصادية في العصر الحاضر من تبسيط علي المعاملات وتيسير بها ، حني يكسب تداول الأموال مرونة تستلزمها هذه النظم ، بعد أن اشتدت حركة الإنتاج وانتشرت الصناعات الكبيرة . فالنظرية المادية تضعف الصلة ما بين محل الالتزام وشخصي الدائن والمدين . وينبني على هذا نتائج عملية هامة نذكر منها اثنتين :

 ( أولا ) لما كانت العبرة في الالتزام بمحله دون أشخاصه ، أصبح من السهل أن نتصور تغير أشخاص الالتزام ، ليس من دائن إلي آخر فحسب ، وهذا ما يسلم به التقيني الفرنسي ذاته مع أنه قد أخذ بالمذهب الشخصي ، بل أيضاً من مدين إلي آخر ، فيوجد إلي جانب حوالة الحق ( ( cession de creance حوالة الدين ( ( cession de dette . وهذا ما اعترفت به التقنينات المشبعة بالمذهب المادي ، كالتقنين الألماني والتقنين السويسري ، وعلى أثرهما سار التقنين المدني الجديد ، وقد ساير في ذلك الشريعة الإسلامية وقي تعترف بحوالة الدين . أما التقنين المدني القديم فكان على غرار القانون الفرنسي لا يعترف إلا بحوالي الحق .

 ( ثانياً ) لما كانت الرابطة الشخصية ليست هي الأمر الجوهري في الالتزام ، فمن الممكن أن نتصور وجود التزام دون دائن وقت نشوءه ، فيستند الالتزام إلي المدين وحده . ولو كانت الرابطة الشخصية قي العنصر الأول ، لما أمكن تصور التزام ينشأ دون أن يكون هناك وقت نشوئه دائن ومدين ،لأن الالتزام هو الرابطة الشخصية فيما بين هذين . فإذا لم يوجد أحدهما امتنع وجود هذه الرابطة , أما إذا أخذنا بالمذهب المادي أمكن تصور التزام يقع عبئاً في مال المدين دون أن يكون هناك دائن يقتضي المدين هذا العبء وقت وجود الالتزام ، ويكفي أن نوجد الدائن وقت التنفيذ ، ففي هذا الوقت فقط تظهر الضرورة في أن يتقدم دائن يستوفي المدين التزامه . ولاشك في أن تحليل الالتزام على هذا الوجه يفسر كثيراً من المسائل القانونية التي لا يمكن تفسيرها إذا تقدينا بالمذهب الشخصي . ونذكر من هذه المسائل ما يأتي :

 ( 1 ) التزام المدين بإرادته المنفردة لغير دائن معين : هناك حالات عملية نري فيها شخصاً يلتزم بمجرد إرادته لغير دائن معين . مثل ذلك شخص يعد بجائزة من عثر علي شيء ضائع . فالواعد هنا قد التزم بإرادته المنفردة ووجد الالتزام دون دائن ، وهو التحليل العلمي الصحيح ، لا يتفق إلا مع المذهب المادي ويستعصى على المذهب الشخصي الذي يأبي إلا أن يوجد الدائن وقت نشوء الالتزام .

 ( 2 ) نظرية الاشتراط لمصلحة الغير : إذا طبقت هذه النظرية في حالة عقد التأمين لمصلحة شخص غير معين أو شخص لما يوجد وقت نشوء الالتزام ، كما إذا أمن شخص على حياته لمصلحة أولاده ولم يكن له ولد وقت التأمين ، فإن الالتزام في هذه الحالة ينشأ دون أن وجد الدائن . ولا يمكن تفسير التزام مثل هذا إذا تقيدنا بالمذهب الشخصي . فلا يستطاع إذن تفسيره إلا طبقا للمذهل المادي .

 ( 3 ) السند لحامد : من يوقع هذا السند يلتزم لدائن عير معروف هو حامل السند . فهنا أيضاً نشأ الالتزام دون دائن ، ولا يفسر ذلك إلا المذهب المادي .

11 – تقرير المذهبين الشخصي والمادي : لا شك في أن النظرية المادية من شأنها أن تؤدي إلي نتائج عملية خطيرة الشأن أن تؤدي إلي نتائج عملية خطيرة الشأن رأينا جانباً منها ، وأدركنا كيف أنها تتمشي مع النظم الاقتصادية القائمة في الوقت الحاصر ومع سرعة تداول المال وتيسير سبل المعاملات . لذلك يجب الاحتفاظ بالمرونة التي يكسبها هذا المذهب لنظرية الالتزام .

على أنه لا يجوز في الوقت ذاته إغفال المذهل الشخصي . فلا يزال الالتزام رابطة فيما بين شخصين . ولا يزال لشخصية المدين والدائن أثر كبير في تكوين الالتزام وتنفيذه . فقد رأينا أنه لا بد من ودود طرفي الالتزام وقت التنفيذ على الأقل . وسنري أن نية الطرفين – وهذا شيء نفسي – يؤثر تأثيراً كبيراً في وجود الالتزام صحيحاً وفي تنفيذه على الوجه المطلوب . والنية قي السبيل الذي تتسرب منه العوامل الخلقية إلي القواعد القانونية . ونضيف إلي ما تقدم أن شخصية المدين بنوع خاص ضرورية في الالتزام ، لا عند تنفيذه فحسب ، بل أيضاً عند نشوئه ، وهذا ما يعترف به المذهل المادي ذاته . ووجود مدين معين في الالتزام إنما قو هذا ما يعترف به المذهب المادي ذاته . ووجود مدين معين في الالتزام إنما قو هذا الذي يقوم عليه الفرق الجوهري ما بين الحق الشخصي والحق العيني . فقد سبق أن أشرنا إلي أن سلطة الدائن على الشيء في الحق سلطة غير مباشرة يستعملها الدائن بواسطة المدين ، وهذا ما يجعل من غير المستطاع إغفال الرابطة الشخصية في الالتزام . والتقنين المدني الجديد ، إذا كان قد أخذ من المذهل المادي نتائج علمية هامة ، لم يهجر في الوقت ذاته المذهل الشخصي ، بل استبقاه في كثير من آثاره . وقد سبقت الإشارة إلي ذلك .


 ( [1] ) وساعد على ذيوع النظرية المادية في ألمانيا تحليل الحق الشخصي على اعتبار أنه حق على شيء ( Jus ad rem ) ، فاقترب بذلك من الحق العيني الذي هو حق في شيء ( Jus in re ) وقد أوعل الألمان في التحليل على هذا النحو ، حتى أصبح الحق الشخصي في النهاية خطوة نحو الحق العيني ، إذ يبقى حق الدائن شخصياً إلى يوم التنفيذ ، فإذا ما نفذ وتسلم الدائن الدين صار حقه عينيا على ما تسلمه .

وتساند مع النظرية المادية للالتزام نظريتان اخريان ، هما أيضاً ألمانيتان : نظرية الذمة المالية ونظرية المديونية والمسئولية .

فالذمة المالية ( Patrimoine ) ينظر إليها الألمان من الناحية المادية ولا يربطونها بالشخص . فهي مجموع من المال يتكون من عناصر ايجابية ( actif ) ومن عناصر سلبية ( Passif ) ، ويتميز لا باستناده إلى شخص معين ، بل بتخصيصه لغرض معين سواء استند إلى شخص أو لم يستند . ولما كان الالتزام من عناصر الذمة المالية التي هي شيء مادي ، فإنه يكسب منها هذه الصبغة .

ويميز الألمان بين المديونية ( Schuld ) والمسئولية ( Haftung ) . فالمديونية واجب قانونين معين يقوم به شخص لآخر . فهي إذن رابطة شخصية ما بين المدين والدائن ، تجعل على المدين واجب الوفاء وعلى الدائن واجب قبول هذا الوفاء . ولا تتضمن المديونية عامل الاجبار على الوفاء ، إنما الاجبار هو المعنى الذي تتضمنه المسئولية . فالمدين قد يكون مدينا ومسئولا في قوت معاً فيجمع ما بين المديونية والمسئولية ، وفي هذه الحالة يكون عليه واجب الوفاء ، ويمكن إجباره على ذلك .

وإجباره على الوفاء أما أن يكون بالتسلط على شخصه أو بالتسلط على ماله من طريق شخصه . وقد تنفصل المسئولية عن المديونية ، فلا يمكن إجبار المدين على الوفاء ( وهذا يقترب من الالتزام الطبيعي في القوانين اللاتينية ) ، ويكون هناك شخص آخر هو المسئول في شخصه ( ويقرب من الكفيل بالنفس في الشريعة الإسلامية ) أو في ماله عن طريق شخصه ( ويقرب من الكفيل الشخصي ) ، وقد تنحصر المسئولية في المال ، فيصبح المال دون الشخص في هذه الحالة هو المسئول ( ويقرب من الكفيل العيني أو الحائز للعقار المرهون ) . فالمسئولية تكون إذن على نوعين : 1 ) مسئولية شخصية تقع على شخص المسئول أو على ماله عن طريق شخصه . 2 ) ومسئولية عينية تقع على المال وحده دون نظر للشخص . ومن ثم يتبين أن المسئولية العينية ، وهي أحد العنصرين الجوهريين للالتزم ، تقع على المال مباشرة دون الشخص ، فتصطبغ بالصبغة المادية ( أنظر Rudolf Huebner ; A History of German Private Law ) ترجمة إلى الإنجليزية الأستاذ ( Philbrick ) لندن سنة 1918 ص 463 – ص 489 )

منشور في مقال أقوى محامي الأردن

قوانين أردنية  مهمة :

قانون التنفيذ الأردني وفق أحدث التعديلات

قانون العقوبات الأردني مع كامل التعديلات 

قانون التنفيذ الأردني مع التعديلات

 قانون المخدرات والمؤثرات العقلية

القانون المدني الأردني

قانون أصول المحاكمات الجزائية

قانون الملكية العقارية الأردني

قانون الجرائم الإلكترونية

قانون محاكم الصلح

جدول رسوم المحاكم

قانون العمل الأردني

قانون البينات الأردني

قانون أصول المحاكمات المدنية

 

 

مواضيع قانونية مهمة :

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

شروط براءة الاختراع في القانون الأردني

جريمة النصب في القانون المغربي

الذم والقدح والتحقير والتشهير

انعدام الأهلية ونقصها 

صفة التاجر مفهومها وشروطها

جريمة إساءة الأمانة

أحدث نموذج عقد إيجار

عقد البيع أركانه وآثاره

 

 

 

أضف تعليق